Полный текст (308 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
وَمن سنته [ ﷺ ] وَآله وَسلم الَّتِي قَالَ فِيهَا:
(عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
(كل بِدعَة ضَلَالَة) . والتقليد بِدعَة لَا يُخَالف فِي ذَلِك مُخَالف، وَلَا يشك فِيهِ شَاك. فِيمَا أَيهَا الْمُقَلّد انْزعْ عَن غوايتك، واخرج عَن ضلالتك وخلِّص نَفسك من بدعتك. ودع عَنْك التَّعَلُّق بِمَا لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع.
(فَهَذَا الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء ... وَدعنِي من بُنَيَّاتِ الطَّرِيق)
(فَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع)
فَهَكَذَا نقُول فِي حَدِيث " اقتدوا بالذين بعدِي أَبُو بكر وَعمر ". وَحَدِيث " رضيت لأمتي مَا رضى لَهَا ابْن أم عبد " وَحَدِيث: " إِن أَبَا عُبَيْدَة ابْن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة " وَنَحْو ذَلِك من الْأَحَادِيث.
فَالْمُرَاد الِاقْتِدَاء بِمن أمرنَا بالاقتداء بِهِ فِي أَقْوَاله وأفعاله الْوَارِدَة على الشَّرِيعَة المطهرة، وَكَذَلِكَ الرضى بمارضيه ابْن مَسْعُود من الْأَفْعَال والأقوال الْوَارِدَة على مَا توجبه الشَّرِيعَة المطهرة.
стр. 107
وَكَذَلِكَ كَون أبي عُبَيْدَة بن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة هُوَ لما اختصه الله سُبْحَانَهُ بِهِ من عظم الْأَمَانَة على الْأُمُور الَّتِي من أعظمها هَذَا الدّين القويم والشريعة الْمُبَارَكَة.
الْمَطْلُوب من مقلد وَمن عوام الْمُسلمين:
وَقد عرفت مَا قدمْنَاهُ من أَنا لَا نكلف الْمُقَلّد أَن يعرف نُصُوص الشَّرِيعَة حَتَّى يَقُول: لَا أقدر على ذَلِك وَلَا أستطيعه، بل قُلْنَا لَهُ دع هَذِه الْبِدْعَة الْحَادِثَة، وَكن كَمَا كَانَ المقصرون من الصَّحَابَة [وَالتَّابِعِينَ] الَّذين اشتغلوا عَن حفظ الْعلم، وَالْبُلُوغ إِلَى غَايَته بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، من جِهَاد أَو عبَادَة. وَلَك بهم أُسْوَة وَفِيهِمْ لَك قدوة، فاسأل أهل الْعلم كَمَا أَمرك الله بسؤالهم بقوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾
واطلب مِنْهُم أَن يرووا لَك مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة فِي الْحَادِثَة الَّتِي احتجت إِلَى السُّؤَال عَنْهَا من عبَادَة أَو مُعَاملَة.
وكل عَالم يعلم وَإِن قلَّ علمه - أَنه لم يكن فيهم أحد منتسبا إِلَى أحد من كبار الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يروون للنَّاس الْعلم ويفتونهم بِهِ، كَمَا ينْسب بعد حُدُوث الْمذَاهب كل مقلد إِلَى من قَلّدهُ، بل كَانَ السَّائِل مِنْهُم يسْأَل من يلقاه من المشتهرين بِالْعلمِ مِنْهُم على كَيفَ مَا يتَّفق لَهُ وَيَأْخُذ مَا يرويهِ لَهُ، ويفتيه بِهِ، وَقد قدمنَا الْإِشَارَة إِلَى هَذَا.
стр. 108
الِاجْتِهَاد ووحدة الْأَحْكَام:
وَيَنْبَغِي أَن يعلم كل من لَهُ فهم أَن دين الله وَاحِد، وَأَن مَا أحله فَهُوَ حَلَال لَا يتَغَيَّر عَن صفته، وَمَا حرمه فَهُوَ حرَام لَا يتَغَيَّر.
وَإِذا قَالَ قَائِل من أهل الْعلم فِيمَا قد أحله بكتابه أَو بِسنة رَسُوله أَنه حرَام فَهُوَ مُخطئ مُخَالف لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ. وَإِذا قَالَ قَائِل من أهل الْعلم فِيمَا قد حرمه الله سُبْحَانَهُ: أَنه حَلَال، فَهُوَ مُخطئ آثم مُخَالف لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ. وَلَكِن هَذَا الْقَائِل الَّذِي قَالَ بِخِلَاف مَا تقرر فِي الشَّرِيعَة، إِن كَانَ أَهلا للِاجْتِهَاد وَقد بحث كُلية الْبَحْث فَلم يجد فَهُوَ مُخطئ مأجور كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قدمنَا ذكره أَن للمجتهد مَعَ الْإِصَابَة أَجْرَيْنِ، وللمجتهد مَعَ الْخَطَأ أجرا، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ مُتلقى بِالْقبُولِ.
وَإِن كَانَ غير أهل للِاجْتِهَاد، أَو لم يبْحَث كَمَا يجب عَلَيْهِ فَهُوَ مجازف فِي دين الله آثم بمخالفته لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ.
فَمن قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب [إِن] أَرَادَ أَنه مُصِيب للحق فقد غلط غَلطا بَينا، فَإِنَّهُ جعل حكم الله سُبْحَانَهُ متناقضا متخالفا، لِأَنَّهُ إِذا قَالَ قَائِل هَذَا حرَام، وَقَالَ آخر هَذَا حَلَال، كَانَ حكم الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الْعين عِنْده أَنَّهَا حَلَال حرَام. وَهَذَا بَاطِل من القَوْل، وزائف من الرَّأْي، وفاسد من النّظر، فَإِنَّهُ مَعَ كَونه بَاطِلا فِي نَفسه يتنزه الله عَنهُ، هُوَ أَيْضا خلاف مَا عِنْد أهل الْعلم.
стр. 109
وَإِن أَرَادَ أَنه مُصِيب بِمَعْنى أَنه يسْتَحق أجرا على اجْتِهَاده وَإِن أَخطَأ، فَهَذَا معنى صَحِيح، وَلكنه إِطْلَاق لفظ يُخَالف مَا أطلقهُ عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم حَيْثُ قَالَ: وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُطلق لفظ الْمُصِيب عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لمن أطلق هَذَا اللَّفْظ إِرَادَة صَحِيحَة. بل يَنْبَغِي أَن يُقَال كَمَا قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من وَصفه بالْخَطَأ مَعَ اسْتِحْقَاق الْأجر. أَو يُقَال: إِنَّه مُخطئ مأجور.
وكما أَن هَذَا الْإِطْلَاق لَا يحسن لما فِيهِ من شبه الرَّد على رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَإِن كَانَ لَهُ إِرَادَة صَحِيحَة، كَذَلِك لَا يجوز أَن يُقَال فِي شَأْن هَذَا الْمُخطئ كَمَا يَقُوله بعض أهل الْأُصُول: إِنَّه مُخطئ آثم، فَإِن هَذَا قَول بِالْجَهْلِ، وَمُخَالفَة لرَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، فَإِنَّهُ أثبت لَهُ الْأجر وَهَذَا الْقَائِل أثبت لَهُ الْإِثْم.
وَأما قَول من قَالَ من أهل الْأُصُول: إِنَّه مُخطئ مُخَالف للأشبه عِنْد الله فَهُوَ قَول صَوَاب، لِأَنَّهُ مَعَ الْخَطَأ قد خَالف الْحق، إِذا كَانَ يُرِيد بالأشبه مَا هُوَ الْحق عِنْد الله.
وَإِن كَانَ يُرِيد غير هَذَا الْمَعْنى كَأَن يُرِيد بالأشبه الْأَقْرَب، فَهُوَ كَلَام غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لَا قرب لخلاف الْحق حَتَّى يكون الْحق أقرب مِنْهُ.
وعَلى كل حَال، فَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي مُخطئ الْحق مَا قَالَه رَسُول الله مُخطئ لَهُ أجر.
стр. 110
والبعيد كل [الْبعد] عَن الْحق قَول من قَالَ: إِن كل مُجْتَهد مُصِيب من الْإِصَابَة، وَإِن كل وَاحِد من الْعلمَاء قد أصَاب الْحق الَّذِي يُريدهُ الله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُم قد جعلُوا مُرَاد الله أمرا داثراً بَين اجتهادات الْمُجْتَهدين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَكل مُجْتَهد إِذا اجْتهد فَذَلِك الِاجْتِهَاد هُوَ مُرَاد الله من الْعباد، وَإِن خَالف اجْتِهَاد غَيره، وناقضه كَمَا تقدم.
منطق المقلدين هُوَ منطق السوفسطائيين:
وَمَا أشبه الْقَائِل بِهَذِهِ الْمقَالة بالفرقة الَّتِي يُقَال لَهَا الْفرْقَة بالسوفسطائية فَإِنَّهُم جَاءُوا بِمَا يُخَالف الْعقل فَلم يعْتد بأقوالهم أحد من عُلَمَاء الْمَعْقُول لِأَنَّهَا بالجنون أشبه مِنْهَا بِالْعقلِ.
وهم ثَلَاثَة فرق: عِنْدِيَّة ، وعِنَادية، والأَدَرية.
فالعندية: إِذا قيل لأَحَدهم أَنْت مَوْجُود، قَالَ للقائل: عنْدك لَا عِنْدِي.
والعنادية: إِذا قيل لأَحَدهم أَنْت مَوْجُود قَالَ: لَا، فَإِذا قيل لَهُ مَا هَذَا الشبح الَّذِي أرَاهُ وَالْكَلَام الَّذِي أسمعهُ مِنْهُ وَالْحرم الَّذِي ألمسه، قَالَ: لَا شَيْء وَلَا وجود لي.
стр. 111
وَأما الأدرية: فَإِذا قيل لأَحَدهم أَنْت مَوْجُود، قَالَ: لَا أَدْرِي.
وَقد صرح عُلَمَاء الْمَعْقُول أَن هَؤُلَاءِ لَا يسْتَحقُّونَ جَوَابا إِلَّا الضَّرْب لَهُم حَتَّى يعترفوا، لأَنهم لَا يقبلُونَ حجَّة، وَلَا يسمعُونَ برهاناً.
وَمن عَجِيب صنع المقلدة أَنهم يقبلُونَ مِمَّن ينتسب إِلَى مَذْهَبهم التَّرْجِيح بَين الرِّوَايَتَيْنِ لإمامهم، وَإِن كَانَ ذَلِك الْمرجع مُقَلدًا غير مُجْتَهد، وَلَا قريب من رُتْبَة الْمُجْتَهد.
وَلَو جَاءَ من هُوَ كإمامهم أَو فَوقِي إمَامهمْ وَأخْبرهمْ عَن الرَّاجِح من ذَيْنك الْقَوْلَيْنِ لم يتلتفتوا [إِلَيْهِ] ، وَلَا قبلوا قَوْله وَلَو عضد ذَلِك بِالْآيَاتِ المحكمة وَالْأَحَادِيث المتواترة، بل يقبلُونَ من موافقيهم مُجَرّد التَّخْرِيج على مَذْهَب إمَامهمْ، وَالْقِيَاس على مَا ذهب إِلَيْهِ ويجعلونه دينا وَيحلونَ بِهِ ويحرمون. فيالله وللمسلمين مَعَ علم كل عَاقل أَن الرب وَاحِد، وَالنَّبِيّ وَاحِد، وَالْأمة وَاحِدَة وَالْكتاب وَاحِد ﴿﴾ .
وَبِالْجُمْلَةِ فَكل من يعقل لَا يخفى عَلَيْهِ أَن هَذِه الْمذَاهب قد صَار كل وَاحِد مِنْهَا كالشريعة عِنْد أَهله يذودون عَنهُ كتاب الله وَسنة رَسُوله، ويجعلونه جِسْرًا يدْفَعُونَ بِهِ كل مَا يُخَالِفهُ كَائِنا مَا كَانَ.
سد بَاب الِاجْتِهَاد وَنسخ للشريعة
وَالْعجب أَن هَؤُلَاءِ مكاسير المقلدة لم يقفوا حَيْثُ أوقفهم الله من الْقُصُور وَعدم الْعلم النافع، فَقَامُوا على أهل الْعلم قومة جَاهِلِيَّة. وَقَالُوا: بَاب الِاجْتِهَاد قد انسد وَطَرِيق الْكتاب وَالسّنة قد رُدِمَت.
стр. 112
وَهَذِه الْمقَالة من هَؤُلَاءِ الْجُهَّال تَتَضَمَّن نسخ الشَّرِيعَة وَذَهَاب رسمها وَبَقَاء مُجَرّد إسمها وَأَنه لَا كتاب وَلَا سنة لِأَن الْعلمَاء العارفين بهما إِذا لم يبْق لَهُم سَبِيل على الْبَيَان الَّذِي أَمر الله سُبْحَانَهُ عباده بِهِ بقوله: ﴿وَإِذا أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ . وَبِقَوْلِهِ: ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزلنَا إِلَى قَوْله: أُولَئِكَ يلعنهم الله﴾ .
فقد انْقَطَعت أَحْكَام الْكتاب وَالسّنة، وَارْتَفَعت من بَين الْعباد، وَلم يبْق إِلَّا مُجَرّد تِلَاوَة الْقُرْآن ودرس كتب السّنة، وَلَا سَبِيل إِلَى التَّعَبُّد بِشَيْء مِمَّا فيهمَا.
وَمن زعم عِنْد هَؤُلَاءِ الجهلة أَنه يقْضِي أَو يُفْتِي بِمَا فيهمَا أَو يعْمل لنَفسِهِ بِشَيْء مِمَّا اشتملا عَلَيْهِ فدعواه بَاطِلَة وَكَلَامه مَرْدُود.
فَانْظُر إِلَى هَذِه الفاقرة الْعُظْمَى والداهية الدهياء والجهالة الجهلاء والبدعة العمياء الصماء ﴿﴾ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم.
وَإِن زَعَمُوا أَن هَذَا الصَّنِيع مِنْهُم لَيْسَ هُوَ بِمَعْنى مَا ذكرنَا من نسخ الْكتاب وَالسّنة وَرفع التَّعَبُّد بهما فَقل لَهُم فَمَا بَقِي بعد قَوْلكُم هَذَا؟﴾ فَإِنَّكُم قد قُلْتُمْ لَيْسَ للنَّاس إِلَّا التَّقْلِيد، وَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى غَيره، وَأَن الِاجْتِهَاد قد انسد بَابه وَبَطلَت دَعْوَى من يَدعِيهِ، وَامْتنع فضل الله على عباده، وانقطعت حجَّته ﴿﴾ ! .
وَهَذَا مَعَ كَونه من الْإِفْك الْبَين قد اخْتلفت فِيهِ أنظار هَؤُلَاءِ المقلدة اخْتِلَافا كثيرا، فَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم لَيْسَ لأحد أَن يجْتَهد (بعد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف
стр. 113
وَزفر بن الْهُذيْل وَمُحَمّد بن الْحسن الشَّيْبَانِيّ، وَالْحسن بن زِيَاد اللؤْلُؤِي، وَإِلَى هَذَا ذهب غَالب المقلدة من الْحَنَفِيَّة، وَقَالَ بكر بن الْعَلَاء الْقشيرِي الْمَالِكِي: لَيْسَ لأحد أَن يجْتَهد) بعد الْمِائَتَيْنِ من الْهِجْرَة.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لأحد أَن يجْتَهد بعد الْأَوْزَاعِيّ وسُفْيَان الثَّوْريّ ووكيع ابْن الْجراح وَعبد الله بن الْمُبَارك.
وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ لأحد أَن يجْتَهد بعد الشَّافِعِي.
وَقد ذكرنَا بعض هَذَا الْبَاطِل الْبَين، والإفك الصَّرِيح فِي رسالتنا الَّتِي سميناها (القَوْل الْمُفِيد فِي حكم التَّقْلِيد) .
وَهَؤُلَاء وَإِن كَانُوا خَارِجين عَن زمرة الْعلمَاء بِالْإِجْمَاع حَسْبَمَا نَقَلْنَاهُ فِيمَا تقدم؛ وَلَيْسوا مِمَّا يسْتَحق الِاشْتِغَال بِمَا قَالَه، وَتَطْوِيل الْكَلَام فِي الرَّد عَلَيْهِ لأَنهم فِي عداد أهل الْجَهْل لَا يرتفعون عَن طبقتهم بِمُجَرَّد حفظهم لرأي من قلدوه، لكِنهمْ لما طبقت بدعتهم أقطار الأَرْض وصاروا هم السوَاد الْأَعْظَم، وَكَانَ غَالب الْقُضَاة والمفتين مِنْهُم وَكَذَلِكَ سَائِر أهل المناصب، فَإِنَّهُم مشاركون لَهُم فِي الْجَهْل بِمَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ، صَارُوا أهل الشَّوْكَة والصولة، وَلَيْسَ للعامة بَصِيرَة يعْرفُونَ بهَا أهل الْعلم وَأهل الْجَهْل ويميزون بَين مَنَازِلهمْ. وَغَايَة مَا عِنْدهم أَنهم ينظرُونَ إِلَى أهل المناصب وَإِلَى المتجملين بالثياب الرفيعة. فَإِن دققوا النّظر نظرُوا إِلَى المدرسين فِي الْعلم. وهم عِنْد هَذَا النّظر يرَوْنَ شيخ علم الرَّأْي قد اجْتمع عَلَيْهِ الْجمع الجم من المقلدة وَلَهُم صُرَاخ وعويل وجلبة وَقد استغرقوا، هم
стр. 114
وشيوخهم الْمدَارِس والجوامع وَلَا يرَوْنَ لشيخ علم الْكتاب وَالسّنة أثرا وَلَا خَبرا، فَإِن درس شيخ من شيوخهم فِي مدرسة أَو جَامع فَهُوَ فِي [زَاوِيَة] من زواياه يقْعد بَين يَدَيْهِ الرجل وَالرجلَانِ وهم فِي سكينَة ووقار لَا يلْتَفت إِلَيْهِم ملتفت، وَلَا يتطلع لأمرهم متطلع. فَمَاذَا [يرى] الْعَاميّ عِنْد هَذَا النّظر مَا ذَاك يخْطر بِبَالِهِ؟ ويغلب على ظَنّه؟ وَإِلَى من يمِيل، وَلمن يحكم بِالْعلمِ؟ وعَلى من يلقى مقاليد مَا ينوبه من أَمر دينه ودنياه؟ فلهذه النُّكْتَة احتجنا إِلَى هَذَا الْكَلَام فِي هَذَا الْمُؤلف وَغَيره من مؤلفاتنا. وَإِلَّا فهم أقل وأحقر من أَن يشْتَغل بشأنهم أَو يعبأ بِمَا يصدر منعم من الْجَهْل المكشوف، وَالَّذِي لَا يكَاد يلتبس على من لَدَيْهِ أدنى علم وَأَقل تَمْيِيز.
جِهَاد الشَّوْكَانِيّ للمقلدين
وَلَقَد كَانَ لي مَعَ هَؤُلَاءِ فِي أَيَّام الِاشْتِغَال بالدرس والتدريس وعنفوان الشَّبَاب، وحدة الحداثة قلاقل وزلازل جمعت فِيهَا رسائل وَقلت فِيهَا قصائد.
فَمن جملَة مَا خاطبتهم بِهِ مَا قلته من قصيدة:
(يَا ناقداً لمقال لَيْسَ يفهمهُ ... من لَيْسَ يفهم قل لي كَيفَ تنتقد)
(يَا صاعدا فِي وعور ضَاقَ مَسْلَكُها ... أيصعد الوعر من فِي السهل يرتعد؟)
(يَا مَاشِيا فِي فلاة لَا أنيس بهَا ... كَيفَ السَّبِيل إِذا مَا اغتالك الْأسد؟)
(يَا خائض الْبَحْر لَا يدْرِي سباحته ... وبلى عَلَيْك أتنجوا إِن علا الزَّبَدُ؟)
وَمِنْهَا:
(إِنِّي بُليت بِأَهْل الْجَهْل فِي زمن ... قَامُوا بِهِ وَرِجَال الْعلم قد تعدوا)
стр. 115
(قوم يدق جليل القَوْل عِنْدهم ... فمالهم طَاقَة فِي حل مَا يرد)
(وَغَايَة الْأَمر عِنْد الْقَوْم أَنهم ... أعدى العداة لمن فِي علمه سدد)
(إِذا رَأَوْا رجلا قد نَالَ مرتبَة ... فِي الْعلم دون الَّذِي يدرونه جَحَدُوا)
(أَو مَال عَن زائف الْأَقْوَال مَا تركُوا ... بَابا من الشَّرّ إِلَّا نَحوه قصدُوا)
(أما الحَدِيث الَّذِي قد صَحَّ مخرجه ... كالأمهات فَمَا فيهم لَهَا ولد)
(تراهم إِن رَأَوْا من قَالَ حَدثنَا ... قَالُوا لَهُ ناصِبِيِّ مَاله رشد)
(وَإِن ترْضى على الْأَصْحَاب بَينهم ... قَالُوا لَهُ باغض للآل مُجْتَهد)
(يَا غارقين بشؤم الْجَهْل فِي بدع ... ونافرين عَن الْهدى القويم هُدُوا)
(مَا بِاجْتِهَاد فَتى فِي الْعلم منقصة ... النَّقْص فِي الْجَهْل لَا حياكم الصَّمد)
(لَا تنكروا مورداً عذباُ لشاربه ... إِن كَانَ لَا بُد من إِنْكَاره فَردُّوا)
(وَإِن أَبَيْتُم فَيوم الْحَشْر موعدنا ... فِي موقف الْمُصْطَفى وَالْحَاكِم الْأَحَد)
وَمِمَّا قلته فِي ذَلِك:
(على عصر الشبيبة كل حِين ... سَلام مَا تقهقهت الرعود)
(ويسقيه من السحب السَّوَارِي ... ملث دَائِم التسكاب جود)
(زمَان خضت فِيهِ بِكُل فن ... وسدت مَعَ الحداثة من يسود)
(وعدت على الَّذِي حصلت مِنْهُ ... فجدت بِهِ وغيري لَا يجود)
стр. 116
(وعاداني على هَذَا أُناس ... وأظلم من يعاديك الحسود)
(رأوني لَا أدين بدين قوم ... يرَوْنَ الْحق مَا قَالَ الجدود)
(ويطرحون قَول الطُّهْر طه ... وكل مِنْهُم عَنهُ شرود)
(فَقَالُوا قد أَتَى فِينَا فلَان ... بمعضلة وفاقرة تؤود)
(يَقُول الْحق قُرْآن وَقَول ... لخير الرُّسُل لَا قَول ولود)
(فَقلت كَذَا أَقُول وكل قَول ... عدا هذَيْن تطرقه الردود)
(وَهَذَا مَهْيَعُ الْأَعْلَام قبلي ... وَكلهمْ لمورده وَرود)
(إِذا جحد امْرُؤ فضلى ونبلى ... فَقدما كَانَ فِي النَّاس الْجُحُود)
(وكل فَتى إِذا مَا حَاز علما ... وَكَانَ لَهُ بمدرجة صعُود)
(وراض جوامحاً من كل فن ... وَصَارَ لكل شاردة يَقُود)
(رَمَاه القاصرون بِكُل عيب ... وَقَامَ لحربه مِنْهُم جنود)
(وعادوا خائبين وكل كيد ... لَهُم فعلى نُفُوسهم يعود)
(وراموا وضع رتبته فَكَانُوا ... على الشّرف الرفيع هم الشُّهُود)
(إِذا مَا الله قدر نشر فضل ... لإِنْسَان يتاح لَهُ حسود)
(وَمن كثرت فضائله يعادي ... وَيكثر فِي مناقبه الْجُحُود)
(إِذا مَا غَابَ يلمزه أنَاس ... وهم عِنْد الْحُضُور لَهُ سُجُود)
(وَلَيْسَ يضر نبح الْكَلْب بَدْرًا ... وَلَيْسَ تخَاف من حمر أسود)
стр. 117
(وَمَا الشم الشوامخ عِنْد ريح ... تمر على جوانبها تمود)
(وَلَا الْبَحْر الخضم يعاب يَوْمًا ... إِذا بَالَتْ بجانبه القرو)
وَمِمَّا قلته من قصيدة طَوِيلَة:
(لَا عيب لي غير أَنِّي فِي دِيَاركُمْ ... شمس وَلم يعرفوا مِنْهَا سوى الشهب)
(وَأَنْتُم كخفافيش الظلام وَمَا ... زَالَ الخفاش بِنور الشَّمْس فِي تَعب)
(موتوا إِذا شِئْتُم قد طَار من كلمي ... فِي نصْرَة الْحق مَا حررت فِي الْكتب)
(وأرتجي أَن يُلَبِّي دَعْوَتِي نفر ... يسعون للدّين لَا يسعون للنشب)
(لَا يعدلُونَ بقول الله قَول فَتى ... وَلَا بِسنة خير الرُّسُل رَأْي غبي)
(لَا ينثنون عَن الْهدى القويم وَلَا ... يصانعون لترغيب وَلَا رهب)
(أبث مَا بَينهم من مذهبي درراً ... حَجَبتهَا عَن ذَوي التَّقْلِيد والريب)
(يَا فرقة ضيعت أعلامها سفها ... وصيرت رَأس أهل الْعلم كالذنب)
(مَا قَامَ رب عُلُوم فِي دِيَاركُمْ ... إِلَّا وجرعته أكؤس الكرب)
(من قَالَ: قَالَ رَسُول الله بَيْنكُم ... غَدا بذا عنْدكُمْ من جملَة النَّصَب)
وَمِنْهَا:
(عاديتم السّنة الغرا فَكَانَ بذا ... دَعْوَى خصومكم مَوْصُولَة السَّبَب)
(كم ظن ذُو حمق فِي الضّر مَنْفَعَة
(وظل) يَرْجُو نجاحاً من يَد العطب)
(سودتم جيل جهل بالعلوم وَذَا ... رَأْي يجر بذيل الويل وَالْحَرب)
(وَالِاجْتِهَاد غَدا فِي كتب فقهكم ... شَرط الإِمَام فَإِن يعدوه لم يجب)
(وَشرط حمال أعباء الْقَضَاء مَعَ ... الْإِفْتَاء فَلم تعرفوا مَا خطّ فِي الْكتب)
стр. 118
وَمِنْهَا:
(وإنني حزت أَضْعَاف الَّذِي شرطُوا ... قبل الثَّلَاثِينَ من عمري بِلَا كذب)
(ألم أضمخ أرجاء الْجَوَامِع بالتدريس ... فِي كل فن معشر الطّلب)
(ألم أصنف فِي عصر الشبيبة مَا ... يَغْدُو لَهُ مُحكم الْعرْفَان فِي طرب)
(لَو كَانَ مطلع شمس غير أَرْضكُم ... مَا حَال دون سناها عَارض السحب)
(وَلَا غَدَتْ لعشا الناظرين لَهَا ... كَأَنَّهَا طلعت فِي مظلم الْحجب)
وَمِمَّا قلته من قصيدة طَوِيلَة:
(وَمَا سد بَاب الْحق عَن طَالب الْهدى ... وَلَكِن عين الأرمد الفدم سدت)
(رجال كأمثال الخفافيش ضوءها ... يلوح لَدَى الظلماء وتعمى بِضَحْوَةٍ)
(وَهل ينقص الْحَسْنَاء فقدان رَغْبَة ... إِلَى حسنها مِمَّن أُصِيب بعنة)
(وَهل حط قدر الْبَدْر عِنْد طلوعه ... إِذا مَا كلاب أنكرته فهرت)
(وَمَا إِن يضر الْبَحْر أَن قَامَ أَحمَق ... على شطه يَرْمِي إِلَيْهِ بصخرة)
(فخفض فِي غمار الِاجْتِهَاد وعد عَن ... رجال سلت عَن سناء بفرية)
وَمِنْهَا:
(وَإِن كنت شهماً ناقداً متبصراً ... فدع مَا بِهِ عين من الْعَمى قرت)
(فَمَا جَاءَنَا نقل بقصر وَلَا أَتَى ... بذلك حكم للعقول الصَّحِيحَة)
(وَمَا فاض من فضل الْإِلَه على الأولى ... مضوا فَهُوَ فياض عَلَيْك بحكمة)
(وَلَا تَكُ مطواعا ذلولا لرايض ... تصير بِهَذَا مشبها للبهيمة)
وَمَا قلته من الْأَشْعَار الْجَارِيَة فِي هَذَا الْمِضْمَار فَهُوَ كثير جدا يحْتَاج إِلَى مؤلف مُسْتَقل.
стр. 119
وَقد حكيت بعض مَا وَقع لي مَعَ هَؤُلَاءِ المقلدة فِي الْكتاب الَّذِي سميته (أدب الطّلب ومنتهى الأرب) . وكيدهم العتيد وحسدهم الشَّديد مُسْتَمر إِلَى الْآن وَالله نَاصِر دينه، وَرَافِع أَعْلَام شَرِيعَته، وكابت من رام أَهلهَا، أَو رام الحاملين لَهَا بكيد ومكر. وَلَا يَحِيق الْمَكْر السيء إِلَّا بأَهْله. ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ . ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ . ﴿يَا أَيهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ على أَنفسكُم﴾ . ﴿الَّذين قَالَ لَهُم النَّاس إِن النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وَقَالُوا حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل فانقلبوا بِنِعْمَة من الله وَفضل لم يمسسهم سوء﴾ .
وَمَا أصدق هَذِه المواعيد الَّتِي وعد الله بهَا عباده، وَأبين حُصُولهَا وَأظْهر وُقُوعهَا وَهُوَ صَادِق الْوَعْد فَللَّه الْحَمد [فَإِنَّهُ] مَا قَامَ قَائِم فِي مُعَارضَة المحقين إِلَّا وكبه الله على منخره، وحاق بِهِ مكره وَعَاد على نَفسه خداعه وأحاط بِهِ بغيه. وَكم قد رَأينَا من هَذَا وَسَمعنَا فِي عصرنا ومعنا وَفينَا، فَكَانَت الْعَاقِبَة لِلْمُتقين، كَمَا وعد بِهِ رب الْعَالمين وَالْحَمْد لله.
стр. 120
من أخطار التَّقْلِيد والمقلدين:
وكما أَن قَول هَذِه المقلدة الَّذين ردموا بَاب الِاجْتِهَاد وسدوا طرقه قد استلزم رفع الْكتاب وَالسّنة والتعبد بغَيْرهَا، فَكَذَلِك استلزم رد مَا صَحَّ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
" من أَنَّهَا لَا تزَال طَائِفَة من هَذِه الْأمة على الْحق ظَاهِرين ". وَكَذَلِكَ استلزم رد مَا صَحَّ أَنه لَا يزَال فِي هَذِه الْأمة قَائِم بِحجَّة الله، وَكَذَلِكَ استلزم رد مَا ورد " من أَن الله سُبْحَانَهُ يبْعَث لهَذِهِ الْأمة فِي رَأس كل مائَة سنة من يجدد لَهَا دينهَا ".
وجود الِاجْتِهَاد فِي الْمذَاهب حجَّة على المقلدين:
وَمَعَ هَذَا فَكل طَائِفَة من طوائف الْمذَاهب الَّذين كدر مشارب مذاهبهم وجود هَؤُلَاءِ المقلدة الَّذين لَا يعْقلُونَ حجَّة، وَلَا يعْرفُونَ برهاناً، وَلَا يفهمون من الْعلم إِلَّا مُجَرّد صور وقفُوا عَلَيْهَا فِي مختصرات المفرعين، قد جعل الله سُبْحَانَهُ فيهم من الْعلمَاء المبرزين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة وَبِمَا هُوَ كالمقدمة لَهما من الْعُلُوم الآلية وَغَيرهَا، عددا جماً كَمَا يعرف ذَلِك من يعرف أَخْبَار النَّاس ويدري بأحوال الْعَالم، وَفِيهِمْ من كمل الله سُبْحَانَهُ لَهُم عُلُوم الِاجْتِهَاد وفوقها، وَلَكنهُمْ امتحنوا بهؤلاء الصم الْبكم من المعاصرين لَهُم من مقلدة الْمذَاهب الَّذين اشْتَركُوا فِيهِ بِمُجَرَّد الانتماء إِلَيْهِ فغلبوهم على أنفسهم وصانعوهم وداروهم لما يخشونه من معرتهم ويتوقعونه من إغراء الْعَامَّة بهم.
فَمنهمْ من كتم اجْتِهَاد نَفسه، وَلم يسْتَطع أَن ينْسب إِلَى نَفسه الِاجْتِهَاد
стр. 121
وَلَا تَظَهر بِمَا يدين بِهِ ويعتقده من تَقْدِيم مَا يعرفهُ من الْأَدِلَّة على مَا يُخَالِفهُ من الرَّأْي.
وَمِنْهُم من تظهر بعض التُّظَهَّر فلقي من متفقهة المقلدة من إغراء الْعَامَّة بِهِ مَا هُوَ مَعْرُوف لمن نظر فِي التواريخ الْعَامَّة، أَو الْخَاصَّة بِمذهب من الْمذَاهب وَطَائِفَة من الطوائف.
وَمن كَانَ لَا يعرف التَّارِيخ، وَلَا ينشط إِلَى الِاطِّلَاع على أَخْبَار الْعَالم وَتَحْقِيق أَحْوَال الطوائف فَلْينْظر إِلَى مثل مؤلفات ابْن عبد السَّلَام، وَابْن دَقِيق الْعِيد، وَابْن سَيِّد النَّاس، والذهبي، وزين الدّين
стр. 122
الْعِرَاقِيّ، وَابْن حجر الْعَسْقَلَانِي والسيوطي وأمثالهم من الشَّافِعِيَّة.
وَإِلَى مثل مؤلفات ابْن قدامَة وَمن فِي طبقته من المَقَادِسة وَمن بعدهمْ مثل تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية، وتلميذه ابْن الْقيم وأمثالهم من الْحَنَابِلَة.
وَمثل ابْن عبد البَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاض وَابْن الْعَرَبِيّ وأمثالهم من الْمَالِكِيَّة.
وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي كل مَذْهَب الْعدَد الْكثير غالبهم يذم التَّقْلِيد وينكر على أَهله وَلَكنهُمْ كَمَا عرفناك لَا يُصَرح مِنْهُم بذلك تَصْرِيحًا إِلَّا الْأَقَل لتِلْك الْعلَّة وغالبهم يلوح بن تَلْوِيحًا ويعرض بِهِ تعريضاً.
стр. 123
أهل الْيمن وَالِاجْتِهَاد:
وَأما قطرنا اليمني بَارك الله فِيهِ فغالب من توسع فِي الْعُلُوم وَأدْركَ من نَفسه ملكة الِاجْتِهَاد، الرُّجُوع إِلَى الدَّلِيل، وَيَرْمِي بالتقليد وَرَاء الْحَائِط ويلقى عَن عقنه قلادته.
عرفنَا هَذَا من شُيُوخنَا، وعرفوه من شيوخهم وعرفه الأول عَن الأول وعرفناه من أترابنا، والمرافقين لنا فِي الطّلب، بل غَالب الآخرين عَنَّا وهم الْعدَد الجم هم بِهَذِهِ الصّفة، وعَلى هَذِه الْخصْلَة المحمودة.
بل غَالب من كَانَ لَهُ إنصاف من الَّذين لم يكثر اشتغالهم بِالْعلمِ فِي دِيَارنَا هَذِه يصنع كَمَا كَانَ يصنع السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة، وتابعيهم، وَمن بعدهمْ من عدم التقيد بالتقليد، والتعويل على سُؤال الْعلمَاء بِالْكتاب وَالسّنة عَن الدَّلِيل الرَّاجِح فيعملون بِهِ ويقفون عِنْده، وَلَا يبالون بِمَا يُخَالِفهُ مِمَّا عَلَيْهِ المقلدة، وصاروا منتسبين إِلَى السّنة المطهرة غير منتمين إِلَى مَذْهَب من الْمذَاهب، فَأَصَابُوا أصَاب الله بهم، وضاعف أجرهم، وَصرف عَنْهُم معرة المقلدة أَتبَاع كل ناعق.
تعصب المقلدين أساسه الْجَهْل:
وَقد عرفناك أَن هَؤُلَاءِ المقلدة ذموا مَا لم يعرفوه، وعابوا مَا لم يدروا بِهِ، وَهَذَا أَمر يستقبحه كل عَاقل، ويزري بِصَاحِبِهِ كل فاهم، فَإِن من تعرض للْكَلَام فِيمَا لَا يعرفهُ فَهُوَ جَاهِل من جِهَتَيْنِ:
الْجِهَة الأولى: كَونه لَا يعرف ذَلِك الشَّيْء.
стр. 124
الْجِهَة الثَّانِيَة: كَونه تكلم فِيمَا لَا يعرفهُ كَمَا يَفْعَله أهل الْجَهْل الْمركب.
هَذَا على فرض أَنه لم يتَعَرَّض للقدح فِيهِ، وَلَا أوقعته نَفسه الأمارة فِي الطعْن على المتمسكين بِهِ، فَإِن فعل ذَلِك أَخطَأ من ثَلَاث جِهَات هَذِه الثَّالِثَة.
وَمَا أحسن مَا قَالَه الشَّاعِر:
(أَتَانَا أَن سهلا ذمّ جهلا ... علوما لَيْسَ يعرفهن سهل)
(علوما لَو دراها مَا قَلَاهَا ... وَلَكِن الرضى بِالْجَهْلِ سهل)
وَلَقَد صدق هَذَا الشَّاعِر فَإِن الْعلَّة الباعثة للجاهل على هَذَا الفضول هِيَ الرضى بِالْجَهْلِ، ويكفيه مَا رَضِي بِهِ لنَفسِهِ نقصا وعيباً وغباوة ومهانة.
وَاجِب الْعلمَاء وأولي الْأَمر نَحْو المقلدين:
وواجب على كل من لَهُ ولَايَة يَأْمر فِيهَا بِمَعْرُوف أَو ينْهَى عَن مُنكر أَن يَجْعَل نهي الْمُنكر الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ عنوان كل نهي يُنْهِي بِهِ عَن مُنكر، فَإِنَّهُم فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا يطعنون على كتاب الله وَسنة رَسُوله بِأَن مَا فيهمَا من الشَّرِيعَة قد صَار مَنْسُوخا، ويطعنون على عُلَمَاء الدّين من السّلف الصَّالح، وَمن مَشى على هديهم القويم، ويدفعون بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ضد للشريعة، مَا شَرعه الله لبعاده، وهم بِهَذِهِ الْمنزلَة من الْجَهْل الْبَسِيط أَو الْمركب.
فَهَل سَمِعت أذناك بمنكر مثل هَذَا الْمُنكر، وبلية فِي الدّين مثل هَذِه البلية ورزية فِي الْملَّة الإسلامية مثل هَذِه الرزية؟ ؟ فَإِن النّيل من عرض فَرد
стр. 125
من أَفْرَاد الْمُسلمين مُنكر لَا يُخَالف فِيهِ مُسلم إِذا كَانَ على طَرِيق الْغَيْبَة أَو الْبُهْتَان، أَو على طَرِيق الشتم مُوَاجهَة، ومكافحة.
فَكيف بِمن جَاءَ بِمَا هُوَ من أعظم الْبُهْتَان، وأقبح الشَّتيمة للشريعة المحمدية، وَالدّين الإسلامي، ولعلماء الْمُسلمين سابقهم ولاحقهم؟ ﴿. فيالله وللمسلمين يالله وللمسلمين يالله وللمسلمين؟﴾ ! .
فَإِن هَؤُلَاءِ لما رَأَوْا كثيرا من الْعلمَاء يداهنونهم ويدارونهم اتقاء لشرهم مَا زادهم ذَلِك إِلَّا شرا، [وَلَا] اثر فيهم إِلَّا تجرئا على مَا هم فِيهِ.
وَلَو تكلم أهل الْعلم بِمَا يجب عَلَيْهِم من نصر الشَّرِيعَة والذب عَن أَهلهَا بِمَا يجب عَلَيْهِم لكانوا أقل شرا وأحقر ضراً.
وَأَقل حَال أَن يعرفوهم بِأَنَّهُم من أهل الْجَهْل [الَّذين] لَا يسْتَحقُّونَ خَطَايَا وَلَا يستوجبون جَوَابا، فَإِن فِي هَذَا كفا لبَعض مَا صَارُوا عَلَيْهِ من الظَّن بِأَنْفسِهِم الْبَاطِل، والخيال المختل لما يرونه من سكُوت أهل الْعلم عَنْهُم وَالصَّبْر على مَا يسمعونه مِنْهُم، ويبلغهم عَنْهُم.
وَقد يتسبب عَن هَذِه الإهانة لَهُم بالتجهيل، والتضليل فَائِدَة ينْدَفع بهَا بِبَعْض تجرئهم على كتاب الله وَسنة رَسُوله، وعلماء أمته، فَإِن من النَّاس من يصلح بالهوان وَيفْسد بالإكرام، كَمَا هُوَ مَعْلُوم لكل من يعرف أَحْوَال النَّاس وَاخْتِلَاف طبائعهم.
стр. 126
وَلَقَد أحسن الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ:
(أكْرم تميماً بالهوان فَإِنَّهُم ... إِن أكْرمُوا فسدوا على الْإِكْرَام)
وكما قَالَ الآخر:
(أهن عامراُ تكرم عَلَيْهِ فَإِنَّمَا ... أَخُو عَامر من مَسّه بهوان)
وَيَنْبَغِي لمن سمع أحدهم يُفْتِي فِي التَّحْلِيل، وَالتَّحْرِيم، وَينصب نَفسه لما لَيْسَ من شَأْنه، أَن يَقُول لَهُ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(تَقولُونَ هَذَا عندنَا غير جَائِز ... وَمن أَنْتُم حَتَّى يكون لكم عِنْد؟ !)
وَإِن سمع أحدا مِنْهُم يتَكَلَّم فِي غير مَا يعلم على تَقْدِير أَن علمه بِطرف من الرَّأْي يعد علما كَمَا فِي اصْطِلَاح الْعَامَّة وَإِلَّا فَهُوَ لَيْسَ بِعلم بِالْإِجْمَاع كَمَا قدمنَا نقل ذَلِك، فليتل عَلَيْهِ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿هَا أَنْتُم هَؤُلَاءِ حاججتم فِيمَا لكم بِهِ علم فَلم تحاجون فِيمَا لَيْسَ لكم بِهِ علم وَالله يعلم وَأَنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وليتل عَلَيْهِ قَوْله : ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ . وَقَوله : ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ . وَقَوله تَعَالَى: (وَمن لم يحكم
стр. 127
بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ وَيَتْلُو عَلَيْهِ الْآيَات الَّتِي فِيهَا الحكم بِالْحَقِّ وبالعدل وَبِمَا أرى الله وَرَسُوله.
مدى تكريم الله سُبْحَانَهُ للأولياء:
ولنرجع الْآن إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه.
قَالَ الْكرْمَانِي: " إِن قَوْله (لي) فِي من عادى لي وليا هُوَ فِي الأَصْل صفة لقَوْله وليا لكنه لما تقدم عَلَيْهِ صَار حَالا ". انْتهى.
أَقُول وَلَا يخْتَلف الْمَعْنى بذلك لِأَن الْمَعْنى على الْوَصْف: من عادى وليا كَائِنا لي وَهُوَ على الْحَال كَذَلِك لَكِن التَّقَدُّم فِيهِ فَائِدَة جليلة، وَهِي الْإِشْعَار باختصاص الْوَلِيّ بِهِ لَا بِغَيْرِهِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوف فِي كتب الْمعَانِي وَالْبَيَان، ثمَّ فِي نسبته الْوَلِيّ إِلَى نَفسه تشريف لَهُ عَظِيم وَرفع لشأنه بليغ.
قَالَ ابْن هُبَيْرَة: " وَيُسْتَفَاد من هَذَا الحَدِيث تَقْدِيم الْإِعْذَار على الْإِنْذَار " قلت: وَوَجهه أَنه لما قدم معاداة من هُوَ بِهَذِهِ الصّفة من الْولَايَة لله فَكَأَنَّهُ أعذر
стр. 128
إِلَى كل سامع أَن من هَذَا شَأْنه لَا يَنْبَغِي أَن يعادي بل على كل من عرف أَن هَذِه صفته، أَن يواليه وَيُحِبهُ، فَإِذا لم يفعل فقد أعذر الله إِلَيْهِ، ونبهه على أَن من عادى يسْتَحق الْعقُوبَة الْبَالِغَة على عداوته فَقَالَ منذراً لَهُ: فقد آذنته بِالْحَرْبِ على مَا صنع مَعَ ولِيِّ.
وَوَقع فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد أَحْمد فِي الزّهْد، وَابْن أبي الدُّنْيَا وَأبي نعيم فِي الْحِلْية وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد بِلَفْظ: " من أذلّ لي وليا " وَفِي أُخْرَى مِنْهُ من آذَى، وَفِي إِسْنَاده عبد الْوَاحِد بن مَيْمُون عَن عُرْوَة، وَهُوَ مُنكر الحَدِيث لَكِن أخرجه الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق يَعْقُوب [عَن] مُجَاهِد عَن عُرْوَة قَوْله: " فقد آذنته " بِالْمدِّ وَفتح الْمُعْجَمَة بعد نون أَي أعلمته.
وَقَالَ فِي الصِّحَاح: " وآذنتك بالشئ " أعلمتكه، والآذن الْحَاجِب. قَالَ الشَّاعِر: تبدل بإذنك المرتضى.
وَقد آذن وتأذَّنَ بِمَعْنى كَمَا يُقَال أَيقَن وتيَقَّن، وَتقول تأَذَّن الْأَمِير فِي النَّاس أَي نَادَى فيهم يكون فِي التَّهدُّد، وَالنَّهْي أَي تقدم وَأعلم. وَقَوله تَعَالَى: (وَإِذا
стр. 129
تَأَذَّنَ رَبك﴾ أَي أعلم، انْتهى.
فَعرفت بِهَذَا أَن فِي قَوْله: فقد آذنته معنى التهديد لمن عادى الْوَلِيّ وَالنَّهْي لَهُ عَن أَن يقدم على معاداته لِأَنَّهُ قد تقدم إِلَيْهِ بِأَن لَا يعاديه وَأَنه وليه وأعلمه بذلك. وَأما الْمَقْصُور فَيَجِيء بِمَعْنى علم وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ : أَي اعلموا، وَبِمَعْنى الِاسْتِمَاع. يُقَال أذن لَهُ إِذا اسْتمع مِنْهُ. قَالَ الشَّاعِر:
(إِن يسمعوا رِيبَة طاروا بهَا فَرحا ... عني وَمَا سمعُوا من صَالح دفنُوا)
(صمٌّ إِذا سمعُوا خيرا ذُكِرْتُ بِهِ ... وَإِن ذكرت بشرٍّ عِنْدهم أَذِنُوا)
وَمِنْه مَا أذن الله لشَيْء كَإِذْنِهِ لنَبِيّ يتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ أَي اسْتمع. وَالْأَذَان الْإِعْلَام، وَمِنْه الْأَذَان للصَّلَاة.
قَوْله: " بِالْحَرْبِ ": فِي رِوَايَة الكُشْمِيهَني: " فقد أذَنْته بِحَرب. وَفِي
стр. 130
حَدِيث معَاذ عِنْد ابْن ماجة، وَأبي نعيم فِي الْحِلْية بِلَفْظ: " فقد بارز الله بالمحاربة " وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة عِنْد الطَّبَرَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد بِسَنَد ضَعِيف بِلَفْظ: " فقد بارزني بالمحاربة ". وَمثله لفظ حَدِيث أنس عِنْد أبي يعلى وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ، وَفِي سَنَده ضعف. وَفِي حَدِيث مَيْمُونَة بِلَفْظ " فقد اسْتحلَّ محاربتي. وَفِي رِوَايَة وهب بن مُنَبّه بِلَفْظ: " من أهان وليَّ الْمُؤمن فقد استقبلني بالمحاربة.
стр. 131
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح " وَقد اسْتشْكل وُقُوع الْمُحَاربَة، وَهِي مفاعلة من الْجَانِبَيْنِ مَعَ كَون الْمَخْلُوق فِي أسر الْخَالِق.
وَالْجَوَاب: بِأَنَّهُ من المخاطبة بِمَا يفهم. فَإِن الْحَرْب تنشأ عَن الْعَدَاوَة، والعداوة تنشأ عَن الْمُخَالفَة. وَغَايَة الْحَرْب الْهَلَاك، وَالله لَا يغلبه غَالب. فَكَأَن الْمَعْنى قد تعرض لإهلاكي إِيَّاه فَأطلق الْحَرْب وَأُرِيد لَازمه، أَي أعمل بِهِ مَا يعْمل الْعَدو الْمُحَارب " انْتهى.
قلت: فقد جعل ذَلِك من الْكِنَايَة: وَهِي لفظ أُرِيد بِهِ لَازم مَعْنَاهُ مَعَ جَوَاز إِرَادَته كَمَا حَقَّقَهُ أهل علم الْبَيَان.
وَيُمكن أَن يُقَال إِن المفاعلة قد تطلق، وَلَا يُرَاد بهَا وُقُوعهَا من الْجِهَتَيْنِ كَمَا فِي كثير من الاستعمالات الْعَرَبيَّة، فَيكون المُرَاد بالمحاربة هُنَا الْحَرْب من الله كَمَا يدل عَلَيْهِ لفظ فقد آذنته بِالْحَرْبِ.
وَيُمكن أَن يَجْعَل العَبْد لما كَانَ معانداً لله بعداوة أوليائه بِمَنْزِلَة من أَقَامَ نَفسه مقَام الْمُحَارب لله سُبْحَانَهُ، وَإِن كَانَ فِي أسره وَتَحْت حكمه بِاعْتِبَار الْحَقِيقَة، وَأَنه أَحْقَر وَأَقل من أَن يحارب ربه لَكِنَّهَا خيلت لَهُ نَفسه الأمارة بالسوء هَذَا الخيال الْبَاطِل فعادى من أمره الله بموالاته ومحبته مَعَ علمه بِأَن ذَلِك مِمَّا يسْخط الرب وَيُوجب حُلُول الْعقُوبَة عَلَيْهِ وإيقاعه فِي المهالك الَّتِي لَا ينجو مِنْهَا.
قَالَ الْفَاكِهَانِيّ: " فِي هَذَا الحَدِيث تهديد شَدِيد لِأَن من حاربه الله تَعَالَى أهلكه وَهُوَ من الْمجَاز البليغ لِأَن من كره من أحبه الله تَعَالَى خَالف الله
стр. 132
سُبْحَانَهُ وَمن خَالف الله عانده، وَمن عانده أهلكه. وَإِذا ثَبت هَذَا فِي جَانب المعاداة ثَبت فِي جَانب الْمُوَالَاة.
فَمن والى أَوْلِيَاء الله أكْرمه الله وانْتهى.
قلت: لَا مُقْتَضى لهَذَا الْمجَاز بِهَذِهِ الوسائط، والانتقالات، فَإِن مُجَرّد وُقُوع الْحَرْب من الرب للْعَبد، إهلاك لَهُ بأبلغ أَنْوَاع الإهلاك وانتقام مِنْهُ بأكمل أَنْوَاع الانتقام. فَالْحَدِيث خَارج هَذَا الْمخْرج.
وَمثله فِي وَعِيد أهل الرِّبَا: ﴿فأذنوا بِحَرب من الله وَرَسُوله﴾ .
قَالَ الطوفي: " لما كَانَ ولي الله سُبْحَانَهُ مِمَّن تولى الله سُبْحَانَهُ بِالطَّاعَةِ وَالتَّقوى تولاه الله تَعَالَى بِالْحِفْظِ والنصرة. وَقد أجْرى الله تَعَالَى الْعَادة بِأَن عَدو الْعَدو صديق، وصديق الْعَدو عَدو، فعدو ولي الله تَعَالَى عَدو الله سُبْحَانَهُ فَمن عَادَاهُ كَانَ كمن حاربه، وَمن حاربه فَكَأَنَّمَا حَارب الله ﵎ ".
قلت: وَهَذَا هُوَ مثل كلامنا الْمُتَقَدّم فِي تَوْجِيه المفاعلة.
стр. 133
الْفَصْل الثَّانِي
الطَّرِيق إِلَى ولَايَة الله
стр. 134
فارغة
стр. 135
(١) أَدَاء الْفَرَائِض:
قَوْله: " مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَى مِمَّا افترضت عَلَيْهِ ". لفظ التَّقَرُّب الْمَنْسُوب إِلَى الله من عَبده يُفِيد أَنه وَقع ذَلِك على جِهَة الْإِخْلَاص. لِأَن من لم يخلص الْعِبَادَة لله سُبْحَانَهُ لَا يصدق عَلَيْهِ معنى التَّقَرُّب. وَهَكَذَا من فعل الْعِبَادَة المفترضة لخوف الْعقُوبَة فَإِنَّهُ لم يكن متقربا على الْوَجْه الأتم.
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَيدخل تَحت هَذَا اللَّفْظ جَمِيع فَرَائض الْعين والكفاية وَظَاهره [الِاخْتِصَاص] بِمَا ابْتَدَأَ الله تَعَالَى فريضته، وَفِي دُخُول مَا أوجبه الْمُكَلف على نَفسه نظر، للتَّقْيِيد بقول: افترضت عَلَيْهِ إِلَّا إِن أَخذ من جِهَة الْمَعْنى " انْتهى.
قلت: " إِن كَانَ مَا أوجبه العَبْد على نَفسه مِمَّا أوجب الله عَلَيْهِ الْوَفَاء بِهِ، فَهَذَا الْإِيجَاب هُوَ من فَرَائض الله سُبْحَانَهُ، وَحكمه حكم مَا أوجبه الله ابْتِدَاء على عباده. بل هَل فَرد من أفرادها لَا يحْتَاج إِلَى أدراجه تَحت معنى أَعم. قَالَ:
" وَيُسْتَفَاد مِنْهُ أَن أَدَاء الْفَرَائِض أحب الْأَعْمَال إِلَى الله تَعَالَى ". انْتهى. قلت: وَجه ذَلِك أَن النكرَة وَقعت فِي سِيَاق النَّفْي فَعم كل مَا يصدق عَلَيْهِ معنى الشَّيْء فَلَا يبْقى شَيْء من الْقرب إِلَّا وَهُوَ دَاخل فِي هَذَا الْعُمُوم، لِأَن كل قربَة
стр. 136
كائنة مَا كَانَت يُقَال لَهَا شَيْء سَوَاء كَانَت من الْأَفْعَال أَو الْأَقْوَال أَو مضمرات الْقُلُوب، أَو الخواطر الْوَارِدَة على العَبْد أَو التروك للمعاصي الَّتِي هِيَ ضد لفعلها.
قَالَ الطوفي: " الْأَمر بالفرائض جازم، وَيَقَع بِتَرْكِهَا المعاقبة بِخِلَاف النَّفْل فِي الْأَمريْنِ وَإِن اشْترك مَعَ الْفَرَائِض فِي تَحْصِيل الثَّوَاب فَكَانَت الْفَرَائِض أكمل، فَلِذَا كَانَت أحب إِلَى الله وَأَشد تقرباً.
فالفرض كالأصل والأس، وَالنَّفْل كالفرع وَالْبناء، وَفِي الْإِتْيَان بالفرائض على الْوَجْه الْمَأْمُور بِهِ امْتِثَال الْأَمر واحترامه وتعظيمه بالانقياد إِلَيْهِ وَإِظْهَار عَظمَة الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة فَكَانَ التَّقَرُّب بذلك أعظم الْعَمَل.
وَالَّذِي يُؤَدِّي الْفَرْض قد يَفْعَله خوفًا من الْعقُوبَة، ومؤدي النَّفْل لَا يَفْعَله إِلَّا إيثاراً للْخدمَة فيجازى بالمحبة الَّتِي هِيَ غَايَة مَطْلُوب من يتَقرَّب بخدمته انْتهى.
قلت: إِذا كَانَ أَدَاء الْفَرَائِض أعظم الْعَمَل لتِلْك الْعِلَل الَّتِي ذكرهَا من امْتِثَال الْأَمر واحترامه وتعظيمه، وَإِظْهَار عَظمَة الربوبية وذل الْعُبُودِيَّة كَانَ ثَوَابهَا أَكثر، وَالْجَزَاء عَلَيْهَا أعظم، وَلَا يُخَالِفهُ مَا ذكره من أَن العَبْد لَا يفعل النَّفْل إِلَّا إيثاراً للْخدمَة وَأَنه يجازى بالمحبة فَذَلِك سَببه وُقُوع التَّقَرُّب مِنْهُ بِمَا لم يُوجِبهُ الله عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ الثَّوَاب عَلَيْهِ دون ثَوَاب الْفَرَائِض، وَسَيَأْتِي لهَذَا مزِيد تَحْقِيق عِنْد الْكَلَام على قَوْله أحبته.
стр. 137
١ - من أَدَاء الْفَرَائِض ترك الْمعاصِي:
وَاعْلَم أَن من أعظم فَرَائض الله سُبْحَانَهُ ترك مَعَاصيه الَّتِي هِيَ حُدُوده الَّتِي من تعداها كَانَ عَلَيْهِ من الْعقُوبَة مَا ذكره الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه الْعَزِيز. وَلَا خلاف أَن الله افْترض على الْعباد ترك كل مَعْصِيّة كائنة مَا كَانَت، فَكَانَ ترك الْمعاصِي من هَذِه الْحَيْثِيَّة دَاخِلا تَحت عُمُوم قَوْله: " وَمَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ ". بل دُخُول فَرَائض التّرْك للمعاصي أولى من دُخُول فَرَائض الطَّاعَات كَمَا يدل عَلَيْهِ حَدِيث " إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم وَإِذا نَهَيْتُكُمْ عَن شَيْء فَلَا تقربوه.
٢ - من الْمعاصِي إبِْطَال الْفَرَائِض بالحيل:
وَاعْلَم أَن من أعظم الْبدع الْحَادِثَة فِي الْإِسْلَام مَا فتح بَابه أهل الرَّأْي للعباد من الْحِيَل الَّتِي زحلقوا بهَا كثيرا من فَرَائض الله سُبْحَانَهُ فأخرجوها عَن كَونهَا فَرِيضَة، وَكَأن الله لم يفرضها على عباده، وحللوا بهَا كثيرا من معاصي الله الَّتِي نهى عباده عَنْهَا وتوعدهم على مقارفتها والوقوع فِي شَيْء مِنْهَا.
وَمن تَأمل أَكثر مَا ورد عَن الشَّارِع من اللَّعْن وجد غالبه فِي المستحلين
стр. 138
لما حرمه الله، والمسقطين لفرائضه بالحيل. كَقَوْلِه [ ﷺ ] :
" لعن الله الْمُحَلّل والمحلل لَهُ "،
" لعن الله الْيَهُود حرمت عَلَيْهِم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها ".
" لعن الله الراشي والمرتشي ".
" لعن الله آكل الرِّبَا ومؤكله وكاتبه وَشَاهده ".
" وَلعن عاصر الْخمر ومعتصرها وَلعن الْوَاصِلَة وَالْمسْتَوْصِلَة والواشمة والمستوشمة ".
ومسخ الله الَّذين استحلوا مَحَارمه بالحيل قردة وَخَنَازِير. و " ذمّ أهل الخداع وَالْمَكْر " وَأخْبر أَن الْمُنَافِقين يخادعونه وَهُوَ يخادعهم. وَأخْبر عَنْهُم بمخالفة ظواهرهم لبواطنهم وسرائرهم لعلانيتهم.
وَثَبت عَن ابْن عَبَّاس أَنه جَاءَهُ رجل فَقَالَ: إِن عمي طلق امْرَأَته ثَلَاثًا أيحلها لَهُ رجل، فَقَالَ: من يُخَادع الله يخدعه: وَصَحَّ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس أَنَّهُمَا سئلا عَن الْغَيْبَة فَقَالَا إِن الله لَا يخدع.
وَقد عاقب الله المتحيلين على الْمَسَاكِين وَقت [الْجذاذ] بإهلاك ثمارهم حَتَّى أَصبَحت كالصريم: وَصَحَّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ:
(البيعان بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَن تكون صَفْقَة خِيَار، وَلَا يحل لَهُ أَن يُفَارِقهُ خشيَة أَن يستقيله) . وَصَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] النَّهْي لمن عَلَيْهِ الزَّكَاة أَن يجمع بَين متفرق، أَو يفرق بَين مُجْتَمع خشيَة الصَّدَقَة.
والأدلة فِي منع الْحِيَل وإبطالها كَثِيرَة جدا. وَمُجَرَّد تَسْمِيَتهَا حيله يُؤذن بدفعها وإبطالها فَإِن التحيل عل عُمُومه قَبِيح شرعا وعقلا. وَهَذَا المتحيل لإِسْقَاط
стр. 139
فرض من فَرَائض الله أَو تَحْلِيل مَا حرمه الله سُبْحَانَهُ هُوَ ناصب لنَفسِهِ فِي مدافعة مَا شَرعه الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ، مُرِيد لِأَن يَجْعَل مَا حرمه الله حَلَالا، وَمَا أحله حَرَامًا. فَهُوَ من هَذِه الْحَيْثِيَّة معاند لله مخادع لِعِبَادِهِ مندرج تَحت عُمُوم قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ . وَقَوله: ﴿يخادعون الله وَهُوَ خادعهم﴾ . وَقَوله: ﴿ومكروا ومكر الله الله خير الماكرين﴾ .
وَمَعْلُوم لكل عَاقل أَن الشَّرِيعَة قد كملت وَانْقطع الْوَحْي بِمَوْتِهِ [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَلم يبْق لأحد من عباد الله مجَال فِي تشريع غير مَا شَرعه الله وَلَا رفع شَيْء مِمَّا قد شَرعه الله سُبْحَانَهُ.
وكل الْعباد متعبدون بِهَذِهِ الشَّرِيعَة لم يَجْعَل الله سُبْحَانَهُ لأحد مِنْهُم أَن يحلل شَيْئا مِمَّا حرم فِيهَا، وَلَا يحرم شَيْئا مِمَّا حل فِيهَا فَمن جَاءَ إِلَى عباد الله، وَقَالَ قد لَقَّنَنِي الشَّيْطَان أَن أحل لكم الْحَرَام الْفُلَانِيّ أَو أحرم عَلَيْكُم الْحَلَال الْفُلَانِيّ، أَو أسقط عَنْكُم وَاجِب كَذَا فَهَذَا مِمَّا يفهم كل عَاقل أَنه أَرَادَ تَبْدِيل الشَّرِيعَة المطهرة وَمُخَالفَة مَا فِيهَا. فَحق على كل مُسلم أَن يَأْخُذ على يَده ويحول بَينه وَبَين مَا أَرَادَ ارتكابه من الْمُخَالفَة لدين الْإِسْلَام، والمعاندة لما قد ثَبت
стр. 140
فِي كتاب الله أَو فِي سنة رَسُوله. فَهَذَا بِمُجَرَّدِهِ يصك وَجه كل محتال، ويرغم أنف كل متجرئ على دين الله بِإِسْقَاط مَا هُوَ وَاجِب فِيهِ أَو تَحْلِيل مَا هُوَ من محرماته.
أ - إبِْطَال حجج الْقَائِلين بالحيل /
وَأما تمسك أهل الرَّأْي المحتالين على الْإِسْلَام وَأَهله بِمثل قَوْله سُبْحَانَهُ لنَبيه أَيُّوب ﵇: ﴿وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث﴾ وَأَنه سُبْحَانَهُ أذن لَهُ أَن يتَحَلَّل من يَمِينه بِالضَّرْبِ الضغث. وبمثل مَا أخبر الله سُبْحَانَهُ عَن نبيه يُوسُف ﵇ أَنه جعل صواعه فِي رَحل أَخِيه ليتوصل بذلك إِلَى أَخذه من إخْوَته وَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنه فعل ذَلِك بِرِضَاهُ وإذنه، كَمَا قَالَ: ﴿كَذَلِك كدنا ليوسف مَا كَانَ ليَأْخُذ أَخَاهُ فِي دين الْملك إِلَّا أَن يَشَاء الله﴾ . وبمثل مَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
(أَنه اسْتعْمل رجلا على خَيْبَر فَجَاءَهُمْ بِتَمْر خبيب فَقَالَ [ ﷺ ] : أكل تمر خَيْبَر هَكَذَا؟ قَالَ: إِنَّا لنأخذ الصَّاع من هَذَا بالصاعين والصاعين بِالثَّلَاثَةِ، فَقَالَ: لَا تفعل، بِعْ الْجَمِيع بِالدَّرَاهِمِ ثمَّ ابتع بِالدَّرَاهِمِ خبيباً ".
" وَقد لَقِي النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم طَائِفَة من الْمُشْركين، فِي نفر من أَصْحَابه فَقَالَ الْمُشْركُونَ: من أَنْتُم؟ فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
стр. 141
من مَاء فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا: أَحيَاء الْيمن كثير فلعلهم مِنْهُم وَانْصَرفُوا ".
وَجَاء رجل إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَقَالَ: " احملني، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا ولدا لناقة فَقَالَ: مَا أصنع بِولد النَّاقة؟ فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : وَهل تَلد الْإِبِل - إِلَّا النوق؟ "
فيجاب عَنهُ بِأَن مَا ذَكرُوهُ من قصَّة أَيُّوب خَارج عَمَّا نَحن بصدده، فَإِن أَيُّوب نذر أَن يضْربهَا مائَة عصى وَقد ضربهَا كَذَلِك بِمِائَة عصى. وَأَيْضًا لَو سلم أَنه نذر أَن يضْربهَا مائَة عَصا مفرقة، أَو مائَة ضَرْبَة مفرقة فَذَلِك الَّذِي أذن الله لَهُ بِهِ تَخْفيف على الْمَرْأَة وَنسخ لما كَانَ قد أوجبه على نَفسه على تَقْدِير أَنه كَانَ يجب فِي شَرِيعَته الْوَفَاء بِالنذرِ، وَأَنه لما نذر أوجب الله ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ خفف عَلَيْهِ وَنسخ مَا كَانَ قد أوجبه الله عَلَيْهِ بإيجابه على نَفسه.
وَمَا الْمَانِع من أَن يُوجب الله شَيْئا ثمَّ ينسخه وَلَيْسَ النزاع فِي مثل هَذَا فَإِن شريعتنا هَذِه فِيهَا النَّاسِخ والمنسوخ.
وَإِنَّمَا النزاع فِي شَرِيعَة كملت وَأخْبرنَا الله بكمالها فَقَالَ: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينك﴾ ثمَّ انْقَطع الْوَحْي بِمَوْت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. ثمَّ جَاءَ جمَاعَة حولوا الشَّرِيعَة وبدلوها فحللوا حرامها، وأسقطوا فرائضها بأكاذيب لم يَأْذَن الله بهَا بل هِيَ ضد لشريعته وَدفع لَهَا وَرفع لأحكامها.
стр. 142
فَأَيْنَ قصَّة أَيُّوب من صَنِيع هَؤُلَاءِ المحتالة على الله وعَلى رَسُوله وعَلى الشَّرِيعَة الإسلامية، وعَلى عباد الله الْمُسلمين؟ .
وَأي جَامع يجمع بَين هَذَا وَبَين قصَّة أَيُّوب؟ ثمَّ هَذِه الْقِصَّة الأيوبية هِيَ من التَّحَلُّل من الْإِيمَان وَالْخُرُوج من المأثم، فَلَو فَرضنَا أَن لَهَا دخلا فِيمَا قصدوه لَكَانَ ذَلِك خَاصّا بِمَا فِيهِ خُرُوج من المأثم والتحلل من الْإِيمَان. وَقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْيَمين إِذا كَانَ غَيرهَا خيرا مِنْهَا كَانَ الْحِنْث أولى من الْبر كَمَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من حلف من شَيْء فَرَأى غَيره خيرا مِنْهُ، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه " وَصَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " وَالله لَا أَحْلف على يَمِين فَأرى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وكفرت عَن يَمِيني ".
فقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْحَالِف على يَمِين غَيرهَا خير مِنْهَا يكفر عَن يَمِينه من غير حَاجَة إِلَى ضرب فِي مثل صُورَة يَمِين أَيُّوب لَا مفرقاً، وَلَا مجموعاً وَقد ثَبت أَن امْرَأَة أَيُّوب كَانَت ضَعِيفَة لَا يحْتَمل ضعفها لوُقُوع مائَة ضَرْبَة مفرقة.
وَمثل هَذَا قد سوغت شريعتنا التَّخْفِيف فِيهِ خُرُوجًا من المأثم، وَلَا سِيمَا إِذا صَحَّ مَا روى أَن مَرِيضا أقرّ بِالزِّنَا وَكَانَ ضَعِيفا لَا يحْتَمل الْحَد الشَّرْعِيّ فَأمر النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم بِأَن يضْرب بشمراخ من النّخل فِيهِ مائَة عثكول. فَهَذَا لَيْسَ بحيلة بل شَرِيعَة ثَابِتَة.
وَلَيْسَ النزاع إِلَّا فِيمَا فعله المحتالون من زحلقة أَحْكَام الشَّرِيعَة بالأقوال الكاذبة المفتراة لَا فِيمَا قد ثَبت فِي الشَّرِيعَة.
стр. 143
وَبِهَذَا يَتَقَرَّر لَك أَن استدلالهم بِقصَّة أَيُّوب خَارج عَن مَحل النزاع مَعَ أَن هَذِه الْقِصَّة هِيَ أعظم مَا عولوا عَلَيْهِ وبنوا عَلَيْهِ القناطر الَّتِي لَيست من الشَّرِيعَة فِي قبيل وَلَا دبير، بل هِيَ ضد للشريعة وعناد لَهَا.
وَأما قصَّة يُوسُف فَالْجَوَاب عَنْهَا وَاضح لِأَنَّهَا وَاقعَة وَقعت لنَبِيّ من أَنْبيَاء الله سُبْحَانَهُ صنعها الله سُبْحَانَهُ لَهُ لخير أَرَادَ بِهِ لأَهله.
فَإِن كَانَ مثل ذَلِك مَمْنُوعًا فِي شريعتنا فقد نسخ مَا كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة بِمَا كَانَ فِي شريعتنا، وشريعتنا هِيَ الشَّرِيعَة الناسخة للشرائع، وَمَعْلُوم أَنه لَا يُؤْخَذ مِمَّا كَانَ من الشَّرَائِع السَّابِقَة إِلَّا مَا قَرّرته شريعتنا مِنْهَا لَا مَا خالفته وأبطلته، فَمَا لنا وللتعلق بشريعة مَنْسُوخَة؟ ﴿.
وَإِن كَانَ مثل ذَلِك جَائِزا فِي شريعتنا فَلَيْسَ النزاع فِيمَا هُوَ جَائِز فِيهَا. بل النزاع فِي حيل المحتالين ودنس المدنسين المحللين لأحكام الشَّرِيعَة من عِنْد أنفسهم المسقطين لفرائض الله سُبْحَانَهُ بآرائهم الفايلة وتدليساتهم الْبَاطِلَة.
(ب) الْحِيلَة والشريعة:
وَالْحَاصِل أَن كل مَا ثَبت فِي الشَّرِيعَة من تَخْفيف أَو خُرُوج من مأثم فَنحْن نقُول هُوَ شَرِيعَة بَيْضَاء نقية، فَمن زعم أَنه حِيلَة فقد افترى على الله وعَلى رَسُوله وعَلى كتاب الله وعَلى سنة رَسُوله الْكَذِب الصَّرَاح وَالْبَاطِل البَوَاح. فَأَيْنَ هَذَا من صنع هَؤُلَاءِ المعاندين لله وَلِرَسُولِهِ الْمُخَالفين للْكتاب وَالسّنة الدافعين لما هُوَ ثَابت فِيهَا بعد كمالها وتمامها وَمَوْت نبيها وَانْقِطَاع الْوَحْي مِنْهَا؟﴾ يالله الْعجب
стр. 144
من هَؤُلَاءِ الَّذين تجرؤا أَولا على عناد الشَّرِيعَة ومخالفتها ﴿﴾ . وَثَانِيا الِاسْتِدْلَال بِمَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ، أَو كَانَ فِي شَرِيعَة نَبِي من الْأَنْبِيَاء قد رفعت شريعتنا حكمه ونسخته وأبطلته ﴿﴾
وَهَكَذَا يُجَاب عَنْهُم فِي حَدِيث التَّمْر وَبيع الْجَمِيع بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاء الخبيب بهَا. فَإِن ذَلِك شَرِيعَة وَاضِحَة وَسنة قَائِمَة متضمنة لبيع الشَّيْء بِقِيمَتِه الَّتِي يَقع التَّرَاضِي عَلَيْهَا، فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أذن الله سُبْحَانَهُ بِهِ بقوله تَعَالَى: ﴿تِجَارَة عَن ترَاض﴾ وَبقول رَسُوله [ ﷺ ] :
" لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه ". وَلَيْسَ مِمَّا نهى الله عَنهُ بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ، وَبقول رَسُوله [ ﷺ ] :
" إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْكُم حرَام ".
(م) الْحِيلَة من الإضافات للشريعة المبطلة لفرائضها:
وَلَيْسَ النزاع إِلَّا فِي صنع المحتالين الْمُخَالفين للشريعة المزلزلين لأحكامها المستبدلين بهَا غَيرهَا بعد كمالها وَانْقِطَاع الْوَحْي مِنْهَا وَمَوْت نبيها [ ﷺ ] وَآله وَسلم.
فَأنْتم أَيهَا المحتالون إِذا عملتم بِهَذَا الحكم الثَّابِت فِي السّنة فَلَيْسَ ذَلِك من الْعَمَل بالحيلة فِي شَيْء، بل من الْعَمَل بالشريعة الإسلامية، وَلَا نطلب مِنْكُم إِلَّا الْعَمَل بهَا والثبوت على مَا فِيهَا، وَترك تَحْلِيل حرامها وَإِبْطَال فرائضها.
فاشدد يَديك على مَا ذَكرْنَاهُ هَا هُنَا من الْجَواب على المحتالين فَإنَّك إِن جاوبتهم بِهِ ألقمتهم حجرا وقطعتهم قطعا لَا يَجدونَ عَنهُ محيصاً.
стр. 145
وَقد أجَاب عَنْهُم أهل الْعلم بجوابات لم نرتضها وَتَركنَا ذكر أَي شَيْء مِنْهَا لاحتمالها للمعارضة والمناقضة وَفتح بَاب الْمقَال للمحتالين.
(د) المعاريض من الشَّرِيعَة:
وَأما مَا ذَكرُوهُ من قَوْله [ ﷺ ] لمن سَأَلَهُمْ من هم فَقَالَ [ ﷺ ] : " من مَاء "، وَقَوله [ ﷺ ] : " مَا أحملك على ولد النَّاقة " فَلَيْسَ فِي هَذَا من الْحِيلَة الْمُحرمَة شَيْء، بل هُوَ من بَاب المعاريض فِي الْكَلَام، قد ثَبت الْإِذْن بهَا فِي هَذِه الشَّرِيعَة كَمَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] : " أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ غَزْوَة يروي بغَيْرهَا " مَعَ كَون قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم " نَحن من مَاء " كَلَام صَحِيح صَادِق فَإِنَّهُ قصد [ ﷺ ] مَا ذكره الله سُبْحَانَهُ من قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا﴾ وَنَحْوهَا من الْآيَات. وَكَذَلِكَ قَوْله: " أحملك على ولد النَّاقة " فَإِن الْجمل هُوَ ولد النَّاقة، وَكَذَلِكَ مَا روى [ ﷺ ] من قَوْله: " لَا تدخل الْجنَّة عَجُوز ": وَكَذَلِكَ مَا روى عَن أبي بكر ﵁ فِي حَدِيث الْهِجْرَة أَنه كَانَ إِذا سُئِلَ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من هُوَ؟ قَالَ: " هَذَا يهديني السَّبِيل ".
[فالمعاريض] بَاب آخر لَيست من التحيل فِي شَيْء. لَكِن هَؤُلَاءِ قد صَارُوا مثل الغريق بِكُل حَبل يلتوي.
فيا معشر المحتالين على الله وعَلى كِتَابه وعَلى رَسُوله وعَلى سنته وعَلى الْمُسلمين:
(دعوا كل قَول عِنْد قَول مُحَمَّد ... فَمَا آمن فِي دينه كمخاطر)
следующие страницы →