Полный текст (318 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
تَعَالَى كتابا إِلَّا أحب أَن يعلم تَفْسِيره فَمن قَرَأَ الْقُرْآن وَلم يعلم تَفْسِيره فَهُوَ أُمِّي
وَقَالَ سعيد بن جُبَير ﵀ مثل من قَرَأَ الْقُرْآن وَلم يعلم تَفْسِيره كَمثل رجل جَاءَهُ كتاب من أعز النَّاس إِلَيْهِ يفرح بِهِ وَيطْلب من يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ فَلم يجد وَهُوَ أُمِّي ففرح بِالْكتاب وَلَا يدْرِي مَا فِيهِ فَهَكَذَا مثل من يقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يعلم تَفْسِيره وَمَا فِيهِ
مثل صَاحب الْأَخْلَاق
مثل صَاحب الْأَخْلَاق مثل ٥٣ ملك لَهُ خزانَة وقواد ومملكة فَإِن كَانَت الخزانة قَليلَة كنوزها وكورته صَغِيرَة ضَاقَ بِهِ هَؤُلَاءِ القواد وَقَالَ بَعضهم لبَعض هَذَا ملك لَهُ اسْم الخزانة والكنوز وَلَيْسَ لكنوزه مَادَّة يجْرِي علينا ويغنينا حَتَّى نتَّخذ عدَّة لِلْعَدو الَّذِي هُوَ بِمَرْصَد منا وَمن ملكنا هَذَا وَلَيْسَت لَهُ مملكة فسيحة ننتشر فِيهَا فَيَأْخُذ كل قَائِد منا نَاحيَة من المملكة فيتملك على أهل ناحيته وَقُوَّة الْمُلُوك فِي الخزائن الجمة وبالكنوز والجوهر والقواد وَحسن التَّدْبِير فِي هذَيْن فيدبر أمره أمورنا بِحسن مَا عِنْده من الكياسة فيدر علينا كنوزه وقتا وقتا وشهرا شهرا ويعد جواهره للنوائب الْعِظَام فَلَا نرى هَا هُنَا عدَّة وَلَا فسحة فتعالوا ننتقل عَن هَذَا إِلَى
стр. 72
ملك لمملكته فسحة ومنتشر نَتَّسِع فِي نَوَاحِيهَا ونعمل للقيادة فَيَعُود الْجند إِلَى ملك لَهُ كنوز جمة ولكنوزه مَادَّة من غلات المملكة فَلهُ كنوز وأمصار وقرى وبر وبحر كملك الْهِنْد وَالروم وَالْعرب مَا نصْنَع بِهَذَا الضَّعِيف الْعَاجِز يطْلبُونَ ملكا بِتِلْكَ الصّفة وَلَا يثبتون مَعَ هَذَا فالملك هُوَ الْقلب وخزانته فِي جَوف الْقلب فِيهِ كنوز الْمعرفَة وجواهر الْعلم بِاللَّه وَالْعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته والأخلاق قواده والأركان رَعيته وَهِي الْجَوَاهِر السَّبع فَهَؤُلَاءِ القواد قد أَحدقُوا بِالْقَلْبِ فِي هَذَا الصَّدْر وأطافوا بِبَاب الْقلب بَين عَيْني الْفُؤَاد فَإِن الْفُؤَاد هُوَ مَا ظهر من الْقلب وَالْقلب مَا بطن وَالْقلب بعض فِي بعض وَالْعين على الْفُؤَاد وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ (أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة) فوصف الْقلب باللين والفؤاد بالرقة
فالأخلاق فِي الصَّدْر قواد الْملك قيام بَين عَيْني الْفُؤَاد وَالْعقل شعاعه يشرق بَين عَيْني الْفُؤَاد وَيُدبر أَمر الْقلب وَالنَّفس فِي
стр. 73
الْجوف رابضة فِي مَكَان مظانها والهوى بِبَاب النَّفس يتلهب ويتلظى بَين يَدي بَصِيرَة النَّفس فَإِذا خطرت الخاطرة فِي الصَّدْر بَين عَيْني الْفُؤَاد نظر الْعقل فَإِن رَآهَا حَسَنَة وأمرا رشيدا قدر ودبر مَاذَا يُرَاد وَكم يُرَاد وَمَتى يُرَاد وَإِلَى مَتى يُرَاد وَإِن رَآهَا سَيِّئَة وغيا نفاها عَن الصَّدْر فَفِي هَذَا الْوَقْت للنَّفس مُنَازعَة مَعَ الْقلب وللهوى مَعَ الْعقل
فِي هَذِه الخاطرة النَّفس تشْتَهي والهوى يزعج النَّفس ويشجعها والعدو يزين بمنى ويغري فَإِذا جَاءَ مدد الْأَخْلَاق بطلت زِينَة الْعَدو وأمانيه وانكشف غروره وارتد الْهوى قهقرى إِلَى مَعْدن مهنته وَجَاء مدد الْكُنُوز كنوز الْمعرفَة وَمد الْملك يَده إِلَى جَوْهَر الخزانة فانمحقت الخاطرة وأسبابها ومعتملها وجنودها وطليعة الخاطرة النَّفس الْعَدو إِذا كَانَت خاطرة غي وَإِن كَانَ رشدا كَانَت طليعته الخاطرة الْحق فعز هَذَا الْملك ومنعته وقوام مَمْلَكَته بِهَذِهِ الْكُنُوز والقواد وَكَذَلِكَ عز الْقلب ومنعته بكنوز الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وجواهر الْعلم بِاللَّه تَعَالَى وبهذه الْأَخْلَاق الَّتِي أحدقت بِالْقَلْبِ بَين عَيْني الْفُؤَاد
стр. 74
أصُول الْأَخْلَاق
فالأخلاق أُصُولهَا فِي الطَّبْع ومادتها من الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه تَعَالَى ومعتملها فِي الصَّدْر
فالموحدون هَذِه صفتهمْ وَالْكفَّار أَخْلَاقهم أُصُولهَا فِي الطَّبْع ومعتملها فِي الصَّدْر ومادتها فِي الْفَرح بمدح النَّاس وَطلب الْعُلُوّ والشرف وَالذكر قَالَ الله تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾
فالمؤمنون تخلقوا بِخلق الله تَعَالَى وتواضعوا بِهِ لله تَعَالَى وَأَرَادُوا بِهِ وَجه الله وتقربوا بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وتحببوا بِهِ إِلَى الله
وَالْكفَّار تخلقوا بذلك الْخلق فتكبروا على الله تَعَالَى فجاوزوا بهَا الْحُدُود وَلم يضعوها موَاضعهَا بِحقِّهِ وتقربوا إِلَى الْخلق وتحببوا بِهِ أهل العلائق وتصنعوا بِهِ وَاتَّخذُوا جاها
والأخلاق لَهَا سُلْطَان فَإِذا وجد الْخلق تفسحا ساح فِي فسحته فجاوز الْحُدُود فِي أُمُوره فَصَارَ مُسْرِفًا مضيعا للحق وَقد اسْتمرّ بِهِ الْهوى وَالنَّفس
وَالْمُؤمن يتخلق بذلك الْخلق فَإِذا تفسح الْخلق عقله الْعقل
стр. 75
عَن الْمُجَاوزَة وَمنعه عَن التَّعَدِّي وَلِهَذَا سمي عقلا لِأَنَّهُ عقله عَن الْجَهْل ورده إِلَى الْعلم الَّذِي علمه الله تَعَالَى وَكَانَ الله تَعَالَى أعلم بذلك الْأَمر كم يُرَاد وَإِلَى مَتى يُرَاد وَبِأَيِّ مِقْدَار وَإِلَى مَتى فَوكل بِهِ الْعقل حَتَّى يهديه لذَلِك
أَلا ترى إِلَى قَول الله حَيْثُ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ كم تنْفق من هَذَا المَال الَّذِي حث الله تَعَالَى على إِنْفَاقه وَعظم فِيهِ الثَّوَاب فَنزلت قَول الله تَعَالَى ﴿ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو﴾
وَالْعَفو هُوَ الْفضل أَي مَا فضل من نَفسك وَعِيَالك الَّذين تعولهم
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (ابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى)
وَقَالَ رجل يَا رَسُول الله ﷺ عِنْدِي دِينَار مَا أصنع بِهِ قَالَ (أنفقهُ على نَفسك) قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ (أنفقهُ على عِيَالك ووالدتك) قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ (أنفقهُ فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَذَلِكَ أدناهن)
فَمن تخلق بالسخاوة فاستمر بِهِ طبعه وأعلنته نَفسه
стр. 76
وَملك بِهِ هَوَاهُ وزين لَهُ عدوه وَذهب فأنفق على أباعده وَترك أَقَاربه وعال من لم تلْزمهُ عيالته وضيع عِيَاله فَهَذَا فعل من أَرَادَ بذلك الْخلق علوا فِي الأَرْض وتصنعا عِنْد الْخلق
فالعقل يكْشف عَن هَذَا الْغَيْب وَمَا هُوَ أدق من هَذَا
الأسخياء والأجواد
روى سُلَيْمَان بن الْحَارِث الْبَصْرِيّ عَن أبي هِلَال الرَّاسِبِي عَن حميد بن هِلَال قَالَ تفاخر رجلَانِ رجل من بني هَاشم وَرجل من بني أُميَّة فَقَالَ هَذَا قومِي أسخى من قَوْمك وَقَالَ ذَاك بل قومِي أسخى من قَوْمك فَقَالَ سل فِي قَوْمك وأسأل فِي قومِي فَافْتَرقَا على ذَلِك فَسَأَلَ الْأمَوِي عشرَة من قومه فَأَعْطوهُ عشرَة آلَاف وَجَاء الْهَاشِمِي إِلَى عبد الله بن عَبَّاس ﵄ فَسَأَلَهُ فَأعْطَاهُ مائَة ألف ثمَّ أَتَى الْحسن بن عَليّ ﵄ فَسَأَلَهُ فَقَالَ هَل أتيت أحدا قبلي قَالَ نعم عبد الله بن عَبَّاس ﵄ ٥٤ وَأَعْطَانِي مائَة ألف فَأعْطَاهُ الْحسن ﵁ مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا ثمَّ أَتَى الْحُسَيْن ﵁ فَسَأَلَهُ فَقَالَ هَل أتيت أحدا قبلي قَالَ أَخَاك الْحسن بن عَليّ ﵄ فَأَعْطَانِي مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا فَقَالَ لَو أتيتني قبل أَن تَأتيه لأعطيتك اكثر من ذَلِك وَلَكِن لم أكن لأزيد على سَيِّدي فَأعْطَاهُ مائَة ألف وَثَلَاثِينَ ألفا
стр. 77
فَهَذِهِ سخاوة مستمرة فِي الطَّبْع وَالنَّفس قد منعهَا الْعقل فزين هَذَا الْعقل من الْحُسَيْن بن عَليّ ﵃
فالكفار كَانُوا يتفاخرون ويباهي أحدهم صَاحبه بالأخلاق وأفعاله ويماري حَتَّى يتعادوا من أَجله
مَكَارِم الْأَخْلَاق
وَرُوِيَ عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ لما أَتَانَا سَبَايَا طَيء تَكَلَّمت فِيهِ جَارِيَة جميلَة نسيت جمَالهَا لما رَأَيْت من فصاحتها فَقَالَت يَا مُحَمَّد إِن رَأَيْت أَن تخلي عني وَلَا تشمت بِي أَحيَاء الْعَرَب فَإِنِّي ابْنة سرة قومِي كَانَ أبي يفك العاني ويحمي الذمار ويقري الضَّيْف ويشبع الجائع ويفرج عَن المكروب وَيطْعم الطَّعَام ويفشي السَّلَام وَلم يرد طَالب حَاجَة قطّ وَأَنا ابْنة حَاتِم الطَّائِي
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا جَارِيَة هَذِه صفة الْمُؤمن حَقًا لَو كَانَ أَبوك إسلاميا لترحمنا عَلَيْهِ خلوا عَنْهَا فَإِن أَبَاهَا كَانَ يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق وَالله يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق)
стр. 78
فَقَامَ أَبُو بردة ﵁ فَقَالَ يَا رَسُول الله الله يحب مَكَارِم الْأَخْلَاق فَقَالَ (يَا أَبَا بردة لَا يدْخل الْجنَّة أحد إِلَّا بِحسن الْخلق)
حَدثنَا الْجَارُود أخبرنَا يزِيد بن هَارُون عَن المَسْعُودِيّ عَن الْقَاسِم قَالَ قَالَ عبد الله تَجِد الرجل فظا فَإِذا بحثته وجدت سَرِيرَته الْإِيمَان وتجده حُلْو الْخَلَائق فَإِذا بحثته لم تَجِد فِيهِ من الْإِيمَان شَيْئا وَمن شَاءَ الله جمع لَهُ حلاوة الدّين وحلاوة الْخلق
الفظاظة ضد الْكَرم
والفظاظة ضد الْكَرم فَمن كَانَت لَهُ فظاظة غلظ قلبه وَالْكَرم لين الْقلب وانقياده بِمَنْزِلَة شجر الْكَرم أَيْنَمَا قدته انْقَادَ وَلذَلِك سمي جنَّة الْعِنَب كرما
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ (أَنه قَالَ لَا تَقولُوا للعنب كرما إِنَّمَا الْكَرم قلب الْمُؤمن) وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَان وَرطب بِالرَّحْمَةِ الَّتِي حلت بِهِ من الله
стр. 79
تَعَالَى وانقاد لعبوديته وَالْكَافِر كز قاسي الْقلب يَابِس كالصخر لِأَن رَحْمَة الله لم تنله فيبسته حرارة النَّفس وشهواتها وَقواهُ التجبر وَالْكبر فيبس وكز فَإِن كَانَ فِيهِ بعض هَذِه الْأَخْلَاق المحمودة فاستعملها فبجوهريته اسْتعْمل لَا بِمَعْرِِفَة الله تَعَالَى فيجاوز الْحُدُود حَتَّى أفرط وضيع وشان مَا حسن مِنْهُ
مثل من يسبح بتسبيح غَيره
وَمثل من يسبح بتسبيح غَيره مثل رجل عجز أَن يهدي إِلَى الْملك عل قدر ملكه وغناه فأهدى إِلَيْهِ من طاقته ومقدرته ثمَّ قَالَ لَهُ أهديت هَذَا من ذَات يَدي وَأهْديت إِلَيْك بقلبي هَدِيَّة مثلك فَعلم الْملك أَنه صَادِق فِي مقَالَته فاحتسبها مِنْهُ على قدره وَجعل ثَوَابه على ذَلِك
فَكَذَلِك العَبْد فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى إِذا أثنى عَلَيْهِ فَإِنَّمَا يثني بمبلغ علم ثمَّ علمه العَبْد أَنه عَاجز عَمَّا وَرَاء ذَلِك من الثَّنَاء إِذْ هُوَ فَوق مَا أثنى فَيَقُول لَك الْحَمد كَمَا حمدت نَفسك وَأَنت كَمَا أثنيت وَلَك التَّسْبِيح كَمَا سبحت بِهِ نَفسك وَلَك الْحَمد زنة عرشك ومداد كلماتك ورضا نَفسك فَهَذِهِ المعجزة عَن بُلُوغ هَذِه
стр. 80
الْأَشْيَاء فَجعل مقَالَته بِالْقَلْبِ كتلك الْأَشْيَاء الَّتِي ذكرت وَلَا يقدر بِلِسَانِهِ أَن يعبر إِلَّا بمبلغ علمه فَرُبمَا يقبل مِنْهُ كَهَيئَةِ مَا أحَال عَلَيْهِ من حَمده وثنائه عَلَيْهِ وكما أحب وَرَضي لنَفسِهِ وَإِنَّمَا أَمر العَبْد بالثناء لعظمته ثمَّ يسْأَل الْحَاجة فَإِذا سَأَلَ الْحَاجة من قبل أَن يثني فَكَأَنَّهُ لم يعظم الرب وَلم يؤد حق العظمة
وَلَو أَن ملكا من مُلُوك الدُّنْيَا رفع الْحجاب فِيمَا بَيْنك وَبَينه وَسَهل ذَلِك السَّبِيل إِلَى نَفسه وَرفعت الْحَوَائِج إِلَيْهِ لَكَانَ قد عظم رتبتك ومنزلتك فَكيف بِرَبّ الْعَالمين تَعَالَى أفليس يجب عَلَيْك من ذَلِك الشُّكْر وَأول الشُّكْر أَن تعظمه بِاللِّسَانِ وَالْقلب ثمَّ من بعد ذَلِك رفع الْحجاب
مثل النَّفس مثل الكرش
مثل النَّفس مثل الكرش الَّذِي فِيهِ مستنقع الْبَوْل فِي المثانة إِذا دلكته بِالْأَرْضِ حَتَّى يرق ثمَّ نفخت فِيهِ حَتَّى يمتلئ من الرّيح ثمَّ ألقيت فِيهِ الزئبق فَإِذا أَصَابَته حرارة طَار ذَلِك الزئبق على وَجه الأَرْض دبيبا فَإِذا ألقيت فِيهِ مَعَ الزئبق رصاصة أمسكته فَكَذَلِك الشَّهَوَات فِي النَّفس كالزئبق فِي تِلْكَ الْجلْدَة الممتلئة ريحًا هفافة فَإِذا ثقلهَا الْإِيمَان على الْقلب سكنت النَّفس عَن الطياشة لِأَن الْإِيمَان بِالرَّحْمَةِ ناله العَبْد وَبرد الرَّحْمَة يُطْفِئ نَار الشَّهْوَة وإثقال العظمة
стр. 81
يسكن طياشة النَّفس كثقل الرصاصة سكن تِلْكَ الْجلْدَة وألزقها بِالْأَرْضِ
مثل التَّسْبِيح وَالثنَاء وَالْقُرْآن مَعَ التَّقْوَى
مثل التَّسْبِيح وَالثنَاء وَالْقُرْآن مَعَ التَّقْوَى كَمثل عروس زينت للعرض على الزَّوْج على رُؤُوس الْجمع فَمن شَأْنهَا أَن تقلم أظفارها وتنقي شعرهَا وصدرها وعنقها ويديها وقدميها من الأوساخ والأدران ثمَّ تتحلى بالحلي وتلبس ألوان الثِّيَاب زِينَة لَهَا فَإِن لم تفعل ذَلِك وَتركت هَذِه الْأَظْفَار والدرن والأوساخ على جَسدهَا وحليت بالحلي وزينت بالثياب كَانَ ذَلِك كاللعب وينسب ذَلِك إِلَى فعل الْجُنُون والعتاهة فَكَذَلِك الَّذِي يتدنس بِالْمَعَاصِي ويتوسخ بالبطالات ويتزين لرَبه بالثناء وَالتَّسْبِيح وَقِرَاءَة الْقُرْآن
أَلا ترى إِلَى قَول الله ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّل الله من الْمُتَّقِينَ﴾ فالصادق والحاذق فِي أمره بَدَأَ فَتطهر وأنقى الدَّرن وأوساخ الْمعاصِي والفضول ثمَّ تحلى بالحلي وتزين بالحلل
стр. 82
فَذَلِك فعل لبق فَهُوَ حاذق فِي فعله وَإِنَّمَا وكل الْآدَمِيّ فِي أَمر دينه برمي الفضول فَأمر بِنَفْي الشّرك بقوله لَا إِلَه إِلَّا الله وَأمر باجتناب الْمَحَارِم الظُّلم والعدوان وَالسَّرِقَة وَالزِّنَا وَالْخمر وَالْكذب والغيبة وَسَائِر الآثام فَهَذَا كُله فضول ثمَّ أَمر بالفرائض ثمَّ السّنَن ليتحلى بهَا ثمَّ بالتطوع ليتزين بِهِ فَإِذا لم يرم بالفضول وَقصد قصد الزِّينَة فَهُوَ مستهزئ بربه يسخر بِنَفسِهِ
مثل قلب يتَرَدَّد فِيهِ الذّكر
مثل قلب يتَرَدَّد فِيهِ الذّكر مثل عين لَهَا نبعان وفيهَا سمك صغَار فَكلما توحل كثر تردد السّمك فَكَانَت ينابيع ٥٥ مَاء تِلْكَ الْعين أنقى وماؤها أسلس وَإِذا قل السّمك انسدت المنابع لما يجْتَمع هُنَاكَ من الطين لِأَن مَاء الْعين وَإِن كَانَ صافيا فَلَنْ يَخْلُو عَن غُبَار عِنْد هبوب الرِّيَاح وَلنْ يَخْلُو من ممازجة الأَرْض فَإِذا انسدت تِلْكَ المنابع لم ينز المَاء وَلم يسل فَكَذَلِك الْقلب تنسد منابع الْحِكْمَة مِنْهُ لما يجْتَمع هُنَاكَ من كدورة النَّفس وسلطان الْهوى وغباره فَإِنَّهُ لكل سُلْطَان جَيش وعسكر فَإِذا سَار الْجَيْش هاج الْغُبَار فالهواء إِذا أقبل قبل النَّفس أثار الشَّهَوَات فَوَقع فِي النَّفس هبوب ريَاح الشَّهَوَات فَصَارَ هُنَاكَ غُبَار ودخان وغيم على قدر كل
стр. 83
شَهْوَة فَرب شَهْوَة لَهَا غيم وَرب شَهْوَة لَهَا غُبَار وَرب شَهْوَة لَهَا دُخان فَإِذا جَاءَت هَذِه الرِّيَاح بغبارها وغيومها ودخانها انسدت ينابيع حِكْمَة الْقلب لِأَن الْحِكْمَة منبعها من الصدْق الَّذِي هُوَ صدق الصدْق فَالَّذِي يظْهر من الْعباد من بَاطِن إِلَى ظَاهر هُوَ الصدْق وَصدق الصدْق هُوَ من بَاطِن إِلَى بَاطِن إِنَّمَا يظْهر من بَاطِن الْقلب إِلَى ظَاهر الصَّدْر حَتَّى تبصره بصائر النَّفس فَمن ذَلِك الصدْق تبدو الْحِكْمَة الْعليا
الْحِكْمَة الْعليا
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا الْحِكْمَة الْعليا قَالَ تِلْكَ حِكْمَة الْحِكْمَة وَلكُل علم حِكْمَة فَكَمَا أَن الْعلم علمَان فَكَذَلِك الْحِكْمَة حكمتان فَإِنَّمَا صَار الْعلم علمين لِأَن علم الصِّفَات غير علم التَّدْبِير وَلكُل علم حِكْمَة فحكمة علم الصِّفَات علم الْقُدْرَة وَحِكْمَة علم التَّدْبِير علم ملك الْملك وَعلم الربوبية فَقلب الْمُؤمن خزانَة الله فِيهَا كنوز والكنز على خطر الْغَارة
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا هَذَا وَمَا الْكُنُوز
الْكُنُوز
قَالَ إِن الله تَعَالَى أعْطى الْمُوَحِّدين مَعْرفَته حَتَّى وجدوه وعرفوه فالمعرفة كصرة فِيهَا ألوان جَوَاهِر ثمينة من الدّرّ والياقوت والزبرجد كل جَوْهَرَة ثمنهَا ملْء الدُّنْيَا ذَهَبا وَفِضة فَهَذِهِ الْأَشْيَاء كلهَا
стр. 84
فِي صرة فَمن تنَاولهَا فَقيل لَهُ هَذِه لَك فكم ترى ثمنهَا قَالَ مائَة دِرْهَم فَإِذا فتحهَا فأبصرها ازْدَادَ بهَا بصرا وَذَلِكَ بصر الْعين قيل لَهُ كم ترى ثمنهَا قَالَ ألف فَلَمَّا أبْصر بصر الْعلم بجوهر تِلْكَ الْجَوَاهِر عجز عَن الْإِحَاطَة بِعلم ثمنهَا وَقَالَ كل وَاحِد خير من ملْء الدُّنْيَا ذَهَبا وَفِضة فَعِنْدَ ذَلِك أشْفق على الصرة كل الإشفاق فِي إحرازها وحراستها وحفظها وَإِقَامَة الموكلين بحفظها وَعِنْدهَا ظهر غناهُ بِقَلْبِه بِتِلْكَ الْأَشْيَاء وَمِنْهَا ظهر غنى جسده بشارته وهيئته ومطعمه ومشربه وملبسه ومركبه
فالمعرفة متضمنة لأسماء الله تَعَالَى وَعلم صِفَات الْقُدْرَة فَكل شُعْبَة من ذَلِك الْعلم تملأ مَا بَين الْعَرْش إِلَى الثرى وَيزِيد ويفضل وكل اسْم للْعَبد بِهِ مُتَعَلق وَله إِلَيْهِ مُسْتَند وَعَلِيهِ مُعْتَمد ووسيلة يتوسل بهَا إِلَى ربه وكل اسْم لَهُ شَفِيع إِلَى ربه فَهَذِهِ صرة مكنونة تملأ الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وتملأ الملكوت فَوق الْعَرْش نَالَ الموحدون هَذَا من جود الله وعظيم رأفته وواسع رَحمته
حب الله تَعَالَى
وَرَأس هَذَا الْجَوْهَر حب الله تَعَالَى والفرح بِهِ فَإِن الله تَعَالَى لم يُعْطه ذَلِك حَتَّى أحبه وَفَرح بِهِ فابتدأ خلقته من بَاب الْفَرح بِهِ فَمن لَقِي الله قبل أَن يفتح هَذِه الصرة وَلم ينْكَشف لَهُ الغطاء لقِيه
стр. 85
على غَفلَة عَظِيمَة وكفران نعْمَة وضياع شكر وتهافت فِي الذُّنُوب فَعظم حياؤه وَاشْتَدَّ خَوفه واستقبلته أهوال الْقِيَامَة وعسرة الْحساب
وَمن انفتحت صرته وكشف لَهُ الغطاء لَقِي الله على بَصِيرَة شاكرا مُؤمنا موقنا باذلا نَفسه قد وفى بالعهد وأتى بِالْإِسْلَامِ وحقائقه فَقرب وأدني وأومن
فَمَعَ كل وَاحِد صرة تَوْحِيد قد عقد عَلَيْهَا حَيَاة قلبه فَإِن أصل الْحَيَاة فِي الْقلب والذهن مقرون بِالْحَيَاةِ فقد عقد بحرارة حَيَاته وحدة ذهنه على الصرة وَهِي الْمعرفَة وَحب الله تَعَالَى فِيهَا مَكْنُون وَكتاب رب الْعَالمين فِيهَا مَكْتُوب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان﴾
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا ذَلِك الْكتاب
قَالَ إِنَّه لما وَقعت جبايته فِي البدو يَوْم الْمَقَادِير على تِلْكَ الْقُلُوب قبض عَلَيْهَا وَقَالَ أَنْتُم لي فَصَارَت هَذِه الْمقَالة فِي القبضة كِتَابه فاطمأنوا إِلَيْهِ وآمنوا بِهِ وتعلقوا بِهِ فَذَلِك إِيمَانهم صَار هُنَاكَ مَكْتُوبًا يَوْمئِذٍ فَلَمَّا أخرجهم من بطُون الْأُمَّهَات إِلَى الدُّنْيَا أشرق فِي الْقُلُوب مِنْهُم نور الْمعرفَة من الْحبّ والرأفة وَالرَّحْمَة وَالْحيَاء
стр. 86
وَعلم الصِّفَات وَعلم الْأَسْمَاء فَهِيَ مَكْتُوبَة لَا يكَاد صَاحبهَا يُمَيّز وَلَا يعبر عَنْهَا فَإِذا عقل وَاسْتعْمل عقله وتبحر ظَهرت الْأَنْوَار فِي الصَّدْر وانكشف الغطاء وحيي الْقلب وَعمل بذكاوة الْحيَاء فجددته وَعمل بحلاوة الْحبّ فَأخذ بِمَجَامِع قلبه وسبته حَتَّى صَار أَسِير الْحبّ وعملت أثقال الرأفة فضغطت الْقلب وعصرته وعملت أمطار الرَّحْمَة فلينت الْقلب وسكنت شعوثته واغتراره وعملت أَنَفَة الْحيَاء فقبضته وفترته وَعمل الْجُود فِيهِ فوسعه وَأعْتقهُ من رق النَّفس
فَهَذِهِ معرفَة قد انكشفت الصرة عَمَّا فِيهَا من هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي وصفتها فاستقام الْقلب بِمَا أبْصر فُؤَاده فِي هَذَا الصَّدْر من هَذِه الْأَسْمَاء فَاسْتعْمل بِالْمَعْرُوفِ الْمَوْصُوف فلهَا عَن كل شَيْء سواهُ فَأَحبهُ صدقا وخافه صدقا ورجاه صدقا واستحيا مِنْهُ صدقا ورعى حُقُوقه من تِلْكَ الرأفة صدقا فَمَا ظَنك بِهِ مَاذَا يظْهر على جوارحه من الْأَعْمَال السّنيَّة
تَغْطِيَة الشَّهَوَات
وَآخر وضعت فِيهِ هَذِه الْمعرفَة فَجَاءَت الشَّهَوَات فغطتها وَلم يسْتَعْمل صَاحبهَا الْعقل وَلم يتبحر فِي ذَلِك فَاسْتعْمل الشَّهَوَات
стр. 87
فتراكمت على صَدره غيومها وغبارها ودخانها فَكل شَهْوَة استعملها من حلهَا وللنفس نصيب الإكباب صَارَت غيوما وكل شَهْوَة استعملها من حلهَا وللنفس فِيهَا نصيب الْغَفْلَة فَاسْتعْمل الْقلب ذَلِك فِي غَفلَة عَن الله صَار غبارا فِي الصَّدْر وكل شَهْوَة استعملها بحرص وهلع وتخليط صَار دخانا وكل شَهْوَة استعملها من غير حلهَا صَارَت ظلمَة كالليل فَبَقيت هَذِه الْمعرفَة فِي الْقلب والصدر متراكمة هَذِه الْأَشْيَاء فِيهِ وَلم تَجِد الْمعرفَة مساغا إِلَى أَن تشرق بِمَا فِيهَا من بَاب الْقلب إِلَى الصَّدْر حَتَّى تبصر عين الْفُؤَاد ذَلِك فتقوى وتستقيم وتستمر فِي الْعُبُودِيَّة فَصَارَ الْقلب بكنوزه كالمسجون الذَّلِيل وَصَاحبه ٥٦ فَقير محزون لِأَن غناهُ بحطام الدُّنْيَا وحزنه بِمَا يفوت من الدُّنْيَا فَلَا يَنَالهُ ويحرص ويكد ويتعب فَلَا يدْرك مناه والعدو مِنْهُ بِمَرْصَد ينْتَظر مَتى يجد فرْصَة الإغارة على هَذَا الْكَنْز
أَصْحَاب هَذِه الصّفة صنفان
فأصحاب هَذِه الصّفة صنفين فَمنهمْ من أحَاط بِقَلْبِه عَسْكَر أَعمال الْبر فَهُوَ يعْمل دَائِما أَعمال الْبر وَهُوَ فِي خلال ذَلِك يرائي بِعَمَلِهِ ويتصنع بشمائله ويستلذ بخلائقه ويباهي فِي أُمُور الله يزل مرّة وَيثبت أُخْرَى ترَاهُ مرّة مُسْتَقِيمًا وَمرَّة مترديا
стр. 88
فِي آبار الْمعاصِي واسْمه فِي المستورين القرائين المعدلين عِنْد الْخلق فِي الظَّاهِر فَهَذَا الْعَسْكَر الْمُحِيط بِقَلْبِه لَهُ عِنْد الله قدر يستجلب مِنْهُ الرَّحْمَة لصَاحبه حَتَّى لَا يَنْقَطِع حبله فعامل عسكره التَّعَبُّد وعامل عسكره التزهد وعامل عسكره التورع فقد صَارُوا أصنافا من هَذَا الصِّنْف الْوَاحِد وَكلهمْ يرجعُونَ إِلَى تحري الصدْق وهم فِي غطاء وغفلة عَظِيمَة عَن الله تَعَالَى فقد حرمُوا حلاوة التَّوْحِيد ولذاذة الْمعرفَة ونزاهة علم الْمعرفَة إِنَّمَا يذوقون حلاوة أَعْمَالهم من التَّعَبُّد والتزهد والتورع فَإِذا وجدوا تِلْكَ الْحَلَاوَة حسبوا أَن هَذِه الْحَلَاوَة وَالْعِبَادَة والزهد والورع إِنَّمَا هِيَ حلاوة أَعْمَالهم تلتذ نُفُوسهم بهَا وتبطر وتأشر وتفرح بهَا وتطمئن إِلَيْهَا وتتكل عَلَيْهَا فَإِن لم يتداركهم الله برحمته ويحفظ ذَلِك عَلَيْهِم ضَربهمْ الْعجب وَكبر النَّفس بالغطسة فرضت رؤوسهم رضَا وصاروا كمن يضْرب اللَّبن فِي المَاء إِذا نصبوا للسؤال يَوْم الْموقف وَقبُول صدقهم بشكرهم
وَمن تراخت بِهِ نَفسه عَن الصدْق وخدعته نَفسه بأمانيها فنالت بِهِ التودع إِلَى راحات الدُّنْيَا ولذاتها ونزهتها فاستعملت الشَّهَوَات وتوسعت فِيهَا أبْصر الْعَدو من مرصده ذَلِك مِنْهُ فَعظم
стр. 89
طمعه فِيهِ واستعد لَهُ بأسلحته فهيج مِنْهُ الْكبر والكبرياء وأثار الشَّهَوَات مِنْهُ حَتَّى اشتعل حريقها وحرها وأشخص آماله واستعد للحيلة عَلَيْهِ بِنَفسِهِ فَإِذا وجد صَدره مشحونا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي هِيَ أسلحته وَتلك جنود الْهوى حمل حَملَة وَاحِدَة فَلَمَّا رَأَتْ الْجنُود الَّتِي فِي صَدره أَن سيدهم قد أقبل ثَارُوا من معادنهم وَاصْطَفُّوا بَين يَدَيْهِ فِي صدر العبيد وتداعت منَازِل الشَّهَوَات بَعْضهَا بَعْضًا فَإِذا رأى الْقلب حَملَة الْعَدو وسلطان تِلْكَ الْجنُود وعَلى مقدمته جَيش الْهوى انهزم وتخلى عَن الْبَاب فَوَقَعت الْغَارة فِي الْكُنُوز كنوز الْمعرفَة حَتَّى تركت الْقلب خَالِيا من الْكُنُوز وَبقيت الْمعرفَة خَالِيَة كمعلقة بأدق من الشعرة فَبَقيَ الْقلب متحيرا يتذبذب وَقد افْتقدَ الْعلم وَالْحيَاء والخشية وَالْخَوْف وَالْحب وَجَاء الْهوى وشهوات النَّفس فسكنوا الْقلب وَأَحَاطُوا بالمعرفة فدقت قُوَّة الْمعرفَة حَتَّى تورده النَّار مَعَه فَذَهَبت قُوَّة الْمعرفَة وَصَارَت كالمعلقة بشعرة وَصَارَ الصَّدْر مملكة الْهوى وَرجع الْعَدو فَظهر على الْجَوَارِح من الْحِرْص جمع الدُّنْيَا وَمن الْكبر إبِْطَال الْحُقُوق وظلم الْعباد وَمن الشَّهَوَات رفض الْعُبُودِيَّة ونبذ الْعَهْد وَنقض الْمِيثَاق وَجَاءَت أَعمال الْفسق والفجور وخبث السريرة وَحسن الْعَلَانِيَة والنفاق وسكر الْعقل وَولَايَة الْهوى وإمرته وانكمن الْعقل وانسد الْفَهم
стр. 90
وحمق الذِّهْن وانطبق الْحِفْظ واندفن الْعلم وذابت الْمعرفَة وفاض جهلا وامتلأ كذبا وخيانة وَذهب الْوَفَاء وطارت الْأَمَانَة وَظهر الاستبداد وعلاه الْكبر وأحاط بِهِ التجبر وامتلأت الأَرْض وَالسَّمَاء فضائح وقبائح وَهُوَ فِي حلم الله والعدو بِمَرْصَد ينْتَظر حَتَّى يحل بِهِ سخط الله تَعَالَى فَيحمل حمله بِكفْر فيورده حَتَّى يَمْتَد ويضبط فَإِذا حل بِهِ السخط رفعت الْمعرفَة وَانْقطع الْحَبل وسباه الْعَدو وصير إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ
مثل الْمعرفَة مثل قطب الرحا
مثل الْمعرفَة مثل قطب الرحا فالرحا تَدور بِالْمَاءِ والقطب على حسب قُوَّة المَاء وكثرته وانحداره من مصبه يَدُور القطب بالرحا وَقُوَّة القطب فِي عَمُود من أَسْفَله إِلَى أَعْلَاهُ وَقُوَّة العمود فِي أَجْنِحَة فَإِذا انحدر المَاء دفع الأجنحة فأدارها فدار القطب فأدار الرحا فَكَذَلِك الْقلب فالقلب رَحا وقطبه الْعلم والمعرفة هُوَ المَاء المنصب فِي حدوره فَإِذا لم يكن للمعرفة أجنجة لم يَنْفَعهُ المَاء وَلَا القطب
стр. 91
فالعلم هُوَ حمله والمعرفة ذَوَات شعب فَمن عرف الله فلمعرفته شعب فعلامة الشّعب أَن يقوم بِتِلْكَ الشّعب فَهَذِهِ قطبه قد استقامت شعبه فَاسْتَدَارَ وَإِذا كَانَ القطب قد انتثرت أجنحته جرى المَاء على عَمُود فَلم يغن شَيْئا وَلم يدر القطب وَلَا الرحا فَذَهَبت منفعَته فعلى قدر مَا تناثر من أَجْنِحَة القطب ذهبت قُوَّة الرحا فَمَا أغنت عَنهُ كَثْرَة المَاء
كَذَلِك الْعلم هُوَ على الْقلب حمله والمعرفة ذَات شعب فَتلك الشّعب تهيج الشعبة اسْتِعْمَالهَا حَتَّى يقوى الْقلب ويدور برحاه حَتَّى يخرج مِنْهُ الْأَعْمَال الطاهرة النقية فَيَرْمِي بهَا إِلَى الْجَوَارِح فَذَلِك الدَّقِيق
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا تِلْكَ الشّعب
قَالَ الْخَوْف والخشية وَالْحب وَالْحيَاء والفرح والهيبة والأنس والوداد وَالرَّغْبَة والرهبة وَالتَّقوى فَهَذِهِ كلهَا شعب الْمعرفَة كأجنحة القطب للرحا فَإِذا حييّ الْقلب بِاللَّه صَار عَالما بِاللَّه فَإِذا رَأَتْ تِلْكَ الْحَيَاة شعب الْمعرفَة وأهاجت مِنْك الْخَوْف والخشية وَالْحب وَالْحيَاء والفرح والوداد والهيبة والأنس وَالرَّغْبَة والرهبة وَالتَّقوى وَيظْهر فِي الْجَوَارِح صدق مَا هاج مِنْك فِي الْبَاطِن من أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم وَالْقِيَام بِحُقُوق الله تَعَالَى دق أَو جلّ والصفاء فِي الصدْق وَالْإِخْلَاص فِي هَذِه الْأُمُور الَّتِي ظَهرت على الْجَوَارِح فبقدر مَا افتقدت من هَذِه
стр. 92
الشّعب تفتقد الْقُوَّة من نَفسك فِي هيجان هَذِه الْأَشْيَاء فِي باطنك وَيظْهر النَّقْص فِي ظَاهر أعمالك من الْقيام بأَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم وَإِقَامَة الْحُقُوق والصفاء وَالْإِخْلَاص والصدق فِي الْأُمُور كَمَا كَانَ فَكلما تناثر من أَجْنِحَة القطب لم تغن لَهُ كَثْرَة المَاء وَقُوَّة انحداره فِي مصبه شَيْئا
فَصَاحب الرحا قَائِم على الرحا يحفظ أَجْنِحَة القطب هَل تناثر مِنْهَا شَيْء وَكلما تناثر مِنْهَا شَيْء وَبَطلَت زِيَادَة المَاء ذهب قُوَّة هيجان الأجنحة
مثل من اسْتعْمل عقله وذهنه فِي أُمُور الدُّنْيَا
مثل من اسْتعْمل عقله وَعلمه وذهنه وكياسته وروحه فِي أُمُور الدُّنْيَا لغير الله كَمثل حمَار تنقل عَلَيْهِ سرقينا من الْمَزَابِل فَمَا زلت تكده فِي ذَلِك الْعَمَل حَتَّى إِذا كَانَ فِي آخر النَّهَار حولت عَلَيْهِ سرجا وابتغيت مِنْهُ هملجة وسيرا فَكيف تجدها مِنْهُ وَقد ذهب الكدود وَالْعَمَل بكثافة قوته وحدة مقاصده ونال الفتور مِنْهُ كل شَيْء
стр. 93
فَكَذَلِك هَذَا الْعلم وَالْعقل والذهن والكياسة والفهم والفطنة وَالروح لكل حد وسلطان وَقُوَّة تعْمل فِي هَذَا الْجَسَد فَإِذا استعملهم فِي أُمُور الدُّنْيَا الَّتِي لَا تصعد إِلَى الله تَعَالَى من بَاب السَّمَاء انفتر مِنْهُ كل شَيْء على حِدته وَذَهَبت قوته وَظهر الْعَجز
مثل الَّذِي يخْتَلف إِلَى مجَالِس الْعلم
مثل الَّذِي يخْتَلف إِلَى مجَالِس أهل الْعلم كَمثل رجل دخل السُّوق وَلَا يدْرِي مَا يَشْتَرِي فَمَا استقبله من شَيْء رجا فِيهِ الرِّبْح اشْترى فكم من شَيْء اشْتَرَاهُ فخسر عَلَيْهِ وَلم ينل أمله
وَآخر دخل السُّوق يَشْتَرِي مَنَافِعه فَقيل لَهُ مَا تُرِيدُ قَالَ مَتَاعا فَقيل لَهُ أَي مَتَاع تُرِيدُ فَإِن هَا هُنَا ألوان الْأَمْتِعَة من الْقطن والكتان والإبريسم وَهَا هُنَا أَمْتعَة الذَّهَب وَالْفِضَّة والصفر والنحاس وَالْحَدِيد فَلم يدر مَا يَشْتَرِي فَدخل من أَعْلَاهَا وَخرج من أَسْفَلهَا صفر الْيَدَيْنِ
وَآخر دخل السُّوق لحوائجه قد رأى مَا يَشْتَرِي فقصد الْحَوَائِج فَاشْترى فِي الصَّيف مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي الشتَاء وَترك مَا
стр. 94
يحْتَاج إِلَيْهِ فِي يَوْمه وَلَيْلَته فَرجع إِلَى الْمنزل مَعَه حوائج الشتَاء فَبَاتَ جائعا بائسا
وَدخل آخر السُّوق قد لزت بِهِ الْحَاجة وألحت يعْملُونَ الطَّاعَات على طَرِيق الثَّوَاب وَالْعِقَاب
وَمثلهمْ فِي ذَلِك كَالَّذي يَخُوض النَّهر فَمَا جرى بِهِ المَاء فَوَجَدَهُ على ظهر المَاء أَخذه مثل البردي والحطب وأصول الأشاء والقثاء وَلَيْسَ لَهُم غوص وَأهل الانتباه يعْملُونَ الطَّاعَات على طَرِيق الْعُبُودِيَّة عارفين موقنين
مثل الَّذِي يغوص فِي الْبَحْر والأنهار
وَمثلهمْ فِي ذَلِك كَالَّذي يغوص فِي الْبَحْر والأنهار فَيضْرب بِيَدِهِ ضَرْبَة يَقع فِيهَا على جَوْهَرَة لَا يحاط بِثمنِهَا فَأُولَئِك الْأَولونَ يجمعُونَ حركات الْجَوَارِح بِتِلْكَ الطَّاعَة فَلَيْسَ لَهُم من ذَلِك إِلَّا عَمَلهم الظَّاهِر وَعَلِيهِ يثابون الْجنَّة وَهَؤُلَاء المنتبهون يدْخلُونَ فِي الطَّاعَة بحركات الْجَوَارِح وَفِي قُلُوبهم عجائب تعجب لَهُم الْمَلَائِكَة إِذا رفعت تِلْكَ الطَّاعَات وَفِي حشوها تِلْكَ الْأَنْوَار فَأهل الْغَفْلَة حَشْو طاعاتهم التَّوْحِيد وَنور الصدْق وَهَؤُلَاء الْآخرُونَ حَشْو طاعاتهم نور
стр. 95
الْحبّ وَالْحيَاء والشوق والحنين والتضرع والملق والحزن وَالسُّرُور والبهجة وَالشُّكْر وَالذكر الصافي والإقبال والإنابة والخضوع والخشوع وَالتَّسْلِيم والتبري من الْحول وَالْقُوَّة هَؤُلَاءِ غواصون يغوصون فِي كل طَاعَة فِي بحور الْمعرفَة فِي صُدُورهمْ فِي الطَّاعَات من هَذِه الْأَشْيَاء ويستخرجون مِنْهَا الدُّرَر والجواهر لِأَن الْقُلُوب خَزَائِن الله فِيهَا كنوزه فَإِذا طهر العَبْد ساحة الخزانة وَهُوَ الصَّدْر ظَهرت فِي تِلْكَ الساحة من بَاب الخزائن فِي وَقت كل طَاعَة يدْخل فِيهَا لَا تُوصَف من الْجَوَاهِر والدرر
والطاعات ذَوَات صور وكل طَاعَة لَهَا صُورَة وَفِي كل صُورَة يرائي نعمها فيرائي بهَا ربه ويتزين عِنْده بِتِلْكَ الصُّورَة وَمَا فِيهَا من الْجَوَاهِر الَّتِي ذكرنَا
مثل المتعرف إِلَيْك باختلافه إِلَيْك
مثل مَضْرُوب رجل تعرف إِلَيْك باختلافه إِلَيْك وذهابه وجيئته وَعوده على بدئه عرفكه فَحل فِي قَلْبك مَحل المعروفين بِالْوَجْهِ ثمَّ مَعَ هَذَا الِاخْتِلَاف من بعد ذَلِك تعرف إِلَيْك بِالسَّلَامِ عَلَيْك وَالسُّؤَال عَن أحوالك ومهماتك صدقا فتعرف إِلَيْك بالاهتمام فَحل من
стр. 96
قَلْبك مَحل المهتمين لَك المبالين بك وبأمورك ثمَّ أبدى صدق ذَلِك السُّؤَال فعلا حَتَّى شاركك فِي محبوبك ومكروهك ففرح بمفروحك وسر بمسرورك وحزن لمصائبك وتوجع بفجائعك فتعرف إِلَيْك بالإخلاص حَتَّى حل من قَلْبك مَحل المخلصين ثمَّ تخطى من هَذِه الدرجَة إِلَى أَن فدَاك بِنَفسِهِ وَمَاله فبذل عِنْد الشدائد نَفسه وَفِي ذَلِك لَا يُبَالِي مَا ناله فِي نَفسه وَمَاله من النُّقْصَان وَالْمَكْرُوه فِي جَنْبك فأعطاك كُله فَحل من قَلْبك محلا أحببته كل الْحبّ وَصَارَ واحدك من بَين النَّاس وصرت لَهُ وَاحِدًا فأفشيت أسرارك بَين يَدَيْهِ وأطلقت يَده فِي مملكتك وأنفذت أمانيه وَحكمه فِي أمورك فعامل الله بِمَا يعاملك عبد من عبيده بِهَذِهِ الصّفة
مثل الْحبّ من بَين الْأَشْيَاء
مثل الْحبّ بَين الْأَشْيَاء كَمثل شَجَرَة لَهَا قلب وأغصان فالقلب من السَّاق والأغصان فروع الشَّجَرَة مِنْهَا الثَّمَرَة وَلَكِن أصل الثَّمَرَة من الْقلب فالمعرفة هِيَ الشَّجَرَة وَالْحب هُوَ قلب الْمعرفَة وَالْخَوْف والرجاء وَالْحيَاء والخشية وَالرِّضَا والقناعة وَسَائِر الْأَشْيَاء أَغْصَانهَا وَمِنْهَا تتولد الثَّمَرَة وَهِي الطَّاعَات وَإِنَّمَا جاد عَلَيْك رَبك بالمعرفة فَمن بهَا عَلَيْك بعد أَن قسم لَك حظا من مَعْرفَته
стр. 97
محبته وَأخرج إِلَيْك محبته من بَاب الرأفة وَالرَّحْمَة فنلت حظا من الْمحبَّة والرأفة وَالرَّحْمَة حَتَّى ظَفرت بالمعرفة فَلَمَّا عَرفته خفته ورجوته وخشيته ورهبته واطمأننت إِلَيْهِ واعتقدت بقلبك عبوديته وتسليمك نَفسك إِلَيْهِ فِي أَمر وَنَهْيه هَذَا كُله فِي عقدَة الْمعرفَة وَهِي كالأغصان من الشَّجَرَة فَإِنَّمَا أَعْطَيْت الشَّجَرَة بأغصانها وَالثَّمَرَة من بعد ذَلِك كسبك الطَّاعَة
الْحبّ سر الله فِي الْعباد
فالحب سر الله تَعَالَى فِي الْعباد يفتح لَهُم من ذَلِك على أقدارهم بمشيئته بِمَا سبق لَهُم من الأقدار مِنْهُ وَهُوَ قَوْله ﵎ ﴿إِن الَّذين سبقت لَهُم منا الْحسنى أُولَئِكَ عَنْهَا مبعدون لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا وهم فِي مَا اشتهت أنفسهم خَالدُونَ﴾ مبعدون أَي عَن النَّار ثمَّ لَا يسمعُونَ حَسِيسهَا كَأَنَّهُ أجازهم الصِّرَاط وهم لَا يَشْعُرُونَ بهَا
فالحب سر فِي الْإِيمَان وَالْإِيمَان بارز ظَاهر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَن فِيكُم رَسُول الله لَو يطيعكم فِي كثير من الْأَمر لعنتم وَلَكِن الله حبب إِلَيْكُم الْإِيمَان وزينه فِي قُلُوبكُمْ وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان أُولَئِكَ هم الراشدون﴾
стр. 98
فَالله تَعَالَى عرف نَفسه أهل منته بالمنة وخوفهم من عَظمته ورجاهم من كرمه وأخشاهم من ربوبيته فنالوا هَذِه الْأَشْيَاء من الْمعرفَة المشحونة بِهَذِهِ الْأَشْيَاء
وَأما الْحبّ فَإِنَّهُم نالوا حبهم لَهُ من حبه لَهُم
الْفَرح بتوبة العَبْد
كَانَ بَدْء أَمرهم من حبه لَهُم والفرح بهم أَلا ترى إِلَى قَول رَسُول الله ﷺ (لله أفرح بتوبة العَبْد من فَرح رجل أضلّ رَاحِلَته فِي مفازة مهلكة عَلَيْهَا زَاده وحمولته فَهُوَ يضْرب يَمِينا وَشمَالًا فِي طلبَهَا حَتَّى أيس مِنْهَا وأشرف على الهلكة فَقَالَ فِي نَفسه أرجع إِلَى حَيْثُ افتقدته فأموت هُنَاكَ فَرجع فَوجدَ بعيره عَلَيْهِ زَاده وحمولته فَجعل يهْلك من الْفَرح فَيَقُول لله تَعَالَى أَنْت رَبِّي وَأَنا عَبدك ثَلَاثًا) قَالُوا يَا رَسُول الله هَل بِهَذَا فَرحا فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لله أفرح بتوبة العَبْد من هَذَا ببعيره)
فبدء شَأْن الْمُؤمن فَرح الله بِهِ وحبه لَهُ من هَا هُنَا خرج وَظهر
стр. 99
أمره فِي البدء فَهَذَا سر الله فِيمَا بَينه وَبَين عَبده وَضعه فِي بَاطِن مَعْرفَته فَهُوَ يُحِبهُ ويخافه ويرجوه ويخشاه فَهَذَا كُله نظام وَاحِد عِنْد الْعَامَّة وَلَكِن خَاصَّة النَّاس لما اختصهم بِالرَّحْمَةِ الَّتِي اخْتصَّ بهَا الْمُوَحِّدين حَتَّى نالوا توحيده ثمَّ أولج الْخَاصَّة بِبَاب الرَّحْمَة حَتَّى دخلوها فوصلوا إِلَى الرَّحْمَة الْعُظْمَى الَّتِي خرجت مِنْهَا هَذِه الْمِائَة الرَّحْمَة الَّتِي كتبهَا على نَفسه لِعِبَادِهِ وَفِي تِلْكَ الرَّحْمَة حبه فَلَمَّا دخلوها ووصلوا إِلَى تِلْكَ الرَّحْمَة الْعَظِيمَة غرقوا فِيهَا وفيهَا حبه ومشيئته فَفتح لَهُم بَاب الْمَشِيئَة وأنالهم من حبه فَلَمَّا فتح لَهُم بَاب حبه علقت قُلُوبهم وولهت قُلُوبهم عَن كل شَيْء سواهُ وتشبثت النَّفس بِتِلْكَ الْحَلَاوَة الَّتِي نَالَتْ فَعندهَا انْقَطَعت الْأَسْبَاب والعلائق وَتطَهرُوا من أدناسها بوصولهم إِلَى مقامهم فِي الْقرب فَلَمَّا تطهروا تقدسوا بقدس قربَة القدوس فَلَمَّا تقدسوا خلصوا إِلَى فردانيته فانفردوا بِهِ فَعندهَا جَازَ لَهُم أَن يَقُولُوا يَا واحدي فَإِذا قَالَ صدق وَأجِيب وَكَانَ من أهل القبضة
المفردون
أُولَئِكَ الَّذين وَصفهم رَسُول الله ﷺ فِي
стр. 100
قَوْله (سِيرُوا سبق المفردون) قَالُوا يَا رَسُول الله مَا المفردون قَالَ (الَّذين أهتروا فِي ذكر الله يضع الذّكر عَنْهُم أثقالهم فَيَأْتُونَ يَوْم الْقِيَامَة خفافا)
فالخوف أَن تخافه من عَظمته والرجاء أَن ترجوه من رَحمته والخشية أَن تخشاه من مهابته وَالْحب هُوَ أحبك فأعطاك من حبه لَك حَتَّى أحببته فَهَذَا مباين للخوف والرجاء والخشية فِي الأَصْل فالخوف والرجاء والخشية هاج من نَفسك لعظمته وَالْحب مِنْهُ بدا فَوضع فِيك حَتَّى هاج لَهُ حب الرَّجَاء من ذَلِك الْوَضع فِيك وَالَّذِي وضع فِيك من الْحبّ سر منظوم فِي نور الْمعرفَة وَنور التَّوْحِيد وَنور التَّوْحِيد كشيء فِي شَيْء فالمعرفة ظَاهِرَة وَالْحب فِيهَا بَاطِن كلب الشَّيْء وَلذَلِك قُلْنَا إِنَّه من الشَّجَرَة بِمَنْزِلَة قلب الشَّجَرَة فَعظم قُوَّة الشَّجَرَة من قلب الشَّجَرَة فَمن اخْتصَّ من الْعباد فتح عَلَيْهِ بَاب حبه حَتَّى هاج مَا فِي قلبه يسمو إِلَى الَّذِي عِنْد ربه فَلَا يزَال قلبه فِي السّير وَحب الله فِي مزِيد وهيج العَبْد فِي مزِيد حى يصير العَبْد هائما بِهِ فَكَمَا كَانَ هَذَا فِي الأَصْل يسر فحقيق على العَبْد أَن
стр. 101
يسر ذَلِك فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَلَا يبديه حَتَّى يكون ذَلِك مصونا فِيمَا بَينه وَبَينه ويجتهد أَلا يشْتَهر فينسب إِلَى ذَلِك فيقتضى غَدا صدق ذَلِك وحقائقه ووفارته فيستحي من ذَلِك
أَلا ترى إِلَى أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لما ذكرُوا منَّة الله عَلَيْهِم بِالْإِسْلَامِ طابت نُفُوسهم فَقَالُوا إِنَّا لنحب رَبنَا فَلَو علمنَا مَاذَا يحب لأتينا محبوبه فابتلوا بِهَذِهِ الْكَلِمَة فَأنْزل الله ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَيغْفر لكم ذنوبكم وَالله غَفُور رَحِيم﴾
وامتحن دعوتهم لمحبتهم إِيَّاه بقوله ﴿إِن الله يحب الَّذين يُقَاتلُون فِي سَبيله صفا كَأَنَّهُمْ بُنيان مرصوص﴾
فاقتضاهم قتالا بِهَذِهِ الصّفة من الثَّبَات ليبرز حقائق حبهم فَلَمَّا خَرجُوا إِلَى الْقِتَال فَمنهمْ من وفى بذلك وَمِنْهُم من لم يَفِ بذلك فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لم تَقولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
стр. 102
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ (أَنه قَالَ إِذا قَالَ العَبْد اغْفِر لي إِنَّه لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت ضحك الرب من قَول العَبْد)
مثل رجل لَهُ عبد رباه بَين يَدَيْهِ
فَمثل ذَلِك كَمثل رجل لَهُ عبد تليد رباه بَين يَدَيْهِ وَله عَلَيْهِ رأفة الأمومة وَعطف الْأُبُوَّة فَهُوَ يحب أَن يكون بَين يَدَيْهِ لَا يبرح حَتَّى يكون فِي رعايته وكلاءته وَهَذَا العَبْد يجول ويتردد فَإِذا خرج من المأمن نالته نكبة من عَثْرَة إِذا اشْتَدَّ فِي سَعْيه فردده وَرُبمَا شاكته شَوْكَة وَرُبمَا خدشته السبَاع بالبراثن والأنياب وَالسَّيِّد قد حذره ذَلِك فَإِذا لم يَأْخُذ حذره نالته هَذِه الْأَشْيَاء فَفَزعَ إِلَى الْأَدْوِيَة والمراهم يداوي نكباته وفزع إِلَى منقاش ينْزع شوكته فَهُوَ يتَرَدَّد فِي طلب هَذِه الْأَشْيَاء للتداوي بهَا وَهَذَا كُله مَوْجُود عِنْد سَيّده وَهُوَ أعلم بدائه وأرفق بمداواته وألطف فيتركه السَّيِّد فِي التَّرَدُّد حَتَّى يعيا ويعجز ويأيس فَإِذا أيس من هَذِه الْأَشْيَاء فزع إِلَى سَيّده طَالبا من عِنْده دواءه وعلاجه فَإِذا صَار إِلَى سَيّده بِتِلْكَ الْحَال ضحك مِنْهُ كَأَنَّهُ يَقُول جئتني بَعْدَمَا اقتدرت وترددت فِي الاقتدار كالمستغني بِمَا
стр. 103
عنْدك فَلَمَّا عجزت وأيست جئتني شِئْت أَو أَبيت وسيده جواد كريم حسن الْخلق وَاسع الصَّدْر وَلَيْسَ بكز وَلَا لئيم فيضحك إِلَى عَبده بجهله وقلته وَضَعفه وعجزه وَفَقره
فَكَذَلِك العَبْد أمره ربه أَن يكون وَاقِفًا بَين يَدَيْهِ مراقبا لمشيئاته فِيهِ ساعيا فِي أمره يسْعَى العَبْد خَائفًا لمساخطه مُعظما لأموره شاكرا لأنعمه عَارِفًا لمنته عَالما بإحسانه لاحظا إِلَى فَضله واثقا بِمَا تكفل لَهُ من رزقه فَذهب العَبْد فبرح من الْمقَام وَأعْرض عَن المراقبة وَأَقْبل على نهمات نَفسه حَتَّى ضيع أمره وَذهب فِي مساخطه كالدابة الحرون الجموح حرن على ربه فِي جَمِيع أمره وَنَهْيه فاستخف بِحقِّهِ واستهان بأَمْره وَعظم نَفسه وتكبر بأحواله وَكفر بنعمه وَأنكر منته وَجَهل إحسانه وَعمي عَن فَضله وتذبذب عقله فِي شَأْن مَا تكفل لَهُ بِهِ ثمَّ ذهب ٥٩ يتَرَدَّد فِي الصَّلَاة وَالصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْحج وَالْجهَاد وأنواع أَعمال الْبر يُرِيد أَن يَأْخُذ نَفسه من ربه وينجيها من عَذَابه بِهَذِهِ الْأَشْيَاء فَأَي خائب أخيب من هَذَا حَيْثُ يعْمل مثل هَذِه الْأَشْيَاء فَلَا يكون مفزعه إِلَى رَحمته وافتقاره إِلَى مغفرته فَهَذَا أَحمَق جَاهِل بربه أَخَاف أَن يكله الله إِلَى عمله حَتَّى يَفْضَحهُ على رُؤُوس الأشهاد
стр. 104
وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ فِيمَا رُوِيَ عَنهُ (أَن لَيْسَ أحد مِنْكُم ينجيه عمله) قَالُوا وَلَا أَنْت يَا رَسُول الله قَالَ (وَلَا أَنا إِلَّا أَن يتغمدني الله مِنْهُ برحمته)
والعاقل المنتبه عقل هَذَا الْبَاب فَعمل جَمِيع أَعمال الْبر وَرمى بهَا خلف ظَهره وَلسَانه لَا يفتر عَن الدُّعَاء والنداء عِنْد التضرع وعينا قلبه شاخصتان إِلَى الله تَعَالَى يغسلهُ بِمَاء الرَّحْمَة فيصلح حِينَئِذٍ للمغفرة فَعندهَا إِذا قَالَ اغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت ضحك الرب ﵎ اسْمه كَأَنَّهُ يَقُول عَبدِي كَانَ بَين يَدي فَترك الْمقَام فأذنب ثمَّ نَدم فجال وَتردد فَلم يجد عِنْد أحد فرجا فأيس من الْجَمِيع ثمَّ عَاد إِلَيّ علم أَنه لَا يقدر أَن يداويه من هَذَا إِلَّا أَنا لِأَنِّي لم أجعَل الْمَغْفِرَة بيد غَيْرِي وَإِذا ضحك إِلَى عَبده لم يحاسبه
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (أفضل الشُّهَدَاء عِنْد الله تَعَالَى الَّذين يلقون فِي الصَّفّ وَلَا يلتفتون بِوُجُوهِهِمْ حَتَّى يقتلُوا أُولَئِكَ يتلبطون فِي الغرف الْأَعْلَى من الْجنَّة
стр. 105
يضْحك إِلَيْهِم الرب) إِن الرب إِذا ضحك إِلَى قوم فَلَا حِسَاب عَلَيْهِم وَالْمَغْفِرَة حجاب الرَّحْمَة فَإِذا ستر ذَنْب عبد وتخطى بذلك السّتْر فقد نجا من الْعَذَاب لِأَن الرأفة قد استكملت وَالْعرض والحساب بَاقٍ على العَبْد فَإِذا ضحك الله اليه نجا من الْعرض والحساب لِأَن الضحك من الْجُود فَإِذا اسْتعْمل على العَبْد جوده نجا وَكَأَنَّهُ لم يُذنب
مثل الْهوى فِي الْآدَمِيّ
وَمثل الْهوى فِي الْآدَمِيّ كالسحاب المطبق على الأَرْض كلهَا قد أحَاط بالأفق وَمن وَرَاء السَّحَاب شمس فَإِذا انكسفت الشَّمْس صَار النَّهَار كالليل فَإِذا انجلت عَن الْكُسُوف فِي سَحَاب فَذَاك نَهَار مُقيم ذُو غُبَار وغيم فَإِذا انقشع مِنْهَا مثل روزنة حَتَّى بدا مِنْهَا بِمِقْدَار ذَلِك فأشرق نورها فِي الأَرْض أَضَاءَت الأَرْض كلهَا بِقدر مَا أشرق فِي تِلْكَ الروزنة فَلَا تزَال تتقشع وتتسع تِلْكَ الروزنة حَتَّى تتقشع كلهَا وتفضي فِي جَمِيع نواحي الْأُفق فَتَصِير السَّمَاء مصحية وَالشَّمْس بارزة مشرقة بكمالها على جَمِيع الأَرْض فِي التل والجبل فالأوادية والأمصار والقرى والبيوتات والكوى فبقدر مَا ينقشع
стр. 106
السَّحَاب تشرق الأَرْض بنورها ثمَّ بِقدر مَا يبْقى فإشراقها منكمن وَهِي محتجبة بذلك الْبَاقِي من الْغنم فَكَذَلِك الْهوى فِي الْآدَمِيّ مطبق على الْفُؤَاد فِي الصَّدْر والنور فِي الْقلب كَالشَّمْسِ المنكمنة فِي السَّحَاب فَلَا ينْتَفع بحرها وإشراقها وَإِذا غره الْعَدو حَتَّى أشرك بِاللَّه فقد انكشفت شمسه وَصَارَت مَعْرفَته فِي كفره وَالْكفْر الغطاء فَصَارَ صَدره كالليل المظلم وَهُوَ عَالم بِأَن الله خالقه ورازقه ومميته ومالكه وَالْعلم المنكمن فِي تِلْكَ الظلمَة لَا مستنير لعَيْنِي فُؤَاده وَهُوَ يَقُول رَبِّي الله ثمَّ لَا يَسْتَقِيم قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن خَلقهنَّ الْعَزِيز الْعَلِيم﴾
وَمن يدبر الْأُمُور وَمن يرزقك وَمن يملك السّمع والأبصار وَمن بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء فسيقولن الله ثمَّ أشركوا بِهِ قَالَ الله تَعَالَى لنَبيه ﷺ قل ﴿أَفلا تَتَّقُون فذلكم الله ربكُم الْحق فَمَاذَا بعد الْحق إِلَّا الضلال﴾
وَإِنَّمَا حملهمْ على الشّرك الْهوى لِأَن الْهوى يطْلب الضّر والنفع والتجأ من أجل الْمضرَّة وَالْمَنْفَعَة إِلَى الْأَوْثَان وَذَلِكَ قَوْله
стр. 107
تَعَالَى ﴿مَا نعبدهم إِلَّا ليقربونا إِلَى الله زلفى﴾
وَقَالَ ﴿أم اتَّخذُوا من دون الله شُفَعَاء﴾
وَقَالَ ﴿وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة ليكونوا لَهُم عزا﴾
فَإِذا من الله على عبد فتح روزنة من هَذَا الْهَوَاء المطبق بِالنورِ الَّذِي لَاقَى هَذَا الطَّبَق فخرقه وخلص إِلَى قلبه إشراقه فقد خرجت شمسه من الْكُسُوف وأشرق الصَّدْر بِنور الله فاستقر الْقلب وَأمن
فَهَذَا عبد ممنون عَلَيْهِ بِالْإِيمَان حبب إِلَيْهِ الْإِيمَان وزينه فِي قلبه وَالَّذِي لم يمن عَلَيْهِ بذلك فقلبه فِي غلاف وَذَلِكَ الغلاف هُوَ الْهوى المطبق وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْت من اتخذ إلهه هَوَاهُ وأضله الله على علم وَختم على سَمعه وَقَلبه وَجعل على بَصَره غشاوة﴾ أَي على بصر فُؤَاده غشاوة وَتلك الغشاوة هُوَ الْهوى ﴿فَمن يهديه من بعد الله أَفلا تذكرُونَ﴾
стр. 108
وَذَلِكَ قَوْله ﴿إِنَّا جعلنَا على قُلُوبهم أكنة أَن يفقهوه﴾ وَهُوَ الغطاء وَذَلِكَ الْهوى فَإِذا من الله عَلَيْهِ بِهَذَا النُّور خرق ذَلِك الْهوى فاستقر إشراقه فِي مَكَان الْهوى ورحل الْهوى عَن مَوْضِعه فولج ذَلِك الْإِشْرَاق فِي الصَّدْر فأضاء واستنار فزكا
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿قد أَفْلح من زكاها وَقد خَابَ من دساها﴾ أَي دس تِلْكَ الروزنة بظلمة الْهوى وظلمة الشّرك فالخائب خَابَ عَن الْحَظ لِأَنَّهُ غَابَ يَوْم الْقِسْمَة عَن الْمقسم يَوْم الْمَقَادِير قبل خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْعرش والكرسي واللوح فَلم يحتظ من ذَلِك النُّور غَابَ وخاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يَجْعَل الله لَهُ نورا فَمَا لَهُ من نور﴾
وَقَالَ لمن شهد الْمقسم يَوْم الْمَقَادِير ﴿وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس﴾
وَقَالَ ﴿أَفَمَن شرح الله صَدره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نور من ربه﴾
стр. 109
فَهَذَا عبد قد من الله عَلَيْهِ حَتَّى فتح من هَذَا الْهوى المطبق روزنته حَتَّى أشرق فِيهَا نور الْمعرفَة فِي الصَّدْر فَوجدَ ربه واستقام لَهُ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الَّذين قَالُوا رَبنَا الله ثمَّ استقاموا﴾
الْآخرُونَ مثل العنكبوت
وَالْآخرُونَ قَالُوا (رَبنَا الله) لما وضع فيهم من الْعلم بِهِ ثمَّ زاغوا وَقَالُوا بأفواههم طلبا للمنافع وهربا من المضار فَلم يستقيموا وَاتَّخذُوا من دونه أَوْلِيَاء يحتلبونهم ويستدرون منافعهم مِنْهُم ويستظهرون بهم ويتخذونهم من دون الله وليجة يأمنون فِي تِلْكَ الوليجة فمثلهم كَمثل العنكبوت اتَّخذت بَيْتا وَلَا يستر وَلَا يدْفع حرا وَلَا بردا وَلَا يَأْتِي بِخَير
مَا فِي خطْبَة لَهُ ﷺ
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ فِي خطبَته (إِن الله يَقُول جعلت عبَادي كلهم حنفَاء فَأَمَرتهمْ أَلا يشركوا بِي شَيْئا فأتتهم الشَّيَاطِين فأحالتهم عَن دينهم وأمرتهم أَن يشركوا بِي
стр. 110
فَهَؤُلَاءِ صنف لم يمن الله عَلَيْهِم بِنور الْهِدَايَة وَمن هداه حبب إِلَيْهِ الْإِيمَان بحبه وزينه فِي قلبه بِالْعقلِ الَّذِي هدى إِلَيْهِ فَثَبت على التَّوْحِيد ووفى بِلَا إِلَه إِلَّا الله ثمَّ اقْتَضَاهُ الطَّاعَة فِي الْأَمر وَالنَّهْي
فَكلما وفى العَبْد بِهَذِهِ الطَّاعَة فِي جَمِيع متقلبه وَوَقع عَلَيْهِ الْجهد والتعب واجتهد وَاحْتمل التَّعَب كَانَ إِنَّمَا يعْمل فِي اتساع هَذِه الروزنة وانقشاع هَذَا الْهوى فَلَا يزَال يوسعها حَتَّى تغيب فِي نواحي صَدره إِلَى جَوْفه فَيبقى هُنَاكَ مسجونا فَيَمُوت فِي الْغم غم الْجوف لِأَنَّهُ لما جَاءَهُ النُّور الأول حَتَّى خرق تِلْكَ الروزنة كَانَ ذَلِك من الْمِنَّة فَقبل أَمر الله فِي أَن يطيعه فِي كل أُمُوره كَهَيئَةِ العبيد فيعبده بِالطَّاعَةِ فابتلاه بِالْأَمر وَالنَّهْي لينْظر كَيفَ وفاؤه بِمَا أَمر وَقبل فَكلما أطَاع فِي أَمر أمد من ذَلِك النُّور فَلَا يزَال فِي مزِيد من المدد فَكلما صعد إِلَى الله مِنْهُ طَاعَة أمده الله بمدد من ذَلِك النُّور فَإِذا جَاءَ النُّور الزَّائِد وَقع على الْهوى فرحله عَن مَكَانَهُ وَاسْتقر فِي مَوْضِعه فَلَا يزَال هَذَا دأب العَبْد فِي الطَّاعَة وشأن الله تَعَالَى فِي الْمَزِيد حَتَّى يطبق الصَّدْر بِالنورِ ويغيب الْهوى كُله من نواحي الصَّدْر إِلَى الْجوف لِأَن الْهوى مظلم فَإِذا جَاءَ مدد النُّور ومزيده أشرق ذَلِك الْمَكَان وَغَابَتْ ظلمَة الْهوى حَتَّى يمتلئ الصَّدْر نورا كَمَا كَانَ ممتلئا من الْهوى وتشرق الشَّمْس بكاملها من قلبه فِي صَدره فَإِذا لاحظ بِنور تِلْكَ الشَّمْس ملك العظمة سبى قلبه حب الله وَإِذا
следующие страницы →