Полный текст (318 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
عَلَيْهِ كَمَا وَصفنَا من أَمر الْخَارِجِي الَّذِي يَشْتَهِي الإمرة
فَمن الحزم أَن يقطع عَنهُ الشَّهَوَات وَأَن ينظر إِلَى كل شَيْء من أُمُور الْآخِرَة يحمل عَنهُ الْهوى أَن ينْتَقل عَنهُ إِلَى ضِدّه مِمَّا لَيْسَ لَهُ فِيهِ هوى لِأَن الطَّاعَات كَثِيرَة فَرب طَاعَة تملكه حلاوتها فَتَصِير هوى فَينْتَقل إِلَى مَا يتعب فِيهِ وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ هوى وَأَن يتعبه بالغموم والهموم حَتَّى ينغص عَلَيْهِ عيشه الَّذِي استطابته نَفسه بلهوها ولعبها وبطالتها فَإِن فتح لَهُ صَار ملكا من الْمُلُوك الَّذين بالكنوز والهدايا والفوائد الَّتِي تَأتيه من رب الْعَالمين وَإِن لم يفتح لَهُ فأجر تَعبه عِنْد الملي الوفي الْوَاحِد الْوَاحِد بِعشْرَة وَالْوَاحد بسبعمائة وَالْوَاحد بالأضعاف الْكَثِيرَة وَنَفسه ذليلة مقهورة فِي ذَلِك التَّعَب وَالنّصب ٦٦
فبنوا إِسْرَائِيل حظوظهم من الله تَعَالَى كَثِيرَة وَهَذِه الْأمة أوفر حظا وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قل إِن الْهدى هدى الله أَن يُؤْتى أحد مثل مَا أُوتِيتُمْ أَو يحاجوكم عِنْد ربكُم﴾
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا أَعْطَيْت أمة من الْأُمَم من الْيَقِين مَا أَعْطَيْت أمتِي)
وَكَذَلِكَ عَن عِيسَى ﵇ أَنه قَالَ فِي هَذِه الْأمة فَلذَلِك
стр. 142
صَارَت بَنو إِسْرَائِيل فِي شدَّة من الْأَعْمَال وتعب من الْأَذْكَار فَكَانُوا يلبسُونَ المسوح ويجيعون الْبُطُون وَيلْزق أحدهم الترقوة فيشدها بسلسلة إِلَى سَارِيَة يتعبد لله وَإِذا أذْنب أحدهم أصبح مَكْتُوبًا على بَابه عُقُوبَة خطيئتك أَن تقطع أُذُنك أَو عضوا من أعضائك وَإِذا أصَاب أحدهم بَوْل أَو نَجَاسَة لم يطهر حَتَّى يقْرضهُ بالمقراض وصدقتهم تقبل بِنَار القربان وَعَلَيْهِم من الآصار والأغلال وَالتَّحْرِيم مَا تقشعر مِنْهُ الذوائب والشعور وَقتل النُّفُوس عِنْد عبَادَة الْعجل
وَهَذِه الْأمة توفرت كنوزها وجمت علومها بِاللَّه تَعَالَى بِفضل يقينها فَخفف عَنْهُم الآصار وأطلقوا من أغلال كَثِيرَة اكْتفي من الْعَامَّة بالاستغفار وَستر عَلَيْهَا الذُّنُوب وَجعلت التَّوْبَة مِنْهُم إِلَى الله لَا إِلَى عُقُوبَة الأجساد فَقَالَ لأولئك توبتكم إِلَى بارئكم من عبَادَة الْعجل أَن تقتلُوا أَنفسكُم وَقَالَ لهَذِهِ الْأمة ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَقَالَ لِلنَّصَارَى وهم من أُولَئِكَ الصِّنْف حِين قَالُوا الْمَسِيح ابْن الله وَالثَّالِث ثَلَاثَة ﴿أَفلا﴾
стр. 143
يتوبون إِلَى الله ويستغفرونه وَالله غَفُور رَحِيم)
فَجعل تَوْبَتهمْ بافترائهم عَلَيْهِ الاسْتِغْفَار لِأَنَّهُ فِي وَقت نَبِي الله مُحَمَّد ﷺ وَفِي زَمَانه فَلم يقبل ذَلِك مِنْهُم فِي ذَلِك الْوَقْت عِنْدَمَا عبدُوا الْعجل إِلَّا قتل النَّفس وَقبل فِي هَذَا الزَّمَان الاسْتِغْفَار مِنْهُم من عِبَادَتهم عُزَيْرًا وَعبادَة النَّصَارَى الْمَسِيح لِأَن هَذَا وَقت إقبال الله على هَذِه الْأمة وتفضيلهم بِالْيَقِينِ وَالْعلم بِاللَّه
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ لِمعَاذ ﵁ (أخْلص يكفك الْقَلِيل من الْعَمَل)
فَإِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى الْإِخْلَاص لله قلبا وقولا وفعلا فقليل الْعَمَل من مثل هَذَا يَأْتِي على جَمِيع الْعمَّال من سواهُ وَلذَلِك قَالَ ﷺ يَا حبذا يَوْم الأكياس وفطرهم كَيفَ يغبنون سهر الحمقى وصيامهم ولمثقال ذرة من صَاحب تقوى ويقين أفضل عِنْد الله من أَمْثَال الْجبَال عبَادَة من الآخرين)
عمل هَذِه الْأمة
فَهَذِهِ الْأمة بالقلوب تعبد رَبهَا وَتَأْخُذ أجرهَا
عَن سُفْيَان عَن وَكِيع قَالَ أخبرنَا عبد الْوَهَّاب أخبرنَا جُنَادَة عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مثلكُمْ وَمثل الْيَهُود
стр. 144
وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتعْمل عمالا فَقَالَ من يعْمل لي من صَلَاة الصُّبْح إِلَى نصف النَّهَار على قِيرَاط قِيرَاط أَلا فَعمِلت الْيَهُود)
ثمَّ قَالَ (من يعْمل لي من نصف النَّهَار إِلَى صَلَاة الْعَصْر على قِيرَاط قِيرَاط أَلا فَعمِلت النَّصَارَى)
ثمَّ قَالَ (من يعْمل لي من صَلَاة الْعَصْر إِلَى الْمغرب على قيراطين أَلا فَأنْتم أَلا فَأنْتم)
فَغضِبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَقَالَت نَحن أَكثر عملا وَأَقل عَطاء
فَقَالَ (ظلمتكم من حقكم شَيْئا) فَقَالُوا لَا قَالَ (إِنَّمَا هُوَ فضلي أوتيه من أَشَاء)
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (وفيتم سبعين أمة أَنْتُم خَيرهَا وَأَكْرمهَا على الله تَعَالَى)
وروى معَاذ بن جبل ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ وَهُوَ مُسْند ظَهره إِلَى الْكَعْبَة (فأمتي توفى سبعين فِي أجرهَا وَخَيرهَا)
مثل الْحَمد للموحدين
مثل الْحَمد للموحدين مثل رجل يَأْخُذ من حريفه من حانوته
стр. 145
الشَّيْء بعد الشَّيْء فَإِذا اجْتمع شَيْء أدّى وَأخذ بعد ذَلِك حَتَّى تخف عَنهُ أثقال الدّين فَإِذا لم يؤد وَاجْتمعَ الْمَأْخُوذ وتراكم عَلَيْهِ الدّين وَاقْتضى فَلم يُوجد يُوشك أَن يقطع عَنهُ مَا كَانَ يعْطى وَيَقُول صَاحب الْحَانُوت أد مَا اجْتمع وَخذ مَا بَقِي فَيردهُ خائبا وَيقطع عَنهُ
فأسبغ الله تَعَالَى النعم فَلَو ذَهَبْنَا نعد نعمه لم نحصها وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾ ثمَّ قَالَ ﴿إِن الله لغَفُور رَحِيم﴾
فَأهل رَحمته هم الَّذين عصمهم الله من الِاخْتِلَاف وقصدوا بقلوبهم عبَادَة خالقهم وربهم وَلم يلتفتوا إِلَى معبود غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا يزالون مُخْتَلفين إِلَّا من رحم رَبك وَلذَلِك خلقهمْ﴾
قَوْله خلقهمْ أَي خلقهمْ للرحمة
стр. 146
فَلَمَّا خلقهمْ للرحمة أَعْطَاهُم ثمن النِّعْمَة وَهُوَ الِاعْتِرَاف بِأَن النعم كلهَا من الله تَعَالَى وَذَلِكَ كلمة الْحَمد فصير توحيده فِي كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله وتنزيهه فِي سُبْحَانَ الله وتعظيمه فِي الله أكبر وشكر نعمه فِي الْحَمد لله
حَدثنَا سُلَيْمَان بن الْعَبَّاس الْهَاشِمِي أخبرنَا عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (رَأس الشُّكْر الْحَمد لله وَمَا شكر الله عَبده إِلَّا بِحَمْدِهِ) فالشكر أَصله فِي الْقلب وَمَعْرِفَة العَبْد بربه أَنه لَا شريك لَهُ وفرعه على اللِّسَان وَهُوَ كلمة لَا إِلَه إِلَّا الله وتحقيقه فِي الطَّاعَات فَمن أَكثر قَول لَا إِلَه إِلَّا الله فَإِنَّهُ يحط خطاياه وَمن أَكثر من قَول الْحَمد لله فَإِنَّهُ يحط عَن نَفسه أثقال الشُّكْر فَعلمنَا رَبنَا هَذِه الْكَلِمَة فنرددها على الْأَلْسِنَة حَتَّى نَكُون فِي مِثَال مَا مر بِنَا من الْمثل فنكون بِمَنْزِلَة من يَأْخُذ من حريفه الشَّيْء بعد الشَّيْء فَإِذا اجْتمع أدّى قَلِيلا قَلِيلا ثمَّ يتْرك الْأَدَاء بغفلة حَتَّى يركبه الدّين ويثقل عَلَيْهِ فيعجز عَن الْأَدَاء كَمَا كَانَ هَا هُنَا إِذا اجْتمع عَلَيْهِ الْحساب وتراكم فَلم يقْض انْقَطع وَلم يُعْط النعم فَإِذا تراكمت وَلم يواتر العَبْد بِكَلِمَة الْحَمد لم يَأْمَن انْقِطَاع النعم فرحم
стр. 147
الله الْعباد فَأَعْطَاهُمْ هَذِه الْكَلِمَة ليخففوا عَن أنفسهم أثقال النعم ثمَّ وضعت لَهُم هَذِه الْكَلِمَة فِي صلَاتهم عِنْد رفع الرؤوس من الرُّكُوع فَيَقُول سمع الله لمن حَمده فَصَارَ هَذَا دُعَاء من قَائِل هَذَا القَوْل لنَفسِهِ وَلِجَمِيعِ الْمُوَحِّدين لِأَن كل مصل من الْمُوَحِّدين يَقُول هَذَا فِي صلَاته من الْمَفْرُوض وَغير الْمَفْرُوض فَلَيْسَتْ هَذِه كلمة يخص بهَا نَفسه وَإِنَّمَا هِيَ ٦٧ لكل من حَمده
فَأول من نطق بِهَذَا الرَّسُول ﷺ عَن تَعْلِيم جِبْرِيل ﵇ إِيَّاه
وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ (أَنه إِذا قَالَ الإِمَام سمع الله لمن حَمده فَقولُوا اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد فَإِن الله تَعَالَى قَالَ ذَلِك على لِسَان نبيه) ﷺ
وَكَانَ النَّبِي ﷺ إِذا قَالَ (سمع الله) لمن حَمده قَالَ (اللَّهُمَّ رَبنَا لَك الْحَمد) كي لَا يخلي نَفسه من مقَالَة الْحَمد حَتَّى يدْخل فِي ذَلِك الدُّعَاء
وَاعْلَم أَن هَذِه الْكَلِمَة قَول الله تَعَالَى فَمَا ظن من عقل هَذَا أَن الله تبَارك اسْمه يَدْعُو لعَبْدِهِ أَيْن مَحل هَذَا الدُّعَاء وماذا يخرج للْعَبد من هَذَا الدُّعَاء وَدُعَاء الرب أَن يسْأَل بِنَفسِهِ من نَفسه للْعَبد وَهُوَ كَقَوْلِه إِن الله تَعَالَى يصلى على الْعباد وَقَالَ الله تَعَالَى فِي
стр. 148
تَنْزِيله ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ فَإِذا قَالَ سمع الله لمن حَمده ثمَّ حَمده العَبْد فقد سبقت دَعوته للْعَبد وَسمع ذَلِك لَهُ فقد أوجب للْعَبد
فَهَذِهِ كلمة دقيقة خرجت من الله تَعَالَى للعباد ثمَّ خرجت من الرَّسُول ﷺ مقَالَته للعباد ثمَّ خرجت من الْجَمِيع بعض لبَعض فَإِذا قَالَ العَبْد الْوَاحِد الْحَمد لله ثمَّ ذكر فِي هَذَا وجد الله قد قَالَ لَهُ سمع الله لَهُ وَوجد الرَّسُول ﷺ قد قَالَ (سمع الله) وَوجد جَمِيع الْمُوَحِّدين قد قَالُوا فَعظم شَأْن هَذِه الْكَلِمَة
مثل عبد دَعَاهُ مَوْلَاهُ فوكله بِعَمَل لَهُ
مثل عبد دَعَاهُ مَوْلَاهُ فوكله بكرم لَهُ أَن يحفظه عَلَيْهِ ويغرسه ويسرقنه ويقضب قضبانه وَفِي وَقت الثَّمر يورقه ويدعمه
стр. 149
وَأَعْطَاهُ كل مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من القوائم والدعائم والهراوي من البردي والأباء والقصب والكعب وأداة الْعَمَل وأمهله فِي ذَلِك مَا يُمْهل فِي مثله ثمَّ طالع أمره عِنْد انْقِضَاء المهلة فَوجدَ القضبان سَاقِطَة بِالْأَرْضِ والدعائم مسروقة والقوائم منجدلة وَالثِّمَار بَعْضهَا محترقة من كَثْرَة الْوَرق وَبَعضهَا عفنة من سُقُوطهَا بِالْأَرْضِ وَقد ترك الْآلَة والأداة وأمهل نوبتها فِي السَّقْي حَتَّى عطشت وَترك تقضيبها حَتَّى ذهبت قوتها فمولاه إِذا رأى الْكَرم هَكَذَا فَمَاذَا يلقاه من الْجِنَايَة وماذا يتَوَقَّع من الْعقُوبَة الَّتِي أوجب على نَفسه
فالتعريش الْقيام بأَدَاء الْفَرَائِض وَالْحِفْظ عَلَيْهَا ليَكُون ذَلِك بِوضُوء سابغ وَحفظ الْحُدُود والأوقات وَكَذَلِكَ فِي الصَّوْم فِي كف السّمع وَالْبَصَر والجوارح السَّبع
والسرقنة سنَن النَّبِي ﷺ على أثر الْفَرَائِض تَقْوِيَة لَهَا وَالسَّعْي الْعلم الَّذِي يهديه الْأَشْيَاء وتقضيبه رمي الفضول من الْكَلَام وَالطَّعَام والحطام وتوريقه ترك الِالْتِفَات إِلَى الْأَعْمَال وتدعيمه كَثْرَة الذّكر وقوائمه حسن النِّيَّة والصدق فِي الْمَقَاصِد
стр. 150
مثل قوي الْقلب فِي الْأَعْمَال والأقوال وملكها
وَمثل قوي الْقلب فِي الْأَعْمَال والأقوال وملكها كَمثل هَؤُلَاءِ الْمُلُوك فَملك لَهُ سُلْطَان على قَرْيَة وعَلى قدر ذَلِك كنوزه وَجُنُوده وعدته ونفاذ أمره وَجَوَاز قَوْله وهيبته
وَملك لَهُ سُلْطَان على خُرَاسَان أجمع على قدر كنوزه وَجُنُوده وهيبته وَخَوف شاكريته ورعيته مِنْهُ
وَملك ملك الْمشرق وَالْمغْرب فملوك الأَرْض كلهم تَحت يَده وعَلى قدر مَمْلَكَته سُلْطَانه وكنوزه وَجُنُوده وهيبته وَخَوف شاكريته وَالنَّاس مِنْهُ فنلحظه تضرب بأَمْره الْأَعْنَاق وتسفك دِمَاء
فالقلب ملك على الْجَوَارِح لَهُ كنوز وجنود وسلطان ومهابة ونفاذ أَمر فأعظمهم مملكة أهيبهم وأحرزهم قولا ونفاذا وَإِنَّمَا تملك الْقُلُوب نفوسها وَهِي دنياها العريضة فَإِذا ملك الْقلب بعض النَّفس وَلم يملكهَا كلهَا كَانَ صَاحبهَا مَعَ تَخْلِيط تزل قدم وَتثبت أُخْرَى وَإِذا ملكهَا كلهَا كَانَ بِمَنْزِلَة من ملك الدُّنْيَا شرقها وغربها وخضعت لَهُ الْمُلُوك وصاروا من تَحت يَده فالقلب إِذا كثرت كنوزه كثرت جُنُوده فكنوزه الْعلم بِاللَّه والمعرفة لله وَجُنُوده الْخَوْف من الله والخشية لله وَالْحيَاء من الله والتعظيم لله وَالتَّسْلِيم لأمر الله والانقياد لحكم الله والثقة بِاللَّه وَحسن الظَّن بِاللَّه والتوكل على الله والطمأنينه إِلَى الله وَحب الله قد استولى عل جَمِيع
стр. 151
هَذِه الْأَشْيَاء فَهَذِهِ كلهَا جنود الْقلب اجْتمعت على عسكره فِي صَدره من الْعلم بِهِ فالمعرفة كنز الْقلب وَالنَّفس سفينة الْكَنْز فِي بَحر الله الْأَعْظَم فَإِذا أثنى العَبْد على ربه أَو مدحه أَو دَعَاهُ باسم من أَسْمَائِهِ فَإِنَّمَا يخرج كَلمته من فِيهِ على قدر سُلْطَانه من الْقلب ومملكة الْقلب
وَكَذَلِكَ أَعمال أَرْكَانه فَإِنَّمَا يصعد مَا يخرج مِنْهُ إِلَى الله على قدر قوته فِي مَمْلَكَته وسلطانه
مثل الْهوى إِذا مازج الْعقل فِي أَمر وَاحِد
مثل الْهوى إِذا مازج الْعقل فِي أَمر وَاحِد كَمثل مَاء صَاف كالطل فِي الصفاء مازجه مَاء من مياه الْأَنْهَار فَفِي ذَلِك المَاء ترى الْأَشْيَاء كلهَا كالمرآة إِذا نظرت فِيهَا وَفِي مَاء الْأَنْهَار لَا يرى إِلَّا الخيال أَمِير بسط عدله فِي رَعيته ودبر سُلْطَانه فأعد سجنا وعقوبات لمن خلع يَده عَن الطَّاعَة وَفرق أَعماله بَين عماله وَأعد حاجبا وَخَلِيفَة ومرتزقة وَأظْهر كنوزه وقوته وَأمر وَنهى وَأعلم الرّعية أَن من ائتمر بأَمْره فَهُوَ الْوَجِيه عِنْده والخطير لَدَيْهِ المثاب على ذَلِك الْمقْضِي عِنْده حَوَائِجه الْمُتَّخذ لنَفسِهِ عِنْده قدرا حَتَّى تظهر عِنْده مرتبته وَمن لم يأتمر بأَمْره وَركب هَوَاهُ خلق وَجهه عِنْده
стр. 152
وبخس حَظه وَحرم ثَوَابه وَحط قدره وَبَطلَت رتبته فَظهر فِي رَعيته إنجاز وعده ووصول وعيده إِلَى من اسْتحق ذَلِك وَفِي هَذِه الرّعية طبقَة مؤتمرون بأَمْره زائدون على مَا وظف عَلَيْهِم من أمره ناصحون لَهُ قد شغفوا بِهِ حبا وأعينهم مَادَّة إِلَى مَا يَأْمر وَإِلَى مَا يقْضِي وَإِلَى مَا يدبر لَهُم حَتَّى يتلقوا تَدْبيره بالهشاشة ووجوه متطلقة وأفعال سَمْحَة ويتلقوا أمره بالتعظيم وَمَعَ ذَلِك ينصحونه فِي رَعيته فينشرون محاسنه وأفعاله وأخلاقه وَحسن مُعَامَلَته بِالرَّحْمَةِ ويخبرون عَن ملكه وَجُنُوده وكنوزه وغناه ويحثون الرّعية على طَاعَته وَالْحمية لَهُ وَالْجد فِي أُمُوره والشفقة ٦٨ على أودائه فَهَذِهِ الطَّبَقَة أوجههم عِنْد الْأَمِير وأعظمهم قدرا لما أظهرُوا من النَّصِيحَة وَالْحب لَهُ
شَأْن الْآدَمِيّين مَعَ الله
فَكَذَلِك شَأْن الْآدَمِيّين مَعَ الله كَانَ أوجههم عِنْد الله تَعَالَى أشكرهم لَهُ وَأَكْثَرهم نشرا لمحاسن أَفعاله وأخلاقه وأعلمهم بصفاته وأغزرهم معرفَة بِهِ وأوثقهم بِهِ وَإِن الله تَعَالَى أظهر ملكه وَخلق فِي ملكه خلقه ثمَّ آتى كل ذِي روح يَتَحَرَّك فِي السَّمَوَات ويدب فِي الأَرْض على قدره من ملكه بِتِلْكَ الْحَيَاة الَّتِي جعل فِيهِ فَمن سَار فِيمَا أُوتِيَ من الْملك بسيرته الَّتِي مثل لَهُ فقد تواضع لملكه وَوضع نَفسه لملكه فَإِذا دعِي يَوْم الْمُقدم عَلَيْهِ قدم
стр. 153
على نزل مهيا ومهاد كريم وتحية رب الْعَالمين وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿تحيتهم يَوْم يلقونه سَلام وَأعد لَهُم أجرا كَرِيمًا﴾
من سَار سيرة هَوَاهُ
وَمن سَار فِيمَا أُوتِيَ من الْملك بسيرة هَوَاهُ الَّذِي يهوي بِهِ فِي الشَّهَوَات وَاللَّذَّات يَمِينا وَشمَالًا فقد تكبر على ملكه والتكبر هُوَ المكابرة فَمَا ظَنك بِعَبْد مَخْلُوق من مَاء مهين فِي ظلمات الْأَرْحَام بَين اللحوم والدماء مخرجه مِنْهَا من طَرِيق الْأَحْدَاث والمبالات وَالْحيض وَالنّفاس يكابر ربه فِي كبريائه ويعظم نَفسه ويهين حَقه فَإِذا دعِي يَوْم الْمُقدم قدم على نزل مَعَه قد أعده مَالك ومهد الأمهاد فِيهِ ومقته رب الْعَالمين
الْعَاقِل والأحمق
فالعاقل الَّذِي أَحْيَا الله قلبه نظر مَا أُوتِيَ من الْملك على الَّذِي وضع بَين يَدَيْهِ من الْجَوَارِح وَمن دُنْيَاهُ الَّتِي ملك عَلَيْهَا وَمن الْأَحْوَال فَلم يَسْتَعْمِلهُ إِلَّا فِيمَا أَمر
والأحمق الَّذِي قد أماتت زِينَة الشَّهَوَات وفتنتها قلبه نظر إِلَى مَا
стр. 154
قد أُوتِيَ من الْملك فَاسْتَعْملهُ فِي نهماته فِيمَا هويت نَفسه فخاب عَن وعده وخسر مهلته وعمره الَّذِي أعطي
فالكيس من جند الْأَمِير يَقُول للأمير أَنا أسعى خَلفك سعي العبيد فَإِن أعطَاهُ حمولة فَقَالَ اركب معي هاب ذَلِك وَقَالَ مَا لي وللركوب يَنْبَغِي أَن أسعى خَلفه
فَإِن قَالَ لَهُ اركب بأَمْري وَانْظُر أَلا تركض ركبا تتقدمني فَإِن فعل ذَلِك أهانه الْملك وأنزله ورده إِلَى السَّعْي على قَدَمَيْهِ وَإِن حفظ وَصيته وَركب وَكَانَ فِي آخر النَّاس فَلم يزل يتخطى الْمَرَاتِب بأدبه وكياسته وظرافته حَتَّى وصل إِلَى قرب الْأَمِير فِي الْمركب فَقَالَ لَهُ الْأَمِير الزم هَذَا الْمَكَان فِي الْمركب مني كن على قفاي على أثر مركبي فَهَذَا رجل وجيه ذُو مكانة عِنْد الْأَمِير حَتَّى إِذا أعطي الْمَكَان فِي الْمركب
فالكيس من عُمَّال الله تَعَالَى من سعى فِي الطَّاعَات سعي العبيد فلقي تعبا وأذى كثيرا ومقاساة فِي جنب الْمولى واستقل ذَلِك لَهُ فَأعْطَاهُ نورا حَتَّى صَار قلبه فَارِسًا من فرسَان الله تَعَالَى ومركبه ذَلِك النُّور العطائي فَلم يزل فِي مزِيد من ربه نورا على نور حَتَّى لحق وَهُوَ وُصُول العَبْد إِلَى ملك الْملك بَين يَدَيْهِ بَاب الْقُدْرَة
стр. 155
مثل اثبات الرزق فِي اللَّوْح
مثل إِثْبَات الرزق فِي اللَّوْح مثل أَمِير أَعْطَاك خطة بصك صَكه على نَفسه فِي شَأْن أرزاقك فركنت إِلَى ذَلِك مِنْهُ فَإِن كَانَت أَقْلَام رب الْعَالمين جرت على قضيتك فِي اللَّوْح بالكائن وبأرزاقك على صفاتها الَّتِي تظهر لَك فِي دنياك أَلا كَانَ الأحق وَالْأولَى أَن يكون ركوبك إِلَى مَا جرت بِهِ أَقْلَام رب الْعَالمين
مثل الرَّاغِب فِي الدُّنْيَا
مثل الرَّاغِب فِي الدُّنْيَا المنكمش فِيهَا المتناول من كل تَخْلِيط وغث وسمين مثل الْبَقَرَة الْجَلالَة تركت المراعي الطّيبَة وَأَقْبَلت على الجلة فِي الْمَزَابِل فَإِذا كَانَ لبن تِلْكَ الْبَقَرَة مَكْرُوها على أَلْسِنَة الْعلمَاء ومعافى على ألسن الشاربين فَمَا ظَنك
مثل الْقلب وَالنَّفس
مثل الْقلب وَالنَّفس مثل ثورين فِي نير يجرهما إِلَيْك
стр. 156
وَأَحَدهمَا لَهُ سماحة فِي التخطي وَنزع فِي الْمَشْي يُعْطي من نَفسه الْقُوَّة الوافرة وَالْآخر لَهُ بلادة فِي التخطي وانتكاص فِي الْمَشْي وتراجع الْقَهْقَرِي لَا يُعْطي من نَفسه الْقُوَّة الَّتِي فِيهِ فصاحبه مبتلى بِهِ إِذْ هما شريكان فِي الْعَمَل فَإِنَّمَا ثقل الآخر وتبلد أَنه محب للراحة والتخلية فِي المرعى فيثقل لمفارقة الشَّهْوَة واللذة والوقوع فِي التَّعَب وَالنّصب
فَمثل هَذِه النَّفس كَمثل هَذَا الثور البليد الثقيل وَالْقلب خَال من الشَّهَوَات وَالنَّفس مَعْدن الشَّهَوَات وَاللَّذَّات وَالْقلب يطْلب ربه وَالنَّفس تطلب شهواتها ولذاتها فَمثل النَّفس كسفينة مشحونة فِي نهر شَدِيد الجرية والسفينة فِي صعُود تجر جرا فَكلما أوقرت السَّفِينَة كَانَ جرها أصعب وأثقل
فَمن أحب أَن يخف عَلَيْهِ جرها فَلْيخل سفينته من الأشجان بِكُل مَا يقدر عَلَيْهِ حَتَّى يَتْرُكهَا خَالِيَة من الأشجان والأثقال فَعندهَا تخف على من جرها مصعدة
стр. 157
فَالنَّفْس تجْرِي فِي أَمر الله مَعَ الْقلب فِيمَا تهوى النَّفس وتشتهي وتلتذ فالسفينة المشحونة منحدرة فَإِذا جاءها أَمر لم تهو وَلم تشته صَارَت كسفينة موقرة مشحونة مصعدة فَهِيَ تجر جرا بِالرِّجَالِ مَعَ الأنين والأعناق وَالْأَيْدِي المكدودة حَتَّى تبلغ المصعد
مثل الدُّنْيَا وانخداع الأحمق بهَا
مثل الدُّنْيَا وانخداع الأحمق بهَا كَمثل الصَّبِي فِي المهد ترْضِعه أمه وتسدل عَلَيْهِ ذَلِك الغطاء وترجحه وتنغمه بأنواع الْكَلَام حَتَّى يذهب بِهِ النّوم فَكَذَلِك الدُّنْيَا ترْضِعه حلاوتها ولذاتها وتطبق عَلَيْهَا الْهوى وتتابع عَلَيْهَا الْأَمَانِي وتطول لَهُ فِي الأمل حَتَّى ينَام عَن الْآخِرَة فَكلما ازْدَادَ أمله طولا كَانَ أثقل نوما ثمَّ سقته شربة فِي نَومه من ذَلِك السم الناقع وَهُوَ حب الدُّنْيَا وشغوفه بهَا حَتَّى يسكر من حلاوة ذَلِك الْحبّ فَعندهَا يغلي حرصه فَهُوَ هَلَاك دينه كَمَا تَسْقِي هَذِه الْمُرضعَة وَلَدهَا من هَذَا الأفيون حَتَّى يثقل نَومه وَيكون كَالسَّكْرَانِ فَإِذا لم تطبخه بالسمن وتمزجه بِسَائِر
стр. 158
الْأَدْوِيَة يقتل الصَّبِي
وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (حبك الشَّيْء يعمي ويصم)
فَمَا ظَنك بِمن أعماه حب الدُّنْيَا وأصمه عَن الله تَعَالَى وَعَن مواعظه
وَرُوِيَ عَن رَسُول ٦٩ الله ﷺ أَنه قَالَ (مَا ذئبان جائعان أرسلا فِي زريبة غنم بأفسد لَهَا من حرص الْمَرْء فِي المَال والشرف لدينِهِ)
مثل من يخلط أَعمال السوء بأعمال الْبر
مثل من يخلط أَعمال السوء بأعمال الْبر مثل من أهْدى إِلَى الْملك مائدة عَلَيْهَا ألوان من الْأَطْعِمَة من الطّرف من الْمَأْكُول
стр. 159
والملبوس وَفِي خلال ذَلِك عظم الْميتَة وخرق الْمَزَابِل ورجيع الدَّوَابّ وَنَحْوهَا فَلَمَّا وصل إِلَى الْملك رفع الْحَاجِب المنديل فرآها بِهَذِهِ الصّفة فحجبه عَن الْملك وَوَضعه فِي الخزانة حَتَّى يَأْتِي الْوَقْت الَّذِي يَدْعُو بهَا الْملك ليخزنها فَإِذا الْحَاجِب أخرج وتوضع بَين يَدي الْملك فكم من حَيَاء يستحي وَكم من خوف يخَاف
وَمثله أَيْضا من يهدي للْملك قلادة فِيهَا يَوَاقِيت وجواهر وَذهب ولآلئ وَزَبَرْجَد وَفِي خلالها بلورة وَعِظَام الْميتَة والزجاج أَلَيْسَ أَنه قد أذهب بهاء جواهره ولآلئه كَذَلِك هَذَا
مثل من يقوم بِأَمْر الله مخلصا أَو غير مخلص
وَمثل من يقوم بِأَمْر الله وحقوقه فِي الظَّاهِر على هَوَاهُ وباطنه منعزل وَمن يقوم بِأَمْر الله لأمر الله كَمثل عَبْدَيْنِ دعاهما الْمولى فوجههما إِلَى كرم لَهُ ليسقياه ويصلحاه ويقوما بمصلحة هَذَا الْكَرم فذهبا لذَلِك الْأَمر مُسْرِعين كالسهم وفعلا ذَلِك فَمن رآهما نظر إِلَيْهِمَا بِعَين الطَّاعَة وَصِحَّة العبودة فَأَرَادَ الْمولى امتحانهما ليبلو
стр. 160
باطنهما فَحَضَرَ الْكَرم فوجدهما فِي ظلال بَين الثِّمَار وَالْأَعْنَاب وَالْوَقْت وَقت الظهيرة فبعثهما إِلَى الْحَصاد والدياس فَمر أَحدهمَا من سَاعَته مسرعا ممتثلا أمره وَالْآخر أَخذ فِي التلكؤ والتغافل فَعلم من رأيهما بعد الامتحان أَن ذَلِك الأول مِمَّن أطَاع مَوْلَاهُ على الصفاء وَالْإِخْلَاص وَالْآخر على هوى نَفسه فَلَمَّا استقبله خلاف هَوَاهُ ترك طَاعَته وتأنى بِالْكَسَلِ والتثاقل فَهَذَا تَابع هَوَاهُ
فَكَذَلِك العبيد عِنْد الله تَعَالَى من عبد الله تَعَالَى للهوى وللنفس فِيهِ نصيب يمر فِيهِ وَإِذا أَتَاهُ أَمر يثقل عَلَيْهِ هرب مِنْهُ وضيع الْحق فَإِذا أَتَاهُ مَحْبُوب سارع إِلَيْهِ فَلَا يكون هَذَا من المحقين أبدا
مثل موسرين ينْفق أَحدهمَا فِيمَا يهوى وَينْفق الآخر فِي وُجُوه الْخَيْر
مثل الموسرين أَحدهمَا ينْفق مَاله فِي هوى نَفسه وَالْآخر ينْفق مَاله فِي وُجُوه الْخَيْر من إطْعَام الطَّعَام وصلَة الْأَرْحَام ومصارف الْحق وَأَشْبَاه ذَلِك مثل رجلَيْنِ دعاهما الْملك فأودع كل وَاحِد مِنْهُمَا خزانَة فَقَالَ أمسكا واحفظا فَمن جاءكما برقعتي فأعطياه مَا فِي الرقعة مقدارها وَهَا هُنَا عسكران عسكري وعسكر الْعَدو فإياكما أَن تَصرفا شَيْئا من هَذَا المَال إِلَى عَسْكَر الْعَدو
стр. 161
فَذهب أَحدهمَا واستعفاه من قبُوله فَلم يعفه مِنْهُ فَقبله على ضَرُورَة وَهُوَ ثقيل عَلَيْهِ فَكل من أَتَاهُ برقعته أدر عَلَيْهِ مَا تضمنته الرقعة مغتنما لحقه حَتَّى صدرُوا إِلَى الْملك حامدين لَهُ شاكرين بِبَاب الْملك مثنين عَلَيْهِ ناشرين عَنهُ جميلا ثمَّ عمد إِلَى صرته فأنفق على مَا فِيهِ قُوَّة عَسْكَر الْملك فَإِذا قدم لِلْحسابِ قرت عينه بأَدَاء الْأَمَانَة والامتثال لأَمره
وَأما الآخر فَإِنَّهُ لما قبل الْوَدِيعَة ذهب يفتخر بهَا ويتطاول على نظرائه ويباهي بهَا أشكاله ثمَّ أَخذ يصرفهَا إِلَى ملاهيه وهواه وقبيح عمله وأنفذها إِلَى عَسْكَر الْعَدو فَكل من عقل أمره تعجب مِنْهُ وبهت فِي أمره بغفلته وبلاهته وقبح عمله فَإِذا جَاءَتْهُ رقْعَة الْملك دَافع وسوف حَتَّى رَجَعَ أَصْحَاب الرّقاع إِلَى الْملك بهَا ذامين لَهُ متذمرين لفعله ثمَّ لما صرفهَا فِي الْوُجُوه عمد إِلَى أسلحة ودواب فأنفذها إِلَى عَسْكَر الْعَدو فَإِذا قدم إِلَى الْحساب سَأَلَهُ مَا صنعت فِي وديعتنا وَأَمْوَالنَا وَمَوَاثِيقنَا لم يكن لَهُ جَوَاب إِلَّا
стр. 162
أَن يَقُول صرفت أَصْحَاب الرّقاع بحرمان تسويفا ومدافعة وصرفت المَال فِي الأسلحة وَالدَّوَاب لعسكر عَدوك فَمَا لَهُ من الْحساب
مثل من يعظ الْقُلُوب الخربة
مثل من يعظ الْقُلُوب الخربة مثل رجل عمد إِلَى خراب قد تلزق عَلَيْهِ الدُّخان وَالْغُبَار واسود من كَثْرَة ذَلِك فَكلما طينه لم يلزق بِهِ الطين وتساقط فَهُوَ بَين أَمريْن إِمَّا أَن يحكه أَو يغسلهُ حَتَّى زَالَ عَنهُ ذَلِك الْغُبَار وَالدُّخَان حَتَّى يلزق بِهِ الطين فَإِن عجز عَن ذَلِك وَإِلَّا تَابع الطين عَلَيْهِ فَكلما تساقط ضربه بآخر مرّة بعد أُخْرَى إِلَى أَن يلزق فَلَا يزَال يردد عَلَيْهِ ذَلِك حَتَّى يزِيل جَمِيع مَا كَانَ عَلَيْهِ من الدُّخان بتتابع الطين مرّة بعد مرّة
فَكَذَلِك الْقُلُوب الَّتِي قد رانت من كَثْرَة الذُّنُوب إِذا لاقت الموعظة تهافتت عَنْهَا بِمَنْزِلَة الْجِدَار الَّذِي مثلناه فَإِذا تَابَ العَبْد وفزع من الْمعاصِي واستغفر فلاقته الموعظة قبل الْقلب ذَلِك وَأَقْبل على الطَّاعَة ثمَّ أقبل بعد ذَلِك على حسن الطَّاعَة فعبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ فَذَلِك مِنْهُ الْإِحْسَان الَّذِي وَصفه رَسُول الله ﷺ لجبريل صلوَات الله عَلَيْهِ حَيْثُ سَأَلَهُ عَن الْإِيمَان وَالْإِسْلَام وَالْإِحْسَان
стр. 163
فَقَالَ الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ
فَهَذَا الْقلب كجدار غسل وطين ثمَّ جصص فَصَارَ أَبيض ثمَّ ينقش ويطيب فَصَارَ مطيبا مَنْقُوشًا
فالقلب التزق عَلَيْهِ دُخان الذُّنُوب وغبارها لقَوْله ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
وَقَالَ النَّبِي ﷺ (إِذا أذْنب العَبْد ذَنبا نكتت فِي قلبه نُكْتَة سَوْدَاء فَإِذا عَاد نكتت أُخْرَى فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسود الْقلب ثمَّ قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿كلا بل ران على قُلُوبهم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فَإِذا تَابَ صقل الْقلب وأضاء فَإِذا لاقته الموعظة لاقت قلبا مصقولا فَصَارَت المواعظ لَهُ عيَانًا كَأَنَّهُ يشاهدها بعيني الْفُؤَاد مَا يُوصف لَهُ فَصَارَ كالمرآة إِذا رينت فَمَا رَآهُ فِيهَا أبصره كالخيال فَإِذا صقلت أبْصر فِيهَا كل مَا قابلها من شَيْء خلف ظَهره وَبَين يَدَيْهِ وَأبْصر مِثَال وَجهه فِيهَا فَإِذا قابلها بِعَين الشَّمْس وَقع ضوء الشَّمْس فِي الْبَيْت الَّذِي لَيْسَ للشمس فِيهِ مَوضِع إشراق وَذَلِكَ لِأَن النورين إِذا اجْتمعَا والتقيا نور الشَّمْس وَنور الْمرْآة تولد من ٧٠ بَينهمَا نور فَوَقع فِي الْبَيْت المظلم فأضاء
стр. 164
فَكَذَلِك الْقلب الَّذِي عَلَيْهِ رين الذُّنُوب بِمَنْزِلَة الْمرْآة الَّتِي قد صدئت فَإِذا فَكرت شَيْئا من أُمُور الْآخِرَة لم يتراء لَك فَإِذا صقل قَلْبك بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَار صَار كالمرآة المجلاة فَإِذا فَكرت فِي سالف الذُّنُوب وتراءى لَك قبحها فَاشْتَدَّ عَلَيْك وَإِذا فَكرت فِيمَا أعده الله لأهل الْمعاصِي ذكرتك وأرعبت قَلْبك بتعظيم مَا تمثل لَك من عِقَابه
وَإِذا فَكرت فِي دَار المطيعين برمت بِالْحَيَاةِ شوقا إِلَى تَعْظِيم مَا تمثل لَك من كراماته لعَبْدِهِ
وَإِذا فَكرت فِي الْعرض الْأَكْبَر هَالك شَأْنه وأخذك القلق وَعمل فِيك الْحيَاء من رَبك
وَإِذا فَكرت فِي أَمر الملكوت عظم شَأْن العبودة عنْدك فَإِذا لاحظت جَلَاله وعظمته صَار صدرك بِمَنْزِلَة الْبَيْت الَّذِي وَقع فِيهِ نور الشَّمْس حَيْثُ قابلتها بِتِلْكَ الْمرْآة فَصَارَ الصَّدْر مِنْك ممتلئا نورا قد غَابَ عَنْك فِي ذَلِك النُّور جَمِيع مَا ترَاءى لَك قبل ذَلِك فِي وَقت فكرتك فِي أَمر الْجنَّة وَالنَّار وَأمر الذُّنُوب وكل شَيْء سواهُ وَلها قَلْبك
стр. 165
عَن ذَلِك كُله وَوَقع قَلْبك فِي بحار العظمة فَتَقَع فِي الوله إِلَى الله فَإِذا صَار هَذَا الْقلب كجدار غسل وطين ثمَّ جصص فَصَارَ أَبيض ثمَّ نقش وَطيب فَصَارَ مطيبا مَنْقُوشًا فَحِينَئِذٍ أقبل إِلَى الْإِحْسَان وعَلى حسن الطَّاعَة بِأَن يعبد الله كَأَنَّهُ يرَاهُ فَذَاك مِنْهُ الْإِحْسَان الَّذِي وَصفه رَسُول الله ﷺ حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل ﵇
مثل الدُّنْيَا مثل بَحر عميق
مثل الدُّنْيَا مثل بَحر عميق كل من دخله غرق فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يرى ساحله فَإلَى كم يسبح فَهُوَ فِي السباحة حَتَّى يعيا فيلقي نَفسه فِي التَّهْلُكَة وَرُبمَا هاج الموج فيغرق فِي تِلْكَ الأمواج
فالكيس من يجانب الْبَحْر فَهُوَ فِي سَلامَة ومأمن من الْآفَات إِذا لزم السواحل والفرضة وَمن لَهُ حمق دَخلهَا من قلَّة المبالاة وَترك السواحل فَإِذا هُوَ هَالك
وَمن كَانَ قَوِيا فِي ذَات يَده هَنِيئًا مريئا بآلاته وأدواته وَرِجَاله وشرعه وديدبانه وهيأ السَّفِينَة فَركب الْبَحْر فِي مركب لم
стр. 166
يضرّهُ لِأَن سفينته بِعرْض الْبَحْر وَطوله قد طبقت الْبَحْر فَإِن سكنت الرّيح أرساها وَإِن هَاجَتْ أجراها فالآدمي بحره حرصه الَّذِي فِي جَوْفه فَلَيْسَ لِحِرْصِهِ نِهَايَة كالبحر الَّذِي لَا يرى أَطْرَافه وَهُوَ قَول رَسُول الله ﷺ (لَو كَانَ لِابْنِ آدم واديان من ذهب لَا بتغى إِلَيْهِ ثَالِثا وَلَا يمْلَأ جَوف ابْن آدم إِلَّا التُّرَاب)
أخبر أَن صَاحب هَذَا كلما ازْدَادَ تناولا من الدُّنْيَا لم يَدعه مَا فِي جَوْفه حَتَّى يطْلب مزيدا وَذَلِكَ حرصه الَّذِي غرق فِيهِ قلبه فَأَهْلَكَهُ
ثمَّ قَالَ فِي آخِره وَيَتُوب الله على من تَابَ فالتوبة من العَبْد إقباله إِلَى الله بِقَلْبِه وَالتَّوْبَة من الله على العَبْد إقباله على العَبْد بِوَجْهِهِ الْكَرِيم فَتلك سفينته وكما أَن السَّفِينَة بِلَا أَدَاة وَآلَة وَرِجَال لَا تغني عَنهُ شَيْئا فَكَذَا التَّوْبَة لَهَا شعب حَتَّى تَأتي بِالشعبِ كلهَا وَهُوَ أَن يعرض بِقَلْبِه عَن جَمِيع الشَّهَوَات والهوى فَذَاك الإقبال كل
стр. 167
الإقبال فقد أَمن الْغَرق لِأَنَّهُ قد وَقع قلبه فِي بحار العظمة فَامْتَلَأَ قلبه وصدره حَتَّى شبع وَرُوِيَ وَغَابَ الْحِرْص عَن صَدره ودانت نَفسه فَصَارَت كسفينة قد طبقت عرض الْبَحْر فَإِذا هاج الْبَحْر فَإِنَّهُمَا هُوَ بَحر العظمة جرت سفينته برِيح طيب وشراعها حب الله تَعَالَى وَذكره وريحها شوق العَبْد فَلَو أَخذ الدُّنْيَا كلهَا بكفه لقوي عَلَيْهَا وَلم يضرّهُ لِأَن الْحِرْص مَفْقُود وَإِنَّمَا أَخذهَا لله ثمَّ ردهَا إِلَى الله فَهُوَ كالخازن يَأْخُذهَا بِحَق ويمسكها بِحَق ويصرفها فِي حق لَيست لَهُ فِي ذَلِك شَهْوَة وَلَا نهمة
مثل الشَّهَوَات وترددها فِي الصُّدُور
مثل الشَّهَوَات وترددها فِي الصَّدْر بَين عَيْني الْفُؤَاد مثل ذبان تطير بَين عَيْني الرَّأْس وَإِنَّمَا يجْتَمع الذبان حَيْثُ يكون الشَّيْء الحلو من الْأَشْرِبَة والأطعمة وَكَذَا إِذا اجْتمعت الشَّهَوَات فِي صدر الْمُؤمن وحلاوة الدُّنْيَا ولذاتها فَلَقِيته مُسْتَقرًّا لَهَا بترددهن فَمَا دَامَ الْحر كَائِنا فَذَلِك شأنهن فَإِذا جَاءَ الْبرد لم يكن لَهَا بَقَاء
فَكَذَا صَاحب الشَّهَوَات إِذا جَاءَتْهُ من الله رَحْمَة برد قلبه عَن الشَّهَوَات فَإِن نور الرَّحْمَة يبرد الْأَشْيَاء ويخمدها فَإِن برد الرَّحْمَة
стр. 168
يطفيء حر النَّار عَن الْمُؤمن عِنْد الْجَوَاز على الصِّرَاط
وَكَذَا هَا هُنَا من نَالَ رَحْمَة من الله برد قلبه عَن جَمِيع الشَّهَوَات ثمَّ بعد ذَلِك جَاءَت أنوار على الْقلب واشتعلت نيرانها فِي الْقلب حَتَّى صَار سَعْيه كُله لَهُ بعد أَن كَانَت حرارة الشَّهَوَات مَوْجُودَة فِي صَدره وَكَانَ سَعْيه لَهَا
وَقد قَالَ الله تَعَالَى فِي وصف الشَّهَوَات وشأنها ﴿زين للنَّاس حب الشَّهَوَات من النِّسَاء والبنين والقناطير المقنطرة من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل المسومة والأنعام والحرث ذَلِك مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالله عِنْده حسن المآب﴾
فقد اجْتمع فِي الْآدَمِيّ ثَلَاثَة أَشْيَاء زِينَة وَحب وشهوة لهَذِهِ الْأَشْيَاء الَّتِي عد فِي هَذِه الْآيَة
стр. 169
والشهوة خلقت من النَّار وَهِي محفوفة بهَا لقَوْله ﷺ (حفت النَّار بالشهوات) فَتلك زِينَة ونعيم وأفراح خلقت من النَّار وَالنَّار خلقت لَهَا فَفِي جَوف كل نفس مَوْضُوع فِيهَا بِقَدرِهِ وحريقها مَوْجُود عِنْد هيجانه
وللحب حرارة وللزينة فَرح وللفرح حرارة فَكلما ازْدَادَ العَبْد من هَذَا الْفَرح تَبَاعَدت عَنهُ الرَّحْمَة لِأَن الله تَعَالَى لَا يحب الفرحين
فَإِذا توقى عَن هَذِه الأفراح فَمثله كَمثل رجل دخل بَيْتا فِيهِ ذبان كَثِيرَة فسد الكوة وذب الذبان إِلَى الْبَاب ليخرج فسد الْبَاب حَتَّى أظلم الْبَيْت فَذَهَبت قُوَّة طيران مَا بَقِي فِي الْبَيْت فَبَقيَ فِي نَاحيَة من الْبَيْت وَرَاح من فِي الْبَيْت
стр. 170
فَمن لم ينل تِلْكَ الرَّحْمَة الَّتِي تبرد قلبه عَن الشَّهَوَات وتخمد نَفسه فِيهَا فَالْحِيلَةُ فِيهِ أَن يخْتَار لنَفسِهِ الْعُزْلَة ويسد أَبْوَاب الشَّهَوَات على نَفسه
قَالَ قَائِل مثل مَاذَا
قَالَ مثل رجل أَرَادَ أَن يسد بَاب فضول الْكَلَام حَتَّى تَنْقَطِع عَنهُ شَهْوَة فضول الْكَلَام ويبرد على ٧١ قلبه ذَلِك
١ - اجْتِنَاب أَبْوَاب الْكَلَام
فَعَلَيهِ أَن يجْتَنب أَبْوَاب الْكَلَام على كانونه مَعَ عِيَاله وعَلى بَابه عِنْد مجمع الْجِيرَان فِي الحارة وَعند مجامع الطّرق والأسواق فَهَذِهِ كلهَا أَبْوَاب الْكَلَام فَإِذا عرفهَا تجنبها فَإِذا هُوَ قد سد على نَفسه وحسم الْبَاب فَإِذا تعشى قَامَ إِلَى مُصَلَّاهُ وَإِذا رأى مجمع الْجِيرَان سلم وَمر فَكل مجامع فِيهَا فضول من الْكَلَام جَانب عَنْهَا كَمَا فعل أَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ ﵀ حَيْثُ رأى جمَاعَة فِي الْمَسْجِد فَمَال إِلَيْهِم ليجلس مَعَهم وَظن أَنهم فِي ذكر الله تَعَالَى فَوَجَدَهُمْ فِي ذكر الدُّنْيَا فَقَالَ أَنْتُم فِي سوق الدُّنْيَا وحسبت أَنكُمْ فِي سوق الْآخِرَة وَأعْرض عَنْهُم
стр. 171
فَمن كَانَ لِسَانه مِنْهُ على بَال ورد شَهْوَة الْكَلَام عَن نَفسه فقد نجا من أَمر عَظِيم
وَكَذَا فِي سَائِر الْجَوَارِح يسد على كل جارحة أَبْوَاب فضولها حَتَّى تهدأ جوارحه فَصَارَ كمن سد الكوة ورد الْبَاب فسكنت الذبان عَنهُ فَكلما فتح الكوة وَالْبَاب عدن إِلَى الطيران فَهَذَا دأبه إِلَى يَوْم الْمَوْت
فَهَذَا شَأْن أهل الْعُزْلَة حسموا أَبْوَاب الشَّهَوَات بالعزلة عَن الْخلق حَتَّى هدأت الْجَوَارِح وبقوا فِي الزوايا فَمن من الله عَلَيْهِ بِالنعْمَةِ الْعُظْمَى وبالحرمة الَّتِي إِذا ورد على الْقلب نورها خمدت جَمِيع حرارة الشَّهَوَات وذبلت وتهافتت بِمَنْزِلَة الْبرد الَّذِي هجم على مَكَان الذُّبَاب فتهافتت فَإِذا برد الْقلب بخمود النَّفس وخلا الصَّدْر من حرارة الشَّهَوَات وصورهن على عَيْني الْفُؤَاد فِي صَدره صَار الصَّدْر كمفازة جرداء وطهر من أدناس الشَّهَوَات فَعندهَا جلبت عَلَيْهِ الرَّحْمَة تِلْكَ الْأَنْوَار الملكوتية فاشتعل فِي قلبه حريقها فَاسْتَنَارَ الصَّدْر بهَا حَتَّى حمي الصَّدْر وَصَارَ بِمَنْزِلَة التَّنور الْخَالِي من
стр. 172
النَّار بَارِد فَكلما ألزق بِهِ رغيفا تهافت وَلم يلزق فَإِذا سجر التزق الْخبز بِهِ
فَكَذَا الْقلب إِذا حمي بِتِلْكَ الْأَنْوَار فَكلما لاقته موعظة التزق الْوَعْظ بِهِ ونجع فِيهِ واتعظ بِهِ وَإِلَّا تهافت كالخبز من التَّنور الْبَارِد
مثل رياضة النَّفس
مثل رياضة النَّفس مثل دَابَّة سَالِمَة لم ترْبط إِلَى آري فَكَانَت ترتع فِي البراري تذْهب حَيْثُ شَاءَت إِلَى نهماتها لَا تعرف مَالِكهَا وَلَا تعلم سَيرهَا فَإِذا أَرَادَ أَن يَجْعَلهَا مركبا أَخذهَا الرابض بالوهق وَالْحَبل ثمَّ قيدها حَتَّى أمكنته من اللجام والسرج ثمَّ ركبهَا فاضطربت بِنَفسِهَا إِلَى الأَرْض فَلَا تزَال هَكَذَا حَتَّى انقادت
стр. 173
للرُّكُوب عَلَيْهَا واعتادت اللجام والسرج فاستغنى عَن الْقَيْد ثمَّ كَانَت تسير وَلَا تعلم السّير فَلم تزل تؤدب لتعلم السّير وتترك مرادها فَردهَا من مرادها وَمن نهمتها وسيرها إِلَى مُرَاد نَفسه ثمَّ لما صَارَت إِلَى الْأَنْهَار والحفائر وثب بهَا لتعتاد العبور عَلَيْهَا وَلم يجرها على القنطرة فتعتاد الجري على القنطرة فَلَيْسَ على كل نهر تُوجد قنطرة ثمَّ سَار بهَا فِي جلب الْأَسْوَاق فِي النجارين والحدادين وَنَحْوهمَا ليعودها الجلبة كي لَا تنفر وَلَا تتْرك سَيرهَا عِنْد كل جلبة تستقبلها فَلَا يزَال يرد بهَا هَكَذَا حَتَّى يَأْخُذ بِمَجَامِع قَلبهَا وتترك أذنيها مصغية إِلَى هَذِه الرياضة فَهِيَ تسير بِهَذَا اللجام فَإِن مد عنانها بإصبع وقفت وَإِن عطفت بإصبع انعطفت وَإِن تحامل بركابيها وأرخى عنانها طارت وَإِن كبح لجامها فِي ذَلِك الطيران بإصبع هدأت وسكنت وَإِن نزل عَنْهَا ووقفها امْتنعت من أَن تروث وتبول حَتَّى تصير إِلَى موضعهَا وَإِن استقبلتها جلبة لم تلْتَفت إِلَى ذَلِك ودأبت فِي سَيرهَا وَإِن اسْتَقْبلهَا نهر لم تلْتَفت إِلَى قنطرة وَوَثَبْت وثبة من رفع البال عَن نَفسهَا
فَهَذِهِ دَابَّة قد صلحت للْملك فعرضت عَلَيْهِ فاستحلاها واتخذها لنَفسِهِ مركبا فَربطت إِلَى آرية وأعلفت من أطايب
стр. 174
الأعلاف وغلا فِي ثمنهَا وجللت وبرقعت وأريحت فَمن بَين الْأَيَّام ينشط الْملك مرّة للرُّكُوب عَلَيْهَا
فَكَذَا النَّفس أَولا ترَاض بِحِفْظ الْحُدُود فَهَذَا سرجها ولجامها وَالرُّكُوب هُوَ الْفَرَائِض ولجامها الْحُدُود الَّتِي حرم الله تَعَالَى ثمَّ ترَاض فتؤخذ بِالصّدقِ وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال وَحسن الْأَخْلَاق كَمَا أمرت الدَّابَّة بِحسن السّير وبالعطف فِي المعاطف والطيران عِنْد التحامل عَلَيْهَا وَذَلِكَ السَّبق بِالْأَعْمَالِ من العَبْد والمسارعة فِي الْخيرَات ثمَّ يُؤْخَذ عَلَيْهِ بقول الْحق وَألا يخَاف فِي الله لومة لائم ذَلِك فضل الله يؤتيه من يَشَاء
وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر كَمَا أخذت الدَّابَّة بالوثب حَيْثُ لَا قنطرة وَلَا مجَاز للْمَاء ثمَّ يُؤْخَذ عَلَيْهِ بالمعاداة لأهل الْمُنكر والمعاصي وَالْحب لله والبغض فِي الله كَمَا أَخذ على الدَّابَّة تقلبها فِي العبور والأسواق
فَهَذَا بذل النَّفس لله فَإِذا قد اسْتكْمل الْأَدَب وَأخذ الله بِقَلْبِه فَصَارَ صغو أُذُنِي فُؤَاده إِلَى الله تَعَالَى وشخصت عينا فُؤَاده تنظران إِلَى الله تَعَالَى وَإِلَى تَدْبِير الله جلّ وَعلا فِي خلقه فَهَذَا ولي الله قد أدبه واصطفاه لنَفسِهِ واتخذه حبيبا
стр. 175
مثل الْإِيمَان والأعمال الصَّالِحَة
مثل الْإِيمَان والأعمال الصَّالِحَة مثل بَيت وضع فِيهِ غُصْن من الْورْد والياسمين والسوسن مِمَّا يفوح رِيحه فيطيب الْبَيْت مَا دَامَ الْبَيْت مرشوشا ذَا روح والغصن طري بمائه فريحه فائح فَإِذا هَب الرّوح من الْبَيْت وَتمكن فِيهِ الْحر ذبل الْغُصْن وَذَهَبت طراوته وافتقد طيبه
فَكَذَا الْإِيمَان فِي قلبه طري نزه بنزاهة الْقلب فَإِذا نالته حرارة شهوات النَّفس وفوران الْهوى وحدة حرارة الْحِرْص وَطلب الْعُلُوّ وَحب الْعِزّ والرياسة فأحاطت هَذِه الْأَشْيَاء بِالْقَلْبِ ذبلت شَجَرَة الْإِيمَان وَذَهَبت طراوتها ونزاهتها
مثل طيب الْإِيمَان على الْقلب
مثل طيب الْإِيمَان على الْقلب مثل عود أَلقيته على جَمْرَة ليتوقد ويتبخر بِهِ الْمَسْجِد فَإِذا كَانَت الْجَمْرَة ذَات توقد فاح ريح البخور وانتفع الْقَوْم بِهِ وَإِذا كَانَت الْجَمْرَة منطفئة قد علاها الرماد بَقِي الْعود مَكَانَهُ وَلم يكن لَهُ بخور
стр. 176
مثل الْإِيمَان فِي الْقلب
مثل الْإِيمَان فِي الْقلب مثل غراسة غرستها فِي الأَرْض عودا كالسواك فَالْتَفت عَلَيْهَا الأَرْض فَأن أَنْت سقيتها وأمددتها بِالتُّرَابِ وأضحيتها للشمس فَعَن قريب تصير شَجَرَة باسقة فِي السَّمَاء غلظ سَاقهَا وَكثر فروعها وتمكنت من الأَرْض ٧٢ عروقها وزكت ثَمَرَتهَا
فَإِن قصرت فِي السَّقْي وَالتُّرَاب وسطحت فَوْقهَا فَلم تدركها الشَّمْس تكون عويدة كَمَا غرستها ثمَّ عَن قريب تيبس وتقلع ويرمى بهَا فِي النَّار
فَكَذَا نور الْإِيمَان إِذا دخل الْقلب فسقيه الْعلم بِاللَّه فَكلما ازددت بِاللَّه علما ازْدَادَ الْقلب بِاللَّه حَيَاة وازداد كشفا ووضوحا بربوبيته
ومدده أَعمال الْبر وَهِي أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَكلما عملت برا كَانَ نور ذَلِك الْعَمَل رَاجعا إِلَى نور الْمعرفَة فَيَزْدَاد
стр. 177
قُوَّة بِنور الْمعرفَة لِأَنَّهُ إِذا رفع عمله إِلَى الله تَعَالَى نظر الله إِلَيْهِ فاشتغل بذلك فَذَلِك الْعَمَل النُّور وَأَصله فِي الْقلب وفرعه عِنْد الله تَعَالَى فَإِذا اشتعل الْفَرْع نورا بِنَظَر الله تَعَالَى إِلَيْهِ تأدى ذَلِك النُّور إِلَى الأَصْل فاختلط بِنور الْمعرفَة فتزكى وإضحاؤها للشمس رفع العلائق وَهُوَ ركُوب الْهوى فِي الشَّهَوَات فَإِذا زَالَ الْهوى عَن الْقلب كَانَ بِمَنْزِلَة بَيت رفع سقفه حَتَّى خلص إِلَى الشّجر حر الشَّمْس فَعندهَا يغلظ سَاقه وتكثر فروعه وتزكو ثَمَرَته كعود غرسته فِي وعَاء مثل الْحبّ وَفِي أصل الْحبّ تُرَاب فَلم يزل هَذَا الْعود يَنْمُو بسقي المَاء وإشراق الشَّمْس حَتَّى صَار ذَا سَاق غليظ امْتَلَأَ من غلظه هَذَا الْحبّ حَتَّى لم يبْق فِيهِ مَوضِع ظفر فَإِذا امْتَلَأَ لم يكن لشَيْء غَيره مساغ فِيهِ أَن يدْخلهُ
فَكَذَلِك الْمعرفَة إِذا تمكنت فِي الْقلب عروقها لَا يزَال يَرْبُو على ازدياد الْعلم بِاللَّه وبأسمائه وبربوبيته وتدبيره وعَلى أَعمال الْبر وَقطع العلائق حَتَّى يمتلئ الْقلب مِنْهُ فَكَانَ بدؤه نور الْمعرفَة فلحقت بِهِ هَذِه الْأَنْوَار نور الْمعرفَة وأنوار الْعَمَل فَامْتَلَأَ الْقلب نورا حَتَّى لم يبْق فِي الْقلب مَوضِع رَأس إبرة خَالِيا عَن النُّور فَكيف تدخله ظلمَة الْهوى وَالنَّفس فَإِذا لم يربه بِهَذِهِ الْأَنْوَار بَقِي الْقلب
стр. 178
خَالِيا إِلَّا بِمِقْدَار ذَلِك النُّور الَّذِي حل بِهِ من نور الْمعرفَة وَمَا حوله من الْقلب خَال فَتدخل عَلَيْهِ ظلمات الْهوى فتختلط بِهِ ويجاوره بجوار السوء حَتَّى يذوب ذَلِك النُّور وينتقص فيوشك صَاحب هَذَا أَن يسلب حَتَّى لَا يبْقى مَعَه شَيْء نَعُوذ بِاللَّه من تِلْكَ الْحَال
وَحكى أَن إِبْرَاهِيم بن جُنَيْد رحمهمَا الله قَالَ كَانَ يُقَال همة الزهاد والعباد مُخَالفَة الْأَهْوَاء عَن الشَّهَوَات وهمة الْعُقَلَاء والأولياء ترك الذُّنُوب وَإِصْلَاح الْقُلُوب
مثل الْإِيمَان
مثل الْإِيمَان مثل الضَّيْف الْكَرِيم بَعثه الْملك إِلَيْك ضيفا وأمرك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَإِن تَركك على ذَلِك وَقعت فِي الْجهد والمعالجة والاستدانة والحور تنْفق عَلَيْهِ وتحسن فَإِن أَعْطَاك الْملك بدرة من الدَّنَانِير وَقَالَ أنْفق على هَذَا الضَّيْف وَلَا تقتر وَأحسن إِلَيْهِ وَلَا تقصر فقد استرحت فَإِن كنت تركت الضَّيْف ضائعا وتنفق الدَّنَانِير على أهلك وولدك فقد خُنْت وخسرت
стр. 179
فالمؤمن أعطي الْمعرفَة وَقيل لَهُ تبحر فِي علم هَذِه الْمعرفَة وَانْظُر إِلَى مَا ظهر لَك من عَظمته وَقدرته وجلاله وَملكه وَانْظُر إِلَى تَدْبيره وحكمته وصنائعه وَانْظُر إِلَى مجده وإحسانه فَذهب بِهَذَا النّظر بِمَا أعْطى من النُّور إِلَى أشغال النَّفس وَأُمُور الدُّنْيَا فخاب وخسر
وَإِن ذهب بِهَذَا النّظر إِلَى مَا ذكرنَا بِمَا أظهر رَبنَا ﵎ من أُمُوره ازْدَادَ يَقِينا وخشية وخوفا وحياء وازداد حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَاسْتغْنى بِهِ عَن جَمِيع خلقه وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن يَوْمًا لَا أزداد فِيهِ علما بقربي إِلَى الله تَعَالَى لَا بورك لي فِي طُلُوع شمس ذَلِك الْيَوْم)
وَرُوِيَ لنا أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله عَلمنِي غرائب الْعلم قَالَ (مَا صنعت فِي رَأس الْعلم) فَقَالَ لَهُ (هَل عرفت رَبك) قَالَ نعم فَقَالَ (مَا صنعت فِي حَقه) قَالَ مَا شَاءَ الله قَالَ (هَل عرفت الْمَوْت) قَالَ نعم قَالَ (فَمَا أَعدَدْت لَهُ) قَالَ مَا شَاءَ الله قَالَ (فَاذْهَبْ فتعلم رَأس الْعلم ثمَّ تعال حَتَّى أعلمك غرائب الْعلم)
فَإِنَّمَا دله رَسُول الله ﷺ على الْعلم بِاللَّه ليقوم بِحقِّهِ
أَلا ترى أَنه سَأَلَهُ عَن حَقه ليعلم أَن من ضيع حَقه وَجَهل
стр. 180
حَقه ثمَّ ادّعى علما بِهِ فَهُوَ كَاذِب فِي مقَالَته فَإِنَّمَا ذَاك علم سَمعه بأذنه وأودعه حفظه وَلَيْسَ فِي قلبه مِنْهُ إِلَّا الْإِيمَان بِهِ
فَهَذِهِ البدرة الَّتِي أَعْطَاك الْملك لتنفق مِنْهَا وأعطاك رَبك ﷻ هَذَا الذِّهْن وَالْعقل فَمن اسْتعْمل عقله فِي التفكر فِي أَمر الله فقد وضع النَّفَقَة موضعهَا وَقد أنْفق على الضَّيْف لِأَن الْمعرفَة موضعهَا الْقلب وحولها بحور الْعلم بِاللَّه فَذَلِك كُله ثبات الْمعرفَة واستقامتها لِئَلَّا تصير الْمعرفَة نكرَة بَيْنَمَا أَنَّك تعرف رَبك بالجود وَالْكَرم وَالْوَفَاء ثمَّ تصير معرفتك نكرَة فتتملق إِلَى عبيده فِي النوائب وتتعلق بهم وتتخذهم من دونه وَكيلا ووليا فتعرف رَبك بالكفاية وتستظهر بِمن دونه حَتَّى تقع فِي آبار المهالك وَتصير مداهنا ومتصنعا ومرائيا تتزين لخلقه وتترضاهم بالقبائح والمشاين فِيمَا بَيْنك وَبَين رَبك ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك
مثل الْإِيمَان وَصِحَّته وسقمه
مثل الْإِيمَان وَصِحَّته وسقمه مثل رجل يُرِيد أَن يشترى عبدا
следующие страницы →