Полный текст (318 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
السَّحَاب تشرق الأَرْض بنورها ثمَّ بِقدر مَا يبْقى فإشراقها منكمن وَهِي محتجبة بذلك الْبَاقِي من الْغنم فَكَذَلِك الْهوى فِي الْآدَمِيّ مطبق على الْفُؤَاد فِي الصَّدْر والنور فِي الْقلب كَالشَّمْسِ المنكمنة فِي السَّحَاب فَلَا ينْتَفع بحرها وإشراقها وَإِذا غره الْعَدو حَتَّى أشرك بِاللَّه فقد انكشفت شمسه وَصَارَت مَعْرفَته فِي كفره وَالْكفْر الغطاء فَصَارَ صَدره كالليل المظلم وَهُوَ عَالم بِأَن الله خالقه ورازقه ومميته ومالكه وَالْعلم المنكمن فِي تِلْكَ الظلمَة لَا مستنير لعَيْنِي فُؤَاده وَهُوَ يَقُول رَبِّي الله ثمَّ لَا يَسْتَقِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن خَلقهنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَمن يدبر الْأُمُور وَمن يرزقك وَمن يملك السّمع والأبصار وَمن بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء فسيقولن الله ثمَّ أشركوا بِهِ قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ قل ﴿أَفلا تَتَّقُون فذلكم الله ربكُم الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾
وَإِنَّمَا حملهمْ على الشّرك الْهوى لِأَن الْهوى يطْلب الضّر والنفع والتجأ من أجل الْمضرَّة وَالْمَنْفَعَة إِلَى الْأَوْثَان وَذَلِكَ قَوْله
стр. 107
تَعَالَى ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾
وَقَالَ ﴿أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء﴾
وَقَالَ ﴿وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة ليكونوا لَهُم عزا﴾
فَإِذا من الله على عبد فتح روزنة من هَذَا الْهَوَاء المطبق بِالنورِ الَّذِي لَاقَى هَذَا الطَّبَق فخرقه وخلص إِلَى قلبه إشراقه فقد خرجت شمسه من الْكُسُوف وأشرق الصَّدْر بِنور الله فاستقر الْقلب وَأمن
فَهَذَا عبد ممنون عَلَيْهِ بِالْإِيمَان حبب إِلَيْهِ الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَالَّذِي لم يمن عَلَيْهِ بذلك فقلبه فِي غلاف وَذَلِكَ الغلاف هُوَ الْهوى المطبق وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة﴾ أَي على بصر فُؤَاده غشاوة وَتلك الغشاوة هُوَ الْهوى ﴿فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾
стр. 108
وَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا جعلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه﴾ وَهُوَ الغطاء وَذَلِكَ الْهوى فَإِذا من الله عَلَيْهِ بِهَذَا النُّور خرق ذَلِك الْهوى فاستقر إشراقه فِي مَكَان الْهوى ورحل الْهوى عَن مَوْضِعه فولج ذَلِك الْإِشْرَاق فِي الصَّدْر فأضاء واستنار فزكا
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي دس تِلْكَ الروزنة بظلمة الْهوى وظلمة الشّرك فالخائب خَابَ عَن الْحَظ لِأَنَّهُ غَابَ يَوْم الْقِسْمَة عَن الْمقسم يَوْم الْمَقَادِير قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْعرش والكرسي واللوح فَلم يحتظ من ذَلِك النُّور غَابَ وخاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
وَقَالَ لمن شهد الْمقسم يَوْم الْمَقَادِير ﴿وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾
وَقَالَ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾
стр. 109
فَهَذَا عبد قد من الله عَلَيْهِ حَتَّى فتح من هَذَا الْهوى المطبق روزنته حَتَّى أشرق فِيهَا نور الْمعرفَة فِي الصَّدْر فَوجدَ ربه واستقام لَهُ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾
الْآخرُونَ مثل العنكبوت
وَالْآخرُونَ قَالُوا (رَبنَا الله) لما وضع فيهم من الْعلم بِهِ ثمَّ زاغوا وَقَالُوا بأفواههم طلبا للمنافع وهربا من المضار فَلم يستقيموا وَاتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء يحتلبونهم ويستدرون منافعهم مِنْهُم ويستظهرون بهم ويتخذونهم من دون الله وليجة يأمنون فِي تِلْكَ الوليجة فمثلهم كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَلَا يستر وَلَا يدْفع حرا وَلَا بردا وَلَا يَأْتِي بِخَير
مَا فِي خطْبَة لَهُ ﷺ
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته (إِن الله يَقُول جعلت عبَادي كلهم حنفَاء فَأَمَرتهمْ أَلا يشركوا بِي شَيْئا فأتتهم الشَّيَاطِين فأحالتهم عَن دينهم وأمرتهم أَن يشركوا بِي
стр. 110
فَهَؤُلَاءِ صنف لم يمن الله عَلَيْهِم بِنور الْهِدَايَة وَمن هداه حبب إِلَيْهِ الْإِيمَان بحبه وزينه فِي قلبه بِالْعقلِ الَّذِي هدى إِلَيْهِ فَثَبت على التَّوْحِيد ووفى بِلَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ اقْتَضَاهُ الطَّاعَة فِي الْأَمر وَالنَّهْي
فَكلما وفى العَبْد بِهَذِهِ الطَّاعَة فِي جَمِيع متقلبه وَوَقع عَلَيْهِ الْجهد والتعب واجتهد وَاحْتمل التَّعَب كَانَ إِنَّمَا يعْمل فِي اتساع هَذِه الروزنة وانقشاع هَذَا الْهوى فَلَا يزَال يوسعها حَتَّى تغيب فِي نواحي صَدره إِلَى جَوْفه فَيبقى هُنَاكَ مسجونا فَيَمُوت فِي الْغم غم الْجوف لِأَنَّهُ لما جَاءَهُ النُّور الأول حَتَّى خرق تِلْكَ الروزنة كَانَ ذَلِك من الْمِنَّة فَقبل أَمر الله فِي أَن يطيعه فِي كل أُمُوره كَهَيئَةِ العبيد فيعبده بِالطَّاعَةِ فابتلاه بِالْأَمر وَالنَّهْي لينْظر كَيفَ وفاؤه بِمَا أَمر وَقبل فَكلما أطَاع فِي أَمر أمد من ذَلِك النُّور فَلَا يزَال فِي مزِيد من المدد فَكلما صعد إِلَى الله مِنْهُ طَاعَة أمده الله بمدد من ذَلِك النُّور فَإِذا جَاءَ النُّور الزَّائِد وَقع على الْهوى فرحله عَن مَكَانَهُ وَاسْتقر فِي مَوْضِعه فَلَا يزَال هَذَا دأب العَبْد فِي الطَّاعَة وشأن الله تَعَالَى فِي الْمَزِيد حَتَّى يطبق الصَّدْر بِالنورِ ويغيب الْهوى كُله من نواحي الصَّدْر إِلَى الْجوف لِأَن الْهوى مظلم فَإِذا جَاءَ مدد النُّور ومزيده أشرق ذَلِك الْمَكَان وَغَابَتْ ظلمَة الْهوى حَتَّى يمتلئ الصَّدْر نورا كَمَا كَانَ ممتلئا من الْهوى وتشرق الشَّمْس بكاملها من قلبه فِي صَدره فَإِذا لاحظ بِنور تِلْكَ الشَّمْس ملك العظمة سبى قلبه حب الله وَإِذا
стр. 111
لاحظ ملك الْجلَال أحاطت بِهِ الخشية وَلَزِمَه الْخَوْف وَوَقفه مَكَان الهيبة فعلى الْمحبَّة قَرَار الْقلب فِي الْبَاطِن والهيبة غشاء الْحبّ حَتَّى لَا يضطرب الْقلب وتسكن هشاشة النَّفس فِي تِلْكَ الهيبة وتصديق مَا قُلْنَا فِي شَأْن المدد فِي قَول الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم﴾
فَكلما عمل العَبْد طَاعَة فَإِنَّمَا يعملها من الاهتداء فيزيده الله هدى أَي نورا يورثه التَّقْوَى وَلَا تكون التَّقْوَى إِلَّا من الْخَوْف والخشية
السَّلَام للْأمة من إِبْرَاهِيم
وَقَول إِبْرَاهِيم لمُحَمد ﷺ لَيْلَة أسرِي بِهِ فَلَقِيَهُ فِي السَّمَاء السَّابِعَة فَقَالَ لَهُ أَقْْرِئ أمتك مني السَّلَام وَأخْبرهمْ بِأَن الْجنَّة قيعان طيبَة التربة عذبة المَاء وَأَن غراسها سُبْحَانَ الله وَالْحَمْد لله وَلَا إِلَه إِلَّا الله وَالله أكبر
مثل رجل غرس غرسا
فَمثل ذَلِك كَمثل رجل غرس غرسا فِي بستانه وَكَانَ بذره ألوانا
стр. 112
من الرياحين ألوانا وَمن الثِّمَار ألوانا فنبت على هَيْئَة مَا بذر فَكَذَلِك بذر التسيبح غير بذر الْحَمد وَلكُل كلمة بذر سوى بذر الْأُخْرَى فمنبته من بذره وكل بذر لَهُ جَوْهَر وَطعم وريح وَثَمَرَة فَكَذَلِك هَذِه الْكَلِمَات لكل كلمة جَوْهَر وَطعم وَثَمَرَة فجوهر سُبْحَانَ الله الطُّهْر والنزاهة وطعمه السعَة والغنى وريحه الرّوح وثمرته التَّقْوَى
وجوهر الْحَمد الْحبّ وطعمه الحنين والشوق والحلاوة وريحه الْفَرح وثمرته نَفاذ مَشِيئَته فِي الحكم وَالْقسم
وجوهر التهليل الوله بآلهيته وطعمه الامتلاء والغنى وريحه الْبَصَر وثمرته الْحُرِّيَّة وَالْخُرُوج من الرّقّ والاعتزاز بِاللَّه
وجوهر التَّكْبِير الْكبر والاحتشاء وطعمه السماحة والنزاهة وثمرته الْقُوَّة فِي أَمر الله تَعَالَى فَإِذا بذر نبت هُنَاكَ على تُرَاب وَقد خرج ذَلِك التُّرَاب من الرضْوَان فأرضه لبقة وَالْمَاء من الْحَيَاة وَالرَّحْمَة وَالْبذْر من الصِّفَات فَمَا ظَنك بنبات أَصله من الرضْوَان والحياة وَالصِّفَات كَيفَ تكون تِلْكَ الرياحين وَتلك الثِّمَار فَكل يكون نبته وثمرته على قدر مَا خرجت مِنْهُ الْكَلِمَة يَقِينا وَمَعْرِفَة وعلما وَهُوَ
стр. 113
قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقترف حَسَنَة نزد لَهُ فِيهَا حسنا﴾
فَحسن الْكَلِمَة من حسن الْخُرُوج مِنْهُ وَحسن الْخُرُوج مِنْهُ على هَذِه الْمَعَادِن بِحسن الْمعرفَة وَالْعلم وَالْيَقِين وَالْعقل فعلى حسب ذَلِك يُزَاد لَهُ فِي الْجنَّة حسن المساكن والأزواج وَالْكِسْوَة وَالثِّمَار والبساتين والأفراح وَالْوُجُوه والأجساد والخدم فقسم الله تَعَالَى حسن الْجنَّة فِي الدَّرَجَات على قدر حسن أَعْمَالهم وعبوديتهم فبالعلم والمعرفة وَالْعقل تحسن الْأَشْيَاء من الْأَفْعَال والأقوال وبالنفس تطيب وَتثبت وتدوم
مثل الْقلب وَالنَّفس
مثل الْقلب وَالنَّفس مثل أَمِير ولي بَلْدَة وَولي بندرتها آخر فالأمير يُصَلِّي بِالنَّاسِ وتتحول النَّاس بالمواعظ فِي الْخطب وَيُقِيم الْحُدُود ويؤدب الرّعية وَيُقِيم أودهم بالتعليم مرّة وبالتعزيز وَالْحَبْس مرّة وَمرَّة بالجوائز وَالْخلْع والحملان وَالطَّعَام على موائده والبندار يجمع المَال وَالْخَرَاج والعشور وَالصَّدقَات وَهُوَ
стр. 114
مُوكل بأرزاق الْجند فالسلطان للأمير وَبَيت المَال للبندار
فالقلب أَمِير وَله سُلْطَان الْمعرفَة بمطالعة الملكوت ومقامه من الْجلَال وَالْعَظَمَة وَملك الهيبة فَهُوَ الَّذِي يقف فِي مقَامه بَين يَدي الله تَعَالَى فِي الملكوت وَيُقِيم أود الْجَوَارِح ويؤدبهم ويسير بهم بسيرة الطَّاعَة وَالنَّفس بنْدَار يجمع الْأَمْوَال كلهَا بِبَاب الشُّكْر وَبَاب الصَّبْر وَتقوم بِجَمِيعِ الْفَرَائِض فتؤديها إِلَى الْحق وتمنع عَن أدناس الآثام تورعا وتقدسا وتتمسكن وتتخشع لِرَبِّهَا فَمَا دَامَ الْأَمِير محافظا على إمرته ضابطا لَهَا مشرفا على أدب الرّعية وَاقِفًا بَين يَدي الْملك الْأَجَل فِي مقَامه يراقب أُمُوره وَمَا يخرج لَهُ من التوقيع لَهُ بِالْبَابِ وصائنا لسلطانه وَفِي رَعيته مهيبا فَأمره مستو وولايته عزيزة وَمَا دَامَ البندار مشرفا على أُمُور ديوانه مُحصنا لأبواب الْأَمْوَال مستقصيا فِي جمعه ضابطا لَهُ فَأمره قوي وخزائنه محشوة بالأموال فَمَتَى دعاهما الْملك فوجدهما على هَذِه الصّفة أكرمهما وقربهما وَرَضي عَنْهُمَا وحلا مَحل الْخَاصَّة فِي جَوَاز الْأَمر ونفاذ القَوْل
стр. 115
فَإِذا ذهب البندار يختان ويحجز من الْأَمْوَال لنَفسِهِ الذَّخَائِر وأشغل نَفسه بالملاهي وملاذ النعم وَترك الإشراف على أُمُوره وَالِاسْتِقْصَاء فِي اقْتِضَاء حق بَيت المَال حَتَّى ضَاعَ كثير من المَال وَمَا صَار بِيَدِهِ من ذَلِك سرق بَعْضًا فاحتجنه لنَفسِهِ ثمَّ لم يقنعه هَذَا الَّذِي فعل حَتَّى قصد لخدع الْأَمِير ٦١ واستمالته إِلَى نَفسه ليشاركه فِي أُمُوره وليأمن ناحيته وطمع أَن يَجعله عونا لنَفسِهِ وَتَحْت يَده حَتَّى لَا يكون لأحد فِي هَذِه الْبَلدة سُلْطَان وَلَا أَمر وَلَا نهي إِلَّا لَهُ فصير الْأَمِير تَابعا لَهُ فِي لهوه ولعبه وفساده كبعض عبيده حَتَّى قوي عَلَيْهِ قُوَّة أَخذ مِنْهُ إمرته وولايته فَمَتَى مَا دَعَا بهما الْملك وجدهما بِهَذِهِ الصّفة مَا يَقُول لهَذَا الْأَمِير كَيفَ يُعَاقِبهُ وماذا يَقُول للبندار وبأية عُقُوبَة يُعَاقِبهُ فَإِن عُقُوبَة الْأَمِير حَيْثُ انخدع للبندار أعظم فعقوبة الْأَمِير أَن يعزله ثمَّ يَقْتَضِيهِ الْأَمْوَال وَيخَاف أَلا يوليه أبدا وعقوبة البندار أَن يحْبسهُ ثمَّ يَقْتَضِيهِ الْأَمْوَال وَرفع الْحساب محكما فالبندار مسجون بالأموال إِذا جَاءَ بهَا خلى عَنهُ والأمير مَعْزُول مطرود مهان مسلوب مشرف على ضرب الْعُنُق فَكَذَلِك النَّفس ضيعت الْفَرَائِض وتوثبت فِي الْمَحَارِم وخانت الْأَمَانَة وَالْوَفَاء بالعهد الَّذِي رفع إِلَيْهِ يَوْم الْمِيثَاق فضيع البندكية وَحل وثاق
стр. 116
الْجَوَارِح الَّذِي أوثق يَوْم الْمِيثَاق وأخلى بَيت المَال من الْأَمْوَال وأجاع الْجند وأظمأهم وأعراهم وسلكهم فِي الْبَوَادِي بِلَا مَاء حَتَّى عطشوا شغل جوارحه عَن الطَّاعَات فِي ارْتِكَاب الحرامات وشغل سَمعه عَن المواعظ بِاللَّغْوِ والأباطيل وبصره عَن الِاعْتِبَار بالملاهي وَاللَّذَّات والزينة وَنسي الْمَقَابِر والبلى وَلها عَن ذكر الْمعَاد وسها عَن المبدإ والمنتهى من أَيْن وَإِلَى أَيْن ثمَّ لم يقنعها ذَلِك حَتَّى استمالت الْقلب فَلم تزل تخادعه حَتَّى أسرته وصيرته تَابعا لَهَا وَتَحْت يَدهَا مقهورا ذليلا تقود بخطامه حَيْثُ شَاءَت وَذهب سُلْطَان الْمعرفَة وَوَقعت الْغَارة فِي كنوز الْقلب فَإِذا قدما على الله طولبت النَّفس بالفرائض والغرامات والجنايات وَمَا ضيعت من الْأَمَانَات واشتملت عَلَيْهِ من الظُّلم للعبيد وسجنت وطولب الْقلب بالعهد واللواء فَإِذا لم يُوجد مَعَه ضربت عُنُقه فَصَارَ مَعَ الْأَعْدَاء وَخرج اسْمه من الْأَوْلِيَاء والعهد فِي بَاطِن إيمَانه واللواء على طرف لِسَانه وَهِي الْكَلِمَة الْعليا
مثل من سَار إِلَى الله حَتَّى وصل إِلَى مَحل الْقرْبَة
مثل من سَار بِقَلْبِه إِلَى الله حَتَّى وصل إِلَى مَحل الْقرْبَة وَأعْطِي سِرَاجًا يمشي بِهِ فِي أُمُوره ليَكُون على بَصِيرَة مثل رجل سَار فِي لَيْلَة مظْلمَة فِي طَرِيق فَهُوَ يتعسفه فَوجدَ سِرَاجًا
стр. 117
يستضيء بِهِ فَإِن لم يكن مَعَه مَا يكن سراجه من الرّيح فهاجت ريح لم يَأْمَن من انطفائه فَلَيْسَ هَذَا بِأَمْر مُحكم وَلَا وثيق فَكَذَلِك من سَار إِلَى الله فوصل إِلَى مَحل الْقرْبَة فَأعْطِي سِرَاجًا يمشي بِهِ فِي أُمُوره ليَكُون على بَصِيرَة فَهُوَ على خطر عَظِيم لِأَنَّهُ إِذا وجد السراج وَنَفسه حَيَّة بعد والهوى مِنْهُ بِمَرْصَد مَعَ الْعَدو فطالع بذلك السراج سَعَة أُمُوره وعرفه بصفاته وأشرق فِي صَدره نور ذَلِك الْجمال وَنور الْبَهَاء وَنور الْبَهْجَة فَامْتَلَأَ صَدره فرجا وطالع كرمه وجوده ومجده فهاجت ريَاح الشَّهَوَات مِنْهُ لعوارض الدُّنْيَا الَّتِي يلوح لَهُ بهَا الْعَدو ويرجو بذلك سقطته فتحيرت نَفسه وتشجعت على الْأُمُور فرمت بِهِ فِي أَوديَة المهالك فَإِذا كاس العَبْد وَاسْتعْمل الكياسة تجنب أَسبَاب الْآفَات وَأبقى على عطاياه الَّتِي أعطي فِي مَحل الْقرْبَة إبْقَاء رجل لبس ثوبا خطيرا ذَا ثمن فصانه أَن يلْبسهُ فِي وَقت هيجان الرِّيَاح واغبرار الْهَوَاء اتقاء على ذهَاب طراوته وحاسب نَفسه على الدَّقِيق والجليل وكبح بلجام النَّفس على التجري والتجشع وَلزِمَ الدُّعَاء والتضرع وألح فِي طلب الثَّبَات وَلم يدْخل فِي أَمر من الْأُمُور إِلَّا بِإِذن وأودع الله نَفسه وَدينه وأمانته فَإِذا كَانَ هَكَذَا رفع من هَذِه الْمرتبَة إِلَى القبضة فَإِذا وَقع فِي القبضة وَقع فِي الثَّبَات والحرز وَالْحِفْظ والمأمن وَصَارَ بِهِ يسمع
стр. 118
ويبصر وينطق وَبِه يعقل ويبطش وَبِه يمشي فقد وَقع سراجه فِي الْكن وَلَا تقدر الرّيح أَن تطفئه
مثل الَّذِي يتْرك مجاهدة النَّفس
وَمثل الَّذِي يستولي عَلَيْهِ الْعَجز حَتَّى يتْرك مجاهدة النَّفس وَحَتَّى يدع الْإِخْلَاص فِي الْأُمُور وَطلب الصدْق حَتَّى يصير متصنعا مرائيا مداهنا مخلطا يخضع للملوك ويتملق للأغنياء ويتصنع عِنْد الْعَامَّة كَمثل رجل مَعْدُود اسْمه فِي الرِّجَال فَلَمَّا عري وجد خُنْثَى فاسمه اسْم الرِّجَال وهيئته هَيْئَة الرِّجَال وَفعله فعل الْإِنَاث فَإِذا كَانَ هَذَا وضيعا من الْخلق دنيا خطرا شخصه فَكيف يكون غَدا هَذَا المتصنع الْمرَائِي الملق للأغنياء المتبصص للملوك خضوعا وَطَمَعًا
مثل من ترك المجاهدة فِي وَقت طَاعَة النَّفس
وَمثل من ترك المجاهدة فِي وَقت طَاعَة النَّفس كَمثل رجل خرج مُحَاربًا بسلاح تَامّ ودابة فارهة وَجَمِيع مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فَلَمَّا صَار
стр. 119
إِلَى مصَاف الْعَدو ونشبت الْحَرْب ذهب هَذَا فَدفن سلاحه فِي التُّرَاب وخلى دَابَّته كي لَا يُقَال تقدم إِلَى الْقِتَال فخاب عَن الزحمة إِذْ تشبه بالمجاهدين وَلَيْسَ مِنْهُم كَمَا فعل جد بن قيس السّلمِيّ يَوْم بيعَة الرضْوَان وَذَلِكَ يَوْم الْحُدَيْبِيَة وَرَسُول الله ﷺ محرم مَمْنُوع عَن الْبَيْت وَالطّواف بِهِ وَالْهَدْي مَحْبُوس عَن بُلُوغ مَحَله وَوجه عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ رَسُولا إِلَى أهل مَكَّة فَلَمَّا أَبْطَأَ وَقع الْخَبَر فِي الْعَسْكَر أَن عُثْمَان ﵁ قتل فارتج الْعَسْكَر بِمَا هاج وَقعد رَسُول الله ﷺ تَحت الشَّجَرَة وَبَايَعَهُ النَّاس على أَن يدخلُوا مَكَّة ويحاربوا فَبَايعُوهُ عل الْمَوْت يَعْنِي أَن يقاتلوا وَلَا يَفروا حَتَّى يموتوا وَكَانُوا ألفا وَثَمَانمِائَة فَبَايعُوهُ كلهم إِلَّا جد بن قيس فَإِنَّهُ أَقَامَ بعيره واختبأ تَحت إبط بعيره فَأنْزل الله تَعَالَى ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾
والخائب عَن رَحْمَة الله فِي سَابق الْعلم خائب فِي كل وَقت
مثل من يقصر فِي الْفَرَائِض
مثل من يقصر فِي الْفَرَائِض مثل عبد يُؤَدِّي ضريبة مَوْلَاهُ شهرا
стр. 120
شهرا فَالْعَبْد السوء يُؤَخر أداءه ويماطل مَوْلَاهُ حَتَّى يطعن فِي الشَّهْر الثَّانِي فيتوسطه فَإِذا أَدَّاهَا خلط بهَا زُيُوفًا وبهرجة فَهَذَا الْمولى فِي كرمه وسهولة أمره ومعاملته يقبل ذَلِك من عَبده وَلكنه عِنْده ٦٢ فِي الْمنزلَة فِي أدنى الْمَرَاتِب مستخفا بِهِ وبأحواله
مثل من يضيع حُقُوق الله
وَمثل من يضيع حُقُوق الله تَعَالَى مثل عبد وَكله مَوْلَاهُ بأمواله وعبيده فطالع عمله فَوَجَدَهُ إِنَّمَا همته بَطْنه وفرجه فَإِذا شبع وَقضى نهمته من فرجه واكتسى رفع البال عَن عمل مَوْلَاهُ وعبيده فَهَذَا عبد سَاقِط الْمنزلَة
مثل من قَرَأَ الْقُرْآن بِغَيْر فهم
وَمثل من قَرَأَ الْقُرْآن بِغَيْر فهم مثل رجل أعطي جَوَاهِر بالعراق فَقيل لَهُ انقلها إِلَى خُرَاسَان بكرَاء مائَة دِرْهَم وعامل بهَا هُنَاكَ فَإِن عاملت بهَا هُنَاكَ فلك ربحها وربحها ملْء البيوتات ذَهَبا وَفِضة
стр. 121
فَلَمَّا وافى خُرَاسَان اجتزأ بالكراء وَترك الْمُعَامَلَة فَأعْطِي الْكِرَاء مائَة دِرْهَم على حمله وصرفت الْمُعَامَلَة إِلَى غَيره
فَكَذَلِك من قَرَأَ الْقُرْآن وَلم يُعَامل الله بِتِلْكَ الْجَوَاهِر الَّتِي تُعْطى فِيهِ لَهُ أجر تَعبه وعنائه فِي قِرَاءَته وفاتته الْمُعَامَلَة وأرباح الْمُعَامَلَة
مثل الْوَاعِظ الناصح
مثل الْوَاعِظ الناصح مثل عبد للْملك وللملك عبيد آخَرُونَ سواهُ من بَين رَاع وحراث وصانع وتاجر وكل وَاحِد مِنْهُم قد وكل بِعَمَل من الْأَعْمَال يطالبون بِالْقيامِ بذلك وَأَدَاء الْغلَّة وكل وَاحِد مِنْهُم يَدعِي أَنه يحب مَوْلَاهُ وينصحه ويطيعه فِي أمره مقبل على أمره الَّذِي وكل بِهِ موفيا لوظيفته الَّتِي وظفت عَلَيْهِ من الْعَمَل وَكَانَ هَذَا العَبْد الْوَاحِد من بَينهم يوفر على الْملك وظيفته من الْعَمَل وَمَعَ ذَلِك يطوف على هَؤُلَاءِ العبيد ويحث كل وَاحِد مِنْهُم على الْقيام بِعَمَل الْملك وبتوفير مَا وظف عَلَيْهِ والإشفاق على أَعماله ويجل بصدورهم أَعماله ويصف لَهُم قدر الْملك وغناه وسعته وقوته ويؤملهم كرمه وجوده وَحسن خلقه وَجَمِيل مُعَامَلَته ومحاسن مَا أَتَى إِلَيْهِم وَعطف عَلَيْهِم ويحثهم على النَّصِيحَة لهَذَا فِي رعي أغنامه وَلِهَذَا فِي صناعته وَلِهَذَا فِي تِجَارَته ويعينهم على ذَلِك
стр. 122
لَا يحملهُ على ذَلِك إِلَّا حب الْملك وتعظيم أمره وتوقير شَأْنه وَأَن تقع الْأُمُور مِنْهُ مسارة وَالْملك مطلع على ذَلِك مِنْهُ وعَلى سَائِر هَؤُلَاءِ العبيد كل وَاحِد إِنَّمَا باله وبال هَذَا الْوَاحِد بِقُرْبِهِ ومولاه قد صرف همته أجمع عَن نَفسه وَجمع همومه أجمع فَجَعلهَا هما وَاحِدًا لرَبه
فَهَذَا عبد نَاصح الله فنصحه الله وَأحب الله فَأَحبهُ الله وَتَوَلَّى الله فتولاه الله فَهُوَ ولي الله وَالله وليه
فَمَا ظَنك بِاللَّه يَوْم يَدْعُو هَؤُلَاءِ العبيد وَتَدْعُوهُ فيجزيهم على أَعْمَالهم على قدر عُقُولهمْ مَاذَا يكون جَزَاء العَبْد الناصح وَإِنَّمَا أدْرك النَّصِيحَة بِفضل عقل فِيهِ عقل آلهه وعقل عَنهُ تَدْبيره وأموره وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (يعْملُونَ ويعلمون النَّاس الْخَيْر ويعطون أُجُورهم على قدر عُقُولهمْ)
أَنبأَنَا صَالح بن مُحَمَّد ﵀ بِإِسْنَادِهِ قَالَ أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى ﵇ أَن يَا مُوسَى إِنَّمَا أجزي النَّاس على قدر عُقُولهمْ
وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ (الْعقل ثَلَاثَة
стр. 123
أَجزَاء حسن الْمعرفَة لله وَحسن الطَّاعَة لله وَحسن الصَّبْر لله)
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ فِيمَا يرْوى عَن جِبْرِيل ﵇ عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ (مَا تقرب إِلَيّ عَبدِي بِمثل أَدَاء فرائضي وَإنَّهُ ليتقرب إِلَيّ بعد ذَلِك بالنوافل حَتَّى أحبه وَمَا يتَقرَّب إِلَيّ عبد بِمثل النصح فَإِذا أحببته كنت سَمعه وبصره وَيَده وَرجله وفؤاده فَبِي يسمع وَبِي يبصر وَبِي يمشي وَبِي يبطش وَبِي يعقل)
وَكَانَت مشْيَة رَسُول الله ﷺ تكفيا كَمَا تكفى السَّفِينَة فَإِنَّمَا كَانَ ذَلِك لامتلائه من عَظمَة الله تَعَالَى وَكَانَ يمِيل بِهِ جلال الله هَكَذَا وَهَكَذَا لِأَن الْجلَال لَا يسكن
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ عَن الله تَعَالَى (أحب مَا تعبد لي بِهِ عَبدِي النصح لي)
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن لله مَلَائِكَة موكلين بأرزاق بني آدم قَالَ أَيّمَا عبد وجدتموه طلب فَإِن تحرى الْعدْل فطيبوا ويسروا وَإِن تعدى إِلَى غير ذَلِك فَخلوا بَينه وَبَين ذَلِك ثمَّ لَا ينَال فَوق الدرجَة الَّتِي كتبتها لَهُ)
فقد ذكر فِي هَذَا الحَدِيث أَن من جمع همومه فَجَعلهَا هما وَاحِدًا ضمن الْخَالِق رزقه وَكفى
стр. 124
مثل من أعطي نور الْهِدَايَة
مثل من أعطي نور الْهِدَايَة واستنار قلبه ثمَّ أَضَاء صَدره من نور الْقلب مثل رجل فِي بَيت مظلم لَا يَهْتَدِي لما فِيهِ وَفِي الْبَيْت جَوَاهِر وألوان من النِّعْمَة نَاحيَة مِنْهُ وَفِي النَّاحِيَة الْأُخْرَى مزبلة وجرف يتردى فِيهَا وعقارب وَشَوْك وَهُوَ فِي تِلْكَ الظلمَة سَكرَان لَا يفِيق بجوهر ونعمة وَلَا لقذارة مزبلة وتردي جرف ولدغة عقرب ووخزة شَوْكَة من سكره فَأعْطِي سِرَاجًا فأفاق من سكره فَأَضَاءَتْ لَهُ جدران الْبَيْت من ضوء ذَلِك السراج فَمن قَامَ خَلفه فَإِنَّمَا يعلم بِحَالهِ وهيئته ونعته مِمَّا يتَرَاءَى لَهُ من الظل على ذَلِك الْجِدَار المضيء الَّذِي هُوَ أَمَامه فَإِذا كَانَ ذَا جثة عرف ذَلِك بِمَا وَقع من الظل على ذَلِك الْجِدَار وَعرف صورته بِمَا وَقع لَهُ النَّعْت بذلك الظل على الْجِدَار وَإِن أَشَارَ بأصابعه من خَلفه وَقع ظلّ إِشَارَته على الْجِدَار فَعلم عدد الْأَصَابِع وَمَا ينقص مِنْهَا وَمَا يزِيد فَصَارَت لَهُ رُؤْيَة ذَلِك الظل كَأَنَّك الْتفت إِلَيْهِ فرأيته بِعَيْنِك فَإِذا أثرت فِي ذَلِك الْبَيْت من دقاق التُّرَاب حَتَّى يثور غباره فيمتلئ الْبَيْت أَو أحرقت تبنا حَتَّى ارْتَفع وهاج دخانه فَامْتَلَأَ الْبَيْت حجب ذَلِك الْغُبَار وَالدُّخَان عَيْنَيْك
стр. 125
عَن رُؤْيَة مَا كنت ترَاهُ على الْجِدَار أمامك وَغَابَ ذَلِك الظل الَّذِي كنت ترَاهُ فِي ذَلِك الْغُبَار وَالدُّخَان بغلبتهما عَلَيْهِ
فَكَذَا الَّذِي أَضَاء صَدره من نور قلبه كلما ذكر فِي شَيْء من أُمُور الْآخِرَة وشأن الْقِيَامَة والدارين تصورت صُورَة تِلْكَ الْأَشْيَاء لعَيْنِي فُؤَاده لِأَن ذكر تِلْكَ الْأَشْيَاء إِذا تصورت صَارَت الصُّور ظلا فِي الصَّدْر قبالة عَيْني الْفُؤَاد لِأَن الضَّوْء من نور الله فِي صَدره فَإِذا جَاءَت صور الْأَشْيَاء وَقع للصور ظلّ فِي ذَلِك الطّور لِأَنَّهُ عَلَيْهِ النُّور وَلَكِن حجبت صور الْأَشْيَاء عَيْني الْفُؤَاد عَن رُؤْيَة النُّور بِمِقْدَار مَا تصور
أَلا ترى أَنه إِذا انْتقل من فكر المخلوقين إِلَى فكرة جلال الله وعظمته ازْدَادَ الضَّوْء وَلم تقع لتِلْك الفكرة صُورَة لِأَن ضوء هَذِه الفكرة زِيَادَة فِي ذَلِك الضَّوْء لِأَنَّهُ مِنْهُ فكر وَمِنْه ٦٣ حدث الضَّوْء ثمَّ عَاد إِلَى مَا حدث مِنْهُ وَلم يكن لَهُ ظلّ
وَإِذا فكر فِي أَمر الْجنَّة وَالنَّار وَالْقِيَامَة وكل شَيْء مَخْلُوق صَارَت تِلْكَ الصُّور الَّتِي تصورت بالفكر حجبا لعَيْنِي الْفُؤَاد عَن ذَلِك النُّور بِمِقْدَار الصُّور فَلذَلِك سميناه ظلا فَإِذا عاين ذَلِك الظل على تِلْكَ الصُّور صَار كَأَنَّهُ يُشَاهد بعيني فُؤَاده مَا يعاين غَدا بعيني رَأسه فِي الْآخِرَة وَإِذا لحظ إِلَى عَظمَة الله وجلاله أشرق الصَّدْر وَصَارَ ذَا شُعَاع كُله فَهُوَ فِي ذَلِك الْوَقْت كَأَنَّهُ يُشَاهد بعيني فُؤَاده مَا يُشَاهد من الْوُقُوف بَين يَدَيْهِ وَالنَّظَر إِلَى جَلَاله وَإِذا خلا من النَّفس وشهواتها ثار دخانها إِلَى الصَّدْر فَامْتَلَأَ هَذَا الصَّدْر دخانا وغبارا الدُّخان
стр. 126
لحريق الشَّهَوَات وَالْغُبَار للتجبر الَّذِي فِي النَّفس من الْكبر فَغَاب ذَلِك الظل بِتِلْكَ الصُّور الَّتِي صورت لَهُ أُمُور الْآخِرَة لِأَنَّهُ اخْتَلَط الضَّوْء بالغبار وَالدُّخَان وافتقدت عينا الْفُؤَاد تِلْكَ الصُّور
فَإِذا ذهب يتفكر لم يقدر أَن يفكر لِأَن بَصَره لَا ينفذ فِي ذَلِك الْغُبَار وَالدُّخَان إِلَى صور تِلْكَ الْأَشْيَاء وَقد ذهبت الصُّور وَتصير تِلْكَ الْفِكر الْآن حولهَا فَهُوَ يحدث نَفسه ويحسب أَنه فكر وَإِنَّمَا الفكرة توهم والتوهم فِي الشَّيْء المضيء لصور الْأَشْيَاء لَك وَإِذا دَامَ ذَلِك فَهُوَ فكرة وَيُقَال للتوهم بالأعجمية انديشة وللفكرة اسكالسن فالتوهم أصل والفكرة فرع مَمْدُود فبالتوهم يتَصَوَّر وَيتَفَرَّع مَا تصور ويمتد باستقبال الْقلب ذَلِك حَتَّى يَمْتَد ويثمر فَتلك فكرة وَإِنَّمَا صَارَت عَامَّة أَعمال الْعَامَّة فَاسِدَة لهَذَا الَّذِي وَصفنَا لِأَن الْأَعْمَال تصدر عَن عَيْني الْفُؤَاد وَأَن تَدْبِير الْقلب مَعَ الْعقل هُنَاكَ يتَرَاءَى لعَيْنِي الْفُؤَاد صور الْأُمُور ويزين الْعقل فِيهَا مَا حسن لعَيْنِي الْفُؤَاد حَتَّى يدبر الْفُؤَاد ويمضيه
تَسْمِيَة الْقلب قلبا
وَالْقلب والفؤاد هُوَ بضعَة فِي بضعَة فَمَا بطن فالنور فِيهِ فَهُوَ الْقلب سمي قلبا لِأَنَّهُ بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن الْخَالِق وَإِذا أَرَادَ الله أَن يهديه بَسطه فاستقام وَإِذا أَرَادَ أَن يضله نكسه فنور
стр. 127
الْقلب يتَأَدَّى إِلَى بصر الْفُؤَاد فيستنير ويضيء مِنْهُ الصَّدْر فَإِن شَاءَ الرَّحْمَن قلبه كَيفَ شَاءَ على مَا مضى من الصَّدْر فالفؤاد هِيَ الْبضْعَة الظَّاهِرَة الَّتِي فِي جوفها هَذِه وعَلى الْفُؤَاد عينان فَسُمي كُله قلبا لاتصالهما وَلِأَن أَحدهمَا فِي جَوف الآخر كاللؤلؤة فِي الزجاجة وَهُوَ قَول الله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾
وَقَالَ الله تَعَالَى فِي التقليب ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾
فَقلب الْكَافِر منكوس وبصر فُؤَاده من أَسْفَل وقلب الْمُؤمن مَبْسُوط منتصب وَوَجهه إِلَى الله تَعَالَى وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَمن يسلم وَجهه إِلَى الله وَهُوَ محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وَإِلَى الله عَاقِبَة الْأُمُور﴾
وَلما رُوِيَ عَن عبَادَة بن الصَّامِت ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (قلب الْمُؤمن بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن وَإِذا أَرَادَ الله أَن يهديه بَسطه فاستقام وَإِذا أَرَادَ الله أَن يضله نكسه)
فنور الْقلب يتَأَدَّى إِلَى بصر الْفُؤَاد فيستنير ويضيء مِنْهُ
стр. 128
الصَّدْر وَإِذا غشى الصَّدْر والفؤاد دُخان الشَّهَوَات صَار كبيت فِيهِ سراج قد غَابَ ضوءه فِي ذَلِك الدُّخان وَأَيْضًا صَار دخانا لِأَن الشَّهَوَات لَهَا حريق جَاءَ من الشَّهَوَات المحفوفة بِبَاب النَّار وَإِنَّمَا خلقت من النَّار وبباب النَّار وضعت وَفِي جَوف كل آدَمِيّ مِنْهَا ريح تِلْكَ النَّار وَلها اهتدت فِي الْعُرُوق إِذا هَاجَتْ حَتَّى تَأْخُذ جَمِيع الْجَوَارِح لِأَن الْعُرُوق قد الْتفت على الْجَسَد كُله فَلذَلِك إِذا هَاجَتْ شَهْوَة شَيْء مِنْك أخذت فِي تِلْكَ السرعة من الْقرن إِلَى الْقدَم لِأَنَّهَا هَاجَتْ فِي الْعُرُوق فِي سرعَة تِلْكَ الرّيح الجامحة فاشتملت على الْجَسَد كُله
وَقَول النَّبِي ﷺ (أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة) فَإِنَّمَا وصف الْقلب باللين لِأَن الْقلب إِنَّمَا يلين بِالرَّحْمَةِ لِأَنَّهُ بِالرَّحْمَةِ ترطب الْأَشْيَاء فَكلما كَانَ الْقلب أوفر حظا من الرَّحْمَة كَانَ أَلين ثمَّ يخَاف عَلَيْهِ من اللين الْعَجز عَن أَمر الله لِأَن اللَّبن يُؤَدِّي إِلَى كسل النَّفس فَإِذا وفر الله تَعَالَى عَلَيْهِ الرَّحْمَة فلينه ثمَّ فتح عَلَيْهِ من نور العظمة انْكَشَفَ ذَلِك النُّور من رُطُوبَة الرَّحْمَة فاستدر الرَّحْمَة وعلاه نور الْجلَال والهيبة فصلب الْقلب
стр. 129
فَذَاك مَحْبُوب الله تَعَالَى فِي قُلُوب الْعباد أَن يكون رحِيما صلبا فَفِي وَقت يسْتَعْمل الرَّحْمَة وَفِي وَقت يسْتَعْمل الصلابة
وَلذَلِك مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا رزق عبد شَيْئا أفضل من إِيمَان صلب) رَوَاهُ أبي عَن صَالح بن مُحَمَّد عَن النَّضر بن شُمَيْل عَن عَوْف عَن أبي السَّلِيل
أَلا ترى أَن قوما رقت قُلُوبهم عِنْد إِقَامَة الْحُدُود فَنزل قَوْله الله تَعَالَى ﴿وَلَا تأخذكم بهما رأفة فِي دين الله إِن كُنْتُم تؤمنون بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وليشهد عذابهما طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ﴾
صلابة الْإِيمَان
فحقيقة الْإِيمَان الْبَالِغ أَن يعْمل نور العظمة فِي قَلْبك حَتَّى يصلب الْقلب لِأَن هَذَا الِاسْم اسْم العظمة الْعُظْمَى فتوله الْقلب إِلَيْهِ بعلمك فِي هَذِه الْآيَة أَن إيمانك بِاللَّه يصلب قَلْبك فِي ذَاته حَتَّى تغيب الرأفة فِي ذَلِك الْوَقْت فِي تِلْكَ الصلابة من قَلْبك
وَذَلِكَ مثل مَا قَالَه النَّبِي ﷺ حَيْثُ كلم فِي تِلْكَ المخزومية القرشية حَيْثُ سرقت فَغَضب رَسُول الله ﷺ وَقَالَ (وَالله لَو كَانَت فَاطِمَة بنت مُحَمَّد ﷺ لقطعتها ثمَّ نزل فقطعها)
стр. 130
رقة الْفُؤَاد
وَأما رقة الْفُؤَاد الَّتِي وصف بهَا رَسُول الله ﷺ أهل الْيمن فَإِن هَذِه الْبضْعَة الظَّاهِرَة هِيَ وعَاء لتِلْك الْبضْعَة الْبَاطِنَة فَإِذا كَانَت رقيقَة تأدى ذَلِك النُّور الَّذِي فِي الْقلب إِلَى الصَّدْر فنفذ الْبضْعَة الظَّاهِرَة وَالْقلب بِمَنْزِلَة الْمشكاة الَّتِي فِي جَوف الْقنْدِيل والنور فِي الْمشكاة والفؤاد هِيَ الزجاجة الَّتِي فِيهَا الْمشكاة والمشكاة وسط الزجاجة فَكلما كَانَت الزجاجة أرق وأصفى كَانَ ضوء السراج أنفذ إِلَى الصَّدْر وَكلما كَانَت أكثف وَأَقل صفاء كَانَ ضوءه أقل ٦٤ فَإِنَّمَا مدحهم النَّبِي ﷺ بلين الْقلب لوفارة حظهم من الرَّحْمَة وبرقة الْفُؤَاد لإضاءة الصَّدْر مِنْهُم من أجل الرقة
فَأَما الَّذِي وَصفنَا بالصلابة فَهُوَ الْكَامِل لما رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِن لله تَعَالَى أواني فِي الأَرْض أَلا وَهِي الْقُلُوب وأحبها إِلَى الله تَعَالَى أرقها وأصفاها وأصلبها أرقها للإخوان وأصفاها من الذُّنُوب وأصلبها فِي ذَات الله تَعَالَى)
مثل انقياد النَّفس
مثل انقياد النَّفس فِي أَعمال الْبر مثل رجل قيل لَهُ فِي لَيْلَة
стр. 131
شَاتِيَة مظْلمَة احْمِلْ هَذِه الحمولة إِلَى مَوضِع كَذَا فهاله ذَلِك جدا وَثقل عَلَيْهِ وهاله شَأْنهَا وَأظْهر الْعَجز والضعف والوهن من نَفسه
فَإِن قيل لَهُ احملها وَلَك ألف دِرْهَم أَو دَنَانِير فثار فِيهِ فَرح تِلْكَ الدَّنَانِير حَتَّى أَخذ من قرنه إِلَى قدمه بِمَا رجا نواله فَوجدَ من الْقُوَّة من قلبه فاحتملها مسرعا فِي السّير وَأظْهر من نَفسه قُوَّة فَإِنَّمَا قواه على ذَلِك فَرح الدَّنَانِير فَهَذَا مثل عبد حمل رَجَاء الثَّوَاب والنوال
وَلَو لم يقل لَهُ لَك دَنَانِير ترجو نوالها وَلَكِن قَالَ لَهُ احملها وَإِلَّا ضربتك بِالسَّيْفِ فَوجدَ من الْقُوَّة مَا احتملها واستخف بهَا من خوف السَّيْف فَهَذَا عبد عمل على خوف الْوَعيد وَالْعِقَاب
وَلَو لم يكن هُنَاكَ طمع وَلَا خوف وَلَكِن قيل لَهُ احملها فَتَلَكَّأَ وحرن وَأظْهر الْعَجز عَنْهَا فَقيل لَهُ أَتَدْرِي أَن هَذِه الحمولة لمن قَالَ لَا فَقيل هِيَ لفُلَان فَذكر رجل أعز الْخلق عَلَيْهِ وأحبهم إِلَيْهِ فهاج من حبه فِي قلبه مَا نسى الدَّنَانِير وَالسيف وأخذته من الْحُرْمَة لذَلِك الرجل وَالْحيَاء مَا لَا يجد من نَفسه ترك حمولته
стр. 132
على قَارِعَة الطَّرِيق حَتَّى تضيع فاحتملها بِقُوَّة أَشد من الْأَوَّلين ونشاط وسرور مَا لم يعلم أَنه عَلَيْهِ شَيْء من الحمولة فَهَذَا عبد عمل على حب الله تَعَالَى فبحبه الله أحب صَاحب الحمولة فَلَا يتْرك نصحا فِي ذَلِك الْعَمَل إِلَّا بذله وأشفق إشفاقا يصونه عَن الإنكسار وَعَن صدوم الآفة لحب صَاحبهَا
فَالْأول يحملهَا طَمَعا لتِلْك الدَّنَانِير فَلَا يكون لَهُ شَفَقَة على تِلْكَ الحمولة أَن يبلغ بهَا الْموضع الَّذِي أُشير لَهُ إِلَيْهِ وَكَذَا الَّذِي خوف بِالسَّيْفِ إِنَّمَا باله أَن يبلغ بالحمولة الْمَكَان الَّذِي أَمر ثمَّ إِن أَصَابَهَا فِي الطَّرِيق عثائر من صدمة أَو تغير حَال لَا يُبَالِي إِنَّمَا بالى بحملها مَخَافَة من السَّيْف
فَالْأول إِنَّمَا باله الْوُصُول إِلَى مَا طمع فِيهِ من النوال وَهَذَا الَّذِي عرف لمن هَذِه الحمولة أَخَذته الشَّفَقَة على تِلْكَ الحمولة فالأخير حملهَا محبَّة لصَاحِبهَا حَتَّى احتملها إِلَى أَن يتوقاها من الْآفَات وإبلاغها إِلَى الأَصْل
وَالثَّانِي إِنَّمَا باله إبلاغها إِلَى الأَصْل للثَّواب والنجاة
وَكَذَا عُمَّال الله تَعَالَى مِنْهُم من يعْمل على الكسل وَالْعجز على
стр. 133
التجويز والشايذبوذ فَإِذا انتبه للوعد والنوال جد واجتهد فَعِنْدَ الإنتباه إِنَّمَا باله الْوُصُول إِلَى مَا أطمع وَلَيْسَ لَهُ شَفَقَة على الْمحمل
وَالثَّالِث عمل على الْحُرْمَة والشفقة على حُقُوقه فوقاه العثار وصدمات النَّفس وَعَمله على الهشاشة والسماحة والانطلاق
حَال المشفق
قَالَ لَهُ قَائِل صف لنا حَال المشفق فِي أُمُوره قد عرفنَا الصِّنْفَيْنِ فَمن هَذَا الثَّالِث قَالَ هَذَا عبد محب لرَبه فَهُوَ يتحَرَّى مسراته فِي الْأَمر كَمَا رُوِيَ عَن الله تَعَالَى أَنه قَالَ يَا عِيسَى أنزلني من نَفسك كهمك وتحر مسرتي فِي الْأُمُور
فالمحب لرَبه إِنَّمَا باله من الْأُمُور طلب مسراته مَاذَا يحب رَبِّي من هَذَا الْأَمر وماذا يسره
فَرح الله بتوبة العَبْد
أَلا ترى إِلَى مَا جَاءَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (لله أفرح بتوبة العَبْد من أحدكُم ضلت رَاحِلَته عَلَيْهَا زَاده
стр. 134
وَطَعَامه وَشَرَابه فِي فلاة من الأَرْض فَضرب يَمِينا وَشمَالًا فِي طلبَهَا فَلم يجدهَا فوطن نَفسه على الْمَوْت وَقَالَ أذهب إِلَى ذَلِك الْمَكَان الَّذِي ضلت فِيهِ رَاحِلَتي فَرجع إِلَيْهَا فَوَجَدَهَا قَائِمَة هُنَاكَ
وَمن السرُور بعباده يباهي بِعَمَل الْآدَمِيّ للْمَلَائكَة ويفتخر بِهِ فيهم فَيَقُول يَا ملائكتي انْظُرُوا إِلَى عَبدِي فَهُوَ لفرحه بتوبة العَبْد وبأعماله يباهي بِهِ الْمَلَائِكَة
وَمَا جَاءَ أَنه يباهي بِأَهْل عَرَفَات وَيَقُول عبَادي جاؤوني شعثا غبرا من كل فج عميق
فَحق على من عقل هَذَا أَن يطْلب فِي الْأُمُور بِجهْدِهِ مسراته فيطلب زِينَة الْأُمُور فَإِن لكل شَيْء زِينَة وَكِسْوَة وَقد يرى الْأَشْيَاء الْعَارِف كَيفَ يتضاعف حسنها إِذا كُسِيت وزينت وطيبت والمحب لرَبه لَا يرضى أَن يعْمل لَهُ على خبث النَّفس وَالْكَرَاهَة والعسر والتثاقل والنكر والعبوس بل يتوخى فِي كل أَمر التسارع والخفة والسبق والهشاشة والسماحة والانطلاق واليسر فَإِن لم يجد هَذَا فِي وَقت عظمت عَلَيْهِ الْمُصِيبَة فِي ذَلِك الْوَقْت وعده نقصا عَظِيما
стр. 135
دخل عَلَيْهِ فَينْظر من أَيْن جَاءَ هَذَا فيحتال أَن ينحيه وينفيه
أَلا ترى إِلَى قَول ابْن عَبَّاس ﵄ حَيْثُ جَاءَ الْمُؤَذّن فَقَالَ الصَّلَاة فَقَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ إِن لنا شواء فِي التَّنور فَإِن تنْتَظر لنا وَإِلَّا فَاذْهَبْ فصل
فَهَذَا عين مَا قُلْنَا كره ابْن عَبَّاس ﵄ وَعظم عَلَيْهِ أَن يُجيب الْمُؤَذّن إِلَى الصَّلَاة وَمَعَهُ شَهْوَة الشواء فَيدْخل فِي الصَّلَاة وَمَعَهُ شَهْوَة الشواء فتخبث عَلَيْهِ نَفسه فِي حَال الْقيام بَين يَدي الله تَعَالَى ومناجاته وَالْعرض عَلَيْهِ وَتَسْلِيم النَّفس إِلَيْهِ والاعتذار إِلَيْهِ من التَّقْصِير والهفوات فَعظم عِنْده أَن تكون نَفسه فِي ذَلِك الْوَقْت تزاحمه فِي شهواتها الَّتِي قد أحست بنوالها وأشرفت عَلَيْهَا فَكَانَ الْأَمر عِنْده أَن يسكنهَا بِمَا استشرفت لَهُ من الْأكل حَتَّى يقوم بَين يَدي الله تَعَالَى وَلَيْسَ هُنَاكَ مُنَازع وَلَا مدعى شغله عَن أمره فَهَذِهِ صدمة النَّفس
وَكَذَلِكَ رُوِيَ لنا عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ أَنه كَانَ يتعشى فِي ربض قبل الْمغرب فَإِنَّمَا حمله على ذَلِك فِيمَا نرى مَا وَصفنَا لِئَلَّا يدْخل الصَّلَاة وَنَفسه تنازعه إِلَى الْعشَاء
وَكَذَلِكَ الَّذِي فعل ابْن عَبَّاس ﵄ حَيْثُ اشْترى رِدَاء
стр. 136
بِأَلف دِرْهَم فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ توخيا بذلك ٦٥ أَن يخف عَلَيْهِ الْوَلَاء كي لَا تعجز النَّفس عَن الْحمل الثقيل على النَّفس
وَكَذَلِكَ قيل للزبير ﵁ مَا بالكم يَا أَصْحَاب مُحَمَّد ﷺ أخف النَّاس صَلَاة قَالَ إِنَّا نبادر الوسواس كَانَ رَسُول الله ﷺ من أوجز النَّاس صَلَاة فِي تَمام حَدثنَا بذلك صَالح بن مُحَمَّد أخبرنَا أَبُو عوَانَة عَن قَتَادَة عَن أنس بن مَالك ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ
فَهَذَا شَأْن أَعمال المحبين لله تَعَالَى فِي كل أَمر مَعَ الزِّينَة والبهاء يطْلب فِيهِ محاب الله تَعَالَى فِي كل وَقت من ذَلِك الْفِعْل لِأَنَّهُ فِي كل أَمر لَهُ حُقُوق كَثِيرَة فَهُوَ إِنَّمَا يشفق على تِلْكَ الْحُقُوق لِئَلَّا يستخف بهَا فيعمله على التَّعْظِيم لَهُ وعَلى السماحة بِنَفسِهِ وعَلى السعَة وعَلى توقي دُخُول الْخلَل وعَلى الوفارة وتلكئ الْإِتْمَام وَمَعَ هَذَا كُله قلبه إِلَى مُوَافَقَته هَل وَافق مسرته وَهل رَضِي بذلك وَمَعَ ذَلِك يعلم إِن وَافق وَرَضي بِهِ أَنه مَعَ التَّقْصِير جدا يستحي مِنْهُ جدا وَأَنه عَاجز أَن يبلغ مدى مَا هُوَ أَهله من ذَلِك وَلَا يلْتَفت إِلَى ثَوَاب فِي ذَلِك أبدا وَرُبمَا فتح عَلَيْهِ بَاب محبته لَا أَعنِي محبَّة العَبْد وَلَكِن
стр. 137
محبَّة الله تَعَالَى فَإِذا فتح لَك ذَلِك الْبَاب كَانَ فِي ذَلِك الْعَمَل كالسابح فِي الْبَحْر الَّذِي قد ترَاءى لَهُ السَّاحِل وقرت عينه فَهُوَ يسبح فِي نشاط وسرور بالسَّاحل وَهُوَ يضطرب فِي ذَلِك المَاء الصافي
فَهَذَا العَبْد إِذا هَاجَتْ مِنْهُ تِلْكَ الْمحبَّة الَّتِي فتح لَهُ بَابهَا صَار يتقد كالنار جَوْفه فصب عَلَيْهِ الرَّحْمَة صبا فَهُوَ يتقلب فِي برد الرَّحْمَة قد أَصَابَهُ روحها ورطوبتها ولينها وَهُوَ يسبح فِيهَا وَقد شم رياحين الياسمين والبساتين الَّتِي على السَّاحِل لِأَنَّهُ يسبح إِلَيْهَا فيتلقاها فيشمها
مثل عُمَّال الله
مثل عُمَّال الله تَعَالَى مثل ملك قطع قطيعة من الأَرْض وَأمر الفعلة أَن يبنوا لَهُ قصرا ذَا بيوتات مسَاكِن ومجالس وبساتين ومتنزهات وجداول يطرد فِيهَا المَاء فِي تِلْكَ الْمجَالِس والمتنزهات فَمن شَأْن هَؤُلَاءِ أَن يكون لَهُم فِيمَا بَينهم مُدبر لأمر هَذَا الْقصر ومقدر لكل شَيْء مِنْهُ فيرفع فِيهَا بيوتات للصيف ومساكن للشتاء ومجالس للربيع وبساتين للنزهة والجداول المطردة فِي خلال هَذِه الْمجَالِس والنزه وَهَذَا أستاذهم وَمن بعده من يَهْتَدِي للْبِنَاء
стр. 138
فيبني وَمن بعده تلامذة يقتفون أَثَره ويعملون على إشاراته وَمن بعده النقلَة إِلَيْهِ من الطين وَاللَّبن وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ
فَإِذا اسْتَوَى خرج إِلَى الْمُدبر آخر يَوْمه عشرُون درهما وَإِلَى الثَّانِي الْأُسْتَاذ عشرَة وَإِلَى التلامذة خَمْسَة خَمْسَة وَإِلَى من ينْقل الطين على عَاتِقه دِرْهَمَانِ وَإِلَى الآخرين درهما درهما
فَأهل التَّعَب وَالنّصب وَشدَّة الْأَعْمَال أجرهم دِرْهَمَانِ وَنَحْوه والمشير بِرَأْسِهِ وَيَده أجره عشرَة دَرَاهِم والمقدر الْمُدبر أجره عشرُون درهما وَلَوْلَا الْمُدبر لبطل الْعَمَل كُله وَلَوْلَا الثَّانِي الْأُسْتَاذ لنَقص أَمر الْمُدبر لِأَن هَؤُلَاءِ الآخرين لَا يتوجهون للْبِنَاء وَإِن دبر لَهُم وَقدر لَهُم فَهَؤُلَاءِ أُجُورهم أَكثر وأوفر وتعبهم أقل
بِسَاط الربوبية وبساط الْعُبُودِيَّة
وَكَذَلِكَ عُمَّال الله بسط لَهُم من بَاب الْقُدْرَة بِسَاط الربوبية وبساط الْعُبُودِيَّة فأعلمهم بشأن هذَيْن البساطين فأكثرهم مطالعة وملاحظة أعظمهم قدرا عِنْد الله تَعَالَى وأقربهم إِلَى الله تَعَالَى وَسِيلَة وأعظمهم أجرا
الْأَنْبِيَاء أعظم أجرا
وَلذَلِك صَارَت الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أعظم قدرا وأوفر
стр. 139
حظا وَأَجرا ثمَّ الْأَوْلِيَاء من بعدهمْ وكل نَبِي أعلم بِمَا ذكرنَا فَهُوَ أقرب إِلَيْهِ وَأكْرم عَلَيْهِ وَأحب إِلَيْهِ وَأعظم أجرا وَكَذَلِكَ كل ولي من بعده لِأَنَّهُ بِالْعلمِ وَالْعقل يعظم أمره وَيعرف أقدار الْأُمُور وَيعرف الْأَوْقَات فَإِن الله تَعَالَى خلق هَذَا الْآدَمِيّ فأحياه بِالروحِ وفضله على هَؤُلَاءِ المسخرين لَهُ من الدَّوَابّ والبهائم والطيور والوحوش بِهَذَا الرّوح
تَفْضِيل الْمُوَحِّدين
ثمَّ فضل الْمُوَحِّدين من بَينهم بمنه الْعَظِيم بِنور التَّوْحِيد فأحيا قُلُوبهم بِالْحَيَاةِ حَتَّى عرفوه ووجدوه فأوفرهم حظا من الْحَيَاة وَمن علم التَّوْحِيد أعلمهم بالعبودية وأكيسهم فِيهَا وأشدهم قيَاما على السَّاق وأصغاهم أذنا إِلَى أمره وَأَكْثَرهم مُلَاحظَة إِلَى تَقْدِيره وتدبيره وأجهلهم بِهِ أعجزهم عَن ذَلِك
الْقلب يَدْعُو إِلَى الله وَالنَّفس تَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات
فالقلب بِمَا فِيهِ من كنوز الْمعرفَة يَدْعُو إِلَى الله وَطلب رضوانه
стр. 140
وَالنَّفس بِمَا فِيهَا من الْهوى تَدْعُو إِلَى الشَّهَوَات ولذات الدُّنْيَا وَهِي الفانية الَّتِي توجب عَلَيْك غَدا الْحساب الثقيل وَالْحَبْس الطَّوِيل وَالسُّؤَال المهيل فَمن قلت كنوزه استولت النَّفس على قلبه ووهنت إمرته وَأخذت بعنانه فسبته فَبَيْنَمَا هُوَ أَمِير إِذْ هُوَ أَسِير فِي يَدي الْخَارِجِي فَعندهَا يعطل التَّدْبِير وَخَربَتْ الكورة وضاعت الرّعية فَبَان الْعلم
وَإِن النَّفس محتاجة إِذْ كَانَت بِهَذِهِ الْحَال وَالْقلب قَلِيل الْكُنُوز وَإِذا قلت الْكُنُوز قلت الْجنُود وتفرق الحراس وضاعت السياسة فَالنَّفْس محتاجة إِلَى أَن تشتغل بِالْأَعْمَالِ المتعبة الشاغلة لَهَا حَتَّى لَا تصل إِلَى الْفساد
فَلَو أَن هَذَا الْأَمِير عرف أَن هَذَا الْخَارِجِي مِمَّن لَا يُؤمن خُرُوجه عَلَيْهِ وَهُوَ فِي جواره وبلدته فَأخذ الْأَمر بالحزم فَعمد إِلَى كل من يجالسه ويثق بِهِ ويستظهر بِهِ فحا بَينه وَبَينه وَعمد إِلَى أسلحته فَأَخذهَا مِنْهُ وقلده أمورا أتعبه فِيهَا وشغله عَن الْفِكر فِي ذَلِك الْأَمر الَّذِي يتخوف مِنْهُ فَكَذَلِك عَامل الله إِذا لم يفتح لَهُ الْبَاب فيطالع فيكثر كنوزه ويجم علمه بِاللَّه وَخَافَ نَفسه أَن تخرج
стр. 141
عَلَيْهِ كَمَا وَصفنَا من أَمر الْخَارِجِي الَّذِي يَشْتَهِي الإمرة
فَمن الحزم أَن يقطع عَنهُ الشَّهَوَات وَأَن ينظر إِلَى كل شَيْء من أُمُور الْآخِرَة يحمل عَنهُ الْهوى أَن ينْتَقل عَنهُ إِلَى ضِدّه مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِيهِ هوى لِأَن الطَّاعَات كَثِيرَة فَرب طَاعَة تملكه حلاوتها فَتَصِير هوى فَينْتَقل إِلَى مَا يتعب فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ هوى وَأَن يتعبه بالغموم والهموم حَتَّى ينغص عَلَيْهِ عيشه الَّذِي استطابته نَفسه بلهوها ولعبها وبطالتها فَإِن فتح لَهُ صَار ملكا من الْمُلُوك الَّذين بالكنوز والهدايا والفوائد الَّتِي تَأتيه من رب الْعَالمين وَإِن لم يفتح لَهُ فأجر تَعبه عِنْد الملي الوفي الْوَاحِد الْوَاحِد بِعشْرَة وَالْوَاحد بسبعمائة وَالْوَاحد بالأضعاف الْكَثِيرَة وَنَفسه ذليلة مقهورة فِي ذَلِك التَّعَب وَالنّصب ٦٦
فبنوا إِسْرَائِيل حظوظهم من الله تَعَالَى كَثِيرَة وَهَذِه الْأمة أوفر حظا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن الْهدى هدى الله أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ أَو يحاجوكم عِنْد ربكُم﴾
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا أَعْطَيْت أمة من الْأُمَم من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي)
وَكَذَلِكَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْأمة فَلذَلِك
стр. 142
صَارَت بَنو إِسْرَائِيل فِي شدَّة من الْأَعْمَال وتعب من الْأَذْكَار فَكَانُوا يلبسُونَ المسوح ويجيعون الْبُطُون وَيلْزق أحدهم الترقوة فيشدها بسلسلة إِلَى سَارِيَة يتعبد لله وَإِذا أذْنب أحدهم أصبح مَكْتُوبًا على بَابه عُقُوبَة خطيئتك أَن تقطع أُذُنك أَو عضوا من أعضائك وَإِذا أصَاب أحدهم بَوْل أَو نَجَاسَة لم يطهر حَتَّى يقْرضهُ بالمقراض وصدقتهم تقبل بِنَار القربان وَعَلَيْهِم من الآصار والأغلال وَالتَّحْرِيم مَا تقشعر مِنْهُ الذوائب والشعور وَقتل النُّفُوس عِنْد عبَادَة الْعجل
وَهَذِه الْأمة توفرت كنوزها وجمت علومها بِاللَّه تَعَالَى بِفضل يقينها فَخفف عَنْهُم الآصار وأطلقوا من أغلال كَثِيرَة اكْتفي من الْعَامَّة بالاستغفار وَستر عَلَيْهَا الذُّنُوب وَجعلت التَّوْبَة مِنْهُم إِلَى الله لَا إِلَى عُقُوبَة الأجساد فَقَالَ لأولئك توبتكم إِلَى بارئكم من عبَادَة الْعجل أَن تقتلُوا أَنفسكُم وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَقَالَ لِلنَّصَارَى وهم من أُولَئِكَ الصِّنْف حِين قَالُوا الْمَسِيح ابْن الله وَالثَّالِث ثَلَاثَة ﴿أَفلا﴾
стр. 143
يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم)
فَجعل تَوْبَتهمْ بافترائهم عَلَيْهِ الاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ فِي وَقت نَبِي الله مُحَمَّد ﷺ وَفِي زَمَانه فَلم يقبل ذَلِك مِنْهُم فِي ذَلِك الْوَقْت عِنْدَمَا عبدُوا الْعجل إِلَّا قتل النَّفس وَقبل فِي هَذَا الزَّمَان الاسْتِغْفَار مِنْهُم من عِبَادَتهم عُزَيْرًا وَعبادَة النَّصَارَى الْمَسِيح لِأَن هَذَا وَقت إقبال الله على هَذِه الْأمة وتفضيلهم بِالْيَقِينِ وَالْعلم بِاللَّه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ ﵁ (أخْلص يكفك الْقَلِيل من الْعَمَل)
فَإِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى الْإِخْلَاص لله قلبا وقولا وفعلا فقليل الْعَمَل من مثل هَذَا يَأْتِي على جَمِيع الْعمَّال من سواهُ وَلذَلِك قَالَ ﷺ يَا حبذا يَوْم الأكياس وفطرهم كَيفَ يغبنون سهر الحمقى وصيامهم ولمثقال ذرة من صَاحب تقوى ويقين أفضل عِنْد الله من أَمْثَال الْجبَال عبَادَة من الآخرين)
عمل هَذِه الْأمة
فَهَذِهِ الْأمة بالقلوب تعبد رَبهَا وَتَأْخُذ أجرهَا
عَن سُفْيَان عَن وَكِيع قَالَ أخبرنَا عبد الْوَهَّاب أخبرنَا جُنَادَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مثلكُمْ وَمثل الْيَهُود
стр. 144
وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتعْمل عمالا فَقَالَ من يعْمل لي من صَلَاة الصُّبْح إِلَى نصف النَّهَار على قِيرَاط قِيرَاط أَلا فَعمِلت الْيَهُود)
ثمَّ قَالَ (من يعْمل لي من نصف النَّهَار إِلَى صَلَاة الْعَصْر على قِيرَاط قِيرَاط أَلا فَعمِلت النَّصَارَى)
ثمَّ قَالَ (من يعْمل لي من صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْمغرب على قيراطين أَلا فَأنْتم أَلا فَأنْتم)
فَغضِبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَقَالَت نَحن أَكثر عملا وَأَقل عَطاء
فَقَالَ (ظلمتكم من حقكم شَيْئا) فَقَالُوا لَا قَالَ (إِنَّمَا هُوَ فضلي أوتيه من أَشَاء)
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (وفيتم سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله تَعَالَى)
وروى معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ وَهُوَ مُسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة (فأمتي توفى سبعين فِي أجرهَا وَخَيرهَا)
مثل الْحَمد للموحدين
مثل الْحَمد للموحدين مثل رجل يَأْخُذ من حريفه من حانوته
стр. 145
الشَّيْء بعد الشَّيْء فَإِذا اجْتمع شَيْء أدّى وَأخذ بعد ذَلِك حَتَّى تخف عَنهُ أثقال الدّين فَإِذا لم يؤد وَاجْتمعَ الْمَأْخُوذ وتراكم عَلَيْهِ الدّين وَاقْتضى فَلم يُوجد يُوشك أَن يقطع عَنهُ مَا كَانَ يعْطى وَيَقُول صَاحب الْحَانُوت أد مَا اجْتمع وَخذ مَا بَقِي فَيردهُ خائبا وَيقطع عَنهُ
فأسبغ الله تَعَالَى النعم فَلَو ذَهَبْنَا نعد نعمه لم نحصها وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِن الله لغَفُور رَحِيم﴾
فَأهل رَحمته هم الَّذين عصمهم الله من الِاخْتِلَاف وقصدوا بقلوبهم عبَادَة خالقهم وربهم وَلم يلتفتوا إِلَى معبود غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾
قَوْله خلقهمْ أَي خلقهمْ للرحمة
следующие страницы →