← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 687

الدخول في أمان غير المسلمين وآثاره في الفقه الإسلامي

عبد الحق التركماني

Полный текст (163 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

تفنيدُ قولِ الحنفيَّة: لقد تبيَّن لنا أنَّ رأي الحنفيَّة واردٌ في صورةٍ محدَّدةٍ، قد تكون موضع اجتهادٍ ونظرٍ، ومع ذلك فإنَّ عامَّة الفقهاء من السَّلف والخلف لم يسلِّموا به، بل ردُّوه ونقضوه، لخلوِّه من الدَّليل والبرهان، ومخالفته لأصول الشريعة وقواعدها الكليَّة: قال الإمام عبدُ الرَّحمن بن عمرٍو الأوزاعيُّ ﵀ (١): «الرِّبا عليه حرامٌ في أرض الحرب وغيرها، لأنَّ رسولَ الله ﷺ قد وضع من ربا أهل الجاهلية ما أدركه الإسلامُ من ذلك، وكان أول ربًا وضعَهُ ربا العبَّاس بن عبد المطلب ﵁ (٢). فكيف يستحلُّ المسلمُ أكلَ الرِّبا في قومٍ قد حرَّم الله عليه دماءَهم وأموالَهم (٣)، وقد كان المسلم يُبايع الكافرَ في عهد رسول الله ﷺ ؛ فلا يستحلُّ ذلك (٤)».

стр. 107

هذا النصُّ نقلَه الإمامُ أبو يوسف القاضي ﵀ تلميذُ أبي حنيفة وصاحبه ـ، وقال: «القول ما قال الأوزاعيُّ، لا يحلُّ هذا عندَنا، ولا يجوزُ. وقد بلغتنا الآثارُ التي ذكر الأوزاعيُّ في الرِّبا، وإنَّما أَحلَّ أبو حنيفة هذا لأنَّ بعض المشيخة حدَّثنا عن مكحولٍ: عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «لا ربا بين أهل الحرب» قال أبو يوسف: «وأهل الإسلام».». (١) ونقل الإمامُ الشافعيُّ ﵀ كلامَ الأوزاعيِّ وتعليقَ أبي يوسف، ثم قال: «القولُ كما قال الأوزاعيُّ وأبو يوسف، والحُجَّةُ كما احتجَّ الأوزاعيُّ. وما احتجَّ به أبو يوسف لأبي حنيفةَ ليس بثابتٍ، ولا حُجَّةَ فيه». (٢) وقال الماورديُّ ﵀: «فإذا تقرَّر أنَّ الربا حرامٌ؛ فلا فرقَ في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب. فكلُّ عقدٍ كان ربًا حرامًا بين مسلمين في دار الإسلام؛ كان ربًا حرامًا بين مسلم وحربيٍّ في دار الحرب، سواء دخل المسلم إليها بأمان أو بغير أمان ... والدلالةُ على أنَّ الربا في دار الحرب حرام كتحريمه في دار الإسلام: عمومُ ما ذكرنا من الكتاب والسنة، ثم من طريق المعنَى والعِبْرَة: أنَّ كل ما كان حرامًا في دار الإسلام كان حرامًا في دار

стр. 108

الشرك؛ كسائر الفواحش والمعاصي، ولأنَّ كل عقد حَرُمَ بين المسلم والذميِّ حَرُمَ بين المسلم والحربيِّ كدار الإسلام، ولأنَّه عقدٌ فاسدٌ فوجب ألا يستباح به المعقود عليه كالنِّكاح. فأمَّا احتجاجُه بحديث مكحولٍ فهو مرسلٌ، والمراسيل عندنا ليست حجةً. فلو سُلِّمَ لهم لكان قوله: «لا ربا» يحتمل أن يكون نفيًا لتحريم الرِّبا، ويحتمل أن يكون نفيًا لجواز الرِّبا. فلم يكن لهم حَمْلُهُ على نفي التَّحريم إلا ولنا حَمْلُه على نفي الجواز، ثم حملُنا أولَى لمعاضدة العموم له. وأمَّا احتجاجُه بأنَّ أموالَهم يجوز استباحتها بغير عقدٍ فكان أولى أن تستباح بعقدٍ؛ فلا نُسلِّم إذا كانت المسألةُ مفروضةً في دخوله إليهم بأمانٍ، لأنَّ أموالهم لا تستباح بغير عقدٍ، فكذا لا يستبيحها بعقدٍ فاسدٍ. ولو فرضت المسألة مع ارتفاع الأمان لما صحَّ الاستدلالُ من وجهٍ آخرَ، وهو أنَّ الحربيَّ إذا دخل دار الإسلام جاز استباحةُ ماله بغير عقدٍ، ولا يجوز استباحته بعقدٍ فاسدٍ. ثم نقول: ليس كل ما استبيح منهم بغير عقدٍ جاز أن يُستباح منهم بالعقد الفاسد، ألا ترى أن الفروج يجوز استباحتها منهم بالفيء من غير عقدٍ ولا يجوز استباحتها بعقد فاسد؟! فكذا الأموال، وإن جاز أن تُستباح منهم بغير عقد لم يجز أن تُستباح بالعقد الفاسد». (١) وقال أبو بكر ابنُ العربيِّ المالكيُّ ﵀: «إنَّ ما يجوز أخذه بوجهٍ جائزٍ في الشرع من غلَّة وسرقة في سَريَّة، فأمَّا إذا أعطى من نفسه الأمانَ، ودخل دارهم؛ فقد تعيَّن عليه أَنْ يفيَ بألا يخونَ عهدَهم، ولا يتعرَّض لمالهم، ولا لشيءٍ من أمرهم، فإنْ جوَّز القومُ (٢) الرِّبا؛ فالشَّرع لا يُجوِّزه. فإن قال أحدٌ: إنَّهم لا يخاطبون بفروع الشريعة؛ فالمسلمُ مخاطبٌ بها». (٣)

стр. 109

وقال ابنُ قدامة ﵀: «ويحرُمُ الرِّبا في دار الحرب، كتحريمه في دار الإسلام. وبه قال مالكٌ (١)، والأوزاعيُّ، وأبو يوسف، والشافعيُّ، وإسحاق (٢). وقال أبو حنيفة: لا يجري الرِّبا بين مسلمٍ وحربيٍّ في دار الحرب. وعنه: في مسلمَيْن أسلما في دار الحرب لا ربا بينهما. لما روَى مكحولٌ: عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «لا ربا بين المسلمينَ وأهل الحرب في دار الحرب». ولأنَّ أموالَهم مباحةٌ، وإنَّما حظَرَها الأمانُ في دار الإسلام، فما لم يكن كذلك كان مباحًا. ولنا: قولُ الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]. وعمومُ الأخبار يقتضي تحريم التَّفاضُل، وقوله ﷺ : «مَنْ زادَ أو ازْدَادَ فقد أَرْبَى». (٣) عامٌّ، وكذلك سائرُ الأحاديث. ولأنَّ ما كان محرَّمًا في دار الإسلام كان محرَّمًا في دار الحرب، كالربا بين المسلمين. وخبرُهم مرسلٌ لا نعرف صحَّته، ويحتمل أنه أراد النَّهي عن ذلك، ولا يجوز تركُ ما ورد

стр. 110

بتحريمه القرآنُ، وتظاهرت به السنَّة، وانعقد الإجماعُ على تحريمه؛ بخبرٍ مجهولٍ، لم يردْ في صحيحٍ، ولا مسندٍ، ولا كتابٍ موثوقٍ به، وهو مع ذلك مرسَلٌ محتمَلٌ. ويحتمل أنَّ المراد بقوله: «لا ربا» النهي عن الربا، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ في الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وما ذكروه من الإباحة منتقَضٌ بالحربيِّ إذا دَخَلَ دارَ الإسلامِ، فإنَّ مالَه مباحٌ، إلا فيما حظَرَهُ الأمانُ، ويمكن حمله بين المسلمين على هيئة التَّفاضُل، وهو محرَّمٌ بالإجماع، فكذا هاهنا». (١) تنبيه وأختم هذا المبحث بالتنبيه على أمرين مكمِّلَين وموضِّحَين لما سبق: الأَوَّلُ: أنَّ هذه المسألة مبنيَّة على ما سبق شرحه من اتفاق الفقهاء على لزوم صفة الحرب لكلِّ دارِ كفرٍ (٢)؛ فهذه الصفة موجبةٌ ـ عندهم ـ لاستباحة تلك الدار. وقد اتَّفقُوا ـ هنا ـ على أنَّ العهد مزيلٌ لتلك الاستباحة بقَدْرِ نُفُوذِهِ، ثم اختلفوا فيما لم يكن للعهد نفوذٌ فيه، وهو صفة الحرب. وقد شرحنا وجه عدم تصوِّرهم إمكان زوالها، وبيَّنا أنَّ زوالها قد تحقَّق في هذا العصر بما التزمتْ به الدُّوَلُ من عهودٍ ومواثيقَ في أن تكون العلاقات بينها على أساس السِّلْم ابتداءً وأصالةً. وهذا مستوجِبٌ لنفوذِ أثَرِ العهدِ بإطلاقٍ، ويحقِّقُ زوالَ صفة الحرب ابتداءً وأصالةً. ويؤكِّد هذا ما بعده.

стр. 111

الثاني: أنَّ مَنْ أخذ مِنَ المعاصرين بقول الحنفية في جواز بعضِ صُوَرِ الرِّبا خارجَ دار الإسلام؛ لم يلتزمْ بقولهم في دار الحرب، بل صرَّح بأنَّ: «العالَمَ كلَّه بالنِّسبة لنا ـ نحنُ المسلمينَ ـ يعتبر: دارَ عهدٍ؛ فيما عدا دولة الكيان الصهيونيِّ: «إسرائيل»، فنحن نرتبط مع هذا العالم مِنْ حولنا بميثاق الأمم المتحدة، بوصفنا نحن المسلمين جميعًا أعضاءً في هذه الهيئة» (١). وهذا كافٍ في نقضِ أيِّ تعلُّقٍ بقول الحنفية لتسويغ ما ينافي موجب العهد والأمان بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وبه يتأكَّد مرادنا من هذا المبحث، وبالله التوفيق.

стр. 112

الأثر الرَّابع: جوازُ معاملَتِهم بالبَيْعِ والشِّراءِ والهِبَةِ والقَرْضِ والرَّهْنِ وسائرِ المعاملاتِ المباحة يتعلَّقُ النَّظرُ في المعاملات المالية بين المسلم وغير المسلم بأصلين جامعين، هما: وَجْهُ التَّملُّكِ، وعينُ ما يجري عليه العقدُ. أما وجه التملُّك: فليس على المسلم أن يبحث عن السبب والطريقة التي تم بها انتقال الملكيَّة ليد الكافر، هل هي جائزة في شرعنا أم محرمة؟ إلا أن تكون عن سرقةٍ أو غصبٍ معلومٍ. أما عينُ ما تتمُّ المعاوضة عليه: فلا بدَّ أن تكون مباحة في شرعنا، فلا يجوز للمسلم التجارة في الخنزير والخمر وغيرهما من المحرمات، كما لا يجوز له قبول هديَّة محرَّمة، سواء كان من مسلمٍ أو من كافرٍ. فبهذين الضابطين يستطيع المسلم معاملة غير المسلم من غير حرجٍ، وقد كان رسول الله ﷺ يتعامل مع المشركين وأهل الكتاب بالبيع والشراء والقرض والرهن، ويقبل هديَّتهم، ويأكل من طعامهم، ولا يسأل عن وجه تملُّكهم له، ما دام في نفسه حلالاً طيِّبًا. قال أبو بكر ابنُ العربيِّ المالكيُّ ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]: «قد بيَّن الله تعالى في هذه الآية أنَّهم نُهُوا عن الربا وأكل المال بالباطل، فإن كان ذلك خبرًا عمَّا نزل على محمد ﷺ في القرآن، وأنَّهم دخلوا في الخطاب؛ فبِهَا ونِعْمَتْ. وإن كان ذلك خبرًا عمَّا أنزل الله على موسَى ﷺ في التَّوراة، وأنَّهم بدَّلُوا وحرَّفُوا

стр. 113

وعصَوا وخالَفُوا؛ فهل يجوز لنا معاملتهم، والقوم قد أفسَدُوا أموالَهم في دِينهم أم لا؟ فظنَّتْ طائفةٌ أنَّ معاملتهم لا تجوز؛ وذلك لما في أموالهم من هذا الفساد. والصَّحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرَّم الله سبحانه عليهم، فقد قام الدَّليلُ القاطعُ على ذلك قرآنًا وسنةً: قال الله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا نصٌّ في مخاطبتهم بفروع الشَّريعة، وقد عامل النبيُّ ﷺ اليهودَ، وماتَ ودرعُه مرهونةٌ عند يهوديٍّ في شعيرٍ أخذَهُ لعياله (١). وقد رُوي عن عُمر بن الخطَّاب أنَّه سُئلَ عمَّن أخَذَ ثمن الخمر في الجِزْيَة والتِّجارة؟ فقال: «وَلُّوهُم بَيْعها، وخذُوا منهم عُشْر أَثْمانِها». (٢) والحاسمُ لداء الشكِّ والخلافِ: اتِّفاقُ الأئمة على جواز التِّجارة

стр. 114

مع أهل الحرب، وقد سافر النبيُّ ﷺ إليهم تاجرًا (١)؛ وذلك أمرٌ قاطعٌ على جواز السَّفَر إليهم، والتِّجارة معهم. فإِنْ قيل: كان ذلك قبل النبوة! قلنا: إنَّه لم يتدنَّس قبل النبوَّة بحرامٍ، ثبت ذلك تواترًا، ولا اعتذر عنه إذ بُعِثَ، ولا منع منه إذ نُبِّئَ، ولا قطعه أحدٌ من الصحابة في حياته، ولا أحدٌ من المسلمين بعد وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فكِّ الأسرى، وذلك واجبٌ. وفي الصُّلح كما أَرسلَ عثمانَ (٢) وغيره، وقد يجبُ، وقد يكون ندبًا، فأمَّا السَّفر

стр. 115

إليهم لمجرَّد التِّجارة فذلك مباحٌ». (١) وهذا الأصلُ بيِّنٌ يقطع به كلُّ مسلم عاقل، ومع ذلك فقد ألقى الشيطان إلى نفوس بعض ضعفاء المسلمين المقيمين في الغرب؛ بأنَّ جميع معاملاتهم مع أهل تلك البلاد محرَّمة، لانتشار الربا والمحرمات في معاملاتهم! وأدَّى بهم هذا الوسواس إلى استحلال مباشرة جميع المعاملات المحرمة، وإلى استحلال أموال الكفَّار بالسرقة والاحتيال! نسأل الله تعالى السَّلامة والعافية.

стр. 116

الأثر الخامس: أنَّ المسلمَ إذا دَخَلَ بلادَ الكفَّار الحربيِّينَ وكان يقصِدُ القيامَ بعمليَّاتٍ عسكريَّةٍ ضدَّهم، فأَظْهَرَ لهم طلبَ الدُّخولِ في أمانِهم، فأَعْطَوهُ الأمانَ، وسَمَحُوا له بدخول بلادهم؛ وَجَبَ عليهِ ـ ديانةً وأخلاقًا ـ الالتزامُ بعقد الأمان، وحَرُمَ عليه الغدرُ بهم ليس لهذا الأثر تعلُّق بواقع المسلمين المقيمين في بلاد الغرب، لأنَّهم جاؤوا إليها طلبًا للأمان وأسباب المعيشة والاستقرار، ولكنه لا يخلو من فائدةٍ في بيان ما في كلام فقهاء الإسلام من تأصيلاتٍ رائعةٍ للعلاقات الدَّولية في حالتَي الحرب والسِّلم، وتعظيمٍ للعهود والمواثيق، وتأكيدٍ على الالتزام بها على وجهِ التديُّنِ لله . قال السَّرخسيُّ ﵀: «ولو أنَّ رهطًا من المسلمين أتوا أوَّل مَسَالِحِ (١) أهل الحرب؛ فقالوا: نحن رسلُ الخليفة. وأخرجوا كتابًا يشبه كتاب الخليفة، أو لم يخرجوا، وكان ذلك خديعةً منهم للمشركين. فقالوا لهم: ادخلوا. فدخلوا دار الحرب؛ فليس يحلُّ لهم قتل أحدٍ من أهل الحرب، ولا أخذ شيءٍ من أموالهم ما داموا في دارهم. لأنَّ ما أظهروه لو كان حقًّا كانوا في أمانٍ من أهل الحرب، وأهل الحرب في أمانٍ منهم أيضًا، لا يحلُّ لهم أن يتعرَّضوا لهم بشيءٍ.

стр. 117

والحكم في الرُّسل إذا دخلوا إليهم كما بيَّنا. فكذلك إذا أظهروا ذلك من أنفسهم، لأنَّه لا طريق لهم إلى الوقوف على ما في باطن الدَّاخلين حقيقةً، وإنَّما يُبنَى الحكم على ما يظهرون لوجوب التَّحرُّزِ عن الغدر، وهذا لما بيَّنا: أنَّ أمر الأمان شديدٌ، والقليلُ منه يكفي. فيُجعَلُ ما أظهروه بمنزلة الاستئمان منهم، ولو استأمَنُوا فآمَنُوهم؛ وجَبَ عليهم أن يفُوا لهم، فكذلك إذا ظهر ما هو دليل الاستئمان. وكذلك لو قالوا: جئنا نريد التجارةَ. وقد كان قصدهم أن يغتالوهم، لأنَّهم لو كانوا تُجَّارًا حقيقةً كما أظهروا؛ لم يحلَّ لهم أن يغدروا بأهل الحرب، فكذلك إذا أظهروا ذلك لهم». (١)

стр. 118

الأثر السادس: إذا دَخَلَ جماعةٌ من المسلمين في أَمانِ قومٍ من الكفَّارِ الحربيِّينَ، ثم قامتِ الحربُ بينهم وبين جماعةٍ أُخرَى من المسلمين؛ لم يَجُزْ لأولئك المسلمينَ المستأمَنِين نصرةُ إخوانِهم المسلمينَ إلا بعدَ أَنْ يُلْغُوا عَقْدَ الأَمانِ مع أولئك الكفَّارِ، ويُعْلِمُوهُمْ بذلكَ قال الإمام الشافعيُّ ﵀: «وإذا دخل جماعة من المسلمين دار الحرب بأمانٍ، فسبَى أهلُ الحرب قومًا من المسلمين؛ لم يكن للمستأمَنين قتال أهل الحرب عنهم، حتَّى يَنْبِذُوا إليهم، فإذا نَبَذُوا إليهم فحَذَّروهم، وانقطع الأمان بينهم؛ كان لهم قتالهم. فأمَّا ما كانوا في مدَّة الأمان فليسَ لهم قتالُهم». (١) وقال الشافعيُّ أيضًا: «إذا دخل قومٌ من المسلمين بلادَ الحرب بأمانٍ؛ فالعدوُّ منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبْلُغُوا مدَّةَ أمانِهم، وليسَ لهم ظُلْمُهم، ولا خيانَتُهم. وإن أَسَرَ العدوُّ أطفالَ المسلمينَ ونساءَهم؛ لم أَكُنْ أُحبُّ لهم الغَدْرَ بالعدوِّ، ولكن أُحبُّ لهم لو سأَلُوهم أَنْ يَردُّوا إليهم الأمانَ، ويَنْبِذُوا إليهم، فإذا فعَلُوا؛ قاتلُوهم عن أطفالِ المسلمين ونسائِهم». (٢)

стр. 119

وبرهان هذا صريحُ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]؛ فمنع الله تعالى المؤمنين من نصرة إخوانهم في الدين إن كان في ذلك نقضٌ للعهد، ومخالفةٌ لشروط الهدنة والموادعة. ولم يختلف المفسرون في أنَّ هذا مقصودُ الآية. قال ابن عطيَّة ﵀ (١): «وقوله: ﴿وإن استنصروكم﴾ يعني: إن استدعَى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصرَكم على قوم من الكفرة، فواجبٌ عليكم نصرُهم، إلا إنْ استنصروكم على قومٍ كفارٍ قد عاهدتموهم أنتم، وواثقتموهم على ترك الحرب؛ فلا تنصروهم عليهم، لأنَّ ذلك غدْرٌ ونقضٌ للميثاق، وترك لحفظ العهد، والوفاء به». (٢) وقال ابنُ كثير ﵀: «يقول تعالى: وإن استنصروكم هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتالٍ دينيٍّ، على عدوٍّ لهم؛ فانصروهم، فإنَّه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانُكم في الدِّين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: مهادنةٌ إلى مدَّة، فلا تخفروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم. وهذا مرويٌّ عن ابن عباس ﵁». (٣) وقد كان النبيُّ ﷺ يشدِّدُ في أمر العهد فنهَى عن نقضه بأيِّ وجهٍ من الوجوه، وعلى ذلك سارَ صحابته الكرام ﵃ كما يظهر من سيرتهم وآثارهم،

стр. 120

ومن ذلك ما رواه سُلَيم بن عامرٍ قال: كان بين معاويةَ بن أَبي سُفيانَ ﵁ وبين الرُّوم عهدٌ، فكان يسيرُ في بلادهم، حتَّى إذا انقضَى العهدُ أغارَ عليهم، وإذا رجلٌ على دابَّةٍ، أو على فرسٍ، وهو يقول: الله أكبر، وفاءٌ لا غدرٌ ـ مرَّتين ـ فإذا هو عمرو بن عَبَسَةَ السلميُّ، فقال له معاويةُ: ما تقول؟ قال عمرو: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ كانَ بينه وبينَ قومٍ عهدٌ، فلا يَحُلَّنَّ عقدةً، ولا يشدَّها، حتَّى يمضي أمدُها، أو يَنْبِذَ إليهم على سواءٍ». فرجع معاويةُ بالنَّاس. (١)

стр. 121

وقال يزيد بن هارون ﵀ (١): «لم يُرِدْ معاوية أن يُغِيرَ عليهم قبلَ انقضاء المدَّة، ولكنَّه أرادَ أن تنقضي وهو في بلادهم، فيُغير عليهم وهم غارُّون، فأنكر ذلك عمرُو بن عبسة، إلا أن لا يدخل بلادهم حتى يعلمهم، ويخبرهم أنه يريد غزوهم». (٢) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «جاءت السنةُ بأنَّ كلَّ ما فَهِمَ الكافرُ أنه أمان كان أمانًا لئلَّا يكون مخدوعًا، وإن لم يقصد خدعه». وذكر حديث عمرو بن عبسة، وقال: «ومعلوم أنَّه إنَّما نهى عن ذلك لئلَّا يكون فيه خديعة بالمعاهَدين، وإن لم يكن في ذلك مخالفة لما اقتضاه لفظ «العهد»، فعلم أنَّ مخالفة ما يدل عليه العقدُ لفظًا أو عُرفًا خديعة، وأنه حرام» (٣).

стр. 122

وقد استشكل بعضُهم هذا الحكم الشرعيَّ الصَّحيحَ الصَّريحَ الذي لا يَرِدُ عليه إشكالٌ، بدعوى أنَّ فيه إسقاطًا لما توجبه الأخوةُ الإسلاميَّة على المسلمين المقيمين في بلاد الغرب من النُّصرة والدَّعم والتَّأييد لإخوانهم المظلومين في فلسطين وغيرها من البلاد. وهذه الدَّعوى باطلةٌ، فليس في الآية الكريمة ولا فيما فهمه الأئمة منها: النهي عن نصرة أولئك المؤمنين بإطلاقٍ، وإنَّما عن نصرتهم بالقتال عند قيام مانعٍ وهو العهد والميثاق، «فإذا نبذوا إليهم فحذَّروهم، وانقطع الأمان بينهم؛ كان لهم قتالهم .. ». هذا نصُّ كلام الشافعيِّ. ثم قد تكون النُّصرة من غير نبذ للعهد، ولا إنهاءٍ للأمان، وذلك بوجوه كثيرةٍ غير منافيةٍ لعقد الأمان، كما هو واقع المسلمين في الدُّول الغربية، حيث تسمح لهم قوانين تلك الدول بكثيرٍ من الأعمال والنشاطات السياسية والاجتماعية التي فيها نصرة كبيرة لإخوانهم، كجمع التبرعات، والمشاركة في وسائل الإعلام المختلفة، وفي أعمال المؤسسات الإغاثية، وغير ذلك من وجوه النصرة والتأييد. وإنما المحظور أن يتوهَّم المسلم أنَّه في حلٍّ من عقد الأمان ـ الذي التَزَمَهُ، ودخل فيه بمَحْضِ اختياره ـ فيحمله ذلك على أعمالٍ مسيئةٍ، منافيةٍ لواجب الوفاء بالوعد، والالتزام بالعهد؛ كالتَّفجيرِ والقَتْلِ والإفسادِ في الأرض. وقد أخذ بهذا الفقه السَّديد أشهرُ علماء العصر: العلامةُ الراحل عبدُ العزيز بن عبد الله بن باز ﵀ (١) فقال ـ في رسالةٍ له لأحد العلماء،

стр. 123

وكان قد أفتَى بوجوب محاربة وقتال الإنجليز في جميع البلاد عامَّةً، بسبب محاربتهم وعدوانهم على مصرَ خاصَّةً ـ ما نصُّه: «قلتم: يجب على كلّ مسلمٍ في أيِّ بقعةٍ من بقاع الأرض أن يحاربهم، وأن يقتلهم حيثما وُجدوا، مدنيِّين كانوا أو عسكريِّين، ... الخ. أقول: هذا التعميم والإطلاق فيه نظرٌ، لأنَّه يشمل المسلمين الموجودين في مصر وغيرَهم. والصوابُ: أنْ يُستثنَى من ذلك مَن كان من المسلمين رعيةً لدولةٍ أخرى من الدول المنتسبة للإسلام التي بينها وبين الإنجليز مهادنةٌ، لأنَّ محاربة الإنجليز لمصر لا توجب انتقاضَ الهدنةِ التي بينها وبين دولة أخرى من الدول الإسلامية، ولا يجوز لأيِّ مسلمٍ من رعيَّة الدولة المهادِنَة محاربة الإنجليز لعدوانهم على مصر، وعدم جلائهم عنها. والدَّليلُ على ذلك قوله سبحانه في حقِّ المسلمينَ الذين لم يهاجروا: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ومن السنَّةِ: قصَّة أبي جَنْدل وأبي بصيرٍ لمَّا هربَا من قريشٍ وقتَ الهدنةِ، والقصَّةُ لا تَخفى علَى فضيلَتَكُم» (١). قلتُ: والقصة التي أشار إليها الشيخُ ﵀ هي أنَّ النبيَّ ﷺ قد صالح أهل مكَّة في الحُديبية، في السنة السادسة بعد الهجرة، وكان من شروط الصلح أن يردَّ النبيُّ ﷺ من يلحق به من كفَّار مكة مسلمًا أو يريد الإسلام (٢)، فجاءه هناك أبو جندلِ ابنُ سُهيل بن عمرو مسلمًا، فطالبوا به؛ فردَّه إليهم، فصرخَ أبو جندلٍ ـ بأعلى صوته ـ: يا معاشر المسلمين! أُردُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا، ألا تَرونَ إلى ما لقيتُ؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله. فقال رسول الله ﷺ : «يا أبا جندلٍ! اصبِرْ واحتسبْ، فإنَّ الله جاعلٌ لكَ، ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، إنَّا قد عقَدْنا بيننا وبين

стр. 124

القوم صُلْحًا، فأَعطيناهم على ذلكَ، وأعطونا عليه عهدًا، وإنَّا لن نَغْدِرَ بهم» (١). وقد وفَّى رسول الله ﷺ بعهده مع المشركين، رغم تمكُّن بعض المسلمين من الهرب من مكَّة والالتجاء إلى دولة الإسلام في المدينة، ففي تمام قصَّة صلح الحديبية: أنَّ النبيَّ ﷺ رجَعَ إلى المدينة؛ فجاءه أبو بصيرٍ ـ رجلٌ من قريش ـ وهو مسلمٌ، فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: العهدَ الذي جعلتَ لنا! فدفَعَه ﷺ إلى الرجلين، فخرجا به، حتى بلغا ذا الحليفة (٢)، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم، فقال أبو بصيرٍ لأحد الرجلين: والله إنِّي لأرى سيفكَ هذا يا فلان جيدًا! فاستلَّه الآخرُ، فقال: أجلْ، والله إنَّه لجيِّدٌ، لقد جرَّبتُ به ثم جربتُ! فقال أبو بصير: أرني أنظر إليه! فأَمْكَنَه منه، فضربه حتى بَرَدَ (٣)، وفَرَّ الآخرُ، حتَّى أتى المدينةَ، فدخل المسجدَ يعدو، فقال رسولُ الله ﷺ ـ حينَ رآه ـ: «لقد رأى هذا ذُعرًا». فلمَّا انتهى إلى النبيِّ ﷺ قال: قُتل والله صاحبي، وإنِّي لَمقتولٌ. فجاء أبو بصيرٍ، فقال: يا نبيَّ الله! قد ـ والله! ـ أوفَى الله ذِمَّتكَ، قد ردَدْتَني إليهم، ثم أَنْجاني الله منهم. قال النبي ﷺ : «وَيْلَ أمِّه مِسْعَرَ حربٍ، لو كان له أحدٌ». فلمَّا سمع ذلك؛ عرف أنه سيردُّه إليهم، فخرج حتَّى أتى سِيْفَ البحر (٤)، قال: وينْفَلتُ منهم أبو جندلٍ ابنُ سُهيل، فلحق بأبي بصيرٍ، فجعل لا يخرج من قريشٍ رجلٌ قد أسلم إلا لَحِقَ بأبي بصيرٍ، حتَّى اجتمعتْ منهم

стр. 125

عصابةٌ، فوالله ما يسمعونَ بِعِيرٍ (١) خرجتْ لقريشٍ إلى الشام؛ إلا اعترضوا لها فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلتْ قريشٌ إلى النبيِّ ﷺ تناشدُه باللهِ والرَّحمِ لَمَّا أَرْسَلَ (٢)؛ فمن أتاه فهو آمِنٌ، فأرسلَ النبيُّ ﷺ إليهم (٣).

стр. 126

الأثر السابع: جواز السَّفَر بالقرآن حال العهد والأمان عن عبد الله بن عمر ﵄: عن رسول الله ﷺ أنَّه كان ينهى أن يُسافَر بالقرآن إلى أرض العدوِّ، مخافةَ أَنْ ينَالَهُ العَدُوُّ. (١) قال العلامة النوويُّ ﵀: «في الحديث النَّهيُ عن المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفَّار للعلَّة المذكورة في الحديث، وهي خوف أَنْ ينالوه، فينتهكوا حُرْمته، فإن أُمِنَتْ هذه العلةُ بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهرين عليهم فلا كراهةَ ولا منعَ منه حينئذٍ لعدم العلة، هذا هو الصحَّيح، وبه قال أبو حنيفة والبخاريُّ وآخرون. وقال مالكٌ وجماعة من الشافعية بالنَّهي مطلقًا». (٢) وقال السرخسيُّ ﵀: «وإن دخل إليهم مسلم بأمانٍ؛ فلا بأس بأن يدخل معه المصحف إذا كانوا قومًا يوفون بالعهد، لأن الظاهر هو الأمنُ من تعرُّض العدوِّ لما في يده. فأمَّا إذا كانوا ربَّما لا يوفون بالعهد؛ فلا ينبغي له أن يحمل المصحف مع نفسه إذا دخل دارهم بأمانٍ». (٣) وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ (٤): «لا يجوز للإنسان أن يسافر بالمصحف إلى بلاد الكفار، وذلك لأنه يُخشى أن يقع في أيديهم

стр. 127

فيستهينوا به، ويُذِلُّوه، والقرآن أشرف وأعظم من أن يكون في يدي العدوِّ، وهذا إذا خيف عليه، أما إذا لم يخف عليه؛ كما في وقتنا الحاضر: فلا بأس، فيجوز للإنسان إذا سافر في تجارة أو دراسة في بلد الكفار أن يذهب ومعه المصحفُ، ولا حرج عليه» (١). وقال أيضًا: «لا بأس أن يحمل الإنسان القرآن إلى بلاد غير إسلامية لأن أهل العلم إنما ذكر بعضهم تحريم السفر بالقرآن إلى دار الحرب التي يخشى أن يستولي هؤلاء الأعداء على هذا المصحف فيهينوه، وأما بلاد بينها وبين بلدك معاهدةٌ ـ كما هو الجاري المعروف الآن بين الدول ـ فإنه لا حرج أن يستصحب الإنسان كتاب الله ليقرأ به وليقرأه غيره من المسلمين هناك فيحصل النفع للجميع» (٢). فهذا الحكم مبنيٌّ على تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وتُخرَّج عليه مسائل كثيرة تتعلَّق بواقع وجود المسلمين في بلاد غير إسلامية، منها: إقامة الجمعة والجماعات والأعياد، وبناء المساجد والمدارس، وتأسيس الجمعيات والمراكز، وترجمة الكتب وطباعتها وتوزيعها، وغير ذلك من النشاطات الإسلامية.

стр. 128

الأثر الثَّامن: أنَّ المسلمينَ المستأمَنينَ في بلاد الكفَّار لا يقيمونَ الحدودَ بينهم، لعَدَمِ وُجودِ وِلايةٍ إسلاميَّةٍ عليهم، لكنَّهم يلتزمون بما يترتَّب على ارتكابِ المعاصي الموجِبَة للحدود من توبةٍ وصومٍ وكفارةٍ ودِيَةٍ، ونحو ذلك ، مما يلزمهم ديانةً اتَّفق العلماء على أنَّ إقامةَ الحدودِ مِنْ وظائفِ الحكومة الإسلامية، وأنَّه لا يجوز للأفراد والجماعات إقامةُ شيءٍ منها إلا في ظلِّ وجود السلطة الإسلامية، وبإذنها وتخويلها (١). والمسلمون المقيمون في بلاد غير إسلامية لا يخضعون لوِلايةٍ إسلاميَّةٍ، ولا تسمح لهم قوانين تلك البلاد بإقامة الحدود فيما بينهم، إذ تعتبر ذلك منافيًا لسلطة الدَّولة، وانتهاكًا لسيادتِها على أراضيها، وخروجًا على شروط المواطنة والإقامة، لهذا لا يشرعُ لهم إقامة القصاص والحدود فيما بينهم، ولا يسقط عمَّن ارتكب موجبهما الحكمُ الدِّينيُّ التعبُّديُّ والعقوبةُ الأُخرويةُ. وهذه المسألة تُخَرَّجُ على مسألة قريبةٍ منها قد بحثها العلماء قديمًا في أبواب الجهاد، وهي إقامة الحدود في الجيش الإسلامي عندما يكون في أرض العدوِّ، أو في ثغور القتال والمواجهة معه، فهذه الصورة تشترك مع صورة

стр. 129

مسألتنا في وجود جماعة من المسلمين خارج حدود سلطان المسلمين، وقد اختلف العلماء فيها: فقال المالكية والشافعية: يجب على الإمام إقامة الحدود على من أصاب شيئًا منها، لأنَّ إقامتَها فرضٌ كالصلاة والصوم والزكاة، ولا تُسقطُ دارُ الحرب عنه شيئًا من ذلك. وذهبَ الحنفيةُ إلى أنه لا يُقام عليه الحدُّ، ولو بَعْدَ رجوعه إلى دار الإسلام. وقال الحنابلةُ: تجب الحدودُ والقصاصُ، ولكنَّها لا تقام في دار الحرب، وتقام عليه بعد رجوعه من دار الحرب (١). ورغم اختلافهم هذا فإنَّهم لم يختلفوا في أنَّ إقامتها ليس إلا لمن له ولايةٌ شرعيَّة في إقامتها، فمن رأى أنَّ لأمير الجيش ولايةً من قبل الإمام أو أمير جهته؛ قال: إنه يقيمها. وهذا مذهب الأوزاعيِّ ﵀، حيث قال: «من أُمِّر على جيشٍ ـ وإن لم يكن أميرَ مصر من الأمصار ـ أقام الحدود في عسكره، غير القطع حتَّى يقفل من الدرب، فإذا قَفَلَ قَطَعَ». (٢) ومن رأى أنَّ صلاحيات أمير الجيش قاصرة على أمر الجهاد؛ اشترط لإقامتها وجود الإمام أو نائبه: قال أبو يوسف ﵀: «إذا خرج من الدَّرب فقد انقطعتْ ولايته عنهم، لأنَّه ليس بأميرِ مصرٍ ولا مدينةٍ، إنَّما كان أمير الجند في غزوهم ... وكيف يقيم أميرُ سريةٍ حدًّا وليس هو بقاضٍ، ولا أمير يجوز حكمه. أَوَ رأيتَ

стр. 130

القُوَّاد الذين على الخيول أو أمراء الأجناد يقيمون الحدودَ في دار الإسلام؟! فكذلك هم إذا دخلوا دار الحرب». (١) وقال الشافعي ﵀: «يقيمُ أميرُ الجيش الحدودَ حيث كانَ من الأرض؛ إذا وَلِيَ ذلك. فإنْ لم يولَّ: فعلى الشهود الذين يشهدون على الحدِّ أن يأتوا بالمشهود عليه إلى الإمامِ وَلِيِّ ذلك؛ ببلاد الحرب أو ببلاد الإسلام، ولا فرق بين دار الحرب ودار الإسلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود». (٢) وقال أيضًا: «وما فعل المسلمون بعضُهم ببعضٍ في دار الحرب؛ لزِمَهُم حكمه حيث كانوا، إذا جُعل ذلك لإمامهم، لا تضع الدَّار عنهم حدَّ الله، ولا حَقًّا لمسلمٍ». (٣) وبهذا يظهر اتِّفاقهم على اشتراط وجود الوِلاية الشَّرعية لإمام المسلمين أو من يُنيبه لإقامة القصاص والحدود. وما عدا القصاص والحدود من الأحكام الشرعية؛ كأحكام النِّكاح والطَّلاق، والأَيمان والكفارات، والدِّيَات والمواريث، والبيوع والقروض، وسائر الأحكام؛ فالواجب على كلِّ مسلمٍ الالتزام بها، وأداء ما يجب عليه أداؤُه منها، لما تقدَّم شرحه من لزوم حقِّ العبودية لله والطاعة له والخضوع لشرعه على عباده أجمعين، في كل زمانٍ ومكانٍ، بحسب القدرة والاستطاعة: قال الإمام الشافعيُّ ﵀: «في الأُسارى من المسلمين في بلاد الحرب يقتل بعضُهم بعضًا، أو يجرح بعضهم بعضًا، أو يغصِبُ بعضهم بعضًا، ثم يصيرون إلى بلاد المسلمين: إنَّ الحدودَ تقام عليهم إذا صاروا إلى بلاد المسلمين، ولا تمنع الدار حكم الله ، ويؤدُّون كلَّ زكاةٍ وجبتْ عليهم،

стр. 131

لا تضعُ الدَّار عنهم شيئًا من الفرائض». (١) وقال السرخسيُّ ﵀: «ولو دخل مسلمٌ دار الحرب بأمانٍ؛ فمكث فيها سنتين: فعليه الزكاةُ في المال الذي خلَّف، وفيما أفادَ في دار الحرب، لأنَّه مخاطَبٌ بحكم الإسلام حيث ما يكون». (٢) وقال أبو بكر ابنُ العربيِّ المالكيُّ ﵀: «توهَّم قومٌ أنَّ ابنَ الماجِشُونَ (٣) لَمَّا قالَ: «إنَّ من زنَى في دار الحرب بحربيَّةٍ لم يُحَدَّ»؛ أنَّ ذلك حلالٌ! وهو جهل بأصول الشريعة، ومآخِذِ الأدلَّةِ، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦]؛ فلا يُباح الوطء إلا بهذين الوجهين، ولكنَّ أبا حنيفة يرى أنَّ دار الحرب لا حدَّ فيها، نازع بذلك ابنُ الماجِشُونَ معه. فأما التحريمُ: فهو متَّفق عليه، فلا تَسْتَزِلَّنَّكُمُ (٤) الغَفْلَةُ في تلك المسألة». (٥) ولا شكَّ أن إقامة هذه الأحكام الشرعية ـ أو الأكثر الأعمَّ منها ـ تدخل في حدِّ الاستطاعة للمقيمين في بلاد الغرب، بل إنَّ كثيرًا من الحكومات الغربيَّة تسمح بإجراء جملةٍ من أحكام الأحوال الشخصية وَفْقَ الشريعة الإسلامية، وتمنحُ المؤسساتِ الإسلاميَّةَ تصاريحَ رسميَّةً تخوِّلها بالتوثيق والاعتماد. هذا بالنسبة للجاليات الإسلامية، أما الأقليَّات الإسلامية فهي تتمتع بمساحةٍ أكبرَ من الحقوق والامتيازات.

стр. 132

الأثر التاسع: أنَّ المسلمَ المقيمَ في بلاد الكفَّار ينبغي عليه أَنْ يُعاملهم بالحسنَى ويَدْعُوَهم إلى الإسلام، ويتألَّفَهم بموافقتهم في غيرِ ما حرَّمه الله تعالى ، ولا يرتكبَ ما يحملهم على النُّفْرة من الدِّين الحقِّ، ولا يُثيرَهم بتصرُّفٍ يحملُهُم على إيذائه والإضرارِ به إنَّ أول ما يجب على المسلم المقيم في بلاد الكفَّار أن يعلمَ أنَّه في ساحة الدعوة والتبليغ، لا في ميدان الحرب والقتال، وفرقٌ كبير بين الحالين، وهو فرقٌ واقعيٌّ مؤثِّرٌ في الأحكام الشرعية، إذ لكلِّ مقامٍ مقال، ولكلِّ حالٍ أحكامُها المتعلِّقة بها، فمن لم يدرك هذا، ولم يتصرَّف بمقتضاه؛ فقد خرج في هذا عن حدود الشَّرع والفطرة والعقل. فالواجب في مقام الدَّعوة إلى الله تعالى بذل الجهد في تبليغ دين الله تعالى بالحجة والبرهان، وبالرِّفق والإحسان، وحُسْن الخطاب، والحرص على هداية المخالفين وإرشادهم إلى الدِّين الحقِّ، والصَّبر الجميل على أذاهم، ومقابلة إساءتهم بالعفو والصَّفح والسَّماحة والدُّعاء لهم بالهداية والإصلاح. هكذا كانت سنةُ المرسلين عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم، وبها أمر الله تعالى خاتَمَهم وإمامَهم محمدًا ﷺ ؛ فقام في قومه والنَّاس جميعًا بخير ما قامَ نبيٌّ في قومه من الدَّعوة والبيان والرِّفق والرَّحمة والإحسان. قال الله : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥].

стр. 133

وقال سبحانه: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٨ - ٨٩]. وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥]. وقال جلَّ ذِكْرُه: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]. ونهى الله تعالى المؤمنين عن سبِّ آلهة المشركين الباطلة ممَّا يثير حميَّتهم وعصبيَّتهم فيحملهم على سبِّ الإله الحقِّ، فقال : ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. وقد اشتدَّت عداوة المشركين في مكَّة للنبيِّ ﷺ ، وأوغلوا في إيذائه والتضييق على دعوته، وتعذيب أصحابه، فأرسل الله تعالى إليه مَلَكَ الجبال فقال له: يا محمدُ! إنَّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربُّك إليك لتأمرني بأمرك، فما شئتَ؟ إِنْ شئتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهم الأخشبَيْن (١)؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : «بل أَرجُو أنْ يُخرِجَ الله مِنْ أصلابِهم مَن يعبُدُ الله وحدَه لا يشركُ به شيئًا». (٢) وقال عبدُ الله بن مسعودٍ ﵁: كأنِّي أَنظرُ إلى النبيِّ ﷺ يحكي نبيًّا من الأنبياء ضرَبَه قومُه فأَدموه، وهو يمسح الدَّمَ عن وجهه، ويقول: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لقومي، فإنَّهم لا يعلمون». (٣)

стр. 134

وقال أبو هريرة ﵁: قيل: يا رسولَ الله ادْعُ على المشركين! فقال: «إِنِّي لم أُبعَثْ لعَّانًا، وإنَّما بُعثْتُ رَحْمَةً». (١) وقد ذهب بعضُ العلماء إلى أنَّ هذه الآيات والأحاديث ـ ومثيلاتها في الأمر بحسن الدَّعوة والمجادلة وبالصَّبر والصَّفح والعفو ـ منسوخة بآيات الأمر بالقتال. والصَّحيحُ الذي عليه المحقِّقون من العلماء أنَّها غير منسوخةٍ (٢)، وأنَّ لكلٍّ من الحكمين سببَه وموضعَه ومناسبته. ولا تكون الدَّعوة بالحسنى إلا بالإحسان إليهم، والبرِّ بهم، ومصاحبتهم بالمعروف، وتألُّفِ قلوبهم وَلَوْ بالموافقة في الأَنْماطِ العامَّة للحياة من المأكل والمشرب والملبس والمسكن، وفي العلاقات الإنسانيَّة في الدِّراسة والعمل والصِّناعة، وفي الآداب الاجتماعية في التقيُّد بالمواعيد، والاهتمام بالنَّظافة، والانضباط بالنِّظام العام وقواعد النَّشاط الاجتماعيِّ، وسائر ما تتحقَّق فيه المصلحة، ويُجلب به الخيرُ. قال شيخ الإسلام ابنُ تيمية النميريُّ ﵀: «إنَّ المخالفة لهم لا تكون إلا بعد ظهور الدِّين وعلوُّه كالجهاد، وإلزامهم بالجزية والصَّغَار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء؛ لم تُشرع المخالفة لهم، فلما كمل الدِّين، وظهر وعلا؛ شرع ذلك. ومثل ذلك اليوم: لو أنَّ المسلم بدار حربٍ، أو دار كفرٍ غيرِ حربٍ؛ لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم في الهدي الظَّاهر، لما عليه في ذلك من الضَّرر، بل قد يستحبُّ للرَّجُل ـ أو يجب عليه ـ أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظَّاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدِّين، والاطلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن

стр. 135

المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصَّالحة». (١) والضَّابط الكليُّ لمسألة الموافقة في الهدي الظَّاهر وسائر ما ذكرناه: هو أن لا تؤدِّيَ تلك الموافقةُ بالمسلم إلى: «ترك مأمور»، أو: «فعل محظور»، فلا يجوز للمسلم تألُّفهم ولا مداراتهم بارتكاب ما يخالف أحكام الإسلام بوجهٍ من الوجوه، سواء في باب الاعتقاد القلبيِّ، أو في باب القول، أو في باب الفعل: إتيانًا أو تركًا. وقد مكث النبيُّ ﷺ في مكة ثلاثَ عشرةَ سنة بعد البعثة؛ يدعو أهلها المشركين إلى عبادة الله تعالى وحده، فلم يستجب له من أهلها إلا الأقلُّون، ومع ذلك فقد كان يخالطهم، ويحضر مجالسهم، ويعاملهم بالبيع والشراء والقرض والرَّهن والوديعة وغيرها، ويوافقهم في المأكل والملبس والمسكن؛ ولا يخالفهم إلا فيما يوجبه عليه التَّوحيد لله تعالى، والانقيادُ لشرعه سبحانه، والتعظيم لدينه وأمره ونهيه. و كان ﷺ قبل نزول الوحي وورود التَّشريع لا يخالفهم إلا فيما تأباه فطرتُه السَّليمة القويمة، ويرفضه عقلُه الصَّحيح، وتنفر منه نفسه الطيِّبة الزكيِّة؛ فقد حفظ الله سبحانه تعالى نبيِّه الكريم ﷺ مِن قبائح الجاهلية وموبقاتِها وأدرانِها. وكان المشركون ليقينهم ـ في قرارة أنفسهم ـ بصدقه ﷺ وأمانته ونُبُل أخلاقه يودعون عنده أماناتِهم، فلم يكن رسول الله ﷺ فظًّا غليظًا، ولا مستكبرًا عنيدًا، بل كان ﷺ ليِّن الجانبِ، رقيقَ القَلْبِ، كريمَ الخُلُقِ، نقيَّ الطَّبْعِ، رفيقًا رحيمًا في أموره كلِّها، وبذلك وصفه ربُّه بقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وقوله عزَّ شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].

стр. 136

وهكذا كانت صفته ﷺ في «التوراة»: «يا أيها النبيُّ إنَّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا، وحِرْزًا للأُميِّين، أنت عبدي ورسولي، سمَّيتُك المتوكِّلَ، ليس بفَظٍّ، ولا غليظٍ، ولا سَخَّابٍ بالأسواق، ولا يدفع السيئةَ بالسيئةِ، ولكن يعفو ويصفحُ، ولن يقبضه الله حتَّى يُقيم به الملَّة العوجاءَ، بأنْ يقولوا: «لا إله إلا الله» فيفتح بها أعينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلْفًا». (١) وقد كانَ النبيُّ ﷺ الأسوةَ والقدوةَ في الصَّبر على الأذى، والدَّفع بالتي هي أحسن، وسيرته الشريفة زاخرة بالأمثلة الكثيرة، أكتفي منها بمثالٍ واحدٍ:

стр. 137

عن عائشة ﵂: أنَّ اليهودَ أتوا النبيَّ ﷺ فقالوا: السَّامُ عليكَ؟ قال: «وعليكم». فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكم، ولعنَكُم الله، وغضب عليكم! فقال رسول الله ﷺ : «مَهْلاً يا عائشةُ! عليكِ بالرِّفقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ أو الفُحْشَ». قالت: أَوَلَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: «أَوَلَم تسمعي ما قلتُ، رددتُ عليهم؛ فيستجابُ لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فِيَّ». (١) ففي هذا الحديث أدبٌ نبويٌّ كريم في الردِّ على من أساء في السلام عليه حقدًا منه وحسدًا، فأرشد النبيُّ ﷺ إلى الاكتفاء في الجواب بكلمة «وعليكم!»، فيرتدُّ على القائل ما أراد الإساءة به. قال ابن بطال القرطبيُّ ﵀: «في الحديث أدب عظيم من أدب الإسلام، وحضٌّ على الرفق بالجاهل والصفح والإغضاء عنه؛ لأنَّ الرسولَ ﵇ تركَ مقابلةَ اليهود بمثل قولهم، ونَهَى عائشةَ عن الإغلاظ في ردِّها، وقال: مهلاً يا عائشةُ! إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في جميع الأمور؛ لعموم قوله: «إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه» (٢)، وإن كان الانتصارُ بمثل ما قوبل به المرء جائزًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، فالصبر أعظم أجرًا وأعلَى درجةً لقوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، والصَّبْرُ أخلاقُ النبيين والصالحين، فيجبُ امتثال طريقتهم والتأسِّي بهم، وقَرْعُ النَّفْسِ عن المغالبة، رجاءَ ثواب الله على ذلك». (٣)

стр. 138

أمثلة على الموافقة وأرى من المفيد أن أذكر هنا ثلاثة أمثلة عمليَّة لمسألة الموافقة في بعض الأمور التي يظنُّ كثيرٌ من المسلمين أنَّها تدخلُ في الموافقة المحرَّمة، وهي عند التحقيق من الأمور المباحة، لعدم تعلُّقها بالخصائص الدينيَّة: المثال الأول: قبول هدية غير المسلمين في أعيادهم: فقد صحَّ عن الخليفة الراشد عليِّ بن أبي طالبٍ، وعن غيره؛ أنَّهم قبلوا هديَّة المجوس بمناسبة عيدهم: عن محمد بن سيرين قال: أُتيَ عليُّ بن أبي طالبٍ ﵁ بهديَّة النَّيْرُوز، فقال: ما هذه؟ قالوا: يا أميرَ المؤمنين! هذا يوم النَّيروز. قال: فاصنعوا كلَّ يومٍ فيروزَ (١). وعن أبِي برزةَ: أنَّه كانَ له سُكَّانٌ مجوسٌ، فكانوا يُهدُون له في النَّيْروز،

стр. 139

والمِهْرجان (١)، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهةٍ فكُلُوه، وما كان مِنْ غير ذلك فردُّوه. (٢) وعن أبي ظَبْيانَ حصين بن جندب الجنَبِيِّ: أنَّ امرأةً سألت عائشةَ ﵂، قالت: إنَّ لنا أَظآرًا (٣) من المجوس، وإنَّه يكون لهم العيدُ فيهدون لنا، فقالت: أمَّا ما ذُبح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكنْ كلُوا من أَشجارهم. (٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فهذا كلُّه يدلُّ على أنَّه لا تأثيرَ للعيد في المنع من قبول هديَّتهم، بل حكمُها في العيد وغيره سواء، لأنَّه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم، لكنَّ قبولَ هدية الكفار من أهل الحرب وأهل الذمَّة مسألةٌ مستقلةٌ بنفسها فيها خلافٌ وتفصيلٌ ـ ليس هذا موضعه ـ، وإنَّما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم ـ بابتياعٍ أو هديةٍ أو غير ذلك ـ مما لم يذبحوه للعيد، فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلومٌ فإنَّها حرامٌ عند العامَّة (٥). وأما ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقرَّبون بذبحه إلى غير الله، نظير ما يذبح المسلمون هداياهم وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى، وذلك مثل ما يذبحون للمسيح والزهرة؛ فعن أحمد فيها روايتان،

стр. 140

أشهرهما في نصوصه: أنه لا يباح أكله، وإن لم يسمَّ عليه غير الله تعالى. ونقل النهي عن ذلك عن عائشة وعبد الله بن عمر» (١). المثال الثاني: حَسْرُ الرأس للرِّجال: فمن المعلوم أنَّ تغطية الرأس بالعمامة أو غيرها من عُرف المسلمين في بعض البلدان، أما غير المسلمين فالغالب عليهم عدم تغطية الرأس، فلا بأس لمن أقام من المسلمين بينهم أن يوافقهم في ذلك، وإن كانت عادة قومه في بلده الأصلي التغطية، ذلك لأنَّ ستر الرأس ليس من السُّنن التعبُّديَّة لا في أثناء الصلاة ولا في خارجها. سُئل العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن إمامٍ يصلي بالنَّاس وليس على رأسه غطاءٌ؛ فما الحكم في هذا؟ فأجاب ﵀: «لا حرَجَ في ذلك؛ لأنَّ الرأسَ ليس من العورة، وإنَّما الواجب أن يصلي بالإزار والرِّداء؛ لقول النبيِّ ﷺ : «لا يصلِّي أحدُكم في الثَّوب الواحدِ ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ». (٢) لكن إذا أخذ زينته، واستكمل لباسَه؛ كان ذلك أفضل، لقول الله جل وعلا: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، أمَّا إِنْ كان في بلادٍ ليسَ من عادتِهم تغطيةُ الرَّأس؛ فلا بأسَ عليه في كشفه». (٣) وقال العلامة محمد بن صالح بن عثيمين ﵀: «إذا طبَّقنا هذه المسألةَ على قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ تبيَّن لنا أنَّ ستر الرَّأس أفضلُ في قومٍ يُعتَبَرُ ستر الرَّأْس عندهم من أخذ الزِّينة،

стр. 141

أمَّا إذا كُنَّا في قومٍ لا يُعتبر ذلك من أخذ الزِّينة، فإنَّا لا نقول: إنَّ ستره أفضلُ، ولا إنَّ كشفه أفضل». (١) فبيَّن هذان العالمان الجليلان ـ رحمهما الله تعالى ـ أنَّ تغطية الرَّأس من عادات المسلمين التي تختلف من بلدٍ إلى آخر، فكيف إذا كان المسلمُ في بلدٍ لغير المسلمين؟ لا شكَّ أنَّ الحرجَ مرفوعٌ عنه في موافقته لأهل البلد في هذه المسألة، وهو إلى ذلك موافقٌ لإحدَى الطائفتين من المسلمين. وهذه المسألة تخفَى على كثيرٍ من طلبة العلم والدعاة إلى الله تعالى في بلاد الغرب ـ بَلْهَ غيرهم ـ، وربَّما شدَّد فيها بعضُهم فوقعَ في حرجٍ شديدٍ، واطَّلعنا من ذلك في واقع الشَّباب الملتزم، المحبِّ لدينه ـ من غير فقهٍ ـ على أمورٍ عجيبةٍ، والله المستعان. المثال الثالث: لُبس البنطلون (البنطلون) والمعطف (الجاكيت) وغيرهما من الألبسة للرِّجال؛ إنْ استوفتْ الشروطَ الشرعيَّة لستر العورة: وقد أفتَى بجواز ذلك جماعة من كبار العلماء في هذا العصر، فقالوا: «الأصل في أنواع اللباس الإباحة؛ لأنه من أمور العادات، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]، ويُستثنَى من ذلك ما دلَّ الدَّليل الشرعيُّ على تحريمه أو كراهته كالحرير للرِّجال، والذي يصف العورةَ لكونه شفَّافًا يُرَى من ورائه لونُ الجلد، أو ككونه ضيِّقًا يحدِّد العورةَ، لأنَّه حينئذٍ في حكم كشفها، وكشفُها لا يجوزُ، وكالملابس التي هي من سِيمَا الكفَّار الخاصَّة بهم، فلا يجوز لبسها لا للرِّجال ولا للنِّساء، لنهي النبيِّ ﷺ عن التشبُّه بهم، وكلبس الرِّجال ملابسَ النساء، ولبس النِّساء ملابس الرِّجال، لنهي النبيِّ ﷺ عن تشبُّه الرِّجال بالنِّساء والنِّساء بالرِّجال. ولَيْسَ اللِّباس المسمَّى بالبنطلون

стр. 142

مِمَّا يختصُّ بالكفار، بل هو لباسٌ عامٌّ في المسلمين والكافرين في كثيرٍ من البلاد والدُّول، وإنَّما تنفر النُّفوس من لبس ذلك في بعض البلاد لعدم الإِلْفِ، ومخالفة عادة سكَّانها في اللِّباس، وإن كان ذلك موافقًا لعادة غيرهم من المسلمين. لكن الأَولى بالمسلم إذا كان في بلدٍ لم يعتدْ أهلُها ذلك اللباس ألا يلبسه في الصلاة، ولا في المجامع العامة، ولا في الطرقات». (١) وقالوا أيضًا: «الأصلُ في الملابس أنَّها جائزةٌ، إلا ما استثناه الشَّرع مطلقًا؛ كالذَّهب للرِّجال، وكالحرير لهم ـ إلا لجَرَبٍ أو نحوه ـ، ولبس البنطلون ليس خاصًّا بالكفار، لكن لبس الضيِّق منه الذي يحدِّد أعضاء الجسم حتَّى العورةَ لا يجوز، أما الواسع فيجوز، إلا إذا قصد بلبسه التشبُّه بمن يلبسه من الكفار، وكذا لبس البدلة ورباط العنق (الكرفتة) ليس من اللباس الخاص بالكفار فيجوزُ، إلا إذا قصَدَ لابِسُه التشبُّه بهم. وبالجملة: فالأصل في اللباس الجواز، إلا ما دلَّ الدَّليل الشرعيُّ على منعه كما تقدَّم». (٢) وجميع ما ذكرناه في هذا المبحث: متعلِّق بالموافقة في الحال الراتبة المستقرة، أما حال الإكراه والضرورة الملجئة، وخوف الأذى، والموازنة بين المصالح والمفاسد؛ فلها أحكامها التفصيلية الخاصة، وهي مقرَّرة في كتب الأصول والفقه، والفتوى في الواقعة المعيَّنة منوطٌ بأهل العلم الثقات، المعروفين بسلامة المعتقد، وصحة الأصول، وتعظيم الكتاب والسنة، والبراءة من الترخص والتشدد على حدٍّ سواء، وبالله تعالى التوفيق.

стр. 143

الأثر العاشر: يجبُ على المسلم أَنْ يحفَظَ لمن أحسن إليه من الكفَّار جميلَه، ويشكرَه على إِحسانِه، ويقابلَه بالوفاء وجميل الذِّكْر وإِرادة الخير لا شكَّ أنَّ منحَ الكافر للمسلم الأَمانَ والحفظَ والرِّعايةَ من أعلى صُوَرِ الإحسان الماديِّ، وهو بذلك يستحقُّ الشُّكرَ والامتنانَ مِنَ المسلم، وقد قال رسولُ الله ﷺ : «لا يَشْكُرُ اللهَ مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ». (١)؛ فأطلقَ الشُّكرَ للنَّاس؛ ولم يقيِّده بصفةِ الإيمان. وأمر ﷺ بالمكافأة على كلِّ معروفٍ، فقال ﷺ : «مَنْ صَنَعَ إِليكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِؤُونَهُ؛ فَادْعُوا لَهُ، حتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ

стр. 144

كَافَأْتُمُوهُ». (١) وقال الله تعالى: ﴿هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، قال ابن عبَّاس ﵄: «نزلتْ هذه الآيةُ في المسلم والكافر». (٢) وعن ابن الحنفيَّة (٣) في هذه الآية، قال: «هي مسجَّلةٌ للبَرِّ والفاجر». (٤) ورسولُنا الكريم ﷺ هو الأُسوة والقدوة لنا في هذا، فقد كان عمُّه أبا طالبٍ يُجيره ويحميه، ويَحوطُه وينصره، ويقوم في صفِّه، ويُحبُّه حبًّا شديدًا، لكنَّه لم يُسْلِمْ، فلمَّا حضرته الوفاةُ جاءه رسولُ الله ﷺ ، يدفعُه حرصه على إيمانه ليكون في الآخرة من الفائزين، فقال رسولُ الله ﷺ : «يا عمُّ! قل: لا إله إلا الله، كلمةً أشهدُ لك بها عند الله». فقال أبو جهلٍ وعبدُ الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! أترغبُ عن ملَّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرِضُها عليه، ويعودان له بتلك المقالة، حتَّى قال آخر ما قال: هو على ملَّة عبد المطلب! وأبَى أن يقول: لا إله إلا الله.

стр. 145

فقال رسولُ الله ﷺ : «أَمَا لأَستغفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك». فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]. (١) وهكذا كان النبيُّ ﷺ وفيًّا شاكرًا لعمِّه في حياته وبعد موته، ولم يحمله موته على الكفر على نسيان جميله، والتنكُّر لإحسانه، بل توسَّل إلى ربِّه للشفاعة له، شفاعةً خاصَّةً ليست إلا لَهُ، وهي تخفيف عذابه في جهنَّم، كما جاء في حديث العبَّاس بن عبد المطَّلب ﵁ أنَّه قال للنبيِّ ﷺ : ما أغنيتَ عن عمِّكَ؛ فإنه كان يَحُوطكَ ويغضبُ لك؟ قال: «هو في ضَحْضَاحٍ مِن نارٍ، ولولا أنَا لكان في الدَّرْك الأَسْفَلِ منَ النَّار». (٢) وبعد موت أبي طالبٍ فَقَدَ النبيُّ ﷺ المجيرَ والنَّصيرَ في مكَّة، فخرج إلى الطَّائف، فقابله أهلُها بالتَّكذيب والإيذاء، فرجع من الطَّائف، وقد اشتدَّ عليه الأمرُ، وعَظُمَ البلاءُ، ولم يمكنه الدُّخول إلى مكَّة لإيغال أهلها في إيذائه بعد موت أبي طالبٍ، فَبَعَثَ ﷺ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ ليُجيرَه.
следующие страницы →