Полный текст (424 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
" إِنَّه لَا يأنى بِخَير، وَإِنَّمَا يسْتَخْرج بِهِ من الْبَخِيل " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَالْمعْنَى: أَنه لَا يجر نفعا وَلَا يصرف ضَرَرا وَلَا يُغير قَضَاء.
فصل
أما النّذر لله وثوابه للبدوي أَو الْحُسَيْن أَو أم هَاشم أَو فلَان أَو فلَان فضلال وبدعة ﴿قل إِن صَلَاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب الْعَالمين لَا شريك لَهُ وَبِذَلِك أمرت وَأَنا أول الْمُسلمين﴾ أما ثَوَاب صَلَاتي وذبائحي وعبادتي فَهُوَ لي وَلَا أعْطِيه أحدا من الْعَالمين. لِأَنِّي مُحْتَاج فَقير إِلَيْهِ لَا أستغني عَنهُ، على أَنهم يَزْعمُونَ أَن أُولَئِكَ الْأَوْلِيَاء لَيْسُوا بحاجة إِلَى ثَوَاب فَكيف يروج عَلَيْهِم الشَّيْطَان ذَلِك ويعمون عَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَإِن الشَّيَاطِين ليوحون إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ ليجادلوكم وَإِن أطعتموهم إِنَّكُم لمشركون﴾ .
فصل فِي صلوَات الْأُسْبُوع الْمَوْضُوعَة والرواتب المسنونة وَقيام اللَّيْل والمشروع والمبتدع
قَالَ شَارِح الْإِحْيَاء: وَلَيْسَ يَصح فِي صلوَات أَيَّام الْأُسْبُوع ولياليه شَيْء أه. وَقَالَ الْحَافِظ بن عمر بن بدر الْموصِلِي: وَصَلَاة الْأُسْبُوع كل يَوْم وَلَيْلَة لَا يَصح فِي هَذَا الْبَاب شَيْء عِنْد النَّبِي [ ﷺ ] . وَفِي فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ مَا نَصه: وَأَشد من ذَلِك مَا ذكره بعض المصنفين فِي الرَّقَائِق والفضائل فِي الصَّلَوَات الأسبوعية والحولية، كَصَلَاة يَوْم الْأَحَد والإثنين وَالثُّلَاثَاء وَالْأَرْبِعَاء وَالْخَمِيس وَالْجُمُعَة والسبت، الْمَذْكُور فِي كتاب أبي طَالب وَأبي حَامِد وَعبد الْقَادِر وَغَيرهم، وكصلاة الألفية الَّتِي فِي أول رَجَب وَنصف شعْبَان وَالصَّلَاة الإثنى عشرِيَّة فِي أول لَيْلَة جُمُعَة من رَجَب، وَالصَّلَاة الَّتِي فِي لَيْلَة سبع
стр. 177
وَعشْرين من رَجَب وصلوات أخر تذكر فِي الْأَشْهر الثَّلَاثَة، وَصَلَاة لَيْلَتي الْعِيدَيْنِ وَصَلَاة يَوْم عَاشُورَاء، وأمثال ذَلِك من الصَّلَوَات المروية عَن النَّبِي [ ﷺ ] مَعَ اتِّفَاق أهل الْعلم بحَديثه، أَن ذَلِك كذب عَلَيْهِ، وَلَكِن بلغ ذَلِك أَقْوَامًا من أهل الْعلم وَالدّين فظنوه صَحِيحا فعملوا بِهِ، وهم مأجورون على حسن قصدهم لَا على مُخَالفَة السّنة، وَأما من تبينت لَهُ السّنة فَظن أَن غَيرهَا خير مِنْهَا فَهُوَ ضال مُبْتَدع بل كَافِر أه. وَكَذَا قَالَ صَاحب أَسْنَى المطالب والفتنى فِي التَّذْكِير والسيوطي فِي اللآلئ وَالله أعلم.
فصل فِي بَيَان الرَّوَاتِب المسنونة
فِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر قَالَ: " صليت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] سَجْدَتَيْنِ قبل الظّهْر وسجدتين بعد الظّهْر وسجدتين بعد الْمغرب، وسجدتين بعد الْعشَاء، وسجدتين بعد الْجُمُعَة. فَأَما الْمغرب وَالْعشَاء فَفِي بَيته، وحدثتني أُخْتِي حَفْصَة أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ يُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ خفيفتين بعد مَا يطلع الْفجْر " وَقَالَ فِي البُخَارِيّ أَيْضا عَن عَائِشَة " أَن النَّبِي [ ﷺ ] كَانَ لَا يدع أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْغَدَاة " وَفِي البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ: " صلوا قبل الْمغرب " أَي رَكْعَتَيْنِ قَالَ فِي الثَّالِثَة " لمن شَاءَ " كَرَاهِيَة أَن يتخذها النَّاس سنة، وَفِيه عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ( [ ﷺ ] ) كَانَ يُصَلِّي قبل الظّهْر رَكْعَتَيْنِ، وَبعدهَا رَكْعَتَيْنِ وَورد مَرْفُوعا: (رحم الله امْرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا) حسنه التِّرْمِذِيّ وَفِي هَذَا رد على من يَقُول من الْمَالِكِيَّة: لَيْسَ عندنَا سنَن سوى الْوتر وَالْعِيدَيْنِ، وَكَانَ لَا يُصَلِّي بعد الْجُمُعَة حَتَّى ينْصَرف فَيصَلي رَكْعَتَيْنِ، وروى الْجَمَاعَة إِلَّا البُخَارِيّ أَنه ( [ ﷺ ] ) قَالَ إِذا صلى أحدكُم الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا أَربع رَكْعَات " وَفِي البُخَارِيّ عَن جَابر قَالَ:
стр. 178
دخل رجل يَوْم الْجُمُعَة وَالنَّبِيّ ( [ ﷺ ] ) يخْطب فَقَالَ: " أصليت؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فصل رَكْعَتَيْنِ، وللمناسبة نذْكر هُنَا:
فصل فِي بَيَان عدم ثُبُوت صَلَاة سنة قبلية للْجُمُعَة
أَنه لَا دَلِيل أصلا يدل على سنة راتبة قبلية للْجُمُعَة، وَغَايَة مَا عِنْدهم الْقيَاس الْمَرْدُود، قَالَ فِي سفر السَّعَادَة: وَكَانَ إِذا فرغ بِلَال من الْأَذَان شرع ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة وَلم يقم أحد لصَلَاة السّنة، وَبَعض الْعلمَاء قَالُوا بِسنة الْجُمُعَة بِالْقِيَاسِ على الظّهْر، وَإِثْبَات السّنة بِالْقِيَاسِ غير جَائِز؛ وَالْعُلَمَاء الَّذين صنفوا فِي السّنَن واعتنوا بضبط سنَن الصَّلَاة لم يرووا فِي سنة الْجُمُعَة قبل الصَّلَاة شَيْئا، وَأما بعد صَلَاة الْجُمُعَة فَكَانَ إِذا رَجَعَ إِلَى الْمنزل صلى أَرْبعا وَإِن صلى فِي الْمَسْجِد صلى رَكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: " من كَانَ مِنْكُم مُصَليا بعد الْجُمُعَة فَليصل بعْدهَا أَرْبعا " أه وَقَالَ فِي الْهدى النَّبَوِيّ: وَكَانَ إِذا فرغ بِلَالًا من الْأَذَان أَخذ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة وَلم يقم أحد يرْكَع رَكْعَتَيْنِ الْبَتَّةَ، وَلم يكن الْأَذَان إِلَّا وَاحِدًا، وَهَذَا يدل على أَن الْجُمُعَة كالعيد لَا سنة لَهَا قبلهَا. وَهَذَا أصح قولي الْعلمَاء وَعَلِيهِ تدل السّنة. فَإِن النَّبِي ( [ ﷺ ] ) كَانَ يخرج من بَيته فَإِذا رقي الْمِنْبَر أَخذ بِلَال فِي أَذَان الْجُمُعَة فَإِذا أكمله أَخذ النَّبِي ( [ ﷺ ] ) فِي الْخطْبَة من غير فصل، وَهَذَا كَانَ رَأْي عين، فَمَتَى كَانُوا يصلونَ السّنة؟ وَمن ظن أَنهم كَانُوا إِذا فرغ بِلَال من الْأَذَان قَامُوا كلهم فركعوا رَكْعَتَيْنِ، فَهُوَ أَجْهَل النَّاس بِالسنةِ أه، وَكَذَا حكى الشَّوْكَانِيّ عَن الْعِرَاقِيّ، وَقد أطنب فِي الِاسْتِدْلَال على إِنْكَار هَذِه الصَّلَاة وَالْإِمَام أَبُو شامة فِي كِتَابه الْبَاعِث وَغَيره. وَالله أعلم.
فضل
فِي بَيَان أَن صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة بِدعَة مَرْدُودَة وَلَا أصل لَهَا إِن صَلَاة الظّهْر بعد الْجُمُعَة لم يصلها الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) وَلَا مرّة
стр. 179
وَاحِدَة فِي حَيَاته وَلَا أَمر بهَا وَلَا رغب فِيهَا، وَلَا فعل أحد من الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَلَا أحد من سَائِر الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين وَلَا تابعيهم، وَلَا الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَلَا أَشَارَ إِلَى ذَلِك وَاحِد مُهِمّ، فَهِيَ لَا أصل لَهَا فِي كتاب وَلَا سنة وَلَا إِجْمَاع وَلَا قِيَاس صَحِيح. فَلَيْسَتْ فِي موطأ مَالك وَلَا مدونته وَلَا فِي مُسْند الشَّافِعِي وَلَا فِي سنَنه، وَلَا فِي الْكتب الْمُعْتَبرَة للحنفية والحنابلة، وَإِنَّمَا أحدثها بعض متأخري الشَّافِعِيَّة. على قِيَاس ضَعِيف جدا بل بَاطِل ﴿إِن هم إِلَّا يظنون﴾ و ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ فَهِيَ بِدعَة محدثة مستهجنة وَشرع لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا رَسُوله، فاحذروا أَيهَا النَّاس أَن تعبدوا بالبدع، وكل عبَادَة لَا يتعبد بهَا مُحَمَّد [ ﷺ ] وَأَصْحَابه فَلَا تتعبدوا بهَا. واعتقدوا أَن الله غير قابلها مِنْكُم بل رادها عَلَيْكُم، لِأَن الرَّسُول [ ﷺ ] قَالَ: " من عمل عملا لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد " وَقَالَ: " فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ، وَإِيَّاكُم ومحدثات الْأُمُور، فَإِن كل محدثة بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة ".
فتويان
الْفَتْوَى الأولى: فِي خطيب حضر صَلَاة الْجُمُعَة فامتنعوا عَن الصَّلَاة خَلفه لأجل بِدعَة فِيهِ، فَمَا هِيَ الْبِدْعَة الَّتِي تمنع الصَّلَاة خَلفه؟
الْجَواب: لَيْسَ لَهُم ترك الْجُمُعَة وَنَحْوهَا لأجل فسق الإِمَام، بل عَلَيْهِم فعل ذَلِك خلف الإِمَام وَإِن كَانَ فَاسِقًا، وَإِن عطلوها لأجل فسق الإِمَام كَانُوا من أهل الْبدع، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد وَغَيرهمَا، وَإِنَّمَا تنَازع الْعلمَاء فِي الإِمَام إِذا كَانَ فَاسِقًا، أَو مبتدعاً، وَأمكن أَن يُصَلِّي خلف عدل، فَقيل تصح الصَّلَاة خَلفه وَإِن كَانَ فَاسِقًا، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِي وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأبي حنيفَة وَقيل لَا تصح خلف الْفَاسِق إِذا أمكن الصَّلَاة خلف الْعدْل، وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
стр. 180
عَن مَالك، وَأحمد وَالله أعلم. قَالَه شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية:
يَقُول مُحَمَّد بن عبد السَّلَام: إِن من نَادَى غير الله واستغاث والتجأ عِنْد الكروب والشدائد بِغَيْرِهِ تَعَالَى؛ وَنذر وَذبح لغيره، واعتقد أَن غير الله يضر وينفع، وَيُعْطِي وَيمْنَع، كَمَا أقسم لي بِاللَّه عَالم أزهري أَنه مَا تحصل على الشَّهَادَة العالمية إِلَّا بعد ذَهَابه إِلَى قبر الشعراني وجلوسه تجاه رَأسه كجلسته للصَّلَاة بأدب وخشوع، وتكراره لهَذَا الْبَيْت:
(يَا سادتي من أمكُم لرغبة فِيكُم جبر ... وَمن تَكُونُوا ناصريه ينتصر؟)
فَطلب النَّصْر والجبر بِمن مَاتَ مُنْذُ مئات السنين لَا شكّ أَنه شرك بِاللَّه الْعَظِيم، فَهَذَا الْمِسْكِين الضال الغافل لَا تصح إِمَامَته، وَلَا صلَاته مَا لم يتب، إِذْ أَنه لَا يفرق بَين التَّوْحِيد والشرك، وَهَذَا هُوَ غَايَة الْجَهْل، فَمثل هَذِه الْبِدْعَة هِيَ الَّتِي لَا يُصَلِّي خلف صَاحبهَا، ثمَّ إِذا كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] عزل عَن الْإِمَامَة من رَآهُ بَصق فِي الْقبْلَة، فَكيف تصح إِمَامَة هَؤُلَاءِ الَّذين أعادوا مَا كَانَ عَلَيْهِ أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى؟ ثمَّ هم يناوئون أنصار التَّوْحِيد حينما يرونهم يُنكرُونَ هَذَا الشّرك على أَهله، وَإِن الله تَعَالَى قد قَالَ فِي مثل هَؤُلَاءِ: ﴿ألم تَرَ إِلَى الَّذين أُوتُوا نَصِيبا من الْكتاب يُؤمنُونَ بالجبت والطاغوت وَيَقُولُونَ للَّذين كفرُوا هَؤُلَاءِ أهْدى من الَّذين آمنُوا سَبِيلا أُولَئِكَ الَّذين لعنهم الله وَمن يلعن الله فَلَنْ تَجِد لَهُ نَصِيرًا﴾ وَقَالَ ﴿وَإِذا ذكر الله وَحده اشمأزت قُلُوب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِالآخِرَة وَإِذا ذكر الَّذين من دونه إِذا هم يستبشرون﴾ ، وَقَالَ ﴿ذَلِكُم أَنه إِذا دعِي الله وَحده كَفرْتُمْ وَإِن يُشْرك بِهِ تؤمنوا فَالْحكم لله الْعلي الْكَبِير﴾ :
وَأَنت لَو نظرت إِلَى مجلة الْأَزْهَر وَإِلَى مَا يَكْتُبهُ الشَّيْخ الدجوي وإخوانه فِيهَا وَفِي غَيرهَا من التَّصْرِيح بالتعبد بالبدع، وَحمل النَّاس على الْعَمَل بهَا، كتصريحهم بِجَوَاز دُعَاء الْأَمْوَات والاستعانة بهم وتكفيرهم لمن يُؤمن بآيَات
стр. 181
الصِّفَات كَمَا أنزلهَا الله، كَمَا هُوَ الْمَأْثُور عَن السّلف، لعَلِمت يَقِينا أَنهم أكبر نصير لأكبر الْبدع المخرجة لأصحابها عَن اتِّبَاع سَبِيل الْمُؤمنِينَ، وامتنعت من الصَّلَاة خَلفهم، بل لَقلت: لَو كَانَ الإِمَام أَحْمد والحافظ البُخَارِيّ وأمثالهما من عُلَمَاء السّلف أَحيَاء لقالوا فيهم مَا قَالُوهُ فِي الجهم بن صَفْوَان. ولعلك تظن أَنِّي تغاليت فِي مَقَالَتي هَذِه، فَخذ إِلَيْك مَا ذكر فِي أكبر كتاب جمع مَذَاهِب فُقَهَاء الْمُسلمين وَهُوَ كتاب المغنى للْإِمَام ابْن قدامَة قَالَ: وَمن صلى خلف من يعلن ببدعته أَو يسكر أعَاد قَالَ: الإعلان الْإِظْهَار، وَهُوَ ضد الْإِسْرَار، وَظَاهر هَذَا أَن من ائتم بِمن يظْهر ببدعته، وَيتَكَلَّم بهَا ويدعوا إِلَيْهَا، أَو يناظر عَلَيْهَا فَعَلَيهِ الْإِعَادَة أه فَكَلَام صَاحب الْمُغنِي مُطلق عَام فِي تحتم إِعَادَة صَلَاة من صلى خلف من يعلن ببدعته، وكلامنا مُقَيّد مَخْصُوص بِمن يكفر ببدعته، أسأَل الله الْكَرِيم، رب الْعَرْش الْعَظِيم، أَن يهدينا جَمِيعًا لفهم الْقُرْآن الْكَرِيم، فإننا مَا اخْتَلَفْنَا وَلَا تفرقنا وَلَا سقطنا بَين الْأُمَم وَلَا سلطوا علينا إِلَّا بِسَبَب الْإِعْرَاض وَعدم النذير لكتاب رب الْعَالمين.
وَأما الْبِدْعَة الْخَفِيفَة الَّتِي لَا يكفر بهَا صَاحبهَا فَلَا يجوز لمُسلم أَن يمْتَنع عَن الصَّلَاة خلف مرتكبها، وعَلى أهل الْحق والمعرفة أَن يبينوا لَهُ خطأه، فَإِن قبل واصلوه، وَإِن أصر هجروه وقاطعوه، فَإِن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله [ ﷺ ] فَرَأى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا فَهُوَ مُبْتَدع ضال. بل يكفر إِذا لم يكن متأولا، وَيدل على ذَلِك مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي (بَاب إِمَامَة الْمفْتُون والمبتدع) قَالَ: وَقَالَ الْحسن: صل وَعَلِيهِ بدعته: وَفِي البُخَارِيّ أَيْضا عَن عبيد الله بن عدي بن خِيَار أَنه دخل على عُثْمَان وَهُوَ مَحْصُور فَقَالَ: إِنَّك إِمَام عَامَّة وَنزل بك مَا ترى، وَيُصلي لنا إِمَام فتْنَة ونتحرج فَقَالَ: الصَّلَاة أحسن مَا يعْمل النَّاس
стр. 182
فَإِذا أحسن النَّاس فَأحْسن مَعَهم، وَإِذا أَسَاءَ النَّاس فاجتنب إساءتهم وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ شيخ الْإِسْلَام فِي فتواه.
الْفَتْوَى الثَّانِيَة: فِي الْمذَاهب الْأَرْبَعَة هَل تصح صَلَاة بَعضهم خلف بعض أم لَا؟ وَهل قَالَ أحد من السّلف أَنه لَا يُصَلِّي بَعضهم خلف بعض؟ وَمن قَالَ ذَلِك فَهَل هُوَ مُبْتَدع أم لَا؟ وَإِذا فعل الإِمَام مَا يعْتَقد أَن صلَاته مَعَه صَحِيحَة وَالْمَأْمُوم يعْتَقد خلاف ذَلِك، مثل أَن يكون الإِمَام تقيأ أَو رعف أَو احْتجم أَو مس ذكره أَو مس النِّسَاء بِشَهْوَة أَو بِغَيْر شَهْوَة أَو قهقه فِي صلَاته أَو أكل مَا مسته النَّار أَو أكل لحم الْإِبِل وَصلى وَلم يتَوَضَّأ وَالْمَأْمُوم يعْتَقد وجوب الْوضُوء من ذَلِك أَو كَانَ الإِمَام لَا يقْرَأ الْبَسْمَلَة، أَو لم يتَشَهَّد التَّشَهُّد الآخر، وَالْمَأْمُوم يعْتَقد وجوب ذَلِك فَهَل تصح صَلَاة الْمَأْمُوم وَالْحَال هَذِه؟
الْجَواب: الْحَمد لله، نعم تجوز صَلَاة بَعضهم خلف بعض كَمَا كَانَ الصَّحَابَة والتابعون لَهُم بِإِحْسَان وَمن بعدهمْ من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة يُصَلِّي بَعضهم خلف بعض، وَمن أنكر ذَلِك فَهُوَ مُبْتَدع ضال مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع سلف الْأمة وأئمتها، وَقد كَانَت الصَّحَابَة والتابعون وَمن بعدهمْ مِنْهُم من يقْرَأ الْبَسْمَلَة، وَمِنْهُم من لَا يقْرؤهَا، وَمِنْهُم من يجْهر بهَا وَمِنْهُم من لَا يجْهر بهَا، وَكَانَ مِنْهُم من يقنت فِي الْفجْر وَمِنْهُم من لَا يقنت، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من الْحجامَة والرعاف
стр. 183
والقيء، وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من مس الذّكر وَمَسّ النِّسَاء بِشَهْوَة وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من القهقهة فِي صلَاته وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمِنْهُم من يتَوَضَّأ من أكل لحم الْإِبِل وَمِنْهُم من لَا يتَوَضَّأ من ذَلِك، وَمَعَ هَذَا فَكَانَ بَعضهم يُصَلِّي خلف بعض مثل مَا كَانَ أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَالشَّافِعِيّ وَغَيرهم يصلونَ خلف أَئِمَّة أهل الْمَدِينَة من الْمَالِكِيَّة؛ وَإِن كَانُوا لَا يقرءُون الْبَسْمَلَة لَا سرا وَلَا جَهرا، وَصلى أَبُو يُوسُف خلف الرشيد وَقد احْتجم، وَأَفْتَاهُ مَالك بِأَن يتَوَضَّأ فصلى خَلفه أَبُو يُوسُف وَلم يعد، وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل يرى الْوضُوء من الْحجامَة والرعاف. فَقيل: لَهُ فَإِن كَانَ الإِمَام قد خرج مِنْهُ الدَّم وَلم يتَوَضَّأ تصلي خَلفه؟ فَقَالَ كَيفَ لَا أُصَلِّي خلف سعيد بن الْمسيب وَمَالك أه من فَتَاوَى شيخ الْإِسْلَام.
فصل فِي بَيَان فضل قيام اللَّيْل وَصفته وَمَا ابتدع فِيهِ
روى الْجَمَاعَة إِلَّا البُخَارِيّ " أَنه [ ﷺ ] سُئِلَ أَي الصَّلَاة أفضل بعد الْمَكْتُوبَة؟ قَالَ الصَّلَاة فِي جَوف اللَّيْل، قَالَ: فَأَي الصّيام أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ: شهر الله الْحَرَام " وروى التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " أقرب مَا يكون الرب من العَبْد فِي جَوف اللَّيْل الآخر، فَإِن اسْتَطَعْت أَن تكون مِمَّن يذكر فِي تِلْكَ السَّاعَة فَكُن " وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ. وَفِي الْجَامِع برمز أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " أحب الصّيام إِلَى الله صِيَام دَاوُد كَانَ يَصُوم يَوْمًا وَيفْطر يَوْمًا، وَأحب الصَّلَاة إِلَى الله صَلَاة دَاوُد، كَانَ ينَام نصف اللَّيْل وَيقوم ثلثه وينام سدسه " وروى الْجَمَاعَة كلهم أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " ينزل الله إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا كل لَيْلَة حِين يمْضِي ثلث اللَّيْل الأول، فَيَقُول: أَنا الْملك من ذَا الَّذِي دَعونِي فأستجيب لَهُ؟ من
стр. 184
ذَا الَّذِي يسألني فَأعْطِيه؟ من ذَا الَّذِي يستغفرني فَأغْفِر لَهُ؟ فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يضيء الْفجْر، وَفِي الْجَامِع، عَلَيْكُم بِقِيَام اللَّيْل فَإِنَّهُ دأب الصَّالِحين قبلكُمْ وقربة إِلَى الله تَعَالَى، ومنهاة عَن الْإِثْم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عَن الْجَسَد " ورمز لِأَحْمَد وَالتِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم وَغَيرهم عَن بِلَال وَصَححهُ وَفِي مُسلم أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " إِن من اللَّيْل سَاعَة لَا يُوَافِقهَا عبد مُسلم يسْأَل الله خيرا إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاه ".
فصل فِي صفة قيام اللَّيْل
فِي البُخَارِيّ عَن أبي سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن أَنه سَأَلَ عَائِشَة ﵂ كَيفَ كَانَت صَلَاة رَسُول الله [ ﷺ ] فِي رَمَضَان؟ فَقَالَت: مَا كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يزِيد فِي رَمَضَان وَلَا فِي غَيره على إِحْدَى عشرَة رَكْعَة، يُصَلِّي أَرْبعا فَلَا تسل عَن حسنهنَّ وطولهن، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبعا فَلَا تسل عَن حسنهنَّ وطولهن، ثمَّ يصل ثَلَاثًا قَالَت عَائِشَة: فَقلت يَا رَسُول الله أتنام قبل أَن توتر؟ فَقَالَ: " يَا عَائِشَة إِن عَيْني تنامان وَلَا ينَام قلبِي " وَفِي البُخَارِيّ وَمُسلم عَن عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] لَيْلَة فَلم يزل قَائِما حَتَّى هَمَمْت بِأَمْر سوء، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْت؟ قَالَ: هَمَمْت أَن أقعد وأذر النَّبِي [ ﷺ ] . وَفِي مُسلم عَن حُذَيْفَة قَالَ: صليت مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] ذَات لَيْلَة فَافْتتحَ الْبَقَرَة فَقلت يرْكَع عِنْد الْمِائَة، ثمَّ مضى فَقلت يُصَلِّي بهَا فِي رَكْعَة فَمضى فَقلت: يرْكَع بهَا، ثمَّ افْتتح النِّسَاء فقرأها، ثمَّ افْتتح آل عمرَان فقرأها يقْرَأ مترسلا إِذا مر بِآيَة تَسْبِيح سبح، وَإِذا مر بسؤال سَأَلَ، وَإِذا مر بتعوذ
стр. 185
تعوذ، ثمَّ ركع فَجعل يَقُول " سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيم " فَكَانَ رُكُوعه نَحوا من قِيَامه؛ ثمَّ قَالَ: " سمع الله لمن حَمده " ثمَّ قَامَ طَويلا قَرِيبا مِمَّا ركع، ثمَّ سجد فَقَالَ " سُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى " فَكَانَ سُجُوده قَرِيبا من قِيَامه، وَفِي البُخَارِيّ أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله كَيفَ صَلَاة اللَّيْل؟ قَالَ " مثنى مثنى، فَإِذا خفت الصُّبْح فأوتر بِوَاحِدَة " وَفِي البُخَارِيّ عَن عَائِشَة قَالَت: كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة، مِنْهَا الْوتر وركعتا الْفجْر.
فصل فِي الْقيام المبتدع
يقوم الدرويش المربي بعد نصف اللَّيْل بساعة أَو ساعتين فيتوضأ وَيُصلي رَكْعَتَيْنِ فِي ربع دقيقة، ثمَّ يجلس تَحت السبحة الغليظة الْمُعَلقَة فِي السّقف فِي البكرة ثمَّ يقْرَأ الْفَاتِحَة لشيخه ومشايخه وَأَصْحَاب السلسلة وَأَصْحَاب التصريف والأغواث والأقطاب والأنجاب والأبدال، وَالْعشرَة الْكِرَام، ثمَّ يناديهم قَائِلا: (يَا هوه ولدكم راعوه) ثمَّ يُنَادي المدد، وَيذكر كل شيخ باسمه، ثمَّ يستحضر شَيْخه بَين عَيْنَيْهِ ويستفتح الذّكر لابسا ثِيَابه الْبيض، مُطلقًا للبخور فِي كل مَكَان مظلم. مغمضا عَيْنَيْهِ قَائِلا: دستور يَا عَم أللووه أللووه أللووه، ثمَّ يقوم على قَدَمَيْهِ مفرقعا بإصبعه، أَو مصفقا بكفيه، صائحا بخوار لَهُ قَائِلا: اللو ووع اللو ووع ثمَّ (أحلوح أحلوح) وَهَذِه يسمونها " طبقَة السِّرّ " عِنْدهم ثمَّ بعْدهَا الطَّبَقَة الشَّرْعِيَّة: أَهلا آآه أَهلا آآه، ثمَّ يُنَادي قَائِلا: يَا أَبَا الْحسن يَا ديب، عَنَّا لَا تغيب، بجاه الحبيب المدآ آد ثمَّ يخْتم قَائِلا وَهُوَ طرب مسرور
стр. 186
بِعَمَلِهِ: الراجل الصَّالح السالك المربي، اللي يبات اللَّيْل يقْرَأ الْورْد ويعيده وَفِي آخر اللَّيَالِي يسلم على النَّبِي بإيده، ثمَّ ينَام قبل الْفجْر بِنصْف سَاعَة حَتَّى يُضحي النَّهَار فَيصَلي الصُّبْح وَالضُّحَى مَعًا، ثمَّ يلبس دلقه المرقع، وَيخرج يبْحَث عَن الفطور عِنْد مُغفل مثله، ثمَّ على حَضْرَة أَو ختمة ليتعشى فِيهَا، وَهَكَذَا يصنعون، وَمَا خَفِي عَنَّا من ترهاتهم وجهالاتهم أَكثر مِمَّا نَحن بِهِ عالمون، وَهَذِه الشرذمة إِن لم تقم الْعلمَاء فِي وُجُوههم وأعناقهم بسيوف الْكتاب وَالسّنة فَلَا شكّ أَنهم سيضلون أهل الأَرْض جَمِيعًا. وَقد فَعَلُوهَا.
فصل وَهَذَا كتاب إِلَى مَشَايِخ السجاجيد كَافَّة
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
الْحَمد الله وَكفى وَسَلام على عباده الَّذين اصْطفى وَبعد فَإِن الله قَالَ: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا من الْبَينَات وَالْهدى من بعد مَا بَيناهُ للنَّاس فِي الْكتاب أُولَئِكَ يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا فَأُولَئِك أَتُوب عَلَيْهِم وَأَنا التواب الرَّحِيم﴾ لهَذَا الْوَعيد الشَّديد، كتبت هَذَا الْكتاب شاكيا جَمِيع الْفُقَرَاء المتصوفة على اخْتِلَاف طرقهم إِلَى رُؤَسَائِهِمْ الْكِبَار مَشَايِخ السجاجيد مُبينًا لكم أَيهَا الشُّيُوخ بعض مَا هم عَلَيْهِ من الْبدع والخرافات والأضاليل والترهات، والجهالات والخزعبلات، ذَلِك لِأَن الدّين الإسلامي الطَّاهِر النقي من شوائب المحدثات وبدع أهل الْجَاهِلِيَّة الأولى شوهوه وقلبوا حقائقه، ومسخوا شرائعه، وهجروا تعاليمه، بل ضربوا بجلالته وأبهته وعظمته وكبريائه ومميزاته عَن سَائِر الْأَدْيَان - عرض الْحَائِط، فَأصْبح فِي نظر
стр. 187
أعدائه دين الْهزْل والسخرية، دين اللَّهْو واللعب، والجهالة والضلالة.
أَعرضُوا عَن كِتَابه الْمُبين الَّذِي فصلت آيَاته، ويسره الله للذّكر، وَعَن سنَن نبيه الَّذِي أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم، وهديه خير الْهدى، مَعَ أَن عباد الْأَوْثَان والأصنام - ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وَاللات والعزى - لما عرفُوا هَذَا الدّين الْقيم وآمنوا بِهِ وَاتبعُوا نبيه صَار إِيمَان الْوَاحِد مِنْهُم لَو وزن بِإِيمَان أهل الأَرْض جَمِيعًا لرجح عَلَيْهِ، واهتز عرش الرَّحْمَن لمَوْت أحدهم أَلا وَهُوَ سعد بن معَاذ، وَلَقَد كَانُوا يفادون نَبِي الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم، ويناجونه بقَوْلهمْ بِأبي أَنْت وَأمي يَا رَسُول الله. وأقسموا بِاللَّه جهد أَيْمَانهم أَن رَسُول الله [ ﷺ ] أحب إِلَيْهِم من أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ حَتَّى من أنفسهم الَّتِي بَين جنُوبهم، وَصَدقُوا وَالله. وَعمر لما جَاءَهُ الرجل يتحاكم إِلَيْهِ بعد مَا حكم لَهُ النَّبِي [ ﷺ ] ضرب عُنُقه، وَكَانُوا على مَا اشْتهر من الْجفَاء وَالْقَسْوَة فَصَارَت أَخْلَاقهم الْقُرْآن وَالسّنة، ومرجعهم فِي جَمِيع أَحْوَالهم إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة، ووعظهم وإرشادهم بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، وَكَانُوا لَا يعلمُونَ أَبْنَاءَهُم ونساءهم وَلَا يحاجون طوائف الزيغ والضلالة، إِلَّا بِالْقُرْآنِ وَالسّنة، فدينهم الَّذِي بِهِ يدينون، وللتفقه فِيهِ ليل نَهَار يجاهدون، وللحياة وَالْمَوْت عَلَيْهِ يتمنون، إِنَّمَا هُوَ الْكتاب وَالسّنة، فَمَا سادوا وساسوا النَّاس جَمِيعًا، وملكوا ممالك مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا إِلَّا بِهَذَيْنِ الثقلَيْن الْكتاب وَالسّنة. وخاب وربي وخسر قوم عَنْهُمَا عمون، وبغيرهما يتمسكون ويشتغلون، وَمن يرغب عَن خطة مُحَمَّد الَّتِي ارتسمها إِلَّا من سفه، وضل سَعْيه وَلعب بِهِ شَيْطَانه، فصده عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم.
هَذَا كَانَ دأب الْقَوْم يَا شُيُوخ السجاجيد وسيرهم وسيرتهم، فخلف من بعدهمْ خلف جعلُوا الْحق بَاطِلا، وَالْبَاطِل حَقًا، وشرعوا لَهُم من الدّين مَا لم يَأْذَن بِهِ
стр. 188
الله، فَجعلُوا التَّوْحِيد شركا، والشرك توحيداً، وَجَاهدُوا فِي إحْيَاء الْبدع، وإماتة السّنَن، وضاربوا بالأحزاب والأوراد والتوسلات الْكتاب وَالسّنة، فترى الْأُمِّيين مِنْهُم يحفظون الاستغاثات والمنظومات والميمية والمنبهجة. وَكَثِيرًا مِمَّا يسمونه بالتخمير، وَهُوَ كَلَام مثل بعر الْبَعِير. ثمَّ إِذا قَامُوا للصَّلَاة رَأَيْتهمْ يصلونَ ب (إِنَّا أحطناك الْكَوْثَر) أَو ب (كل الله أحد) أَو ب (إِن الله على كل شَيْء أدير) أَعنِي أَنهم يحرفُونَ الْقُرْآن بلغتهم العامية وَهُوَ محرم مُبْطل للصَّلَاة.
وَفِي الذّكر يَهْتَز بِشدَّة كالسعفة فِي الرّيح، وَإِذا صلوا نقروا الصَّلَاة نقراً وَقَالُوا: التَّخْفِيف مَطْلُوب، واللي يؤم بِالنَّاسِ يُخَفف.
والقارئون مِنْهُم يحفظون مائَة حِكَايَة عَن البدوي وَغَيره يَقُولُونَ: إِنَّه وكز دَقِيق الْعِيد وَهُوَ بِمصْر فطرحه خلف جبل " ق " وَأَنه جَاءَ باليسير سرق قُبَّته من بِلَاد الإفرنج، وَأَنه طلب أَن يدْخلهُ الله النَّار فَمَنعه، لِأَنَّهُ لَو دخل النَّار لَصَارَتْ كحشيشة خضراء، وَأَن من زار قَبره غفرت ذنُوبه وَإِن كَانَت مثل زبد الْبَحْر، وَأَن الرِّفَاعِي أخرج لَهُ الرَّسُول ( [ ﷺ ] ) يَده من الْقَبْر فصافحه وَقَالَ لَهُ:
(فِي حَالَة الْبعد روحي كنت أرسلها ... تقبل الأَرْض عني هِيَ نائبتي الخ)
كذبُوا على النَّبِي ( [ ﷺ ] ) وَيَقُولُونَ إِن الجيلي ضرب زنبيل الْأَرْوَاح من يَد ملك الْمَوْت فاندلق فَردَّتْ الْأَرْوَاح لأصحابها وَقَالُوا: الدسوقي سمى أَبَا الْعَينَيْنِ لاحتجابه بَين عَيْني النَّبِي ( [ ﷺ ] ) - هَذَا وَغَيره مَعَ أَن الْكل عَن الْقَلِيل من فهم الْقُرْآن ﴿صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ﴾ .
وَقد وصف الله عباده الْمُؤمنِينَ بقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤمن بِآيَاتِنَا الَّذين إِذا ذكرُوا بهَا خروا سجدا وسبحوا بِحَمْد رَبهم وهم لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وَهَؤُلَاء إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا إِلَّا صمًّا وعمياناً، وهم للنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ لَا يتقنون وللاستنجاء لَا يعْرفُونَ، وللوضوء لَا يحسنون، وللتيمم وَالْغسْل وَأَحْكَام الْمِيَاه لَا يفقهُونَ وللصلاة هم يسرقون وينقرون، وَفِي أَسمَاء الله هم يلحدون، وَفِي
стр. 189
أذكارهم وعباداتهم يحرفُونَ ويلحنون، ويبتدعون ويخترعون، وبلباس الأزياق - الدلوق - والعمائم الْحَمْرَاء والخضراء يفتخرون، ويزعمون أَنهم أهل الْحَقِيقَة، وَأَنَّهُمْ أهل الْكَشْف، وَأَنَّهُمْ أهل الخطوة، وَأَنَّهُمْ الْأَوْلِيَاء الْكِبَار الطيارون، وَأَنَّهُمْ مَعَ بعد دِيَارهمْ فِي الْكَعْبَة يصلونَ، وَلما كتب عَلَيْهِم من الشقوة فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ يمسحون، وَأَنَّهُمْ هم الْقَائِلُونَ:
(شوبش على رجال لَا صَامُوا وَلَا صلوا ... فرشوا سجاجيدهم على المَاء مَا ابتلوا)
وهم الْقَائِلُونَ:
لسَيِّد الْجيد اللي لتفريج الكروب مَعْدُود فِي الْقَبْر مَا أنساه لَو كَانَ فرشى تُرَاب مَعَ دود
(أَو يَا كعبة الْأَسْرَار أَنْت غياثنا ... يَا كاشف الكربات يَا شيخ الْعَرَب)
وَكَذَا قَوْلهم:
(عبد الْقَادِر يَا جيلاني ... يَا ذَا الْفضل وَالْإِحْسَان)
(صرت فِي خطب شَدِيد ... من إحسانك لَا تنساني)
(وَكَذَا رفاعي لَا تضيعني ... أَنا المحسوب أَنا الْمَنْسُوب)
(وَكَذَا يَا دسوقي يَا شرِيف ... قد دَخَلنَا فِي حماك)
(بالْحسنِ ثمَّ الْحُسَيْن ... خُذ بيد اللي أَتَاك)
وهم لَا غَيرهم الَّذين للأموات ينادون، وبهم يستغيثون، وإليهم دون الله يلجأون ويجأرون، ولمقابرهم يقصدون، وللحج إِلَيْهَا الرّحال يشدون وَلها ينذرون ويذبحون، وحولها يطوفون ولأركانها يستلمون ويقبلون، وللرحمات هُنَاكَ يستنزلون، وبأمدادهم يستمدون. وهم للبيارق يحملون، وبالبازات والطبول يضْربُونَ، وللثعابين والصبار يَأْكُلُون، وللنيران يَزْعمُونَ زورا أَمَام النَّاس أَنهم لَهَا يلعقون، وللحديد كالحواة فِي أفواهم يدْخلُونَ، وهم الشاخرون الناخرون، الراقصون الصارخون المؤحئحون فِي الذّكر المؤفئفون، السابون لغامزهم الشاتمون، وبأفحش الْفُحْش هم الناطقون وهم الَّذين لطلب الْمَعيشَة يتركون، ولأموال النَّاس بِالْبَاطِلِ يَأْكُلُون، وبذكر الله للجريش يلهطون
стр. 190
وهم الْقَائِلُونَ إِن الْعلم حجاب بَين العَبْد وربه، وبلمحة، تقع الصلحة، وبنظرة من المرشد الْكَامِل يصير الشقي وليا، وبنفخة فِي وَجه المريد أَو تفلة فِي فَمه تُطِيعهُ الأفعى، وتحترمه الْعَقْرَب، وهم المقرون بِأَن الْولَايَة لَا ينافيها ارْتِكَاب الْكَبَائِر كلهَا إِلَّا الْكَذِب - وهم أكذب النَّاس - وَأَن الِاعْتِقَاد أولى من الانتقاد، وَأَن الِاعْتِرَاض يُوجب الحرمان، أَي أَن تَحْسِين الظَّن بالفساق والفجار أولى من الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر.
نصيحتي واقتراحي
فإليكم مَشَايِخ السجاجيد جَمِيعًا وَأَنْتُم سادة وقادة هَؤُلَاءِ الْقَوْم ورعاتهم " وكلكم رَاع، وكلكم مسئول عَن رَعيته " قد كتبت هَذَا الْكتاب الْمُبين، وَنَصَحْت لكم وَأَنا لكم نَاصح أَمِين، كي تنصحوا هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين الَّذين يعمرون فِي الْإِسْلَام الْخمسين وَالسِّتِّينَ وَالسبْعين وَالتسْعين ويموتون وَلم يَذُوقُوا لِلْإِسْلَامِ وَالْإِيمَان حلاوة وَلَا طعما، لتماديهم فِي جهالتهم، وَلعدم الوعاظ المؤثرين والمرشدين المخلصين؛ فأقترح عَلَيْكُم يَا رُؤَسَاء الْقَوْم أَن تقرأوا لَهُم كتب الْعلم، وتحثوهم فِيهَا على قِرَاءَة الْكتاب الْعَزِيز بالتفسير والتنزيل والترتيل والتدبر والتفهم والتعقل؛ وقرروا عَلَيْهِم حفظ مِائَتي حَدِيث نبوي تكون جَامِعَة للعقائد، وَأَحْكَام الْحَلَال، وَالْحرَام، والعبادات، والمعاملات والأذكار، والأخلاق، والآداب وَالتَّرْغِيب والترهيب.
وَأَن تختاروا لأنفسكم وللقارئين مِنْهُم من أصح الْكتب وأسهلها، وأخلاها من الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة، والمنكرة وَمن الْإسْرَائِيلِيات والخرافات. فَمن تفاسير الْقُرْآن تَفْسِير الْحَافِظ ابْن كثير وَتَفْسِير الْمنَار، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْجَامِع لكل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْمُسلمُونَ فِي هَذَا الزَّمَان.
стр. 191
وَمن كتب الحَدِيث الجامعة (صَحِيح البُخَارِيّ وَمُسلم) ، والمختصرة (بُلُوغ المرام) لِلْحَافِظِ ابْن حجر الْعَسْقَلَانِي (وَالْأَرْبَعِينَ النووية) . وَمن كتب الْأَذْكَار والأدعية المأثورة كتاب (تحفة الذَّاكِرِينَ) للشوكاني وَمن المختصرة مِنْهَا كتاب (الْكَلم الطّيب) لشيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية، وَمن كتب عقائد الْإِسْلَام وسياسته وفقهه وَإِثْبَات نبوة مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وَحِكْمَة كَونه خَاتم النَّبِيين وإعجاز الْقُرْآن وَجمعه لكل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ الْبشر من إصْلَاح الْأُمَم والدول من الْعُلُوم وَالْحكم ... كتاب (الْوَحْي المحمدي) وَمن كتب التَّرْهِيب عَن الْمُحرمَات كتاب (الزواجر، عَن اقتراف الْكَبَائِر) للعلامة ابْن حجر الْمَكِّيّ الْفَقِيه وأنفع مِنْهُ كتاب (التَّرْغِيب والترهيب) لِلْحَافِظِ الْمُنْذِرِيّ. وَمن كتب السِّيرَة النَّبَوِيَّة والتفقه فِيهَا مَعَ أصح الْهدى المحمدي كتاب (زَاد الْمعَاد، فِي هدي خير الْعباد) وَمن المختصرات فِيهَا كتاب (نور الْيَقِين) للشَّيْخ مُحَمَّد الخضري (وخلاصة السِّيرَة المحمدية) للسَّيِّد الإِمَام مُحَمَّد رشيد رضَا، وَمن كتب الْآدَاب والأخلاق والعادات الشاملة للْعلم والتعلم وَالسّفر والحضر والزوجية والطبية وَغَيرهَا كتاب (الْآدَاب الشَّرْعِيَّة والمنح المرعية) للعلامة الْفَقِيه الْمُحدث ابْن مُفْلِح.
وحتموا عَلَيْهِم أَن تكون دعوتهم كلهَا لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولإظهار الدّين الإسلامي فِي أبهته وجماله وجلاله السلَفِي الْقَدِيم، لَا أَن يكون غَايَة قصدهم نشر الطَّرِيقَة الرفاعية أَو الأحمدية، أَو الإبراهيمية أَو البيومية أَو غَيرهَا، وَبِذَلِك ينتشر الْعلم الصَّحِيح وَالدّين الْقيم وتحيا السّنَن، وَتَمُوت الخرافات والبدع، وَيكثر المصلحون، ويقل المفسدون، وينشأ الشبَّان على تقوى الله لَا على مَعْصِيَته وَبِهَذَا نَكُون متعاونين على الْبر وَالتَّقوى وعاملين بقوله تَعَالَى: ﴿ولتكن مِنْكُم أمة يدعونَ إِلَى الْخَيْر ويأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ وَبِهَذَا نحيا حَيَاة طيبَة كَمَا قَالَ تَعَالَى (من عمل عملا صَالحا
стр. 192
من ذكر أَو أُنْثَى وَهُوَ مُؤمن فلنحيينه حَيَاة طيبَة، ولنجزينهم أجرهم بِأَحْسَن مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ونزداد هِدَايَة كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى﴾ وَبِهَذَا نرقى ونفوق الْأُمَم ونسودهم، كَمَا سادهم واستعبدهم بِالْعَدْلِ وَالْعلم وَالْحكمَة فِي مَشَارِق الأَرْض وَمَغَارِبهَا آبَاؤُنَا الْأَولونَ.
فانهوا أَيهَا الشُّيُوخ أتباعكم عَن التَّعَبُّد بالأحزاب، والأوراد، والأذكار، والتوسلات، والاستغاثات المبتدعة، وعرفوهم أَن فضل حرف وَاحِد من الْقُرْآن الْعَظِيم وَالسّنة المطهرة خير وَأعظم وَأفضل عِنْد الله من جَمِيع مَا هم عَلَيْهِ، وَلَا سِيمَا مَعَ التدبر والتفهم. فليستعيضوا عَن هَذَا بِقِرَاءَة الْقُرْآن وتحزيبه وتجزيئه على الْأَيَّام والليالي، وبقراءة كَلَام الرَّسُول [ ﷺ ] ، وَحفظه وفهمه وتلقينه للإخوان، واستعيضوا لَهُم الإجازات بالشهادات العلمية، فَإِذا مَا ورد عَلَيْكُم رجل قد قَرَأَ وَفهم وعقل عَن الله وَرَسُوله، واختبرتم تدينه وحبه لله ولدينه وَلِرَسُولِهِ ولسنته. وبغضه للمنكرات والمحرمات والمبتدعات والمخالفات. . فرأيتموه فطناً ذكياً فصيحا فِيهِ أَهْلِيَّة للخير والإصلاح والإرشاد فَحِينَئِذٍ لَا مَانع من أَن تخْرجُوا لَهُ شَهَادَة وتجيزوه فِيهَا أَن يعلم الْمُسلمين بِمَا فتح الله بِهِ عَلَيْهِ، وتحذروه من التدخل فِيمَا لَا يعنيه، وَمن الْفَتْوَى بِغَيْر علم، وَمن الْخُرُوج عَن نُصُوص الْكتاب وَالسّنة.
أما أَنْتُم يَا مَشَايِخ السجادة؛ فَالله مولاكم هُوَ يرزقكم وَهُوَ خير الرازقين وَهُوَ الْقَائِل: ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب﴾ ﴿﴾ (وَمن يتق الله يَجْعَل من أمره يسرا﴾ ﴿وَلَو أَن أهل الأَرْض آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ ﴿الْآيَة﴾ (وَلَو أَنهم أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْهِم من رَبهم لأكلوا من فَوْقهم وَمن تَحت أَرجُلهم﴾ هَذِه هِيَ نصيحتي، وَهَذَا هُوَ اقتراحي، فَإِن قبلتموه وعملتم بِهِ فقد أديتم مَا وَجب عَلَيْكُم من قبُول نصح الناصحين، وأذكركم قَول الله تَعَالَى: (سَيذكرُ من يخْشَى
стр. 193
ويتجنبها الأشقى الَّذِي يصلى النَّار الْكُبْرَى، ثمَّ لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يحيى، قد أَفْلح من تزكّى﴾ وَلَا أظنكم لنصحي مُسْتَمِعِينَ، وَلَا لإرشاداتي متبعين، إِذْ:
(المستجير بِعَمْرو عِنْد كربته ... كالمستجير من الرمضاء بالنَّار)
وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله.
стр. 194
فارغة.
стр. 195
الْقسم الثَّانِي
стр. 196
الْبَاب الثَّالِث وَالْعشْرُونَ فِي الْقُرْآن وهدايته وَوُجُوب اتِّبَاعه، وذم الْإِعْرَاض عَنهُ وفضائله وَبَيَان أَنه هدى وَنور وَرَحْمَة وموعظة وَتَذْكِرَة وشفاء وبشرى للْمُؤْمِنين وإنذار للعاصين
أعوذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم. بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم.
﴿الْحَمد لله الَّذِي أنزل على عَبده الْكتاب وَلم يَجْعَل لَهُ عوجا، قيمًا لينذر بأساَ شَدِيدا من لَدنه ويبشر الْمُؤمنِينَ الَّذين يعْملُونَ الصَّالِحَات أَن لَهُم أجرا حسنا ماكثين فِيهِ أبدا، وينذر اللَّذين قَالُوا اتخذ الله ولدا مَا لَهُم بِهِ من علم وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبرت كلمة تخرج من أَفْوَاههم إِن يَقُولُونَ إِلَّا كذبا﴾ ، ﴿تبَارك الَّذِي نزل الْفرْقَان على عَبده ليَكُون للْعَالمين نذيرا، الَّذِي لَهُ ملك السَّمَوَات وَالْأَرْض، وَلم يتَّخذ ولدا وَلم يكن لَهُ شريك فِي الْملك وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ ، ﴿الم ذَلِك الْكتاب لَا ريب فِيهِ هدى لِلْمُتقين الَّذين يُؤمنُونَ بِالْغَيْبِ ويقيمون الصَّلَاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفقُونَ وَالَّذين يُؤمنُونَ بِمَا أنزل إِلَيْك وَمَا أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أُولَئِكَ على هدى من رَبهم وَأُولَئِكَ هم المفلحون﴾ ﴿الر كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك لتخرج النَّاس من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذن رَبهم إِلَى صِرَاط الْعَزِيز الحميد﴾ ، ﴿إِن هَذَا الْقُرْآن يهدي للَّتِي هِيَ أقوم ويبشر الْمُؤمنِينَ الَّذين يعْملُونَ الصَّالِحَات أَن لَهُم أجرا كَبِيرا﴾ ، (قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين، يهدي بِهِ الله من اتبع رضوانه سبل السَّلَام ويخرجهم من
стр. 197
الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِذْنِهِ ويهديهم إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم) ﴿﴾ (وَهَذَا كتاب أَنزَلْنَاهُ مبارك فَاتَّبعُوهُ وَاتَّقوا لَعَلَّكُمْ ترحمون) ﴿﴾ (يَا أَيهَا النَّاس قد جاءتكم موعظة من ربكُم وشفاء لما فِي الصُّدُور وَهدى وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وننزل من الْقُرْآن مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَة للْمُؤْمِنين وَلَا يزِيد الظَّالِمين إِلَّا خسارا﴾ .
فصل فِي وجوب التَّمَسُّك بِكِتَاب الله، وَالنَّهْي الشَّديد عَن مُخَالفَته
قَالَ الله تَعَالَى ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا، واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا وكنتم على شفا حُفْرَة من النَّار فأنقذكم مِنْهَا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات، وَأُولَئِكَ لَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم واصبروا إِن الله مَعَ الصابرين﴾ وَقَالَ: ﴿وَأَن هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبعُوهُ وَلَا تتبعوا السبل فَتفرق بكم عَن سَبيله ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ وَقَالَ لنَبيه: ﴿قل هَذِه سبيلي أَدْعُو إِلَى الله على بَصِيرَة أَنا وَمن اتبعني، وَسُبْحَان الله وَمَا أَنا من الْمُشْركين﴾ .
فصل فِي وجوب طَاعَة الله وَطَاعَة رَسُوله، ووعيد الْمُخَالفين
وَطَاعَة الله فِي اتِّبَاع كِتَابه؛ وَطَاعَة الرَّسُول فِي اتِّبَاع سنته، قَالَ الله تَعَالَى: (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم، فَإِن
стр. 198
تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر، ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا ليطاع بِإِذن الله، وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما، فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيمَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجاً مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (وَمن يطع الله وَالرَّسُول فَأُولَئِك مَعَ الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، وَحسن أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ وَقَالَ: ﴿تِلْكَ حُدُود الله وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم، وَمن يعْص الله وَرَسُوله ويتعد حُدُوده يدْخلهُ نَارا خَالِدا فِيهَا وَله عَذَاب مهين﴾ وَقَالَ جلّ علاهُ: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم، وَمن يعْص الله وَرَسُوله فقد ضل ضلالا مُبينًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يعْص الله وَرَسُوله فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا أبدا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول من بعد مَا تبين لَهُ الْهدى وَيتبع غير سَبِيل الْمُؤمنِينَ نوله مَا تولى ونصله جَهَنَّم وَسَاءَتْ مصيراً﴾ وَقَالَ: ﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله كبتوا كَمَا كبت الَّذين من قبلهم﴾ وَقَالَ: ﴿إِن الَّذين يحادون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ فِي الأذلين﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (وَمن يطع الله وَرَسُوله فقد فَازَ فوزاً عَظِيما﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ وَقَالَ: ﴿وَإِن تطيعوه تهتدوا﴾ ﴿وَقَالَ﴾ (وَاتبعُوا لَعَلَّكُمْ ترحمون﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يطع الله وَرَسُوله يدْخلهُ جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار وَمن يتول يعذبه عذَابا أَلِيمًا﴾ وَقَالَ: ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول فَإِن توليتم فَإِنَّمَا على رَسُولنَا الْبَلَاغ الْمُبين﴾ وَقَالَ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وَلَا تُبْطِلُوا أَعمالكُم﴾ وَقَالَ:
стр. 199
﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا الله إِن الله شَدِيد الْعقَاب﴾ .
فصل فِي الْأَمر بتدبر وتفهم الْقُرْآن
﴿حم تَنْزِيل من الرَّحْمَن الرَّحِيم كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ بشيرا وَنَذِيرا فَأَعْرض أَكْثَرهم فهم لَا يسمعُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولو الْأَلْبَاب﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ وَقَالَ ﴿فَمَا لَهُم عَن التذكيرة معرضين كَأَنَّهُمْ حمر مستنفرة فرت من قسوة﴾ وَقَالَ: ﴿مثل الَّذين حملُوا التَّوْرَاة ثمَّ لم يحملوها كَمثل الْحمار يحمل أسفارا بئس مثل الْقَوْم﴾ وَقَالَ: ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ وَقَالَ لنَبيه: ﴿قل هُوَ للَّذين آمنُوا هدى وشفاء وَالَّذين لَا يُؤمنُونَ فِي آذانهم وقر وَهُوَ عَلَيْهِم عمى أُولَئِكَ ينادون من مَكَان بعيد﴾ وَقَالَ: ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا﴾ وَقَالَ: ﴿أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ وَقَالَ: (قد كَانَت آياتي تتلى عَلَيْكُم فكنتم على أعقابكم تنكصون
стр. 200
مستكبرين بِهِ سامرا تهجرون، أفلم يدبروا القَوْل أم جَاءَهُم مَا لم يَأْتِ آبَاءَهُم الْأَوَّلين﴾ .
فصل فِي وَعِيد المعرضين عَن الْقُرْآن
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا، ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى قَالَ رب لم حشرتني أعمى وَقد كنت بَصيرًا؟ قَالَ كَذَلِك أتتك آيَاتنَا فنسيتها وَكَذَلِكَ الْيَوْم تنسى﴾ وَقَالَ: ﴿وَقد آتيناك من لدنا ذكرا، من أعرض عَنهُ فَإِنَّهُ يحمل يَوْم الْقِيَامَة وزرا، خَالِدين فِيهِ وساء لَهُم يَوْم الْقِيَامَة حملا﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين﴾ وَقَالَ: ﴿من أظلم مِمَّن ذكر بآيَات ربه فَأَعْرض عَنْهَا ونسى مَا قدمت يَدَاهُ﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن أظلم مِمَّن ذكر بآيَات ربه ثمَّ أعرض عَنْهَا إِنَّا من الْمُجْرمين منتقمون﴾ وَقَالَ: ﴿وَمن يعرض عَن ذكر ربه يسلكه عذَابا صعدا﴾ .
فصل فِي فَضَائِل قِرَاءَة الْقُرْآن وفضائل بعض سوره وآياته
عَن أبي أُمَامَة ﵁ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " اقْرَءُوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة شَفِيعًا لأَصْحَابه " رَوَاهُ مُسلم ﵀، وَعَن النواس بن سمْعَان رَضِي الله عه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] يَقُول: " يُؤْتى يَوْم الْقِيَامَة بِالْقُرْآنِ وَأَهله الَّذين كَانُوا يعْملُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تقدمه سُورَة الْبَقَرَة وَآل عمرَان تحاجان عَن صَاحبهمَا " رَوَاهُ مُسلم، وَعَن عُثْمَان بن عَفَّان
стр. 201
رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " خَيركُمْ من تعلم الْقُرْآن وَعلمه " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن وَهُوَ ماهر بِهِ مَعَ السفرة الْكِرَام البررة وَالَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن ويتعتع فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شاق لَهُ أَجْرَانِ " مُتَّفق عَلَيْهِ.
وَعَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " مثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن مثل الأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب، وَمثل الْمُؤمن الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل التمرة لَا ريح لَهَا وطعمها حُلْو، وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الريحانة رِيحهَا طيب وطعمها مر، وَمثل الْمُنَافِق الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن كَمثل الحنظلة لَيْسَ لَهَا ريح وطعمها مر " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن عمر بن الْخطاب ﵁ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " إِن الله يرفع بِهَذَا الْكتاب أَقْوَامًا وَيَضَع بِهِ آخَرين " رَوَاهُ مُسلم، وَعَن ابْن عمر ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رجل آتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار، وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن الْبَراء بن عَازِب ﵁ قَالَ: كَانَ رجل يقْرَأ سُورَة الْكَهْف وَعِنْده فرس مربوطة بشطنين فتغشته سَحَابَة فَجعلت تَدْنُو وَجعل فرسه ينفر مِنْهَا فَلَمَّا أصبح أَتَى النَّبِي [ ﷺ ] فَذكر لَهُ ذَلِك فَقَالَ: " تِلْكَ السكينَة تنزلت لِلْقُرْآنِ " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن ابْن مَسْعُود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ حَسَنَة والحسنة بِعشْرَة أَمْثَالهَا. لَا أَقُول: ألم حرف، وَلَكِن ألف حرف وَلَام حرف، وَمِيم حرف " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَعَن ابْن عَبَّاس ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] " إِن الَّذِي
стр. 202
لَيْسَ فِي جَوْفه شَيْء من الْقُرْآن كالبيت الخرب " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ حسن صَحِيح، وَعَن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " يُقَال لصَاحب الْقُرْآن: اقْرَأ وارتق ورتل كَمَا كنت ترتل فِي الدُّنْيَا فَإِن منزلتك عِنْد آخر آيَة تقرؤها " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ حسن صَحِيح وَعَن أبي سعيد رَافع بن الْمُعَلَّى ﵁ قَالَ: قَالَ لي رَسُول الله [ ﷺ ] : " أَلا أعلمك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن قبل أَن تخرج من الْمَسْجِد؟ فَأخذ بيَدي فَلَمَّا أَرَادَ أَن يخرج قلت يَا رَسُول الله، إِنَّك قلت: لأعلمنك أعظم سُورَة فِي الْقُرْآن، قَالَ: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ هِيَ السَّبع المثاني والقرءان الْعَظِيم الَّذِي أُوتِيتهُ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ﵀، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " فِي قِرَاءَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن " وَفِي رِوَايَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ لأَصْحَابه " أَيعْجزُ أحدكُم أَن يقْرَأ بِثلث الْقُرْآن فِي لَيْلَة؟ فشق ذَلِك عَلَيْهِم وَقَالُوا: أَيّنَا يُطيق ذَلِك يَا رَسُول الله؟ فَقَالَ ﴿قل هُوَ الله أحد الله الصَّمد﴾ ثلث الْقُرْآن " رَوَاهُ البُخَارِيّ، وَعنهُ أَن رجلا سمع رجلا يقْرَأ ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ يُرَدِّدهَا فَلَمَّا أصبح جَاءَ إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَذكر ذَلِك لَهُ وَكَأن الرجل يتقالها، فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لتعدل ثلث الْقُرْآن " رَوَاهُ البُخَارِيّ وَعَن أنس ﵁ " أَن رجلا قَالَ يَا رَسُول الله إِنِّي أحب هَذِه السُّورَة ﴿قل هُوَ الله أحد﴾ ، قَالَ: إِن حبها أدْخلك الْجنَّة " رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ حَدِيث حسن رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه تَعْلِيقا، وَعَن عقبَة ابْن عَامر ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] ، قَالَ: " ألم تَرَ آيَات أنزلت هَذِه اللَّيْلَة لم ير مِثْلهنَّ قطّ؟ ﴿قل أعوذ بِرَبّ الفلق﴾ و ﴿قل أعوذ بِرَبّ النَّاس﴾ ، رَوَاهُ مُسلم، وَعَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁، قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] يتَعَوَّذ من الجان وَعين الْإِنْسَان حَتَّى نزلت المعوذتان، فَلَمَّا نزلت أَخذ بهما وَترك مَا سواهُمَا ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وَقَالَ:
стр. 203
حَدِيث حسن، وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من الْقُرْآن سُورَة ثَلَاثُونَ آيَة شفعت لرجل حَتَّى غفر لَهُ وَهِي ﴿تبَارك الَّذِي بِيَدِهِ الْملك﴾ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وَقَالَ: حَدِيث حسن وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد " تشفع " وَعَن أبي مَسْعُود البدري ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من قَرَأَ بالآيتين من آخر سُورَة الْبَقَرَة فِي لَيْلَة كفتاه " مُتَّفق عَلَيْهِ، وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] . قَالَ: " لَا تجْعَلُوا بُيُوتكُمْ مَقَابِر إِن الشَّيْطَان ينفر من الْبَيْت الَّذِي يقْرَأ فِيهِ سُورَة الْبَقَرَة " رَوَاهُ مُسلم.
وَعَن أبي بن كَعْب ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " يَا أَبَا الْمُنْذر أَتَدْرِي أَي آيَة من كتاب الله مَعَك أعظم؟ قلت: ﴿الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْحَيّ القيوم﴾ فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ: لِيَهنك الْعلم أَبَا الْمُنْذر " رَوَاهُ مُسلم، وَفِي البُخَارِيّ فِي آخر حَدِيث طَوِيل " من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ عِنْد نَومه لم يقربهُ شَيْطَان " وَعَن أبي الدَّرْدَاء ﵁ أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " من حفظ عشر آيَات من أول سُورَة الْكَهْف عصم من فتْنَة الدَّجَّال " وَفِي رِوَايَة " من آخر سُورَة الْكَهْف " رَوَاهُ مُسلم، وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ قَالَ: " بَيْنَمَا جِبْرِيل ﵇ قَاعد عِنْد النَّبِي [ ﷺ ] سمع نقيضاً من فَوْقه فَرفع رَأسه فَقَالَ: " هَذَا بَاب من السَّمَاء فتح الْيَوْم وَلم يفتح قطّ إِلَّا الْيَوْم فَنزل مِنْهُ ملك فَقَالَ: هَذَا ملك نزل إِلَى الأَرْض لم ينزل قطّ إِلَّا الْيَوْم، فَسلم وَقَالَ: أبشر بنورين لم يؤتهما نَبِي من قبلك: فَاتِحَة الْكتاب وخواتيم سُورَة الْبَقَرَة، لن تقْرَأ بِحرف مِنْهَا إِلَّا أَعْطيته " رَوَاهُ مُسلم أهـ. من رياض
стр. 204
الصَّالِحين بِاخْتِصَار حَدِيث أبي هُرَيْرَة وروى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك بِإِسْنَاد صَحِيح عَن معقل بن يسَار ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " اعْمَلُوا بِالْقُرْآنِ، أحلُّوا حَلَاله، وحرموا حرَامه، وَاقْتَدوا بِهِ، وَلَا تكفرُوا بِشَيْء مِنْهُ، وَمَا تشابه عَلَيْكُم فَردُّوهُ إِلَى الله وَإِلَى أولي الْعلم من بعدِي كَيْمَا يُخْبِرُوكُمْ وآمنوا بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيل وَالزَّبُور، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ من رَبهم وليسع الْقُرْآن، وَمَا فِيهِ من الْبَيَان، فَإِنَّهُ أول شَافِع مُشَفع، وَمَا حل مُصدق، وَإِنِّي أَعْطَيْت سُورَة الْبَقَرَة من الذّكر الأول وَأعْطيت طه والطواسين من أَلْوَاح مُوسَى، وَأعْطيت فَاتِحَة الْكتاب من تَحت الْعَرْش ". وروى الدَّارمِيّ وَالتِّرْمِذِيّ ﵀ عَن أنس ﵁ عَن النَّبِي [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " إِن لكل شَيْء قلباً وقلب الْقُرْآن يس، وَمن قَرَأَ يس كتب الله لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَة الْقُرْآن عشر مَرَّات " ورمز فِي الْجَامِع لضَعْفه وَصَححهُ شَارِحه، وَقَالَ الشَّوْكَانِيّ فِي التُّحْفَة قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث غَرِيب، وَأخرج النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان ﵏ عَن معقل بن يسَار عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " قلب الْقُرْآن يس، لَا يَقْرَأها رجل يُرِيد الله وَالدَّار الْآخِرَة إِلَّا غفر لَهُ، اقرءوها على مَوْتَاكُم " أَي من حضر الْمَوْت، قَالَ فِي التُّحْفَة وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم، وَأخرج ابْن حبَان وَابْن السّني عَن جُنْدُب ﵄ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " من قَرَأَ يس فِي لَيْلَة الْقدر ابْتِغَاء وَجه الله غفر لَهُ " وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ عَن أبي هُرَيْرَة، وَفِي إِسْنَاده غَالب بن تَمِيم وَهُوَ ضَعِيف، وَأما حَدِيث " من داوم على قِرَاءَة يس فِي كل لَيْلَة، ثمَّ مَاتَ، مَاتَ شَهِيدا، فَفِي إِسْنَاده سعيد بن مُوسَى الْأَزْدِيّ وَهُوَ كَذَّاب، وروى البُخَارِيّ عَن عمر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] قَالَ: " لقد أنزلت عَليّ اللَّيْلَة سُورَة لهي أحب إِلَيّ مِمَّا طلعت عَلَيْهِ الشَّمْس، ثمَّ قَرَأَ
стр. 205
﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ " وروى التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه [ ﷺ ] قَالَ: " ﴿إِذا زلزلت الأَرْض﴾ تعدل نصف الْقُرْآن، ﴿وَقل هُوَ الله أحد﴾ تعدل ثلث الْقُرْآن، ﴿وَقل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع الْقُرْآن " وَصَححهُ فِي الْجَامِع وَشَرحه. وَلَكِن قَالَ فِي التُّحْفَة: قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه إِلَّا من حَدِيث يمَان بن الْمُغيرَة، وَقَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد، ثمَّ قَالَ قلت يمَان بن الْمُغيرَة الَّذِي هُوَ الْعَنزي قَالَ يحيى بن معِين لَيْسَ حَدِيثه بِشَيْء وَقَالَ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَضَعفه أَبُو زرْعَة وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْن عدي: لَا أرى بِهِ بَأْسا، فالعجب من الْحَاكِم حَيْثُ صحّح حَدِيثه أهـ. وَأخرج الْحَاكِم عَن ابْن عمر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " أَلا يَسْتَطِيع أحدكُم أَن يقْرَأ ألف آيَة فِي كل يَوْم؟ قَالُوا وَمن يَسْتَطِيع ذَلِك؟ قَالَ: أما يَسْتَطِيع أحدكُم أَن يقْرَأ ﴿أَلْهَاكُم التكاثر﴾ " أخرجه الْحَاكِم عَن عقبَة بن مُحَمَّد عَن نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ الْمُنْذِرِيّ: وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات إِلَّا أَن عقبَة لَا أعرفهُ.
وَعَن أنس، أَنه [ ﷺ ] قَالَ لرجل من أَصْحَابه: " هَل تزوجت يَا فلَان؟ قَالَ: لَا، وَالله يَا رَسُول الله مَا عِنْدِي مَا أَتزوّج بِهِ، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَك ﴿قل هُوَ الله﴾ ؟ " قَالَ: بلَى، قَالَ ثلث الْقُرْآن، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَك ﴿إِذا جَاءَ نصر الله وَالْفَتْح﴾ ؟ قَالَ: بلَى، قَالَ: ربع الْقُرْآن، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَك ﴿قل يَا أَيهَا الْكَافِرُونَ﴾ ؟ قَالَ: بلَى. قَالَ: ربع الْقُرْآن، قَالَ: أَلَيْسَ مَعَك ﴿إِذا زلزلت الأَرْض﴾ ؟ قَالَ: بلَى، قَالَ ربع الْقُرْآن، تزوج تزوج "، أَي بِمَا مَعَك من الْقُرْآن ".
قَالَ فِي تحفة الذَّاكِرِينَ: قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد إِخْرَاجه؛ هَذَا حَدِيث حسن وَقد تكلم فِي هَذَا الحَدِيث مُسلم فِي كتاب التَّمْيِيز، وَهُوَ من رِوَايَة سَلمَة بن وردان عَن أنس قَالَ أَبُو حَاتِم: لَيْسَ بِقَوي، عَامَّة مَا عِنْده عَن أنس مُنكر، وَقَالَ يحيى بن معِين: لَيْسَ حَدِيثه بِذَاكَ. أهـ. وَفِي الْجَامِع وَصَححهُ " من قَرَأَ
стр. 206
فِي لَيْلَة مائَة آيَة لم يكْتب من الغافلين "، وَفِي الدِّرَامِي " من قَرَأَ مِائَتي آيَة فِي لَيْلَة كتب من القانتين "، و " من قَرَأَ فِي لَيْلَة ثلثمِائة آيَة كتب لَهُ قِنْطَار "، و " من قَرَأَ ألف آيَة كتب لَهُ قِنْطَار من الْأجر، والقيراط من ذَلِك القنطار لَا يَفِي بِهِ دنياكم " وَفِي رِوَايَة " والقيراط من القنطار خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، واكتسب من الْأجر مَا شَاءَ الله "، وَهَذِه الْأَحَادِيث، وَإِن كَانَ فِيهَا مقَال، فَهِيَ دَاخِلَة تَحت عُمُوم حَدِيث: " من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ حَسَنَة، والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا " الحَدِيث، وَالْقُرْآن كَلَام الله وفضائله لَا تحصى.
فصل فِي تحزيب الْقُرْآن
قَالَ فِي المغنى؛ يسْتَحبّ أَن يقْرَأ الْقُرْآن فِي كل سَبْعَة أَيَّام ليَكُون لَهُ ختمة فِي كل أُسْبُوع.
قَالَ عبد الله بن أَحْمد: كَانَ أبي يخْتم الْقُرْآن فِي النَّهَار فِي كل سَبْعَة، يقْرَأ فِي كل يَوْم سبعا لَا يتْركهُ نظرا، وَقَالَ حَنْبَل: كَانَ أَبُو عبد الله يخْتم من الْجُمُعَة إِلَى الْجُمُعَة، وَذَلِكَ لما روى أَن النَّبِي [ ﷺ ] ، قَالَ لعبد الله بن عَمْرو: " اقْرَأ الْقُرْآن فِي سبع، وَلَا تزيدن على ذَلِك " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَعَن أَوْس بن حُذَيْفَة قَالَ: قُلْنَا لرَسُول الله [ ﷺ ] لقد أَبْطَأت عَنَّا اللَّيْلَة، قَالَ: " إِنَّه طَرَأَ على حزبي من الْقُرْآن، فَكرِهت أَن أخرج حَتَّى أتمه ". قَالَ أَوْس: سَأَلت أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] ، كَيفَ تحزبون الْقُرْآن؟ قَالُوا: ثَلَاث، وَخمْس، وَسبع، وتسع، وَإِحْدَى عشرَة، وَثَلَاث عشرَة، وحزب الْمفصل وَحده، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَيكرهُ أَن يُؤَخر ختمة الْقُرْآن أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِأَن النَّبِي [ ﷺ ]
стр. 207
سَأَلَهُ عبد الله بن عَمْرو: كم تختم الْقُرْآن؟ قَالَ: " فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ قَالَ: فِي شهر، ثمَّ قَالَ: فِي عشْرين يَوْمًا، ثمَّ قَالَ: فِي خمس عشرَة، ثمَّ قَالَ: فِي عشر، ثمَّ قَالَ: فِي سبع، لم ينزل من سبع " أخرجه أَبُو دَاوُد. قَالَ أَحْمد: أَكثر مَا سَمِعت أَن يخْتم الْقُرْآن فِي أَرْبَعِينَ، وَلِأَن تَأْخِيره أَكثر من ذَلِك يُفْضِي إِلَى نِسْيَان الْقُرْآن، والتهاون بِهِ، فَكَانَ مَا ذكرنَا أولى، وَهَذَا إِذا لم يكن عذر، فَأَما مَعَ الْعذر فواسع لَهُ. أهـ.
فصل
إِذا عرفت فضل الْقُرْآن الْعَظِيم وَفضل بعض سوره وآياته، وَعرفت وافر وجزيل أجر تِلَاوَته، وَعلمت كَيْفيَّة تحزيب النَّبِي [ ﷺ ] وَأَصْحَابه لِلْقُرْآنِ، وترتيبهم لَهُ على الْأَيَّام والليالي - حق لنا أَن نقُول لَك أَيهَا الْمُسلم المتبع لأعظم رَسُول، لَا تعرض عَن قِرَاءَة كتاب رَبك إِلَى قِرَاءَة أوراد الْمَشَايِخ وأحزابهم، فَإِن الْأجر كُله، وَالثَّوَاب كُله، وَالْفضل الْعَظِيم كُله، والنصح، والإرشاد، والوعظ، وَالْهَدْي، والنور كُله، والصراط الْمُسْتَقيم إِنَّمَا هُوَ فِي تِلَاوَة كتاب الله تَعَالَى.
فيا مُتبع الرَّسُول الْأَعْظَم: إياك، ثمَّ إياك، وَمَا ابتدع، فَإِنَّهُ ضَلَالَة، وَاعْلَم أَنه لَا يجوز لَك أَن تقْرَأ دُعَاء الْبَسْمَلَة، وَلَا ورد الْجَلالَة ودعاءها للجيلاني؛ لِأَنَّهُ يصدك عَن الْقُرْآن، وَلَا يجوز لَك أَن تقْرَأ مسبعات، وَلَا منظومة الدردير، وَلَا ورد السحر، والميمية، والمنبهجة للبكري، بل اقْرَأ بدل هَذَا أحزاباً من الْقُرْآن تنفعك قرَاءَتهَا يَوْم لِقَاء رَبك، وَلَا سِيمَا قِرَاءَة التدبر والتفقه.
أَيهَا الْعَاقِل: هَل حزب الْبر، وَالْبَحْر، والنصر، وحزب الرِّفَاعِي الْكَبِير وَالصَّغِير، وحزب الدسوقي الْكَبِير وَالصَّغِير أَيْضا، وحزب النَّوَوِيّ
стр. 208
والبيومي، وحزب الْوِقَايَة الْمُسَمّى بالدور الْأَعْلَى، بل وَجَمِيع مَا فِي مَجْمُوع الأوراد - خير، أم حزب وَاحِد. أَو سُورَة وَاحِدَة من الْقُرْآن الْعَظِيم؟ لَا بل آيَة وَاحِدَة، بل حرف وَاحِد من كتاب الله؟ لَا شكّ أَنَّك تعترف أَنه أعظم وَأجل ألف ألف مرّة، بل لَا مُنَاسبَة بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَنت تشهد وتقر معي بذلك، وَلَا أَظُنك تنكره، أَن جَمِيع مَا فِي مَجْمُوع الْأَذْكَار الطّيبَة للطرق السَّبْعَة، وَجَمِيع مَا فِي كتاب " مَجْمُوع أوراد الخلوتية والمرغنية، وأوراد الخليلية " وحرز الجوشني، وحرز الغاسلة، والجلجوتية، والبرهتية - لَا شكّ أَنه من عِنْد غير الله، وَلَا شكّ أَنه شرع لم يشرعه الله، وَلَا رَسُوله، فَصَارَ بِدعَة، وكل بِدعَة ضَلَالَة.
ولعلك تَقول: إِن هَذِه الْأَحْزَاب والأوراد لَا تَخْلُو من آيَات قرآنية فِيهَا، فَنَقُول لَك: الْقُرْآن كاللبن النقي الْخَالِص، وأحزابكم وأورادكم كاللبن الْمَخْلُوط بِالدَّمِ، أَو كاللبن الاصطناعي، فَأَيّهمَا ترتضيه لنَفسك؟ الأول لَا شكّ، بله مَا فِي الْقُرْآن من الموعظة، والشفاء وَالرَّحْمَة، والتذكير، وَالْهِدَايَة، وَالْعبْرَة، والأوامر، وَالنَّهْي، وَالتَّرْغِيب، والترهيب، وَذكر عَظمَة الله وكبريائه، وتعريفك برَسُول الله وَرُسُله وقصص الْأَنْبِيَاء وأتباعهم، وَمَا فعل الله بالطاغين والعاصين، وَمَا أعده لأهل طَاعَته من النَّعيم الْمُقِيم، وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يمكننا عده، وَلَا حصر بعضه، وَلَيْسَ يُوجد من ذَلِك حرف وَاحِد فِي أورادكم وَلَا أحزابكم فَمَا هِيَ إِلَّا عبادات مخترعات، وَشَيْء آخر وَهُوَ أَنَّك لَا تقْرَأ بِحرف وَاحِد من كتاب الله إِلَّا أُوتيت أجره كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح " من قَرَأَ حرفا من كتاب الله فَلهُ حَسَنَة، والحسنة بِعشر أَمْثَالهَا، لَا أَقُول: ألم حرف، وَلَكِن ألف حرف، وَمِيم حرف ﴿وَالله يُضَاعف لمن يَشَاء﴾ فَمَا هُوَ ثَوَاب من قَرَأَ حزب الجيلاني كُله من أَوله إِلَى آخِره ألف مرّة، وَمَا ثَوَاب من يقْرَأ حزب الْبكْرِيّ، بل وَمَا ثَوَاب من يقْرَأ جَمِيع مجاميع الأوراد كلهَا حرفا
стр. 209
حرفا؟ ؟ لَا يمكنكم أصلا أَن تقدروا لِقَارِئِهَا ثَوابًا كثواب قِرَاءَة أَصْغَر سُورَة فِي الْقُرْآن بل وَلَا آيَة وَلَا حرف وَاحِد، فَإِن قدرتم وقلتم فَظن و ﴿إِن الظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا﴾ بل ﴿إِن بعض الظَّن إِثْم﴾ بل يكون افتراء وكذبا على الله ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله الْكَذِب وَهُوَ يدعى إِلَى الْإِسْلَام﴾
فيا أَيهَا الْمُسلمُونَ ﴿الله نزل أحسن الحَدِيث﴾ وقص عَلَيْكُم أحسن الْقَصَص فِي كِتَابه، فَلَا تعدلوا عَنهُ وتتبعوا هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُم قد هوكوا وتهوكوا يَا قوم " كفى بِقوم ضَلَالَة أَن يتبعوا كتابا غير كتاب رَبهم الَّذِي أنزل على نَبِيّهم " كَذَا فِي الحَدِيث، يَا قوم حذار حذار من الْإِعْرَاض عَن كتاب الله فَإِن الله يَقُول: ﴿وَمن أعرض عَن ذكري فَإِن لَهُ معيشة ضنكا ونحشره يَوْم الْقِيَامَة أعمى﴾ وَيَقُول: ﴿وَمن يَعش عَن ذكر الرَّحْمَن نقيض لَهُ شَيْطَانا فَهُوَ لَهُ قرين﴾ ، وَيَقُول لنَبيه: ﴿وَقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عَنهُ فَإِنَّهُ يحمل يَوْم الْقِيَامَة وزرا خَالِدين فِيهِ وساء لَهُم يَوْم الْقِيَامَة حملا﴾ وَيَقُول: ﴿وَمن يعرض عَن ذكر ربه يسلكه عذَابا صعدا﴾ .
يَا قوم إِنِّي أَقُول وَالْحق أَقُول إِنَّه لَا يرغب عَن كتاب ربه إِلَى مخترعات الشُّيُوخ إِلَّا من سفه نَفسه، وضل سَعْيه، وزين لَهُ الشَّيْطَان عمله فصده عَن السَّبِيل، فحزبوا وجزئوا الْقُرْآن وقسموه على أيامكم ولياليكم، وحلوا وَارْتَحَلُوا فِيهِ من أَوله إِلَى آخِره، وَاجْعَلُوا الْمُصحف فِي جيوبكم دَائِما وأبداً - بدل الْمَجْمُوع - وَلَكِن أكبر مَا تمعنون فِيهِ النّظر بعد الْقُرْآن أَحَادِيث الرَّسُول [ ﷺ ] والتعبد بالأدعية والأذكار المروية عَنهُ فِي الْكتب الَّتِي ذَكرنَاهَا لكم، وَهَذَا فِيهِ الغنية التَّامَّة، والكفاية الْعُظْمَى عَن جمع مَا تَقْرَءُونَهُ من الأوراد والأحزاب والدلائل. والتوسلات الَّتِي لم يتعبد بِحرف وَاحِد مِنْهَا أحد من
стр. 210
الصَّحَابَة وَلَا التَّابِعين، وَلَا أَئِمَّة الدّين، أسأَل الله لي وَلكم الْهِدَايَة والاعتصام بكتابه وَسنة نبيه آمين.
فصل فِي بدعية جمع الْقرَاءَات فِي سُورَة أَو آيَة وَاحِدَة
سُئِلَ شيخ الْإِسْلَام ابْن تَيْمِية ﵀ عَن جمع الْقرَاءَات السَّبْعَة هَل هُوَ سنة أم بِدعَة؟ وَهل جمعت على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] أم لَا؟ وَهل لجامعها مزية ثَوَاب على من قَرَأَ بِرِوَايَة أم لَا؟ فَأجَاب بقوله: الْحَمد لله، أما نفس معرفَة الْقِرَاءَة وحفظها فَسنة، فَإِن الْقِرَاءَة سنة متبعة يَأْخُذهَا الآخر عَن الأول، فمعرفة الْقرَاءَات الَّتِي كَانَ النَّبِي [ ﷺ ] يقْرَأ بهَا، أَو يقرهم على الْقِرَاءَة بهَا، أَو يَأْذَن لَهُم وَقد أقرئوا بهَا سنة، والعارف بالقراءات الْحَافِظ لَهَا، لَهُ مزية على من لم يعرف ذَلِك، وَلَا يعرف إِلَّا قِرَاءَة وَاحِدَة، وَأما جمعهَا فِي الصَّلَاة أَو فِي التِّلَاوَة، فَهُوَ بِدعَة مَكْرُوهَة، وَأما جمعهَا لأجل الْحِفْظ والدرس فَهُوَ من الِاجْتِهَاد الَّذِي فعله طوائف فِي الْقِرَاءَة؛ وَأما الصَّحَابَة والتابعون فَلم يَكُونُوا يجمعُونَ وَالله أعلم، وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: وَأما الْجمع فِي كل الْقِرَاءَة الْمَشْرُوعَة الْمَأْمُور بهَا فَغير مَشْرُوع بِاتِّفَاق الْمُسلمين بل يُخَيّر بَين تِلْكَ الْحُرُوف، وَإِذا قَرَأَ بِهَذِهِ تَارَة وبهذه تَارَة كَانَ حسنا، وَقَالَ بعد حَدِيث الصِّحَاح وَهُوَ: " أنزل الْقُرْآن على سَبْعَة أحرف كلهَا شاف كَاف فاقرءوا بِمَا تيَسّر وَمَعْلُوم أَن الْمَشْرُوع فِي ذَلِك أَن يقْرَأ أَحدهَا أَو هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة لَا الْجمع بَينهمَا فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] لم يجمع بَين هَذِه الْأَلْفَاظ فِي آن وَاحِد بل قَالَ هَذَا تَارَة وَهَذَا تَارَة. أهـ.
فصل فِي بدع ضلالات مُتَعَلقَة بِالْقُرْآنِ الْعَظِيم
فَمن ذَلِك أَخذ الفأل وَالْبخْت من الْمُصحف، وَلَا أَدْرِي مَاذَا يصنع صَاحب
стр. 211
البخت إِن وقف على آيَة ﴿فأذنوا بِحَرب من الله﴾ أَو ﴿لنسفعن بالناصية﴾ أَو ﴿نَاصِيَة كَاذِبَة خاطئة﴾ أَو ﴿سندعو الزَّبَانِيَة﴾ مثلا، وَفِي كتاب أدب الدُّنْيَا وَالدّين أَن الْوَلِيد بن يزِيد تفاءل يَوْمًا فِي الْمُصحف فَخرج لَهُ قَوْله تَعَالَى ﴿واستفتحوا وخاب كل جَبَّار عنيد﴾ فمزق الْمُصحف وَأَنْشَأَ يَقُول:
(أتوعد كل جَبَّار عنيد ... فها أَنا ذَاك جَبَّار عنيد)
(إِذا مَا جِئْت رَبك يَوْم حشر ... فَقل يَا رب مزقني الْوَلِيد)
فَلم يلبث إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى قتل شَرّ قتلة وصلب رَأسه على قصره فنعوذ بِاللَّه.
وَهَذَا فعل مَذْمُوم جدا يجب تَركه ومحاربته، وَكَذَا قَوْلهم: إِن النَّبِي [ ﷺ ] يحزن ويتألم من قِرَاءَة سُورَة ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ لأجل عَمه فَلَا تقْرَأ وَلَا يُصَلِّي بهَا، وَكَيف ذَلِك وَقد أنزل الله ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ الْآيَة، واعتقادهم أَن من حلف على الْمُصحف يصاب بالعمى والكساح هُوَ من خرافاتهم وجهالاتهم المضحكة، وَإِنَّمَا هُوَ يَمِين يكفر عَنْهَا إِن رأى أَن غَيرهَا خير مِنْهَا على بعض الْمذَاهب، وَإِلَّا فَهُوَ يَمِين غموس أَي يغمس صَاحبه فِي النَّار، وقراءتهم سُورَة يس أَرْبَعِينَ مرّة بدعائها المخترع الْمُحدث لإهلاك شخص، أَو فك مسجون، أَو قَضَاء حَاجَة، جهل أَيْضا وَبعد عَن اتِّبَاع الْحَقَائِق الشَّرْعِيَّة.
وَحَدِيث " يس لما قُرِئت لَهُ " قَالَ الْحَافِظ السخاوي: لَا أصل لَهُ، وَكَذَا حَدِيث " خُذ من الْقُرْآن مَا شِئْت لما شِئْت " فتشت " عَنهُ كثيرا فِي الْكتب فَلم أجد لَهُ أصلا، وَفِي آخر تَفْسِير سُورَة يس من الْبَيْضَاوِيّ والنسفي أَحَادِيث مَوْضُوعَة فِي فَضلهَا فَيَنْبَغِي أَن لَا يعول عَلَيْهَا، وَجمع آي سَجدَات الْقُرْآن وَالسُّجُود عِنْد كل آيَة بِدعَة تقدم الْكَلَام عَلَيْهَا، وَجمع تهليلات الْقُرْآن كَمَا فِي حزب البيومي ابتداع فِي الدّين واختراع لَا يرضى، وَقِرَاءَة النِّسَاء الْقُرْآن على
стр. 212
الرِّجَال فِي المحافل وَغَيرهَا مَمْنُوع شرعا، وَقد قَالَ الرَّسُول [ ﷺ ] " إِذا نابتكم نائبة فِي صَلَاتكُمْ فَسَبحُوا إِنَّمَا جعل التصفيق للنِّسَاء " كَذَا فِي الصَّحِيح؛ أينهاهن الرَّسُول [ ﷺ ] عَن التَّلَفُّظ بسبحان الله فِي الصَّلَاة ونجلسهن بَيْننَا للتغني بِالْقُرْآنِ على مقْعد خَاص فِي محافل الرِّجَال؟ ﴿إِن هَذَا لشَيْء عُجاب﴾ وَكتب آيَات السَّلَام ك ﴿سَلام على نوح فِي الْعَالمين﴾ بِدعَة ضَلَالَة أَيْضا.
وجعلهم الْمُصحف حِجَابا يعلقونه على أنفسهم، وعَلى مَوَاشِيهمْ جهل شنيع وبدعة، وَحمل النِّسَاء لَهُ أَيَّام حيضهن، ونفاسهن، وَوقت جنابتهن، ضلال كَبِير، وامتهان لكتاب الله الْقَدِير، وَخبر نزُول دم عُثْمَان عِنْد قَتله على كتاب الله على لفظ ﴿فَسَيَكْفِيكَهُم الله وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم﴾ بَاطِل لَا أصل لَهُ، كَمَا فِي أَسْنَى المطالب، وَحَدِيث شمهورش قَاضِي الْجِنّ الَّذِي فِيهِ حَدثنِي سيد الْمُرْسلين مُحَمَّد [ ﷺ ] قَالَ: " حَدثنِي جِبْرِيل قَالَ: حَدثنِي إسْرَافيل عَن رب الْعِزَّة أَن من قَرَأَ سُورَة الْفَاتِحَة فِي نفس وَاحِد لقَضَاء حَاجَة قضيت " هَذَا بَاطِل معَارض بِمَا عرف من أَنه [ ﷺ ] كَانَ إِذا قَرَأَ يقف على رُؤُوس الْآي ويمدها، ثمَّ لماذا وَمَا فَائِدَة قرَاءَتهَا فِي نفس وَاحِد؟ إِن هَذَا لمن أفرى الفرى على الله وَرَسُوله وَلَو كَانَ صَحِيحا لثبت فِي الصِّحَاح وَالسّنَن؟ واشتهر على أَلْسِنَة الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، وَلم تقتصر رِوَايَته على شمهورش الجني.
وإنني لأعجب كَيفَ يروج هَذَا على عقول الْعلمَاء وَكَيف يقبلونه؟ وَكَيف يَحْفَظُونَهُ ويقرءونه على النَّاس، وَفِي مصنفاتهم يكتبونه، وَقد سَمِعت هَذَا الحَدِيث من شيخ أزهري يُقَال لَهُ: عَالم، وقرأته على ظهر كتاب لشيخ من الْمُتَأَخِّرين، فيا للأسف على فَسَاد عقول رُؤَسَاء الدّين، ورواج الأباطيل والأضاليل والترهات على من اشتهروا بَين النَّاس بِأَنَّهُم كبار الْمُسلمين، وعَلى عدم معرفتهم بَين الصَّحِيح والمكذوب على الرَّسُول الْأمين، [ ﷺ ] .
стр. 213
وإنني وَالله لَا أَثِق أبدا بِعلم وَلَا دين هَؤُلَاءِ مَا داموا لَا يفرقون بَين الْحق وَالْبَاطِل، وَالصَّحِيح والموضوع، وَلَا بَين الْأَنْوَار الربانية المحمدية، والظلمات الشيطانية.
وَالدُّعَاء الَّذِي فِي آخر الْمَصَاحِف لَا يجوز التَّعَبُّد بِهِ قطعا، بل هُوَ مَذْمُوم وممنوع شرعا، لِأَنَّهُ مخترع وَلَيْسَ مأثوراً، بل كُله بدع ضلالات، وتوسلات مَوْضُوعَات، فَلَا تحل قِرَاءَته، بل وَلَا كِتَابَته فِي آخر الْمَصَاحِف، وَالْقُرْآن وَالسّنة كافيان شافيان، قَالَ الله تَعَالَى مسفها وعائبا أَحْلَام من لم يكتفوا بِكِتَاب الله ﴿أَو لم يَكفهمْ أَنا أنزلنَا عَلَيْك الْكتاب يُتْلَى عَلَيْهِم إِن فِي ذَلِك لرحمة وذكرى لقوم يُؤمنُونَ﴾ ، وَفِي الحَدِيث " كفى بِقوم ضَلَالَة أَن يتبعوا كتابا غير كتاب نَبِيّهم أنزل على نَبِي غير نَبِيّهم " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مراسيله.
فَكيف بكم وَقد أَصبَحت جلّ عباداتكم لَا هِيَ عَن نَبِي من أَنْبيَاء الله الْمُتَقَدِّمين، وَلَا هِيَ عَن نَبِيكُم مُحَمَّد [ ﷺ ] وَلَا عَن أَصْحَابه، بل أوحى بهَا الشَّيْطَان على بعض المتعالمين؟ فحذار من التَّعَبُّد بِمَا لم ينزل على نَبِيكُم وَلَا فعله أَصْحَاب نَبِيكُم، إِذا المتعبد بِهِ بدعي، جَاهِل غبي.
وَقِرَاءَة الختمات الَّتِي يعملونها للأمرات ويجتمع لَهَا الْقُرَّاء ويفرقون على بَعضهم أَجزَاء الرَّابِعَة - الْمُصحف - ثمَّ يستفتحون الْقِرَاءَة ويختمونها جَمِيعًا فِي سَاعَة ثمَّ يهْدُونَ ثَوَاب مَا قرأوه للمتوفى، بِدعَة ضَلَالَة فاعلها فِي غَايَة الْجَهَالَة، وَلَو عاشوا عمر نوح يبحثون فِي الشَّرِيعَة الغراء على دَلِيل يدل على ذَلِك لما وجدوه، وَهَؤُلَاء لَو أَن الدَّاعِي لَهُم أخرج لَهُم الْغَدَاء أَو الْعشَاء قَلِيلا، أَو أَعْطَاهُم قروشاً قَليلَة، لفضحوه وسبوه ولعنوه لعناً كَبِيرا. فنعوذ بِاللَّه من الْجَهْل والشقاء والخيبة.
والقارئ - الفقي - الرَّاتِب فِي الْبيُوت دَائِما وَفِي رَمَضَان بِدعَة، ودخولهم على النِّسَاء حَال غياب الرِّجَال مفْسدَة ودياثه " وشحذ الْقُرَّاء " بِالْقُرْآنِ فِي
стр. 214
الشوارع والطرقات، ضلال كَبِير، وَشر خطير، وَلَو استغنوا بِتِجَارَة أَو صناعَة لأغناهم الله قطعا ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ مخرجا وَيَرْزقهُ من حَيْثُ لَا يحْتَسب وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه﴾ ، ﴿وَمن يتق الله يَجْعَل لَهُ من أمره يسرا﴾ وَفِي الحَدِيث عَنهُ [ ﷺ ] قَالَ: " لَو أَنكُمْ توكلون على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تغدوا خماصاً وَتَروح بطاناً " رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم عَن عمر بِسَنَد صَحِيح كَمَا فِي الْجَامِع. فَاتَّقُوا الله أَيهَا الْقُرَّاء وتوكلوا على الله وتحرفوا لدنياكم " فَإِن الله يحب العَبْد الْمُؤمن المحترف واعرفوا ربكُم وادعوه، فَإِنَّكُم لَو عَرَفْتُمْ الله حق مَعْرفَته لزالت لدعائكم الْجبَال " وذكرهما فِي الْجَامِع.
وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة زِيَادَة فِي شرف النَّبِي [ ﷺ ] بِدعَة لَا أصل لَهَا، وَقد قَالَ تَعَالَى: ﴿صلوا عَلَيْهِ وسلموا تسلميا﴾ وَلم يقل: اقْرَءُوا عَلَيْهِ، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة بنية قَضَاء الْحَاجَات وتفريج الكربات، وهلاك الْأَعْدَاء، بِدعَة لم يَأْذَن بهَا الدّين، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة بالسماح كَمَا يَفْعَله الْفُقَرَاء بِدعَة، وَقِرَاءَة الْفَاتِحَة عِنْد شَرط خطْبَة الزواج واعتقادهم أَن قرَاءَتهَا عهد لَا ينْقض، أَو أَنَّهَا بأَرْبعَة وَأَرْبَعين يَمِينا " بِدعَة، واعتقاد فَاسد وَجَهل.
وَقِرَاءَة سُورَة الْفِيل إِلَى ﴿كعصف مَأْكُول﴾ ، ثمَّ تَكْرِير " كعصف " مَرَّات لأجل إسكات الْكلاب عَن النباح، واعتقادهم أَنَّهَا تمنع الْكَلْب عَن عض الْإِنْسَان، وَأَنه إِذا قَرَأَ لَفْظَة " مَأْكُول " عضه الْكَلْب. هَذَا هُوَ كَلَام واعتقاد من لَا عقل لَهُ وَلَا دين.
والمسبعات: الْفَاتِحَة، والمعوذتان " وَالْإِخْلَاص، والكافرون سبعا سبعا بدعه، لم يرد فِيهَا وَلَا حَدِيث ضَعِيف، وَلم يتعبد بهَا الرَّسُول [ ﷺ ] ، وَلَا أحد من خلفائه، وَلَا أَصْحَابه، فَمَا هِيَ إِلَّا مَنَام رَآهُ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ، وَلَيْسَت المنامات شَرِيعَة يتعبد بهَا.
стр. 215
والفائدة الَّتِي يعملونها لجلب الرزق، وَيَصُومُونَ عَن أكل كل ذِي روح أَيَّامًا، ويحتجبون عَن النَّاس فِي الْخلْوَة فِي مَكَان مظلم، ويكررون عقب كل صَلَاة مئات المرات آيَة: ﴿وذللناها لَهُم فَمِنْهَا ركوبهم وَمِنْهَا يَأْكُلُون﴾ هِيَ بَاطِلَة قطعا، وَلَا تعود على صَاحبهَا بِأَدْنَى فَائِدَة، بل بالخيبة الدائمة. وَالَّذِي يجلب الرزق حَقًا، وَيفتح لَك بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض، إِنَّمَا هُوَ تقوى الله: قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا وَاتَّقوا لفتحنا عَلَيْهِم بَرَكَات من السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ .
وَقَوْلهمْ: كَانَ السُّيُوطِيّ، إِذا أَرَادَ أَن يُفَسر الْقُرْآن، خرج إِلَى الْجَبَل ففسره هُنَاكَ خوفًا من الْخَطَأ فِي التَّفْسِير، فَإِنَّهُ ينزل الْغَضَب على أهل الْبَلَد، كَلَام بَاطِل لَا أصل لَهُ الْبَتَّةَ، وَمَا ألْقى هَذَا بَين النَّاس إِلَّا الشَّيْطَان، ليصدهم بِهِ عَن سَبِيل الله، وَقد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد يسرنَا الْقُرْآن للذّكر فَهَل من مدكر﴾ ، أَي متذكر ومتعظ بِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كتاب فصلت آيَاته قُرْآنًا عَرَبيا لقوم يعلمُونَ بشيرا وَنَذِيرا فَأَعْرض أَكْثَرهم فهم لَا يسمعُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿كتاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْك مبارك ليدبروا آيَاته وليتذكر أولُوا الْأَلْبَاب﴾ .
وَلِهَذَا الْجَهْل الفاشي بَينهم ترى النَّاس جَمِيعًا، حَتَّى حَملَة الْقُرْآن يتحامون عَن التَّكَلُّم فِي معنى آيَة من كتاب الله، وَإِن كَانَ أحدهم حَافِظًا لمعناها، وَإِن كَانَ سمع تَفْسِيرهَا عشْرين مرّة، وَإِن كَانَ قَرَأَهَا فِي التَّفْسِير مائَة مرّة، فتراهم يتناهون بحدة وَشدَّة، يَقُولُونَ: ارْجع ارْجع أحسن تنزل علينا الْغَضَب، مَالك وَمَا للتفسير خلى التَّفْسِير لأَصْحَابه يَا عَم.
وَمن هُنَا عَم فِينَا الْجَهْل وطم، وَسَاءَتْ أَخْلَاقنَا، وسفهت أَحْلَامنَا، وقست قُلُوبنَا ﴿فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ وَعصى الله وَرَسُوله جهاراً، وبعدنا عَن كل فَضِيلَة، ووقعنا فِي كل رذيلة، حَتَّى صرنا أذلّ وأحقر الْأُمَم بعد أَن كَانَت الْعِزَّة وَالسُّلْطَان لنا، وكل هَذَا بِسَبَب هجرنا وبعدنا عَن تعاليم الْقُرْآن السامية
следующие страницы →