Полный текст (308 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
الإِمَام صَلَاح الدّين وَولده، والقائم بمحو دولتهم فِي مصر السُّلْطَان صَلَاح الدّين ابْن أَيُّوب. وَظَهَرت من هَذِه الدعْوَة الإلحادية دولة القرامطة، أَبُو طَاهِر القرمطي، وَأَبُو سعيد القرمطي، وَنَحْوهم وَوَقع مِنْهُم فِي الْإِسْلَام وَأَهله من سفك الدِّمَاء، وهتك الْحرم، وَقتل حجاج بَيت الله مرّة بعد مرّة، مَا هُوَ مَعْلُوم لمن يعرف علم التَّارِيخ، وأحوال الْعَالم. وأفضى شرهم إِلَى دُخُول الْحرم الْمَكِّيّ، وَالْمَسْجِد الْحَرَام، وَقتلُوا الْحجَّاج فِي الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى ملأوه بالقتلى، وملأوا بِئْر زَمْزَم، وَصعد شيطانهم القرمطي على الْبَيْت الْحَرَام وَقَالَ:
(وَلَو كَانَ هَذَا الْبَيْت لله رَبنَا ... لصب علينا النَّار من فَوْقنَا صبا)
(لأَنا حجَجنَا حجَّة جَاهِلِيَّة، ... محللة لم تبْق شرقا وَلَا غربا)
وَقَالَ مُخَاطبا للحجاج: يَا حمير أَنْتُم تَقولُونَ من دخله كَانَ آمنا، ثمَّ قلع الْحجر الْأسود وَحمله مَعَه إِلَى هجر.
فَانْظُر مَا وصلت إِلَيْهِ هَذِه الدعْوَة الملعونة؟ ! .
стр. 72
ثمَّ أطفأ الله شرهم، وأخذتهم فِي آخر الْمدَّة جيوش التتر الخارجين على الْإِسْلَام، فَكَانَ فِي تِلْكَ المحنة محنة أذهب الله بهَا هَذِه الطَّائِفَة الخبيثة. ثمَّ عَاد الْإِسْلَام كَمَا كَانَ. وَدخل فِي الْإِسْلَام مُلُوك التتر، وَكَانَت الْعَاقِبَة للدّين، وَدفع الله عَن الْإِسْلَام جَمِيع المارقين مِنْهُ والخارجين عَلَيْهِ ﴿ومكروا ومكر الله وَالله خير الماكرين﴾ . ﴿يخادعون الله وَالَّذين آمنُوا وَمَا يخدعون إِلَّا أنفسهم﴾ .
وَإِنَّمَا قَصَصنَا عَلَيْك مَا قصصناه أَيهَا الرافضي المعادي لصحابة رَسُول الله [ ﷺ ] ولسنته، وَلدين الْإِسْلَام، لتعلم أَنه لَا سلف لَك إِلَّا هَؤُلَاءِ القرامطة والباطنية، والإسماعيلية الَّذين بلغُوا فِي الْإِلْحَاد وَفِي كياد الْإِسْلَام، مَا لم يبلغ إِلَيْهِ أحد من طوائف الْكفْر.
فَإِن عرفت أَنَّك على ضلال مُبين، وغرور عَظِيم، وَأَن سلفك الَّذين اقتديت بهم وتبعت أَثَرهم هم البالغون فِي الْكفْر إِلَى هَذِه المبالغ الَّتِي لم يطْمع فِيهَا الشَّيْطَان. فَرُبمَا تنتبه من هَذِه الرقدة، وتستيقظ من هَذِه الْغَفْلَة، وَترجع إِلَى الْإِسْلَام وتمشي على هَدْيه القويم، وصراطه الْمُسْتَقيم.
فَإِن أَبيت إِلَّا العناد، وَالْخُرُوج من طرق الرشاد إِلَى طرق الْإِلْحَاد، فعلى نَفسهَا براقش تجنى، وَلَا يظلم رَبك أحدا، وَسَيعْلَمُ الَّذين ظلمُوا أَي مُنْقَلب يَنْقَلِبُون، واختر لنَفسك مَا يحلو.
стр. 73
كَرَاهَة الرافضة للصحابة أُرِيد بِهِ هدم السّنة:
وَاعْلَم أَن لهَذِهِ الشنعة الرافضيّة، والبدعة الخبيثة ذيلا هُوَ أشر ذيل وويلا هُوَ أقبح ويل.
وَهُوَ أَنهم لما علمُوا أَن الْكتاب وَالسّنة يناديان عَلَيْهِم بالخسار، والبوار بأعلا صَوت، عَادوا السّنة المطهرة، وقدحوا فها، وَفِي أَهلهَا بعد قدحهم فِي الصَّحَابَة ﵃. وَجعلُوا المتمسك بهَا من أَعدَاء أهل الْبَيْت وَمن الْمُخَالفين للشيعة لأهل الْبَيْت.
فأبطلوا السّنة المطهرة بأسرها، وتمسكوا فِي مقابلها، وتعوضوا عَنْهَا بأكاذيب مفتراة مُشْتَمِلَة على الْقدح المكذوب المتفرى فِي الصَّحَابَة وَفِي جَمِيع الحاملين للسّنة المهتدين بهديها، العاملين بِمَا فِيهَا الناشرين لَهَا فِي النَّاس من التَّابِعين وتابعيهم إِلَى هَذِه الْغَايَة، وسَمَوُهم بالنَّصب، والبغض لأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵁، ولأولاده.
فأبعد الله الرافضة، وأقماهم. أيبغض عُلَمَاء السّنة المطهرة هَذَا الإِمَام الَّذِي تعجز الألسن عَن حصر مناقبه مَعَ علمهمْ بِمَا فِي كتب السّنة المطهرة، من قَوْله [ ﷺ ] :
(لَا يحبك إِلَّا مُؤمن، وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق)
стр. 74
وَمَا ثَبت فِي السّنة من أَنه يُحِبهُ الله سُبْحَانَهُ وَرَسُوله [ ﷺ ] ؟ يَا لَهُم الويل الطَّوِيل، والخسار الْبَالِغ. أيوجد مُسلم من الْمُسلمين، وفرد من أَفْرَاد الْمُؤمنِينَ بِهَذِهِ المثابة، وعَلى هَذِه العقيدة الخبيثة؟ ﴿﴾ سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم، وَلَكِن الْأَمر كَمَا قلت:
(قبيحٌ لَا يماثله قبيحٌ ... لعمر أَبِيك دينُ الرافضينا)
(أذاعوا فِي على كل نكر ... وأخفوا من فضائله اليقينا)
(وسبُّوا لَا رَءَوْا أَصْحَاب طه ... وعادوا من عداهم أجمعينا)
(وَقَالُوا دينهم دين قويم ... أَلا لعن الْإِلَه الكاذبينا)
وكما قلت:
(تَشَيُّعُ الأقوام فِي عصرنا ... منحصر فِي أَربع من بدع)
(عَدَاوَة السّنة والثلب للأسلاف ... وَالْجمع وَترك الجَمعُ)
وكما قَالَ بعض المعاصرين لنا:
(تَعَالَوْا إِلَيْنَا أخوة الرَّفْض إِن تكن ... لكم شِرعةُ الْإِنْصَاف دينا كديننا)
(مَدْحنَا عليا، فَوق مَا تمدحونه ... وعاديتمُ أصحابَ أَحْمد دوننَا)
(وقلتم بِأَن الْحق، مَا تصنعونه ... إِلَّا لعن الرَّحْمَن منا أضلَّنا)
نصيب الْعلمَاء العاملين من الْولَايَة:
وَمن جملَة أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ الداخلين تَحت قَوْله: " من عادى لي وليا " الْعلمَاء الْعَامِلُونَ.
فهم كَمَا قَالَ بعض السّلف إِن لم يَكُونُوا هم أَوْلِيَاء الله
стр. 75
سُبْحَانَهُ فَمَا لله أَوْلِيَاء.
فَإِذا فتح الله عَلَيْهِم بالمعارف العلمية، ثمَّ منحهم الْعَمَل بهَا، ونشرها فِي النَّاس، وإرشاد الْعباد إِلَى مَا شَرعه الله لأمته، وَالْقِيَام بِالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْي عَن الْمُنكر، فَهَذِهِ رُتْبَة عَظِيمَة، ومنزلة شريفة، وَلِهَذَا ورد أَنهم وَرَثَة الْأَنْبِيَاء.
وهم الَّذين قَالَ الله سُبْحَانَهُ فيهم: ﴿يرفع الله الَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين أُوتُوا الْعلم دَرَجَات﴾
فبيان الرّفْعَة لَهُم بِأَنَّهَا دَرَجَات يدل أَبْينَ دلَالَة، وينادي أرفع نِدَاء، بِأَن مَنْزِلَتهمْ عِنْد الله سُبْحَانَهُ منزلَة لَا تفضلها إِلَّا منَازِل الْأَنْبِيَاء. وهم الَّذين قرن الله سُبْحَانَهُ شَهَادَتهم بِشَهَادَتِهِ، وَشَهَادَة مَلَائكَته فَقَالَ: ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ، وَالْمَلَائِكَة، وَأولُوا الْعلم﴾ وهم الَّذين قَالَ الله سُبْحَانَهُ فيهم: ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ فحصر خَشيته الَّتِي هِيَ سَبَب الْفَوْز عِنْده عَلَيْهِم حَتَّى كَأَنَّهُ لَا يخشاه غَيرهم. وهم الَّذين أَخذ الله عَلَيْهِم الْمِيثَاق، أَن يبينوا لِعِبَادِهِ مَا شَرعه لَهُم فَقَالَ: ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق الَّذين أُوتُوا الْكتاب لتبيننه للنَّاس وَلَا تكتمونه﴾ فهم أُمَنَاء الله سُبْحَانَهُ على شَرِيعَته.
стр. 76
وهم المترجمون لَهَا لِعِبَادِهِ المبينون لمراده.
فَكَانُوا من هَذِه الْحَيْثِيَّة كالواسطة بَين الرب سُبْحَانَهُ، وَبَين عباده لما اختصهم الله بِهِ من مِيرَاث النُّبُوَّة.
وَهَذِه منزلَة جليلة، ورتبة جميلَة لَا تعادلها منزلَة وَلَا تساويها مزية، فَحق على كل مُسلم أَن يعْتَرف لَهُم بِأَنَّهُم أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ، وَأَنَّهُمْ المبلغون عَن الله وَعَن رَسُوله.
وَأَنَّهُمْ القائمون مقَام الرُّسُل فِي تَعْرِيف عباد الله بشرائع الله ، إِذا كَانُوا على الطَّرِيقَة السوية، والمنهج القويم. متقيدين بِقَيْد الْكتاب وَالسّنة مقتدين بِالْهدى المحمدي، مُؤثِرِينَ لما فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ، وَفِي سنة رَسُوله [ ﷺ ] على زائف الرَّأْي، وعاطل التَّقْلِيد.
فَهَؤُلَاءِ هم الْعلمَاء المستحقون للولاية الربانية، والمزية الرحمانية، فَمن عاداهم فقد اسْتحق مَا تضمنه هَذَا الحَدِيث من حَرْب الله لَهُ وإنزال عُقُوبَته بِهِ، لِأَنَّهُ عادى أَوْلِيَاء الله، وَتعرض لغضب الله .
أَسبَاب رسوخ الْعلمَاء العاملين فِي الْولَايَة:
١ - وَمَعْلُوم أَن الِانْتِفَاع بعلماء هَذِه الْأمة فَوق كل انْتِفَاع، وَالْخَيْر الْوَاصِل مِنْهُم إِلَى غَيرهم فَوق كل خير، لأَنهم يبينون مَا شَرعه الله سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ، ويرشدونهم إِلَى الْحق الَّذِي أَمر الله سُبْحَانَهُ بِهِ. ويدفعونهم عَن الْبدع الَّتِي يَقع فِيهَا من جهل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة، ويصاولون أَعدَاء الدّين الْمُلْحِدِينَ، والمبتدعين ويبينون للنَّاس أَنهم على ضَلَالَة، وَأَن تمسكهم بِتِلْكَ الْبدع إِمَّا عَن جهل أَو عَن عناد، وَأَنَّهُمْ لَيْسَ بِأَيْدِيهِم شَيْء من الدّين إِلَّا مُجَرّد تشكيكات
стр. 77
يوقعون فِيهَا الْمُقَصِّرِينَ، ويجذبونهم إِلَى باطلهم.
٢ - وَمن أعظم فَوَائِد عُلَمَاء الدّين لدين الله ولعباد الله أَنهم يوضحون للنَّاس الْأَحَادِيث الْمَوْضُوعَة المكذوبة على رَسُول الله كَمَا فعله طوائف من الملحدة، والمبتدعة والزنادقة، ويرشدونهم إِلَى التَّمَسُّك بِمَا صَحَّ من السّنة.
٣ - وَكَذَلِكَ يوضحون للنَّاس مَا وَقع من أهل الزيغ، والعناد من تَفْسِير كتاب الله بأهويتهم وعَلى مَا يُطَابق مَا هم فِيهِ من الْبِدْعَة. وَذَلِكَ كثير جدا يجده الباحث عَنهُ فِي تفاسير المبتدعة المحرفين لما أَرَادَ الله سُبْحَانَهُ، وَلما فسره بِهِ رَسُول الله [ ﷺ ] ، وَمَا فسره بِهِ الصَّحَابَة والتابعون وَمن بعدهمْ من عُلَمَاء الدّين، وَمَا تَقْتَضِيه اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي نزل بهَا الْقُرْآن الْكَرِيم. فقد ضل كثير من الْعباد بتحريفات أهل الْأَهْوَاء وتلاعبهم بِالْكتاب الْعَزِيز، ورده إِلَى مَا قد دعوا إِلَيْهِ من الْبَاطِل الْمُبين، والزيغ الْوَاضِح.
وَكَذَلِكَ ضل كثير من النَّاس بالأحاديث المكذوبة الَّتِي انتحلها المبطلون، وافتعلها المبتدعون.
٤ - حمايتهم للْأمة من التَّقْلِيد:
وَكَذَلِكَ اغْترَّ كثير من الْمُقَصِّرِينَ بِعلم الرَّأْي، وآثروه على كتاب الله سُبْحَانَهُ، وعَلى سنة رَسُوله [ ﷺ ] ، وهما اللَّذَان أَمر الله سُبْحَانَهُ بِالرَّدِّ إِلَيْهِمَا عِنْد الِاخْتِلَاف. قَالَ الله : (يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا
стр. 78
أطِيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول وأولي الْأَمر مِنْكُم، فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَإِلَى الرَّسُول إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر ذَلِك خير وَأحسن تَأْوِيلا﴾ ، وَالرَّدّ إِلَى الله سُبْحَانَهُ، هُوَ الرَّد إِلَى كِتَابه، وَالرَّدّ إِلَى الرَّسُول هُوَ الرَّد إِلَى سنته بعد مَوته [ ﷺ ] بِلَا خلاف فِي ذَلِك.
بل قد ذهب جمع من الْعلمَاء إِلَى أَن أولى الْأَمر هم الْعلمَاء، وَمِنْهُم حَبْرُ الْأمة عبد الله بن عَبَّاس، وَجَابِر بن عبد الله، وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَأَبُو الْعَالِيَة، وَعَطَاء بن أبي رَبَاح، وَالضَّحَّاك.
стр. 79
وَمُجاهد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ. وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْد أَحْمد ابْن حَنْبَل. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَزيد بن أسلم، والسَّدِّي ومُقاتل: هم الْأُمَرَاء وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن أَحْمد بن حَنْبَل.
وروى أَيْضا عَن ابْن عَبَّاس أَنهم الْأُمَرَاء.
فعلى القَوْل الأول فِيهِ الْأَمر بِطَاعَة الْعلمَاء بعد طَاعَة الله وَرَسُوله. وعَلى القَوْل الثَّانِي، فمعلوم أَن الْأُمَرَاء إِنَّمَا يطاعون إِذا أمروا بِمُقْتَضى الْعلم، فطاعتهم تبع لطاعة الْعلمَاء، فَإِن النَّبِي [ ﷺ ] قد صَحَّ عَنهُ أَنه قَالَ: " إِنَّمَا الطَّاعَة فِي الْمَعْرُوف " وَالْمَعْرُوف إِنَّمَا يعرفهُ الْعلمَاء، وَصَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " لَا طَاعَة فِي مَعْصِيّة الله ". وَالْفرق بَين الطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة إِنَّمَا يعرفهُ الْعلمَاء. فطاعة الْأَمر لَا تجب إِلَّا إِذا أمروا بِمَا بَينه لَهُم
стр. 80
الْعلمَاء من أَنه من الْمَعْرُوف غير الْمُنكر، وَمن الطَّاعَة غير الْمعْصِيَة.
قَالَ الشَّافِعِي ﵀ الله فِيمَا صَحَّ عَنهُ: " أجمع الْمُسلمُونَ على أَن من استبانت لَهُ سنة رَسُول الله [ ﷺ ] ، لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد من النَّاس. قَالَ أَبُو عمر بن عبد البَرِّ: " أجمع النَّاس على أَن المُقَلَّدَ لَيْسَ معدوداً من أهل الْعلم ".
فَإِن الْعلم معرفَة الْحق بدليله. فقد تضمن هَذَانِ الإجماعان، إِخْرَاج المتعصب الْمُقدم للرأي على كتاب الله، أَو سنة رَسُوله.
وَإِخْرَاج الْمُقَلّد الْأَعْمَى عَن زمرة الْعلمَاء.
وَقد قدم الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة الحَدِيث الضَّعِيف على الرُّجُوع إِلَى الرَّأْي كَمَا روى عَن الإِمَام أبي حنيفَة، أَنه قدم حَدِيث القهقهة فِي الصَّلَاة على مَحْض الْقيَاس مَعَ أَنه قد وَقع الْإِجْمَاع من أَئِمَّة الحَدِيث على ضعفه، وَقدم حَدِيث الْوضُوء بنبيذ التَّمْر على الْقيَاس، وَجُمْهُور الْمُحدثين يضعفونه وَقدم حَدِيث: " أَكثر الْحيض عشرَة أَيَّام " وَهُوَ ضَعِيف بِلَا خلاف بَين أهل الحَدِيث، وَقدم حَدِيث " لَا مهر دون عشرَة دَرَاهِم " وَهُوَ ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين.
стр. 81
وَقدم الإِمَام مَالك بن أنس الْمُرْسل، والمنقطع، والبلاغات وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس، وَقدم الشَّافِعِي حَدِيث تَحْرِيم صيد وَجِّ على الْقيَاس مَعَ ضعفه.
وَقدم الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل، الضَّعِيف، والأثر الْمُرْسل، وَقَول الصَّحَابِيّ على الْقيَاس.
وَأما الصَّحَابَة الَّذين هم خير الْقُرُون، [والتابعون] ، وتابعوهم، فَكَانُوا
стр. 82
لَا يفتون إِلَّا بِمَا صَحَّ من النُّصُوص، وَقد يتورعون عَن الْفتيا مَعَ وجود النَّص كَمَا هُوَ مَنْقُول عَن غالبهم فِي كتب الحَدِيث، والتاريخ.
ويغني الْحَرِيص على دينه قَول الله سُبْحَانَهُ: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ .
فقرن التقول على الله بِمَا لم يقل، بالفواحش، وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق، والشرك بِاللَّه، وَهَذَا زَجْرٌ لمن نصب نَفسه للإفتاء أَو الْقَضَاء، وَهُوَ غير عَالم بِكِتَاب الله وَسنة رَسُوله، تقشعر لَهُ الْجُلُود وترجف مِنْهُ الأفئدة.
وَهُوَ يَعُمُّ التَّقَوُّلَ على الله سُبْحَانَهُ بِلَا علم سَوَاء كَانَ فِي أَسْمَائِهِ أَو صِفَاته أَو أَفعاله، أَو فِي دينه وشرعه.
وَقَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام لتفتروا على الله الْكَذِب إِن الَّذين يفترون على الله الْكَذِب لَا يفلحون مَتَاع قَلِيل وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ . فنهاهم الله سُبْحَانَهُ عَن الْكَذِب عَلَيْهِ فِي أَحْكَامه، وَقَوْلهمْ لما لم يحرمه: هَذَا حرَام وَلما لم يحله هَذَا حَلَال. وَبَين لَهُم أَنه لَا يجوز للْعَبد أَن يَقُول هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام إِلَّا إِذا علم بِأَن الله سُبْحَانَهُ أحله، وَحرمه، وَإِلَّا كَانَ مقتولا على الله بِمَا لم يقل.
وَمَعْلُوم أَن الْمُسْتَدلّ بِمُجَرَّد مَحْض الرَّأْي لَا يعلم بِمَا أحله الله وَحرمه. فَإِن
стр. 83
زعم ذَلِك فَهُوَ كَاذِب على الله تَعَالَى، وعَلى نَفسه الَّتِي قادته إِلَى هَذَا الافتراء وأوقعته فِي هَذَا الذَّنب الْعَظِيم. والمقلد يقر على نَفسه أَنه لَا يعقل حجج الله وَلَا يفهم براهينه، وَلَا يدرى بِمَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ فِي كِتَابه، وعَلى لِسَان رَسُوله. بل هُوَ تَابع لرأي من قَلّدهُ مقرّ على نَفسه بِأَنَّهُ لَا يدرى هَل الرَّأْي الَّذِي قَلّدهُ فِيهِ من الْحق أَو من الْبَاطِل.
وَمن الزواجر عَن التَّمَسُّك بمحض الرَّأْي، وبحت التَّقْلِيد، قَول الله سُبْحَانَهُ: ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا قل آللَّهُ أذن لكم أم على الله تفترون﴾ .
وَقَالَ الإِمَام الشَّافِعِي فِيمَا رَوَاهُ عَنهُ الْخَطِيب، فِي كتاب الْفَقِيه، والمتفقه لَهُ: " لَا يحل لأحد أَن يُفْتِي فِي دين الله، إِلَّا رجل عَارِف لكتاب الله ناسخة ومنسوخة ومحكمة ومتشابهه، وتأويله، وتنزيله، ومكية ومدنية، وَبعد ذَلِك يَكون بَصيرًا بِحَدِيث رَسُول الله [ ﷺ ] ، وبالناسخ، والمنسوخ مِنْهُ وَيعرف من الحَدِيث مثل مَا عرف من الْقُرْآن،
стр. 84
وَيكون بَصيرًا باللغة، بَصيرًا بالشعر، وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ للْعلم، وَالْقُرْآن، وَيسْتَعْمل هَذَا مَعَ الْإِنْصَاف.
وَيكون مشرفاً على اخْتِلَاف أهل الْأَمْصَار، وَيكون لَهُ قريحة بعد هَذَا، فَإذْ كَانَ هَكَذَا فَلهُ أَن يتَكَلَّم فِي الْحَلَال، وَالْحرَام، وَإِذا لم يكن هَكَذَا فَلَيْسَ لَهُ أَن يُفتى ". انْتهى.
الرُّجُوع إِلَى كتاب الله وَسنة رَسُوله فِي مسَائِل الدّين هُوَ الطَّرِيقَة العلمية:
وَالْحَاصِل أَن كل مَا لم يَأْتِ بِهِ الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ من هُوَ هوى الْأَنْفس كَمَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ: ﴿فَإِن لم يَسْتَجِيبُوا لَك فَاعْلَم أَنما يتبعُون أهواءهم وَمن أضلّ مِمَّن اتبع هَوَاهُ بِغَيْر هدى من الله إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الظَّالِمين﴾ .
فقسَّم سُبْحَانَهُ الْأَمر إِلَى قسمَيْنِ لَا ثَالِث لَهما: إِمَّا الاستجابة لله وَلِلرَّسُولِ بِاتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة، أَو اتِّبَاع الْهوى.
فَكل مَا لم يكن فِي الْكتاب وَالسّنة فَهُوَ من الْهوى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (ياداود إِنَّا جعلناك خَليفَة فِي الأَرْض فاحكم بَين النَّاس بِالْحَقِّ وَلَا تتبع الْهوى فيضلك عَن سَبِيل الله، إِن الَّذين يضلون عَن سَبِيل الله لَهُم عَذَاب شَدِيد بِمَا نسوا يَوْم الْحساب ".
стр. 85
فقسم سُبْحَانَهُ الحكم بَين النَّاس إِلَى أَمريْن: إِمَّا الحكم بِالْحَقِّ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة، أَو الْهوى، وَهُوَ مَا خالفهما.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ لنَبيه [ ﷺ ] : ﴿ثمَّ جعلناك على شَرِيعَة من الْأَمر فاتبعها وَلَا تتبع أهواء الَّذين لَا يعلمُونَ إِنَّهُم لن يغنوا عَنْك من الله شَيْئا وَإِن الظَّالِمين بَعضهم أَوْلِيَاء بعض وَالله ولي الْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء قَلِيلا مَا تذكرُونَ﴾ .
وَقد أجمع النَّاس سابقهم ولاحقهم أَن الرَّد إِلَى كتاب الله سُبْحَانَهُ وَإِلَى سنة رَسُوله، هُوَ الْوَاجِب على جَمِيع الْمُسلمين. وَمن رد إِلَى غَيرهمَا فَهُوَ عَاص لله وَرَسُوله مُخَالف للْكتاب الْعَزِيز، وَالسّنة المطهرة.
وَلَا فرق بَين التَّنَازُع فِي الحقير وَالْكثير. فَإِن قَوْله: فَإِن تنازعتم فِي شَيْء. نكرَة فِي سِيَاق الشَّرْط، وَهِي من صِيغ الْعُمُوم، فتشمل كل مَا يصدق [عَلَيْهِ] الشَّيْء من الْأَشْيَاء الشَّرْعِيَّة.
فَالْوَاجِب عِنْد التَّنَازُع فِيهِ رده إِلَى مَا أَمر الله بِالرَّدِّ إِلَيْهِ بقوله فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول، ثمَّ قَالَ: ﴿إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ .
стр. 86
فَجعل هَذَا الرَّد من مُوجبَات الْإِيمَان، وَعَدَمه من مُوجبَات عَدمه. فَإِذا انْتَفَى الرَّد انْتَفَى الْإِيمَان.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا كَانَ لمُؤْمِن وَلَا مُؤمنَة إِذا قضى الله وَرَسُوله أمرا أَن يكون لَهُم الْخيرَة من أَمرهم﴾ ، فَأخْبر سُبْحَانَهُ، أَنه مَا صَحَّ وَلَا استقام لأحد من الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات أَن يخْتَار غير مَا قضى بِهِ الله وَرَسُوله. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقدمُوا بَين يَدي الله وَرَسُوله وَاتَّقوا الله إِن الله سميع عليم﴾ : أَي لَا تقدمُوا بأقوالكم بَين يَدي قَول الله وَرَسُوله، بل قُولُوا كَمَا يَقُول الله وَرَسُوله. وَمَعْلُوم أَن فتيا الْمُفْتِي بِغَيْر الْكتاب وَالسّنة وَمَا يرجع إِلَيْهِمَا [هِيَ] فتيا، بِالْجَهْلِ الَّذِي حذر مِنْهُ [ ﷺ ] ، وأنذر بِهِ، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من قَوْله: " إِن الله لَا ينْزع الْعلم بعد إِذْ أعطا كموه انتزاعا، وَلَكِن يَنْزعهُ مَعَ قبض الْعلمَاء بعلمهم، فَيبقى نَاس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون ".
وَفِي حَدِيث عَوْف بن مَالك الْأَشْجَعِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] :
(تفترق أمتِي على بضع وَسبعين فرقة أعظمها فتْنَة قوم يقيسون لدين برأيهم يحرمُونَ مَا أحل الله، وَيحلونَ مَا حرم الله) . قَالَ أَبُو عَمْرو
стр. 87
ابْن عبد الْبر: " هَذَا هُوَ الْقيَاس على غير أصل، وَالْكَلَام فِي الدّين بالخرص والظنة ".
وَقد ثَبت عَن أكَابِر الصَّحَابَة الْخُلَفَاء الْأَرْبَعَة وَغَيرهم ذمّ الرَّأْي ومقت الْعَامِل بِهِ، وَأَنه لَيْسَ من الدّين فِي شَيْء.
وَقد استوفى ذَلِك الْحَافِظ ابْن عبد الْبر فِي كتاب (الْعلم) ، وَجمع مَا لم يجمعه غَيره.
والرأي إِذا كَانَ فِي مُعَارضَة أَدِلَّة الْكتاب وَالسّنة أَو كَانَ بالخرص وَالظَّن مَعَ التَّقْصِير عَن معرفَة النُّصُوص، أَو كَانَ متضمناً تَعْطِيل أَسمَاء الله تَعَالَى، وَصِفَاته، أَو كَانَ مِمَّا أحدثت بِهِ الْبدع وغيرت بِهِ السّنَن، فَلَا خلاف بَين الْمُسلمين فِي أَنه بَاطِل وَأَنه لَيْسَ من الدّين فِي شَيْء.
وَإِذا كَانَ مَبْنِيا على قِيَاس على دَلِيل فِي الْكتاب وَالسّنة، فَإِن كَانَ بِتِلْكَ المسالك الَّتِي لَا ترجع إِلَى شَيْء، إِنَّمَا هِيَ مُجَرّد تَظنن وتخمين فَهُوَ أَيْضا بَاطِل. وَإِن كَانَ مَعَ الْقطع بِنَفْي الْفَارِق، أَو كَانَ ثُبُوت الْفَرْع بفحوى الْخطاب أَو كَانَت الْعلَّة منصوصة، فَهَذَا وَإِن أطلق عَلَيْهِ اسْم الْقيَاس فَهُوَ دَاخل تَحت دلَالَة الأَصْل مشمول بِمَا دلّ عَلَيْهِ مَأْخُوذ مِنْهُ.
وتسميته قِيَاسا إِنَّمَا هُوَ مُجَرّد اصْطِلَاح. وَقد أوضحت الْكَلَام على هَذَا فِي كتابي الَّذِي سميته (إرشاد الفحول إِلَى تَحْقِيق الْحق من علم الْأُصُول) .
стр. 88
حَقِيقَة الْمُقَلّد والتقليد وحكمهما:
وَإِذا عرفت مَا ورد فِي ذمّ الرَّأْي وذم التقول على الله بِمَا لم يقل فَاعْلَم أَن التَّقْلِيد كَمَا قدمنَا، إِنَّمَا هُوَ قبُول رَأْي الْغَيْر دون رِوَايَته، فالمقلد إِنَّمَا يُقَال لَهُ مقلد فِي اصْطِلَاح أهل الْأُصُول. وَالْفُرُوع إِذا وَقع مِنْهُ التَّقْلِيد للْعَالم فِي رَأْيه، وَأما إِذا أَخذ عَنهُ الرِّوَايَة عَن الحكم فِي كتاب الله سُبْحَانَهُ أَو فِي سنة رَسُوله [ ﷺ ] ، فَلَيْسَ هَذَا من التَّقْلِيد فِي شَيْء. وَإِذا كَانَ التَّقْلِيد هُوَ مَا ذَكرْنَاهُ فَهُوَ مَذْمُوم من جِهَتَيْنِ:
الأولى: أَنه عمل بِعلم الرَّأْي، وَقد تقدم فِي ذمه وَعدم جَوَاز الْأَخْذ بِهِ مَا تقدم.
الثَّانِيَة: أَنه عمل بِالرَّأْيِ على جهل لِأَنَّهُ مقلد لصَاحب ذَلِك الرَّأْي، وَهُوَ لَا يدْرِي أَكَانَ ذَلِك الرَّأْي من صَاحبه على صَوَاب أم على خطأ، بِاعْتِبَار علم الرَّأْي فَإِن لَهُ قوانين عِنْد أَهله من وافقها أصَاب الرَّأْي وَمن أخطأها أَخطَأ الرَّأْي، وَالْكل ظلمات بَعْضهَا فَوق بعض.
وَقد جَاءَت الْأَدِلَّة القرآنية بذم تَقْلِيد الْآبَاء فَقَالَ: ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعْقلُونَ شَيْئا، وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أرسلنَا من قبلك فِي قَرْيَة من نَذِير إِلَّا قَالَ مترفوها إِنَّا وجدنَا آبَاءَنَا على أمة، وَإِنَّا على آثَارهم مقتدون، قَالَ أَو لَو جِئتُكُمْ بأهدى مِمَّا وجدْتُم عَلَيْهِ آبَاءَكُم﴾ .
стр. 89
وَقَالَ : ﴿وَإِذا قيل لَهُم اتبعُوا مَا أنزل الله قَالُوا بل نتبع مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ .
وَفِي الْقُرْآن الْكَرِيم من هَذَا الْجِنْس آيَات كَثِيرَة، وَهِي وَإِن كَانَ موردها فِي الْكفَّار، فَالْمُرَاد بهَا، وبأمثالها ذمّ من أعرض عَمَّا أنزلهُ الله سُبْحَانَهُ، وَأخذ بقول سلفه. وَاللَّفْظ أوسع مِمَّا هُوَ سَبَب النُّزُول وَالِاعْتِبَار بِهِ كَمَا تقرر فِي الْأُصُول. فَمن وَقع مِنْهُ الْإِعْرَاض عَمَّا شَرعه الله، وَقدم عَلَيْهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ سلفه فَهُوَ دَاخل تَحت عُمُوم هَذِه الْآيَات.
وَمِمَّا يدل على ذمّ التَّقْلِيد قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ والمقلد قد قفا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ علم. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿اتبعُوا مَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم وَلَا تتبعوا من دونه أَوْلِيَاء﴾ . والمقلد لَا يدْرِي بِمَا أنزل الله حَتَّى يتبعهُ، بل تبع الرَّأْي وَهُوَ غير مَا أنزل الله، وَاتبع من دونه من قَلّدهُ فقد اتبع من دونه أَوْلِيَاء، والمقلد أَيْضا لَا علم لَهُ، فَإِذا أَخذ بِرَأْي من قَلّدهُ كَانَ ذَلِك من التقول على الله بِمَا لم يقل وَمن الرَّد إِلَى غير الله وَرَسُوله، وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿قل إِنَّمَا حرم رَبِّي الْفَوَاحِش مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن وَالْإِثْم وَالْبَغي بِغَيْر الْحق وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّه مَا لم ينزل بِهِ سُلْطَانا وَأَن تَقولُوا على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ .
стр. 90
وَقَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول﴾ وَقد قدمنَا تَقْرِير معنى الْآيَتَيْنِ. وَمن ذَلِك قَوْله : ﴿وَقَالُوا رَبنَا إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ .
قَالَ أَبُو عَمْرو بن عبد الْبر: " قد ذمّ الله ﵎ التَّقْلِيد فِي كِتَابه فِي غير مَوضِع فَقَالَ: ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم وَرُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله﴾ روى عَن حُذَيْفَة وَغَيره أَنهم قَالُوا: لم يعبدوهم من دون الله، وَلَكنهُمْ أحلُّوا لَهُم وحرموا لَهُم فاتبعوهم. وَقَالَ عدي بن حَاتِم: يَا رَسُول الله إِنَّا لم نتخذهم أَرْبَابًا، قَالَ: بلَى أَلَيْسَ يحلونَ لكم مَا حرم الله عَلَيْكُم فَتحِلُّونَهُ ويحرمون عَلَيْكُم مَا أحل الله لكم فَتُحَرِّمُونَهُ؟ فَقلت: بلَى. قَالَ: فَتلك عِبَادَتهم، أخرجه أَحْمد
стр. 91
وَالتِّرْمِذِيّ. قَالَ: وَفِي هَؤُلَاءِ وَمثلهمْ قَالَ الله : ﴿إِذْ تَبرأ الَّذين اتُّبَعُوا من الَّذين اتَّبَعُوا وَرَأَوا الْعَذَاب وتقطعت بهم الْأَسْبَاب. وَقَالَ الَّذين اتَّبَعُوا لَو أَن لنا كرة فنتبرأ مِنْهُم كَمَا تبرأوا منا كَذَلِك يُرِيهم الله أَعْمَالهم حسرات عَلَيْهِم﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا هَذِه التماثيل الَّتِي أَنْتُم لَهَا عاكفون قَالُوا وجدنَا آبَاءَنَا لَهَا عابدين﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّا أَطعْنَا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا﴾ .
وَمثل هَذَا فِي الْقُرْآن كثير من ذمّ التَّقْلِيد. وَقد احْتج الْعلمَاء بِهَذِهِ الْآيَات على إبِْطَال التَّقْلِيد، وَلم يمنعهُم كفر أُولَئِكَ من الِاحْتِجَاج بهَا لِأَن التَّنْبِيه لم يَقع من جِهَة كفر أَحدهمَا وإيمان الآخر. وَإِنَّمَا وَقع التَّنْبِيه بَين المقلدين بِغَيْر حجَّة للمقلد، كَمَا لَو قلد رجلا فَكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر فِي مَسْأَلَة فَأَخْطَأَ وَجههَا، كَانَ كل وَاحِد ملوما على التَّقْلِيد بِغَيْر حجَّة، لِأَن كل تَقْلِيد يشبه بعضه بَعْضًا، وَإِن اخْتلفت الآثام فِيهِ.
وَقَالَ : ﴿وَمَا كَانَ الله ليضل قوما بعد إِذْ هدَاهُم حَتَّى يبين لَهُم مَا يَتَّقُونَ﴾ . قَالَ " فَإِذا بَطل التَّقْلِيد بِكُل مَا ذكرنَا وَجب التَّسْلِيم
стр. 92
لِلْأُصُولِ الَّتِي يجب التَّسْلِيم لَهَا، وَهِي: الْكتاب وَالسّنة وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا بِدَلِيل جَامع ".
قَالَ: قَالَ عَليّ: " إيَّاكُمْ والاستنان بِالرِّجَالِ فَإِن الرجل يعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة ثمَّ يَنْقَلِب لعلم الله فِيهِ فَيعْمل بِعَمَل أهل النَّار فَيَمُوت وَهُوَ من أهل النَّار، وَإِن الرجل ليعْمَل بِعَمَل أهل النَّار فينقلب لعلم الله فِيهِ فَيعْمل بِعَمَل أهل الْجنَّة فَيَمُوت وَهُوَ من أهل الْجنَّة " قَالَ: وَقَالَ ابْن مَسْعُود: " لَا يقلدن أحدكُم دينه رجلا إِن آمن آمن، وَإِن كفر كفر فَإِنَّهُ لَا أُسْوَة فِي الشَّرّ ". قَالَ أَبُو عَمْرو بن عبد الْبر: " وَهَذَا كُله نفى للتقليد، وأبطال لَهُ لمن فهمه وَهدى لرشده ".
التَّقْلِيد فِي نظر الْعلم والمعرفة:
قَالَ: " قَالَ أهل الْعلم وَالنَّظَر: حد الْعلم التبين، وَإِدْرَاك الْمَعْلُوم على مَا هُوَ بِهِ فَمن بَان لَهُ الشَّيْء فقد علمه "، قَالُوا: " والمقلد لَا علم [لَهُ] لم يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِك " قَالَ: " يُقَال لمن قَالَ بالتقليد لم قلت بِهِ، وخالفت السّلف فِي ذَلِك؟ فَإِنَّهُم لم يقلدوا؟ . فَإِن قَالَ [قلدت] لِأَن كتاب الله تَعَالَى لَا علم لي بتأويله وَسنة رَسُول الله [ ﷺ ] لم أحصها، وَالَّذِي قلدته قد علم ذَلِك فقلدت من هُوَ أعلم مني ".
стр. 93
قيل لَهُ: " أما الْعلمَاء إِذا أَجمعُوا على شَيْء من تَأْوِيل الْكتاب وحكاية السّنة أَو اجْتمع رَأْيهمْ على شَيْء فَهُوَ لَا شكّ فِيهِ، وَلَكِن قد اخْتلفُوا فِيمَا قلدت فِيهِ بَعضهم دون بعض، فَمَا حجتك فِي تَقْلِيد بَعضهم دون بعض؟ وَكلهمْ عَالم وَلَعَلَّ الَّذِي رغبت عَن قَوْله أعلم من الَّذِي ذهبت إِلَى مذْهبه ".
فَإِن قَالَ: قلدته لِأَنِّي أعلم أَنه صَوَاب، قيل لَهُ: " علمت ذَلِك بِدَلِيل من كتاب أَو سنة إِجْمَاع؟ فَإِن قَالَ نعم أبطل التقيلد وطولب بِمَا ادَّعَاهُ: من الدَّلِيل. وَإِن قَالَ قلدته لِأَنَّهُ أعلم مني، قيل لَهُ فقلد كل من هُوَ أعلم مِنْك فَإنَّك تَجِد من ذَلِك خلقا كثيرا، وَلَا تخص من قلدته ".
ثمَّ قَالَ أَبُو عَمْرو بن عبد الْبر بعد كَلَام سَاقه: " وَلَكِن من كَانَت هَذِه حَاله هَل تجوز لَهُ الْفتيا فِي شرائع دين الله فَيحمل غَيره على إِبَاحَة الْفروج وإراقة الدِّمَاء، واسترقاق الرّقاب، وَإِزَالَة الْأَمْلَاك، وتصييرها إِلَى غير من كَانَت فِي يَدَيْهِ بقول لَا يعرف صِحَّته، وَلَا قَامَ لَهُ الدَّلِيل عَلَيْهِ وَهُوَ مقرّ، أَن قَائِله يُخطئ ويصيب، وَأَن مخالفه فِي ذَلِك رُبمَا كَانَ الْمُصِيب فِيمَا خَالفه فِيهِ، فَإِن أجَاز الْفَتْوَى لمن جهل الأَصْل وَالْمعْنَى لحفظه الْفُرُوع لزمَه أَن يُجِيزهُ للعامة وَكفى بِهَذَا جهلا وردا لِلْقُرْآنِ. قَالَ الله ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ . وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿أتقولون على الله مَا لَا تعلمُونَ﴾ ﴿﴾ وَقد أجمع الْعلمَاء على أَن مَا لم يُتَبين وَلم يُسْتيقن فَلَيْسَ بِعلم، وَإِنَّمَا هُوَ ظن وَالظَّن لَا يُغني من الْحق شَيْئا.
стр. 94
ثمَّ قَالَ: " وَلَا خلاف بَين عُلَمَاء الْأَمْصَار فِي فَسَاد التَّقْلِيد، ثمَّ صرح بِأَن الْمُقَلّد لَيْسَ من الْعلمَاء بِاتِّفَاق أهل الْعلم ".
موقف أَئِمَّة الْمُسلمين من المقلدين:
وَقد ذكرنَا فِي الرسَالَة الَّتِي سميناها: القَوْل الْمُفِيد فِي حكم التَّقْلِيد، نهى الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَئِمَّة الْمذَاهب الْأَرْبَعَة عَن تقليدهم، فلنذكر هَاهُنَا طرفا من ذَلِك.
قَالَ المُزَنِي فِي أول مُخْتَصره: " اختصرت هَذَا من علم الشَّافِعِي وَمن معنى قَوْله، لأقرأه على من أَرَادَهُ مَعَ إِعْلَامه نَهْيه عَن تَقْلِيده وتقليد غَيره لينْظر فِيهِ لدينِهِ، ويحتاط لنَفسِهِ ".
وَحكى ابْن الْقيم عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: " لَا تقلدني، وَلَا تقلد
стр. 95
مَالِكًا، وَلَا الثَّوْريّ، وَلَا الْأَوْزَاعِيّ، وَخذ من حَيْثُ أخذُوا ".
قَالَ " وَمن قلَّة فقه الرجل أَن يُقَلّد دينه الرِّجَال ". وَحكى بشر ابْن الْوَلِيد عَن أبي يُوسُف القَاضِي صَاحب أبي حنيفَة أَنه قَالَ لَا يحل لأحد أَن يَقُول بمقالتنا حَتَّى يعلم من أَيْن قُلْنَا.
وَكَذَلِكَ قَالَ الإِمَام أَبُو حنيفَة: وَقد صَحَّ عَن الشَّافِعِي أَنه قَالَ: أجمع النَّاس على أَن من استبانت لَهُ سنة عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم لم يكن لَهُ أَن يَدعهَا لقَوْل أحد. وتواتر عَنهُ أَنه قَالَ: " إِذا صَحَّ الحَدِيث فاضربوا بِقَوْلِي الْحَائِط ".
стр. 96
وروى جَعْفَر الْفرْيَابِيّ عَن مَالك أَنه قَالَ: من ترك قَول عمر بن الْخطاب لقَوْل إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه يُسْتَتَاب فَقيل لَهُ: إِنَّمَا هِيَ رِوَايَة عَن عمر قَالَ مَالك يُسْتَتَاب.
وَإِذا كَانَ هَذَا قَوْله فِي ترك قَول عمر فَمَا ترَاهُ يَقُول فِي ترك الْكتاب وَالسّنة؟ وَتَقْدِيم قَول عَالم من الْعلمَاء عَلَيْهِمَا؟ .
وَالْحَاصِل أَن النَّقْل عَن السّلف الصَّالح من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ فِي الْمَنْع من الْعَمَل بِالرَّأْيِ وَمن تَقْلِيد الرِّجَال فِي دين الله كثير جدا لَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْمُؤلف. وَيَكْفِي من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر بعض مَا قدمْنَاهُ من آيَات الْكتاب الْعَزِيز.
تناقص الْمُقَلّد مَعَ نَفسه:
فَإِن قَالَ الْمُقَلّد: قد دلّ على ذَلِك دَلِيل قُلْنَا لَهُ: " أَنْت تشهد على نَفسك وَيشْهد عَلَيْك غَيْرك بأنك لَا تعقل الْحجَّة، وَأَنَّك إِنَّمَا تَأْخُذ بِرَأْي غَيْرك دون رِوَايَته فمالك وَالِاسْتِدْلَال، وَإِقَامَة نَفسك مقَاما تقر عَلَيْهَا بأنك لست من أَهله، فَأَنت كالمتشبع بِمَا لم يُعْط، وكلابس ثوبَيْ زور ".
стр. 97
فَإِن كنت تفهم حجج الله وتعقل براهينه، فَمَا بالك إِذا أوردنا عَلَيْك الْحجَّة من الْكتاب أَو السّنة فِي إبِْطَال مَا أَنْت عَلَيْهِ رجعت إِلَى الالتجاء بأذيال التَّقْلِيد وَقلت: إِنَّك لست مِمَّن يفهم الْحجَّة، وَلَا مِمَّن يُخَاطب بهَا. فَمَا بالك تقدم فِي دين الله رجلا، وتؤخر أُخْرَى؟ ﴿﴾ .
اعْتمد على أَيهمَا شِئْت حَتَّى تخاطبك خطاب من أَقمت نَفسك فِي مقَامه. وَعند ذَلِك يسفر الصُّبْح لعينيك، وَتعلم أَنَّك متمسك بحبلٍ غرور. ومصابٌ بخدعٍ زور.
وَمَعَ هَذَا فَمن صرت تقلده دون غَيره يَقُول لَك لَا يجوز لَك أَن تقلده، فَأَنت قلدته شَاءَ أم أَبى، ثمَّ أخبرنَا مَا هُوَ الْحَامِل لَك على تَقْلِيد هَذَا الشَّخْص الْمعِين من جملَة عُلَمَاء الدّين، وَمِنْهُم عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ؟ ! فَإِن قلت: لكَونه أعلم النَّاس فَمَا يدْريك أصلحك الله بِالْعلمِ وبالأعلم وَأَنت تقر على نَفسك أَنه لَا علم لَك؟ . والمسلمون أَجْمَعُونَ يَقُولُونَ: إِنَّك لَا تعد من أهل الْعلم، وَلَا تدخل فِي عداد أَهله.
وَأَيْضًا عُلَمَاء الصَّحَابَة أعلم من صَاحبك وَكَذَلِكَ عُلَمَاء التَّابِعين، فَكيف اخْتَرْت صَاحبك عَلَيْهِم؟ .
ثمَّ أخبرنَا هَل وجد فِي أَيَّام الصَّحَابَة. وَالتَّابِعِينَ مقلد لأَحَدهم أَو لجَماعَة مِنْهُم، بل لم تحدث بِدعَة التَّقْلِيد إِلَّا فِي الْقرن الرَّابِع، وَلم يبْق إِذْ ذَاك صَحَابِيّ وَلَا تَابِعِيّ.
стр. 98
ثمَّ هَذَا الَّذِي قلدته قد خَالفه غَيره من أهل الْعلم، وَقَالَ بِخِلَاف مَا يَقُول، فَأخْبرنَا بِمَ عرفت أَن صَاحبك المحق دون الْمُخَالف لَهُ؟ فَإنَّك تقر على نَفسك بأنك لَا تعرف مَا هُوَ الْحق، وَلَا من المحق من أهل الْعلم، وَغَيْرك من المقلدين يعْتَقد مثل اعتقادك فِيمَن قَلّدهُ فَمن المحق مِنْكُمَا؟ . وَمن الْمُصِيب للحق من إماميكما؟ .
إِن قلتما: لَا نَدْرِي فَمَا بالكما تقيمان أنفسكما مقَام المستدلين بحجج الله وأنتما لَا تعرفانها وَلَا تعقلانها بإقراركما على أنفسكما؟ .
وَإِن قلتما قد عقلتما الْحجَّة على جَوَاز التَّقْلِيد فقد فتح الله لَكمَا خوخة من هَذِه العماية، وَيسر لَكمَا طَرِيقا إِلَى الرشاد فَأَقْبَلَا إِلَيْنَا نعرفكما مَا أَنْتُمَا عَلَيْهِ من التَّمَسُّك بالتقليد فِي الدّين دين الله وَالْعَمَل بِالرَّأْيِ الفايل الْمُخَالف للأدلة الشَّرْعِيَّة فَإِنَّهُ إِن صَحَّ لَكمَا مَا زعمتماه لَا تخالفان فِي أَن الْكتاب وَالسّنة مؤثران على ذَلِك الرَّأْي الَّذِي قلدتما غيركما فِيهِ. وَحِينَئِذٍ قد نجح الدَّوَاء وَقرب الْبُرْء من ذَلِك الْمَرَض الَّذِي أصابكما، وَأَيْضًا نقُول لهَذَا الْمُقَلّد الْمِسْكِين نَحن نعلم، وَتعلم أَنْت إِن بَقِي لَك شَيْء من الْعقل وَنصِيب من الْفَهم أَن عُلَمَاء الْمُسلمين من الصَّحَابَة، وَالتَّابِعِينَ وَمن بعدهمْ وَمن المعاصرين لمن قلدته وَمن بعدهمْ من أَئِمَّة الْعلم أَن التجويز فيهم من التَّرَدُّد فِيمَا جَاءُوا بِهِ، واختاروه لأَنْفُسِهِمْ مثل التجويز مِنْك فِي إمامك. وَهَذَا شَيْء يعرفهُ عقلاء الْمُسلمين.
стр. 99
فَمَا بالك عَمَدت إِلَى وَاحِد مِنْهُم فقلدته دينك فِي جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ من الصَّوَاب وَالْخَطَأ؟ .
إِن قلت، لَا أَدْرِي فَنَقُول: لَا دَريت. نَحن نعرفك بِالْحَقِيقَةِ.
أَنْت ولدت فِي قطر قد قلد فِيهِ أَهله عَالما من عُلَمَاء الْإِسْلَام فدنت بِمَا دانوا وَقلت بِمَا قَالُوا، فَأَنت من الَّذين يَقُولُونَ عِنْد سُؤال الْملكَيْنِ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فقلته فَيُقَال لَك: لَا دَريت وَلَا تليت وَكَانَ الْأَحْسَن بك إِن كنت ذَا عقل وَفهم وَقد أخذت بأقوال الإِمَام الَّذِي قلدته أَن تضم إِلَى ذَلِك قَوْله: " إِنَّه لَا يحل لأحد أَن يقلده " فَمَا بالك تركت هَذَا من أَقْوَاله؟ ! .
ثمَّ اعْلَم أَنَّك مسئول يَوْم الْقِيَامَة عَن دين الله هَذَا الَّذِي أنزل بِهِ كِتَابه الْعَزِيز وَبعث بِهِ نبيه الْكَرِيم فَانْظُر مَا أَنْت قَائِل، وبماذا تجيب؟ إِن قلت: أخذت بقول الْعَالم فلَان فَهَذَا الْعَالم فلَان مَعَك فِي عرصات الْقِيَامَة مسئول كَمَا سُئِلت متعبد بِمَا تعبدك الله بِهِ.
فَإِذا قلت: قلدت فلَانا وَأخذت بقوله فعبدت الله سُبْحَانَهُ بِمَا أَمرنِي بِهِ، وأفتيت بِمَا قَالَه وقضيت بِمَا قَرَّرَهُ فأبحت الْفروج وسفكت الدِّمَاء وَقطعت الْأَمْوَال. فَإِن قيل لَك: فعلت هَذَا بِحَق أَو بباطل، فَمَا أَنْت قَائِل؟ .
وَإِن قلت: فعلت ذَلِك بقول فلَان فَلَا بُد أَن يُقَال لَك: علمت أَن قَوْله صَوَاب مُوَافق لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ فِي كِتَابه وَسنة رَسُوله فَلَا بُد أَن تَقول: لَا أَدْرِي. فَلَا دَريت، وَلَا تليت، ثمَّ إِذا قيل لَك فِي عرصات الْقِيَامَة أَي دَلِيل لَك على تَخْصِيص هَذَا الْعَالم بِالْعَمَلِ بِجَمِيعِ مَا قَالَه، وتأثيره على قَول غَيره بل
стр. 100
على الْكتاب وَالسّنة، هَل بعثته نَبيا لعبادي بعد مُحَمَّد بن عبد الله رَسُولي؟ أم أمرت عبَادي بِطَاعَتِهِ كَمَا أمرت عبَادي بِاتِّبَاع رَسُولي فَانْظُر مَا أَنْت قَائِل. فَإِن هَذَا سُؤال لَا بُد أَن تسْأَل عَنهُ، فَإِن الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا بعث إِلَى عباده رَسُولا وَاحِدًا، وَأنزل إِلَيْهِم كتابا وَاحِدًا، وَجَمِيع الْأمة أَولهَا وَآخِرهَا، سابقها ولاحقها، متعبدون بِمَا شَرعه لَهُم الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه، وعَلى لِسَان رَسُوله [ ﷺ ] .
وَمن جملَة من هُوَ متعبد بِهَذِهِ الشَّرِيعَة رَسُول الله [ ﷺ ] ، فَكيف بإمامك الَّذِي هُوَ وَاحِد من الْعَالم، وفرد من أَفْرَاد الْبشر؟ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بهتان عَظِيم.
مَنْهَج الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ:
ثمَّ انْظُر يَا مِسْكين فِي أَمر آخر، وَهُوَ أَنه قد انْقَضى، قبل حُدُوث هَذِه الْمذَاهب. خير الْقُرُون ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ، وَمَعْلُوم لكل من لَهُ فهم أَنهم كَانُوا على الْعَمَل بِالْكتاب وَالسّنة، وَكَانَ المقصرون مِنْهُم يسْأَلُون الْعلمَاء عَن الحكم الَّذِي يعرض لَهُم فِي عبَادَة أَو مُعَاملَة، فيجيبون عَلَيْهِم بِمَا عِنْدهم من الْكتاب وَالسّنة ويروون لَهُم مَا ورد فيهمَا فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة. وَأَنت تقر بِأَنَّهُم على هدى وَحقّ، فَانْظُر فِي حَال من خَالف مَا كَانُوا عَلَيْهِ من أهل التَّقْلِيد الْحَادِث، وَاجعَل نَفسك حَيْثُ شِئْت، واختر لَهَا مَا يحلوا.
فَإِن قلت إمامي قد كَانَ كَمَا كَانَ عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ، قُلْنَا لَك فَهَل شَاركهُ فِي ذَلِك غَيره أم لَا، فَإِن قلت نعم، قُلْنَا لَك فَمَا حملك على الْأَخْذ بقول وَاحِد من أهل الْعلم دون غَيره مَعَ نَهْيه لَك عَن تَقْلِيده؟﴾ ! .
وَيُقَال لهَذَا الْمُقَلّد أَيْضا إِذا أخْبرك عَالم من عُلَمَاء الْإِسْلَام بِأَن مَا قلدت
стр. 101
إمامك فِيهِ فِي الْمَسْأَلَة الْفُلَانِيَّة، خلاف مَا فِي كتاب الله وَخلاف مَا فِي سنة رَسُوله، أَو خلاف مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَة والتابعون، فَهَل أَنْت تَارِك لذَلِك الرَّأْي الَّذِي أخذت بِهِ من رَأْي إمامك أم لَا؟ .
إِن قلت نعم فقد هديت ورشدت، وَلَا نطلب مِنْك غير هَذَا. فَانْظُر مَا عِنْد أكَابِر عُلَمَاء عصرك فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة الَّتِي قلدت إمامك فِيهَا، واسألهم عَن الدَّلِيل، وَعَما هُوَ الْحق المطابق للْكتاب وَالسّنة، واعمل على قَوْلهم، وعَلى مَا يرشدونك إِلَيْهِ، وَلَا نسْأَل، إِلَّا من اشْتهر بَين النَّاس بِمَعْرِِفَة الْكتاب وَالسّنة.
وَإِن قلت لَا، فاعرف مَا أَنْت عَلَيْهِ، وَمَا هُوَ الْأَمر الَّذِي وَقعت [فِيهِ] واعترف على نَفسك بِأَن رَأْي إمامك أقدم من كتاب الله وَمن سنة رَسُوله، وَبعد ذَلِك انْظُر بعقلك هَل أوجب الله عَلَيْك اتِّبَاع هَذَا الْعَالم، وَالْأَخْذ بِجَمِيعِ مَا يَقُوله؟ ﴿﴾ وَأَقل حَال أَن تسْأَل عُلَمَاء الدّين فِي هَذِه الْمَسْأَلَة بخصوصها فَإِنَّهُ ينفتح لَك عِنْد ذَلِك بَاب خير وَطَرِيق رشد.
فَإِن أَبيت فَاعْلَم أَنَّك قد جعلت إمامك نَاسِخا للشريعة المحمدية رَافعا لَهَا، وَلَيْسَ بعد هَذَا من الضلال شَيْء، وَأَنت إِن أنصفت اعْترفت بِهَذَا، وَلم تنكره فَإِن أنكرته فَأَخْبرنِي مَتى آثرت دَلِيلا من كتاب، أَو سنة على قَول إمامك وَسَأَلت عُلَمَاء الْكتاب وَالسّنة عَن مَسْأَلَة مِمَّا أَنْت عَلَيْهِ وَرجعت إِلَى مَا أفتوك بِهِ، وروه لَك؟ ﴿﴾ .
فَإِن قلت: أَنْت لَا تعرف الْحجَّة وَلَا تعلقهَا، وَلَا تَدْرِي هَل الصَّوَاب بيد
стр. 102
إمامك، أَو بيد من خَالفه، قُلْنَا: فَأخْبرنَا هَل أَنْت على قصورك وجهلك لَا يسعك، مَا وسع الْمُقَصِّرِينَ من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ؟ ؟ ﴿﴾ فقد كَانَ فيهم من هُوَ كَذَلِك.
فَإِن قلت: وَمَا كَانُوا يصنعونه إِذا احتاجوا إِلَى الْعَمَل فِي عبَادَة أَو مُعَاملَة؟ قُلْنَا: كَانُوا يسْأَلُون المشتهرين بِالْعلمِ عَن الشَّرِيعَة فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة، ويستروونهم النُّصُوص فيروونها لَهُم.
فَكُن كَمَا كَانُوا، واعمل كَمَا عمِلُوا. وَإِن قلت: لَا يسعك مَا وسعهم فَلَا وسع الله عَلَيْك. وستعلم سوء مغبة مَا أَنْت فِيهِ وخسار عاقبته وَلَا يظلم رَبك أحدا.
معنى الِاقْتِدَاء بالصحابة، وموقف الْمُقَلّد من ذَلِك:
وَقد احْتج بعض مقصري المقلدة لجَوَاز التَّقْلِيد بِحَدِيث " أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ ".
وَهَذَا الحَدِيث لم يَصح عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، كَمَا هُوَ مَعْلُوم عِنْد أهل هَذَا الشَّأْن، فقد اتَّفقُوا على أَنه غير ثَابت، وَلَو سلمنَا ثُبُوته تنزلا فَمَعْنَاه ظَاهر وَاضح، وَهُوَ الِاقْتِدَاء بالصحابة فِي الْعَمَل بالشريعة الَّتِي تلقوها عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وأخذوها عَنهُ، فَمن اقْتدى بِوَاحِد مِنْهُم فِيمَا يرويهِ مِنْهَا عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فقد اهْتَدَى ورشد وَدخل إِلَى الشَّرِيعَة من الْبَاب الَّذِي يدْخل إِلَيْهَا مِنْهُ.
وَلَيْسَ المُرَاد الِاقْتِدَاء بِهِ فِي رَأْيه فَإِنَّهُم ﵃ لَا أرى لَهُم يُخَالف مَا بَلغهُمْ من الشَّرِيعَة قطّ.
стр. 103
رأى الْعَالم عِنْد فقد الدَّلِيل رخصَة لَهُ فَقَط:
وَلَو كَانَ مثل هَذَا حجَّة فِي الِاقْتِدَاء بِمَا ينْقل عَنْهُم من الرَّأْي الرَّاجِع إِلَى الْكتاب وَالسّنة بِقِيَاس صَحِيح أَو نَحوه لَكَانَ ذَلِك خَاصّا بالصحابة للمزية الَّتِي [لَا يساويهم فِيهَا غَيرهم] وَلَا يلْحق بهم سواهُم، مَعَ أَنه قد وَقع الْإِجْمَاع من عُلَمَاء الْإِسْلَام جَمِيعًا أَن رأى الْعَالم عِنْد فقد الدَّلِيل إِنَّمَا هُوَ رخصَة لَهُ لَا يحل لغيره الْعَمَل بِهِ حَسْبَمَا قد بَيناهُ، فِي مؤلفاتنا بأتم بَيَان ونقلناه أصح نقل.
ثمَّ بعد اللتيا وَالَّتِي نقُول لهَذَا الْمُسْتَدلّ بِهَذَا الحَدِيث الَّذِي لم يَصح: هَب أَنه صَحِيح فَهَل قلدت صحابياً أم غير صَحَابِيّ، وَعند ذَلِك يقف حِمَاره على القنطرة.
وَمثل هَذَا لَو اسْتدلَّ مستدل مِنْهُم بِحَدِيث " عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين المهديين من بعدِي ".
فَإِن المُرَاد بِهِ الِاقْتِدَاء بهم فِي أَقْوَالهم وأفعالهم، وَفِي عباداتهم، ومعاملاتهم، وهم لَا يوقعونها إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي أَخَذُوهُ من رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وعرفوه من أَفعاله وأقواله، وَقد كَانَ ذَلِك ديدنهم وهَجِيراهم لَا لَا يفارقونه قيد شبر، وَلَا يخالفونه أدنى مُخَالفَة.
فَهَذَا هُوَ المُرَاد بِالْحَدِيثِ على مَا فِيهِ من الْمقَال، فَإِن فِي إِسْنَاده مولى الرِّبعي وَهُوَ مَجْهُول، والمفضل الضَّبِّيّ وَلَيْسَ بِحجَّة.
ثمَّ بعد اللتيا وَالَّتِي نقُول للمستدل بذلك فَهَل قلدت أحد الْخُلَفَاء الرَّاشِدين أم قلدت غَيرهم؟ .
стр. 104
وَهُوَ لَا بُد أَن يعْتَرف أَنه قلد غَيرهم، وَأَنه أبعد النَّاس عَن اتِّبَاع مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَأَنه لَو جَاءَهُ من هديهم الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ مُجَلد ضخم يُخَالف أدنى مَسْأَلَة مِمَّا قلد فِيهَا إِمَامه لرمى بِهِ وَرَاء الْحَائِط، وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَلَا عول عَلَيْهِ.
ثمَّ إِذا صَحَّ هَذَا الحَدِيث فَفِيهِ الْإِرْشَاد إِلَى سنته [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَسنة خلفائه الرَّاشِدين. وَمَعْلُوم أَن مَا كَانَ قد ثَبت من سنته لَا يُخَالِفهُ الْخُلَفَاء الراشدون وَلَا غَيرهم من الصَّحَابَة.
بل هم عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُم سنة تخَالف مَا سنه رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قطّ، وَلَا سمع عَن وَاحِد مِنْهُم فِي جَمِيع عمره أَنه خَالف سنة ثَابِتَة عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم.
مَنْهَج الِاجْتِهَاد، هُوَ مَنْهَج الرَّسُول [ ﷺ ] وَأَصْحَابه:
وَإِذا عرفت هَذَا فقد قدمنَا من الْآيَات القرآنية، وَالْأَحَادِيث الصَّحِيحَة مَا هُوَ مَنْهَج الْحق، ومهيع الشَّرْع، وَهُوَ الْأَمر الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وخلفاؤه الراشدون، وَبِه تقوم الْحجَّة على كل مُسلم، وَمن سنته [ ﷺ ] وَآله وَسلم الصَّحِيحَة الثَّابِتَة المتلقاة بِالْقبُولِ قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم
(كل أَمر لَيْسَ عَلَيْهِ أمرنَا فَهُوَ رد) .
وكل عَاقل لَهُ أدنى تعلق بِعلم الشَّرِيعَة المطهرة يعلم علما لَا شكّ فِيهِ وَلَا شُبْهَة أَن التَّقْلِيد لم يكن عَلَيْهِ أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. وَأَنه
стр. 105
حَادث بعد مُضِيّ عصره [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وعصر أَصْحَابه وعصر التَّابِعين لَهُم. فَهُوَ رد أَي مَرْدُود مَضْرُوب بِهِ وَجه صَاحبه.
فَإنَّا نعلم أَن الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ أَمر رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم هُوَ الْعَمَل بِكِتَاب الله سُبْحَانَهُ ثمَّ بِمَا سنه رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَبَينه للنَّاس عَن أَمر الله كَمَا قَالَ: ﴿إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحى﴾ . وَقَالَ: ﴿مَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ . وَقَالَ: ﴿وَأَطيعُوا الله وَأَطيعُوا الرَّسُول﴾ وَقَالَ: ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ .
وَقَالَ ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾ . وَقَالَ: ﴿فَإِن تنازعتم فِي شَيْء فَردُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُول الْآيَة﴾ . وَقَالَ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَول الْمُؤمنِينَ إِذا دعوا إِلَى الله وَرَسُوله ليحكم بَينهم أَن يَقُولُوا سمعنَا وأطعنا﴾ وَقَالَ: ﴿فَلَا وَرَبك لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوك فِيهَا شجر بَينهم ثمَّ لَا يَجدوا فِي أنفسهم حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾ . وَقد تقدم الْكَلَام على بعض هَذِه الْآيَات الْكَرِيمَة.
стр. 106
وَمن سنته [ ﷺ ] وَآله وَسلم الَّتِي قَالَ فِيهَا:
(عَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء الرَّاشِدين) قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
(كل بِدعَة ضَلَالَة) . والتقليد بِدعَة لَا يُخَالف فِي ذَلِك مُخَالف، وَلَا يشك فِيهِ شَاك. فِيمَا أَيهَا الْمُقَلّد انْزعْ عَن غوايتك، واخرج عَن ضلالتك وخلِّص نَفسك من بدعتك. ودع عَنْك التَّعَلُّق بِمَا لَا يسمن وَلَا يُغني من جوع.
(فَهَذَا الْحق لَيْسَ بِهِ خَفَاء ... وَدعنِي من بُنَيَّاتِ الطَّرِيق)
(فَخير الْأُمُور السالفات على الْهدى ... وَشر الْأُمُور المحدثات الْبَدَائِع)
فَهَكَذَا نقُول فِي حَدِيث " اقتدوا بالذين بعدِي أَبُو بكر وَعمر ". وَحَدِيث " رضيت لأمتي مَا رضى لَهَا ابْن أم عبد " وَحَدِيث: " إِن أَبَا عُبَيْدَة ابْن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة " وَنَحْو ذَلِك من الْأَحَادِيث.
فَالْمُرَاد الِاقْتِدَاء بِمن أمرنَا بالاقتداء بِهِ فِي أَقْوَاله وأفعاله الْوَارِدَة على الشَّرِيعَة المطهرة، وَكَذَلِكَ الرضى بمارضيه ابْن مَسْعُود من الْأَفْعَال والأقوال الْوَارِدَة على مَا توجبه الشَّرِيعَة المطهرة.
стр. 107
وَكَذَلِكَ كَون أبي عُبَيْدَة بن الْجراح أَمِين هَذِه الْأمة هُوَ لما اختصه الله سُبْحَانَهُ بِهِ من عظم الْأَمَانَة على الْأُمُور الَّتِي من أعظمها هَذَا الدّين القويم والشريعة الْمُبَارَكَة.
الْمَطْلُوب من مقلد وَمن عوام الْمُسلمين:
وَقد عرفت مَا قدمْنَاهُ من أَنا لَا نكلف الْمُقَلّد أَن يعرف نُصُوص الشَّرِيعَة حَتَّى يَقُول: لَا أقدر على ذَلِك وَلَا أستطيعه، بل قُلْنَا لَهُ دع هَذِه الْبِدْعَة الْحَادِثَة، وَكن كَمَا كَانَ المقصرون من الصَّحَابَة [وَالتَّابِعِينَ] الَّذين اشتغلوا عَن حفظ الْعلم، وَالْبُلُوغ إِلَى غَايَته بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة، من جِهَاد أَو عبَادَة. وَلَك بهم أُسْوَة وَفِيهِمْ لَك قدوة، فاسأل أهل الْعلم كَمَا أَمرك الله بسؤالهم بقوله: ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾
واطلب مِنْهُم أَن يرووا لَك مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة فِي الْحَادِثَة الَّتِي احتجت إِلَى السُّؤَال عَنْهَا من عبَادَة أَو مُعَاملَة.
وكل عَالم يعلم وَإِن قلَّ علمه - أَنه لم يكن فيهم أحد منتسبا إِلَى أحد من كبار الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا يروون للنَّاس الْعلم ويفتونهم بِهِ، كَمَا ينْسب بعد حُدُوث الْمذَاهب كل مقلد إِلَى من قَلّدهُ، بل كَانَ السَّائِل مِنْهُم يسْأَل من يلقاه من المشتهرين بِالْعلمِ مِنْهُم على كَيفَ مَا يتَّفق لَهُ وَيَأْخُذ مَا يرويهِ لَهُ، ويفتيه بِهِ، وَقد قدمنَا الْإِشَارَة إِلَى هَذَا.
стр. 108
الِاجْتِهَاد ووحدة الْأَحْكَام:
وَيَنْبَغِي أَن يعلم كل من لَهُ فهم أَن دين الله وَاحِد، وَأَن مَا أحله فَهُوَ حَلَال لَا يتَغَيَّر عَن صفته، وَمَا حرمه فَهُوَ حرَام لَا يتَغَيَّر.
وَإِذا قَالَ قَائِل من أهل الْعلم فِيمَا قد أحله بكتابه أَو بِسنة رَسُوله أَنه حرَام فَهُوَ مُخطئ مُخَالف لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ. وَإِذا قَالَ قَائِل من أهل الْعلم فِيمَا قد حرمه الله سُبْحَانَهُ: أَنه حَلَال، فَهُوَ مُخطئ آثم مُخَالف لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ. وَلَكِن هَذَا الْقَائِل الَّذِي قَالَ بِخِلَاف مَا تقرر فِي الشَّرِيعَة، إِن كَانَ أَهلا للِاجْتِهَاد وَقد بحث كُلية الْبَحْث فَلم يجد فَهُوَ مُخطئ مأجور كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قدمنَا ذكره أَن للمجتهد مَعَ الْإِصَابَة أَجْرَيْنِ، وللمجتهد مَعَ الْخَطَأ أجرا، وَهُوَ حَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ مُتلقى بِالْقبُولِ.
وَإِن كَانَ غير أهل للِاجْتِهَاد، أَو لم يبْحَث كَمَا يجب عَلَيْهِ فَهُوَ مجازف فِي دين الله آثم بمخالفته لما شَرعه الله لِعِبَادِهِ.
فَمن قَالَ إِن كل مُجْتَهد مُصِيب [إِن] أَرَادَ أَنه مُصِيب للحق فقد غلط غَلطا بَينا، فَإِنَّهُ جعل حكم الله سُبْحَانَهُ متناقضا متخالفا، لِأَنَّهُ إِذا قَالَ قَائِل هَذَا حرَام، وَقَالَ آخر هَذَا حَلَال، كَانَ حكم الله تَعَالَى فِي تِلْكَ الْعين عِنْده أَنَّهَا حَلَال حرَام. وَهَذَا بَاطِل من القَوْل، وزائف من الرَّأْي، وفاسد من النّظر، فَإِنَّهُ مَعَ كَونه بَاطِلا فِي نَفسه يتنزه الله عَنهُ، هُوَ أَيْضا خلاف مَا عِنْد أهل الْعلم.
стр. 109
وَإِن أَرَادَ أَنه مُصِيب بِمَعْنى أَنه يسْتَحق أجرا على اجْتِهَاده وَإِن أَخطَأ، فَهَذَا معنى صَحِيح، وَلكنه إِطْلَاق لفظ يُخَالف مَا أطلقهُ عَلَيْهِ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم حَيْثُ قَالَ: وَإِن اجْتهد فَأَخْطَأَ فَلهُ أجر، فَلَا يَنْبَغِي أَن يُطلق لفظ الْمُصِيب عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ لمن أطلق هَذَا اللَّفْظ إِرَادَة صَحِيحَة. بل يَنْبَغِي أَن يُقَال كَمَا قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من وَصفه بالْخَطَأ مَعَ اسْتِحْقَاق الْأجر. أَو يُقَال: إِنَّه مُخطئ مأجور.
وكما أَن هَذَا الْإِطْلَاق لَا يحسن لما فِيهِ من شبه الرَّد على رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَإِن كَانَ لَهُ إِرَادَة صَحِيحَة، كَذَلِك لَا يجوز أَن يُقَال فِي شَأْن هَذَا الْمُخطئ كَمَا يَقُوله بعض أهل الْأُصُول: إِنَّه مُخطئ آثم، فَإِن هَذَا قَول بِالْجَهْلِ، وَمُخَالفَة لرَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم، فَإِنَّهُ أثبت لَهُ الْأجر وَهَذَا الْقَائِل أثبت لَهُ الْإِثْم.
وَأما قَول من قَالَ من أهل الْأُصُول: إِنَّه مُخطئ مُخَالف للأشبه عِنْد الله فَهُوَ قَول صَوَاب، لِأَنَّهُ مَعَ الْخَطَأ قد خَالف الْحق، إِذا كَانَ يُرِيد بالأشبه مَا هُوَ الْحق عِنْد الله.
وَإِن كَانَ يُرِيد غير هَذَا الْمَعْنى كَأَن يُرِيد بالأشبه الْأَقْرَب، فَهُوَ كَلَام غير صَحِيح، لِأَنَّهُ لَا قرب لخلاف الْحق حَتَّى يكون الْحق أقرب مِنْهُ.
وعَلى كل حَال، فَالْأَحْسَن أَن يُقَال فِي مُخطئ الْحق مَا قَالَه رَسُول الله مُخطئ لَهُ أجر.
стр. 110
والبعيد كل [الْبعد] عَن الْحق قَول من قَالَ: إِن كل مُجْتَهد مُصِيب من الْإِصَابَة، وَإِن كل وَاحِد من الْعلمَاء قد أصَاب الْحق الَّذِي يُريدهُ الله سُبْحَانَهُ، فَإِنَّهُم قد جعلُوا مُرَاد الله أمرا داثراً بَين اجتهادات الْمُجْتَهدين إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، فَكل مُجْتَهد إِذا اجْتهد فَذَلِك الِاجْتِهَاد هُوَ مُرَاد الله من الْعباد، وَإِن خَالف اجْتِهَاد غَيره، وناقضه كَمَا تقدم.
منطق المقلدين هُوَ منطق السوفسطائيين:
وَمَا أشبه الْقَائِل بِهَذِهِ الْمقَالة بالفرقة الَّتِي يُقَال لَهَا الْفرْقَة بالسوفسطائية فَإِنَّهُم جَاءُوا بِمَا يُخَالف الْعقل فَلم يعْتد بأقوالهم أحد من عُلَمَاء الْمَعْقُول لِأَنَّهَا بالجنون أشبه مِنْهَا بِالْعقلِ.
وهم ثَلَاثَة فرق: عِنْدِيَّة ، وعِنَادية، والأَدَرية.
فالعندية: إِذا قيل لأَحَدهم أَنْت مَوْجُود، قَالَ للقائل: عنْدك لَا عِنْدِي.
والعنادية: إِذا قيل لأَحَدهم أَنْت مَوْجُود قَالَ: لَا، فَإِذا قيل لَهُ مَا هَذَا الشبح الَّذِي أرَاهُ وَالْكَلَام الَّذِي أسمعهُ مِنْهُ وَالْحرم الَّذِي ألمسه، قَالَ: لَا شَيْء وَلَا وجود لي.
следующие страницы →