← Акыда

Акыда · id 6884

السنن والمبتدعات المتعلقة بالأذكار والصلوات

الشقيري

Полный текст (424 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

[ ﷺ ] ، فَقَالَ " إِنَّه كَانَ يجْتَهد وَيَدْعُو فِي رَجَب، هَذِه قصَّة مكذوبة مفتراه تحرم قرَاءَتهَا وروايتها إِلَّا للْبَيَان؛ وَمن فظيع مَا نرَاهُ كثيرا أَن بعض حَملَة الشَّهَادَة الأزهرية يقرأون هَذَا الْكَلَام الوقح على النَّاس. شهر شعْبَان (صِيَامه - صلَاته - بِدعَة) فِي صَحِيح مُسلم عَن عَائِشَة، ﵂ قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يَصُوم حَتَّى نقُول لَا يفْطر، وَيفْطر حَتَّى نقُول لَا يَصُوم. وَمَا رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] ، اسْتكْمل صِيَام شهر قطّ إِلَّا رَمَضَان، وَمَا رَأَيْته فِي شهر أَكثر مِنْهُ صياما فِي شعْبَان "، وَفِي مُسلم أَيْضا عَنْهَا أَنَّهَا سُئِلت عَن صِيَام رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَقَالَت: كَانَ يَصُوم حَتَّى نقُول: قد صَامَ، وَيفْطر حَتَّى نقُول: قد أفطر، وَلم أره صَائِما قطّ أَكثر من صِيَامه من شعْبَان، كَانَ يَصُوم شعْبَان كُله، كَانَ يَصُوم شعْبَان إِلَّا قَلِيلا ". فصل فِي صَلَاة الْبَرَاءَة فِي شعْبَان قَالَ الإِمَام الفتني فِي تذكرة الموضوعات: وَمِمَّا أحدث فِي لَيْلَة النّصْف الصَّلَاة الألفية، مائَة رَكْعَة بالإخلاص عشرا عشرا بِالْجَمَاعَة، واهتموا بهَا أَكثر من الْجمع والأعياد، وَلم يَأْتِ بهَا خبر، وَلَا أثر إِلَّا ضَعِيف أَو مَوْضُوع، وَلَا يغتر بِذكرِهِ لَهَا صَاحب الْقُوت والأحياء وَغَيرهمَا، وَلَا بِذكر تَفْسِير الثَّعْلَبِيّ أَنَّهَا لَيْلَة الْقدر أه وَقَالَ الْعِرَاقِيّ: حَدِيث صَلَاة لَيْلَة النّصْف بَاطِل. وَأخرجه ابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات.

стр. 142

فصل فِي حَدِيث وَصَلَاة وَدُعَاء لَيْلَة النّصْف حَدِيث " إِذا كَانَت لَيْلَة النّصْف من شعْبَان فَقومُوا لَيْلهَا وصوموا نَهَارهَا. الحَدِيث رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن عَليّ. قَالَ محشية: وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده ضَعِيف لضعف ابْن أبي بسرة، وَقَالَ فِيهِ أَحْمد وَابْن معِين يضع الحَدِيث أه. وَصَلَاة السِّت رَكْعَات فِي لَيْلَة النّصْف بنية دفع الْبلَاء، وَطول الْعُمر والاستغناء عَن النَّاس، وَقِرَاءَة يس وَالدُّعَاء بَين ذَلِك لَا شكّ أَنه حدث فِي الدّين وَمُخَالفَة لسنة سيد الْمُرْسلين، قَالَ شَارِح الْإِحْيَاء: وَهَذِه الصَّلَاة مَشْهُورَة فِي كتب الْمُتَأَخِّرين من السَّادة الصُّوفِيَّة، وَلم أر لَهَا وَلَا لدعائها مُسْتَندا صَحِيحا فِي السّنة، إِلَّا أَنه من عمل الْمَشَايِخ، وَقد قَالَ أَصْحَابنَا: إِنَّه يكره الِاجْتِمَاع على إحْيَاء لَيْلَة من هَذِه اللَّيَالِي الْمَذْكُورَة فِي الْمَسَاجِد وَغَيرهَا. وَقَالَ النَّجْم الغيطي فِي صفة إحْيَاء لَيْلَة النّصْف من شعْبَان بِجَمَاعَة: إِنَّه قد أنكر ذَلِك أَكثر الْعلمَاء من أهل الْحجاز مِنْهُم عَطاء وَابْن أبي مليكَة، وفقهاء الْمَدِينَة وَأَصْحَاب مَالك، وَقَالُوا: ذَلِك كُله بِدعَة وَلم يثبت فِي قِيَامهَا جمَاعَة شَيْء عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَلَا عَن أَصْحَابه؛ وَقَالَ النَّوَوِيّ: صَلَاة رَجَب وَشَعْبَان بدعتان منكرتان قبيحتان الخ مَا تقدم. فصل فِي بِدعَة الدُّعَاء بِيَاذَا الْمَنّ (اللَّهُمَّ يَا ذَا الْمَنّ وَلَا يمن عَلَيْهِ يَا ذَا الْجلَال وَالْإِكْرَام) الخ قد أَشَارَ فِيمَا تقدم هُنَا شَارِح الْإِحْيَاء إِلَى أَنه دُعَاء لَا أصل لَهُ وَلَا مُسْتَند، وَكَذَا قَالَ صَاحب أَسْنَى المطالب: هُوَ من تَرْتِيب بعض أهل الصّلاح من عِنْد نَفسه. قيل هُوَ الْبونِي أه.

стр. 143

فيا عباد الله شَيْء لَا هُوَ فِي كتاب الله وَلَا فِي سنة رَسُول الله، وَلَا فِي عبَادَة خلفائه، وَلَا أَصْحَابه وَلَا أَتْبَاعه كَيفَ تَعْبدُونَ بِهِ؟ وَالصَّحَابَة يَقُولُونَ كل عبَادَة لَا يتعبد بهَا أَصْحَاب مُحَمَّد [ ﷺ ] فَلَا تبعدوها. وَفِي مُسْند الشَّافِعِي عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: " كَانَ من تَلْبِيَة رَسُول الله [ ﷺ ] : لبيْك إِلَه الْحق لبيْك " وَفِي رِوَايَة: " لبيْك اللَّهُمَّ لبيْك، لبيْك لَا شريك لَك لبيْك " الخ، ثمَّ روى أَن سعد بن أبي وَقاص سمع بعض بني أَخِيه وَهُوَ يُلَبِّي، يَا ذَا المعارج، فَقَالَ سعد: إِنَّه لذُو المعارج، وَمَا هَكَذَا كُنَّا نلبي على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] أه. فاعتبروا يَا أولي الْأَلْبَاب، وَلَا تلتفتوا قطّ إِلَّا إِلَى مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم، وَصَحَّ فِي الصِّحَاح وَالسّنَن عَن نَبِيكُم. أما اعْتِقَادهم أَن لَيْلَة النّصْف هِيَ لَيْلَة الْقدر فَبَاطِل بِاتِّفَاق الْمُحَقِّقين من الْمُحدثين، وَقد أبْطلهُ الإِمَام ابْن كثير فِي تَفْسِيره، وَقَالَ الإِمَام ابْن الْعَرَبِيّ فِي شرح التِّرْمِذِيّ: وَقد ذكر بعض الْمُفَسّرين أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ أَنَّهَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان، وَهَذَا بَاطِل، لِأَن الله لم ينزل الْقُرْآن فِي شعْبَان وَإِنَّمَا قَالَ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة الْقدر﴾ وَلَيْلَة الْقدر فِي رَمَضَان، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن﴾ فَهَذَا كَلَام من تعدى على كتاب الله وَلم يبال مَا تكلم بِهِ، وَنحن نحذركم من ذَلِك فَإِنَّهُ قَالَ أَيْضا: ﴿فِيهَا يفرق كل أَمر حَكِيم﴾ وَإِنَّمَا تقرر الْأُمُور للْمَلَائكَة فِي لَيْلَة الْقدر، الْمُبَارَكَة لَا فِي لَيْلَة النّصْف من شعْبَان أه.

стр. 144

فصل فِي شهر رَمَضَان فضل صِيَامه - أَشْيَاء يجوز للصَّائِم فعلهَا - صَلَاة التَّرَاوِيح - نقرها - لَيْلَة الْقدر ودعاؤها - الصَّلَوَات وَالذكر المبتدع وَالِاعْتِكَاف فِيهِ، وَغير ذَلِك - صَلَاة الْعِيد فضل الصّيام قَالَ تَعَالَى: ﴿شهر رَمَضَان الَّذِي أنزل فِيهِ الْقُرْآن هدى للنَّاس﴾ ويكفيه فضلا وشرفاً أَن فِيهِ ﴿لَيْلَة الْقدر خير من ألف شهر﴾ وَأَن الله بَارك فِيهَا ووصفها بذلك فَقَالَ: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَة مباركة﴾ وَعَن سلمَان ﵁ قَالَ " خَطَبنَا رَسُول الله [ ﷺ ] فِي آخر يَوْم من شعْبَان قَالَ: يَا أَيهَا النَّاس، قد أظلكم شهر عَظِيم مبارك، شهر فِيهِ لَيْلَة خير من ألف شهر، شهر جعل الله صِيَامه فَرِيضَة، وَقيام ليله تَطَوّعا، من تقرب فِيهِ بخصلة كَانَ كمن أدّى فَرِيضَة فِيمَا سواهُ وَمن أدّى فَرِيضَة فِيهِ كَانَ كمن أدّى سبعين فَرِيضَة فِيمَا سواهُ، وَهُوَ شهر الصَّبْر وَالصَّبْر ثَوَابه الْجنَّة، وشهرة الْمُوَاسَاة وَشهر يُزَاد فِي رزق الْمُؤمن فِيهِ، من فطر فِيهِ صَائِما كَانَ مغْفرَة لذنوبه وَعتق رقبته من النَّار، وَكَانَ لَهُ مثل أجره من غير أَن ينقص من أجره شَيْء. قَالُوا: يَا رَسُول الله، لَيْسَ كلنا يجد مَا يفْطر الصَّائِم، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : يُعْطي الله هَذَا الثَّوَاب لمن فطر صَائِما على تَمْرَة، أَو شربة مَاء أَو مذقة لبن، وَهُوَ شهر أَوله رَحْمَة، وأوسطه مغْفرَة، وَآخره عتق من النَّار، من خفف عَن مَمْلُوكه فِيهِ

стр. 145

غفر الله لَهُ وَأعْتقهُ من النَّار، فاستكثروا فِيهِ من أَربع خِصَال، خَصْلَتَيْنِ ترْضونَ بهما ربكُم، وخصلتين لَا غناء بكم عَنْهُمَا، فَأَما الخصلتان اللَّتَان ترْضونَ بهما ربكُم، فشهادة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وتستغفرونه وَأما الخصلتان اللَّتَان لَا غناء بكم عَنْهُمَا، فتسألون الله الْجنَّة، وتعوذون بِهِ من النَّار، وَمن سقى صَائِما سقَاهُ الله من حَوْضِي شربة لَا يظمأ حَتَّى يدْخل الْجنَّة " رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه، ثمَّ قَالَ إِن صَحَّ الْخَبَر، كَذَا فِي التَّرْغِيب والترهيب. وروى البُخَارِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِن فِي الْجنَّة بَابا يُقَال لَهُ الريان، يدْخل مِنْهُ الصائمون يَوْم الْقِيَامَة، لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم؛ يُقَال: أَيْن الصائمون؟ فَيقومُونَ لَا يدْخل مِنْهُ أحد غَيرهم، فَإِذا دخلُوا أغلق، فَلم يدْخل مِنْهُ أحد " وروى البُخَارِيّ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من أنْفق زَوْجَيْنِ فِي سَبِيل الله نُودي من أَبْوَاب الْجنَّة، يَا عبد الله: هَذَا خير فَمن كَانَ من أهل الصَّلَاة دعِي من بَاب الصَّلَاة، وَمن كَانَ من أهل الْجِهَاد دعِي من بَاب الْجِهَاد، وَمن كَانَ من أهل الصّيام دعِي من بَاب الريان، وَمن كَانَ من أهل الصَّدَقَة دعِي من بَاب الصَّدَقَة. فَقَالَ أَبُو بكر ﵁: بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله، مَا على من دعِي من تِلْكَ الْأَبْوَاب من ضَرُورَة، فَهَل يدعى أحد من تِلْكَ الْأَبْوَاب كلهَا؟ فَقَالَ: نعم، وَأَرْجُو أَن تكون مِنْهُم " وروى البُخَارِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِذا دخل رَمَضَان فتحت أَبْوَاب السَّمَاء وغلقت أَبْوَاب جَهَنَّم وسلسلت الشَّيَاطِين " وروى البُخَارِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك، يتْرك طَعَامه وَشَرَابه وشهوته من أَجلي، الصّيام لي وَأَنا أجزى بِهِ، والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا "

стр. 146

وروى البُخَارِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من قَامَ لَيْلَة الْقدر إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، وَمن صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه، وَعَن أبي هُرَيْرَة: " من قَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه ". فصل فِي وَعِيد من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان روى التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهم أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من أفطر يَوْمًا فِي رَمَضَان من غير رخصَة وَلَا مرض، لم يقضه عَنهُ صَوْم الدَّهْر كُله، وَإِن صَامَهُ ". وروى ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " بَينا أَنا نَائِم أَتَانِي رجلَانِ فأخذا بضبعي فَأتيَا بِي جبلا وعراً، فَقَالَا: اصْعَدْ، فَقلت: إِنِّي لَا أُطِيقهُ، فَقَالَا: أَنا سنسهله لَك، فَصَعدت حَتَّى إِذا كنت فِي سَوَاء الْجَبَل فَإِذا بِأَصْوَات شَدِيدَة، فَقلت: مَا هَذِه الْأَصْوَات؟ قَالَا: هَذَا عواء أهل النَّار، ثمَّ انْطَلقَا بِي. فَإِذا أَنا بِقوم معلقين بعراقيبهم، مشققة أشداقهم، تسيل أشداقهم دَمًا. قَالَ: قلت من هَؤُلَاءِ؟ قَالَا: الَّذين يفطرون قبل تَحِلَّة صومتهم ". وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير أَن ابْن مَسْعُود قَالَ: " من أفطر يَوْمًا من رَمَضَان غير رخصَة لَقِي الله بِهِ، وَإِن صَامَ الدَّهْر كُله، إِن شَاءَ غفر لَهُ وَإِن شَاءَ عذبه " حَدِيث صَحِيح. وروى الْبَزَّار: أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي هَلَكت. أفطرت فِي شهر رَمَضَان مُتَعَمدا. قَالَ: أعتق رَقَبَة. قَالَ: لَا أجد. قَالَ: صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين. قَالَ: لَا أقدر قَالَ: أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا " إِسْنَاده حسن.

стр. 147

وَأخرج أَبُو يعلى بِسَنَد حسن مَرْفُوعا أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " عرى الْإِسْلَام وقواعد الدّين ثَلَاثَة، عَلَيْهِنَّ أسس الْإِسْلَام. من ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ بهَا كَافِر حَلَال الدَّم. شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة، وَصَوْم رَمَضَان " وَفِي رِوَايَة " من ترك مِنْهُنَّ وَاحِدَة فَهُوَ بِاللَّه كَافِر، وَلَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل وَقد حل دَمه وَمَاله ". وروى الإِمَام أَحْمد مُرْسلا عَنهُ ( [ ﷺ ] ) : " أَربع فرضهن الله فِي الْإِسْلَام فَمن أَتَى بِثَلَاث مِنْهُنَّ لم يغنين عَنهُ شَيْئا حَتَّى يَأْتِي بِهن جَمِيعًا: الصَّلَاة وَالزَّكَاة وَصِيَام رَمَضَان وَحج الْبَيْت " ضَعِيف. فصل فِي ذكر أَشْيَاء لَيْسَ على الصَّائِم جنَاح إِن فعلهَا قَالَ البُخَارِيّ: بل ابْن عمر ثوبا فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَائِم، وَدخل الشّعبِيّ الْحمام وَهُوَ صَائِم، وَقَالَ الْعَبَّاس: لَا بَأْس أَن يتطعم الْقدر أَو الشَّيْء؛ وَقَالَ الْحسن: لَا بَأْس بالمضمضة والتبرد، أَي صب المَاء على الرَّأْس للصَّائِم، وَقَالَ ابْن مَسْعُود: إِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فليصبح دهيناً مترجلا أَي ممشطا شعره وَقَالَ أنس إِن لي أبزن - حوضا من حجر - أتقحم، أَي أَغْتَسِل، فِيهِ وَأَنا صَائِم. وَيذكر عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه استاك وَهُوَ صَائِم، وَقَالَ ابْن عمر: يستاك أول النَّهَار وَآخره وَلَا يبلع رِيقه، وَقَالَ عَطاء: إِن ازدرد رِيقه لَا أَقُول: يفْطر. وَقَالَ عَامر بن ربيعَة: رَأَيْت رَسُول الله [ ﷺ ] يستاك

стр. 148

وَهُوَ صَائِم مَالا أحصى وَلَا أعد، وَقَالَ ابْن سِيرِين: لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ الرطب. قيل: لَهُ طعم. قَالَ: وَالْمَاء لَهُ طعم وَأَنت تتمضمض بِهِ. قلت: وَفِي هَذَا رد بليغ على الشَّافِعِيَّة الْقَائِلين بِكَرَاهَة السِّوَاك من بعد الزَّوَال وَلم ير أنس وَالْحسن وَإِبْرَاهِيم بالكحل للصَّائِم بَأْسا، وَقَالَت عَائِشَة: أشهد على رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) إِن كَانَ ليُصبح جنبا من جماع غير احْتِلَام ثمَّ يَصُومهُ. وَقَالَ عَطاء: إِن استنثر، فَدخل المَاء فِي حلقه لَا بَأْس إِن لم يملك. وَقَالَ الْحسن: إِن دخل الذُّبَاب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحسن وَمُجاهد: إِن جَامع نَاسِيا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. وَقَالَ ( [ ﷺ ] ) : إِذا نسى فَأكل أَو شرب فليتم صَوْمه فَإِنَّمَا أطْعمهُ الله وسقاه " وَقَالَ: " من أفطر فِي رَمَضَان نَاسِيا فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة " وَمن احْتَلَمَ نَهَارا نَائِما فَلَا شَيْء عَلَيْهِ إِلَّا الْغسْل، وَمن داعب زَوجته حَتَّى أمذى فَعَلَيهِ قَضَاء يَوْم، وَقَالَ ( [ ﷺ ] ) " من ذرعه الْقَيْء فَلَا قَضَاء عَلَيْهِ، وَمن استقاء فَعَلَيهِ الْقَضَاء ". وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة: إِذا قاء فَلَا يفْطر. إِنَّمَا يخرج وَلَا يولج. وَقَالَ ابْن عمر والأسلمي: " يَا رَسُول الله إِنِّي أجد بِي قُوَّة على الصّيام فِي السّفر. فَهَل عَليّ جنَاح؟ فَقَالَ ( [ ﷺ ] ) : هِيَ رخصَة من الله، فَمن أَخذ بهَا فَحسن وَمن، أحب أَن يَصُوم فَلَا جنَاح عَلَيْهِ ". رَوَاهُ مُسلم. " وَكَانَ ( [ ﷺ ] ) يقبل وَهُوَ صَائِم، ويباشر وَهُوَ صَائِم، وَلكنه كَانَ أملككم لإربه " مُتَّفق عَلَيْهِ. وَالْحَامِل إِن خَافت على مَا فِي بَطنهَا أفطرت وقضت بعد أَيَّام نفَاسهَا، وَكَذَا الْمُرْضع إِن خَافت على وَلَدهَا تفطر وتقضي بعد أَيَّام الْفِطَام.

стр. 149

وَقَالَ بكير عَن أم عَلْقَمَة: كُنَّا نحتجم عِنْد عَائِشَة فَلَا تنْهى، وَاحْتَجَمَ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَهُوَ صَائِم، مَعَ أَنه الْقَائِل " أفطر الحاجم والمحجوم " والْحَدِيث صَحِيح. وَقد فسره بعض الصَّحَابَة فَقَالَ: إِنَّمَا نهى عَن الْوِصَال والحجامة للصَّائِم إبْقَاء - أَي شَفَقَة وَرَحْمَة - على أَصْحَابه وَلم يجزمهما، وَسُئِلَ عِكْرِمَة عَن الصَّائِم: أيحتجم؟ فَقَالَ: إِنَّمَا كره للضعف. وغبار السكر، وغبار الدَّقِيق، وغبار تُرَاب الطَّرِيق والحمرة والجص وَالدُّخَان وَمَا يشبه ذَلِك لَا يضر الصَّائِم شَيْئا، وَكَذَا الذبابة والباعوضة إِن سَقَطت فِي حلق الصَّائِم لَا يفْطر، والحقنة الجلدية لَا تفطر بِخِلَاف الحقنة الشرجية الَّتِي تعْمل بالصابون أَو بالشيخ - بِالْمَاءِ - أَو بالعسل فَلَا شكّ أَنَّهَا تفطر، وَمثلهَا تفطر الحقنة الَّتِي يسمونها (الجلوكوز) وَهِي المستخرجة من عصير الْعِنَب. وَمن نخس أُذُنه، أَو أخرج مَا بَين أَسْنَانه فبصقه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَمن جهده الْجُوع أَو الْعَطش حَتَّى كَاد يهْلك فَفرض عَلَيْهِ أَن يفْطر، لقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تقتلُوا أَنفسكُم﴾ وَقَالَ: ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وَقَالَ: ﴿مَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ: ﴿فَمن اضْطر غير بَاغ وَلَا عَاد فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ فَإِن خرج بذلك إِلَى حد الْمَرَض فَعَلَيهِ الْقَضَاء. وَمن أكل أَو شرب وَقت الشَّك فِي تبين طُلُوع الْفجْر وَعَدَمه فَلَا شَيْء عَلَيْهِ. قَالَ عمر ﵁: " إِذا شكّ الرّجلَانِ فِي الْفجْر فليأكلا حَتَّى يستيقنا " وَمن أكل فِي مَكَان مظلم ظَانّا أَنه اللَّيْل فَإِذا النَّهَار فاجأه، فليلق مَا فِي فَمه وصيامه صَحِيح.

стр. 150

فصل فِي صَلَاة التَّرَاوِيح روى البُخَارِيّ عَن عَائِشَة " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] خرج لَيْلَة من جَوف اللَّيْل فصلى فِي الْمَسْجِد وَصلى رجال بِصَلَاتِهِ فَأصْبح النَّاس فتحدثوا، فَاجْتمع أَكثر مِنْهُم فصلوا مَعَه، فَأصْبح النَّاس فتحدثوا، فَكثر أهل الْمَسْجِد من اللَّيْلَة الثَّالِثَة. فَخرج رَسُول الله [ ﷺ ] فصلى، فصلوا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَت اللَّيْلَة الرَّابِعَة عجز الْمَسْجِد عَن أَهله حَتَّى خرج لصَلَاة الصُّبْح فَلَمَّا قضى الْفجْر أقبل على النَّاس فَتشهد، ثمَّ قَالَ: أما بعد فَإِنَّهُ لم يخف على مَكَانكُمْ، وَلَكِنِّي خشيت أَن تفترض عَلَيْكُم فتعجزوا عَنْهَا. فتوفى رَسُول الله [ ﷺ ] وَالْأَمر على ذَلِك ". وصفتها كَمَا قَالَت عَائِشَة ﵂: " مَا كَانَ يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا فِي غَيره على إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يُصَلِّي أَرْبعا فَلَا تسل عَن حسنهنَّ وطولهن، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبعا فَلَا تسْأَل عَن حسنهنَّ وطولهن، ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا ". أما بعد وَفَاته [ ﷺ ] فَفِي الْمُوَطَّأ أَن عمر أَمر أبي بن كَعْب وتميما الدَّارِيّ أَن يقوما للنَّاس بِإِحْدَى عشرَة رَكْعَة، وَقد كَانَ الْقَارئ يقْرَأ بالمئين حَتَّى كُنَّا نعتمد على العصى من طول الْقيام، وَمَا كُنَّا ننصرف إِلَّا فِي بزوغ الْفجْر. وَفِي الْمُوَطَّأ أَيْضا: " كَانَ النَّاس يقومُونَ فِي زمَان عمر بن الْخطاب فِي رَمَضَان بِثَلَاث وَعشْرين رَكْعَة " وَفِي رِوَايَة " وَكَانَ الْقَارئ يقْرَأ سُورَة الْبَقَرَة فِي ثَمَان رَكْعَات، فَإِذا قَامَ بهَا فِي اثْنَتَيْ عشرَة رَكْعَة رأى النَّاس أَنه قد خفف، وَفِيه عَن الصّديق ﵁ " كُنَّا ننصرف فِي رَمَضَان - أَي من صَلَاة الْقيام - فتستعجل الخدم فِي الطَّعَام مَخَافَة الْفجْر " أهـ.

стр. 151

فصل فِي نقر صَلَاة التَّرَاوِيح أَكثر أَئِمَّة مَسَاجِدنَا - بسلامتهم - لَا دين عِنْدهم وَلَا عقل وَلَا حَيَاء. وَالدَّلِيل على ذَلِك صلَاتهم الَّتِي يصلونها، فَإِنَّهَا تشبه صَلَاة المجانين، وخصوصا صَلَاة التَّرَاوِيح، فَإِنَّهُم يصلونها ثَلَاثًا وَعشْرين رَكْعَة فِي أقل من ثلث سَاعَة، ويقرأون فِيهَا كلهَا سُورَة الْأَعْلَى أَو الضُّحَى، أَو ربع سُورَة الرَّحْمَن، وَهِي صَلَاة بَاطِلَة عِنْد كل مُسلم عَاقل على جَمِيع الْمذَاهب، إِذْ هِيَ صَلَاة الْمُنَافِقين الَّذين قَالَ الله فيهم: ﴿وَإِذا قَامُوا إِلَى الصَّلَاة قَامُوا كسَالَى يراءون النَّاس وَلَا يذكرُونَ الله إِلَّا قَلِيلا﴾ لَيست كَصَلَاة الْمُؤمنِينَ المفلحين الَّذين وَصفهم الله بقوله: ﴿قد أَفْلح الْمُؤْمِنُونَ الَّذين هم فِي صلَاتهم خاشعون﴾ وَلَيْسَت أَيْضا كَصَلَاة الرَّسُول الناهي عَن نقرة الْغُرَاب. وَعَن السّرقَة مِنْهَا، الْقَائِل: " صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي " فَاتَّقُوا الله يَا أَئِمَّة الْمَسَاجِد وأيقنوا أَن صَلَاتكُمْ هَذِه لَا شكّ أَنَّهَا تلف كَمَا يلف الثَّوْب الْخلق وتضرب بهَا وُجُوهكُم، ثمَّ تَقول لكم الصَّلَاة: ضيعكم الله كَمَا ضيعتموني " ثمَّ يكون عَلَيْكُم وزركم ووزر من خلفكم جَمِيعًا من غير أَن ينقص من أوزارهم شَيْء، قَالَ الدَّارمِيّ عَن أبي الْعَالِيَة: " كُنَّا نأتي الرجل لنأخذ عَنهُ الْعلم فَنَنْظُر إِذا صلى فَإِذا أحسن جلسنا إِلَيْهِ وَقُلْنَا هُوَ لغَيْرهَا أحسن، وَإِن أساءها قمنا عَنهُ وَقُلْنَا: هُوَ لغَيْرهَا أَسْوَأ ". فصل فِي الِاعْتِكَاف هُوَ سنة مُؤَكدَة ثَابت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن والموطأ وَغَيرهم أَنه [ ﷺ ] اعْتكف فِي أوسطه وكل أَوَاخِر رَمَضَان، وَفِي شَوَّال قَضَاء، وَكَذَا اعْتكف خلفاؤه وَأَصْحَابه ونساؤه [ ﷺ ] وَورد فِي فَضله أَحَادِيث لينَة

стр. 152

السَّنَد، مِنْهَا مَا رَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن ابْن عَبَّاس أَنه [ ﷺ ] قَالَ فِي الْمُعْتَكف: " وَهُوَ يعكف الذُّنُوب وَيجْرِي لَهُ من الْحَسَنَات كعامل الْحَسَنَات كلهَا " وَمِنْهَا، " من اعْتكف عشرا فِي رَمَضَان كَانَ كحجتين وعمرتين "، وَمِنْهَا " من اعْتكف إِيمَانًا واحتساباً غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه " ذكرهمَا فِي الْجَامِع، وَمِنْهَا " من اعْتكف فوَاق نَاقَة فَكَأَنَّمَا أعتق نسمَة أَو رَقَبَة " ذكره فِي مُخْتَصر شعب الْإِيمَان. وَهَذِه السّنة قد اندرست وَلم يبْق إِلَّا اسْمهَا فِي الْكتب، وَلَا أَدْرِي مَا السَّبَب فِي إِعْرَاض النَّاس جَمِيعًا عَن الْعَمَل بِهَذِهِ السّنة الجليلة. وَلَو قُلْنَا: إِن شيخ الْإِسْلَام وهيئة كبار عُلَمَاء الْأَزْهَر وموظفيه ومدرسيه ووعاظه يصعب عَلَيْهِم انْقِطَاع مرتباتهم وجراياتهم، فلماذا لَا يحيي هَذِه السّنة الَّذين يدعونَ أَنهم سنيون، وَالَّذين يَزْعمُونَ أَنهم سلفيون، ولآثار السَّابِقين الْأَوَّلين يحيون؟ الْحق أَن الْجَمِيع مقصرون ومفرطون. اللَّهُمَّ وفقنا للْعَمَل بِمَا شرعته لنا على لِسَان نبيك الْأمين، واجعلنا لما اندرس من السّنَن من المحيين السَّابِقين، وَقد أخرج أَحْمد أَن رَسُول الله [ ﷺ ] : " كَانَ يعْتَكف الْعشْر الْأَوَاخِر من رَمَضَان حَتَّى قَبضه الله " سَنَده صَحِيح: وروى البُخَارِيّ " أَنه [ ﷺ ] كَانَ إِذا أَرَادَ أَن يعْتَكف صلى الْفجْر، ثمَّ دخل مُعْتَكفه وَأَنه أَمر بخباء فَضرب لَهُ ". وروى أَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " السّنة على الْمُعْتَكف أَن لَا يعود مَرِيضا، وَلَا يشْهد جَنَازَة، وَلَا يمس امْرَأَة وَلَا يُبَاشِرهَا، وَلَا يخرج لحَاجَة إِلَّا لما لَا بُد مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَاف إِلَّا بِصَوْم، وَلَا اعْتِكَاف إِلَّا فِي مَسْجِد جَامع، وَقَالَت أَيْضا. " إِن كنت لأدخل الْبَيْت للْحَاجة وَالْمَرِيض فِيهِ فَمَا أسأَل عَنهُ إِلَّا وَأَنا مارة " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم ".

стр. 153

وروى البُخَارِيّ أَن صَفِيَّة قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] معتكفا تَأتيه أَزورهُ لَيْلًا فَحَدَّثته، ثمَّ قُمْت لأنقلب، فَقَامَ معي لِيقلبنِي " وَكَانَ مَسْكَنهَا فِي دَار أُسَامَة. فصل فِي لَيْلَة الْقدر وفضلها ودعائها روى مُسلم أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " التمسوها فِي الْعشْر الْأَوَاخِر " يَعْنِي لَيْلَة الْقدر، وَفِيه عَن عَائِشَة ﵂. " كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] إِذا دخل الْعشْر أَحْيَا اللَّيْل، وَأَيْقَظَ أَهله وجد وَشد المئزر " وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: " قلت يَا رَسُول الله إِن علمت لَيْلَة الْقدر مَا أَقُول فِيهَا؟ قَالَ: قولي. اللَّهُمَّ إِنَّك عَفْو تحب الْعَفو فَاعْفُ عني ". فصل فِي صَلَاة لَيْلَة الْقدر الْمَوْضُوعَة قَالَ الْمجد اللّغَوِيّ فِي سفر السَّعَادَة. وَصَلَاة لَيْلَة الْقدر وَصَلَاة كل لَيْلَة من رَجَب وَشَعْبَان ورمضان، هَذِه الْأَبْوَاب لم يَصح فِيهَا شَيْء أصلا، وَقَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية حينما سُئِلَ عَن صَلَاة الْقدر. إِن هَذِه الصَّلَاة لم يستحبها أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين، بل هِيَ بِدعَة مَكْرُوهَة - إِلَى أَن قَالَ وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن تتْرك وَينْهى عَنْهَا أهـ. فصل فِي صَلَاة الْجُمُعَة فِي جَامع عَمْرو آخر رَمَضَان هِيَ من الْبدع الذميمة القبيحة المستهجنة الَّتِي كَانَ يجب على شيخ الْأَزْهَر وهيئة كبار الْعلمَاء أَن يحاربوها ويبطلوها لَا أَن يذهبوا لإحيائها مَعَ الْعَامَّة فتزيد اعتقاداتهم فِيهَا، وَفِي فضل الْمَسْجِد وتزيد أوهامهم الْبَاطِلَة فِيهِ، سُبْحَانَ الله!

стр. 154

مَا أغفلكم أَيهَا الْعلمَاء عَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر؟ لَا شَيْء إِلَّا المرتبات والجراية، لِأَنِّي مُعْتَقد أَن أَكثر الْعلمَاء الْآن لم يتعلموا الْعلم إِلَّا للوظائف والمرتبات. اللَّهُمَّ سلم. فصل فِي بِدعَة صَلَاة المكتوبات فِي آخر من جُمُعَة رَمَضَان قَالَ فِي شرح الْمَوَاهِب. وأقبح من ذَلِك مَا اُعْتِيدَ فِي بعض الْبِلَاد من صَلَاة الْخمس فِي هَذِه الْجُمُعَة عقب صلَاتهَا، زاعمين أَنَّهَا تكفر صلوَات الْعَام أَو الْعُمر المتروكة، وَذَلِكَ حرَام لوجوه لَا تخفى أهـ. فصل فِي بِدعَة حفيظة رَمَضَان خبر " لَا آلَاء إِلَّا آلاؤك سميع مُحِيط علمك كعسهلون وبالحق أَنزَلْنَاهُ وبالحق نزل " قَالَ الأغفال الضلال. تكْتب فِي آخر جُمُعَة من رَمَضَان والخطيب على الْمِنْبَر، وَيَقُولُونَ. إِنَّهَا تحفظ من الحرق وَالْغَرق وَالسَّرِقَة والآفات، قَالَ الْحَافِظ ابْن حجر، هِيَ بِدعَة لَا أصل لَهَا، وَقد كَانَ ينكرها جدا وَهُوَ قَائِم على الْمِنْبَر أثْنَاء الْخطْبَة حِين يرى من يَكْتُبهَا، وَلَا يجوز الدُّعَاء بالأسماء الأعجمية، فَلَعَلَّ فِيهَا كفرا، فَاتَّقُوا الله واحذروا هَذِه الأضاليل، وَعَلَيْكُم بِكِتَاب الله وَسنة الرَّسُول الْجَلِيل فَفِيهَا مَا يشفي العليل ويروي الغليل. فصل فِي ضلالات وبدع ومنكرات اعْلَم أَن من الضلال الْكَبِير ترك غَالب النَّاس للصَّلَاة طول السّنة فَإِذا مَا جَاءَ شهر رَمَضَان صلوا وصاموا وطقطقوا بالسبح، وَفِي الحَدِيث " خمس

стр. 155

صلوَات من حَافظ عَلَيْهِنَّ كَانَت لَهُ نورا وبرهاناً وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة؛ وَمن لم يحافظ عَلَيْهِنَّ لم يكن لَهُ نورا يَوْم الْقِيَامَة وَلَا برهَان وَلَا نجاة، وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ فِرْعَوْن وَقَارُون وهامان وَأبي بن خلف " ذكره فِي الْجَامِع عَن مُحَمَّد بن نصر الْمروزِي فِي كتاب الصَّلَاة، وَفِيه " عرى الْإِسْلَام وقواعد الدّين ثَلَاثَة عَلَيْهِنَّ أسس الْإِسْلَام، من ترك وَاحِدَة مِنْهُنَّ فَهُوَ بهَا كَافِر حَلَال الدَّم، شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَالصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَصَوْم رَمَضَان " ورمز لحسنه. فَلَو كَانَ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) حَيا أَو أحد خلفائه مَا أَبقوا وَاحِدًا على وَجه الأَرْض من هَؤُلَاءِ الْكَافرين بتركهم للصَّلَاة؛ فحذار أَيهَا النَّاس من ترك فَرِيضَة وَاحِدَة، إِذْ جَاءَ فِي الحَدِيث من " ترك صَلَاة لَقِي الله وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، وروى الْأَصْبَهَانِيّ " من ترك صَلَاة مُتَعَمدا أحبط الله عمله وبرئت مِنْهُ ذمَّة الله حَتَّى يُرَاجع الله تَوْبَة " وروى الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط عَنهُ ( [ ﷺ ] ) " من ترك الصَّلَاة مُتَعَمدا فقد كفر جهاراً " ورمز فِي الْجَامِع لصِحَّته. أما النِّسَاء فَإِنَّهُنَّ يتركن الصَّلَاة أبدا فِي رَمَضَان وَغَيره، ويحافظن كل الْمُحَافظَة على صِيَام رَمَضَان، حَتَّى وَهن حيض يصمن طول النَّهَار الصّيام الْمحرم وقبيل الْغُرُوب يجرحن صيامهن، كَمَا يقلن، على لقْمَة أَو جرعة مَاء، فلأمرهن الْعجب يَأْمُرهُنَّ الله بِالصَّلَاةِ فيعصينه وَلَا يصلين، وَيحرم عَلَيْهِم الصّيام حيضا فيفرضنه على أَنْفسهنَّ جهلا وضلالا، بل كفرا وعناداً، وَلَا لوم عَلَيْهِنَّ، بل اللوم كُله على رِجَالهنَّ، إِذْ لَو عرفُوا دينهم لعلموا نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادهمْ، فالويل لَهُم ثمَّ لَهُنَّ، كلا كلا بل اللوم كل اللوم على عُلَمَاء الْأَزْهَر فَإِنَّهُم لم يبلغُوا مَا أمروا بتبليغه، فيا نَار كوني بردا عَلَيْهِم. وَمن الجرائم والفظائع الْكَبِيرَة شدَّة حَمَاقَة وَغَضب كثير من الصائمين لأدنى سَبَب يعرض لأَحَدهم، وَرُبمَا أَدَّاهُ جَهله إِلَى سبّ دين الْإِسْلَام فيكفر وَهُوَ

стр. 156

متلبس بأعظم قربَة شرعها الله لتهذيب النُّفُوس وتدريبها وَحملهَا على التعود على الْخِصَال الحميدة، والأخلاق الطاهرة، وَالْأَفْعَال المرضية، وَأي كَأَنَّهُمْ لم يقرءوا قَول الله تَعَالَى: ﴿وَعباد الرَّحْمَن الَّذين يَمْشُونَ على الأَرْض هونا وَإِذا خاطبهم الجاهلون قَالُوا سَلاما﴾ أَي إِذا سفه عَلَيْهِم الْجُهَّال بالْقَوْل السيء لم يقابلوهم عَلَيْهِ بِمثلِهِ، بل يعفون ويصفحون وَلَا يَقُولُونَ إِلَّا خيرا، كَمَا كَانَ نَبينَا [ ﷺ ] لَا تزيده شدَّة الْجَاهِل إِلَّا حلماً. وكما قَالَ تَعَالَى فِي وصف الصَّالِحين من عباده: ﴿وَإِذا سمعُوا اللَّغْو أَعرضُوا عَنهُ وَقَالُوا لنا أَعمالنَا وَلكم أَعمالكُم سَلام عَلَيْكُم لَا نبتغي الْجَاهِلين﴾ وَقد ورد أَن رجلَيْنِ اسْتَبَّا عِنْد رَسُول الله [ ﷺ ] فَجعل المسبوب يَقُول للَّذي يسبه عَلَيْك السَّلَام، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " أما إِن ملكا بَيْنكُمَا يذب عَنْك، فَكلما شتمك قَالَ لَهُ - أَي الْملك - بل أَنْت وَأَنت أَحَق بِهِ، وَإِذا قلت وَعَلَيْك السَّلَام، قَالَ: لَا بل عَلَيْك وَأَنت أَحَق بِهِ " ذكره فِي زَوَائِد الْجَامِع وَحسنه ابْن كثير. أخي لَا تغْضب، فَإِن الْغَضَب مفْسدَة " الْغَضَب يفْسد الْإِيمَان كَمَا يفْسد الصَّبْر الْعَسَل " الْغَضَب من الشَّيْطَان فَإِذا غضِبت فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم أذكر أخي قَول رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) " إِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يجهل، فَإِن امْرُؤ شاتمه فَهُوَ قَاتله فَلْيقل: إِنِّي صَائِم إِنِّي صَائِم " حَدِيث صَحِيح، تدبر قَوْله ( [ ﷺ ] ) " رب صَائِم حَظه من صِيَامه الْجُوع والعطش " ذكره فِي الْجَامِع وَصَححهُ. اسْتمع لِرَبِّك حَيْثُ يَقُول: ﴿قد أَفْلح من زكاها﴾ أَي زكى نَفسه بِطَاعَة الله وطهرها من الْأَخْلَاق الدنيئة والرذائل القبيحة ﴿وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي قذرها بِالْجَهْلِ والغفلة، ودسها مدسوسة فِي الْمعْصِيَة وَلم يحملهَا ويجاهدها على طَاعَة مَوْلَاهُ، أكظم غيظك أخي أبدا لَا سِيمَا وَأَنت

стр. 157

صَائِم، واعف عَن أَخِيك إِن هُوَ أَسَاءَ إِلَيْك، بل وَأحسن إِلَيْهِ عساك تدخل فِي عداد من مدحهم الله بقوله: ﴿والكاظمين الغيظ وَالْعَافِينَ عَن النَّاس وَالله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ إِن سَمِعت وأطعت يكن لَك نصيب مَعَ من قَالَ الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ جزاؤهم مغْفرَة من رَبهم وجنات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَنعم أجر العاملين﴾ . وَقد روى ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد جيد كَمَا قَالَه الْعِرَاقِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " مَا من جرعة أعظم عِنْد الله من جرعة غيظ كظمها عبد ابْتِغَاء وَجه الله ". فصل فِي طلب مدارسة الْقُرْآن فِي رَمَضَان، وبدع الْقُرَّاء فِيهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ " أَن جِبْرِيل كَانَ يلقى النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كل لَيْلَة من رَمَضَان فيدارسه الْقُرْآن " وَخرج الإِمَام أَحْمد " أَنه ( [ ﷺ ] ) كَانَ يُطِيل الْقِرَاءَة فِي قيام رَمَضَان بِاللَّيْلِ أَكثر من غَيره، وَقد صلى مَعَه حُذَيْفَة لَيْلَة فِي رَمَضَان قَالَ: فَقَرَأَ بالبقرة ثمَّ النِّسَاء ثمَّ آل عمرَان لَا يمر بِآيَة تخويف إِلَّا وقف وَسَأَلَ، فَمَا صلى الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى جَاءَهُ بِلَال فآذنه بِالصَّلَاةِ، أما اسْتِئْجَار الْقُرَّاء للْقِرَاءَة فِي ليَالِي رَمَضَان بِالْأُجْرَةِ، فبدعة مذمومة، وَكَذَا تسهيرهم فِي ليَالِي الْعِيدَيْنِ، وذهابهم إِلَى الْمَقَابِر فِي يومي الْعِيدَيْنِ وَرَجَب وَشَعْبَان ورمضان بِدعَة ضَلَالَة وَقد قَالَ ( [ ﷺ ] ) : " اقْرَءُوا الْقُرْآن وَاعْمَلُوا بِهِ وَلَا تجفوا عَنهُ وَلَا تغلوا فِيهِ وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ " ذكره فِي الْجَامِع برمز أَحْمد وَأبي يعلى فِي الْمسند وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ. قَالَ شَارِحه: رِجَاله ثِقَات. وَقَالَ ( [ ﷺ ] ) : " من قَرَأَ الْقُرْآن فليسأل الله بِهِ " فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقوام يقرأون الْقُرْآن يسْأَلُون بِهِ النَّاس " ورمز فِي الْجَامِع لِلتِّرْمِذِي وَحسنه. وَقَالَ ( [ ﷺ ] )

стр. 158

أَيْضا " من قَرَأَ الْقُرْآن يتأكل بِهِ النَّاس جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة وَوَجهه عظم لَيْسَ عَلَيْهِ لحم " ورمز للبيهقي وَحسنه، أما حَدِيث " إِن أَحَق مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أجرا كتاب الله " فَهُوَ خَاص بالرقي كَمَا ورد. وَقد كَانَ الْوَاجِب على الْقُرَّاء أَن يطلبوا الدُّنْيَا بالحرف والصناعة، كالأنبياء وَالصَّحَابَة. لَا بِالْقُرْآنِ؛ فَإِنَّهُ مَا من نَبِي وَلَا ولي إِلَّا وَقد كَانَ لَهُ حِرْفَة يتعيش مِنْهَا. وَكَانَ الْوَاجِب أَيْضا على الْمُسلمين أَن يعاونوهم بِأَمْوَالِهِمْ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا على الموالد وَالسّفر إِلَيْهَا والليالي والختمات والأفراح والمآتم والأختان الْمُخَالفَة للشريعة فَإِنَّهُم أَحَق وَأولى بِهَذَا المَال الَّذِي لم ينْفق إِلَّا فِيمَا لم يشرعه الله؛ والنشيد على المآذن وَغَيرهَا بتوديع رَمَضَان، وَهُوَ الْمُسَمّى عِنْدهم بالتوحيش بِدعَة قبيحة يجب أَن تتْرك. فصل فِي توحيش الخطباء على المنابر فِي آخر رَمَضَان أما قَول الخطباء على المنابر فِي آخر جُمُعَة من رَمَضَان: لَا أوحش الله مِنْك يَا شهر رَمَضَان، لَا أوحش الله مِنْك يَا شهر الْقُرْآن، يَا شهر المصابيح، يَا شهر التَّرَاوِيح يَا شهر المفاتيح - فَلَا شكّ أَنه جهل فاضح، وَعَجِيب هَذَا مِنْهُم، وَمن مُؤَلَّفِي الدَّوَاوِين، حَيْثُ يلفظون بِهَذَا الْكَلَام السبهلل على النَّاس، مَعَ علمهمْ أَنهم محتاجون إِلَى فهم آيَة وَاحِدَة وَحَدِيث وَاحِد من كَلَام الله وَكَلَام رَسُوله. فصل فِي صَلَاة لَيْلَة عيد الْفطر ويومه هِيَ مائَة رَكْعَة بِالْفَاتِحَةِ وَالْإِخْلَاص عشر مَرَّات ويستغفر بعْدهَا مائَة مرّة الخ حَدِيث طَوِيل ذكره الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي اللآلئ، وَقَالَ مَوْضُوع، وَكَذَا صَلَاة نَهَارهَا.

стр. 159

شهر شَوَّال وَالسّنَن فِيهِ والبدع فِي الْجَامِع برمز أَحْمد وَمُسلم وَأَصْحَاب السّنَن الْأَرْبَعَة أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من صَامَ رَمَضَان وستاً من شَوَّال كَانَ كَصَوْم الدَّهْر " وَفِيه برمز الْبَيْهَقِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " صم رَمَضَان وَالَّذِي يَلِيهِ وكل أربعاء وخميس، فَإِذا أَنْت قد صمت الدَّهْر " وَصَححهُ هُوَ وشارحه. وَسَببه: أَن النَّبِي [ ﷺ ] سُئِلَ عَن صَوْم الدَّهْر فَذكره أه عزيزي. وَقَالَ فِي أَسبَاب وُرُود الحَدِيث: أخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: غَرِيب وَلم يُضعفهُ أَبُو دَاوُد أه. وروى ابْن مَاجَه " أَن أُسَامَة بن زيد كَانَ يَصُوم أشهر الْحرم فَقَالَ لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] : صم شوالا، فَترك أشهر الْحرم ثمَّ لم يزل يَصُوم شوالا حَتَّى مَاتَ " قَالَ محشيه: وَفِي الزَّوَائِد إِسْنَاده صَحِيح إِلَّا أَنه مُنْقَطع أه. ورمز فِي الْجَامِع وَشَرحه لصِحَّته. وَقَالَ الْمَنَاوِيّ: قَالَ ابْن رَجَب: نَص صَرِيح فِي تَفْضِيل صَوْمه على الْأَشْهر الْحَرَام أه. أَقُول: هَذَا الحَدِيث الْمُنْقَطع لَا يصلح أبدا للاستدلال بِهِ على تَفْضِيل صَوْم شَوَّال على شهر الْمحرم، بل هُوَ معَارض بِمَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره مرفوعان " أفضل الصّيام بعد رَمَضَان شهر الله الْمحرم، وَأفضل الصَّلَاة بعد الْمَفْرُوضَة صَلَاة اللَّيْل " نعم صَحَّ " من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال كَانَ كصيام الدَّهْر ". بدع شهر شَوَّال وَتَسْمِيَة هَذِه الْأَيَّام السِّتَّة بالبيض جهل وبدعة، إِذْ الْبيض: الثَّالِث عشر، وَالرَّابِع عشر، وَالْخَامِس عشر من كل شهر، كَمَا فِي الصَّحِيح. وَكثير من الرِّجَال وَالنِّسَاء يَزْعمُونَ أَنه لَا يَصُوم هَذِه الْأَيَّام إِلَّا من لَهُ ذُرِّيَّة، وَأَن من صامها ثمَّ تَركهَا تَمُوت عِيَاله، وَذَلِكَ ضلال مُبين، مَا أَلْقَاهُ بَين النَّاس إِلَّا الشَّيْطَان الرَّجِيم،

стр. 160

الَّذِي حذرنا مِنْهُ رَبنَا بقوله: ﴿إِن الشَّيْطَان لكم عَدو فاتخذوه عدوا إِنَّمَا يَدْعُو حزبه ليكونوا من أَصْحَاب السعير﴾ . وَمن الْبدع: أَنهم جعلُوا لصومهم وَقْفَة وعيداً، وسموه عيد الْأَبْرَار، وَإِنَّمَا هُوَ عيد الْفجار، يَجْتَمعُونَ فِيهِ بِمَسْجِد الْحُسَيْن أَو زَيْنَب، ويختلطون رجَالًا وَنسَاء، ويتصافحون ويتلفظون عِنْد المصافحة بالألفاظ الْجَاهِلِيَّة الفارغة، ثمَّ يذهبون إِلَى طبخ الرزِ أَو المخروطة بِاللَّبنِ. وإنني لأعْلم أَن كثيرا من كبار عُلَمَاء الْأَزْهَر يرَوْنَ هَذَا وَغَيره وَمَا هُوَ أكبر وأشنع وأفظع من ذَلِك بِهَذَيْنِ المسجدين، فلماذا لَا يُنكرُونَ؟ وهم دَائِما فِي مَسْجِد الْحُسَيْن يدرسون؟ أما إِنَّهُم لَو نبهوا عَلَيْهَا وبينوا ضررها للنَّاس لاجتثوا هَذِه الْبدع من أُصُولهَا اجتثاثا، فتبعة هَذِه الْبدع عَلَيْهِم وَلَا كَلَام، اللَّهُمَّ إِلَّا أَن يكون سَبَب سكوتهم أَنهم يرَوْنَ هَذِه الْمُنْكَرَات والبدع من المستحسنات فِي الدّين، فالكتاب الْمجِيد وَالسّنة المطهرة ينفيان ذَلِك، بل ويبطلانه، فَلم يبْق إِلَّا أَن نقُول: قد اخْتلفت هَذِه الْأمة وتنازعت وَتَفَرَّقَتْ، اللَّهُمَّ ألف بَين قُلُوبهم. شهر ذِي الْقعدَة وَمَا فِيهِ من بدع وَفِي هَذَا الشَّهْر سفر الْحجَّاج إِلَى آداء فَرِيضَة الْحَج، إِلَّا أَنهم يركبون قبل سفرهم إِثْمًا ومنكراً قبيحاً، وَذَلِكَ بِسَبَب ازدحام نِسَائِهِم وبناتهم وَبَنَات جيرانهم بِالرِّجَالِ على القطار وَرفع أصواتهن جَمِيعًا بِالْغنَاءِ غناء الْحجَّاج وَهَذَا مَذْمُوم من وُجُوه. الأول: أَن شريعتنا المطهرة تأبى للْمَرْأَة أَن ترفع صَوتهَا بَين الرِّجَال، لِأَن صَوتهَا عَورَة وفتنة، وَلذَا منعت من التأذين وَحَتَّى من التَّلَفُّظ: بسبحان الله خلف الإِمَام بل جَاءَ فِي الحَدِيث " إِنَّمَا جعل التصفيق للنِّسَاء ".

стр. 161

الثَّانِي: أَن أَكثر نسَاء زَمَاننَا لَا يخْرجن إِلَّا متزينات متعطرات، وَفِي الحَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا رِيحهَا فَهِيَ زَانِيَة " رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيره. الثَّالِث: أَن الْغيرَة الإسلامية تأبى خُرُوج الْمَرْأَة إِلَى المجتمعات وأماكن الازدحام، وَلذَا كَانَ عَليّ ﵁ يَقُول: " أَلا تستحيون؟ أَلا تغارون؟ يتْرك أحدكُم امْرَأَته تخرج بَين الرِّجَال تنظر إِلَيْهِم وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهَا " وَلما دخل الْأَعْمَى على زوجيه [ ﷺ ] أَمرهمَا بالاحتجاب مِنْهُ فَقَالَتَا: إِنَّه أعمى لَا يُبصرنَا فَقَالَ [ ﷺ ] : " أفعمياوان أَنْتُمَا؟ ألستما تبصرانه؟ " وَذكره ابْن كثير فِي تَفْسِير آيَة ﴿وَقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن﴾ عَن أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ. الرَّابِع: كَيفَ يقبل رجل عِنْده بعض غيرَة إسلامية على زَوجته أَو ابْنَته أَن تقف بَين مئات بل أُلُوف من الرِّجَال ينظرُونَ إِلَيْهَا وَتنظر إِلَيْهِم ويتزاحمون ويتغنون (بخذ أمك فِي طولك تنكتب حجتك) و (بياهنا اللي انوعد) إِنَّه لَا يقبل هَذَا على نَفسه وَأَهله إِلَّا كل حمَار جَاهِل بِدِينِهِ لم يذقْ لَهُ طعما إِذْ لَو ذاق طعمه لعرف كَيفَ يغار على أَهله، وَورد " لِأَن يطعن فِي رَأس أحدكُم بمخيط من حَدِيد خير لَهُ من أَن يمس امْرَأَة لَا تحل لَهُ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ. فيا أَيهَا الْحَاج امْنَعْ نِسَاءَك عَن الْخُرُوج من بُيُوتهنَّ، واقرأ عَلَيْهِنَّ قَول الله ﴿وَقرن فِي بيوتكن وَلَا تبرجن تبرج الْجَاهِلِيَّة الأولى﴾ واتل عَلَيْهِم قَول نبيك ( [ ﷺ ] ) " الْمَرْأَة عَورَة فَإِذا خرجت من بَيتهَا استشرفها الشَّيْطَان، وَأقرب مَا تكون الْمَرْأَة من الله تَعَالَى إِذا كَانَت فِي بَيتهَا " ذكره فِي الزواجر وَابْن كثير عَن الْبَزَّار وَالتِّرْمِذِيّ.

стр. 162

إخْوَانِي ذكرُوا نساءكم بقول النَّبِي ( [ ﷺ ] ) " أَيّمَا امْرَأَة خرجت من بَيتهَا بِغَيْر إِذن زَوجهَا كَانَت فِي سخط الله تَعَالَى حَتَّى ترجع إِلَى بَيتهَا أَو يرضى عَنْهَا زَوجهَا " ذكره فِي الْجَامِع برمز الْخَطِيب وَحسنه. ثمَّ إِذا كَانَت شريعتنا تنْهى الْمَرْأَة عَن صِيَام التَّطَوُّع بِغَيْر إِذن زَوجهَا كَمَا فِي الحَدِيث " أَيّمَا امْرَأَة صَامت بِغَيْر إِذن زَوجهَا فأرادها على شَيْء فامتنعت عَلَيْهِ كتب الله عَلَيْهَا ثَلَاثًا من الْكَبَائِر " ذكره فِي الْجَامِع برمز الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَحسنه، فَكيف تكون خالها إِذا خرجت متبرجة تمشي بَين الرِّجَال وريحها تعصف ثمَّ كَيفَ إِذا وقفت بَين الرِّجَال تغني بصوتها الرَّقِيق الرفيع الجذاب؟ لَا شكّ أَن هَذَا ضلال مُبين، وَجَهل فاضح، ومنكر فَاحش، لَا يرتضيه مُسلم عرف معنى الشهامة. وَقد سُئِلَ ابْن مَسْعُود عَن قَول الله: ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله بِغَيْر علم ويتخذها هزوا أُولَئِكَ لَهُم عَذَاب مهين﴾ فَقَالَ " الْغناء وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ ورددها ثَلَاثًا " وَكَذَا قَالَ ابْن عَبَّاس وَجَابِر وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بن جُبَير وَمُجاهد وَمَكْحُول، وَذكر ابْن الْجَوْزِيّ عَن أبي أُمَامَة قَالَ: " نهى رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) عَن بيع الْمُغَنِّيَات وَعَن التِّجَارَة فِيهِنَّ، وَعَن تعليمهن الْغناء وَقَالَ: ثمنهن حرَام، وَقَالَ فِي هَذَا أَو نَحوه نزلت على ﴿وَمن النَّاس من يَشْتَرِي لَهو الحَدِيث ليضل عَن سَبِيل الله﴾ وَقَالَ: " مَا من رجل يرفع عفيرة صَوته للغناء إِلَّا بعث الله لَهُ شياطين يرتدفانه - أَعنِي هَذَا من ذَا الْجَانِب وَهَذَا من ذَا الْجَانِب - وَلَا يزَالَانِ يضربان بِأَرْجُلِهِمَا فِي صَدره حَتَّى يكون هُوَ الَّذِي يسكت " وَهُوَ كَذَلِك فِي تَفْسِير الْبَغَوِيّ. وَفِي الْجَامِع وَصَححهُ " صوتان ملعونان فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة: مزمار عِنْد نعْمَة. وَرَنَّة عِنْد مُصِيبَة " وَقَالَ ابْن مَسْعُود: " الْغناء ينْبت النِّفَاق فِي الْقلب كَمَا ينْبت المَاء البقل ". وَمر ابْن عمر بِقوم محرمين وَفِيهِمْ رجل يتَغَنَّى فَقَالَ: أَلا لَا سمع الله لَك. ف (يَا أَيهَا

стр. 163

الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديداً يصلح لكم أَعمالكُم وَيغْفر لكم ذنوبكم﴾ وَأسد قَول هُوَ ذكر الله فِي طَرِيق حَجكُمْ والإكثار من لَا إِلَه إِلَّا الله، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، أما الْغناء فَمن فعل الَّذين ﴿استحوذ عَلَيْهِم الشَّيْطَان فأنساهم ذكر الله أُولَئِكَ حزب الشَّيْطَان. أَلا إِن حزب الشَّيْطَان هم الخاسرون﴾ . وَمن الْبدع الذميمة والجهالات الوخيمة، أَن ألوفا من النَّاس لَا يقصدون من الْحَج إِلَّا زِيَارَة قبر النَّبِي [ ﷺ ] وَوضع أَيْديهم على شباكه، وإنني لأعْلم أَن كثيراُ مِمَّن يحجون لَو شعروا أَن زِيَارَة الْقَبْر النَّبَوِيّ ممتنعة تِلْكَ السّنة مثلا - لرجعوا من فورهم لأَنهم يرَوْنَ أَن الْحَج هُوَ زِيَادَة قَبره [ ﷺ ] أَو أَن الْحَج لَا يقبل أَو لَا يتم إِلَّا بذلك، وَإِن هَذَا لَهو الْبلَاء الْعَظِيم وَالْجهل الوخيم. أَلا فاعلموا أَيهَا الْمُسلمُونَ أَن أَرْكَان الْحَج خَمْسَة: الْإِحْرَام، وَالْوُقُوف بِعَرَفَة، وَالطّواف، وَالسَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَحلق الرَّأْس أَو التَّقْصِير. وأركان الْعمرَة أَرْبَعَة: الْإِحْرَام، وَالطّواف، وَالسَّعْي، وَالْحلق أَو التَّقْصِير، فَمن حج الْبَيْت أَو اعْتَمر، فَأدى هَذِه الْأَركان فقد تمّ حجه وعمرته. أما زِيَارَة قَبره [ ﷺ ] فَسنة مُسْتَحبَّة مُسْتَقلَّة يُؤَدِّيهَا الْمُسلم فِي أَي زمَان شَاءَ، سَوَاء أَكَانَ فِي أَيَّام الْحَج أَو غَيرهَا، على أَن لَا يقْصد السّفر إِلَّا للصَّلَاة فِي الْمَسْجِد. ثمَّ اعْلَم أَن كل حَدِيث ورد فِي فضل زِيَارَة قَبره [ ﷺ ] فواه أَو مَوْضُوع. وَإِنَّمَا الصَّحِيح " لَا تشد الرّحال إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد: الْمَسْجِد الْحَرَام، وَمَسْجِد النَّبِي [ ﷺ ] وَالْمَسْجِد الْأَقْصَى " فَإِذا دخل الْإِنْسَان مَسْجِد الرَّسُول [ ﷺ ] سنّ لَهُ أَن يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ يزور الْقَبْر الْمُعظم. وَقد أشاع الأغفال الْجُهَّال أَن الْمَرْأَة المتزوجة إِذا عزمت على الْحَج وَلَيْسَ

стр. 164

مَعهَا محرم، يعْقد عَلَيْهَا رجل آخر ليَكُون مَعهَا كمحرم لَهَا، ثمَّ يطلقهَا بعد العودة، وَهَذِه بِلَا شكّ هِيَ سنة أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى، إِذْ كَانَ الرِّجَال الْعشْرَة يَجْتَمعُونَ على الْمَرْأَة، فَإِذا وضعت نظرُوا إِلَى أَي رجل مِنْهُم جَاءَ الْوَلَد شَبِيها بِهِ فينسب إِلَيْهِ وَإِنَّهَا لأنكر النكر، وَإِحْدَى الْكبر. بل الْمَشْرُوع هُوَ مَا روى مُسلم فِي صَحِيحه أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " لَا يحل لامْرَأَة تؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر أَن تُسَافِر سفرا يكون ثَلَاثَة أَيَّام فَصَاعِدا إِلَّا وَمَعَهَا أَبوهَا أَو ابْنهَا أَو زَوجهَا أَو ذُو محرم مِنْهَا " وروى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " لَا تحجن امْرَأَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو محرم ". شهر ذِي الْحجَّة صَوْم أول وَآخر السّنة الْمَوْضُوع ودعاؤهما. فضل شهر ذِي الْحجَّة، فضل يَوْم عَرَفَة، فضل الْحَج، التَّرْهِيب من تَركه؛ مُنكرَات وبدع الْحَج، صَلَاة يَوْم عَرَفَة وَلَيْلَة النَّحْر، فضل الضَّحَايَا، تَركهَا وذبحهم للمشايخ. فِي هَذَا الشَّهْر خير كثير، وعبادات عَظِيمَة، أحدثت فِيهَا بدع ذميمة، وجهالات وخيمة، وسنبينها كلهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى. فضل فِي صَوْم أول وَآخر السّنة الْمَوْضُوع ودعائهما قَالَ الإِمَام الفتني فِي تذكرة الموضوعات فِي حَدِيث " من صَامَ آخر يَوْم من ذِي الْحجَّة وَأول يَوْم من الْمحرم فقد ختم السّنة الْمَاضِيَة بِصَوْم وافتتح السّنة الْمُسْتَقْبلَة بِصَوْم فقد جعل الله لَهُ كَفَّارَة خمسين سنة " فِيهِ كذابان، وَقَالَ فِي حَدِيث " فِي أول لَيْلَة من ذِي الْحجَّة ولد إِبْرَاهِيم؛ فَمن صَامَ ذَلِك الْيَوْم كَانَ كَفَّارَة سِتِّينَ سنة " فِيهِ مُحَمَّد بن سهل يضع. أما دُعَاء آخر السّنة فَلَا شكّ أَنه بِدعَة ضَلَالَة وَمثله دُعَاء أول السّنة.

стр. 165

فصل فِي فضل عشر ذِي الْحجَّة روى البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " مَا من أَيَّام الْعَمَل الصَّالح فِيهِنَّ أحب إِلَى الله من هَذِه الْأَيَّام الْعشْر، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله؟ فَقَالَ: وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله، إِلَّا رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله فَلم يرجع من ذَلِك بِشَيْء " وروى أَحْمد وَالنَّسَائِيّ مَرْفُوعا: " أَربع لم يكن يدعهن رَسُول الله [ ﷺ ] صِيَام عَاشُورَاء، وَالْعشر - يَعْنِي من ذِي الْحجَّة - وَثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، والركعتين قبل الْغَدَاة ". فصل فِي فضل يَوْم عَرَفَة روى مُسلم وَغَيره أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " صِيَام يَوْم عَرَفَة أحتسب على الله أَن يكفر السّنة الَّتِي قبله وَالسّنة الَّتِي بعده " وَصَحَّ أَنه [ ﷺ ] " أفطر بِعَرَفَة، وَأرْسلت إِلَيْهِ أم الْفضل بِلَبن فَشرب، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَغَيره. وَفِي سنَن أبي دَاوُد وَابْن مَاجَه " نهى رَسُول الله [ ﷺ ] عَن صَوْم يَوْم عَرَفَة بِعَرَفَات وَفِي مُسلم عَنهُ [ ﷺ ] " مَا من يَوْم أَكثر من أَن يعْتق الله فِيهِ عبدا من النَّار من يَوْم عَرَفَة، وَإنَّهُ ليدنو ثمَّ يباهي بهم الْمَلَائِكَة فَيَقُول: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ".

стр. 166

فصل فضل الْحَج وَالْعمْرَة فِي البُخَارِيّ: " سُئِلَ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ إِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله، قيل: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حج مبرور " وَفِيه عَن عَائِشَة قَالَت: " نرى الْجِهَاد أفضل الْعَمَل أَفلا نجاهد؟ قَالَ: لَا، لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور؟ " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ ( [ ﷺ ] ) : " من حج لله فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه، وَفِي مُسلم أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ " الْعمرَة إِلَى الْعمرَة كَفَّارَة لما بَينهمَا، وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة ". فصل فِي التَّرْهِيب من ترك الْحَج للقادر عَلَيْهِ روى التِّرْمِذِيّ وَالْبَيْهَقِيّ عَن عَليّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) " من ملك زاداً وراحلة تبلغه إِلَى بَيت الله وَلم يحجّ فَلَا عَلَيْهِ أَن يَمُوت يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا " وَذَلِكَ أَن الله يَقُول: ﴿وَللَّه على النَّاس حج الْبَيْت من اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ وَأنْكرهُ الْحَافِظ ابْن كثير فِي تَفْسِيره، وَذكر عَن عمر أَنه قَالَ " من أطَاق الْحَج فَلم يحجّ فَسَوَاء عَلَيْهِ مَاتَ يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا "، ثمَّ قَالَ وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَذكر عَن عمر أَنه قَالَ: " لقد هَمَمْت أَن أبْعث رجَالًا إِلَى هَذِه الْأَمْصَار فينظروا إِلَى كل من كَانَ لَهُ جدة فَلم يحجّ فيضربوا عَلَيْهِم الْجِزْيَة، مَا هم بمسلمين مَا هم بمسلمين " أه وروى الْبَزَّار أَنه ( [ ﷺ ] قَالَ " الْإِسْلَام ثَمَانِيَة أسْهم: الْإِسْلَام سهم، وَالصَّلَاة سهم، وَالزَّكَاة سهم، وَحج الْبَيْت

стр. 167

سهم، وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ سهم، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر سهم، وَالْجهَاد فِي سَبِيل الله سهم، وَقد خَابَ من لَا سهم لَهُ ". مُنكرَات وبدع الْحَج قَالَ الإِمَام ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه " نقد الْعلم وَالْعُلَمَاء،: قد يسْقط الْإِنْسَان الْفَرْض بِالْحَجِّ مرّة ثمَّ يعود لَا عَن رضَا الْوَالِدين وَهَذَا خطأ. وَرُبمَا حج وَعَلِيهِ دُيُون أَو مظالم، وَرُبمَا خرج للنزهة، وَرُبمَا حج بِمَال فِيهِ شُبْهَة، وَمِنْهُم من يحب أَن يتلَقَّى وَيُقَال لَهُ: الْحَاج، وجمهورهم يضيع فِي الطَّرِيق فَرَائض من الطَّهَارَة وَالصَّلَاة، ويجتمعون حول الْكَعْبَة بقلوب دنسة وبواطن غير نقية، وإبليس يُرِيهم صُورَة الْحَج فيغرهم، وَإِنَّمَا المُرَاد من الْحَج الْقرب بالقلوب لَا بالأبدان وَإِنَّمَا يكون ذَلِك مَعَ الْقيام بالتقوى، وَكم من قَاصد إِلَى مَكَّة همته عدد حجاته فَيَقُول: لي عشرُون وَقْفَة، وَكم من مجاور قد طَال مكثه وَلم يشرع فِي تنقية بَاطِنه، وَرُبمَا كَانَت همته مُتَعَلقَة بفتوح يصل إِلَيْهِ مِمَّن كَانَ، وَرُبمَا قَالَ: إِن لي الْيَوْم عشْرين سنة مجاوراً، وَكم قد رَأَيْت فِي طَرِيق مَكَّة من قَاصد إِلَى الْحَج يضْرب رفقاءه على المَاء ويضايقهم فِي الطَّرِيق، وَقد لبس إِبْلِيس على جمَاعَة من القاصدين إِلَى مَكَّة، فهم يضيعون الصَّلَوَات، ويطففون إِذا باعوا، ويظنون أَن الْحَج يدْفع عَنْهُم، وَقد لبس إِبْلِيس على قوم مِنْهُم فابتدعوا من الْمَنَاسِك مَا لَيْسَ مِنْهَا، فَرَأَيْت جمَاعَة يتصنعون فِي إحرامهم فيكشفون عَن كتف وَاحِدَة، ويبقون فِي الشَّمْس أَيَّامًا فتكشط جُلُودهمْ وتنتفح رُءُوسهم، ويتزينون بَين النَّاس بذلك. وَفِي أَفْرَاد البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس ﵄: " أَن النَّبِي [ ﷺ ] رأى رجلا يطوف بِالْكَعْبَةِ بزمام فَقَطعه " وَفِي لفظ آخر: " رأى رجلا يَقُود إنْسَانا بخزامة فِي أَنفه فقطعها بِيَدِهِ، ثمَّ أمره أَن يَقُود بِيَدِهِ " قَالَ: وَهَذَا الحَدِيث يتَضَمَّن النَّهْي عَن الابتداع فِي الدّين، وَإِن قصد بذلك الطَّاعَة، ثمَّ قَالَ:

стр. 168

فصل وَقد لبس على قوم يدعونَ التَّوَكُّل فَخَرجُوا بِلَا زَاد، وظنوا أَن هَذَا هُوَ التَّوَكُّل وهم على غَايَة الْخَطَأ قَالَ رجل للْإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل ﵁: أُرِيد أَن أخرج إِلَى مَكَّة على التَّوَكُّل من غير زَاد، فَقَالَ لَهُ أَحْمد: فَاخْرُج فِي غير الْقَافِلَة، قَالَ: لَا إِلَّا مَعَهم. قَالَ: فعلى جراب النَّاس توكلت. فنسأل الله أَن يوفقنا أه. وَمن الْبدع: التمسح بجدران الْكَعْبَة كلهَا، لِأَن الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) لم يَفْعَله وَإِنَّمَا كَانَ يمس الرُّكْن الْيَمَانِيّ، وَيقبل الْحجر الْأسود، وَكَذَا كِتَابَة أسمائهم على عمدان حيطان الْكَعْبَة، وتوصيتهم بَعضهم بذلك بِدعَة وَجَهل، واهتمامهم بزمزمة لحاهم وزمزمة مَا مَعَهم من النُّقُود وَالثيَاب لتحصل لَهَا الْبركَة، وَنقل مَاء زَمْزَم إِلَى بِلَادهمْ، كل هَذِه بدع لم تشرع وَلَا خير فِيهَا، وَلَا بركَة، وَمِنْهُم من يعْتَقد أَن من تَمام الْحَج تقديس حجه بزيارة قبر الْخَلِيل، وَإِلَّا فحجه نَاقص أَو غير صَحِيح، وَهَذَا جهل واعتقاد فَاسد، لِأَن الْحَج عبَادَة مُسْتَقلَّة لَا تعلق لَهُ بِغَيْرِهِ. وَأما زِيَارَة بَيت الْمُقَدّس فَسنة مُسْتَحبَّة، لِأَن الصَّلَاة فِيهِ تعدل خَمْسمِائَة صَلَاة. وَحَدِيث " من زارني وزار أبي إِبْرَاهِيم فِي عَام ضمنت لَهُ على الله الْجنَّة " بَاطِل مَوْضُوع، كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ وَابْن تَيْمِية وَغَيرهمَا. وتبييض بَيت الْحَاج بالبياض والجير، ونقشه بالصور وَكِتَابَة اسْم وتاريخ الْحَاج عَلَيْهِ بِدعَة ضَلَالَة، وتظاهر ورياء وجهالة وغفلة من الْمَشْرُوع، وعدول عَنهُ إِلَى المبتدع المذموم الْمَمْنُوع، وَكَذَا إقامتهم السرادقات - الصواوين - وذبحهم الذَّبَائِح، وتفريقهم للشربات والسجاير على القادمين وملاقاة الْحَاج بالبيارق والباز أَو الطبول، واجتماع النِّسَاء للزغاريد، واستحضار الْفُقَرَاء للذّكر بالتنطيط، أَو الراقصات للرقص والشخلعة، كل هَذَا وَغَيره مِمَّا لَا يَلِيق حُصُوله من مُسلم

стр. 169

شم رَائِحَة الشَّرِيعَة الإسلامية، بل هَذَا إِذا رَآهُ الْأَجَانِب أَعدَاء الْإِسْلَام استهزءوا بِنَا، وَعرفُوا أَن هَذَا الدّين كُله سخرية وهذيان وَلَهو وَلعب. إِنَّنِي أَقُول وَالْحق أَقُول: مَا من عبَادَة، وَمَا من ركن، وَلَا سنة إِلَّا وَقد دخل عَلَيْهَا من الْجَهْل والبدع والخرافات مَا أفسدها وشوهها، وَلَا لوم أصلا على أحد من أهل الأَرْض جَمِيعًا سوى الْعلمَاء فَإِنَّهُم أَعرضُوا عَن الْأَمر وَالنَّهْي كل الْإِعْرَاض، بل قَامُوا فِي وُجُوه الآمرين الناهين، فَأَصْبحُوا هم أكبر صَاد للنَّاس عَن سَبِيل الله (فَإنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون) . صَلَاة لَيْلَة الْفطر وَيَوْم عَرَفَة الْمَوْضُوعَة بَين أَحَادِيث صَلَاة لَيْلَة الْفطر، ويومه وَيَوْم عَرَفَة وَلَيْلَة النَّحْر الْجلَال السُّيُوطِيّ فِي كِتَابه " اللآلئ المصنوعة فِي الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة " وَوَافَقَهُ على وَضعهَا الْعَلامَة الفتني فِي تَذكرته وَتَركنَا ذكرهَا عمدا. مَسْأَلَة فِي كتاب الإبداع مَرْدُودَة بِالسنةِ وَهِي قَوْله: وَمن الْبدع السَّيئَة تهاون الْعَامَّة بِسَمَاع الْخطْبَتَيْنِ، فترى أَكْثَرهم يُسَارع بِالْخرُوجِ من الْمَسْجِد عقب فرَاغ الإِمَام من الصَّلَاة وَبَعْضهمْ ينْتَظر الْخطْبَة الأولى فَقَط، وكل ذَلِك ترك للسّنة الخ، وَهَذَا الْكَلَام مَرْدُود بل منقوض بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه، وَاللَّفْظ لَهُ من حَدِيث عبد الله بن السَّائِب قَالَ: " حضرت الْعِيد مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] فصلى بِنَا الْعِيد، ثمَّ قَالَ: قد قضينا الصَّلَاة، فَمن أحب أَن يجلس للخطبة فليجلس، وَمن أحب أَن يذهب فليذهب " قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا مُرْسل، وَقد أَفَادَ الحَدِيث التَّخْيِير بَين الْجُلُوس لسَمَاع الموعظة والذهاب، فَمن مضى فَلَيْسَ مبتدعاً بِدعَة سَيِّئَة، كَمَا قَالَ الشَّيْخ ﵀. وَمن جلس فَلَا شكّ أَنه قد أحسن، وَالله أعلم.

стр. 170

الْعِيد إِذا وَافق الْجُمُعَة قَالَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀: إِذا اجْتمع الْجُمُعَة والعيد فِي يَوْم وَاحِد فللعلماء فِي ذَلِك ثَلَاثَة أَقْوَال، أَحدهَا: أَنه تجب الْجُمُعَة على من شهد الْعِيد، كَمَا تجب سَائِر الْجمع للعمومات الدَّالَّة على وجوب الْجُمُعَة، وَالثَّانِي: تسْقط عَن أهل الْبر مثل أهل العوالي والشواذ، لِأَن عُثْمَان بن عَفَّان أرخص لَهُم فِي ترك الْجُمُعَة لما صلى بهم الْعِيد، وَالْقَوْل الثَّالِث: وَهُوَ صَحِيح أَن من شهد الْعِيد سَقَطت عَنهُ الْجُمُعَة، لَكِن على الإِمَام أَن يُقيم الْجُمُعَة ليشهدها من شَاءَ شهودها وَمن لم يشْهد الْعِيد، وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُور عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَأَصْحَابه كعمر وَعُثْمَان وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَغَيرهم وَلَا يعرف عَن الصَّحَابَة فِي ذَلِك خلاف. وَأَصْحَاب الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمين لم يبلغهم مَا فِي ذَلِك من السّنة عَن النَّبِي [ ﷺ ] لما اجْتمع فِي يَوْمه عيدَان صلى الْعِيد، ثمَّ رخص فِي الْجُمُعَة. وَفِي لفظ أَنه قَالَ: " أَيهَا النَّاس إِنَّكُم قد أصبْتُم خيرا، فَمن شَاءَ أَن يشْهد الْجُمُعَة فَإنَّا مجمعون " أه. أَقُول: الْأَحْسَن أَن تصلى الْجُمُعَة لتضعيف الْأَئِمَّة هَذِه الْأَحَادِيث. فضل الضَّحَايَا روى ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث حسن غَرِيب أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " مَا عمل ابْن آدم يَوْم النَّحْر عملا أحب إِلَى الله من هراقة دم، وَإنَّهُ لتأتي يَوْم الْقِيَامَة بقرونها وأظلافها وَأَشْعَارهَا، وَإِن الدَّم ليَقَع من الله بمَكَان قبل أَن يَقع على الأَرْض، فطيبوا بهَا نفسا " وروى أَحْمد وَابْن مَاجَه عَن زيد بن أَرقم قَالَ: قلت أَو قَالُوا: " يَا رَسُول الله مَا هَذِه الْأَضَاحِي؟ قَالَ: سنة أبيكم إِبْرَاهِيم قَالَ: قَالُوا: مَا لنا مِنْهَا؟ قَالَ بِكُل شَعْرَة حَسَنَة، قَالُوا: فالصوف؟ قَالَ: بِكُل شَعْرَة من الصُّوف حَسَنَة " وروى الدَّارَقُطْنِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ:

стр. 171

" مَا أنفقت الْوَرق فِي شَيْء أفضل من نحيرة فِي يَوْم عيد " وَرِجَاله ثِقَات، لَكِن اخْتلف فِي رَفعه وَوَقفه. فصل أما حَدِيث " قومِي إِلَى أضحيتك فاشهديها، فَإِنَّهُ بِأول قَطْرَة مِنْهَا يغْفر لَك مَا سلف من ذنوبك " فَفِي إِسْنَاده عَطِيَّة، وَفِي الْعِلَل: أَنه حَدِيث مُنكر وَحَدِيث " من ضحى طيبَة بهَا نَفسه محتسباً بأضحيته كَانَت لَهُ حِجَابا من النَّار " فِيهِ أَبُو دَاوُد النَّخعِيّ وَهُوَ كَذَّاب. قَالَ الإِمَام أَحْمد: كَانَ يضع الحَدِيث، لَكِن رمز فِي الْجَامِع لضَعْفه، وَحَدِيث " اسْتَفْرِهُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا مَطَايَاكُمْ على الصِّرَاط " غير ثَابت، كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح وَغَيره، وَمثله " إِنَّهَا مَطَايَاكُمْ فِي الْجنَّة " كَذَا فِي أَسْنَى المطالب وَقَالَ فِي التَّمْيِيز: قَالَ فِي ابْن الصّلاح: هَذَا الحَدِيث غير مَعْرُوف وَلَا ثَابت فِيمَا علمناه، وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ ﵀ فِي شرح التِّرْمِذِيّ: لَيْسَ فِي فضل الْأُضْحِية حَدِيث صَحِيح، وَمِنْهَا قَوْله: " إِنَّهَا مَطَايَاكُمْ فِي الْجنَّة " أه وَقد ذكر الشَّيْخ خطاب السُّبْكِيّ فِي ديوَان خطبه ص ١٦٥ حَدِيث اسْتَفْرِهُوا " وَقد علمت أَنه لم يَصح أصلا وَذكر أَيْضا حَدِيث " من ضحى طيبَة بهَا نَفسه " وَقد تقدم لَك أَنه من رِوَايَة أبي دَاوُد النَّخعِيّ وَهُوَ كَذَّاب، وَمَا ذكرت هَذَا إِلَّا للْبَيَان، وَالله أعلم. وَحَدِيث " أَنا ابْن الذبيحين " يرْوى عَن مُعَاوِيَة أَن أَعْرَابِيًا قَالَ لَهُ ( [ ﷺ ] ) : يَا ابْن الذبيحين، وَلم يُنكر عَلَيْهِ، وَفِي الْكَشَّاف " أَنا ابْن الذبيحين " وَلم يثبت من قَوْله ( [ ﷺ ] ) ، وَأما قَول الْأَعرَابِي فَرَوَاهُ الْحَاكِم وَابْن مرْدَوَيْه والثعلبي كَذَا فِي أَسْنَى المطالب. فصل وَقد ترك النَّاس الضَّحَايَا الَّتِي هِيَ من كبار الْقرب المنوه عَنْهَا فِي غير مَوضِع فِي الْقُرْآن الْكَرِيم، وصاروا لَا يذبحون إِلَّا فِي أَيَّام الموالد، كمولد أَحْمد البدوي،

стр. 172

والرفاعي والدسوقي، والبيومي، والإمبابي، ومولد النَّبِي. وَمَا من بلد من من بِلَاد الْمُسلمين إِلَّا وفيهَا مقدسون، ومعظمون من الْأَمْوَات يذبحون وينذرون لَهُم، ويتقربون إِلَيْهِم بنفائس النذور والذبائح الَّتِي هِيَ حق لله وَحده لَا شريك لَهُ، ف ﴿أُولَئِكَ الَّذين ضل سَعْيهمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وهم يحسبون أَنهم يحسنون صنعا﴾ ، فَمَا بِهَذَا أَمركُم الله فِي كِتَابه أَيهَا الْمُسلمُونَ، بل أَمر الله نبيه أَن يَقُول: ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين﴾ ، فَالله تَعَالَى يَأْمر نبيه أَن يخبر الْمُشْركين الَّذين يعْبدُونَ غير الله ويذبحون لغيره، أَنه مُخَالف لَهُم فِي ذَلِك وَأَن صلواته وقرباته، وعبادته وذبائحه لله وَحده لَا شريك لَهُ، وَقد قَالَ الله تَعَالَى أَيْضا لَهُ ( [ ﷺ ] ) : ﴿فصل لِرَبِّك وانحر﴾ أَي أخْلص لَهُ صَلَاتك وذبحك، فَإِن الْمُشْركين يعْبدُونَ الْأَوْلِيَاء والموتى، ويذبحون لَهَا، فَلَا تفعل كفعلهم وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا وَلَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدا﴾ . هَذَا وَقد ثَبت فِي السّنة لعن من ذبح لغير الله، كَمَا رَوَاهُ أَحْمد، وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ، عَن عَليّ ﵁ قَالَ: حَدثنِي رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) ، بِأَرْبَع كَلِمَات: " لعن الله من ذبح لغير الله، وَلعن الله من لعن وَالِديهِ، وَلعن الله من آوى مُحدثا، وَلعن الله من غير منار الأَرْض " بل قد أَدخل الله النَّار رجلا بِسَبَب ذُبَاب قربه لغير الله، كَمَا روى عَن طَارق بن شهَاب، أَن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " دخل الْجنَّة رجل فِي ذُبَابَة، وَدخل النَّار رجل فِي ذُبَاب. قَالُوا: كَيفَ ذَلِك يَا رَسُول الله؟ قَالَ: مر رجلَانِ على قوم لَهُم صنم لَا يُجَاوِزهُ أحد حَتَّى يقرب لَهُ شَيْئا. قَالُوا لأَحَدهمَا: قرب، قَالَ: لَيْسَ عني شَيْء أقرب، قَالُوا قرب وَلَو ذبابا، فَقرب ذبابا فَخلوا سَبيله، فَدخل النَّار، وَقَالَ للْآخر: قرب، قَالَ: مَا كنت لأَقْرَب لأحد شَيْئا دون الله ،

стр. 173

فَضربُوا عُنُقه، فَدخل الْجنَّة " رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد. أَيهَا النَّاس إِذا كَانَ هَذَا الرجل أَدخل النَّار فِي ذُبَاب قربه لغير الله، فَكيف يفعل الله بأصحاب عجل البدوي، وَهِي أُلُوف، ونابت أم هَاشم، وَهِي أُلُوف من الأرادب، وخرفان البيومي، وذبائح الْقَرنِي، وجريش العجمي، وقصعة شهَاب الدّين، وقناطير الذَّهَب الَّتِي تُوضَع فِي صناديقهم؟ اللَّهُمَّ الطف. إخْوَانِي: أنصحكم وَأَنا لكم نَاصح أَمِين، أَن لَا تذبحوا، وَلَا تقربُوا، وَلَا تخْرجُوا من مالكم قَلِيلا، وَلَا كثيرا، وَلَا مِثْقَال ذرة إِلَّا أَن يكون ذَلِك خَالِصا لله وَحده لَا شريك لَهُ، وَلَا تعتقد أَيهَا الْمُسلم أَن النّذر لغير الله يجوز بِحَال من الْأَحْوَال، أَو أَن عَالما من الْعلمَاء المعتبرين قَالَ بِهِ. فإياك ثمَّ إياك أَن تنذر نذرا لأحد على وَجه الأَرْض. فَإِن كَانَ قد وَقع مِنْك ذَلِك جهلا، فَلَا تَظنن أَنَّك إِن لم تف بِنذر الشَّيْخ أَنه يَضرك، أَو يضر مَالك، أَو عِيَالك، أَو يُصِيب مِنْك مِثْقَال ذرة؛ لِأَن ولي الله لَا يكون ظَالِما، وَاعْلَم أَن الْأمة لَو اجْتمعت على أَن يضروك بِشَيْء لم يضروك إِلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، وَاذْكُر قَول الله تَعَالَى لنَبيه: ﴿قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا﴾ ، وَقَوله: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة إِلَّا بِإِذن الله﴾ ، وَقَوله: ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ ، وَاعْلَم أَن الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) أمره الله أَن يَقُول للنَّاس: ﴿قل إِنِّي لَا أملك لنَفْسي ضراً وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ ، ﴿قل إِنِّي لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا﴾ ، وَلَا شكّ أَنه ( [ ﷺ ] ) سيد الْأَنْبِيَاء والأولياء، وَسيد ولد آدم، وَالْإِنْس وَالْجِنّ، وَمَعَ هَذَا كَانَ لَا يملك لنَفسِهِ ضراً وَلَا نفعا، وَلَا لغيره ضراً وَلَا رشدا، وَإِذا كَانَ كَذَلِك، فقد اتَّضَح لَك كالنهار أَن أهل الأَرْض جَمِيعًا لَا يملكُونَ لأَنْفُسِهِمْ، وَلَا لغَيرهم ضراً وَلَا نفعا. وَالنّذر هَذَا نذر مَعْصِيّة، فَلَا يُوفى بِهِ لحَدِيث: " من نذر أَن يُطِيع

стр. 174

الله فليطعه، وَمن نذر أَن يَعْصِي الله فَلَا يَعْصِهِ " رَوَاهُ البُخَارِيّ. قَالَ فِي فتح الْمجِيد، نقلا عَن شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية فِيمَن نذر للقبور أَو نَحْوهَا: وَهَذَا النّذر مَعْصِيّة بِاتِّفَاق الْمُسلمين لَا يجوز الْوَفَاء بِهِ، وَكَذَا إِذا نذر مَالا للسدنة أَو المجاورين العاكفين بِتِلْكَ الْبقْعَة، فَإِن فيهم شبها من السَّدَنَة الَّتِي كَانَت عِنْد اللات والعزى وَمَنَاة، يَأْكُلُون أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ، ويصدون عَن سَبِيل الله، والمجاورون هُنَاكَ فيهم شبه من الَّذين قَالَ فيهم الْخَلِيل ﵇: ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون﴾ وَالَّذين اجتاز بهم مُوسَى ﵇ وَقَومه. قَالَ تَعَالَى: ﴿وجاوزنا ببني إِسْرَائِيل الْبَحْر فَأتوا على قوم يعكفون على أصنام لَهُم﴾ فالنذر لهَؤُلَاء السَّدَنَة والمجاورين فِي هَذِه الْبِقَاع نذر مَعْصِيّة. وَقَالَ عَنهُ: وَأما مَا نذر لغير الله، كالنذر للأصنام، وَالشَّمْس، وَالْقَمَر والقبور، وَنَحْو ذَلِك، فَهُوَ بِمَنْزِلَة أَن يحلف بِغَيْر الله من الْمَخْلُوقَات، والحالف بالمخلوقات لَا وَفَاء عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَة، وَكَذَلِكَ النَّاذِر للمخلوقات، فَإِن كِلَاهُمَا شرك؛ والشرك لَيْسَ لَهُ حُرْمَة، بل عَلَيْهِ أَن يسْتَغْفر الله من هَذَا، وَيَقُول مَا قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : " من حلف بِاللات والعزى، فَلْيقل: لَا إِلَه إِلَّا الله " أه. وَقَالَ أَيْضا: قَالَ الشَّيْخ قَاسم الْحَنَفِيّ فِي شرح دُرَر الْبحار: النّذر الَّذِي ينذره أَكثر الْعَوام على مَا هُوَ مشَاهد، كَأَن يكون للْإنْسَان غَائِب أَو مَرِيض أَو لَهُ حَاجَة، فَيَأْتِي إِلَى بعض الصلحاء - يَعْنِي من الْأَمْوَات - وَيَقُول: يَا سَيِّدي فلَان، إِن رد الله غائبي؛ أَو عوفي مريضي، أَو قضيت حَاجَتي، فلك من الذَّهَب كَذَا، أَو من الْفضة كَذَا، أَو من الطَّعَام كَذَا؛ أَو من الشمع كَذَا، فَهَذَا النّذر بَاطِل بِالْإِجْمَاع لوجوه، مِنْهَا: أَنه نذر لمخلوق، وَالنّذر للمخلوق لَا يجوز لِأَنَّهُ عبَادَة، وَالْعِبَادَة لَا تكون لمخلوق، وَمِنْهَا أَن الْمَنْذُور لَهُ ميت، وَالْمَيِّت

стр. 175

لَا يملك، وَمِنْهَا أَنه ظن أَن الْمَيِّت يتَصَرَّف فِي الْأُمُور دون الله، واعتقاد ذَلِك كفر - إِلَى أَن قَالَ: إِذا علمت هَذَا، فَمَا يُؤْخَذ من الدَّرَاهِم، والشمع، وَالزَّيْت وَغَيرهَا، وينقل إِلَى ضرائح الْأَوْلِيَاء تقربا إِلَيْهَا؛ فَحَرَام بِإِجْمَاع الْمُسلمين. أه. بِاخْتِصَار قَلِيل. وَللَّه در الإِمَام الصَّنْعَانِيّ، حَيْثُ قَالَ فِي رِسَالَة تَطْهِير الِاعْتِقَاد: (أعادوا بهَا معنى سواع وَمثله ... يَغُوث وود لَيْسَ ذَلِك من ودي) (وَقد هتفوا عِنْد الشدائد باسمها ... كَمَا يَهْتِف الْمُضْطَر بالصمد الْفَرد) (وَكم نحرُوا فِي سوحها من نحيرة ... أهلت لغير الله جهلا على عمد) (وَكم طائف حول الْقُبُور مُقبلا ... ويلتمس الْأَركان مِنْهُنَّ بِالْأَيْدِي) فَإِن قَالَ: إِنَّمَا نحرت لله وَذكرت اسْم الله عَلَيْهِ، فَقل إِن كَانَ النَّحْر لله فلأي شَيْء قربت مَا تنحره على بَاب مشْهد من تفضله وتعتقد فِيهِ؟ هَل أردْت بذلك تَعْظِيمه أم لَا؟ فَإِن قَالَ: نعم. فَقل لَهُ: هَذَا النَّحْر لغير الله، بل أشركت مَعَ الله تَعَالَى غَيره، وَإِن لم ترد تَعْظِيمه، فَهَل أردْت توسيخ بَاب المشهد وتنجيس الداخلين إِلَيْهِ؟ أَنْت تعلم يَقِينا أَنَّك مَا أردْت ذَلِك أصلا، وَلَا أردْت إِلَّا الأول، وَلَا خرجت من بَيْتك إِلَّا قَصده، ثمَّ كَذَلِك دعاؤهم لَهُ. فَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ شرك بِلَا ريب أه. وَلَقَد نهى الرَّسُول [ ﷺ ] عَن الذّبْح حَتَّى فِي الْأَمَاكِن الَّتِي كَانَ فِيهَا أوثان أَو أعياد الْمُشْركين، كَمَا روى عَن ثَابت بن الضَّحَّاك قَالَ: " نذر رجل أَن ينْحَر إبِلا ببوانة، فَسَأَلَ النَّبِي [ ﷺ ] فَقَالَ: هَل كَانَ فِيهَا وثن من أوثان الْجَاهِلِيَّة يعبد؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَهَل كَانَ فِيهَا عيد من أعيادهم؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] أوف بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاء لنذر فِي مَعْصِيّة الله، وَلَا فِيمَا لَا يملك ابْن آدم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَاده على شَرطهمَا وَقد نهى النَّبِي [ ﷺ ] عَن النّذر وَقَالَ: " إِنَّه لَا يرد شَيْئا " وَفِي لفظ:

стр. 176

" إِنَّه لَا يأنى بِخَير، وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى: أَنه لَا يجر نفعا وَلَا يصرف ضَرَرا وَلَا يُغير قَضَاء. فصل أما النّذر لله وثوابه للبدوي أَو الْحُسَيْن أَو أم هَاشم أَو فلَان أَو فلَان فضلال وبدعة ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين﴾ أما ثَوَاب صَلَاتي وذبائحي وعبادتي فَهُوَ لي وَلَا أعْطِيه أحدا من الْعَالمين. لِأَنِّي مُحْتَاج فَقير إِلَيْهِ لَا أستغني عَنهُ، على أَنهم يَزْعمُونَ أَن أُولَئِكَ الْأَوْلِيَاء لَيْسُوا بحاجة إِلَى ثَوَاب فَكيف يروج عَلَيْهِم الشَّيْطَان ذَلِك ويعمون عَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ . فصل فِي صلوَات الْأُسْبُوع الْمَوْضُوعَة والرواتب المسنونة وَقيام اللَّيْل والمشروع والمبتدع قَالَ شَارِح الْإِحْيَاء: وَلَيْسَ يَصح فِي صلوَات أَيَّام الْأُسْبُوع ولياليه شَيْء أه. وَقَالَ الْحَافِظ بن عمر بن بدر الْموصِلِي: وَصَلَاة الْأُسْبُوع كل يَوْم وَلَيْلَة لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء عِنْد النَّبِي [ ﷺ ] . وَفِي فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ مَا نَصه: وَأَشد من ذَلِك مَا ذكره بعض المصنفين فِي الرَّقَائِق والفضائل فِي الصَّلَوَات الأسبوعية والحولية، كَصَلَاة يَوْم الْأَحَد والإثنين وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت، الْمَذْكُور فِي كتاب أبي طَالب وَأبي حَامِد وَعبد الْقَادِر وَغَيرهم، وكصلاة الألفية الَّتِي فِي أول رَجَب وَنصف شعْبَان وَالصَّلَاة الإثنى عشرِيَّة فِي أول لَيْلَة جُمُعَة من رَجَب، وَالصَّلَاة الَّتِي فِي لَيْلَة سبع

стр. 177

وَعشْرين من رَجَب وصلوات أخر تذكر فِي الْأَشْهر الثَّلَاثَة، وَصَلَاة لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ وَصَلَاة يَوْم عَاشُورَاء، وأمثال ذَلِك من الصَّلَوَات المروية عَن النَّبِي [ ﷺ ] مَعَ اتِّفَاق أهل الْعلم بحَديثه، أَن ذَلِك كذب عَلَيْهِ، وَلَكِن بلغ ذَلِك أَقْوَامًا من أهل الْعلم وَالدّين فظنوه صَحِيحا فعملوا بِهِ، وهم مأجورون على حسن قصدهم لَا على مُخَالفَة السّنة، وَأما من تبينت لَهُ السّنة فَظن أَن غَيرهَا خير مِنْهَا فَهُوَ ضال مُبْتَدع بل كَافِر أه. وَكَذَا قَالَ صَاحب أَسْنَى المطالب والفتنى فِي التَّذْكِير والسيوطي فِي اللآلئ وَالله أعلم. فصل فِي بَيَان الرَّوَاتِب المسنونة فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر قَالَ: " صليت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] سَجْدَتَيْنِ قبل الظّهْر وسجدتين بعد الظّهْر وسجدتين بعد الْمغرب، وسجدتين بعد الْعشَاء، وسجدتين بعد الْجُمُعَة. فَأَما الْمغرب وَالْعشَاء فَفِي بَيته، وحدثتني أُخْتِي حَفْصَة أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خفيفتين بعد مَا يطلع الْفجْر " وَقَالَ فِي البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة " أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ لَا يدع أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْغَدَاة " وَفِي البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " صلوا قبل الْمغرب " أَي رَكْعَتَيْنِ قَالَ فِي الثَّالِثَة " لمن شَاءَ " كَرَاهِيَة أَن يتخذها النَّاس سنة، وَفِيه عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يُصَلِّي قبل الظّهْر رَكْعَتَيْنِ، وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ وَورد مَرْفُوعا: (رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا) حسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي هَذَا رد على من يَقُول من الْمَالِكِيَّة: لَيْسَ عندنَا سنَن سوى الْوتر وَالْعِيدَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ، وروى الْجَمَاعَة إِلَّا البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ إِذا صلى أحدكُم الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا أَربع رَكْعَات " وَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ:

стр. 178

دخل رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ ( [ ﷺ ] ) يخْطب فَقَالَ: " أصليت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فصل رَكْعَتَيْنِ، وللمناسبة نذْكر هُنَا: فصل فِي بَيَان عدم ثُبُوت صَلَاة سنة قبلية للْجُمُعَة أَنه لَا دَلِيل أصلا يدل على سنة راتبة قبلية للْجُمُعَة، وَغَايَة مَا عِنْدهم الْقيَاس الْمَرْدُود، قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: وَكَانَ إِذا فرغ بِلَال من الْأَذَان شرع ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة وَلم يقم أحد لصَلَاة السّنة، وَبَعض الْعلمَاء قَالُوا بِسنة الْجُمُعَة بِالْقِيَاسِ على الظّهْر، وَإِثْبَات السّنة بِالْقِيَاسِ غير جَائِز؛ وَالْعُلَمَاء الَّذين صنفوا فِي السّنَن واعتنوا بضبط سنَن الصَّلَاة لم يرووا فِي سنة الْجُمُعَة قبل الصَّلَاة شَيْئا، وَأما بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَكَانَ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمنزل صلى أَرْبعا وَإِن صلى فِي الْمَسْجِد صلى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: " من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا أَرْبعا " أه وَقَالَ فِي الْهدى النَّبَوِيّ: وَكَانَ إِذا فرغ بِلَالًا من الْأَذَان أَخذ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة وَلم يقم أحد يرْكَع رَكْعَتَيْنِ الْبَتَّةَ، وَلم يكن الْأَذَان إِلَّا وَاحِدًا، وَهَذَا يدل على أَن الْجُمُعَة كالعيد لَا سنة لَهَا قبلهَا. وَهَذَا أصح قولي الْعلمَاء وَعَلِيهِ تدل السّنة. فَإِن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ يخرج من بَيته فَإِذا رقي الْمِنْبَر أَخذ بِلَال فِي أَذَان الْجُمُعَة فَإِذا أكمله أَخذ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة من غير فصل، وَهَذَا كَانَ رَأْي عين، فَمَتَى كَانُوا يصلونَ السّنة؟ وَمن ظن أَنهم كَانُوا إِذا فرغ بِلَال من الْأَذَان قَامُوا كلهم فركعوا رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ أَجْهَل النَّاس بِالسنةِ أه، وَكَذَا حكى الشَّوْكَانِيّ عَن الْعِرَاقِيّ، وَقد أطنب فِي الِاسْتِدْلَال على إِنْكَار هَذِه الصَّلَاة وَالْإِمَام أَبُو شامة فِي كِتَابه الْبَاعِث وَغَيره. وَالله أعلم. فضل فِي بَيَان أَن صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة بِدعَة مَرْدُودَة وَلَا أصل لَهَا إِن صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة لم يصلها الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) وَلَا مرّة

стр. 179

وَاحِدَة فِي حَيَاته وَلَا أَمر بهَا وَلَا رغب فِيهَا، وَلَا فعل أحد من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَلَا أحد من سَائِر الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا تابعيهم، وَلَا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَلَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَاحِد مُهِمّ، فَهِيَ لَا أصل لَهَا فِي كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس صَحِيح. فَلَيْسَتْ فِي موطأ مَالك وَلَا مدونته وَلَا فِي مُسْند الشَّافِعِي وَلَا فِي سنَنه، وَلَا فِي الْكتب الْمُعْتَبرَة للحنفية والحنابلة، وَإِنَّمَا أحدثها بعض متأخري الشَّافِعِيَّة. على قِيَاس ضَعِيف جدا بل بَاطِل ﴿إِن هم إِلَّا يظنون﴾ و ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ فَهِيَ بِدعَة محدثة مستهجنة وَشرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله، فاحذروا أَيهَا النَّاس أَن تعبدوا بالبدع، وكل عبَادَة لَا يتعبد بهَا مُحَمَّد [ ﷺ ] وَأَصْحَابه فَلَا تتعبدوا بهَا. واعتقدوا أَن الله غير قابلها مِنْكُم بل رادها عَلَيْكُم، لِأَن الرَّسُول [ ﷺ ] قَالَ: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَقَالَ: " فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور، فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة ". فتويان الْفَتْوَى الأولى: فِي خطيب حضر صَلَاة الْجُمُعَة فامتنعوا عَن الصَّلَاة خَلفه لأجل بِدعَة فِيهِ، فَمَا هِيَ الْبِدْعَة الَّتِي تمنع الصَّلَاة خَلفه؟ الْجَواب: لَيْسَ لَهُم ترك الْجُمُعَة وَنَحْوهَا لأجل فسق الإِمَام، بل عَلَيْهِم فعل ذَلِك خلف الإِمَام وَإِن كَانَ فَاسِقًا، وَإِن عطلوها لأجل فسق الإِمَام كَانُوا من أهل الْبدع، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا تنَازع الْعلمَاء فِي الإِمَام إِذا كَانَ فَاسِقًا، أَو مبتدعاً، وَأمكن أَن يُصَلِّي خلف عدل، فَقيل تصح الصَّلَاة خَلفه وَإِن كَانَ فَاسِقًا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأبي حنيفَة وَقيل لَا تصح خلف الْفَاسِق إِذا أمكن الصَّلَاة خلف الْعدْل، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ

стр. 180

عَن مَالك، وَأحمد وَالله أعلم. قَالَه شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية: يَقُول مُحَمَّد بن عبد السَّلَام: إِن من نَادَى غير الله واستغاث والتجأ عِنْد الكروب والشدائد بِغَيْرِهِ تَعَالَى؛ وَنذر وَذبح لغيره، واعتقد أَن غير الله يضر وينفع، وَيُعْطِي وَيمْنَع، كَمَا أقسم لي بِاللَّه عَالم أزهري أَنه مَا تحصل على الشَّهَادَة العالمية إِلَّا بعد ذَهَابه إِلَى قبر الشعراني وجلوسه تجاه رَأسه كجلسته للصَّلَاة بأدب وخشوع، وتكراره لهَذَا الْبَيْت: (يَا سادتي من أمكُم لرغبة فِيكُم جبر ... وَمن تَكُونُوا ناصريه ينتصر؟) فَطلب النَّصْر والجبر بِمن مَاتَ مُنْذُ مئات السنين لَا شكّ أَنه شرك بِاللَّه الْعَظِيم، فَهَذَا الْمِسْكِين الضال الغافل لَا تصح إِمَامَته، وَلَا صلَاته مَا لم يتب، إِذْ أَنه لَا يفرق بَين التَّوْحِيد والشرك، وَهَذَا هُوَ غَايَة الْجَهْل، فَمثل هَذِه الْبِدْعَة هِيَ الَّتِي لَا يُصَلِّي خلف صَاحبهَا، ثمَّ إِذا كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] عزل عَن الْإِمَامَة من رَآهُ بَصق فِي الْقبْلَة، فَكيف تصح إِمَامَة هَؤُلَاءِ الَّذين أعادوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى؟ ثمَّ هم يناوئون أنصار التَّوْحِيد حينما يرونهم يُنكرُونَ هَذَا الشّرك على أَهله، وَإِن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي مثل هَؤُلَاءِ: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله وَمن يلعن الله فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون﴾ ، وَقَالَ ﴿ذَلِكُم أَنه إِذا دعِي الله وَحده كَفرْتُمْ وَإِن يُشْرك بِهِ تؤمنوا فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير﴾ : وَأَنت لَو نظرت إِلَى مجلة الْأَزْهَر وَإِلَى مَا يَكْتُبهُ الشَّيْخ الدجوي وإخوانه فِيهَا وَفِي غَيرهَا من التَّصْرِيح بالتعبد بالبدع، وَحمل النَّاس على الْعَمَل بهَا، كتصريحهم بِجَوَاز دُعَاء الْأَمْوَات والاستعانة بهم وتكفيرهم لمن يُؤمن بآيَات
следующие страницы →