← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 6886

قطر الولي على حديث الولي = ولاية الله والطريق إليها

الشوكاني

Полный текст (308 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بارتفاع مَا وعد بِهِ عَلَيْهَا من الثَّوَاب. وَقد ذكرنَا أَنه ورد فِي بعض نوافل غَيرهَا مَا هُوَ أَكثر ثَوابًا من بَعْضهَا. وَمَا ذكره من الِاسْتِدْلَال بِحَدِيث: " وَجعلت قُرَّة عَيْني فِي الصَّلَاة " فَهُوَ غير مُنَاسِب لِأَن سِيَاق الْكَلَام فِي بَيَان عَظِيم أجر نوافل الصَّلَاة للْمُصَلِّي. وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ شَيْء يحصل بِهِ التَّلَذُّذ لفاعل ذَلِك. وَلَيْسَ من الْجَزَاء الْمَوْعُود بِهِ. لَكِن كَون الصَّلَاة جعلت قُرَّة عين رَسُول الله [[ ﷺ ] وَآله وَسلم] فِيهَا مِمَّا يُحَرك نشاط الراغبين فِي الْخَيْر إِلَى الاستكثار مِنْهَا، وَأَن تكون قُرَّة أَعينهم فِي الصَّلَاة كَمَا كَانَت قُرَّة عينه فِي الصَّلَاة. وَهَذِه الصَّلَاة الَّتِي كَانَت فِيهَا قُرَّة عين رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم تتَنَاوَل الْفَرَائِض والنوافل. وَهَكَذَا، مِمَّا يرغب فِي الصَّلَاة، قَوْله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " يَا بِلَال أَرحْنَا بِالصَّلَاةِ " أَي رُوحنَا بنفعها. وَذَلِكَ وَإِن كَانَ مورده صَلَاة الْفَرَائِض لَكِن لنوافلها نصيب من هَذَا الرّوح. قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة فِي الزِّيَادَة يَعْنِي حَدِيث الْبَاب: وَيكون من أوليائي وأصفيائي وَيكون جاري مَعَ النَّبِيين وَالصديقين وَالشُّهَدَاء فِي الْجنَّة ".

стр. 212

الْعِصْمَة والقرب الَّتِي فِي هَذَا الحَدِيث: وَقد تمسك بِهَذَا الحَدِيث بعض الجهلة من أهل النَّحْل والرياضة فَقَالُوا: الْقلب إِذا كَانَ مَحْفُوظًا مَعَ الله تَعَالَى كَانَت خواطره معصومة من الْخَطَأ. وَتعقب ذَلِك أهل التَّحْقِيق من أهل الطَّرِيق فَقَالُوا: لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء من ذَلِك إِلَّا إِذا وَافق الْكتاب وَالسّنة. والعصمة إِنَّمَا هِيَ للأنبياء. وَمن عداهم قد يُخطئ، فقد كَانَ عمر ﵁ رَأس الملهمين وَمَعَ ذَلِك فَكَانَ رُبمَا رأى الرَّأْي فيخبره بعض الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ فَيرجع إِلَيْهِ وَيتْرك رَأْيه. فَمن ظن أَنه يَكْتَفِي بِمَا وَقع فِي خاطره عَمَّا جَاءَ بِهِ الرَّسُول [ ﷺ ] وَآله وَسلم فقد ارْتكب أعظم الْخَطَأ. وَأما من بَالغ مِنْهُم فَقَالَ: حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي. فَهُوَ أَشد خطأ فَإِنَّهُ لَا يَأْمَن أَن يكون قلبه إِنَّمَا حَدثهُ عَن الشَّيْطَان وَالله الْمُسْتَعَان " انْتهى. مَتى نسلم بآراء أهل الْولَايَة وخواطرهم: أَقُول: قد قدمنَا فِي أول هَذَا الشَّرْح أَن أهل الْولَايَة إِذا لم تكن أَعْمَالهم موزونة بميزان الْكتاب وَالسّنة فَلَا اعْتِدَاد بهَا، وكررنا ذَلِك. وَمَعْلُوم

стр. 213

أَن أَوْلِيَاء الله إِذا لم يجْعَلُوا كَلَامه وَكَلَام رَسُوله قدوتهم ويمشون على صراطها السوي لم يَصح لَهُم هَذَا الانتساب إِلَى الله . " وَكَيف يكون وليا [لله] سُبْحَانَهُ من يعرض عَمَّا شَرعه لِعِبَادِهِ ودعاهم إِلَيْهِ ويشتغل بزخارف الْأَحْوَال، وخواطر السوء ويؤثرها على كَلَام من هُوَ ولي لَهُ؟ ! فَإِن هَذَا هُوَ بالعدو أشبه مِنْهُ بالولي. وَلَيْسَ الْكَلَام فِيمَن كَانَ حَاله هَذَا الْحَال، بل الْكَلَام فِيمَن يستكثر من أَنْوَاع الطَّاعَة الَّتِي رغب إِلَيْهَا الشَّرْع مُقَيّدا لكل موارده ومصادره بِالشَّرْعِ، فَإِن لهَذِهِ الطَّاعَات أثرا عَظِيما فِي صَلَاح بَاطِنه وَوُقُوع خواطره فِي الْغَالِب مُطَابقَة للصَّوَاب. وَكَيف لَا يكون هَكَذَا وَقد صَار محبوباً لله وَكَانَ سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ وبصره الَّذِي يبصر بِهِ وَيَده الَّتِي يطبش بهَا وَرجله الَّتِي يمشي بهَا فبه يسمع وَبِه يبصر وَبِه يبطش وَبِه يمشي كَمَا وَقع فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي. وَأي رُتْبَة أَعلَى من هَذِه وَأي مزية أكبر مِنْهَا؟ والمحب فِي بني آدم يُؤثر محبوبه على نَفسه ويقدمه عَلَيْهَا بأبلغ جهده وَغَايَة طاقته حَتَّى قَالَ بعض المحبين لمحبوبه شعرًا: (وَلَو قلت طا فِي النَّار أعلم أَنه ... رضَا لَك أَو مدنٍ لنا من وصالك) (لقربت رجْلي نَحْوهَا ووطيتها ... هدى مِنْك لي أَو ضلة من ضلالك) (لَئِن سَاءَنِي أَن نلقى بمساءة ... لقد سرني أَنِّي خطرت ببالك)

стр. 214

وَقَالَ آخر: (وَلَقَد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الْهِنْد تقطر من دمي) (فوددت تَقْبِيل الرماح لِأَنَّهَا ... لمعت كبارق ثغرك المتبسم) وَقَالَ آخر: (ذكرتك والخطى تخطر بَيْننَا ... وَقد نهلت منا المثقفة السمر) فَإِذا كَانَ هَذَا فِي الْحبّ البشري الَّذِي هُوَ نوع من أَنْوَاع مخلوقات الرب الَّتِي لَا تدخل تَحت حصر، وَلَا تتطرق إِلَيْهَا إحاطة. فَكيف لَا يصنع الله لمحبوبه من تيَسّر الْخَيْر والحماية عَن الْجِنَايَة، وَحفظ الخواطر عَن الزيغ مَا يصير بِهِ ملكي الْأَفْعَال والأقوال، وَإِن كَانَ بشري الْخلقَة وَهُوَ الْقَادِر الْقوي الَّذِي لَا يتعاظمه شَيْء. وَمِمَّا يُشِير إِلَى صدق غَالب خواطر أهل الْإِيمَان حَدِيث " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ يرى بِنور الله " وَهُوَ حَدِيث حسن كَمَا قدمنَا. وَالْحَاصِل أَن الخواطر الكائنة من أهل الْولَايَة إِذا لم تخَالف الشَّرْع فَيَنْبَغِي أَن تكون مسلمة لَهُم لكَوْنهم أحباء الله وأولياؤه، وَأهل طَاعَته وصفوة عباده. وَلَيْسَ لمن كَانَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِم كالبهيمة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَان، أَو كالإنسان بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَلَائِكَة أَن يُنكر عَلَيْهِم شَيْئا لَا يُخَالف الشَّرِيعَة. فَإِن خَالف شَيْئا مِنْهَا فَهِيَ الجسر الَّذِي لَا يصل أحد إِلَى مراضي الله إِلَّا بالمرور مِنْهُ، وَالْبَاب الَّذِي من دخل من غَيره ضل وَزَل، وَقل وذل. (يَا سالكا بَين الأسنة والقنا ... إِنِّي أَشمّ عَلَيْك رَائِحَة الدَّم) وَلَا شكّ وَلَا ريب أَن من جعل مَا امتن بِهِ الله على عباده الصَّالِحين المستكثرين

стр. 215

من نوافل الْعِبَادَات فِي هَذَا الحَدِيث من الْمحبَّة لَهُم، وَمَا ترَتّب عَلَيْهَا عصمَة كعصمة الْأَنْبِيَاء مُخطئ مُخَالف للْإِجْمَاع. فَإِن الْعِصْمَة بِهَذَا الْمَعْنى خص الله سُبْحَانَهُ بهَا رسله وَمَلَائِكَته وَلم يَجْعَلهَا لأحد من خلقه. فَإِن هَذَا الْمقَام هُوَ مقَام النُّبُوَّة لَا مقَام الْولَايَة. وَلَا يُخَالف فِي ذَلِك إِلَّا جَاهِل أَو زائغ. وَلَكِن الشَّأْن فِيمَا تستلزمه هَذِه الْمحبَّة من الرب سُبْحَانَهُ وَمَا يتأثر عَن قَوْله كنت سَمعه الَّذِي يسمع بِهِ، وبصره الَّذِي يبصر بِهِ، وَيَده الَّذِي يبطش بهَا. وَرجله الَّذِي يمشي بهَا. فَإِن هَذَا يدل أبلغ دلَالَة ويفيد أَعلَى مفَاد أَن من وَقع لَهُ ذَلِك من جناب رب الْعِزَّة كَانَ مثبتا أكمل تثبيت، وموفقا أعظم توفيق، وَرَبك يخلق مَا يَشَاء ويختار لَا مَانع لما أعْطى، وَلَا معطي لما منع. وَأما مَا حَكَاهُ عَمَّن بَالغ مِنْهُم فَقَالَ: حَدثنِي قلبِي عَن رَبِّي. فَلَيْسَ هَذَا من الخواطر، بل من الرِّوَايَة المكذوبة وَالْكَلَام المفترى إِن كَانَ قَائِله كَامِل الْعقل. وَإِلَّا فغالب مَا تصدر مثل هَذِه الدَّعَاوَى العريضة عَن المصابين بعقولهم، المخالطين فِي إدراكهم، وَلَيْسَ على مَجْنُون حرج.

стр. 216

وَلَيْسَ أحباء الله سُبْحَانَهُ هم هَؤُلَاءِ، بل الْكَلَام فِي أحبائه [الَّذين] ذكرهم الله فِي هَذَا الحَدِيث الْقُدسِي ولسان حَالهم: (أَهلا بِمَا لم أكن أَهلا لموقعه ... قَول المبشر بعد الْيَأْس بالفرج) (لَك الْبشَارَة فاخلع مَا عَلَيْك فقد ... ذكرت ثمَّ على مَا فِيك من عوج)

стр. 217

الْفَصْل الرَّابِع قيمَة هَذَا الحَدِيث فِي بَاب السلوك والأخلاق \

стр. 218

فارغة.

стр. 219

الْإِحْسَان والمفروضات الباطنية: وَحكى ابْن حجر فِي الْفَتْح عَن الطوفي أَنه قَالَ: " هَذَا الحَدِيث أصل فِي السلوك إِلَى الله تَعَالَى، والوصول إِلَى مَعْرفَته ومحبته، وَطَرِيقَة أَدَاء المفروضات الْبَاطِنَة وَهِي الْإِيمَان، وَالظَّاهِرَة وَهِي الْإِسْلَام، والمركب مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحْسَان، كَمَا تضمنه حَدِيث جِبْرِيل ﵇. وَالْإِحْسَان يتَضَمَّن مقامات السالكين من الزّهْد وَالْإِخْلَاص والمراقبة وَغَيرهَا " انْتهى. أَقُول: قد عرفناك فِيمَا سلف أَن مِمَّا افترضه الله على عباده ترك الْمُحرمَات، فَتَركهَا فَرِيضَة من فَرَائض الله سُبْحَانَهُ. فَقَوله أَدَاء المفروضات الْبَاطِنَة وَهِي الْإِيمَان، وَالظَّاهِرَة وَهِي الْإِسْلَام لَا يَشْمَل جَمِيع فَرَائض الله. وَبَيَانه أَن الْإِيمَان هُوَ كَمَا قَالَه [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي جَوَاب من سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان " أَن تؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره "، فَلم يَشْمَل جَمِيع المفروضات الْبَاطِنَة. فَإِن مِنْهَا لَا يتَعَلَّق بِشَيْء من الاعتقادات الْبَاطِلَة، وَلَا يحْسد، وَلَا يعجب، وَلَا يتكبر وَلَا يشوب عمله رِيَاء، وَلَا نِيَّته عدم خلوص. وَلَا يستخف بِمَا أوجب الله عَلَيْهِ تَعْظِيمه، وَلَا يبطن غير مَا يظهره حَتَّى يكون ذَا وَجْهَيْن، وَغير ذَلِك من الْأُمُور القلبية الَّتِي هِيَ عِنْد من يتفكر فِي الْأُمُور ويتفهم الْحَقَائِق كَثِيرَة جدا. والتكليف بهَا شَدِيد،

стр. 220

والوعيد عَلَيْهَا عتيد، والحريص على دينه إِذا لم يجاهدها كُلية المجاهدة هلك من حَيْثُ لَا يشْعر. وَذهب عَلَيْهِ أجر أَعماله الظَّاهِرَة وَهُوَ لَا يدْرِي. فَترك هَذِه هُوَ من أعظم مَا افترضه الله على عباده، وَهِي غير دَاخِلَة فِي خِصَال الْإِيمَان الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا الحَدِيث. فَإِن الرجل قد يُؤمن بِاللَّه وَمَلَائِكَته وَكتبه وَرُسُله، وَالْقدر خَيره وشره وَهُوَ مُشْتَمل على شَيْء من هَذِه الْمعاصِي الْبَاطِنَة. وَبَيَان ذَلِك أَنَّك لَو كشفت مَا عِنْده فِي الْإِيمَان بِاللَّه لوجدته مُؤمنا بِهِ لَا يَعْتَرِيه فِي ذَلِك شكّ وَلَا شُبْهَة، وَكَذَلِكَ لَا يشك فِي الْمَلَائِكَة وَفِي كتب الله وَرُسُله، وَكَون الْأَمر بيد الله وَهُوَ الْقَابِض الباسط النافع الضار. فَهَذِهِ [يجدهَا] الْإِنْسَان عِنْد كل أحد من الْمُسلمين. وَإِذا كشفت عَن هَذِه الْأُمُور الْبَاطِنَة وجدت عباد الله مُخْتَلفين فِيهَا لَا يَنْزِعهَا الله سُبْحَانَهُ إِلَّا من قُلُوب خَاصَّة الْخَاصَّة. وَمَا أحسن مَا روى عَن بعض كفار الْهِنْد الوثنية بعد إِسْلَامه أَنه قَالَ: " جاهدت نَفسِي فِي كسر الوثن الَّذِي كنت أعبده لَيْلَة فَغَلَبَتْهَا وكسرته، وَأَنا فِي جِهَاد لَهَا نَحْو عشْرين سنة فِي كسر الْأَصْنَام الْبَاطِنَة فَلم أقدر عَلَيْهَا، وَلَا نفع جهادي لَهَا أبدا ". وَمن فكر فِي هَذَا النَّوْع الإنساني وجد غَالب مصائب دينه من الْمعاصِي الْبَاطِنَة وَوجد الْمعاصِي الظَّاهِرَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْبَاطِنَة أقل خطراً وأيسر شرا، لِأَنَّهُ قد يمْنَع عَنْهَا الدّين وَقد يمْنَع عَنْهَا الْحيَاء وَحفظ الْمُرُوءَة. وَأما البلايا الْبَاطِنَة فَهِيَ إِذا لم يَزع حاملها وازع الدّين لم يقْلع عَنْهَا لِأَنَّهَا أُمُور لَا يطلع عَلَيْهَا النَّاس حَتَّى يستحي ويحاشى ويحافظ على مروءته.

стр. 221

طَهَارَة الْبَاطِن وأثرها فِي مَرْكَز الْإِنْسَان من الْولَايَة: وَبِالْجُمْلَةِ فَمن قدر على تصفية بَاطِنه من هَذِه الأدناس فقد دخل من بَاب الْولَايَة الْكُبْرَى، وَتمسك بأوثق أَسبَابهَا، لِأَنَّهُ قد خلص من أعظم موانعها، وَأَشد القواطع عَنْهَا، وَصَارَ بَاطِنه قَابلا لأنوار التَّوْفِيق مستعداً للظفر بالمنازل الْعَالِيَة والمزايا الجميلة الَّتِي هِيَ أس الْولَايَة الْعُظْمَى وأساس الْهِدَايَة الْكُبْرَى وركن الْإِيمَان الْقوي، وعماد الْإِخْلَاص السوي. وَإِذا تقرر لَك عدم اشْتِمَال خِصَال الْإِيمَان على جَمِيع الْأُمُور الْبَاطِنَة، فَكَذَلِك مَا ذكره من اشْتِمَال الْإِسْلَام على الْفَرَائِض الظَّاهِرَة، فَإِنَّهُ غير مُسلم. لِأَن الْإِسْلَام هُوَ الَّذِي ذكره النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي جَوَاب سُؤال من سَأَلَهُ عَن الْإِسْلَام قَالَ: " أَن تقيم الصَّلَاة، وتؤتي الزَّكَاة، وتحج الْبَيْت، وتصوم رَمَضَان، وَتشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله ". فقد اقْتصر [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي بَيَان مَاهِيَّة الْإِسْلَام على هَذِه الْخمس. والفرائض الظَّاهِرَة كَثِيرَة جدا يصعب حصرها، وتتعسر الْإِحَاطَة بهَا، وناهيك أَن رَأس الْفَرَائِض الظَّاهِرَة الْجِهَاد وَلَيْسَ من جملَة الْخمس الَّتِي اشْتَمَل عَلَيْهَا حَدِيث الْإِسْلَام، فَلَا نطيل بذكرها فَإِنَّهَا مَعْرُوفَة لكل ذِي علم وَفهم. الطَّرِيق إِلَى طَهَارَة الْبَاطِن: وَيحسن أَن نبين هَاهُنَا الزواجر عَن بعض الْمعاصِي الْبَاطِنَة حَتَّى يكون ذَلِك بعد مَا قدمْنَاهُ من التحذير مِنْهَا كالدواء لدائها العضال، وكالترياق لسمها الْقِتَال.

стр. 222

فَاعْلَم أَن عُمْدَة الْأَعْمَال الَّتِي تترتب عَلَيْهَا صِحَّتهَا أَو فَسَادهَا هِيَ النِّيَّة وَالْإِخْلَاص، وَلَا شكّ أَنَّهُمَا من الْأُمُور الْبَاطِنَة. فَمن لم تكن نِيَّته صَحِيحَة لم يَصح عمله الَّذِي عمله، وَلَا أجره الْمُتَرَتب عَلَيْهِ. وَمن لم يخلص عمله لله سُبْحَانَهُ فَهُوَ مَرْدُود عَلَيْهِ مَضْرُوب بِهِ فِي وَجهه، وَذَلِكَ كالعامل الَّذِي يشوب نِيَّته بالرياء، قَالَ الله : ﴿واعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عمر بن الْخطاب ﵁ قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لكل امْرِئ مَا نوى فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله فَهجرَته إِلَى الله وَرَسُوله، وَمن كَانَت هجرته إِلَى دنيا يُصِيبهَا أَو امْرَأَة يَتَزَوَّجهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة فِي قصَّة الْجَيْش الَّذِي يَغْزُو الْكَعْبَة فيخسف بهم، قَالَت: قلت يَا رَسُول الله كَيفَ يخسف بأولهم وَآخرهمْ وَفِيهِمْ أسواقهم وَمن لَيْسَ مِنْهُم؟ قَالَ: " يخسف بأولهم وَآخرهمْ ثمَّ يبعثون على قدر نياتهم ". وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِنَّمَا يبْعَث النَّاس على نياتهم " وَأخرجه أَيْضا من حَدِيث جَابر. وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أنس قَالَ: " رَجعْنَا

стр. 223

من غَزْوَة تَبُوك مَعَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم، فَقَالَ: إِن أَقْوَامًا خلفنا بِالْمَدِينَةِ مَا سلكنا شعبًا وَلَا وَاديا إِلَّا وهم مَعنا حَبسهم الْعذر ". وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن الله لَا ينظر إِلَى أجسامكم وَلَا إِلَى صوركُمْ، وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَبَّاس عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من همَّ بحسنة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة، فَإِن همَّ بهَا فعملها كتبهَا الله عِنْده عشر حَسَنَات إِلَى سَبْعمِائة ضعف إِلَى أَضْعَاف كَثِيرَة، وَمن هم بسيئة فَلم يعملها كتبهَا الله عِنْده حَسَنَة كَامِلَة وَإِن هُوَ هم بهَا فعملها كتبهَا الله عِنْده سَيِّئَة وَاحِدَة " زَاد فِي رِوَايَة: " أَو محاها، وَلَا يهْلك على الله إِلَّا هَالك ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِنَحْوِهِ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَمن ذَلِك حَدِيث: " الثَّلَاثَة الَّذين هم أول من تسعَّر بهم النَّار وهم: الْعَالم الَّذِي علم ليقال لَهُ عَالم، والمجاهد الَّذِي جَاهد ليقال لَهُ جرئ، وَالرجل الْغَنِيّ الَّذِي تصدق ليقال لَهُ جواد ". وَهُوَ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا بِأَلْفَاظ. وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي أُمَامَة قَالَ: " جَاءَ رجل إِلَى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَقَالَ: أَرَأَيْت رجلا غزا يلْتَمس الْأجر وَالذكر مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لَا شَيْء لَهُ، فَأَعَادَهَا ثَلَاث مَرَّات يَقُول رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لَا شَيْء لَهُ، ثمَّ قَالَ: إِن الله لَا يقبل من العَبْد إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصا، وابتغى بِهِ وَجهه ". وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد جيد وَالْبَيْهَقِيّ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث أبي هِنْد الدَّارِيّ

стр. 224

أَنه سمع رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: " من قَامَ مقَام رِيَاء وَسمع راءى الله بِهِ يَوْم الْقِيَامَة وسَمّع ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير بأسانيد أَحدهَا صَحِيح والبيقهي عَن عبد الله ابْن عَمْرو، قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: " من سمع النَّاس بِعِلْمِهِ سمع الله بِهِ سامع خلقه وصغره وحقره ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث جُنْدُب بن عبد الله قَالَ: قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من سمع سمع الله بِهِ وَمن يرائي يرائي الله بِهِ ". وَأخرج ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي كتاب الزّهْد من حَدِيث معَاذ قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: الْيَسِير من الرِّيَاء شرك " الحَدِيث. قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح وَلَا عِلّة لَهُ. وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد جيد، وَابْن أبي الدُّنْيَا وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد عَن مَحْمُود ابْن لبيد أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " إِن أخوف مَا أَخَاف عَلَيْكُم الشّرك الْأَصْغَر قَالُوا: وَمَا الشّرك الْأَصْغَر؟ ﴿قَالَ الرِّيَاء، يَقُول الله ، إِذا جزى النَّاس بأعمالهم: اذْهَبُوا إِلَى الَّذين كُنْتُم تراءون فِي الدُّنْيَا فانظروا هَل تَجِدُونَ عِنْدهم جَزَاء؟﴾ ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد

стр. 225

نَحوه. وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات، وَابْن خُزَيْمَة فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه أَيْضا. وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي كَون الرِّيَاء مُبْطلًا للْعَمَل مُوجبا للإثم كَثِيرَة جدا وَارِدَة فِي أَنْوَاع من الرِّيَاء. الرِّيَاء فِي الْعلم، والرياء فِي الْجِهَاد، والرياء فِي الصَّدَقَة، والرياء فِي أَعمال الْخَيْر على الْعُمُوم، ومجموعها لَا يَفِي بِهِ إى مُصَنف مُسْتَقل. والرياء هُوَ أضرّ الْمعاصِي الْبَاطِنَة وأشرها مَعَ كَونه لَا فَائِدَة فِيهِ إِلَّا ذهَاب أجر الْعَمَل والعقوبة على وُقُوعه فِي الطَّاعَة، فَلم يذهب بِهِ مُجَرّد الْعَمَل بل لزم صَاحبه مَعَ ذهَاب عمله الْإِثْم الْبَالِغ. وَمن كَانَ ثَمَرَة ريائه هَذِه الثَّمَرَة، وَعجز عَن صرف نَفسه عَنهُ فَهُوَ من ضعف الْعقل، وحمق الطَّبْع بمَكَان فَوق مَكَان الْمَشْهُورين بالحماقة. وَمن الزّجر عَن الذُّنُوب الْبَاطِنَة الْخَارِجَة عَن حَدِيث الْإِيمَان مَا أخرجه الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " إيَّاكُمْ وَالظَّن فَإِن الظَّن أكذب الحَدِيث. وَلَا تجسسوا وَلَا تحسسوا، وَلَا تنافسوا وَلَا تَحَاسَدُوا. وَلَا تباغضوا، وَلَا تدابروا كَمَا أَمركُم. الْمُسلم أَخُو الْمُسلم لَا يَظْلمه وَلَا يَخْذُلهُ وَلَا يحقره التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا. وَيُشِير إِلَى صَدره بِحَسب امْرِئ من الشَّرّ أَن يحقر أَخَاهُ الْمُسلم. كل الْمُسلم على الْمُسلم حرَام: دَمه وَعرضه وَمَاله ". وَهَذِه الْأُمُور غالبها من الْمعاصِي الْبَاطِنَة. وناهيك أَن التَّقْوَى الَّتِي هِيَ طَرِيق النجَاة الْكُبْرَى قد صرح [ ﷺ ] وَآله وَسلم هَاهُنَا أَنَّهَا من الْأُمُور الْبَاطِنَة، فَإِذا كَانَت النِّيَّة وَالْإِخْلَاص وَالتَّقوى من الْأُمُور الْبَاطِنَة، وَهِي عُمْدَة الِاعْتِدَاد بالأفعال والأقوال فناهيك بذلك.

стр. 226

وَأخرج ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يجْتَمع فِي جَوف عبد مُؤمن غُبَار فِي سَبِيل الله وفيح جَهَنَّم، وَلَا يجْتَمع فِي جَوف عبد الْإِيمَان والحسد ". فقد أوضح فِي هَذَا الحَدِيث أَن الْحَسَد مُغَاير للْإيمَان، فصح مَا ذَكرْنَاهُ من الِاعْتِرَاض على كَلَام الطوفي السَّابِق. وَأخرج أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة، وَأخرجه ابْن مَاجَه من حَدِيث أنس عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " إيَّاكُمْ والحسد فَإِن الْحَسَد يَأْكُل الْحَسَنَات كَمَا تَأْكُل النَّار الْحَطب " وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد رِجَاله ثِقَات عَن ضَمرَة بن ثَعْلَبَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " لَا يزَال النَّاس بِخَير مَا لم يتحاسدوا ". وَأخرج الْبَزَّار وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث الزبير أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " دب إِلَيْكُم دَاء الْأُمَم قبلكُمْ الْحَسَد والبغضاء، والبغضاء هِيَ الحالقة أما إِنِّي لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين ". وَأخرج ابْن مَاجَه بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْبَيْهَقِيّ " أَنه سُئِلَ رَسُول الله [[ ﷺ ] وَآله وَسلم] عَن أفضل النَّاس فَقَالَ: التقى النقي لَا إِثْم فِيهِ وَلَا بغي وَلَا غل وَلَا حسد ". وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة. وَمِمَّا ورد فِي ذمّ الْكبر وَالْعجب حَدِيث عِيَاض بن حمَار الَّذِي أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " إِن الله تَعَالَى أوحى إليّ أَن تواضعوا حَتَّى لَا يفخر أحد على أحد وَلَا يَبْغِي أحد على أحد ". وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله

стр. 227

[ ﷺ ] وَآله وَسلم: " مَا نقصت صَدَقَة من مَال وَمَا زَاد الله عبدا بِعَفْو إِلَّا عزا. وَمَا تواضع أحد لله إِلَّا رَفعه ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث ثَوْبَان قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من مَاتَ وَهُوَ بَرِيء من الْكبر والغلول والدَّين دخل الْجنَّة ". وَأخرج ابْن مَاجَه وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنه قَالَ: " من تواضع لله دَرَجَة يرفعهُ دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أعلا عليين. وَمن تكبر على الله دَرَجَة يَضَعهُ الله دَرَجَة حَتَّى يَجعله فِي أَسْفَل سافلين وَلَو أَن أحدكُم يعْمل فِي صَخْرَة صماء لَيْسَ عَلَيْهَا بَاب وَلَا كسْوَة لخرج مَا غيبه للنَّاس كَائِنا من كَانَ ". وَأخرج أَحْمد وَالْبَزَّار بِإِسْنَاد رِجَاله رجال الصَّحِيح، وَالطَّبَرَانِيّ عَن عمر بن الْخطاب أَنه قَالَ على الْمِنْبَر: " أَيهَا النَّاس تواضعوا فَإِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: من تواضع لله رَفعه الله وَقَالَ: - انْتَعش نَعشك الله - فَهُوَ فِي أعين النَّاس عَظِيم وَفِي نَفسه صَغِير، وَمن تكبر قصمه الله. وَقَالَ: اخْسَأْ فَهُوَ فِي أعين النَّاس صَغِير، وَفِي نَفسه كَبِير ". وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي سعيد وَأبي هُرَيْرَة قَالَا: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: يَقُول الله : " الْعِزّ إزَاره

стр. 228

والكبرياء رِدَاؤُهُ فَمن نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذبته ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث حَارِثَة بن وهب قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: أَلا أخْبركُم بِأَهْل النَّار كل عتل جَوَّاظٍ مستكبر ". وَأخرج مُسلم وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم " ثَلَاثَة لَا يكلمهم الله تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَا ينظر إِلَيْهِم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم: شيخ زانٍ، وَملك كَذَّاب، وعائل مستكبر ". وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث ابْن مَسْعُود عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " لَا يدْخل الْجنَّة من فِي قلبه مِثْقَال ذرة من كبر ". فَقَالَ رجل: إِن الرجل يحب أَن يكون ثَوْبه حسنا، وَنَعله حَسَنَة قَالَ. إِن الله جميل يحب الْجمال. الْكبر بطر الْحق وغمط النَّاس " وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث ابْن عمر أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " بَيْنَمَا رجل مِمَّن كَانَ قبلكُمْ يجر إزَاره من الْخُيَلَاء خسف بِهِ فَهُوَ يتجلجل فِي الأَرْض إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ". وَأخرج نَحوه البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عمر أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " من جر ثَوْبه خُيَلَاء لم ينظر الله لَهُ يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ أَبُو بكر: يَا رَسُول الله إِن إزَارِي يسترخي أَلا أَن أتعاهده؟ فَقَالَ لَهُ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: إِنَّك لست مِمَّن يَفْعَله خُيَلَاء "، وَالْخُيَلَاء عِنْد أهل اللُّغَة وَالشَّرْع الْكبر وَالْعجب. وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيره. وَأخرج الشَّيْخَانِ

стр. 229

وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " تَجِدُونَ النَّاس معادن خيارهم فِي الْجَاهِلِيَّة، خيارهم فِي الْإِسْلَام إِذا فقهوا، وتجدون شَرّ النَّاس ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْه وَهَؤُلَاء بِوَجْه ". وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث ابْن عمر أَن رجلا قَالَ لَهُ إِنَّا ندخل على سلطاننا فَنَقُول بِخِلَاف مَا نتكلم إِذا خرجنَا من عِنْده فَقَالَ: كُنَّا نعد هَذَا نفَاقًا على عهد رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم ". وَأخرج أَبُو دَاوُد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث عمار بن يَاسر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من كَانَ لَهُ وَجْهَان فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ يَوْم الْقِيَامَة لسانان من نَار ". وَأخرجه ابْن أبي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيّ والأصبهاني من حَدِيث أنس. وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ أَيْضا فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص بِلَفْظ [ذَوُو] الْوَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَيَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة وَله وَجْهَان من نَار ". وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الْخِيَانَة وَقد وَردت الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة بِأَنَّهَا من خِصَال النِّفَاق.

стр. 230

وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الْمحبَّة والبغض وَالْكَرَاهَة وَقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: " ثَلَاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وجد بِهن حلاوة الْإِيمَان، من كَانَ الله وَرَسُوله أحب إِلَيْهِ مِمَّا سواهُمَا وَمن أحب عبدا لَا يُحِبهُ إِلَّا الله تَعَالَى، وَمن يكره أَن يعود فِي الْكفْر بعد أَن أنقذه الله مِنْهُ كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار " وَفِي رِوَايَة " وَأَن يحب فِي الله وَيبغض فِي الله ". وَأخرج مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (إِن الله تَعَالَى يَقُول يَوْم الْقِيَامَة: [أَيْن] المتحابون لأجلي الْيَوْم أظلهم فِي ظِلِّي يَوْم لَا ظلّ إِلَى ظِلِّي " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله يَوْم لَا ظلّ إِلَّا ظله " وَمِنْهُم رجلَانِ تحابا فِي الله اجْتمعَا عَلَيْهِ وتفرقا عَلَيْهِ ". وَأخرج مُسلم من حَدِيثه فِي الرجل الَّذِي أَتَى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم وعرفه أَنه زار أَخا لَهُ أحبه فِي الله تَعَالَى فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : إِن الله قد أحبك كَمَا أَحْبَبْت فِيهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي ذَر " أَنه [ ﷺ ] قَالَ: الْمَرْء مَعَ من أحب ". وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة جدا وَمن ذَلِك مَا ورد فِي ذمّ حب الدُّنْيَا ومدح حب الْآخِرَة، وَهِي أَحَادِيث كَثِيرَة. وَمن الْأُمُور الْبَاطِنَة الطَّيرَة وَقد صَحَّ عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم أَنَّهَا شرك كَمَا فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود وَصَححهُ التِّرْمِذِيّ وَابْن حبَان. وَمن الْأُمُور الباطقة التَّوْبَة، وَالْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي التَّرْغِيب فِيهَا متواترة. وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح الخشية من الله .

стр. 231

وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي ذمّ طول الأمل ومدح قصره. وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح الْخَوْف من الله ، ومراقبته. وَمِنْهَا الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي مدح حسن الظَّن بِاللَّه، وَلَو لم يكن مِنْهَا إِلَّا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (قَالَ الله أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي) . وَحَدِيث جَابر عِنْد مُسلم وَغَيره أَنه سمع النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قبل مَوته بِثَلَاثَة أَيَّام يَقُول: (لَا يموتن أحدكُم إِلَّا وَهُوَ يحسن الظَّن بِاللَّه ". وَمِنْهَا الصَّبْر وَقد ورد مدحه وَكَون الله مَعَ الصابرين وَمَا لَهُم من الْأجر الْعَظِيم فِي الْكتاب وَالسّنة. وَبِالْجُمْلَةِ فاستيفاء الْفَرَائِض الْبَاطِنَة، والمحرمات الْبَاطِنَة الَّتِي تَركهَا من الْفَرَائِض يطول جدا، فلنقتصر على هَذَا الْمِقْدَار، وَبِه يتَبَيَّن أَن مَا ذكره الطوفي من اشْتِمَال خِصَال الْإِسْلَام على الْفَرَائِض الظَّاهِرَة، واشتمال خِصَال الْإِيمَان الْمَذْكُورَة فِي الحَدِيث على الْفَرَائِض الْبَاطِنَة غير صَحِيح. مقَام الْإِحْسَان وَلمن يكون: وَأما قَول الطوفي: والمركب مِنْهُمَا وَهُوَ الْإِحْسَان كَمَا تضمنه حَدِيث جِبْرِيل إِلَخ فَأَقُول: وَجه تركبه مِنْهُمَا أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ فِي الْإِحْسَان لما سَأَلَهُ السَّائِل عَنهُ: (أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ، فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) فَأمره أَن يعبد الله سُبْحَانَهُ على هَذِه الصّفة، وَهِي كَأَنَّهُ يرَاهُ فمجموع الْإِحْسَان هُوَ الْعِبَادَة مَعَ الْحُضُور والمراقبة ومزيد الْخُشُوع فِيهَا.

стр. 232

وَلَكِن لَا يخفاك أَن كَون الْإِحْسَان يتركب من مَجْمُوع الْإِسْلَام وَالْإِيمَان مَبْنِيّ على أَن الْعِبَادَة مَعَ هَذِه المراقبة تحصل لكل مُؤمن وَهُوَ مَمْنُوع. فَإِن هَذِه رُتْبَة وَرَاء الْإِيمَان بمسافات طَوِيلَة ودرجات كَثِيرَة، لِأَن الْإِيمَان يحصل للْعَبد بِمُجَرَّد إيمَانه بِاللَّه وملائكة وَكتبه وَرُسُله وَالْقدر خَيره وشره وَقد عرفناك أَن هَذَا حَاصِل لغالب الْعباد، وَلَو كَانَ الْإِحْسَان من مَجْمُوع الْإِسْلَام وَالْإِيمَان لزم أَن يحصل لكل مُسلم مُؤمن، وَأَنه إِذا لم يحصل لَهُ ذَلِك وَلم يعبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ لم يحصل الْإِيمَان. وَهَذَا بَاطِل من القَوْل وتكليف بِمَا لَا يستطيعه من أهل الْإِيمَان إِلَّا من هُوَ الكبريت الْأَحْمَر والغراب الأبقع، وكل عَالم بِهَذِهِ الشَّرِيعَة الغراء لَا يخفى عَلَيْهِ مثل هَذَا. فالإحسان هُوَ موهبة يتفضل الله بهَا على خلص عباده وَجلة صفوته وأكابر أوليائه وَأهل محبته. فَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال إِن الْإِحْسَان مَشْرُوط بِالْإِسْلَامِ وَالْإِيمَان، وَأَنه لَا يتم إِلَّا لمن حصل لَهُ هَذَانِ الْأَمْرَانِ وَهُوَ شَيْء ثَالِث، لَيْسَ هُوَ عين أَحدهمَا وَلَا مركب مِنْهُمَا، وَفرق بَين الشّطْر وَالشّرط، فَإِن الشَّرْط خَارج عَن الْمَشْرُوط وَإِن استلزم عَدمه عَدمه بِخِلَاف الشّطْر فَإِنَّهُ جزؤه الَّذِي تركب مِنْهُ مَعَ غَيره. فالطوفي لما صرح بتركيب الْإِحْسَان من الْإِسْلَام وَالْإِيمَان، استلزم كَلَامه هَذَا، أَنَّهُمَا جزآن لَهُ، وليسا كَذَلِك، بل هما شَرْطَانِ لَهُ، من فقدهما أَو أَحدهمَا فقد الْإِحْسَان كَمَا هُوَ مَفْهُوم الشَّرْط. فَلَا بُد من هَذَا، وَإِلَّا استلزم كَلَامه الْبَاطِل، وَهُوَ أَن كل من اجْتمع لَهُ الْإِسْلَام وَالْإِيمَان يكون قد بلغ رُتْبَة الْإِحْسَان، وَهَذَا غلط من القَوْل، وشطط من الرَّأْي، وعبء من التَّكْلِيف ثقيل لَا ينوء بِهِ غَالب عباد الله الْمُؤمنِينَ. والمراتب تَتَفَاوَت بتفاوت هَذِه المقامات، وَإِن كَانَ بَينهَا فِي الْعُلُوّ مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض، وَأعظم محصلات هَذَا الْمقَام الإحساني هُوَ الْخُشُوع

стр. 233

وَالْخَوْف والخشية من الله كَمَا قَالَ : ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ . وَفِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ فِي السَّبْعَة الَّذين يظلهم الله فِي ظله وَمِنْهُم رجل دَعَتْهُ امْرَأَة ذَات منصب وجمال فَقَالَ: إِنِّي أَخَاف الله. وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث الثَّلَاثَة الَّذين انطبقت عَلَيْهِم الصَّخْرَة فَقَالَ صَاحب الْمَرْأَة الَّتِي دَعَتْهُ فَتَركهَا: " اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم أَنِّي إِنَّمَا فعلت ذَلِك رَجَاء رحمتك وخشية عذابك " وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. وَكَذَلِكَ حَدِيث الرجل الَّذِي أَمر أَوْلَاده بإحراقه إِذا مَاتَ فَقَالَ لَهُ الله : " لم فعلت هَذَا؟ قَالَ: خشيتك يَا رب وَأَنت أعلم فغفر الله لَهُ ". وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا. وَأخرج ابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم عَن الله سُبْحَانَهُ أَنه قَالَ: (وَعِزَّتِي لَا يجْتَمع على عبد خوفان وأمنان: إِذا خافني فِي الدُّنْيَا أمنته يَوْم الْقِيَامَة، وَإِذا أمنني فِي الدُّنْيَا أخفته يَوْم الْقِيَامَة) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (قَالَ الله : أخرجُوا من النَّار من ذَكرنِي يَوْمًا أَو خافني فِي مقَام) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: (من خَافَ أدْلج، وَمن أدْلج بلغ الْمنزلَة، سلْعَة الله غَالِيَة، أَلا إِن سلْعَة الله الْجنَّة) . وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي ذَر، أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم

стр. 234

قَالَ: (وَالله لَو تعلمُونَ مَا أعلم لضحكتم قَلِيلا، ولبكيتم كثيرا، وَمَا تلذذتم بِالنسَاء على الْفرش، ولخرجتم إِلَى الصعدات تجأرون إِلَى الله، وَالله لَوَدِدْت أَنِّي شَجَرَة تعضد) وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أنس. وَمن ذَلِك حَدِيث أنس عَن التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه: أَنه [ ﷺ ] وَآله وَسلم دخل على شَاب وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَقَالَ: " كَيفَ تجدك: قَالَ: أرجوا الله يَا رَسُول الله وَإِنِّي أَخَاف ذُنُوبِي، فَقَالَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قلب عبد مُؤمن فِي مثل هَذَا الموطن إِلَّا أعطَاهُ الله مَا يَرْجُو وآمنه مِمَّا يخافٍ: وَإِسْنَاده حسن، وَفِي إِسْنَاده جَعْفَر بن سُلَيْمَان الضبعِي وَلكنه صَدُوق. أخرج لَهُ مُسلم وَوَثَّقَهُ الْجُمْهُور، وَتكلم فِيهِ قوم مِنْهُم الدَّارَقُطْنِيّ. وَأخرج أَحْمد وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي ريحانه عَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (حرمت النَّار على عين دَمَعَتْ أَو بَكت من خشيَة الله) . وَأخرجه الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أنس، وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالنَّسَائِيّ وَالْحَاكِم، وَقَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " أَن

стр. 235

رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (لَا يلج النَّار رجل بَكَى من خشيَة الله حَتَّى يعود اللَّبن فِي الضَّرع) . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة. وَمن أعظم الْأَسْبَاب الموصلة إِلَى مقَام الْإِحْسَان الزّهْد فِي الدُّنْيَا، وَفِي ذَلِك ترغيبات كَثِيرَة: وَمِنْهَا مَا أخرجه ابْن ماجة من حَدِيث سهل بن سعد قَالَ: جَاءَ رجل إِلَى النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَقَالَ: (يَا رَسُول الله دلَّنِي على عمل إِذا عملته أَحبَّنِي الله تَعَالَى وأحبني النَّاس. قَالَ: ازهد فِي الدُّنْيَا يحبك الله، وازهد فِيمَا فِي أَيدي النَّاس يحبك النَّاس) ، وَفِي إِسْنَاده خَالِد بن عَمْرو الْقرشِي الْأمَوِي السعيدي وَفِيه مقَال. وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي سعيد أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم [قَالَ] : (إِن الدُّنْيَا خضرَة حلوة وَإِن الله تَعَالَى مستخلفكم فِيهَا فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الله، وَاتَّقوا النِّسَاء) وَأخرج مُسلم عَن عبد الله ابْن عَمْرو. سَأَلَهُ رجل فَقَالَ لَهُ عبد الله: " أَلَك امْرَأَة تأوي إِلَيْهَا؟ قَالَ نعم. قَالَ أَلَك مسكن تسكنه؟ قَالَ نعم. قَالَ فَأَنت من الْأَغْنِيَاء؟ قَالَ فَإِنِّي لي خَادِمًا قَالَ فَأَنت من الْمُلُوك ".

стр. 236

وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ، وَابْن مَاجَه من حَدِيث عبد الله بن عَمْرو أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (قد أَفْلح من أسلم ورزق كفافاً وَقدمه الله تَعَالَى بِمَا آتَاهُ) . وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: (اللَّهُمَّ اجْعَل رِزْقِي آل مُحَمَّد قوتاً. وَفِي رِوَايَة كفافاً) . وَأخرج مُسلم من حَدِيث المسْتَوْرَد قَالَ: قَالَ: رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة إِلَّا كَمَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه هَذِه فِي اليم، وَأَشَارَ بالسبابة فَلْينْظر بِمَا ترجع) . وَأخرج أَحْمد بِإِسْنَاد رُوَاته ثِقَات، وَالْبَزَّار، وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الزّهْد من حَدِيث أبي مُوسَى أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (من أحب دُنْيَاهُ أضرّ بآخرته وَمن أحب آخرته أضرّ بدنياه فآثروا مَا يبْقى على مَا يفنى) . وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي مَالك الْأَشْعَرِيّ قَالَ عِنْد مَوته: يَا معشر الْأَشْعَرِيين: ليبلغ الشَّاهِد الْغَائِب: إِنِّي سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: (حلوة الدُّنْيَا مرّة الْآخِرَة، وَمرَّة الدُّنْيَا حلوة الْآخِرَة) .

стр. 237

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث كَعْب بن مَالك قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (مَا ذئبان جائعان أُرسلا فِي غنم بأفسد لَهَا من حرص الْمَرْء على المَال والشرف لدينِهِ) . وَأخرج الطَّبَرَانِيّ مو أَبُو يعلى بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة نَحوه. وَأخرج الْبَزَّار أَيْضا بِإِسْنَاد حسن من حَدِيث ابْن عمر نَحوه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَمْرو بن عَوْف الْأنْصَارِيّ قَالَ: " لما قدم عَلَيْهِ بجزية الْبَحْر بن [قَالَ] : أَبْشِرُوا وأملوا مَا يسركم، فوَاللَّه مَا الْفقر أخْشَى عَلَيْكُم، وَلَكِن أخْشَى أَن تبسط الدُّنْيَا عَلَيْكُم كَمَا بسطت على من كَانَ من قبلكُمْ فتنافسوها كَمَا تنافسوها فتهلككم كَمَا أهلكتهم ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ: (جلس رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم على الْمِنْبَر، وَجَلَسْنَا حوله فَقَالَ: إِن مِمَّا أَخَاف عَلَيْكُم مَا يفتح عَلَيْكُم من زهرَة الدُّنْيَا وَزينتهَا) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: (قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: يَا أَبَا ذَر. قلت: لبيْك يَا رَسُول الله، فَقَالَ: مَا يسرني أَن عِنْدِي مثل أُحد

стр. 238

هَذَا ذَهَبا يمْضِي عَلَيْهِ ثَالِثَة وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَار إِلَّا شَيْء أرصده لدين إِلَّا أَن أَقُول فِي عباد الله هَكَذَا، وَهَكَذَا، وَهَكَذَا، عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَمن خَلفه ثمَّ سَار فَقَالَ: إِن الْأَكْثَرين هم الأقلون يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا من قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا عَن يَمِينه وَعَن شِمَاله وَمن خَلفه. وَقَلِيل ماهم ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا شبع نَبِي الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم ثَلَاثَة أَيَّام تباعا من خبز حِنْطَة حَتَّى فَارق الدُّنْيَا ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: " كَانَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يبيت اللَّيَالِي المتتابعة وَأَهله طاوياً لَا يَجدونَ عشَاء، وَإِنَّمَا كَانَ أَكثر خبزهم الشّعير ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " مَا شبع آل مُحَمَّد من خبز الشّعير يَوْمَيْنِ مُتَتَابعين حَتَّى قبض رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم ". وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ بِرِجَال ثِقَات من حَدِيث أنس أَن فَاطِمَة ﵂ ناولت النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم كسرة من خبز شعير، فَقَالَ: " هَذَا طَعَام أكله أَبوك مُنْذُ ثَلَاثَة أَيَّام ". وَأخرج ابْن ماجة بِإِسْنَاد حسن وَالْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " أَتَى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم بِطَعَام سخن فَأكل، فَلَمَّا فرغ قَالَ: الْحَمد لله مَا دخل بَطْني طَعَام سخن مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ".

стр. 239

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ: حسن من حَدِيث أبي أُمامة قَالَ: " قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: عرض عليَّ رَبِّي ليجعل لي بطحاء مَكَّة ذَهَبا، قلت: لَا يَا رب. وَلَكِن أشْبع يَوْمًا وأجوع يَوْمًا أَو قَالَ ثَلَاثًا أَو نَحْو هَذَا. فَإِذا جعت تضرعت إِلَيْك وذكرتك، وَإِذا شبعت شكرتك وحمدتك ". وَأخرج البُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " خرج رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم من أَيْدِينَا وَلم يشْبع من خبز الشّعير ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث كَعْب بن عجْرَة قَالَ: " أتيت النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم فرأيته متغيراً قَالَ: فَقلت بِأبي أَنْت مَالِي أَرَاك متغيرا؟ فَقَالَ: مَا يدْخل جوفي مَا يدْخل جَوف ذَات كبد مُنْذُ ثَلَاث ". وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث سهل بن سعد قَالَ: " مَا رأى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم النقي من حِين ابتعثه الله تَعَالَى حَتَّى قَبضه الله، فَقيل هَل كَانَ لكم فِي عهد رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم مناخل؟ فَقَالَ: مَا رأى رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم منخلا من حِين ابتعثه الله تَعَالَى حَتَّى قَبضه الله، فَقيل: فَكيف كُنْتُم تَأْكُلُونَ الشّعير غير منخول؟ قَالَ: كُنَّا نطحنه وننفخه فيطير مَا طَار، وَمَا بَقِي ثريناه فأكلناه ". وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة أَنَّهَا قَالَت: " إِن كُنَّا لنَنْظُر إِلَى الْهلَال ثمَّ الْهلَال ثمَّ الْهلَال ثَلَاثَة أهلة فِي شَهْرَيْن، وَمَا أوقد فِي

стр. 240

فِي أَبْيَات النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم نَار. قَالَ عُرْوَة يَا خَالَة فَمَا كَانَ يعيشكم؟ قَالَت: الأسودان: التَّمْر وَالْمَاء ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس " أَن النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم عصب بَطْنه بعصابة من الْجُوع ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه من حَدِيث أنس قَالَ: قَالَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: لقد أَتَت عليَّ ثَلَاثُونَ من بَين يَوْم وَلَيْلَة وَمَالِي ولبلال طَعَام يَأْكُلهُ ذُو كبد إِلَّا شَيْء يواريه إبط بِلَال ". وَأخرج ابْن مَاجَه وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود قَالَ: نَام رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم على حَصِير فَقَامَ وَقد أثر فِي جنبه قُلْنَا يَا رَسُول الله: " لَو اتخذنا لَك وطاء فَقَالَ مَالِي وللدنيا مَا أَنا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كراكب استظل تَحت شَجَرَة ثمَّ رَاح وَتركهَا ". وَأخرجه أَحْمد وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْبَيْهَقِيّ من حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَأخرج نَحوه ابْن ماجة بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث عمر بن الْخطاب وَنَحْوه من حَدِيثه فِي الصَّحِيح فِي قصَّة دُخُوله على رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم لما [آلى] من نِسَائِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " إِنَّمَا كَانَ فرَاش رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم الَّذِي ينَام عَلَيْهِ أدما حشوه لِيف ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث أبي بردة بن أبي مُوسَى قَالَ: " أخرجت لنا عَائِشَة كسَاء ملبدا، وإزاراً غليظا فَقَالَت: قبض رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فِي هذَيْن " والملبد:

стр. 241

(المرقع) . وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث عَمْرو بن الْحَارِث قَالَ: " مَا ترك رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم عِنْد مَوته درهما. وَلَا دِينَارا وَلَا عبدا، وَلَا أمة، وَلَا شَيْئا إِلَّا بغلته الْبَيْضَاء الَّتِي كَانَ يركبهَا وسلاحه وأرضا جعلهَا لِابْنِ السَّبِيل. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " توفّي رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم وَدِرْعه مَرْهُونَة عِنْد يَهُودِيّ فِي ثَلَاثِينَ صَاعا من شعير ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث سعد بن أبي وَقاص قَالَ: " إِنِّي لأوّل الْعَرَب رمى بِسَهْم فِي سَبِيل الله، وَلَقَد كُنَّا نغزو مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم مَا لنا طَعَام إِلَّا ورق الحُبْلة وَهَذَا السَّمَر حَتَّى إِن كَانَ أَحَدنَا ليضع كَمَا تضع الشَّاة مَاله خلط " [والحبلة] والسمر من شجر الْبَادِيَة. وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث خَالِد بن عُمَيْر الْعَدوي قَالَ: " خَطَبنَا خَالِد ابْن عزوان وَفِي خطبَته وَلَقَد رَأَيْتنِي سَابِع سَبْعَة مَعَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم مَا لنا طَعَام إِلَّا ورق الشّجر حَتَّى قرحت أشداقنا ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث خباب بن الأرث " أَنهم لم يَجدوا مَا يغطوا

стр. 242

بِهِ رَأس مُصعب بن عُمَيْر لما قتل يَوْم أحد إِلَّا بردة إِذا غطو بهَا رَأسه خرجت رِجْلَاهُ، وَإِذا غطوا بهَا رجلَيْهِ خرج رَأسه فَأَمرهمْ [ ﷺ ] أَن يغطوا بهَا رَأسه ". وَأخرج البُخَارِيّ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: " لقد رَأَيْت سبعين من أهل الصّفة مَا مِنْهُم رجل عَلَيْهِ رِدَاء، إِمَّا إِزَار أَو كسَاء قد ربطوا فِي أَعْنَاقهم مِنْهَا مَا يبلغ نصف السَّاقَيْن، وَمِنْهَا مَا يبلغ الْكَعْبَيْنِ فيجمعه بِيَدِهِ كَرَاهِيَة أَن ترى عَوْرَته ". وَمن الْخِصَال الَّتِي يبلغ بهَا العَبْد مقَام الْإِحْسَان: الرِّفْق والأناة والحلم وَحسن الْخلق وطلاقة الْوَجْه، وإفشاء السَّلَام. فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: إِن الله رَفِيق يحب الرِّفْق فِي الْأَمر كُله ". وَأخرج مُسلم وَغَيره عَنْهَا قَالَت: " قَالَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (إِن الرِّفْق لَا يكون فِي شَيْء إِلَّا زانه، وَلَا ينْزع من شَيْء إِلَّا شانه) . وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث جرير بن عبد الله عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم " من يحرم الرِّفْق يحرم الْخَيْر زَاد أَبُو دَاوُد كُله ". وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث

стр. 243

أبي الدَّرْدَاء عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " من أعْطى حَظه من الرِّفْق فقد أعْطى حَظه من الْخَيْر. وَمن حرم حَظه من الرِّفْق حرم حَظه من الْخَيْر ". وَأخرج البُخَارِيّ وَمُسلم وَغَيرهمَا من حَدِيث أنس عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم قَالَ: (يسروا وَلَا تُعَسِّرُوا، وبشروا وَلَا تنفرُوا) . وَأخرج البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة: " عَنهُ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (إِنَّمَا بعثتم ميسرين، وَلم تبعثوا معسرين ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة قَالَت: " مَا خير رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم بَين أَمريْن قطّ إِلَّا اخْتَار أيسرهما مَا لم يكن إِثْمًا ". وَأخرج مُسلم من حَدِيث ابْن عَبَّاس قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم للأشج: " إِن فِيك خَصْلَتَيْنِ يحبهما الله وَرَسُوله: الْحلم والأناة ". وَأخرج مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ من حَدِيث النواس بن سمْعَان قَالَ: " سَأَلت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم عَن الْبر وَالْإِثْم فَقَالَ: الْبر حسن الْخلق، وَالْإِثْم مَا حاك فِي صدرك وكرهت أَن يطلع عَلَيْهِ النَّاس ": وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَمْرو قَالَ: لم يكن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم فَاحِشا، وَكَانَ يَقُول: " إِن من خياركم أحسنكم أَخْلَاقًا. وَالْأَحَادِيث فِي الثَّنَاء على حسن الْخلق كَثِيرَة جدا ". وَأخرج مُسلم وَغَيره من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (لَا تحقرن من الْمَعْرُوف شَيْئا وَلَو أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه طلق) . وَأخرج أَحْمد التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ من حَدِيث جَابر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (كل مَعْرُوف صَدَقَة وَإِن من الْمَعْرُوف أَن تلقى أَخَاك بِوَجْه طلق وَأَن تفرغ من دلوك فِي إِنَاء أَخِيك) . وصدره فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث حُذَيْفَة وَجَابِر.

стр. 244

وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن حبَان وَصَححهُ من حَدِيث أبي ذَر قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم (تبسمك فِي وَجه أَخِيك لَك صَدَقَة الحَدِيث) . وَأخرجه الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عدي بن حَاتِم قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: " اتَّقوا النَّار وَلَو بشق تَمْرَة فَمن لم يجد فبكلمة طيبَة) . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث ابْن عَمْرو " أَن رجلا سَأَلَ النَّبِي [ ﷺ ] وَآله وَسلم: أَي الْإِسْلَام خير؟ قَالَ: تطعم الطَّعَام وتقرئ السَّلَام على من عرفت وَمن لم تعرف ". وَأخرج مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (لَا تدْخلُوا الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا، وَلَا تؤمنوا، حَتَّى تحَابوا. أَلا أدلكم على شَيْء إِذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السَّلَام بَيْنكُم) . وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح من حَدِيث عبد الله بن سَلام قَالَ: " سَمِعت رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم يَقُول: يأيها النَّاس أفشوا السَّلَام، وأطعموا الطَّعَام، وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام "، وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَابْن حبَان وَصَححهُ من حَدِيث ابْن عمر قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: اعبدوا الرَّحْمَن وأفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام تدْخلُوا الْجنان ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم وَصَححهُ من حَدِيث أبي شُرَيْح أَنه قَالَ: يَا رَسُول الله أَخْبرنِي بِشَيْء يُوجب لي الْجنَّة، قَالَ: " طيب الْكَلَام وبذل السَّلَام وإطعام الطَّعَام ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا

стр. 245

من حَدِيث أبي هُرَيْرَة " قَالَ [ ﷺ ] وَآله وَسلم: حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس، وَفِي رِوَايَة سِتّ، وَمِنْهَا إِذا لَقيته تسلم عَلَيْهِ ". وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: (أعجز النَّاس من عجز فِي الدُّعَاء، وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ) وَأخرج الطَّبَرَانِيّ فِي معاجمه الثَّلَاثَة بِإِسْنَاد جيد من حَدِيث عبد الله بن مُغفل قَالَ: " قَالَ رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم: أسرق النَّاس الَّذِي يسرق صلَاته قيل يَا رَسُول الله: كَيفَ يسرق صلَاته؟ قَالَ: لَا يتم ركوعها، وَلَا سجودها، وأبخل النَّاس من بخل بِالسَّلَامِ ". وَأخرج أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ وَالْبَزَّار، وبإسناد أَحْمد لَا بَأْس بِهِ من حَدِيث جَابر " وَفِيه أَنه [ ﷺ ] وَآله سلم وَسلم قَالَ للَّذي امْتنع من أَن يَبِيعهُ عذقة بِالْجنَّةِ: مَا رَأَيْت أبخل مِنْك إِلَّا الَّذِي يبخل بِالسَّلَامِ ". وَمن أعظم الْأَسْبَاب الموصلة إِلَى مقَام الْإِحْسَان المداومة على الْعَمَل الصَّالح، فقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من حَدِيث عَائِشَة أَن رَسُول الله [ ﷺ ] وَآله وَسلم [قَالَ] : (إِن أحب الْأَعْمَال إِلَى الله أدومها وَإِن قل) . مقَام الْوَلِيّ وَإجَابَة الدُّعَاء: ولنرجع إِلَى شرح الحَدِيث الَّذِي نَحن بصدد شَرحه فَنَقُول: إِن قَوْله: " لَئِن سَأَلَني لأعطينه، وَلَئِن استعاذني لأعيذنه ". رُبمَا يُقَال: مَا الْفَائِدَة فِي توقف الْعَطِيَّة مِنْهُ على السُّؤَال، والإعاذة لَهُ على الِاسْتِعَاذَة مَعَ أَنه

стр. 246

سُبْحَانَهُ الْمُعْطِي بِغَيْر حِسَاب المتفضل على عباده بِكُل جميل وغالب مَا يصل إِلَى الْعباد الَّذين لم تكن لَهُم مرتبَة الْولَايَة الْعُظْمَى بل الَّذين هم دونهَا بمراحل، بل الَّذين خلطوا على أنفسهم وَقصرُوا فِيمَا يجب عَلَيْهِم هُوَ من تفضلاته الجمة وتكرماته الفائضة من غير تقدم سُؤال. قلت: هَاهُنَا نُكْتَة عَظِيمَة وَفَائِدَة جليلة. وَهِي أَنهم إِذا أُعطوا بعد السُّؤَال وأُعيذوا بعد الِاسْتِعَاذَة عرفُوا أَن الله سُبْحَانَهُ قد أجَاب لَهُم الدُّعَاء وَتلك منقبة لَا تساويها منقبة ورتبة تتقاصر عَنْهَا كل رُتْبَة وَعند ذَلِك يحصل لَهُم من السرُور مَا لَا يقادر قدره وَيَكُونُونَ عِنْد هَذِه الْإِجَابَة أعظم سُرُورًا بهَا من الْعَطِيَّة وَإِن بلغت أعظم مبلغ فِي الْكَثْرَة والنفاسة. وَعند ذَلِك يستكثرون من أَعمال الْخَيْر ويبالغون فِي تَحْصِيلهَا لأَنهم قد عرفُوا مَا لَهُم عِنْد رَبهم حَيْثُ أجَاب دعاءهم ولبى نداءهم. وَأَيْضًا قد قدمنَا أَن الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة بل هُوَ مخ الْعِبَادَة فالإرشاد إِلَيْهِ إرشاد إِلَى عبَادَة جليلة تترتب عَلَيْهَا فَائِدَة جميلَة مَعَ مَا فِي ذَلِك من امْتِثَال الْأَمر الرباني حَيْثُ يَقُول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِب لكم﴾ وَقَوله سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذا سَأَلَك عبَادي عني فَإِنِّي قريب أُجِيب دَعْوَة الداع إِلَى دعان﴾ . وَمَعَ مَا فِيهِ أَيْضا من خلوص عباده من الاستكبار على رَبهم الَّذِي ورد الْوَعيد عَلَيْهِ بقوله سُبْحَانَهُ ﴿إِن الَّذين يَسْتَكْبِرُونَ عَن عبادتي﴾ أَي دعائي كَمَا سبق بَيَانه.

стр. 247

فَكَانَت الْفَوَائِد ثَلَاثًا: الأولى: الظفر بالمرتبة الْعلية من كَونهم من [مُجَابِي] الدعْوَة. الثَّانِيَة: مَا فِي ذَلِك من الْعِبَادَة لله بدعائه. الثَّالِثَة: توقِّيهم لما خُوطِبَ بِهِ غَيرهم من المستكبرين عَن الدُّعَاء. وَمَعَ هَذَا فَلَا شكّ أَن بعض المسببات مربوطة بأسبابها فَمن العطايا مَا لَا يحصل للْعَبد إِلَّا بِسَبَب الدُّعَاء. فالولي وَإِن كَانَ فِي أَعلَى مَرَاتِب الْولَايَة لَا ينَال مَا قَيده الله بِسَبَب إِلَّا بِفعل ذَلِك السَّبَب فَكَانَ فِي الدُّعَاء من هَذِه الحثيثة فَائِدَة رَابِعَة لِأَن العَبْد لَا يَتَيَسَّر لَهُ أَن يقطع بوصول مَطْلُوب من مطالبه إِلَيْهِ حَتَّى يتْرك الدُّعَاء لرَبه بِأَن يوصله إِلَيْهِ. مقَام الْمحبَّة وَإجَابَة الدُّعَاء: قَالَ ابْن حجر فِي الْفَتْح: " وَفِي الحَدِيث أَيْضا أَن من أَتَى بِمَا وَجب عَلَيْهِ، وتقرب بالنوافل لم يرد دعاؤه لوُجُود هَذَا الْوَعْد الصَّادِق الْمُؤَكّد بالقسم، وَقد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف ". انْتهى. أَقُول: قد قدم ذكر استشكال مَا فِي الحَدِيث من الْوَعْد بالإجابة بِأَن جمَاعَة من الْعباد والصلحاء دعوا وبالغوا، وَلم يحابوا. ثمَّ ذكر ذَلِك الْجَواب الَّذِي قدمه وَقدمنَا الِاسْتِدْلَال على مَا ذكره فِي الْجَواب. وَكَانَ الأولى لَهُ أَن يقدم

стр. 248

مَا ذكره هُنَا على مَا ذكره هُنَاكَ حَتَّى يكون ذَلِك الاستشكال، لما أَفَادَهُ هَذَا الِاسْتِدْلَال الْمَذْكُور هُنَا. وَأَقُول: هَذَا الحَدِيث مورده، هم أَوْلِيَاء الله الَّذين تقربُوا إِلَيْهِ بِمَا يحب حَتَّى أحبهم، وَهُوَ مُقْتَضى لإجابتهم لَا محَالة. وَلَا يرد عَلَيْهِ مَا أوردهُ من عدم إِجَابَة جمَاعَة من الْعباد والصلحاء، فَإِن هَذَا مقَام هُوَ أَعلَى من مقامهم، ومنزلة هِيَ أرفع من مَنْزِلَتهمْ، وَلَا مُلَازمَة بَين مقَام الْعِبَادَة وَالصَّلَاح، وَبَين مقَام الْمحبَّة، فَإِن الْعِبَادَة وَإِن كثرت وتنوعت قد تقع مِنْهُ الْموقع الْمُقْتَضى لمحبته، وَقد لَا [تقع] إِمَّا لكَونهَا مشوبة بشائبة تكدر صفوها وتمحق بركتها مِمَّا لَا يتعمده الْعباد، بل يصدر إِمَّا على طَرِيق التَّقْصِير فِي علم الشَّرِيعَة أَو التَّقْصِير فِي الخلوص الَّذِي يُوصل صَاحبه إِلَى محبَّة الرب . وَلَا حرج على قَائِل أَن يَقُول: إِن من بلغ إِلَى رُتْبَة الْمحبَّة، وَكَانَ الله سَمعه وبصره أَن يُجَاب لَهُ كل دُعَاء وَيحصل [بغيته] على حسب إِرَادَته. وَأي مَانع يمْنَع من هَذَا؟ ! . بل كل مَا يظنّ أَنه مَانع لَيْسَ بمانع شَرْعِي وَلَا عَقْلِي. وَوُجُود بعض أهل الْعِبَادَة على الصّفة الَّتِي ذكرهَا من كَونه دَعَا وَبَالغ وَلم يجب لَيْسَ ذَلِك إِلَّا لمَانع يرجع إِلَى نَفسه. وَلَا يكون الْمَانِع الرَّاجِع إِلَى نَفسه مَانِعا فِي حق من هُوَ أَعلَى مِنْهُ رُتْبَة وَأجل مِنْهُ مقَاما وأكبر مِنْهُ منزلَة. وَإِذا عرفت انْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يعْتد بِهِ فِي المانعية فقد وجد، هَاهُنَا الْمُقْتَضى

стр. 249

الَّذِي هُوَ أوضح من شمس النَّهَار، وَهُوَ وعد من لَا يخلف الميعاد. وَإِذا وجد الْمُقْتَضى وانتفى الْمَانِع حصل الْمَطْلُوب الَّذِي وجد مَا يَقْتَضِيهِ إعمالا لهَذَا الْمُقْتَضى الَّذِي ورد مؤكداً بإقسام الرب سُبْحَانَهُ. فَمَا أبعد مَا جَاءَ بِهِ المشككون فِي هَذَا الْأَمر الَّذِي لَا يقبل التشكيك لَا شرعا وَلَا عقلا بل وَلَا عَادَة. فَإِن من اطلع على أَحْوَال أَوْلِيَاء الله سُبْحَانَهُ وَعرف مَا ذكره المؤرخون فِي أخبارهم، وَمَا اشْتَمَلت عَلَيْهِ تراجمهم وجد كل مَا توجهوا بِهِ إِلَى رَبهم حَاصِلا لَهُم فِي كل مطلب من المطالب كَائِنا مَا كَانَ. والمحروم من حرم ذَلِك. (وَكَيف ترى ليلى بِعَين ترى بهَا ... سواهَا وَمَا طهرتها بالمدامع) (وتلتذ مِنْهَا بِالْحَدِيثِ وَقد جرى ... حَدِيث سواهَا فِي خروت المسامع) (أَجلك ياليلى عَن الْعين إِنَّمَا ... أَرَاك بقلب خاشع لَك خاضع) أُولَئِكَ قوم لما دعوا أُجيبوا وَلما أَحبوا أُحِبُّوا، وَلما أَخلصوا استُخلِصوا صدقت مِنْهُم الضمائر، فصفت مِنْهُم السرائر، وصاروا صفوة الله فِي أرضه فَفَاضَتْ عَلَيْهِم أنواره، وامتلأت قُلُوبهم من معارفه. (أَلا إِن وَادي الْجزع أضحى ترايه ... من الْمس كافورا وأعواده رندا) (وَمَا ذَاك إِلَّا أَن هنداً عَشِيَّة ... تمشت وَجَرت فِي جوانبه بردا) فَلَا تجهد نَفسك فِي كشف حقائقهم، وذوق دقائقهم حَتَّى تتصل مِنْهُم بِسَبَب وتتمسك من هديهم بِطرف فلسان حَالهم ينشدك:

стр. 250

(وَكم سَائل عَن سر ليلى رَددته ... بعمياء من ليلى بِغَيْر يَقِين) (يَقُولُونَ: خبرنَا فَأَنت أمينها ... وَمَا أَنا إِن خبرتهم بأمين) فهم الْقَوْم الَّذين لَا يشقى جليسهم، وَلَا يستوحش أنيسهم. قد نالوا مطالبهم بِرَفْع أكفهم إِلَى خالقهم، لَا يَحْتَاجُونَ فِي حوائجهم إِلَّا إِلَيْهِ وَلَا يعولون إِلَّا عَلَيْهِ. (ونبيت ليلى أرْسلت بشفاعة ... إِلَى فَهَلا نفس ليلى شفيعها) (أأكرم من ليلى على فترتجى ... بِهِ الْوَصْل أم كنت امْرأ لَا أطيعها؟) وَقَول ابْن حجر فِي كَلَامه الَّذِي نَقَلْنَاهُ هُنَا أَنه قد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف. هُوَ كَلَام لَا حَاصِل لَهُ لِأَن الاستشكال الَّذِي قدمه، هُوَ على مَا يَقْضِيه الحَدِيث الْقُدسِي الَّذِي نَحن بصدد شَرحه. فَأجَاب عَن الْإِشْكَال بِمَا ذكره سَابِقًا من قَوْله: " وَالْجَوَاب أَن الْإِجَابَة تتنوع: فَتَارَة قد يَقع الْمَطْلُوب بِعَيْنِه إِلَى آخر كَلَامه ". فَإِن كَانَ هَذَا الْجَواب مِنْهُ الَّذِي جعله متنوعا هُوَ عَمَّا أوردهُ من استشكال مَا فِي هَذَا الحَدِيث من قَوْله فِيهِ " إِن سَأَلَني لأعطينه وَلَئِن استعاذني لأعيذنه " فَكَلَامه هُنَا حَيْثُ قَالَ: إِن من أَتَى بِمَا وَجب عَلَيْهِ وتقرب بالنوافل لم يردهُ دعاؤه لوُجُود هَذَا الْوَعْد الصَّادِق الْمُؤَكّد بالقسم هُوَ كَلَام على ذَلِك اللَّفْظ الَّذِي أورد الْإِشْكَال عَلَيْهِ. ومجموع كلاميه هما فِي شرح ذَلِك اللَّفْظ. فَمَا معنى قَوْله: إِنَّه قد تقدم الْجَواب عَمَّا يتَخَلَّف؟ فَإِن كَانَ التَّخَلُّف وَغير التَّخَلُّف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَلِيّ الَّذِي وعده الله بذلك الْوَعْد فقد تنَاقض كَلَامه.
следующие страницы →