Полный текст (308 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الْأَدْعِيَة عقب الْوضُوء وَالصَّلَاة:
وَمِمَّا يَنْبَغِي لطَالب الْخَيْر ملازمته الْأَدْعِيَة الْوَارِدَة عقب الْوضُوء وعقب الصَّلَوَات وَهِي كَثِيرَة.
وَأَقل الْأَحْوَال أَن يقْتَصر عقب الْوضُوء على مَا أخرجه مُسلم وَأهل السّنَن من حَدِيث عمر بن الْخطاب عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" مَا مِنْكُم من أحد يتَوَضَّأ ثمَّ يَقُول: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله إِلَّا فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ ".
وعقب الصَّلَاة على مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث الْمُغيرَة " أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم كَانَ يَقُول فِي دبر كل صَلَاة: لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير اللَّهُمَّ لَا مَانع لما أَعْطَيْت وَلَا معطي لما منعت، وَلَا ينفع ذَا الْجد مِنْك الْجد ثَلَاث مَرَّات " وعَلى مَا أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: " أَن يكبر الله ويسبحه وَيَحْمَدهُ حَتَّى يحصل من الْجَمِيع (ثَلَاث وَثَلَاثُونَ) أَو من كل وَاحِدَة من هَذِه الْكَلِمَات إِحْدَى عشرَة كَمَا فِي صَحِيح مُسلم، أَو من كل وَاحِدَة مِنْهَا عشر عشر كَمَا فِي صَحِيح البُخَارِيّ.
الْأَدْعِيَة عِنْد الْأَذَان وَالْإِقَامَة وَدخُول الْمَسْجِد:
وَيَقُول عِنْد الآذان كَمَا يَقُول الْمُؤَذّن كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي سعيد.
стр. 177
وَبعد أَن يَقُول الْمُؤَذّن: حَيّ على الصَّلَاة: لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه وَبعد أَن يَقُول حَيّ على الْفَلاح لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه، كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عمر بن الْخطاب.
وَيَقُول عِنْد سَماع النداء: " اللَّهُمَّ رب هَذِه الدعْوَة التَّامَّة وَالصَّلَاة الْقَائِمَة آتٍ مُحَمَّد الْوَسِيلَة والفضيلة وابعثه مقَاما مَحْمُودًا الَّذِي وعدته " أخرجه البُخَارِيّ من حَدِيث جَابر.
وَإِذا دخل الْمَسْجِد يَقُول: " اللَّهُمَّ افْتَحْ لي أَبْوَاب رحمتك " وَإِذا خرج مِنْهُ يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلك من فضلك " كَمَا أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي حميد أَو أبي أسيد.
الْأَدْعِيَة دَاخل الصَّلَاة:
أما الْأَدْعِيَة دَاخل الصَّلَاة فَهِيَ كَثِيرَة جدا فِي كل ركن من أَرْكَانهَا فَيَأْتِي مِنْهَا بِمَا هُوَ صَحِيح عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم. وَله أَن يَدْعُو بِمَا أحب كَمَا فِي حَدِيث: " فليتخير من الدُّعَاء أعجبه إِلَيْهِ " وَهُوَ وَإِن كَانَ واردا فِي التَّشَهُّد فَلَا فرق بَينه وَبَين سَائِر أَرْكَان الصَّلَاة.
الْأَدْعِيَة فِي الصّيام وَالْحج وَالْجهَاد وَالسّفر وَغَيرهَا:
وَهَكَذَا ورد فِي الصّيام وَالْحج وَالْجهَاد وَالسّفر وَغَيرهَا أدعية مروية فِي كتب الحَدِيث يتَخَيَّر مِنْهَا أَصَحهَا وأكثرها فَائِدَة فَلَا نطول بذكرها فَهِيَ مَعْرُوفَة فِي مواطنها. ولنرجع إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه.
стр. 178
د - الْإِيمَان وَطَرِيق الْولَايَة:
قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه وَقرب الرب تَعَالَى من عَبده بِمَا يَخُصُّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا من عرفانه، وَفِي الْآخِرَة من رضوانه وَفِيمَا بَين ذَلِك من وُجُوه لطفه وامتنانه.
وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إِلَّا يبعده من الْخلق قَالَ: وَقرب الرب بِالْعلمِ وَالْقُدْرَة عَام للنَّاس، وباللطف والنصرة خَاص بالخواص وبالتأنيس خَاص بالأولياء. انْتهى مَا نَقله عَنهُ صَاحب الْفَتْح.
وَأَقُول: يُشِير بقوله " قرب العَبْد من ربه يَقع أَولا بإيمانه ثمَّ بإحسانه " إِلَى الحَدِيث الثَّابِت فِي الصَّحِيح أَنه سُئِلَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم
стр. 179
عَن الْإِيمَان فَقَالَ:
" أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره ". وَأَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم سُئِلَ عَن الْإِحْسَان فَقَالَ: " أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك ".
١ - الْإِيمَان بِالْقدرِ، وخاصة الْمُؤمنِينَ:
فخصال الْإِيمَان يَسْتَوِي فِي الْأَرْبَع الْأَدِلَّة مِنْهَا غَالب الْمُسلمين. وَأما الْخَامِسَة وَهِي الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره فَهِيَ الْخصْلَة الْعُظْمَى [الَّتِي] تَتَفَاوَت فِيهَا الْأَقْدَام بِكَثِير من الدَّرَجَات فَمن رسخ قدمه فِي هَذِه الْخصْلَة ارْتَفَعت طبقته فِي الْإِيمَان.
وَلَا يَسْتَطِيع الْإِيمَان بهَا كَمَا يَنْبَغِي إِلَّا خلص الْمُؤمنِينَ وأفراد عباد الله الصَّالِحين. لِأَن من لَازم ذَلِك أَن يضيف إِلَى قدر الله كل مَا يَنَالهُ من خير وَشر غير متعرض للأسباب الَّتِي يتَعَلَّق بهَا كثير من النَّاس. وَإِذا مكنه الله من الْإِيمَان بِهَذِهِ الْخصْلَة كَمَا يَنْبَغِي وَعلم أَنَّهَا من عِنْد الله سُبْحَانَهُ بِقَدرِهِ السَّابِق لكل عبد من عباده، هَانَتْ عَلَيْهِ المصائب لعلمه بِأَن ذَلِك من عِنْد الله سُبْحَانَهُ، وَمَا كَانَ من عِنْد الله سُبْحَانَهُ فالرضى بِهِ وَالتَّسْلِيم لَهُ شَأْن كل عَاقل، لِأَنَّهُ خالقه وموجده من الْعَدَم فَهُوَ حَقه وَملكه يتَصَرَّف بِهِ كَيفَ يَشَاء كَمَا يتَصَرَّف الْعباد فِي أملاكهم من غير حرج عَلَيْهِم.
فَإِن مَالك العَبْد أَو الْأمة إِذا أَرَادَ أَن يتَصَرَّف بهما ويخرجهما عَن ملكه لم تنكر الْعُقُول ذَلِك وَلَا تأباه الْعَادَات الْجَارِيَة بَين الْعباد. فَكيف تصرف الرب بمخلوقه فَإِنَّهُ الْمَالِك للْعَبد وسيده وَلما فِي الْأَرْضين وَالسَّمَوَات
стр. 180
من الْعَالم الَّذِي خلقه وشق سَمعه وبصره ورزقه وَمن عَلَيْهِ بِالنعَم الَّتِي لَا يقدر على شَيْء مِنْهَا إِلَّا هُوَ تعالت قدرته وتقدس اسْمه.
٢ - فَوَائِد الْإِيمَان بِالْقدرِ:
وَمن فَوَائِد رسوخ الْإِيمَان بِهَذِهِ الْخصْلَة أَنه يعلم أَنه مَا وصل إِلَيْهِ من الخيرر على أَي صفة كَانَ وبيد من اتّفق فَهُوَ مِنْهُ ، فَيحصل لَهُ بذلك من الحبور وَالسُّرُور مَالا يقادر قدره لما لَهُ سُبْحَانَهُ من العظمة الَّتِي تضيق أذهان الْعباد عَن تصورها وتقصر عُقُولهمْ عَن إِدْرَاك أدنى منازلها.
وَإِذا كَانَ للعطية من ملك من مُلُوك الدُّنْيَا مَا يتأثر لَهُ الْمُعْطِي ويفرح بِهِ وَيسر لأَجله لكَونه من أعظم بني آدم لجعل الله سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْحل وَالْعقد فِي طَائِفَة من عباده، فَكيف الْعَطاء الْوَاصِل من خَالق الْمُلُوك ورازقهم ومحييهم ومميتهم.
وَمَا أحسن مَا قَالَه الْحَرْبِيّ ﵀: " من لم يُؤمن بِالْقدرِ لم يتهنَّ بعيشه ".
وَهَذَا صَحِيح فَمَا تعاظمت الْقُلُوب بالمصائب، وَضَاقَتْ بهَا الْأَنْفس وحرجت [بهَا] الصُّدُور إِلَّا من ضعف الْإِيمَان بِالْقدرِ اللَّهُمَّ ارحمنا بِرَحْمَتك فَإنَّا من الضعْف مَا أَنْت أعلم بِهِ، وَمن عدم الصَّبْر على حوادث الزَّمَان مَالا يخفى عَلَيْك، وَمن عدم الثَّبَات عِنْد المحن مَا لديك حَقِيقَته. ولكننا نَسْأَلك الْعَافِيَة الَّتِي
стр. 181
أرشدتنا إِلَى سؤالها مِنْك، وَقد أرشدنا رَسُولك [ ﷺ ] وَآله وَسلم إِلَى أَن [نستعيذ] بك من سوء الْقَضَاء كَمَا ثَبت لنا عَنهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا أَنه كَانَ يَقُول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من سوء الْقَضَاء ودرك الشَّقَاء وَجهد الْبلَاء وشماتة الْأَعْدَاء " فَنَقُول: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذ بك مِمَّا استعاذ مِنْهُ رَسُولك [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَإِنَّهُ قد سَنِّ ذَلِك لأمته.
٣ - الْإِيمَان بِالْقضَاءِ والاستعاذة من سوءه:
إِذا عرفت هَذَا فَاعْلَم أَنه لَا مُنَافَاة بَين الْإِيمَان بِالْقدرِ خَيره وشره وَبَين الِاسْتِعَاذَة من سوء الْقَضَاء.
فعلى العَبْد أَن يجْهد نَفسه فِي الْإِيمَان بِهَذِهِ الْخصْلَة ويمرنها عَلَيْهَا فَإِنَّهَا إِذا مُرنت مرنت. اللَّهُمَّ أعنا على هَذِه النُّفُوس وَسَهل لنا الْخَيْر حَيْثُ كَانَ وقو إيمَاننَا فَإِن الْخَيْر كل الْخَيْر فِي قُوَّة الْإِيمَان وَبِه تَتَفَاوَت الْمَرَاتِب.
وَمِمَّا يدل على جَوَاز الِاسْتِعَاذَة من سوء الْقَضَاء مَا ثَبت من حَدِيث الْحسن السبط ﵁ أَنه علمه [ ﷺ ] وَآله وَسلم ذَلِك الدُّعَاء بقوله فِي الْوتر فِيهِ " وقني شَرّ مَا قضيت " وَهُوَ حَدِيث صَحِيح، وَإِن لم يكن فِي الصَّحِيحَيْنِ.
стр. 182
٤ - الْإِيمَان وَالْإِحْسَان وَلمن يَجْتَمِعَانِ:
وَتَأمل بَيَان رَسُول الله [[ ﷺ ]] لِمَعْنى الْإِحْسَان فَإِنَّهُ يدل على أَنه رُتْبَة عَلِيَّةٌ لِأَن من عِنْد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ قد بلغ إِلَى أَعلَى منَازِل الْخُشُوع الَّذِي هُوَ روح الصَّلَاة وَبِه يتَفَاوَت أجرهَا كَمَا ثَبت فِي حَدِيث " أَن الرجل يُصَلِّي فَيكون لَهُ نصفهَا، ثلثهَا، ربعهَا، الحَدِيث " فَإِن ذَلِك التَّفَاوُت إِنَّمَا هُوَ من جِهَة الْخُشُوع وَحُضُور الْقلب وَقطع النّظر عَمَّا سوى الله .
فَهَذَا الَّذِي وصل إِلَى هَذِه الرُّتْبَة لَا يبلغهَا إِلَّا بعد أَن تحصل لَهُ خِصَال الْإِيمَان على الْكَمَال بعد خِصَال الْإِسْلَام ثمَّ تحصل لَهُ هَذِه المزية الْعُظْمَى.
وَلَا يكون ذَلِك إِلَّا لأولياء الله الراسخين فِي الْولَايَة، الْبَالِغين إِلَى غَايَة مراتبها، وَلِهَذَا آذان الله سُبْحَانَهُ من عاداهم بِالْحَرْبِ. وَفِيه إِشَارَة إِلَى مَرَاتِب الطَّاعَات بتفاوت الْأَشْخَاص وَأَنه قد يَقع التَّفَاوُت بَين الرجلَيْن كَمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض فكم بَين رجل يعبد الله وَهُوَ يفكر فِي أَمر آخر ويشتغل بِأُمُور الدُّنْيَا لَا يحصل لَهُ شَيْء من خشوع وَلَا نصيب من حُضُور قلب وَلَا طرف من المراقبة، وَبَين هَذَا الَّذِي رزقه الله سُبْحَانَهُ الْإِحْسَان وَشرح صَدره لعبادة الرَّحْمَن.
وَفِيه منزع قوي لما عَلَيْهِ أَوْلِيَاء الله من تِلْكَ المزايا الَّتِي لَا يشاركهم [فِيهَا] غَيرهم، وَلَا يلْحق بهم فِيهَا سواهُم.
وَمن أنكر مَا تفضل الله بِهِ عَلَيْهِم من فَضله الَّذِي عَم، وَكَرمه الَّذِي جم
стр. 183
فَذَلِك لقصوره فِي علم الشَّرِيعَة المطهرة مَعَ جَحده لما لَا يدْرِي وإنكاره لما لَا يعرف اللَّهُمَّ غفراً.
الدُّعَاء أعظم مظَاهر الْولَايَة:
وَأما قَول أبي الْقَاسِم الْقشيرِي فِي كَلَامه السَّابِق أَن قرب الرب تَعَالَى من عَبده بِمَا يَخُصُّهُ فِي الدُّنْيَا من عرفانه وَفِي الْآخِرَة من رضوانه فَأَقُول:
أعظم أَنْوَاع قرب العَبْد من الرب مَا صرح بِهِ فِي الْكتاب الْعَزِيز بقوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دعان﴾ .
لقد جعل سُبْحَانَهُ عنوان هَذَا الْقرب الَّذِي أخبرنَا بِهِ مُفَسرًا لَهُ ومبينا لمعناه أَنه يجب دَعْوَة من دَعَاهُ من عباده وَأكْرم بهَا خصْلَة وَأعظم بهَا فَائِدَة لَا يقادر قدرهَا وَلَا تستطاع الْإِحَاطَة بِمَا فِيهَا من ارْتِفَاع طبقَة من يُجيب دَعَاهُ ويلبي نداه. فشكرا لَك يَا رَبنَا وحمداً لَا نحصي ثَنَاء عَلَيْك أَنْت كَمَا أثنيت على نَفسك.
الْولَايَة وَالْعُزْلَة:
وَأما قَوْله: " وَلَا يتم قرب العَبْد من الْحق إِلَّا ببعده من الْخلق " فَهَذَا إِنَّمَا يكون فِيمَن لَا نفع فِيهِ للعباد.
أما من كَانَ يَنْفَعهُمْ بِعِلْمِهِ، أَو بموعظته أَو بجهاده، أَو بإنكار الْمُنْكَرَات أَو بِالْقيامِ فيهم بِمَا أوجب الله على مثله الْقيام بِهِ، فَهَذَا يكون قربه من الْخلق أقرب إِلَى الْحق. وَهُوَ مقَام الْأَنْبِيَاء، ومقام الْعلمَاء الَّذين أَخذ الله عَلَيْهِم الْبَيَان للنَّاس.
стр. 184
فَلَيْسَتْ هَذِه الْقَضِيَّة الَّتِي ذكرهَا أَبُو الْقَاسِم كُلية كَمَا لَا يخفى على من يعرف شرائع الله سُبْحَانَهُ، وَمَا ندب عباده إِلَيْهِ فِي كتبه الْمنزلَة، وعَلى ألسن رسله الْمُرْسلَة. وَقد جَاءَ فِي السّنة أَن الْمُؤمن الَّذِي يخالط النَّاس ويصبر على أذاهم أحب إِلَى الله من الْمُؤمن الَّذِي لَا يخالطهم.
وَيُمكن حمل كَلَامه على الْبعد عَن الْخلق بإقبال قلبه على الله سُبْحَانَهُ، وَعدم الِاعْتِدَاد بِمَا سواهُ، وَأَنه وَإِن خالطهم بمظاهره فَهُوَ مَعَ الله بباطنه. وَهَذَا معنى حسن ورتبة علية.
اللطف والنصر وَعَامة الْمُؤمنِينَ:
وَأما قَوْله: " وباللطف والنصرة خَاص بالخواص " فَأَقُول: قد أخبرنَا الله سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه أَنه لطيف بعباده. وَهَذَا الْمَعْنى عَام لكل من يصدق عَلَيْهِ أَنه عبد الله من غير فرقة بَين عوامهم وخواصهم.
وَلَوْلَا مَا تفضل بِهِ على عباده من جرى ألطافه عَلَيْهِم لم يهتدوا إِلَى معاش وَلَا معاد وَلَا عمل دنيا، وَلَا عمل آخِرَة.
وَأما النُّصْرَة فقد وعد سُبْحَانَهُ فِي كِتَابه بنصرة الْمُؤمنِينَ: ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ وينصر حزبه والمجاهدين فِي سَبيله.
فَمن كَانَ من الْمُؤمنِينَ أَو من الْمُجَاهدين فِي سَبِيل الله، وَإِن كَانَ فِي عمله تَخْلِيط وَفِي طَاعَته قُصُور فَهُوَ مِمَّن وعد الله سُبْحَانَهُ بنصرته.
محبَّة الله بَين أَدَاء الْفَرْض وَالنَّفْل:
قَوْله: " حَتَّى أحببته " فِي رِوَايَة الْكشميهني (حَتَّى أحبه) . قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " ظَاهره أَن محبَّة الله تَعَالَى للْعَبد تقع بملازمة العَبْد التَّقَرُّب
стр. 185
بالنوافل وَقد اسْتشْكل بِمَا تقدم أَولا أَن الْفَرَائِض أحب الْعِبَادَات المتقرب بهَا إِلَى الله تَعَالَى فَكيف لَا تنْتج الْمحبَّة؟
وَالْجَوَاب: أَن المُرَاد من النَّوَافِل مَا كَانَت حاوية للفرائض مُشْتَمِلَة عَلَيْهَا ومكملة لَهَا وَيُؤَيِّدهُ أَن فِي رِوَايَة أبي أُمَامَة: " ابْن آدم إِنَّك لن تدْرك مَا عِنْدِي إِلَّا بأَدَاء مَا افترضت عَلَيْك " انْتهى.
وَأَقُول هَذَا الْإِشْكَال مندفع من أَصله فَإِن العَبْد لما كَانَ مُعْتَقدًا لوُجُوب الْفَرَائِض عَلَيْهِ وَأَنه أَمر حتم يُعَاقب على تَركهَا كَانَ ذَلِك بِمُجَرَّدِهِ حَامِلا لَهُ على الْمُحَافظَة عَلَيْهَا، وَالْقِيَام بهَا فَهُوَ يَأْتِي بهَا بِالْإِيجَابِ الشَّرْعِيّ والعزيمة الدِّينِيَّة.
وَأما النَّوَافِل فَهُوَ يعلم أَنه لَا عِقَاب عَلَيْهِ فِي تَركهَا، فَإِذا فعلهَا فَذَلِك لمُجَرّد التَّقَرُّب إِلَى الرب خَالِيا من حتم عاطلا عَن حزم، فَكَانَ فِي فعلهَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة مَحْض الْمحبَّة للتقرب إِلَى الله بِمَا يحب من الْعَمَل، فجوزى على ذَلِك بمحبة الله لَهُ وَإِن كَانَ أجر الْفَرْض أَكثر، فَلَا يُنَافِي أَن تكون المجازاة بِمَا كَانَ الْحَامِل عَلَيْهِ هُوَ محبَّة التَّقَرُّب إِلَى الله أَن يحب الله فَاعله لِأَنَّهُ فعل مَا لم يُوجِبهُ الله عَلَيْهِ وَلَا عزم عَلَيْهِ بِأَن يَفْعَله.
وَمِثَال هَذَا فِي الْأَحْوَال الْمُشَاهدَة فِي بني آدم أَن السَّيِّد إِذا أَمر عَبده بِأَن يقْضِي لَهُ فِي كل يَوْم حَاجَة أَو حوائج، وَكَذَلِكَ أَمر من لَهُ من المماليك بِمثل ذَلِك فَكَانَ أحدهم يقْضِي لَهُ تِلْكَ الْحَوَائِج ثمَّ يقْضِي لَهُ حوائج أُخْرَى يعلم أَن سَيّده يحب قضاءها، وتحسن لَدَيْهِ. وَالْآخرُونَ لَا يقضون لَهُ إِلَّا تِلْكَ الْحَوَائِج الَّتِي أَمرهم السَّيِّد بهَا. فمعلوم أَن ذَلِك العَبْد الَّذِي صَار يَأْتِي لَهُ كل يَوْم بِمَا أمره
стр. 186
بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّا يُحِبهُ، يسْتَحق الْمحبَّة من السَّيِّد محبَّة زَائِدَة على [محبته] لكل وَاحِد مِنْهُم.
فَالْمُرَاد من الحَدِيث هَذِه الْمحبَّة الزَّائِدَة الْحَاصِلَة من فعله لما يُحِبهُ سَيّده من غير أَمر مِنْهُ لَهُ مَعَ قِيَامه بِمَا قَامَ بِهِ غَيره من امْتِثَال أَمر السَّيِّد والتبرع بِالزِّيَادَةِ الَّتِي لم يَأْمُرهُ بهَا.
وَقَالَ الْفَاكِهَانِيّ: " معنى الحَدِيث أَنه إِذا أَتَى بالفرائض ودام على إتْيَان النَّوَافِل من صَلَاة وَصِيَام وَغَيرهمَا أفْضى بِهِ ذَلِك إِلَى محبَّة الله تَعَالَى ". انْتهى.
أَقُول: المُرَاد فِي الحَدِيث الْمحبَّة الْحَاصِلَة من النَّوَافِل خَاصَّة لَا من مَجْمُوع الْفَرَائِض والنوافل. وَكَون فَاعل الْفَرَائِض محبوباً لَا يُنَافِي هَذِه الْمحبَّة الْخَاصَّة.
دَاء الْفَرَائِض شَرط فِي اعْتِبَار النَّوَافِل:
فَالْحَاصِل أَن الِاخْتِلَاف بَين المحبتين ظَاهر وَاضح لاخْتِلَاف الْأَسْبَاب وَإِن كَانَ سَبَبِيَّة أحد السببين مَشْرُوطَة بِفعل السَّبَب الآخر، فَإِن من ترك الْفَرَائِض وَجَاء بالنوافل:
(كتاركة بيضها بالفلا ... وملبسة بيض أُخْرَى جنَاحا)
وَقَالَ ابْن هُبَيْرَة: " يُؤْخَذ من قَوْله (مَا تقرب إِلَى آخِره) أَن النَّافِلَة لَا تقدم على الْفَرِيضَة لِأَن النَّافِلَة إِنَّمَا سميت نَافِلَة تَأتي زَائِدَة على الْفَرِيضَة فَمَا لم
стр. 187
يُؤَدِّي الْفَرِيضَة لَا يحصل النَّافِلَة، وَمن أدّى الْفَرْض ثمَّ زَاد عَلَيْهِ النَّفْل وأدام تِلْكَ تحققت مِنْهُ إِرَادَة التَّقَرُّب " انْتهى.
وَأَقُول: أما قَوْله أَنه يُؤْخَذ من قَوْله مَا تقرب إِلَى آخِره أَن النَّافِلَة لَا تقدم على الْفَرِيضَة فَلَيْسَ فِي مثل هَذَا خلاف لِأَن الْأَمر بالفرائض حتم فالإتيان بِمَا هُوَ حتم مقدم لَا يُنَازع فِي ذَلِك أحد وَلَا يحْتَاج مثله إِلَى التَّحْرِير وَالذكر. وَقد صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة ".
لَيست المداومة شرطا فِي الْقرب:
وَأما قَوْله. " وأدام ذَلِك " فَلَيْسَ فِي هَذَا الحَدِيث مَا يدل على الإدامة، بل المُرَاد مُجَرّد وجود التَّقَرُّب بالنوافل وقتا فوقتاً وَتارَة فَتَارَة، فَإِن من فعل هَكَذَا يصدق عَلَيْهِ أَنه متقرب بالنوافل وَإِن لم يحافظ عل ذَلِك حَتَّى يصدق الدَّوَام على ذَلِك الَّذِي تقرب بِهِ وَيصدق عَلَيْهِ أَنه مديم للتقرب.
قَالَ ابْن حجر بعد نَقله لكَلَام ابْن هُبَيْرَة الْمُتَقَدّم: " وَأَيْضًا قد جرت الْعَادة أَن التَّقَرُّب يكون غَالِبا بِغَيْر مَا وَجب على المتقرب كالهدية والتحفة بِخِلَاف من يُؤَدِّي [مَا] عَلَيْهِ من إِخْرَاج أَو يقْضِي مَا عَلَيْهِ من دين " انْتهى.
стр. 188
وَأَقُول لَا حَاجَة إِلَى اسْتِخْرَاج هَذَا الْمَعْنى الْعرفِيّ للتقرب فَإِنَّهُ لَا يُفِيد شَيْئا مَعَ الْعلم بِأَن معنى التَّقَرُّب فِي لِسَان الْعَرَب وَفِي لِسَان الشَّرْع يَشْمَل كل مَا يتَقرَّب بِهِ العَبْد من فَرِيضَة أَو نَافِلَة. وَصدقه على الْفَرَائِض أقدم لكَون أمرهَا ألزم.
وَأَيْضًا قد أغْنى عَن هَذَا الاستخراج لفظ النَّوَافِل فَإِنَّهَا فِي لِسَان الشَّرْع مَا زَاد على الْفَرَائِض.
قَالَ ابْن حجر: " وَأَيْضًا فَإِن من جملَة مَا شرعت لَهُ النَّوَافِل جبر الْفَرَائِض كَمَا صَحَّ فِي الحَدِيث الَّذِي أخرجه مُسلم " انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فتكمل بِهِ فريضته "؟ الحَدِيث بِمَعْنَاهُ.
فَتبين أَن المُرَاد من التَّقَرُّب بالنوافل أَن تقع مِمَّن أدّى الْفَرَائِض لَا مِمَّن أخل بهَا كَمَا قَالَ بعض الأكابر: " من شغله الْفَرْض عَن النَّفْل فَهُوَ مَعْذُور وَمن شغله النَّفْل عَن الْفَرْض فَهُوَ مغرور " انْتهى.
أَقُول: لَا يخفى عَلَيْك أَن أصل الْإِشْكَال عِنْد هَؤُلَاءِ الَّذين تكلمُوا بِمثل هَذَا الْكَلَام هُوَ وُرُود الْمحبَّة فِي جَانب التَّقَرُّب بالنوافل، وَقد بَينا وَجهه، وَأي مدْخل لذكر أَن النَّوَافِل تجبر بهَا الْفَرَائِض فَإِن هَذَا إِنَّمَا هُوَ إِذا احْتِيجَ إِلَى التَّرْجِيح بَين الْفَرَائِض والنوافل، فَإِن الْفَرَائِض هِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم " وَمَا تقرب إِلَيّ [عَبدِي] بِشَيْء أحب إِلَيّ مِمَّا افترضت عَلَيْهِ " فَإِن هَذَا قد دلّ دلَالَة أوضح من شمس النَّهَار أَن التَّقَرُّب بالفرائض أحب إِلَى الله من
стр. 189
كل شَيْء. والنوافل لَيست بِهَذِهِ الْمنزلَة فَإِنَّهَا من جملَة مَا دخل تَحت النكرَة فِي سِيَاق النَّفْي لَكِن الرب جعل فعلهَا سَببا لحبه لفاعلها من حَيْثُ أَنه جَاءَ بِزِيَادَة على مَا أمره بِهِ محبَّة للتقرب إِلَى الله بِمَا لم يُؤمر بِهِ. فَاسْتحقَّ محبَّة الله لَهُ مَعَ كَون تأدية الْفَرَائِض أحب إِلَى الله. لَكِن صَاحب هَذِه النَّافِلَة مَحْبُوب لَهُ لتِلْك التكتة الَّتِي قدمنَا ذكرهَا، والفرائض أحب مَا تقرب بِهِ إِلَى الله.
ثمَّ لَا خلاف أَن نوافل من هُوَ تَارِك للفرائض لَيست بِمَنْزِلَة نَافِلَة من هُوَ مُقيم للفرائض والمتنفل الَّذِي يُحِبهُ الله هُوَ الَّذِي جَاءَ بِفَرِيضَتِهِ، ثمَّ تنفل مَا كتبه الله لَهُ.
وَلِهَذَا سميت نَافِلَة أَي زَائِدَة على مَا افترضه الله على العَبْد. فَمَا لنا وللتعرض للمفاضلة بَين الْفَرِيضَة والنافلة، فَإِن هَذَا كَلَام خَارج عَن مَقْصُود الحَدِيث الْقُدسِي. وَكَيف يعتضد بِمَا نَقله عَن بعض الأكابر على هَذَا الْأَمر الَّذِي هُوَ من الشَّرِيعَة بِمَنْزِلَة أوضح من شمس النَّهَار؟ ﴿﴾
محبَّة الله شَامِلَة للمتقرب بِالْفَرْضِ والمتقرب بالنفل:
وإيضاح الْمقَام بِأَن يُقَال إِن التَّرْجِيح فرع التَّعَارُض وَلَا تعَارض هُنَا أَلْبَتَّة لِأَن كَون الْفَرَائِض أحب الْقرب إِلَى الله لَا يُنَافِي كَون المتقرب بالنوافل يُحِبهُ الله، وَإِنَّمَا يكون التَّعَارُض فِي هَذَا الْمقَام لَو قَالَ: من جَاءَ بالفرائض فَهُوَ أحب إِلَى الله من كل أحد، وَمن تقرب بالنوافل فَهُوَ أحب إِلَى الله من كل أحد؟ ﴿﴾
وَأما مُجَرّد كَونه يحب أَحدهمَا، فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي أَن يحب الآخر ثمَّ لَا تنافى بَين
стр. 190
مَا ترَتّب عَلَيْهِمَا، فَإِن الَّذِي ترَتّب على التَّقَرُّب بتأدية الْفَرَائِض هُوَ كَون هَذَا التَّقَرُّب أحب إِلَى الله من كل شَيْء من أَعمال الْخَيْر، وَالَّذِي ترَتّب على التَّقَرُّب بالنوافل، هُوَ أَن الله يحب فاعلها، وَكَونه. يحب فاعلها، لَا يُنَافِي كَونه يحب غَيره. وَكَون تأدية الْفَرَائِض أحب من غَيرهَا لَا يُنَافِي أَن تكون تأدية النَّوَافِل محبوبة، بل هُوَ الْمَعْنى الَّذِي يفِيدهُ أفعل التَّفْضِيل فَإِنَّهُ يدل على الِاشْتِرَاك فِي الأَصْل، فالفرائض والنوافل محبوبة إِلَى الله وَلَكِن الْفَرَائِض أحب إِلَيْهِ، وَصَاحب النَّافِلَة يُحِبهُ الله وَلَا يُنَافِيهِ أَن يحب صَاحب الْفَرِيضَة، لَكِن صَاحب النَّافِلَة لما جَاءَ بِمَا جَاءَ بِهِ صَاحب الْفَرِيضَة وَزَاد عَلَيْهِ بِمَا فعله من النَّافِلَة ترَتّب على محبته مَا تضمنه الحَدِيث من كَونه سُبْحَانَهُ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ إِلَى آخر مَا فِي الحَدِيث. وَمَعْلُوم أَن صَاحب العملين أجره أَكثر من صَاحب الْعَمَل، فاعرف هَذَا وَاشْدُدْ يدك عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قد وَقع من شرَّاح الحَدِيث فِي هَذَا الموطن خبط كثير.
стр. 191
الْفَصْل الثَّالِث
أثر محبَّة الله فِي حَيَاة الْوَلِيّ
стр. 192
فارغة
стр. 193
هدايته وتوفيقه
قَوْله: " فَإِذا أحببته كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّذِي يبطش بهَا وَرجله الَّذِي يمشي بهَا " فِي حَدِيث عَائِشَة فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد " عينه الَّتِي يبصر بهَا " وَفِي رِوَايَة يَعْقُوب " عينه الَّذِي يبصر بهما " بالتثنية. وَكَذَا قَالَ فِي الْأذن وَالْيَد وَالرجل. وَزَاد عبد الْوَاحِد فِي رِوَايَته وفؤاده الَّذِي يعقل بِهِ، وَلسَانه الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ " وَنَحْوه فِي حَدِيث أبي أُمَامَة. وَفِي حَدِيث أنس " وَمن أحببته كنت لَهُ سمعا وبصراً ويداً ومؤيدا " وَوَقع فِي رِوَايَة " فَبِي يسمع وَبِي يبصر، وَبِي يبطش وَبِي يمشي ".
قَوْله: " وَيَده الَّذِي يبطش بهَا وَرجله الَّذِي يمشي بهَا " هَكَذَا وَقع فِي الصَّحِيح فِي بَاب التَّوَاضُع بِلَفْظ الَّذِي فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَعَلَّه على تَأْوِيل الْيَد وَالرجل بِالْعَفو لِأَنَّهُمَا مؤنثتان، وَكَانَ على مُقْتَضى هَذَا التَّأْوِيل أَن يَقُول الَّذِي
стр. 194
يبطش بِهِ الَّذِي يمشي [بِهِ] وَلكنه أنث وَذكر بالاعتبارين وَالله أعلم.
قَوْله يبطش قَالَ فِي الصِّحَاح: البطشة السطوة وَالْأَخْذ بالعنف وَقد بَطش بِهِ يَبطِشُ ويَبْطُشُ بطشا، وباطَشَهُ مباطشة.
المُرَاد من أَن الله صَار سمع العَبْد وبصره إِلَخ:
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَقد اسْتشْكل كَيفَ يكون الْبَارِي جلّ وَعلا سمع العَبْد وبصره إِلَى آخِره. وَالْجَوَاب من أوجه:
أَحدهَا أَنه ورد على سَبِيل التَّمْثِيل، وَالْمعْنَى كنت كسمعه وبصره فِي إيثاره أَمْرِي فَهُوَ يحب طَاعَتي ويؤثر خدمتي كَمَا يحب هَذِه الْجَوَارِح " انْتهى الْوَجْه الأول. وَأَقُول:
هَذَا مَعَ كَونه إخراجاً للْكَلَام عَن الظَّاهِر الْبَين الْوَاضِح فَهُوَ مَدْفُوع بالرواية الْمُتَقَدّمَة من رِوَايَات الصَّحِيح وَهِي قَوْله: " فَبِي يسمع وَبِي يبصر الخ ".
ومدفوع أَيْضا بالرواية الْمُتَقَدّمَة وَهِي قَوْله: " كنت لَهُ سمعا وبصراً ويداً ومؤيداً " فَإِن ذَلِك التَّأْوِيل لَا يَتَيَسَّر فِي مثل هَذِه الرِّوَايَة لَا سِيمَا مَعَ قَوْله ومؤيدا.
قَالَ ابْن حجر: وَثَانِيها " أَن الْمَعْنى أَن كليته مَشْغُولَة بِي فَلَا يصغي بسمعه إِلَّا إِلَى مَا يرضيني وَلَا يرى ببصره إِلَّا إِلَى مَا أَمرته بِهِ " انْتهى.
стр. 195
وَأَقُول: هَذَا أقرب من الْوَجْه الأول وَأَقل تكلفاً وَحَاصِله: أَن هَذَا الْكَلَام خَارج مخرج التَّوْفِيق للْعَبد إِلَى طاعات الله وتسديده عَن الْوُقُوع فِي شَيْء من مَعَاصيه.
قَالَ ابْن حجر: ثَالِثهَا، الْمَعْنى " أجعَل لَهُ مقاصده كَأنه ينالها بسمعه وبصره الخ " انْتهى.
وَأَقُول: هَذَا الْوَجْه مغسول عَن الْفَائِدَة غذ لَا معنى لنيل مقاصده بسمعه وبصره وَإِن أمكن تَأْوِيله بِمَا كَانَ من الْمَقَاصِد الَّتِي لَا يقْصد بهَا إِلَّا السماع لَهَا أَو النّظر إِلَيْهَا، وَمَا أقل ذَلِك. وَهُوَ إِن استقام فِي الْيَد وَالرجل لِأَن الْيَد هِيَ آلَة الْأَخْذ للشَّيْء وَالرجل هِيَ آلَة الْمَشْي إِلَيْهِ لَكِن كَانَ يُغني عَن هَذَا كُله كنت معينا لَهُ على تَحْصِيل مطالبه وتقريباً مِنْهُ. قَالَ: وَرَابِعهَا: " كنت لَهُ فِي النُّصْرَة كسمعه وبصره وَيَده وَرجله على عدوه " انْتهى.
وَأَقُول: الله أَعلَى وَأجل من أَن يكون فِي معاونة عَبده الضَّعِيف كهذه الْجَوَارِح الضعيفة، فمعونته أكبر من كل كَبِير، وَأجل من كل جليل، وَإِنَّمَا يصلح ذَلِك لَو كَانَ المُرَاد المساعدة والانقياد، فَإِنَّهُ يُقَال مثل هَذَا على من كَانَ مساعداً منقاداً كانقياد هَذِه الْجَوَارِح لصَاحِبهَا. وَمثل ذَلِك لَا يصلح فِي جَانب رب الْعَالم وخالق الْكل تَعَالَى وتقدس.
وَأَيْضًا لَا يصلح ذَلِك فِي بني آدم إِلَّا إِذا كَانَ من قَالَ فلَان: هُوَ كسمعي وبصري عَزِيزًا عَلَيْهِ، وَكَانَ من قَالَ: هُوَ كيدي ورجلي قَاضِيا فِي حَوَائِجه، كَمَا يَفْعَله الْخَادِم الناصح.
стр. 196
قَالَ:
خَامِسهَا: قَالَ الْفَاكِهَانِيّ وَسَبقه إِلَى مَعْنَاهُ ابْن هُبَيْرَة: " هُوَ فِيمَا ظهر لي أَنه على حذف مُضَاف وَالتَّقْدِير كنت حَافظ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ فَلَا يسمع إِلَّا مَا يحل سَمعه وحافظ بَصَره إِلَى آخِره ".
وَأَقُول: مَا أبرد هَذَا التَّقْدِير وَأَقل جدواه وعَلى كل حَال فَهُوَ يؤول إِلَى معنى الْوَجْه الثَّانِي. قَالَ:
سادسها: " قَالَ الْفَاكِهَانِيّ تحْتَمل معنى آخر أدق من الَّذِي قبله وَهُوَ أَن يكون معنى سَمعه مسموعه لِأَن الْمصدر قد جَاءَ بِمَعْنى الْمَفْعُول مثل فلَان أملي أَي مأمولي. وَالْمعْنَى أَنه لَا يسمع إِلَّا ذكري وَلَا يلتذ إِلَّا بِتِلَاوَة كتابي، وَلَا يأنس إِلَّا بمناجاتي، وَلَا ينظر إِلَّا فِي عجائب ملكوتي وَلَا يمد يَده إِلَّا فِيمَا فِيهِ رضائي وَرجله كَذَلِك. وَبِمَعْنَاهُ قَالَ ابْن هُبَيْرَة أَيْضا " انْتهى.
وَأَقُول هَذَا الَّذِي زَعمه أدق معنى هُوَ أبعد مَسَافَة مِمَّا قبله وَكَون الله مسموع العَبْد ومبصره على مَا فِيهِ من عوج كَيفَ يَصح مثل هَذَا التَّأْوِيل فِي الْيَد وَالرجل مَعَ أَن تِلْكَ الرِّوَايَة الثَّابِتَة فِي الصَّحِيح وَهِي " فَبِي يسمع وَبِي يبصر الخ " تدفع هَذَا التَّأْوِيل وترده على عقبه.
قَالَ الطوفي: اتّفق الْعلمَاء مِمَّن يعْتد بقوله على أَن هَذَا مجَاز وكناية عَنْ
стр. 197
نصْرَة العَبْد وتأييده، وإعانته حَتَّى كَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ نزل نَفسه من عَبده منزلَة الْآلَات الَّتِي يَسْتَعِين بهَا، وَلِهَذَا وَقع فِي رِوَايَة " فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يبطش وَبِي يمشي) .
والاتحادية زَعَمُوا أَنه على حَقِيقَته، وَأَن الْحق تَعَالَى عين العَبْد. وَاحْتَجُّوا بمجيء جِبْرِيل فِي صُورَة دحْيَة. قَالُوا: فَهُوَ روحاني خلع صورته وَظهر بمظهر الْبشر. قَالُوا: وَالله سُبْحَانَهُ أقدر على أَن يظْهر فِي صُورَة الْوُجُود الْكُلِّي أَو بعضه. تَعَالَى الله عَمَّا يَقُول الظَّالِمُونَ علوا كَبِيرا " انْتهى.
أَقُول: هَذَا الَّذِي ذكره من التَّنْزِيل لَا يَلِيق بجنابه سُبْحَانَهُ كَمَا قدمنَا فِي الْمصير إِلَى هَذَا الْمجَاز بِهَذَا الْوَجْه كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(فَكنت كالساعي إِلَى مثعب ... موائلا من سبل الراعد)
وَأما مَا حَكَاهُ عَن الاتحادية فَلَيْسَ ذَلِك مِمَّا يسْتَحق التَّعَرُّض لرده.
وَقَالَ الْخطابِيّ: هَذَا مِثَال. وَالْمعْنَى توفيق الله تَعَالَى لبعده فِي الْأَعْمَال
стр. 198
الَّتِي يُبَاشِرهَا بِهَذِهِ الْأَعْضَاء وتيسر الْمحبَّة لَهُ فِيهَا بِأَن يحفظ جوارحه عَلَيْهِ ويعصمه عَن مواقعة مَا يكرههُ الله تَعَالَى من الإصغاء إِلَى اللَّهْو بسمعه وَمن النّظر إِلَى مَا نهى عَنهُ تَعَالَى ببصره، وَمن الْبَطْش فِيمَا لَا يحل لَهُ بِيَدِهِ، وَمن السَّعْي إِلَى الْبَاطِل بِرجلِهِ.
وَإِلَى هَذَا نحا الدَّاودِيّ وَمثله الكلاباذي وَعبر بقوله " أحفظه فَلَا يتَصَرَّف إِلَّا فِي محابي، لِأَنَّهُ إِذا أحبه كره لَهُ أَن يتَصَرَّف فِيمَا كرهه مِنْهُ " انْتهى.
وَأَقُول: هَذَا يرجع إِلَى الْوَجْه الثَّانِي.
قَالَ ابْن حجر:
وسابعها: قَالَ الْخطابِيّ أَيْضا: وَقد يكون عبر بذلك عَن سرعَة إِجَابَة الدُّعَاء والنجح فِي الطّلب. وَذَلِكَ أَن مساعي الْإِنْسَان كلهَا إِنَّمَا تكون بِهَذِهِ الْجَوَارِح الْمَذْكُورَة.
وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ منتزع مِمَّا تقدم: " لَا تتحرك لَهُ جارحة إِلَّا فِي الله
стр. 199
وَللَّه فَهِيَ كلهَا تعْمل بِالْحَقِّ للحق " انْتهى.
وَأَقُول: هَذَا الْوَجْه السَّابِع يرجع إِلَى الْوَجْه الثَّانِي، كَمَا رَجَعَ إِلَيْهِ قَول الْبَعْض.
هَذَا وَلَا يخفاك أَن جعل كنت سَمعه بِمَعْنى سامع دُعَائِهِ مجيبه إِلَى مَطْلُوبه فِيهِ من الْبعد مَا لَا يخفى على من يفهم تصاريف الْكَلَام ووجوه إفاداته.
إِذا عرفت مَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ هَذِه الْوُجُوه الَّتِي ذكرهَا ابْن حجر فِي الْفَتْح، وَعرفت مَا قُلْنَاهُ فِي كل وَجه مِنْهَا.
فَاعْلَم أَن الَّذِي يظْهر لي فِي معنى هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي، أَنه إمداد الرب سُبْحَانَهُ لهَذِهِ الْأَعْضَاء بنوره الَّذِي تلوح بِهِ طرائق الْهِدَايَة وتنقشع عِنْده سحب الغواية. وَقد نطق الْقُرْآن الْعَظِيم بِأَن الله سُبْحَانَهُ هُوَ نور السَّمَوَات وَالْأَرْض. وَقَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم لما سُئِلَ هَل رأى ربه قَالَ: " نُورٌ أنِّي أرَاهُ " وَهُوَ فِي الصَّحِيح.
وَثَبت أَنه سُبْحَانَهُ محتجب بالأنوار وَثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من دُعَائِهِ [ ﷺ ] وَآله وَسلم إِذا خرج إِلَى الصَّلَاة " اللَّهُمَّ اجْعَل فِي قلبِي نورا وَفِي بَصرِي نورا وَفِي سَمْعِي نورا وَعَن يَمِيني نورا وَخَلْفِي نورا وَفِي عصبي نورا، وَفِي لحمي نورا وَفِي دمي نوراُ وَفِي شعري نورا وَفِي بشري نورا " وَزَاد مُسلم: " وَفِي لساني نورا وَاجعَل فِي نَفسِي نورا وَأعظم لي نورا ".
وَأي مَانع من أَي يمد الله سُبْحَانَهُ عَبده من نوره فَيصير صافياً من كدورات الحيوانية الإنسانية لاحقا بالعالم الْعلوِي سَامِعًا بِنور الله مبصراً بِنور الله باطشا
стр. 200
بِنور الله مَاشِيا بِنور الله. وَمَا فِي هَذَا من منع أَو من أَمر لَا يجوز على الرب سُبْحَانَهُ وَقد سَأَلَهُ رَسُوله، [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَطَلَبه من ربه.
وَوصف الله عباده بقوله: ﴿نورهم يسْعَى بَين أَيْديهم - الْآيَة﴾ .
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُخَالف موارد الشَّرِيعَة، وَلَا مَا يُنَافِي إِدْرَاك عقول المتشرعين العارفين بِالْكتاب وَالسّنة.
وَقد جعل الله سُبْحَانَهُ الْخُرُوج من ظلمات الْمعاصِي إِلَى أنوار الطَّاعَات خُرُوجًا من الظُّلُمَات إِلَى النُّور. وَورد فِي الْكتاب وَالسّنة من هَذَا الْجِنْس الْكثير الطّيب.
فَمَعْنَى الحَدِيث كنت سَمعه بنوري الَّذِي أقدف فِيهِ فَيسمع سَمَاعا لَا كَمَا يسمعهُ أَمْثَاله من بني آدم، وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الْجَوَارِح.
وَانْظُر فِي هَذَا الدُّعَاء الَّذِي طلبه رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَن يكون نور الله فِي سَمعه وبصره وَقَلبه وعصبه ولحمه وَدَمه وشعره وبشره وَلسَانه وَنَفسه، بل سَأَلَ رَبَّه أَن يمده بنوره خَلفه وأمامه. فلوا أَن لنُور الله سُبْحَانَهُ قُوَّة لجَمِيع الْأَعْضَاء مَا طلبه سيد ولد آدم وَخير الخليقة.
وَالْحَال أَن الله قد جعله نورا لِعِبَادِهِ فَكيف لَا يكون ذَلِك مَطْلُوبا لسَائِر الْعباد لما ينشأ عَنهُ من النَّفْع الْعَظِيم؟ .
فَمن أمده الله سُبْحَانَهُ بنوره فِي جَمِيع بدنه صَار لاحقاً بالعالم الْعلوِي وَمن أمد عضوا مِنْهُ بنوره صَار ذَلِك الْعُضْو نورانياً.
стр. 201
فَإِن كَانَ من الْحَواس كَانَ لَهَا من الْإِدْرَاك مَا لم يكن لغَيْرهَا من الْحَواس الَّتِي لم تمد بِنور الله . وَإِن كَانَ الْإِمْدَاد لعضو من الْأَعْضَاء غير الْحَواس صَار ذَلِك الْعُضْو قَوِيا فِي عمله الَّذِي يعْمل بِهِ مستنيرا إِذا عمل بِهِ الْإِنْسَان كَانَ عمله صَالحا مُوَافقا لما هُوَ الصَّوَاب.
فاتضح لَك بِهَذَا معنى مَا فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي أَي كنت بِمَا ألقيت على سَمعه وبصره وَيَده وَرجله من نوري، سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يبطش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا. ثمَّ أوضح هَذَا الْمَعْنى بقوله: " فَبِي يسمع وَبِي يبصر، وَبِي يبطش وَبِي يمشي ".
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَأسْندَ الْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن أبي عُثْمَان [الْحِيرِي]
стр. 202
أحد أَئِمَّة الطَّرِيق قَالَ: مَعْنَاهُ: كنت أسْرع إِلَى قَضَاء حَوَائِجه من سَمعه فِي الإسماع وعينه فِي النّظر وَيَده فِي اللَّمْس وَرجله فِي الْمَشْي.
وَحمله بعض متأخري الصُّوفِيَّة على مَا يذكرُونَهُ من مقَام الفناء والمحو وَأَنه الْغَايَة الَّتِي لَا شَيْء وَرَاءَهَا. وَهُوَ أَن يكون قَائِما بِإِقَامَة الله تَعَالَى محبا بمحبته لَهُ نَاظرا بنظره لَهُ من غير أَن تبقى مَعَه بَقِيَّة تناط باسم أَو تقف على رسم، أَو تتَعَلَّق بِأَمْر أَو تُوصَف بِوَصْف.
وَمعنى هَذَا الْكَلَام أَنه [شهد] إِقَامَة الله تَعَالَى لَهُ حَتَّى قَامَ ومحبته حَتَّى أحبه وَنظر إِلَى عَبده حَتَّى أقبل نَاظرا إِلَيْهِ بِقَلْبِه.
وَحمله بعض أهل الزيغ على مَا يَدعُونَهُ من أَن العَبْد إِذا لَازم الْعِبَادَة الظَّاهِرَة والباطنة حَتَّى تصفى من الكدورات أَنه يصير فِي معنى الْحق، - تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا - وَأَنه يفنى عَن نَفسه جملَة حَتَّى يشْهد أَن الله تَعَالَى هُوَ الذاكر لنَفسِهِ الموجد لنَفسِهِ، وَأَن هَذِه الْأَسْبَاب والرسوم تصير عدماً صرفا فِي شُهُوده [وَأَنه] يعْدم فِي الْخَارِج. وعَلى الْأَوْجه كلهَا فَلَا تمسك فِيهِ للاتحاد،
стр. 203
وَلَا لِلْقَائِلين بالوحدة الْمُطلقَة، لقَوْله فِي بَقِيَّة الحَدِيث " لَئِن سَأَلَني وَلَئِن استعاذني فَإِنَّهُ كالتصريح فِي الرَّد عَلَيْهِم " انْتهى.
تَحْقِيق آراء الاتحادية والصوفية:
وَأَقُول: أما مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَن أبي عُثْمَان فَهُوَ كالوجه السَّابِع الَّذِي حَكَاهُ ابْن حجر عَن الْخطابِيّ.
وَمَا ذكره عَن بعض أهل الزيغ هُوَ مَا ذكره الْخطابِيّ فِي كَلَامه السَّابِق عَن الاتحادية، إِلَّا أَن هَذَا لَا يكون الِاتِّحَاد [فِيهِ] إِلَّا بعد الفناء. وَذَاكَ هُوَ اتِّحَاد مُطلق من الأَصْل فَكَانَا من هَذِه الْحَيْثِيَّة قَولَانِ: وَيكون مَا حَكَاهُ عَن بعض متأخري الصُّوفِيَّة قولا ثَالِثا.
فَتكون الْوُجُوه الَّتِي وَجه بهَا قَوْله " كنت سَمعه الخ " عشرَة يَنْضَم إِلَى ذَلِك مَا ذَكرْنَاهُ واخترناه فَتكون الْوُجُوه أحد عشر وَجها.
وَأما مَا ذكره من الرَّد على مَا حَكَاهُ عَن بعض أهل الزيغ من قَوْله: لَئِن سَأَلَني وَلَئِن استعاذني. فَوجه الرَّد أَنه يَقْتَضِي سَائِلًا ومسئولا ومستعيذاً ومستعاذا بِهِ. وَلَعَلَّه ﵀ لم يتَأَمَّل هَذَا الحَدِيث كَمَا يَنْبَغِي فَإِنَّهُ لَو تَأمله لم يقْتَصر على مَا ذكره من السُّؤَال والاستعاذة، فَإِن الحَدِيث كُله يرد عَلَيْهِم فَإِن قَوْله: من
стр. 204
عادى لي وليا برد عَلَيْهِم لِأَنَّهُ يَقْتَضِي وجود معاد ومعادي ومعادى لأَجله. وَيَقْتَضِي وجود موالى وموالي، وَيَقْتَضِي وجود مُؤذن ومؤذن ومحارب ومحارب، ومتقرب ومتقرب إِلَيْهِ وَعبد ومعبود ومحِب، ومحَب وَهَكَذَا إِلَى آخر الحَدِيث.
فَهُوَ جَمِيعه يرد على الاتحادية المتمسكين بِهِ من حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ فَإِن قلت: لَعَلَّه اقْتصر فِي الِاسْتِدْلَال على الرَّد عَلَيْهِم بذلك الْوَجْه الْمَأْخُوذ من ذَلِك اللَّفْظ لكَونه أوضح مِمَّا يُسْتَفَاد مِنْهُ الرَّد عَلَيْهِم فِي سَائِر أَلْفَاظ الحَدِيث.
قلت: لَيْسَ ذَلِك الْوَجْه أوضح من غَيره حَتَّى يكون لتأثيره على مَا عداهُ مزية بل هِيَ كلهَا مستوية من هَذِه الْحَيْثِيَّة.
بل الوضوح أظهر فِي قَوْله: " وَمَا ترددت عَن شَيْء أَنا فَاعله ترددي عَن نفس الْمُؤمن "، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وجود مُتَرَدّد ومُتَرَدَّدٍ فِيهِ وفاعل ومفعول وَوُجُود نفس مُتَرَدّد فِيهَا وَهِي نفس العَبْد الْمُؤمن ومتردد وَهُوَ الْقَابِض لَهَا وكاره للْمَوْت وَهُوَ الْمُؤمن وكاره لمساءته وَهُوَ الرب سُبْحَانَهُ.
منشأ الْخَطَأ عِنْد الاتحاديين:
وَالْحَاصِل أَن قَول الاتحادية يقْضِي عقل كل عَاقل بِبُطْلَانِهِ وَلَا يحْتَاج إِلَى نصب الْحجَّة مَعَهم.
وأصل الشُّبْهَة الدَّاخِلَة عَلَيْهِم مَنْقُول الثنوية فَإِنَّهُم جعلُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِلَه الْخَيْر وإله الشَّرّ: فإله الْخَيْر النُّور وإله الشَّرّ الظلمَة، وجعلوهما أصل الموجودات كلهَا، فَإِذا غلب النُّور صَار العَبْد نورانياً، وَإِذا غلبت الظلمَة صَار العَبْد ظلمانياً.
وغفلوا عَن كَون هَذَا الْمَذْهَب الكفري يرد عَلَيْهِم بادئ بَدْء، فَإِن الظلمَة
стр. 205
غير النُّور، وَالشَّيْء الَّذِي حلا بِهِ غير هَذَا الْحَال. نعم قد يَقع الْغَلَط كثيرا عِنْد إِطْلَاق لفظ الْوحدَة مَعَ تعدد مَعَانِيهَا، فَإِنَّهُ يُقَال وحدة شُهُود ووحدة قصود ووحدة وجود.
فَالْأولى مَعْنَاهَا أَنه لَا يشْهد إِلَّا الله وَيقطع النّظر عَمَّا سواهُ، وَهَذِه وحدة محمودة.
وَالثَّانيَِة مَعْنَاهَا: لَا يقْصد إِلَّا الله وَيقطع النّظر عَن قصد غَيره، وَهَذِه وحدة محمودة.
وَأما الثَّالِثَة فَهِيَ الَّتِي جَاءَت على خلاف الشَّرْع وَالْعقل.
نسْأَل الله سُبْحَانَهُ أَن يهدينا إِلَى مَا يرضيه منا من طَرِيق لَا يقْدَح فِيهَا شكّ وَلَا تعترض فِيهَا شُبْهَة، وَلَا يكون للشَّيْطَان علينا سَبِيل.
فضل السّمع على الْبَصَر فِي التأثر وَالِاعْتِبَار:
وَاعْلَم أَنه لم يكن لدي عِنْد تأليف هَذَا الشَّرْح شَيْء من الشُّرُوح إِلَّا شرح الْفَتْح لِابْنِ حجر ﵀، وَلم يذكر فِيهِ وَجه تَقْدِيم قَوْله: " كنت سَمعه على مَا بعده " مَعَ أَن الْآيَات الكونية والعبر الخلقية تتَعَلَّق بحاسة الْبَصَر أَكثر من تعلقهَا بحاسة السّمع.
وَلَعَلَّ وَجه ذَلِك وَالله أعلم أَن الْآيَات التنزيلية والعبر القولية إِنَّمَا تدْرك ابْتِدَاء بِالسَّمْعِ ولاحظ لِلْبَصَرِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ سَائِر مَا شَرعه الله لِعِبَادِهِ لِأَنَّهَا إِمَّا أَفعَال أَو حِكَايَة أَفعَال وَهِي لَا تدْرك ابْتِدَاء إِلَّا بِالسَّمْعِ، فَكَأَن السّمع مُخْتَصًّا بِالْآيَاتِ التنزيلية والعبر القولية وَجَمِيع مَا جَاءَت بِهِ الشَّرِيعَة.
стр. 206
وَلَا شكّ أَن مَا كَانَ بِهَذِهِ الْمنزلَة وعَلى هَذِه الصّفة من مشاعر الْإِدْرَاك أولى من غَيره مِنْهَا وأحق بالتقديم، مَعَ أَنه مشارك لِلْبَصَرِ فِي الْآيَات الكونية والعبر الخارجية بِوَجْه من الْوُجُوه. لِأَنَّهُ يصف الواصف لمن يسمع وَلَا يبصر مَا يُشَاهِدهُ فِي الْخَارِج فَيحصل لَهُ من الِاعْتِبَار والتفكر نصيب من ذَلِك. بِخِلَاف المبصر الَّذِي لَا يسمع فَإِنَّهُ لَا يُمكنهُ إِدْرَاك شَيْء من الْآيَات التنزيلية وَلَا من العبر القولية، وَلَا من الشَّرِيعَة الْمَشْرُوعَة للعباد من الرب سُبْحَانَهُ، وَمن نبيه [ ﷺ ] وَآله وَسلم، وَالله أعلم.
إِجَابَة الدُّعَاء، من مظَاهر محبَّة الله للْعَبد (أَولا) :
قَوْله: " وَإِن سَأَلَني لأعطينه " بِاللَّامِ وَالنُّون فِي آخِره. وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَة " وَلَئِن استعاذني لأعيذنه " وَزَاد فِي رِوَايَة عبد الْوَاحِد لفظ " عَبدِي " بعد " سَأَلَني ". وَفِي ضبط استعاذني وَجْهَان: الأول بالنُّون بعد الذَّال الْمُعْجَمَة وَالثَّانِي بِالْبَاء الْمُوَحدَة.
وَفِي حَدِيث أبي أُمَامَة " وَإِذا استنصرني نصرته " وَفِي حَدِيث أنس " وَإِذا نصحني نصحت لَهُ ".
وَفِي الحَدِيث دَلِيل على شُمُول النَّوَافِل للأقوال وَالْأَفْعَال، وَقد بَينا فِيمَا تقدم بعض مَا يدْخل تَحت لفظ النَّوَافِل، وَهِي كَثِيرَة جدا يضبطها أَن يُقَال: هِيَ كل مَا رغب الشَّرْع فِيهِ أَو وعد بالثواب عَلَيْهِ من غير حتم.
وَظَاهر الصيغتين أَعنِي قَوْله: " وَإِن سَأَلَني أَعْطيته، وَإِن استعاذني أعذته " الْعُمُوم. وَهُوَ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة الَّتِي ذَكرنَاهَا أظهر لما فِيهَا من اللَّام الموطئة للقسم فيجاب لَهُ كل مطلب ويعاذ من كل مَا استعاذ مِنْهُ.
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَقد اسْتشْكل بِأَن جمَاعَة من الْعباد والصلحاء
стр. 207
دعوا وبالغوا وَلم يجابوا ".
وَالْجَوَاب: أَن الْإِجَابَة تتنوع فَتَارَة يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه على الْفَوْر، وَتارَة يَقع وَلَكِن يتَأَخَّر لحكمة فِيهِ، وَتارَة قد تقع الْإِجَابَة وَلَكِن بِغَيْر الْمَطْلُوب حَيْثُ لَا تكون فِي الْمَطْلُوب مصلحَة ناجزة، وَفِي الْوَاقِع مصلحَة ناجزة، أَو أصلح مِنْهَا ". انْتهى.
وَأَقُول: كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يرْبط هَذَا التَّقْسِيم بِالدَّلِيلِ، فَإِنَّهُ لَا يقبل إِلَّا بذلك. وَقد أخرج أَحْمد بِإِسْنَاد لَا بَأْس بِهِ وَالْبُخَارِيّ فِي الْأَدَب الْمُفْرد وَالْحَاكِم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " مَا من مُسلم ينصب وَجهه لله فِي مَسْأَلَة إِلَّا أعطَاهُ الله إِيَّاهَا: إِمَّا أَن يَجْعَلهَا لَهُ وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ ".
وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار وَأَبُو يعلى بأسانيد جَيِّدَة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ " مَا من مُسلم يَدْعُو بدعوة لَيْسَ فِيهَا إِثْم وَلَا قطيعة رحم، إِلَّا أعطَاهُ الله بهَا إِحْدَى ثَلَاث: إِمَّا أَن يعجل لَهُ دَعوته، وَإِمَّا أَن يدخرها لَهُ فِي الْآخِرَة، وَإِمَّا أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا ".
стр. 208
فقد تضمن الحَدِيث الأول صُورَتَيْنِ. إِمَّا التَّعْجِيل وَإِمَّا التَّأْجِيل، وتضمن الحَدِيث الثَّانِي ثَلَاث صور: الصُّورَتَيْنِ المذكورتين فِي الحَدِيث الأول وَالثَّانيَِة: أَن يصرف عَنهُ من السوء مثلهَا.
وَورد أَيْضا مَا يدل على وُقُوع الْإِجَابَة وَلَا محَالة كَمَا فِي حَدِيث عَائِشَة عِنْد الْحَاكِم وَالْبَزَّار وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط والخطيب عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ:
" لَا حذر من قدر وَالدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل وَإِن الْبلَاء لينزل فيتلقاه الدُّعَاء فيعتلجان إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح الْإِسْنَاد.
وَتعقبه الذَّهَبِيّ فِي التَّلْخِيص بِأَن زَكَرِيَّا بن مُوسَى أحد رِجَاله وَهُوَ مجمع على ضعفه.
وَقَالَ الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد رَوَاهُ أَحْمد وَأَبُو يعلى بِنَحْوِهِ، وَالْبَزَّار، وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط وَرِجَال أَحْمد وَأبي يعلى وَأحد إسنادي الْبَزَّار رِجَاله رجال الصَّحِيح غير عَليّ بن عَليّ الرِّفَاعِي وَهُوَ ثِقَة.
وَقد قدمنَا ذكر هَذَا الحَدِيث وَذكر مَا قيل فِي إِسْنَاده.
وَقد تضمن أَن الدُّعَاء ينفع مِمَّا نزل وَمِمَّا لم ينزل. وَذَلِكَ يَشْمَل دفع كل الْبلَاء النَّازِل وَأَنه يعتلج هُوَ وَالْبَلَاء إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
فَيمكن أَن يجمع بَين الحَدِيث وَبَين حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَأبي سعيد بِأَن دفع الْبلَاء يحصل بِالدُّعَاءِ على كل حَال.
وَأما إِذا كَانَ الدُّعَاء فِي مَطْلُوب من المطالب الَّتِي لَيست بِدفع الْبلَاء، فَيحْتَمل تِلْكَ الصُّور.
стр. 209
وَيُؤَيّد هَذَا الْجمع مَا أخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْركه، والضياء فِي المختارة من حَدِيث أنس عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ:
" لَا تعجزوا فِي الدُّعَاء، فَإِنَّهُ لن يهْلك مَعَ الدُّعَاء أحد ". وَقد صَححهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة فَلَا وَجه لتعقب الذَّهَبِيّ بِأَن فِي إِسْنَاده عمر بن مُحَمَّد الْأَسْلَمِيّ وَأَنه لَا يعرفهُ لِأَنَّهُ قد عرفه هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة وَلَو لم يعرفوه لم يصححوا الحَدِيث. لكنه حكى الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان عَن أبي حَاتِم أَنه مَجْهُول. وَقَالَ ابْن حجر فِي لِسَان الْمِيزَان: أَنه تساهل الْحَاكِم فِي تَصْحِيحه.
وَيُجَاب عَنهُ بِأَنَّهُ قد صَححهُ مَعَه ابْن حبَان والضياء وهما مَا هما! ؟ وَمَعْلُوم أَنَّهُمَا لَا يصححان إِلَّا حَدِيثا قد عرفا إِسْنَاده. وَمن علم حجَّة على من لم يعلم.
وَمِمَّا يدل على إِجَابَة الدُّعَاء على الْعُمُوم حَدِيث سلمَان عِنْد أبي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم، وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
" إِن الله حييّ [كريم] يستحي إِذا رفع الرجل يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَن يردهما صفراً خائبتين ". وَأخرج الْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم:
" إِن الله حييّ كريم يستحي من عَبده أَن يرفع إِلَيْهِ يَدَيْهِ ثمَّ لَا يضع فيهمَا خيرا ".
وَيدل على إجَابَته على الْعُمُوم بِالْآيَاتِ الَّتِي قدمنَا ذكرهَا.
стр. 210
أثر نوافل الصَّلَاة وَغَيرهَا فِي محبَّة الله لعَبْدِهِ:
قَالَ ابْن حجر " فِي الحَدِيث عظم قدر الصَّلَاة، فَإِنَّهُ نَشأ عَنْهَا محبَّة الله تَعَالَى للْعَبد الَّذِي تقرب بهَا. وَذَلِكَ لِأَن مَحل النجَاة الْقرْبَة، وَلَا وَاسِطَة فِيهَا بَين العَبْد وربه، وَلَا شَيْء أقرّ لعين العَبْد مِنْهَا، وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيث أنس الْمَرْفُوع: " وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة " أخرجه النَّسَائِيّ وَغَيره بِسَنَد صَحِيح، وَمن كَانَت لَهُ قُرَّة عينه فِي شَيْء فَإِنَّهُ يود أَن لَا يُفَارِقهُ وَلَا يخرج مِنْهُ لِأَن فِيهِ نعيمه وَبِه تطيب حَيَاته.
وَلَا يحصل ذَلِك للعابد إِلَّا بالمصابرة على النصب فَإِن السالك عرضة الْآفَات والفتور ". انْتهى.
أَقُول: خص فِي كَلَامه هَذَا من بَين النَّوَافِل نوافل الصَّلَاة مَعَ أَن نوافل الصّيام وَالْحج وَالصَّدَََقَة وَنَحْوهَا ورد فِيهَا مَا ورد فِي التَّرْغِيب فِي نوافل الصَّلَاة.
وَبَعضهَا ورد فِي نوافله مَا أجره أعظم من أجر نوافل الصَّلَاة كَمَا فِي أَحَادِيث التَّرْغِيب فِي ذَلِك. وَقد قدمنَا طرفا مِنْهَا.
وَلَا وَجه لذَلِك فَإِن الحَدِيث صرح بِعُمُوم النَّوَافِل وَهِي تَشْمَل كل نَافِلَة، ونوافل كل نوع مَا خرج عَن فَرَائِضه مَعَ التَّرْغِيب فِي فعله.
فَإِن قَالَ: إِنَّه خص نوافل الصَّلَاة لما لَهَا من المزية، فَهَذِهِ المزية إِنَّمَا ترْتَفع
стр. 211
بارتفاع مَا وعد بِهِ عَلَيْهَا من الثَّوَاب. وَقد ذكرنَا أَنه ورد فِي بعض نوافل غَيرهَا مَا هُوَ أَكثر ثَوابًا من بَعْضهَا.
وَمَا ذكره من الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث: " وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة " فَهُوَ غير مُنَاسِب لِأَن سِيَاق الْكَلَام فِي بَيَان عَظِيم أجر نوافل الصَّلَاة للْمُصَلِّي. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ شَيْء يحصل بِهِ التَّلَذُّذ لفاعل ذَلِك. وَلَيْسَ من الْجَزَاء الْمَوْعُود بِهِ.
لَكِن كَون الصَّلَاة جعلت قُرَّة عين رَسُول الله [[ ﷺ ] وَآله وَسلم] فِيهَا مِمَّا يُحَرك نشاط الراغبين فِي الْخَيْر إِلَى الاستكثار مِنْهَا، وَأَن تكون قُرَّة أَعينهم فِي الصَّلَاة كَمَا كَانَت قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة. وَهَذِه الصَّلَاة الَّتِي كَانَت فِيهَا قُرَّة عين رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم تتَنَاوَل الْفَرَائِض والنوافل.
وَهَكَذَا، مِمَّا يرغب فِي الصَّلَاة، قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " يَا بِلَال أَرحْنَا بِالصَّلَاةِ " أَي رُوحنَا بنفعها.
وَذَلِكَ وَإِن كَانَ مورده صَلَاة الْفَرَائِض لَكِن لنوافلها نصيب من هَذَا الرّوح.
قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة فِي الزِّيَادَة يَعْنِي حَدِيث الْبَاب: وَيكون من أوليائي وأصفيائي وَيكون جاري مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء فِي الْجنَّة ".
стр. 212
الْعِصْمَة والقرب الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيث:
وَقد تمسك بِهَذَا الحَدِيث بعض الجهلة من أهل النَّحْل والرياضة فَقَالُوا: الْقلب إِذا كَانَ مَحْفُوظًا مَعَ الله تَعَالَى كَانَت خواطره معصومة من الْخَطَأ.
وَتعقب ذَلِك أهل التَّحْقِيق من أهل الطَّرِيق فَقَالُوا: لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من ذَلِك إِلَّا إِذا وَافق الْكتاب وَالسّنة. والعصمة إِنَّمَا هِيَ للأنبياء. وَمن عداهم قد يُخطئ، فقد كَانَ عمر ﵁ رَأس الملهمين وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ رُبمَا رأى الرَّأْي فيخبره بعض الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ فَيرجع إِلَيْهِ وَيتْرك رَأْيه.
فَمن ظن أَنه يَكْتَفِي بِمَا وَقع فِي خاطره عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول [ ﷺ ] وَآله وَسلم فقد ارْتكب أعظم الْخَطَأ.
وَأما من بَالغ مِنْهُم فَقَالَ: حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي. فَهُوَ أَشد خطأ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون قلبه إِنَّمَا حَدثهُ عَن الشَّيْطَان وَالله الْمُسْتَعَان " انْتهى.
مَتى نسلم بآراء أهل الْولَايَة وخواطرهم:
أَقُول: قد قدمنَا فِي أول هَذَا الشَّرْح أَن أهل الْولَايَة إِذا لم تكن أَعْمَالهم موزونة بميزان الْكتاب وَالسّنة فَلَا اعْتِدَاد بهَا، وكررنا ذَلِك. وَمَعْلُوم
стр. 213
أَن أَوْلِيَاء الله إِذا لم يجْعَلُوا كَلَامه وَكَلَام رَسُوله قدوتهم ويمشون على صراطها السوي لم يَصح لَهُم هَذَا الانتساب إِلَى الله . " وَكَيف يكون وليا [لله] سُبْحَانَهُ من يعرض عَمَّا شَرعه لِعِبَادِهِ ودعاهم إِلَيْهِ ويشتغل بزخارف الْأَحْوَال، وخواطر السوء ويؤثرها على كَلَام من هُوَ ولي لَهُ؟ ! فَإِن هَذَا هُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي.
وَلَيْسَ الْكَلَام فِيمَن كَانَ حَاله هَذَا الْحَال، بل الْكَلَام فِيمَن يستكثر من أَنْوَاع الطَّاعَة الَّتِي رغب إِلَيْهَا الشَّرْع مُقَيّدا لكل موارده ومصادره بِالشَّرْعِ، فَإِن لهَذِهِ الطَّاعَات أثرا عَظِيما فِي صَلَاح بَاطِنه وَوُقُوع خواطره فِي الْغَالِب مُطَابقَة للصَّوَاب. وَكَيف لَا يكون هَكَذَا وَقد صَار محبوباً لله وَكَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يطبش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فبه يسمع وَبِه يبصر وَبِه يبطش وَبِه يمشي كَمَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي.
وَأي رُتْبَة أَعلَى من هَذِه وَأي مزية أكبر مِنْهَا؟ والمحب فِي بني آدم يُؤثر محبوبه على نَفسه ويقدمه عَلَيْهَا بأبلغ جهده وَغَايَة طاقته حَتَّى قَالَ بعض المحبين لمحبوبه شعرًا:
(وَلَو قلت طا فِي النَّار أعلم أَنه ... رضَا لَك أَو مدنٍ لنا من وصالك)
(لقربت رجْلي نَحْوهَا ووطيتها ... هدى مِنْك لي أَو ضلة من ضلالك)
(لَئِن سَاءَنِي أَن نلقى بمساءة ... لقد سرني أَنِّي خطرت ببالك)
стр. 214
وَقَالَ آخر:
(وَلَقَد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الْهِنْد تقطر من دمي)
(فوددت تَقْبِيل الرماح لِأَنَّهَا ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم)
وَقَالَ آخر:
(ذكرتك والخطى تخطر بَيْننَا ... وَقد نهلت منا المثقفة السمر)
فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْحبّ البشري الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع مخلوقات الرب الَّتِي لَا تدخل تَحت حصر، وَلَا تتطرق إِلَيْهَا إحاطة. فَكيف لَا يصنع الله لمحبوبه من تيَسّر الْخَيْر والحماية عَن الْجِنَايَة، وَحفظ الخواطر عَن الزيغ مَا يصير بِهِ ملكي الْأَفْعَال والأقوال، وَإِن كَانَ بشري الْخلقَة وَهُوَ الْقَادِر الْقوي الَّذِي لَا يتعاظمه شَيْء.
وَمِمَّا يُشِير إِلَى صدق غَالب خواطر أهل الْإِيمَان حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ يرى بِنور الله " وَهُوَ حَدِيث حسن كَمَا قدمنَا.
وَالْحَاصِل أَن الخواطر الكائنة من أهل الْولَايَة إِذا لم تخَالف الشَّرْع فَيَنْبَغِي أَن تكون مسلمة لَهُم لكَوْنهم أحباء الله وأولياؤه، وَأهل طَاعَته وصفوة عباده.
وَلَيْسَ لمن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم كالبهيمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان، أَو كالإنسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَة أَن يُنكر عَلَيْهِم شَيْئا لَا يُخَالف الشَّرِيعَة. فَإِن خَالف شَيْئا مِنْهَا فَهِيَ الجسر الَّذِي لَا يصل أحد إِلَى مراضي الله إِلَّا بالمرور مِنْهُ، وَالْبَاب الَّذِي من دخل من غَيره ضل وَزَل، وَقل وذل.
(يَا سالكا بَين الأسنة والقنا ... إِنِّي أَشمّ عَلَيْك رَائِحَة الدَّم)
وَلَا شكّ وَلَا ريب أَن من جعل مَا امتن بِهِ الله على عباده الصَّالِحين المستكثرين
стр. 215
من نوافل الْعِبَادَات فِي هَذَا الحَدِيث من الْمحبَّة لَهُم، وَمَا ترَتّب عَلَيْهَا عصمَة كعصمة الْأَنْبِيَاء مُخطئ مُخَالف للْإِجْمَاع.
فَإِن الْعِصْمَة بِهَذَا الْمَعْنى خص الله سُبْحَانَهُ بهَا رسله وَمَلَائِكَته وَلم يَجْعَلهَا لأحد من خلقه.
فَإِن هَذَا الْمقَام هُوَ مقَام النُّبُوَّة لَا مقَام الْولَايَة. وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا جَاهِل أَو زائغ.
وَلَكِن الشَّأْن فِيمَا تستلزمه هَذِه الْمحبَّة من الرب سُبْحَانَهُ وَمَا يتأثر عَن قَوْله كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَيَده الَّذِي يبطش بهَا. وَرجله الَّذِي يمشي بهَا. فَإِن هَذَا يدل أبلغ دلَالَة ويفيد أَعلَى مفَاد أَن من وَقع لَهُ ذَلِك من جناب رب الْعِزَّة كَانَ مثبتا أكمل تثبيت، وموفقا أعظم توفيق، وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار لَا مَانع لما أعْطى، وَلَا معطي لما منع.
وَأما مَا حَكَاهُ عَمَّن بَالغ مِنْهُم فَقَالَ: حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي. فَلَيْسَ هَذَا من الخواطر، بل من الرِّوَايَة المكذوبة وَالْكَلَام المفترى إِن كَانَ قَائِله كَامِل الْعقل.
وَإِلَّا فغالب مَا تصدر مثل هَذِه الدَّعَاوَى العريضة عَن المصابين بعقولهم، المخالطين فِي إدراكهم، وَلَيْسَ على مَجْنُون حرج.
следующие страницы →