← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6886

قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

الشوكاني

Полный текст (308 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

من مَاء فَنظر بَعضهم إِلَى بعض وَقَالُوا: أَحيَاء الْيمن كثير فلعلهم مِنْهُم وَانْصَرفُوا ". وَجَاء رجل إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَقَالَ: " احملني، فَقَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا ولدا لناقة فَقَالَ: مَا أصنع بِولد النَّاقة؟ فَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] : وَهل تَلد الْإِبِل - إِلَّا النوق؟ " فيجاب عَنهُ بِأَن مَا ذَكرُوهُ من قصَّة أَيُّوب خَارج عَمَّا نَحن بصدده، فَإِن أَيُّوب نذر أَن يضْربهَا مائَة عصى وَقد ضربهَا كَذَلِك بِمِائَة عصى. وَأَيْضًا لَو سلم أَنه نذر أَن يضْربهَا مائَة عَصا مفرقة، أَو مائَة ضَرْبَة مفرقة فَذَلِك الَّذِي أذن الله لَهُ بِهِ تَخْفيف على الْمَرْأَة وَنسخ لما كَانَ قد أوجبه على نَفسه على تَقْدِير أَنه كَانَ يجب فِي شَرِيعَته الْوَفَاء بِالنذرِ، وَأَنه لما نذر أوجب الله ذَلِك عَلَيْهِ ثمَّ خفف عَلَيْهِ وَنسخ مَا كَانَ قد أوجبه الله عَلَيْهِ بإيجابه على نَفسه. وَمَا الْمَانِع من أَن يُوجب الله شَيْئا ثمَّ ينسخه وَلَيْسَ النزاع فِي مثل هَذَا فَإِن شريعتنا هَذِه فِيهَا النَّاسِخ والمنسوخ. وَإِنَّمَا النزاع فِي شَرِيعَة كملت وَأخْبرنَا الله بكمالها فَقَالَ: ﴿الْيَوْم أكملت لكم دينك﴾ ثمَّ انْقَطع الْوَحْي بِمَوْت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. ثمَّ جَاءَ جمَاعَة حولوا الشَّرِيعَة وبدلوها فحللوا حرامها، وأسقطوا فرائضها بأكاذيب لم يَأْذَن الله بهَا بل هِيَ ضد لشريعته وَدفع لَهَا وَرفع لأحكامها.

стр. 142

فَأَيْنَ قصَّة أَيُّوب من صَنِيع هَؤُلَاءِ المحتالة على الله وعَلى رَسُوله وعَلى الشَّرِيعَة الإسلامية، وعَلى عباد الله الْمُسلمين؟ . وَأي جَامع يجمع بَين هَذَا وَبَين قصَّة أَيُّوب؟ ثمَّ هَذِه الْقِصَّة الأيوبية هِيَ من التَّحَلُّل من الْإِيمَان وَالْخُرُوج من المأثم، فَلَو فَرضنَا أَن لَهَا دخلا فِيمَا قصدوه لَكَانَ ذَلِك خَاصّا بِمَا فِيهِ خُرُوج من المأثم والتحلل من الْإِيمَان. وَقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْيَمين إِذا كَانَ غَيرهَا خيرا مِنْهَا كَانَ الْحِنْث أولى من الْبر كَمَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] أَنه قَالَ: " من حلف من شَيْء فَرَأى غَيره خيرا مِنْهُ، فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر عَن يَمِينه " وَصَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " وَالله لَا أَحْلف على يَمِين فَأرى غَيرهَا خيرا مِنْهَا إِلَّا أتيت الَّذِي هُوَ خير وكفرت عَن يَمِيني ". فقد ثَبت فِي شرعنا أَن الْحَالِف على يَمِين غَيرهَا خير مِنْهَا يكفر عَن يَمِينه من غير حَاجَة إِلَى ضرب فِي مثل صُورَة يَمِين أَيُّوب لَا مفرقاً، وَلَا مجموعاً وَقد ثَبت أَن امْرَأَة أَيُّوب كَانَت ضَعِيفَة لَا يحْتَمل ضعفها لوُقُوع مائَة ضَرْبَة مفرقة. وَمثل هَذَا قد سوغت شريعتنا التَّخْفِيف فِيهِ خُرُوجًا من المأثم، وَلَا سِيمَا إِذا صَحَّ مَا روى أَن مَرِيضا أقرّ بِالزِّنَا وَكَانَ ضَعِيفا لَا يحْتَمل الْحَد الشَّرْعِيّ فَأمر النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم بِأَن يضْرب بشمراخ من النّخل فِيهِ مائَة عثكول. فَهَذَا لَيْسَ بحيلة بل شَرِيعَة ثَابِتَة. وَلَيْسَ النزاع إِلَّا فِيمَا فعله المحتالون من زحلقة أَحْكَام الشَّرِيعَة بالأقوال الكاذبة المفتراة لَا فِيمَا قد ثَبت فِي الشَّرِيعَة.

стр. 143

وَبِهَذَا يَتَقَرَّر لَك أَن استدلالهم بِقصَّة أَيُّوب خَارج عَن مَحل النزاع مَعَ أَن هَذِه الْقِصَّة هِيَ أعظم مَا عولوا عَلَيْهِ وبنوا عَلَيْهِ القناطر الَّتِي لَيست من الشَّرِيعَة فِي قبيل وَلَا دبير، بل هِيَ ضد للشريعة وعناد لَهَا. وَأما قصَّة يُوسُف فَالْجَوَاب عَنْهَا وَاضح لِأَنَّهَا وَاقعَة وَقعت لنَبِيّ من أَنْبيَاء الله سُبْحَانَهُ صنعها الله سُبْحَانَهُ لَهُ لخير أَرَادَ بِهِ لأَهله. فَإِن كَانَ مثل ذَلِك مَمْنُوعًا فِي شريعتنا فقد نسخ مَا كَانَ فِي تِلْكَ الشَّرِيعَة بِمَا كَانَ فِي شريعتنا، وشريعتنا هِيَ الشَّرِيعَة الناسخة للشرائع، وَمَعْلُوم أَنه لَا يُؤْخَذ مِمَّا كَانَ من الشَّرَائِع السَّابِقَة إِلَّا مَا قَرّرته شريعتنا مِنْهَا لَا مَا خالفته وأبطلته، فَمَا لنا وللتعلق بشريعة مَنْسُوخَة؟ ﴿. وَإِن كَانَ مثل ذَلِك جَائِزا فِي شريعتنا فَلَيْسَ النزاع فِيمَا هُوَ جَائِز فِيهَا. بل النزاع فِي حيل المحتالين ودنس المدنسين المحللين لأحكام الشَّرِيعَة من عِنْد أنفسهم المسقطين لفرائض الله سُبْحَانَهُ بآرائهم الفايلة وتدليساتهم الْبَاطِلَة. (ب) الْحِيلَة والشريعة: وَالْحَاصِل أَن كل مَا ثَبت فِي الشَّرِيعَة من تَخْفيف أَو خُرُوج من مأثم فَنحْن نقُول هُوَ شَرِيعَة بَيْضَاء نقية، فَمن زعم أَنه حِيلَة فقد افترى على الله وعَلى رَسُوله وعَلى كتاب الله وعَلى سنة رَسُوله الْكَذِب الصَّرَاح وَالْبَاطِل البَوَاح. فَأَيْنَ هَذَا من صنع هَؤُلَاءِ المعاندين لله وَلِرَسُولِهِ الْمُخَالفين للْكتاب وَالسّنة الدافعين لما هُوَ ثَابت فِيهَا بعد كمالها وتمامها وَمَوْت نبيها وَانْقِطَاع الْوَحْي مِنْهَا؟﴾ يالله الْعجب

стр. 144

من هَؤُلَاءِ الَّذين تجرؤا أَولا على عناد الشَّرِيعَة ومخالفتها ﴿﴾ . وَثَانِيا الِاسْتِدْلَال بِمَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ، أَو كَانَ فِي شَرِيعَة نَبِي من الْأَنْبِيَاء قد رفعت شريعتنا حكمه ونسخته وأبطلته ﴿﴾ وَهَكَذَا يُجَاب عَنْهُم فِي حَدِيث التَّمْر وَبيع الْجَمِيع بِالدَّرَاهِمِ وَشِرَاء الخبيب بهَا. فَإِن ذَلِك شَرِيعَة وَاضِحَة وَسنة قَائِمَة متضمنة لبيع الشَّيْء بِقِيمَتِه الَّتِي يَقع التَّرَاضِي عَلَيْهَا، فَكَانَ ذَلِك مِمَّا أذن الله سُبْحَانَهُ بِهِ بقوله تَعَالَى: ﴿تِجَارَة عَن ترَاض﴾ وَبقول رَسُوله [ ﷺ ] : " لَا يحل مَال امْرِئ مُسلم إِلَّا بِطيبَة من نَفسه ". وَلَيْسَ مِمَّا نهى الله عَنهُ بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُم بَيْنكُم بِالْبَاطِلِ﴾ ، وَبقول رَسُوله [ ﷺ ] : " إِن دماءكم وَأَمْوَالكُمْ عَلَيْكُم حرَام ". (م) الْحِيلَة من الإضافات للشريعة المبطلة لفرائضها: وَلَيْسَ النزاع إِلَّا فِي صنع المحتالين الْمُخَالفين للشريعة المزلزلين لأحكامها المستبدلين بهَا غَيرهَا بعد كمالها وَانْقِطَاع الْوَحْي مِنْهَا وَمَوْت نبيها [ ﷺ ] وَآله وَسلم. فَأنْتم أَيهَا المحتالون إِذا عملتم بِهَذَا الحكم الثَّابِت فِي السّنة فَلَيْسَ ذَلِك من الْعَمَل بالحيلة فِي شَيْء، بل من الْعَمَل بالشريعة الإسلامية، وَلَا نطلب مِنْكُم إِلَّا الْعَمَل بهَا والثبوت على مَا فِيهَا، وَترك تَحْلِيل حرامها وَإِبْطَال فرائضها. فاشدد يَديك على مَا ذَكرْنَاهُ هَا هُنَا من الْجَواب على المحتالين فَإنَّك إِن جاوبتهم بِهِ ألقمتهم حجرا وقطعتهم قطعا لَا يَجدونَ عَنهُ محيصاً.

стр. 145

وَقد أجَاب عَنْهُم أهل الْعلم بجوابات لم نرتضها وَتَركنَا ذكر أَي شَيْء مِنْهَا لاحتمالها للمعارضة والمناقضة وَفتح بَاب الْمقَال للمحتالين. (د) المعاريض من الشَّرِيعَة: وَأما مَا ذَكرُوهُ من قَوْله [ ﷺ ] لمن سَأَلَهُمْ من هم فَقَالَ [ ﷺ ] : " من مَاء "، وَقَوله [ ﷺ ] : " مَا أحملك على ولد النَّاقة " فَلَيْسَ فِي هَذَا من الْحِيلَة الْمُحرمَة شَيْء، بل هُوَ من بَاب المعاريض فِي الْكَلَام، قد ثَبت الْإِذْن بهَا فِي هَذِه الشَّرِيعَة كَمَا صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] : " أَنه كَانَ إِذا أَرَادَ غَزْوَة يروي بغَيْرهَا " مَعَ كَون قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم " نَحن من مَاء " كَلَام صَحِيح صَادِق فَإِنَّهُ قصد [ ﷺ ] مَا ذكره الله سُبْحَانَهُ من قَوْله سُبْحَانَهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا﴾ وَنَحْوهَا من الْآيَات. وَكَذَلِكَ قَوْله: " أحملك على ولد النَّاقة " فَإِن الْجمل هُوَ ولد النَّاقة، وَكَذَلِكَ مَا روى [ ﷺ ] من قَوْله: " لَا تدخل الْجنَّة عَجُوز ": وَكَذَلِكَ مَا روى عَن أبي بكر ﵁ فِي حَدِيث الْهِجْرَة أَنه كَانَ إِذا سُئِلَ عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من هُوَ؟ قَالَ: " هَذَا يهديني السَّبِيل ". [فالمعاريض] بَاب آخر لَيست من التحيل فِي شَيْء. لَكِن هَؤُلَاءِ قد صَارُوا مثل الغريق بِكُل حَبل يلتوي. فيا معشر المحتالين على الله وعَلى كِتَابه وعَلى رَسُوله وعَلى سنته وعَلى الْمُسلمين: (دعوا كل قَول عِنْد قَول مُحَمَّد ... فَمَا آمن فِي دينه كمخاطر)

стр. 146

(فدع عَنْك بهتاً صِيحَ فِي حجراته ... وهات حَدِيثا مَا حَدِيث الرَّوَاحِل) (يَقُولُونَ أقوالا وَلَا يعرفونها ... وَلَو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا) (هـ) من الْحِيَل المكفرة والمنافية للدّين: إِذا عرفت فَهَذَا فَاعْلَم أَن من هَذِه الْحِيَل الشيطانية مَا يسْتَلْزم كفر فَاعله وَكفر من أفتاه، وَذَلِكَ كمن يُفْتِي الْمَرْأَة بِأَن ترتد عَن الْإِسْلَام لأجل تبين من زَوجهَا. وَكَمن يُفْتِي الْحَاج إِذا خَافَ الْفَوْت وخشي وجوب الْقَضَاء عَلَيْهِ من قَابل أَن يكفر بِاللَّه ويرتد عَن الْإِسْلَام، فَإِذا عَاد إِلَى الْإِسْلَام لم يلْزمه الْقَضَاء. فاسمع واعجب من حِيلَة أوجبت كفر فاعلها وَكفر من أفتاه بهَا فَكَانَت ثَمَرَة هَذِه الْحِيلَة الملعونة هِيَ خُرُوج رجلَيْنِ مُسلمين من الْإِسْلَام إِلَى الْفِكر. فَهَل شَيْء من الشَّرّ يعدل هَذَا الشَّرّ؟ ! وَهُوَ نوع من معاصي الله يعدل الْكفْر بِاللَّه وَالْخُرُوج عَن دين الْإِسْلَام؟ . وَهَذَا الْمُفْتِي وَإِن كَانَ قد ظلم نَفسه ابْتِدَاء وَخرج من الْإِسْلَام إِلَى الْكفْر فعلى نَفسهَا براقش تجنى. وَلَكِن الشَّأْن فِي ظلمه لهَذِهِ المسكينة وَهَذَا الْمِسْكِين اللَّذين استفتياه عَن الشَّرِيعَة الإسلامية فأخرجهما مِنْهَا بادئ بَدْء. وَمن جملَة الْحِيَل الملعونة مَا قَالُوهُ فِي إِسْقَاط الْقصاص الشَّرْعِيّ أَنه إِذا جرح رجلا فخشي أَن يَمُوت من الْجرْح فَإِن يدْفع إِلَيْهِ دَوَاء مسموماً يَمُوت بِهِ فَيسْقط عَنهُ الْقصاص. وَمِمَّا قَالُوهُ فِي إِسْقَاط حد السّرقَة أَن السَّارِق يَقُول هَذِه ملكي وَهَذِه دَاري وَهَذَا عَبدِي.

стр. 147

وَمن هَذِه الْحِيَل الملعونة أَنه إِذا اغتصب شَيْئا فَادَّعَاهُ الْمَغْصُوب عَلَيْهِ فَأنكرهُ فَطلب تَحْلِيفه قَالُوا: إِنَّه يقر بِهِ لوَلَده الصَّغِير فَيسْقط عَنهُ الْيَمين ويفوز بالمغضوب. وَقَالُوا: إِذا أَرَادَ إِخْرَاج زَوجته من الْمِيرَاث فِي مَرضه أقرّ بِأَنَّهُ قد طَلقهَا ثَلَاثًا. وَقَالُوا: إِذا كَانَ فِي يَده نِصَاب فَبَاعَهُ أَو وهبه قبل الْحول ثمَّ استرده سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة. بل قَالُوا: إِذا كَانَ عِنْده نِصَاب من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَأَرَادَ إِسْقَاط زَكَاته فِي جَمِيع عمره، فَالْحِيلَةُ أَن يَدْفَعهَا إِلَى محتال مثله فِي آخر الْحول، وَيَأْخُذهُ مِنْهُ نَظِيره فيستأنفا الْحول، ثمَّ إِذا كَانَ آخر الْحول فعلا كَذَلِك فَلَا تجب عَلَيْهِمَا زَكَاة مَا عاشا. وَهَكَذَا إِذا كَانَ لَهُ عرُوض للتِّجَارَة قَالُوا: يَنْوِي آخر الْحول أَنَّهَا للْقنية ثمَّ ينْقض هَذِه النِّيَّة بعد سَاعَة، فَلَا تجب عَلَيْهِ زَكَاة مَا عَاشَ. وَهَكَذَا قَالُوا إِذا أَرَادَ أَن يُجَامع فِي نَهَار رَمَضَان يَبْتَدِئ بِالْأَكْلِ وَالشرب ثمَّ يُجَامع بعد ذَلِك، فَلَا يجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة. بل قَالُوا إِنَّه إِذا نوى قبل الْجِمَاع قطع الصَّوْم لم تجب عَلَيْهِ الْكَفَّارَة. وَهَكَذَا قَالُوا إِذا كَانَ لَهُ نِصَاب من السَّائِمَة فَأَرَادَ إِسْقَاط زَكَاتهَا، فَالْحِيلَةُ فِي ذَلِك أَن يعلفها يَوْمًا وَاحِدًا ثمَّ تعود إِلَى السّوم. وَكم نعد من هَذِه الْحِيَل الطاغوتية لهَؤُلَاء الشَّيَاطِين فَإِنَّهَا فِي الْغَالِب فِي كل بَاب من أَبْوَاب الشَّرِيعَة. وَمن لم يعرف أَنَّهَا حيل بَاطِلَة معاندة للشريعة لَا يجوز التَّعَلُّق بِشَيْء مِنْهَا، وَلَا يتَحَلَّل فاعلها مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ فَهُوَ بَهِيمَة لَيْسَ من هَذَا النَّوْع الإنساني وَلَا يسْتَحق

стр. 148

أَن يُخَاطب خطاب الْعُقَلَاء فضلا عَن خطاب المتشرعين. وَيجب على كل مُسلم أَن يُعَاقب فَاعل هَذِه الْحِيَل الملعونة بِمَا يَلِيق بِهِ من الْعقُوبَة حَتَّى يرجع عَن فعله، ويلتزم بِمَا يلْزمه شرعا، وَيَتُوب إِلَى الله سُبْحَانَهُ من الذَّنب الَّذِي أوقعه فِيهِ الْمُفْتِي لَهُ. وَأما الْمُفْتِي لَهُ فَيَنْبَغِي إغلاظ الْعقُوبَة لَهُ حَتَّى يعْتَرف أَولا بِبُطْلَان مَا خيله لَهُ الشطيان، وأوقعه فِيهِ من أَن تِلْكَ الْحِيلَة المعاندة لدين الْإِسْلَام لَيْسَ لَهَا وَجه صِحَة أَو شَائِبَة من قبُول، ثمَّ يَتُوب إِلَى الله من أَن يعود إِلَى شَيْء من تِلْكَ الْفَتَاوَى الملعونة، فَإِن فعل ذَلِك، وَإِلَّا فَأَقل الْأَحْوَال تَطْوِيل حَبسه حَتَّى تصح تَوْبَته، وإشهاره فِي النَّاس بِأَنَّهُ معاند للشريعة فِيمَا قد فعله وتحذير النَّاس من قبُول مَا يدليهم بِهِ من الْغرُور ويوقعهم فِيهِ من الْبَاطِل. (ب) " التَّقَرُّب بالنوافل ": قَوْله: " وَمَا زَالَ عَبدِي يتَقرَّب إليَّ بالنوافل ". " فِي رِوَايَة الْكشميهني " وَمَا يزَال " بِصِيغَة الْمُضَارع ". وَوَقع فِي حَدِيث أبي أُمَامَة " يتحبب إليَّ " بدل يتَقرَّب. وَكَذَا حَدِيث مَيْمُونَة.

стр. 149

والتقرب التفعل وَهُوَ طلب الْقرب. والنوافل هِيَ مَا عدا الْفَرَائِض الَّتِي افترضها الله سُبْحَانَهُ على عباده من جَمِيع أَجنَاس الطَّاعَات من صَلَاة وَصِيَام وَحج وَصدقَة وأذكار، وكل مَا ندب الله سُبْحَانَهُ إِلَيْهِ وَرغب فِيهِ من غير حتم وافتراض. وتختلف النَّوَافِل باخْتلَاف ثَوَابهَا فَمَا كَانَ ثَوَابه أَكثر كَانَ فعله أفضل. وتختلف أَيْضا باخْتلَاف ثَوَابهَا فَمَا كَانَ ثَوَابه أَكثر كَانَ فعله أفضل. وتختلف أَيْضا باخْتلَاف مَا ورد فِي التَّرْغِيب فِيهَا: فبعضها قد يَقع التَّرْغِيب فِيهِ ترغيباً مؤكداً. وَقد يلازمه [ ﷺ ] مَعَ التَّرْغِيب للنَّاس فِي فعله. ١ - من نوافل الصَّلَاة: وَمن نوافل الصَّلَاة المرغب فِيهَا الْمُؤَكّد فِي استحبابها رواتب الْفَرَائِض وَهِي كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عبد الله بن عمر قَالَ: " حفظت عَن رَسُول الله [ ﷺ ] رَكْعَتَيْنِ قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء وَرَكْعَتَيْنِ قبل الْغَدَاة ". وَأخرجه التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث عَائِشَة. وَأخرجه أَحْمد وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد بِمَعْنَاهُ لَكِن زادوا: " قبل الظّهْر أَرْبعا ".

стр. 150

وَأخرج مُسلم وَأهل السّنَن من حَدِيث أم حَبِيبَة بنت أبي سُفْيَان عَن النَّبِي [ ﷺ ] قَالَ: " من صلى فِي يَوْم وَلَيْلَة اثْنَتَيْ عشرَة سَجْدَة سوى الْمَكْتُوبَة بنى لَهُ بَيت فِي الْجنَّة ". زَاد التِّرْمِذِيّ: " أَرْبعا قبل الظّهْر وَرَكْعَتَيْنِ بعْدهَا وَرَكْعَتَيْنِ بعد الْمغرب " وَزَاد النَّسَائِيّ: " رَكْعَتَيْنِ قبل الْعَصْر وَلم يذكر رَكْعَتَيْنِ بعد الْعشَاء ". وَأخرج أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيثهمَا قَالَت: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: " من صلى أَربع رَكْعَات قبل الظّهْر وأربعا بعْدهَا حرمه الله على النَّار " وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ، وَلكنه من رِوَايَة مَكْحُول عَن عَنْبَسَة بن أبي سُفْيَان عَن أم حَبِيبَة وَلم يسمع مَكْحُول من عَنْبَسَة، وَفِي إِسْنَاد التِّرْمِذِيّ عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن صَاحب أبي أُمامة، وَقد اخْتلف فِيهِ فَمنهمْ من يضعف رِوَايَته، وَمِنْهُم من يوثقه. وَوجه تَصْحِيح التِّرْمِذِيّ لَهُ أَنه قد تَابع مَكْحُولًا [الشّعبِيّ] وَهُوَ ثِقَة وَقد صحّح هَذَا الحَدِيث أَيْضا ابْن حبَان. وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (رحم الله أمرأ صلى قبل الْعَصْر أَرْبعا) حسنه التِّرْمِذِيّ، وَصَححهُ

стр. 151

ابْن حبَان وَابْن خُزَيْمَة، وَفِي إِسْنَاده مُحَمَّد بن مهْرَان وَفِيه مقَال. وَقد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَابْن عدي. وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " مَا صلى، [ ﷺ ] وَآله وَسلم الْعشَاء قطّ فَدخل عَليّ إِلَّا صلى أَربع رَكْعَات أَو سِتّ رَكْعَات " وَرِجَال إِسْنَاده ثِقَات، وَمُقَاتِل بن بشير الْعجلِيّ، قد وَثَّقَهُ ابْن حبَان وَقد أخرجه النَّسَائِيّ، وَأخرجه البُخَارِيّ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: " بت عِنْد خَالَتِي مَيْمُونَة الحَدِيث " وَفِيه " فصلى النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم الْعشَاء ثمَّ جَاءَ إِلَى منزله فصلى أَربع رَكْعَات " وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " لم يكن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم على

стр. 152

شَيْء من النَّوَافِل أَشد تعاهداً مِنْهُ على رَكْعَتي الْفجْر ". وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيثهَا عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَت: " رَكعَتَا الْفجْر خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " وَأخرج أَحْمد وَأَبُو دَاوُد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] : " لَا تدعوا رَكْعَتي الْفجْر وَلَو طردتكم الْخَيل) وَفِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق الْمدنِي وَيُقَال عباد ابْن إِسْحَاق. قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ، وَهُوَ حسن الحَدِيث وَلَيْسَ بثبت وَلَا قوي: قلت: قد أخرج لَهُ مُسلم وَاسْتشْهدَ بِهِ البُخَارِيّ وَوَثَّقَهُ يحيى بن معِين. وَمن النَّوَافِل الْمُؤَكّدَة صَلَاة اللَّيْل مَعَ الْوتر فِي آخرهَا: وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: قَامَ رجل فَقَالَ: يَا رَسُول الله: " كَيفَ صَلَاة اللَّيْل؟ فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: صَلَاة اللَّيْل مثنى مثنى فَإِذا خفت الصُّبْح فأوتر بِوَاحِدَة ". وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يُصَلِّي مَا بَين أَن يفرغ من صَلَاة الْعشَاء إِلَى الْفجْر إِحْدَى عشرَة رَكْعَة يسلم بَين كل رَكْعَتَيْنِ ويوتر بِوَاحِدَة ".

стр. 153

وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيثهَا قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة يُوتر من ذَلِك بِخمْس لَا يجلس فِي شَيْء مِنْهُنَّ إِلَّا فِي آخِرهنَّ ". وَثَبت [فِي] الصَّحِيح " أَنه كَانَ يُصَلِّي فِي اللَّيْل أَرْبعا ثمَّ أَرْبعا ثمَّ أَرْبعا ثمَّ يُوتر بِرَكْعَة " وَثَبت الْإِتْيَان بِسبع وتسع. وَمن النَّوَافِل الْمُؤَكّدَة صَلَاة الضُّحَى: وَالْأَحَادِيث فِي مشروعيتها متواترة حَسْبَمَا أوضحنا ذَلِك فِي شرحنا للمنتقى وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَحَدِيث أبي هُرَيْرَة: " أَوْصَانِي خليلي [ ﷺ ] وَآله وَسلم بِثَلَاث صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من كل شهر، وركعتي الضُّحَى. وَأَن أوتر قبل أَن أَنَام ". وَفِيهِمَا من حَدِيث أم هَانِئ " أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم صلى على سُبحة الضُّحَى ثَمَان رَكْعَات يسلم بَين كل رَكْعَتَيْنِ "، وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي أَحدهمَا كَحَدِيث أبي ذَر قَالَ. قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (يصبح على كل سلامي صَدَقَة إِلَى أَن قَالَ: ويجزى من ذَلِك رَكْعَتَيْنِ تركعهما من الضُّحَى) أخرجه مُسلم وَغَيره. وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يُصَلِّي الضُّحَى أَربع وثمان رَكْعَات وَيزِيد مَا شَاءَ) . وَمِنْهَا مَا هُوَ فِي غَيرهمَا وَهُوَ أَحَادِيث كَثِيرَة. وَمن النَّوَافِل الْمُؤَكّدَة صَلَاة تَحِيَّة الْمَسْجِد، وَالْأَحَادِيث فِيهَا كَثِيرَة

стр. 154

صَحِيحَة، وَمِنْهَا حَدِيث أبي قَتَادَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِذا دخل أحدكُم الْمَسْجِد فَلَا يجلس حَتَّى يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ". وَمن النَّوَافِل الْمُؤَكّدَة الصَّلَاة عقب الْوضُوء كَمَا فِي حَدِيث بِلَال فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه قَالَ لَهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " حَدثنِي بأرجى عمل عملته فِي الْإِسْلَام فَإِنِّي سَمِعت دو نعليك بَين يَدي فِي الْجنَّة قَالَ: مَا عملت عملا أَرْجَى عِنْدِي إِنِّي لم أتطهر طهُورا فِي سَاعَة من ليل أَو نَهَار إِلَّا صليت بذلك الطّهُور مَا كتب لي أَن أُصَلِّي ". وَمن النَّوَافِل الْمُؤَكّدَة الصَّلَاة بَين الْأَذَان وَالْإِقَامَة كَمَا فِي حَدِيث عبد الله من مُغفل " بَين كل أذانين صَلَاة، بَين كل أذانين صَلَاة ثمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَة: لمن شَاءَ ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. وَالْمرَاد بالأذانين الْأَذَان وَالْإِقَامَة. وَفِي لفظ من حَدِيثه مُتَّفق عَلَيْهِ

стр. 155

أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " صلوا قبل الْمغرب رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ صلوا قبل الْمغرب رَكْعَتَيْنِ ثمَّ قَالَ عِنْد الثَّالِثَة: لمن شَاءَ كَرَاهِيَة أَن يتخذها النَّاس سنة أَي وَاجِبَة " وَفِي البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أنس قَالَ: " كَانَ إِذا أذن الْمُؤَذّن قَامَ نَاس من أَصْحَاب رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يبتدرون السَّوَارِي حَتَّى يخرج النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم وهم كَذَلِك ". تذييل - محبَّة الله والاستكثار من تِلْكَ النَّوَافِل: وَالْحَاصِل أَن جَمِيع التَّقَرُّب إِلَى الرب بنوافل الصَّلَاة فِي جَمِيع الْأَوْقَات من أحسن الْعِبَادَات إِلَّا فِي الْأَوْقَات المكروهات، فَمن استكثر مِنْهَا قرب إِلَى الله بِقدر مَا فعل مِنْهَا فَأَحبهُ وَلَيْسَ بعد الظفر بمحبة الله سُبْحَانَهُ لعَبْدِهِ شَيْء. ٢ - من نوافل الصّيام: وَأما نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة فَهِيَ كَثِيرَة، وَمِنْهَا صَوْم شهر الله الْمحرم فَإِنَّهُ [ ﷺ ] سُئِلَ أَي الصّيام بعد رَمَضَان أفضل؟ فَقَالَ: " شهر الله الْمحرم " كَمَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَأحمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة.

стр. 156

وَلَا يُعَارض هَذَا مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: " سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] أَي الصَّوْم أفضل بعد رَمَضَان؟ قَالَ شعْبَان ". لِأَن فِي إِسْنَاده صَدَقَة بن مُوسَى وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَيُؤَيّد أَفضَلِيَّة صَوْم الْمحرم مَا أخرجه التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث عَليّ أَنه سمع رجلا يسْأَل رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَهُوَ قَاعد فَقَالَ. يَا رَسُول الله: أَي شهر تَأْمُرنِي أَن أَصوم بعد شهر رَمَضَان فَقَالَ " إِن كنت صَائِما بعد شهر رَمَضَان فَصم الْمحرم فَإِنَّهُ شهر الله فِيهِ يَوْم تَابَ فِيهِ على قوم وَيَتُوب فِيهِ على قوم يَعْنِي يَوْم عَاشُورَاء ". وَقد ثَبت من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَعَائِشَة وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَابْن مَسْعُود فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا " أَنه كَانَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَصُوم يَوْم عَاشُورَاء قبل أَن يفْرض رَمَضَان، فَلَمَّا فرض رَمَضَان قَالَ: من شَاءَ صَامَهُ وَمن شَاءَ ترك ". وَثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَئِن بقيت إِلَى قَابل لأصومن التَّاسِع " وَفِي لفظ لِأَحْمَد: " صُومُوا يَوْم عَاشُورَاء، وخالفوا الْيَهُود صُومُوا قبله يَوْمًا وَبعده يَوْمًا ". وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة: صِيَام سِتّ من شَوَّال كَمَا فِي حَدِيث

стр. 157

أبي أَيُّوب عِنْد أَحْمد وَمُسلم وَأهل السّنَن عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من صَامَ رَمَضَان ثمَّ أتبعه سِتا من شَوَّال فَذَلِك صِيَام الدَّهْر ". وَأخرج أَحْمد وَابْن مَاجَه وَالنَّسَائِيّ والدارمي وَالْبَزَّار من حَدِيث ثَوْبَان عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من صَامَ رَمَضَان وَسِتَّة أَيَّام بعد الْفطر كَانَ تَمام السّنة من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا ". وَفِي الْبَاب أَحَادِيث: وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة: صَوْم عشر ذِي الْحجَّة فقد ثَبت فِي الصَّحِيح عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " مَا من أَيَّام الْعَمَل الصَّالح فِيهَا أحب إِلَى الله من هَذِه الْأَيَّام - يَعْنِي أَيَّام الْعشْر، قَالُوا يَا رَسُول الله وَلَا الْجِهَاد فِي

стр. 158

سَبِيل الله؟ قَالَ وَلَا الْجِهَاد فِي سَبِيل الله إِلَّا رجل خرج بِنَفسِهِ وَمَاله ثمَّ لم يرجع من ذَلِك شَيْء ". وَمن الْعشْر يَوْم عَرَفَة وَقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي قَتَادَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " صَوْم يَوْم عَرَفَة يكفِّر سنتَيْن مَاضِيَة ومستقبلة، وَصَوْم يَوْم عَاشُورَاء يكفر سنة مَاضِيَة ". وَمن نوافل الصّيام الْمُؤَكّدَة صَوْم شعْبَان كَمَا أخرج أَحْمد وَأهل السّنَن من حَدِيث أم سَلمَة " أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم لم يكن يَصُوم من السّنة شهرا تَاما إِلَّا شعْبَان يصل بِهِ رَمَضَان " وَحسنه التِّرْمِذِيّ. وَيَكْفِي فِي مَشْرُوعِيَّة: مُطلق التَّنَفُّل بالصيام، حَدِيث: " الصَّوْم لي وَأَنا أجزي بِهِ ". وَهُوَ حَدِيث صَحِيح. ٣ - من نوافل الْحَج: وَأما نوافل الْحَج، فَيَكْفِي فِي ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " قَالَ: سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: أَي الْأَعْمَال أفضل؟ قَالَ: إِيمَان بِاللَّه وبرسوله قَالَ ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ الْجِهَاد فِي سَبِيل الله قَالَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: حج مبرور " وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا، وَقد احْتج بِهِ من فضل نفل الْحَج على نفل الصَّدَقَة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيثه أَيْضا: أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " الْعمرَة [كَفَّارَة] لما بَينهمَا، وَالْحج المبرور لَيْسَ لَهُ جَزَاء إِلَّا الْجنَّة ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيثه قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول:

стр. 159

" من حج فَلم يرْفث وَلم يفسق رَجَعَ من ذنُوبه كَيَوْم وَلدته أمه ". ٤ - من نوافل الصَّدَقَة: وَأما نوافل الصَّدَقَة فقد ورد فِيهَا التَّرْغِيب الْعَظِيم، وَلَو لم يكن من ذَلِك إِلَّا قَول الله : ﴿وَمَا أنفقتم من شَيْء فَهُوَ يخلفه وَهُوَ خير الرازقين﴾ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " مَا من يَوْم يصبح الْعباد فِيهِ إِلَّا وملكان ينزلان من السَّمَاء فَيَقُول أَحدهمَا: اللَّهُمَّ أعْط منفقا خلفا، وَيَقُول الآخر: اللَّهُمَّ أعْط ممسكا تلفاً ". وَفِي صَحِيح مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " يَا ابْن آدم إِنَّك إِن تبذل الْفضل خير لَك، وَإِن تمسكه شَرّ لَك، وَلَا تلام على كفاف، وابدأ بِمن تعول وَالْيَد الْعليا خير من الْيَد السُّفْلى ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه سمع رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: " مثل الْبَخِيل والمنفق كَمثل رجلَيْنِ عَلَيْهِمَا جبتان من حَدِيد من ثديهما إِلَى تراقيهما فَأَما الْمُنفق فَلَا ينْفق إِلَّا [سبغت] عَلَيْهِ ووفرت على جلده حَتَّى تخفى بنانه وَتَعْفُو أَثَره. وَأما الْبَخِيل فَلَا يُرِيد أَن ينْفق شَيْئا إِذا لَزِمت كل حَلقَة مَكَانهَا فَهُوَ يوسعها فَلَا تتسع ". وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن مَسْعُود قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: أَيّكُم مَال وراثه أحب إِلَيْهِ من مَاله؟ قَالُوا يَا رَسُول

стр. 160

الله مَا منا أحد إِلَّا مَاله أحب إِلَيْهِ من مَال وَارثه. قَالَ: فَإِن مَاله مَا قدم وَمَال وَارثه مَا أخر ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أَسمَاء بنت أبي بكر قَالَت: قَالَ لي رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم " لَا توكى فيوكى الله عَلَيْك " وَفِي رِوَايَة " أنفقي أَو انفحي أَو انضحي وَلَا تحصي فيحصي الله عَلَيْك وَلَا توعي فوعى الله عَلَيْك ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل أَتَاهُ الله مَالا فَسَلَّطَهُ على هَلَكته فِي الْحق وَرجل أَتَاهُ الله حِكْمَة فَهُوَ يقْضِي بهَا وَيعلمهَا " وَفِي رِوَايَة " لَا حسد إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رجل أَتَاهُ الله الْقُرْآن فَهُوَ يقوم بِهِ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار وَرجل آتَاهُ الله مَالا فَهُوَ يُنْفِقهُ آنَاء اللَّيْل وآناء النَّهَار ". وَالْأَحَادِيث فِي التَّرْغِيب فِي الصَّدَقَة وعظيم أجرهَا كَثِيرَة جدا وأفضلها صلَة الرَّحِم كَمَا فِي البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من سره أَن يبسط لَهُ فِي رزقه وَأَن ينسأ لَهُ فِي أَثَره فَليصل رَحمَه " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: الرَّحِم معلقَة بالعرش تَقول: من وصلني وَصله الله،

стр. 161

وَمن قطعني قطعه الله ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث مَيْمُونَة " قَالَت يَا رَسُول الله: أشعرت أَنِّي أعتقت وليدتي قَالَ: وَفعلت؟ قَالَت: نعم. قَالَ أما أَنَّك لَو أعطيتهَا أخوالك كَانَ أعظم لأجرك " وَأخرج النَّسَائِيّ من حَدِيث سلمَان ابْن عَامر قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: الصَّدَقَة على الْمِسْكِين صَدَقَة وعَلى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ، صَدَقَة وصلَة ". (ج) التَّقَرُّب بالأذكار: ترغيب الْكتاب، وَالسّنة فِيهَا: وَأما نوافل الْأَذْكَار فقد ورد فِي التَّرْغِيب فِيهَا وعظيم أجرهَا الْكتاب وَالسّنة. أما الْكتاب فَمن ذَلِك قَوْله : ﴿وَلذكر الله أكبر﴾ أَي أكبر مِمَّا سواهُ من الْأَعْمَال الصَّالِحَة. وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فاذكروني أذكركم﴾ وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿واذْكُرُوا الله كثيرا لَعَلَّكُمْ تفلحون﴾ وَقَالَ: ﴿أَلا بِذكر الله تطمئِن الْقُلُوب﴾ وَقَالَ : ﴿والذاكرين الله كثيرا وَالذَّاكِرَات﴾ . وَفِي السّنة الْكثير الطّيب، فَمن ذَلِك حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ النَّبِي

стр. 162

[ ﷺ ] وَآله وَسلم: " أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي وَأَنا مَعَه إِذا ذَكرنِي، فَإِن ذَكرنِي فِي نَفسه ذكرته فِي نَفسِي، وَإِن ذَكرنِي فِي مَلأ ذكرته فِي مَلأ خير مِنْهُ، وَإِن اقْترب إِلَيّ شبْرًا اقْتَرَبت مِنْهُ ذِرَاعا، وَإِن اقْترب إِلَى ذِرَاعا اقْتَرَبت إِلَيْهِ باعا، وَإِن أَتَانِي مشياً أَتَيْته هرولة ". وَأخرجه البُخَارِيّ أَيْضا من حَدِيث أنس وَمن حَدِيث أبي ذَر وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي مُوسَى الَّذِي يذكر ربه وَالَّذِي لَا يذكر مثل الْحَيّ وَالْمَيِّت. وَأخرج أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ وَمَالك فِي الْمُوَطَّأ وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث أبي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم " أَلا أخْبركُم بِخَير أَعمالكُم وأزكاها عِنْد مليكم وأرفعها فِي درجاتكم، وَخير لكم من إِنْفَاق الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَخير لكم من أَن تلقوا عَدوكُمْ فتضربوا أَعْنَاقهم، ويضربوا أَعْنَاقكُم قَالُوا: بلَى. قَالَ: ذكر الله " وصَحَّحهُ الْحَاكِم، وَقَالَ الهيثمي:

стр. 163

إِسْنَاده حسن، وَأخرجه أَحْمد من حَدِيث معَاذ، قَالَ الْمُنْذِرِيّ بِإِسْنَاد جيد إِلَّا أَن فِيهِ انْقِطَاعًا، وَقَالَ الهيثمي: رِجَاله رجال الصَّحِيح إِلَّا أَن زِيَاد بن أبي زِيَاد مولى ابْن [عَيَّاش] لم يدْرك معَاذًا. وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد مَعًا عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " لَا يقْعد قوم يذكرُونَ الله تَعَالَى إِلَّا حفتهم الْمَلَائِكَة وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَة، وَنزلت عَلَيْهِم السكينَة وَذكرهمْ الله سُبْحَانَهُ فِيمَن

стр. 164

عِنْده ". وَأخرجه غير مُسلم من حَدِيثهمَا، مِنْهُم أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ وَأحمد فِي الْمسند، وَأَبُو يعلى الْموصِلِي وَابْن حبَان وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثهمَا ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ فِي الدَّعْوَات، وَابْن شاهين فِي الذّكر. وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث مُعَاوِيَة " أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم خرج على حَلقَة فِي الْمَسْجِد من أَصْحَابه فَقَالَ: مَا أجلسكم؟ قَالُوا جلسنا نذْكر الله نحمده على مَا هدَانَا لِلْإِسْلَامِ وَمن بِهِ علينا. فَقَالَ آللَّهُ مَا أجلسكم إِلَّا ذَلِك؟ قَالُوا: آللَّهُ مَا أجلسنا إِلَّا ذَلِك قَالَ: أما إِنِّي لم أستحلفكم تُهْمَة لكم وَلكنه أَتَانِي جِبْرِيل فَأَخْبرنِي أَن الله يباهي بكم الْمَلَائِكَة ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه من حَدِيث أنس من رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " إِذا مررتم برياض الْجنَّة فارتعوا قَالُوا يَا رَسُول الله وَمَا رياض الْجنَّة؟ قَالَ حلق الذّكر " وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثه أَحْمد فِي الْمسند وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب. قَالَ الْمَنَاوِيّ: وَإِسْنَاده وشواهده ترتقي إِلَى الصِّحَّة.

стр. 165

وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس وَفِي إِسْنَاده رجل مَجْهُول. وَالْأَحَادِيث فِي فَضَائِل الذّكر كثيرا جدا قد ذكرنَا مِنْهَا فِي شرحنا لعدة الْحصن الْحصين أَحَادِيث كَثِيرَة وَذكرنَا المفاضلة بَينهَا وَبَين سَائِر الْأَعْمَال فَليرْجع إِلَيْهِ. أعظم الْأَذْكَار أجرا: وَيَنْبَغِي أَن نذْكر هَهُنَا مَا عظم أجره من الْأَذْكَار لينْتَفع بِهِ المطلع على هَذَا الشَّرْح. فأفضل الذّكر مَا كَانَ فِي دُعَاء الرب فَإِنَّهُ مَطْلُوب مِنْهُ سُبْحَانَهُ كَمَا قَالَ: ﴿ادْعُونِي أستجيب لكم﴾ وعقبه بقوله: ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ الْآيَة، فَجعل الدُّعَاء لَهُ فِي حوائج العَبْد عبَادَة، وَجعل تَارِك الدُّعَاء مستكبراً عَن عِبَادَته. فسبحان الله الْعَظِيم ذِي الْكَرم الْفَيَّاض، والجود [المتتابع] . جعل سُؤال عَبده لحوائجه وَقَضَاء مآربه عبَادَة لَهُ وَطَلَبه مِنْهُ وذمه على تَركه بأبلغ أَنْوَاع الذَّم، فَجعله مستكبراً على ربه. فشكراً لَك يَا رب على هَذِه النِّعْمَة شكرا يَلِيق بك لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك. وَقَالَ : ﴿أَمن يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء " وَقَالَ: (وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِذا دعان﴾

стр. 166

وَمِمَّا قلته من النّظم فِي شكره على نعمه الَّتِي هَذِه النِّعْمَة الْعُظْمَى فَرد من أفرادها: (لَو كَانَ لي كل لِسَان لما ... وفيت بالشكر لبَعض النعم) (فَكيف لَا أعجز عَن شكرها ... وَلَيْسَ لي غير لِسَان وفم؟) (هَذَا هُوَ الإفضال هَذَا الْعَطاء ... الْفَيَّاض، هَذَا الْجُود هَذَا الْكَرم) وَأخرج ابْن أبي شيبَة فِي مُصَنفه وَأهل السّنَن الْأَرْبَع وَابْن حبَان من حَدِيث النُّعْمَان بن بشير قَالَ: قَالَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة " ثمَّ تَلا الْآيَة: ﴿وَقَالَ ربكُم ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم، إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عابدتي - الْآيَة﴾ . وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان وَالْحَاكِم. وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس قَالَ قَالَ رَسُول [الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم] : " الدُّعَاء مخ الْعِبَادَة ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث سلمَان عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يرد الْقَضَاء إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد الْعُمر إِلَّا الْبر " وَصَححهُ ابْن حبَان.

стр. 167

وَأخرجه أَيْضا الْحَاكِم وَصَححهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حسن غَرِيب. وَأخرجه أَيْضا الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، والضياء فِي المختارة. وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير، وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث ثَوْبَان أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يرد الْقدر إِلَّا الدُّعَاء وَلَا يزِيد فِي الْعُمر إِلَّا الْبر، وَأَن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يُصِيبهُ ". وَأخرج الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخطيب من حَدِيث عَائِشَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " لَا يغنى حذر من قدر، وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل وَأَن الْبلَاء لينزل فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". قَالَ الْحَاكِم صَحِيح وَتعقبه الذَّهَبِيّ فِي التَّلْخِيص، بِأَن زَكَرِيَّا بن مَنْصُور أحد رِجَاله مجمع على ضعفه. وَقَالَ فِي الْمِيزَان ضعفه ابْن معِين، ووهاه أَبُو زرْعَة، وَقَالَ البُخَارِيّ مُنكر الحَدِيث وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: حَدِيث

стр. 168

لَا يَصح، وَقَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد: " رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى بِنَحْوِهِ، وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط، وَرِجَال أَحْمد وَأبي يعلى وَأحد إسنادي الْبَزَّار، رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَغير عَليّ بن أَحْمد الرِّفَاعِي وَهُوَ ثِقَة ". قلت: وَبِهَذَا يعرف أَن الحَدِيث إِذا لم يكن صَحِيحا كَمَا قَالَ الْحَاكِم فَأَقل أَحْوَاله أَن يكون حسنا. وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان من حَدِيث عَائِشَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " لَيْسَ شَيْء أكْرم على الله من الدُّعَاء " قَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن غَرِيب، وَأخرجه أَيْضا من حَدِيثهَا أَحْمد فِي الْمسند وَالْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ، وَابْن مَاجَه وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك. وَقَالَ صَحِيح وَأقرهُ الذَّهَبِيّ، وَقَالَ ابْن حبَان: حَدِيث صَحِيح. قلت: وَإِنَّمَا لم يُصَحِّحهُ التِّرْمِذِيّ لِأَن فِي إِسْنَاده عِنْده عمرَان الْقطَّان ضعفه النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَمَشاهُ أَحْمد. قَالَ ابْن الْقطَّان: رُوَاته كلهم ثِقَات إِلَّا عمرَان وَفِيه خلاف. وَأخرج التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من لم يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ " وَأخرجه ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف بِلَفْظ " من لم يدع الله يغْضب عَلَيْهِ ". وَأخرجه بِاللَّفْظِ الأول وَالْحَاكِم وَكَذَلِكَ أخرجه بِاللَّفْظِ الثَّانِي فِي الْمُسْتَدْرك وَصَححهُ، وَمَا أحسن قَول الشَّاعِر:

стр. 169

(الله يغْضب إِن تركت سُؤَاله ... وَإِذا سَأَلت بني آدم بغضب) وَأخرج ابْن حبَان وَالْحَاكِم والضياء فِي المختارة من حَدِيث أنس مَرْفُوعا: " لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد " وَصَححهُ ابْن حبَان وَالْحَاكِم والضياء. فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَة أَئِمَّة صححوه. وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من سره أَن يستجيب الله لَهُ عِنْد الشدائد وَالْكرب فليكثر الدُّعَاء فِي الرخَاء " وَصَححهُ الْحَاكِم وَأقرهُ الذَّهَبِيّ، وَأخرجه الْحَاكِم أَيْضا من حَدِيث سلمَان وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد. وَأخرج الْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن وعماد الدّين وَنور السَّمَوَات وَالْأَرْض " قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد. وَأخرجه أَبُو يلعى من حَدِيث عَليّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَأخرجه أَبُو يعلى أَيْضا من [حَدِيث] جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " أَلا أدلكم على مَا ينجيكم من عَدوكُمْ ويدر [لكم] أرزاقكم؟ تدعون الله سُبْحَانَهُ فِي ليلكم ونهاركم فَإِن الدُّعَاء سلَاح الْمُؤمن ". وَأخرج أَحْمد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مَسْأَلَة إِلَّا أعطَاهُ إِيَّاهَا إِمَّا أَن يعجلها لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ " قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب: إِسْنَاده لَا بَأْس بِهِ. وَأخرجه أَيْضا البُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالْحَاكِم.

стр. 170

وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي سعيد عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته، وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة، وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا " قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: أسانيده جَيِّدَة وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَصَححهُ أَيْضا من حَدِيث سلمَان عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن ربكُم حييّ كريم يستحيي إِذا رفع الرجل إِلَيْهِ [يَدَيْهِ] أَن يردهما صفرا خائبتين ". وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أنس. أذكار الْأَوْقَات وفوائدها: وَمن أَكثر الْأَذْكَار أجوراً وَأَعْظَمهَا جَزَاء الْأَدْعِيَة الثَّابِتَة فِي الصَّباح والمساء فَإِن فِيهَا من النَّفْع وَالدَّفْع مَا هِيَ مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ. فعلى من أحب السَّلامَة من الْآفَات فِي الدُّنْيَا والفوز بِالْخَيرِ الآجل والعاجل أَن يلازمها ويفعلها فِي كل صباح وَمَسَاء، فَإِن عسر عَلَيْهِ الْإِتْيَان بجميعها أَتَى بِبَعْض مِنْهَا. وَقد ذكرهَا صَاحب عدَّة الْحصن وَذكرنَا فِي الشَّرْح لَهَا تخريجها وَبَيَان مَعَانِيهَا وَمَا ورد فِي مَعْنَاهَا. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي مُلَازمَة مَا يُقَال عِنْد النّوم وَعند الاستيقاظ، فَإِن ذَلِك هُوَ الترياق المجرب فِي دفع الْآفَات. وَهِي أَيْضا مَذْكُورَة فِي الْعدة. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يحافظ عِنْد خُرُوجه من بَيته على أَن يَقُول:

стр. 171

" أعوذ بِكَلِمَات الله التامات من شَرّ مَا خلق ": وَيَقُول: بِسم الله الَّذِي لَا يضر مَعَ اسْمه شَيْء فِي الأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء وَهُوَ السَّمِيع الْعَلِيم "، وَآيَة الْكُرْسِيّ فَإِن ذَلِك حرز حريز من جَمِيع الشرور لما ورد فِي هذَيْن الذكرين بِهَذَا اللَّفْظ، وَمَا ورد فِي آيَة الْكُرْسِيّ. وَكَذَلِكَ مُلَازمَة الاسْتِغْفَار فَإِنَّهُ المرهم الَّذِي يغسل كل ذَنْب، وَمن غفرت ذنُوبه فَازَ، وعَلى الصِّرَاط السوي جَازَ، وَقد ورد فِي ذَلِك أَحَادِيث ذكرهَا أَئِمَّة الحَدِيث. وَقد ذكر صَاحب عدَّة الْحصن مِنْهَا نَصِيبا وافراً وَذكرنَا فِي شرحنا لَهَا، للْكَلَام على كل حَدِيث مِنْهَا وضممنا إِلَيْهَا زِيَادَة على مَا فِيهَا. أذكار التَّوْحِيد: وَمن أعظم مَا يلازمه العَبْد من أذكار الله سُبْحَانَهُ هُوَ كلمة التَّوْحِيد. وَقد أخرج التِّرْمِذِيّ وَأحمد بن حَنْبَل من حَدِيث جَابر عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله " وَلَفظ أَحْمد " لَا إِلَه إِلَّا الله أفضل الذّكر وَهِي أفضل الْحَسَنَات ". وَأخرجه أَيْضا ابْن مَاجَه من حَدِيثه بِلَفْظ: " أفضل الذّكر لَا إِلَه إِلَّا الله وَأفضل الدُّعَاء الْحَمد لله " وَكَذَا أخرجه النَّسَائِيّ وَابْن حبَان وَصَححهُ وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد. كلهم أَخْرجُوهُ من طَرِيق طَلْحَة بن حِرَاش عَن جَابر. وَطَلْحَة أَنْصَارِي مدنِي صَدُوق. قَالَ: الْأَزْدِيّ لَهُ مَا يُنكر وَوَثَّقَهُ ابْن حبَان، وَأخرج لَهُ فِي صَحِيحه وَأخرج أَحْمد من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: " قلت يَا رَسُول الله أوصني قَالَ: إِذا [عملت] سَيِّئَة فأتبعها حَسَنَة تمحوها قَالَ قلت يَا رَسُول الله: أَمن الْحَسَنَات لَا إِلَه إِلَّا الله؟ قَالَ: هِيَ أفضل الْحَسَنَات ".

стр. 172

قَالَ فِي مجمع الزَّوَائِد رِجَاله ثِقَات إِلَّا أَن سَمُرَة بن عَطِيَّة حدث بِهِ عَن أشياخه من أبي ذَر وَلم يسم أحدا مِنْهُم. وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " مَا من عبد قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ مَاتَ على ذَلِك إِلَّا دخل الْجنَّة " وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله " من أسعد النَّاس بشفاعتك يَوْم الْقِيَامَة قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لقد ظَنَنْت أَن لَا يسألني عَن هَذَا الحَدِيث [أحد] أول مِنْك لما رَأَيْت من حرصك على الحَدِيث، أسعد النَّاس بشفاعتي يَوْم الْقِيَامَة من قَالَهَا خَالِصا من قلبه "، وَالْأَحَادِيث الثَّابِتَة فِي كَون من قَالَ هَذِه الْكَلِمَة وَكَانَت آخر قَوْله دخل الْجنَّة متواترة، فَالْحَمْد لله على ذَلِك. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي أَيُّوب أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ " من قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير عشر مَرَّات كَانَ كمن أعتق أَرْبَعَة من ولد إِسْمَاعِيل ".

стр. 173

الصَّلَاة على النَّبِي [ ﷺ ] وفضلها: وَمِمَّا يَنْبَغِي لطَالب الْخَيْر ملازمته، والاستكثار مِنْهُ وَجعله فَاتِحَة لكل دُعَاء الصَّلَاة وَالسَّلَام على رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. فقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث جمَاعَة " أَن من صلى على رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ عشر صلوَات ". فَانْظُر إِلَى هَذَا الْأَمر الْعَظِيم وَالْجَزَاء الْكَرِيم، يُصَلِّي العَبْد على الرَّسُول [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَاحِدَة فيصلى عَلَيْهِ خَالق الْعَالم وَرب الْكل عشر مَرَّات؟ فَهَذَا ثَوَاب لَا يعادله ثَوَاب وَجَزَاء لَا يُسَاوِيه جَزَاء وَأجر لَا يماثله أجر ﴿﴾ فليستكثر مِنْهُ من شَاءَ الاستكثار من الْخَيْر فَإِن هَذَا العَبْد الحقير الَّذِي هُوَ أحد مخلوقات الرب سُبْحَانَهُ يَقُول بِلِسَانِهِ هَذِه الصَّلَاة مرّة فَيرد الله عَلَيْهِ عشر مَرَّات؟ ﴿﴾ فَهَل دَلِيل على الرِّضَا وَالْمَغْفِرَة والمحبة من الرب للْعَبد أدل من هَذَا الدَّلِيل وأوضح من هَذِه الْحجَّة اللَّهُمَّ [ ﷺ ] على مُحَمَّد وعَلى آله مُحَمَّد عدد مَا صلى عَلَيْهِ المصلون مُنْذُ بعثته إِلَى الْآن، وَعدد مَا سيصلى عَلَيْهِ المصلون من الْآن إِلَى انْقِضَاء الْعَالم. وَمَعَ هَذَا فَمن أجور هَذِه الصَّلَاة على سيد ولد آدم [ ﷺ ] وَآله وَسلم مَا ورد من أَن أولى النَّاس بِهِ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَكْثَرهم صَلَاة عَلَيْهِ وَمَا ورد من أَن من صلى عَلَيْهِ " [ ﷺ ] " حطت عَنهُ عشر خطيئات وَرفعت لَهُ عشر دَرَجَات وَغير ذَلِك مِمَّا تكْثر الْإِحَاطَة بِهِ. بل ورد " أَن من صلى عَلَيْهِ صَلَاة وَاحِدَة صلى الله عَلَيْهِ وَمَلَائِكَته سبعين

стр. 174

صَلَاة " أخرج ذَلِك أَحْمد فِي الْمسند من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو. قَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي التَّرْغِيب والترهيب بِإِسْنَاد حسن وَكَذَلِكَ حسنه الهيثمي وَتَمَامه " فَلْيقل عبد من ذَلِك أَو ليكْثر ". وَمن نظر بِعَين الْمعرفَة فِي هَذَا وَفهم مَعْنَاهُ حق فهمه طَار بأجنحة السرُور والحبور إِلَى أوكار الاستكثار من هَذَا الْخَيْر الْعَظِيم وَالْأَجْر الجسيم وَالعطَاء الْجَلِيل والجود الْجَمِيل فشكراً لَك يَا واهب الجزل ومعطي الْفضل. التَّسْبِيح وفوائده: وَمِمَّا يَنْبَغِي لطَالب الْخَيْر ملازمته التَّسْبِيح وَالتَّكْبِير والتوحيد والتحميد فقد ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث سَمُرَة بن جُنْدُب قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: أحب الْكَلَام إِلَى الله أَربع: سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر لَا يَضرك بأيهن بدأت ". وَأخرجه من حَدِيثه أَيْضا النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " كلمتان خفيفتان على اللِّسَان ثقيلتان فِي الْمِيزَان حبيبتان إِلَى الرَّحْمَن: سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ الله الْعَظِيم " وَورد أَن الْأَرْبَع الْكَلِمَات الْمُتَقَدّمَة أفضل الْكَلَام بعد الْقُرْآن، كَمَا أخرجه أَحْمد بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح.

стр. 175

الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة: وَيَنْبَغِي لطَالب الْخَيْر وباغي الرشد أَن يلازم من الْأَدْعِيَة النَّبَوِيَّة مَا تبلغ إِلَيْهِ طاقته. وَأَقل حَال أَن يلازم الْكَلِمَات الجامعة مثل قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من زَوَال نعمتكم وتحول عاقبتك وفجأة نقمتك وَجَمِيع سخطك " هَكَذَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم عَنهُ [ ﷺ ] من حَدِيث ابْن عمر وَأخرجه من حَدِيثه أَيْضا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ. وَمثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة عِنْد مُسلم قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: اللَّهُمَّ أصلح لي ديني الَّذِي هُوَ عصمَة أَمْرِي وَأصْلح لي دنياي الَّتِي فِيهَا معاشي، وَأصْلح لي آخرتي الَّتِي إِلَيْهَا معادي، وَاجعَل الْحَيَاة زِيَادَة لي فِي كل خير وَاجعَل الْمَوْت رَاحَة لي من كل شَرّ ". وَمثل حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا عِنْد الشَّيْخَيْنِ وَغَيرهمَا عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " تعوَّذوا بِاللَّه من جهد الْبلَاء ودرك الشَّقَاء وَسُوء الْقَضَاء وشماتة الْأَعْدَاء ". وَمثل مَا أخرجه أَحْمد فِي مُسْنده وَابْن حبَان وَالْحَاكِم وصححاه وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير قَالَ فِي مجمع الزَّوَائِد وَإسْنَاد أَحْمد وَأحد إسنادي الطَّبَرَانِيّ ثِقَات. وَمثل حَدِيث أنس فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا قَالَ: كَانَ أَكثر دُعَاء النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " اللَّهُمَّ رَبنَا آتنا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الْآخِرَة حَسَنَة وقنا عَذَاب النَّار ". وَمثل سُؤال الله الْعَافِيَة وَقد ورد فِي ذَلِك أَحَادِيث متواترة كَمَا بَيناهُ فِي شرحنا لعدة الْحصن الْحصين.

стр. 176

الْأَدْعِيَة عقب الْوضُوء وَالصَّلَاة: وَمِمَّا يَنْبَغِي لطَالب الْخَيْر ملازمته الْأَدْعِيَة الْوَارِدَة عقب الْوضُوء وعقب الصَّلَوَات وَهِي كَثِيرَة. وَأَقل الْأَحْوَال أَن يقْتَصر عقب الْوضُوء على مَا أخرجه مُسلم وَأهل السّنَن من حَدِيث عمر بن الْخطاب عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ ثمَّ يَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ ". وعقب الصَّلَاة على مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث الْمُغيرَة " أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم كَانَ يَقُول فِي دبر كل صَلَاة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد ثَلَاث مَرَّات " وعَلى مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " أَن يكبر الله ويسبحه وَيَحْمَدهُ حَتَّى يحصل من الْجَمِيع (ثَلَاث وَثَلَاثُونَ) أَو من كل وَاحِدَة من هَذِه الْكَلِمَات إِحْدَى عشرَة كَمَا فِي صَحِيح مُسلم، أَو من كل وَاحِدَة مِنْهَا عشر عشر كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ. الْأَدْعِيَة عِنْد الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَدخُول الْمَسْجِد: وَيَقُول عِنْد الآذان كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي سعيد.

стр. 177

وَبعد أَن يَقُول الْمُؤَذّن: حَيّ على الصَّلَاة: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَبعد أَن يَقُول حَيّ على الْفَلاح لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عمر بن الْخطاب. وَيَقُول عِنْد سَماع النداء: " اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتٍ مُحَمَّد الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته " أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر. وَإِذا دخل الْمَسْجِد يَقُول: " اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك " وَإِذا خرج مِنْهُ يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من فضلك " كَمَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي حميد أَو أبي أسيد. الْأَدْعِيَة دَاخل الصَّلَاة: أما الْأَدْعِيَة دَاخل الصَّلَاة فَهِيَ كَثِيرَة جدا فِي كل ركن من أَرْكَانهَا فَيَأْتِي مِنْهَا بِمَا هُوَ صَحِيح عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. وَله أَن يَدْعُو بِمَا أحب كَمَا فِي حَدِيث: " فليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ " وَهُوَ وَإِن كَانَ واردا فِي التَّشَهُّد فَلَا فرق بَينه وَبَين سَائِر أَرْكَان الصَّلَاة. الْأَدْعِيَة فِي الصّيام وَالْحج وَالْجهَاد وَالسّفر وَغَيرهَا: وَهَكَذَا ورد فِي الصّيام وَالْحج وَالْجهَاد وَالسّفر وَغَيرهَا أدعية مروية فِي كتب الحَدِيث يتَخَيَّر مِنْهَا أَصَحهَا وأكثرها فَائِدَة فَلَا نطول بذكرها فَهِيَ مَعْرُوفَة فِي مواطنها. ولنرجع إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه.

стр. 178

د - الْإِيمَان وَطَرِيق الْولَايَة: قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه وَقرب الرب تَعَالَى من عَبده بِمَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا من عرفانه، وَفِي الْآخِرَة من رضوانه وَفِيمَا بَين ذَلِك من وُجُوه لطفه وامتنانه. وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إِلَّا يبعده من الْخلق قَالَ: وَقرب الرب بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة عَام للنَّاس، وباللطف والنصرة خَاص بالخواص وبالتأنيس خَاص بالأولياء. انْتهى مَا نَقله عَنهُ صَاحب الْفَتْح. وَأَقُول: يُشِير بقوله " قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه " إِلَى الحَدِيث الثَّابِت فِي الصَّحِيح أَنه سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم

стр. 179

عَن الْإِيمَان فَقَالَ: " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره ". وَأَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم سُئِلَ عَن الْإِحْسَان فَقَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ". ١ - الْإِيمَان بِالْقدرِ، وخاصة الْمُؤمنِينَ: فخصال الْإِيمَان يَسْتَوِي فِي الْأَرْبَع الْأَدِلَّة مِنْهَا غَالب الْمُسلمين. وَأما الْخَامِسَة وَهِي الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره فَهِيَ الْخصْلَة الْعُظْمَى [الَّتِي] تَتَفَاوَت فِيهَا الْأَقْدَام بِكَثِير من الدَّرَجَات فَمن رسخ قدمه فِي هَذِه الْخصْلَة ارْتَفَعت طبقته فِي الْإِيمَان. وَلَا يَسْتَطِيع الْإِيمَان بهَا كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا خلص الْمُؤمنِينَ وأفراد عباد الله الصَّالِحين. لِأَن من لَازم ذَلِك أَن يضيف إِلَى قدر الله كل مَا يَنَالهُ من خير وَشر غير متعرض للأسباب الَّتِي يتَعَلَّق بهَا كثير من النَّاس. وَإِذا مكنه الله من الْإِيمَان بِهَذِهِ الْخصْلَة كَمَا يَنْبَغِي وَعلم أَنَّهَا من عِنْد الله سُبْحَانَهُ بِقَدرِهِ السَّابِق لكل عبد من عباده، هَانَتْ عَلَيْهِ المصائب لعلمه بِأَن ذَلِك من عِنْد الله سُبْحَانَهُ، وَمَا كَانَ من عِنْد الله سُبْحَانَهُ فالرضى بِهِ وَالتَّسْلِيم لَهُ شَأْن كل عَاقل، لِأَنَّهُ خالقه وموجده من الْعَدَم فَهُوَ حَقه وَملكه يتَصَرَّف بِهِ كَيفَ يَشَاء كَمَا يتَصَرَّف الْعباد فِي أملاكهم من غير حرج عَلَيْهِم. فَإِن مَالك العَبْد أَو الْأمة إِذا أَرَادَ أَن يتَصَرَّف بهما ويخرجهما عَن ملكه لم تنكر الْعُقُول ذَلِك وَلَا تأباه الْعَادَات الْجَارِيَة بَين الْعباد. فَكيف تصرف الرب بمخلوقه فَإِنَّهُ الْمَالِك للْعَبد وسيده وَلما فِي الْأَرْضين وَالسَّمَوَات

стр. 180

من الْعَالم الَّذِي خلقه وشق سَمعه وبصره ورزقه وَمن عَلَيْهِ بِالنعَم الَّتِي لَا يقدر على شَيْء مِنْهَا إِلَّا هُوَ تعالت قدرته وتقدس اسْمه. ٢ - فَوَائِد الْإِيمَان بِالْقدرِ: وَمن فَوَائِد رسوخ الْإِيمَان بِهَذِهِ الْخصْلَة أَنه يعلم أَنه مَا وصل إِلَيْهِ من الخيرر على أَي صفة كَانَ وبيد من اتّفق فَهُوَ مِنْهُ ، فَيحصل لَهُ بذلك من الحبور وَالسُّرُور مَالا يقادر قدره لما لَهُ سُبْحَانَهُ من العظمة الَّتِي تضيق أذهان الْعباد عَن تصورها وتقصر عُقُولهمْ عَن إِدْرَاك أدنى منازلها. وَإِذا كَانَ للعطية من ملك من مُلُوك الدُّنْيَا مَا يتأثر لَهُ الْمُعْطِي ويفرح بِهِ وَيسر لأَجله لكَونه من أعظم بني آدم لجعل الله سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْحل وَالْعقد فِي طَائِفَة من عباده، فَكيف الْعَطاء الْوَاصِل من خَالق الْمُلُوك ورازقهم ومحييهم ومميتهم. وَمَا أحسن مَا قَالَه الْحَرْبِيّ ﵀: " من لم يُؤمن بِالْقدرِ لم يتهنَّ بعيشه ". وَهَذَا صَحِيح فَمَا تعاظمت الْقُلُوب بالمصائب، وَضَاقَتْ بهَا الْأَنْفس وحرجت [بهَا] الصُّدُور إِلَّا من ضعف الْإِيمَان بِالْقدرِ اللَّهُمَّ ارحمنا بِرَحْمَتك فَإنَّا من الضعْف مَا أَنْت أعلم بِهِ، وَمن عدم الصَّبْر على حوادث الزَّمَان مَالا يخفى عَلَيْك، وَمن عدم الثَّبَات عِنْد المحن مَا لديك حَقِيقَته. ولكننا نَسْأَلك الْعَافِيَة الَّتِي
следующие страницы →