← Адаб

Адаб · id 6893

الأمثال من الكتاب والسنة

الحكيم الترمذي

Полный текст (318 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

مثل الْإِيمَان فِي الْقلب مثل الْإِيمَان فِي الْقلب مثل غراسة غرستها فِي الأَرْض عودا كالسواك فَالْتَفت عَلَيْهَا الأَرْض فَأن أَنْت سقيتها وأمددتها بِالتُّرَابِ وأضحيتها للشمس فَعَن قريب تصير شَجَرَة باسقة فِي السَّمَاء غلظ سَاقهَا وَكثر فروعها وتمكنت من الأَرْض ٧٢ عروقها وزكت ثَمَرَتهَا فَإِن قصرت فِي السَّقْي وَالتُّرَاب وسطحت فَوْقهَا فَلم تدركها الشَّمْس تكون عويدة كَمَا غرستها ثمَّ عَن قريب تيبس وتقلع ويرمى بهَا فِي النَّار فَكَذَا نور الْإِيمَان إِذا دخل الْقلب فسقيه الْعلم بِاللَّه فَكلما ازددت بِاللَّه علما ازْدَادَ الْقلب بِاللَّه حَيَاة وازداد كشفا ووضوحا بربوبيته ومدده أَعمال الْبر وَهِي أَدَاء الْفَرَائِض وَاجْتنَاب الْمَحَارِم فَكلما عملت برا كَانَ نور ذَلِك الْعَمَل رَاجعا إِلَى نور الْمعرفَة فَيَزْدَاد

стр. 177

قُوَّة بِنور الْمعرفَة لِأَنَّهُ إِذا رفع عمله إِلَى الله تَعَالَى نظر الله إِلَيْهِ فاشتغل بذلك فَذَلِك الْعَمَل النُّور وَأَصله فِي الْقلب وفرعه عِنْد الله تَعَالَى فَإِذا اشتعل الْفَرْع نورا بِنَظَر الله تَعَالَى إِلَيْهِ تأدى ذَلِك النُّور إِلَى الأَصْل فاختلط بِنور الْمعرفَة فتزكى وإضحاؤها للشمس رفع العلائق وَهُوَ ركُوب الْهوى فِي الشَّهَوَات فَإِذا زَالَ الْهوى عَن الْقلب كَانَ بِمَنْزِلَة بَيت رفع سقفه حَتَّى خلص إِلَى الشّجر حر الشَّمْس فَعندهَا يغلظ سَاقه وتكثر فروعه وتزكو ثَمَرَته كعود غرسته فِي وعَاء مثل الْحبّ وَفِي أصل الْحبّ تُرَاب فَلم يزل هَذَا الْعود يَنْمُو بسقي المَاء وإشراق الشَّمْس حَتَّى صَار ذَا سَاق غليظ امْتَلَأَ من غلظه هَذَا الْحبّ حَتَّى لم يبْق فِيهِ مَوضِع ظفر فَإِذا امْتَلَأَ لم يكن لشَيْء غَيره مساغ فِيهِ أَن يدْخلهُ فَكَذَلِك الْمعرفَة إِذا تمكنت فِي الْقلب عروقها لَا يزَال يَرْبُو على ازدياد الْعلم بِاللَّه وبأسمائه وبربوبيته وتدبيره وعَلى أَعمال الْبر وَقطع العلائق حَتَّى يمتلئ الْقلب مِنْهُ فَكَانَ بدؤه نور الْمعرفَة فلحقت بِهِ هَذِه الْأَنْوَار نور الْمعرفَة وأنوار الْعَمَل فَامْتَلَأَ الْقلب نورا حَتَّى لم يبْق فِي الْقلب مَوضِع رَأس إبرة خَالِيا عَن النُّور فَكيف تدخله ظلمَة الْهوى وَالنَّفس فَإِذا لم يربه بِهَذِهِ الْأَنْوَار بَقِي الْقلب

стр. 178

خَالِيا إِلَّا بِمِقْدَار ذَلِك النُّور الَّذِي حل بِهِ من نور الْمعرفَة وَمَا حوله من الْقلب خَال فَتدخل عَلَيْهِ ظلمات الْهوى فتختلط بِهِ ويجاوره بجوار السوء حَتَّى يذوب ذَلِك النُّور وينتقص فيوشك صَاحب هَذَا أَن يسلب حَتَّى لَا يبْقى مَعَه شَيْء نَعُوذ بِاللَّه من تِلْكَ الْحَال وَحكى أَن إِبْرَاهِيم بن جُنَيْد رحمهمَا الله قَالَ كَانَ يُقَال همة الزهاد والعباد مُخَالفَة الْأَهْوَاء عَن الشَّهَوَات وهمة الْعُقَلَاء والأولياء ترك الذُّنُوب وَإِصْلَاح الْقُلُوب مثل الْإِيمَان مثل الْإِيمَان مثل الضَّيْف الْكَرِيم بَعثه الْملك إِلَيْك ضيفا وأمرك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ فَإِن تَركك على ذَلِك وَقعت فِي الْجهد والمعالجة والاستدانة والحور تنْفق عَلَيْهِ وتحسن فَإِن أَعْطَاك الْملك بدرة من الدَّنَانِير وَقَالَ أنْفق على هَذَا الضَّيْف وَلَا تقتر وَأحسن إِلَيْهِ وَلَا تقصر فقد استرحت فَإِن كنت تركت الضَّيْف ضائعا وتنفق الدَّنَانِير على أهلك وولدك فقد خُنْت وخسرت

стр. 179

فالمؤمن أعطي الْمعرفَة وَقيل لَهُ تبحر فِي علم هَذِه الْمعرفَة وَانْظُر إِلَى مَا ظهر لَك من عَظمته وَقدرته وجلاله وَملكه وَانْظُر إِلَى تَدْبيره وحكمته وصنائعه وَانْظُر إِلَى مجده وإحسانه فَذهب بِهَذَا النّظر بِمَا أعْطى من النُّور إِلَى أشغال النَّفس وَأُمُور الدُّنْيَا فخاب وخسر وَإِن ذهب بِهَذَا النّظر إِلَى مَا ذكرنَا بِمَا أظهر رَبنَا ﵎ من أُمُوره ازْدَادَ يَقِينا وخشية وخوفا وحياء وازداد حسن الظَّن بِاللَّه تَعَالَى وَاسْتغْنى بِهِ عَن جَمِيع خلقه وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (إِن يَوْمًا لَا أزداد فِيهِ علما بقربي إِلَى الله تَعَالَى لَا بورك لي فِي طُلُوع شمس ذَلِك الْيَوْم) وَرُوِيَ لنا أَن رجلا جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله عَلمنِي غرائب الْعلم قَالَ (مَا صنعت فِي رَأس الْعلم) فَقَالَ لَهُ (هَل عرفت رَبك) قَالَ نعم فَقَالَ (مَا صنعت فِي حَقه) قَالَ مَا شَاءَ الله قَالَ (هَل عرفت الْمَوْت) قَالَ نعم قَالَ (فَمَا أَعدَدْت لَهُ) قَالَ مَا شَاءَ الله قَالَ (فَاذْهَبْ فتعلم رَأس الْعلم ثمَّ تعال حَتَّى أعلمك غرائب الْعلم) فَإِنَّمَا دله رَسُول الله ﷺ على الْعلم بِاللَّه ليقوم بِحقِّهِ أَلا ترى أَنه سَأَلَهُ عَن حَقه ليعلم أَن من ضيع حَقه وَجَهل

стр. 180

حَقه ثمَّ ادّعى علما بِهِ فَهُوَ كَاذِب فِي مقَالَته فَإِنَّمَا ذَاك علم سَمعه بأذنه وأودعه حفظه وَلَيْسَ فِي قلبه مِنْهُ إِلَّا الْإِيمَان بِهِ فَهَذِهِ البدرة الَّتِي أَعْطَاك الْملك لتنفق مِنْهَا وأعطاك رَبك ﷻ هَذَا الذِّهْن وَالْعقل فَمن اسْتعْمل عقله فِي التفكر فِي أَمر الله فقد وضع النَّفَقَة موضعهَا وَقد أنْفق على الضَّيْف لِأَن الْمعرفَة موضعهَا الْقلب وحولها بحور الْعلم بِاللَّه فَذَلِك كُله ثبات الْمعرفَة واستقامتها لِئَلَّا تصير الْمعرفَة نكرَة بَيْنَمَا أَنَّك تعرف رَبك بالجود وَالْكَرم وَالْوَفَاء ثمَّ تصير معرفتك نكرَة فتتملق إِلَى عبيده فِي النوائب وتتعلق بهم وتتخذهم من دونه وَكيلا ووليا فتعرف رَبك بالكفاية وتستظهر بِمن دونه حَتَّى تقع فِي آبار المهالك وَتصير مداهنا ومتصنعا ومرائيا تتزين لخلقه وتترضاهم بالقبائح والمشاين فِيمَا بَيْنك وَبَين رَبك ونعوذ بِاللَّه من ذَلِك مثل الْإِيمَان وَصِحَّته وسقمه مثل الْإِيمَان وَصِحَّته وسقمه مثل رجل يُرِيد أَن يشترى عبدا

стр. 181

فَيتَخَيَّر من بَين العبيد من لَهُ زِيَادَة بسطة فِي الْجِسْم غليظ الرَّقَبَة يقدر بالأحمال الثَّقِيلَة على رقبته وَسبق على العبيد بالشخص والبطش فَاشْتَرَاهُ بِالثّمن الغالي وأقامه بِالْخدمَةِ بَين يَدَيْهِ وصير لَهُ مقَاما مَعْلُوما فَإِذا يكون قد سقم فَمَا زَالَ السقم حَتَّى أثر فِي بدنه فَزَالَ عَنهُ قُوَّة الْبَطْش وَالْحمل ورق عظمه وَصَارَت قدماه من الرعشة والرجفة حَتَّى عجز عَن الْقيام بَين يَدي سَيّده وَعجز عَن الْخدمَة فتراجعت قِيمَته وَصَارَ أمره على خطر الْمَوْت فالمؤمن لما جَاءَهُ نور الْهِدَايَة استقام قلبه لله عبودة مُؤمنا بِقَلْبِه مُسلما بأركانه فقد اسْتَقَرَّتْ قدما قلبه بَين يَدي الله تَعَالَى للْخدمَة فاذا جَاءَتْهُ الشَّهَوَات مَعَ هبوب رِيحهَا فرجفت بِقَلْبِه ومازجت حلاوة الشَّهَوَات ولذات الْهوى حلاوة الْحبّ الَّذِي فِي إيمَانه وَضعف قلبه وَصَارَت تِلْكَ الْحَلَاوَة واللذة الَّتِي جَاءَت من قبل الشَّهْوَة مَرضا للقلب فضعف الْقلب لِأَن قوته كَانَت من حرارة ذَلِك الْحبّ وحلاوته وَقُوَّة ٧٣ الْفَرح الَّذِي فِي ذَلِك الْحبّ فرجفت قدماه وارتعشت فَإِذا جَاءَتْهُ المكروهات ضعف قدمه عَن احتمالها ودقت رقبته وَذَهَبت قُوَّة بطشه بِقَلْبِه وَعجز عَن الْقيام بَين يَدي الله تَعَالَى لِأَن هَوَاهُ وشهواته تردانه إِلَى المنى

стр. 182

فالإيمان هُوَ اسْتِقْرَار الْقلب بَين يَدي الله تَعَالَى وطمأنينة النَّفس بَين يَدي الله تَعَالَى بالعبودة فَإِنَّمَا دخل عَلَيْهِ السقم من مُخَالطَة حلاوة الشَّهَوَات وَلَذَّة الْهوى فَذَهَبت قوته فَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه) فحلاوته من الْحبّ الَّذِي تضمنه ونزاهته من نور التَّوْحِيد فَإِذا مازجته حلاوة الشَّهَوَات مررته وَإِذا خالطته أَسبَاب الْهوى ذهبت نزاهته فتكدر الْإِيمَان وتدنس وَمن كدورته ودنسه سقم الْقلب قَالَ لَهُ قَائِل وَكَيف يتدنس الْإِيمَان ويتكدر قَالَ إِن الْإِيمَان عَطاء الله تَعَالَى وَهُوَ اسْتِقْرَار قلب العَبْد بِهِ فَإِذا اسْتَقر قلبه بربه صَار عَارِفًا لَهُ مطمئنا إِلَيْهِ فَذَاك مِنْهُ إِيمَان بِاللَّه تَعَالَى وَهُوَ عطاؤه للْعَبد يُقَال آمن يُؤمن إِيمَانًا وَأما النُّور الَّذِي مِنْهُ اسْتِقْرَار الْقلب فَهُوَ نور الْإِيمَان فَيجوز أَن يُسمى إِيمَانًا فِي اللُّغَة كَمَا نسبت الْبَيْت إِلَى الدَّار وَالدَّار إِلَى الْبَيْت فالدار تسمى دَارا لتدوير الخطة وَالْبَيْت يُسمى بَيْتا لِأَنَّهُ نبيت فِيهِ

стр. 183

مثل الْإِيمَان مثل الْإِيمَان مثل الضَّيْف بعث الْملك إِلَيْك ضيفا وَقَالَ أحسن إِلَيْهِ فَإِنَّهُ ضيف كريم وَهُوَ من خاصتي وصنه صِيَانة مثله فَلَو تَركك على ذَلِك وَقعت فِي جهد عَظِيم واستدانة ومؤونة عَظِيمَة لتنفق عَلَيْهِ وتحسن إِلَيْهِ فِي الْعَاقِبَة وَمَعَ ذَلِك تعجز عَن الصيانة وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ لفقرك وخفة ذَات يدك فَإِن أَعْطَاك بدرة من الدَّرَاهِم لتنفق عَلَيْهِ فقد أقدرك على الْإِحْسَان إِلَيْهِ وَكنت واصلا إِلَى إحسانه على السعَة والبسطة لسعة المَال الَّذِي نلته وَالْأول ناله التَّعَب لضيق النَّفَقَة وَلَكِن أَنْت بعد فِي تَعب من ذَلِك لِأَنَّك تحْتَاج إِلَى التَّقْدِير فِي كل شَيْء وَالتَّقْدِير تَعب لِأَنَّك تحْتَاج إِلَى مُحَافظَة الْمَقَادِير فَإِذا جَاءَت الْمُحَافظَة على التَّقْدِير ضَاعَ بعض الْإِحْسَان لقلَّة الْعدة فَإِذا بعث إِلَيْك بدرة أُخْرَى مَكَان الدَّرَاهِم من الدَّنَانِير وَقَالَ أنْفق عَلَيْهِ اتَّسع فِي النَّفَقَة وَخرج عَن تَعب التَّقْدِير ومحافظته فوصل إِلَى الْإِحْسَان كُله وَمَعَ ذَلِك بَقِي شَيْء من الْإِحْسَان لم يصل إِلَيْهِ قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا تِلْكَ الْبَقِيَّة

стр. 184

قَالَ بهاء الْإِحْسَان وزينته قَالَ وبماذا يصل إِلَى ذَلِك قَالَ بِأَن بعث إِلَيْهِ بدرة أُخْرَى مَكَان الدَّنَانِير من الْجَوَاهِر قيمَة كل جَوْهَر مِنْهَا بيُوت من الدَّنَانِير قد اتَّسع الْآن فِي النَّفَقَة اتساعا فَحِينَئِذٍ يصل إِلَى بهاء الْإِحْسَان وزينته قَالَ لَهُ قَائِل ضربت الْمثل فقابل الشَّيْء بالشَّيْء حَتَّى نفهمه قَالَ نعم الْملك رَبك الْأَعْلَى والضيف الْكَرِيم وخاصته الْمعرفَة الَّذِي آمَنت بِهِ فأوصاك بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ وصيانته بقوله تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا الله وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ وَقَالَ أَيْضا جلّ ذكره ﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ قَالَ لَهُ قَائِل هَذِه الْآيَة نزلت فِي الْجِهَاد وَفِي النَّفَقَة فِيهِ فَقَالَ هَذَا الَّذِي تحكيه تَفْسِير الْعَجم من الْكتب الْمَوْضُوعَة لَهُم على الشايذبوذ أفترى مَا أنزل الله فِي شَأْن قوم لم يعم الْخلق

стр. 185

ذَلِك فقد نزلت آيَة الْخمر وَآيَة الرِّبَا فِي شَأْن قوم فعمت الْخلق كلهم وَلم يقل أحد من الْمُؤمنِينَ إِنَّمَا نزلت هَذِه فِي شَأْن كَذَا وَفِي قوم كَذَا فَهَذَا لَهُم دُوننَا فَإِذا قَالَ الله تَعَالَى ﴿اتَّقوا الله﴾ فقد عَم الْخلق كلهم أَن يتقوه وَعم الْمَوَاضِع كلهَا فَإِذا قَالَ ﴿وَاعْلَمُوا أَن الله مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ فقد اقتضاهم كلهم أَن يعلمُوا ذَلِك وَقَوله ﴿وأنفقوا فِي سَبِيل الله وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ الْآيَة فسبيل الْقُلُوب إِلَى الْعَرْش إِلَى مظهره الَّذِي ظهر للعباد وَهُنَاكَ سَبِيل الْأَركان والجوارح إِلَى أمره وَنَهْيه فالإنفاق فِي سَبِيل الْقُلُوب من هَذِه البدرة الَّتِي كنزها فِي الصُّدُور والإنفاق فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ فالكنز فِي الْقلب وَمَوْضِع الْإِنْفَاق على الضَّيْف فِي الصَّدْر والإنفاق فِي سَبِيل الْأَركان والجوارح من الْأَمر وَالنَّهْي الَّذِي رسمه فِي التَّنْزِيل فيأتمر بأَمْره وَيَنْتَهِي عَن نَهْيه فكلاهما فِي سَبِيل الله تَعَالَى إِلَّا أَن أحد السَّبِيلَيْنِ للقلب إِلَى الْعَرْش وسبيل آخر للنَّفس إِلَى طَاعَة الله تَعَالَى ثمَّ إِلَى الْجنَّة وَإِنَّمَا يستكمل فِي سَبِيل الطَّاعَة بالسبيل إِلَى الْعَرْش ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾ فيدعو مجاهدة النَّفس ورد الْهوى من حَيْثُ جَاءَ وَبِمَا جَاءَ من بَاب النَّار ثمَّ قَالَ ﴿وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي أَحْسنُوا مجاورة معرفتي فِي قُلُوبكُمْ فَإِن

стр. 186

معرفتي وَعلمِي وتكلمي أنوار لَا تحْتَمل الأدناس ومجاورة الأنتان والمزابل وَقد علمْتُم أَن الغل والغش وَالْمَكْر والحسد وَحب الدُّنْيَا وَاتِّبَاع الْهوى كلهَا أنتان ومزابل وظلمة وأدناس وأنجاس وأرجاس فَإِذا وجدْتُم فِي صدوركم سُلْطَان هَذِه الْأَشْيَاء عَاملا فِيهَا فَكيف يكون حَال هَذَا الضَّيْف عنْدكُمْ وَأَيْنَ إكرامكم إيَّايَ ووصيتي إيَّاكُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنهُ فِي بعض الْكتب إِنِّي أكْرم من أكرمني وأهين من هان عَلَيْهِ أَمْرِي فإكرام الله تَعَالَى أَن تكرم مَعْرفَته الَّتِي وَضعهَا فِيك وتصونها من الأدناس والأنتان والمزابل الَّتِي ذَكرنَاهَا وَقد قَالَ ﷺ (الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه) فحلاوة الْإِيمَان الْحبّ الَّذِي وضع فِيهِ ونزاهته أَن تنزهه عَن هَذِه الْأَشْيَاء ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وأحسنوا إِن الله يحب الْمُحْسِنِينَ﴾ أَي أَحْسنُوا إِلَى هَذَا الضَّيْف وأحسنوا مجاورته فَإِذا قَالَ أَحْسنُوا فَإِنَّمَا يَقع الْإِحْسَان على كل شَيْء كَمَا قَالَ ﷺ (إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة وليحد

стр. 187

أحدكُم شفرته وليرح ذَبِيحَته) وَقَالَ جلّ ذكره ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ وَقَالَ جلّ ذكره ﴿وَأحسن كَمَا أحسن الله إِلَيْك﴾ وَقَالَ الله ﴿إِن الله مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذين هم محسنون﴾ فَأحْسن إِلَى من أحسن إِلَيْهِ وَأعظم شَأْنه وَأكْرم مجاورته وطهر مَكَانَهُ ٧٤ وَهُوَ نور الله تَعَالَى فِي قلب الْمُؤمن وَجه تَشْبِيه الْقلب بِالْكَعْبَةِ وَقد عظم الله تَعَالَى شَأْن الْكَعْبَة وطهرها وسماها بَيته وَلم يملكهَا أحدا من خلقه وَجعل حولهَا حرما آمنا يلوذ بِهِ الخائفون ويمتنعون بِهِ من الْآفَات ويتطهرون بِالطّوافِ بِهَذَا الْبَيْت من أدناس الذُّنُوب ويرجعون فِي وَقت الصُّدُور عَنهُ مغفورين فنور الله أعظم شَأْنًا وَحُرْمَة من الْكَعْبَة وقلب الْمُؤمن خزانَة الله تَعَالَى فِيهِ كنوز الْمعرفَة وكنوز الْعلم بآلائه وَلم يملكهُ أحدا وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا وَلم يكله إِلَى

стр. 188

أحد فَهُوَ فِي قَبضته وَبَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبه كَيفَ يَشَاء كَذَا رُوِيَ لنا عَن رَسُول الله ﷺ وَسمي بِهَذَا الِاسْم (يَا مُقَلِّب الْقُلُوب والأبصار ثَبت قلبِي على طَاعَتك) وَكَانَ هَذَا الِاسْم هجيري رَسُول الله ﷺ وَكَانَ عَامَّة دُعَائِهِ بِهَذَا الِاسْم وَعَامة حَاجته فِي الثَّبَات قَالَت عَائِشَة ﵂ قَالَت يَا رَسُول الله إِنَّك لتكثر هَذَا الدُّعَاء (يَا مُقَلِّب الْقُلُوب والأبصار ثَبت قلبِي على طَاعَتك) فَقَالَ لي (يَا عَائِشَة إِن الْقُلُوب بَين إِصْبَعَيْنِ من أَصَابِع الرَّحْمَن يقلبها كَيفَ يَشَاء) ثمَّ قَرَأَ قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿رَبنَا لَا تزغ قُلُوبنَا بعد إِذْ هديتنا وهب لنا من لَدُنْك رَحْمَة إِنَّك أَنْت الْوَهَّاب﴾ الرِّوَايَات لهَذَا الحَدِيث من غير وَجه وَاحِد وَلَا اثْنَيْنِ وَلَا أَرْبَعَة وَلَا

стр. 189

خَمْسَة كلهم يروون هَذَا الحَدِيث عَن رَسُول الله ﷺ فَجعل الله قلب الْمُؤمن خزانته وفيهَا كنوزه وَهُوَ ممسكه وَجعل صَدره حرما فَإِذا كَانَ الْحرم لَهُ من الْحُرْمَة أَنه لَا يصاد صَيْده وَلَا يقطع شَجَره وَلَا تلْتَقط لقطته وَلَا يخَاف من دخله وصيره مأمنا ومهبط رَحمته وَمَوْضِع نظره من بَين جَمِيع الأَرْض فَقلب الْمُؤمن أعظم شَأْنًا من الْحرم وَمَا فِيهِ أعظم من الْكَعْبَة فَإِن كَانَت الْكَعْبَة بَيته فَهَذَا نوره فِي خزانته وَإِن كَانَت الْكَعْبَة لَا يملكهَا غَيره فَهَذَا الْقلب أَيْضا فِي قَبضته لَا يملكهُ غَيره وَإِن كَانَ مَا حوله حرما فالصدر حول الْقلب حرم لهَذِهِ الخزانة وَلما فِيهَا فَكَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (من أحدث فِي الْحرم حَدثا أَو آوى مُحدثا فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ لَا يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل) فَهَذَا الْمُحدث هُوَ خارجي يخرج بالجور وَالْبَاطِل على إِمَام عدل محق فَهُوَ الْمُحدث وَمن أَعَانَهُ أَو آواه فقد اسْتوْجبَ اللَّعْنَة فَكَذَلِك من أحدث فِي هَذَا الصَّدْر حَدثا من هوى أَو بِدعَة اسْتوْجبَ اللَّعْنَة وَلم

стр. 190

يقبل مِنْهُ صرف وَلَا عدل وَلَا تَوْبَة لِأَنَّهُ خرب الدّين ورام أَن يَأْخُذ ولَايَة الْقلب بِالتَّوْحِيدِ فَإِن الْقلب أَمِير على النَّفس والإمرة بالكنوز والجنود حَتَّى يمْضِي سُلْطَانه على الْجَوَارِح فِي الْأَمر وَالنَّهْي وَقُوَّة كنوز الْمعرفَة وَعلم التَّوْحِيد فَهَؤُلَاءِ الجبرية والقدرية والمرجئة والمجسمة والمعطلة عَلَيْهِم لعائن الله تترى قد أَحْدَثُوا فِي الْحرم على خزانَة الله أَكثر وَأعظم مِمَّن أحدث فِي الْحرم على بَيت المَال وكما لَا يصاد صيد الْحرم فَكَذَلِك مَا تطاير فِي الصَّدْر من الخواطر من صِفَات الله تَعَالَى فَلَيْسَ تصاد تِلْكَ الخواطر فَيدْخل قلبه مدَاخِل الْفِكر لكيفيته فَإِنَّهُ لَيْسَ لتِلْك الصِّفَات كَيْفيَّة وَلَا مُنْتَهى وَلَا مُلَاحظَة فَاسْتَغْفر الله كَمَا تكفر أول صيد تَأْخُذهُ

стр. 191

ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمن عَاد فينتقم الله مِنْهُ﴾ أَي يُعَاقِبهُ وحذرك الْكفْر فَإِنَّهُ ينْتَقم مِنْك إِذا اتبعت الخواطر ففكرت وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (تَفَكَّرُوا فِي خلقه وَلَا تَفَكَّرُوا فِيهِ) وكما لَا تقطع أَشجَار الْحرم فتذهب نزهته وخضرته لَا تسْقط حُرْمَة أشجاره أَيْضا لِأَنَّهَا فِي المأمن وَرُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ مَا (صيد من مصيد وَلَا قطعت شَجَرَة إِلَّا لغفلة عَن التَّسْبِيح) وَرُوِيَ عَن أبي بكر الصّديق ﵁ أَنه أَتَى بغراب وافر الجناحين فمسحه بِيَدِهِ وَقَالَ الْحَمد لله رب الْعَالمين سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول (مَا صيد من مصيد وَلَا قطعت شَجَرَة إِلَّا لغفلة عَن الصَّلَاة وَالتَّسْبِيح) فَإِذا كَانَت الْأَشْجَار إِنَّمَا يُسَلط الْآدَمِيّ عَلَيْهَا فِي وَقت غفلتها

стр. 192

عَن التَّسْبِيح لِأَنَّهَا على قطعهَا صَارَت معاقبة بترك التَّسْبِيح وَجعلت شَجَرَة للآدميين فَيكون تسبيحها مَكَان تَسْبِيح الممتنعين عَن التَّسْبِيح بشركهم وكفرهم لتتماسك الأَرْض بتسبيح المسبحين الْمُوَحِّدين وَمن لحق تسبيحهم من الْجبَال وَالْأَشْجَار والخلق والخليقة فَإِنَّمَا يُسَلط على قطعهَا بِتَرْكِهَا التَّسْبِيح وغفلتها فَإِذا كَانَت الشَّجَرَة فِي الْحرم فَهِيَ فِي المأمن مأمن بَيت الله تَعَالَى وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا﴾ وَإِن غفلت عَن التَّسْبِيح لم تصل إِلَيْهَا عُقُوبَة الْقطع فَمنع الْخلق عَن قطعهَا فَإِن قطعهَا قَاطع فَتلك جِنَايَة فَإِن غرم فِي الدُّنْيَا كَانَ قد افتدى نَفسه بِتِلْكَ الغرامة وَالصَّدَََقَة على الْمَسَاكِين بِقِيمَتِهَا وَأدّى إِلَى الْحرم حَقه وَخرج من جِنَايَته على شجر الْحرم وَإِن لم يغرم فِي الدُّنْيَا موحد كَانَ أَو مُشْرك فَلَا فَوت على الله من أَخذ حَقه لحقه وَحقّ حرمه فَإِذا كَانَ هَذَا شَأْن أَشجَار الْحرم فَمَا ظَنك بِمن قطع أَشجَار حرم الْقلب الَّتِي فِي الصَّدْر قَالَ تَدْبِير الله تَعَالَى فِي إبراز أَسْمَائِهِ وَعلم أَسْمَائِهِ وَمَا خرج من أَسْمَائِهِ إِلَى الْخلق فَخرج باسم الْعَرْش وباسم الْكُرْسِيّ وباسم الْجنَّة وباسم النَّار وباسم الْمَلَائِكَة وباسم آدم

стр. 193

عَلَيْهِ السَّلَام والآدميين وباسم المسخرين وباسم اللَّيْل وَالنَّهَار وباسم الَّذِي ختم الْأَسْمَاء مُحَمَّد ﷺ فَهَذِهِ الْأَسْمَاء كلهَا تَدْبيره وَهَذَا الْخلق الَّذِي مِنْهُ خرج تَدْبيره فَهَذِهِ أَشجَار فَمن اعْترض تَدْبيره فعارض اسْما باستخفاف أَو جَهَالَة فقد قطع شَجَرَة وَمن اعْترض تَدْبيره فعارض حَقًا من حُقُوقه فِي خلقه فقد قطع أَغْصَان الشَّجَرَة وأصل الشَّجَرَة بَاقٍ فَإِن تَابَ وأرضى الْخلق عَادَتْ الأغصان الْيَابِسَة رطبَة فَإِذا كَانَت أَشجَار الْحرم حرم الْكَعْبَة هَذَا مَحل صَاحبهَا وَهَذَا شَأْنهَا فَكيف بأشجار حرم الصَّدْر مَا ظَنك بِمن عَارض تَدْبِير الله تَعَالَى أَلَيْسَ هُوَ مناصب لله من حَيْثُ لَا يعلم استبدادا وتورعا عَن أَشْيَاء ٧٥ على المراءاة وتماوتا عِنْد الْخلق وتخشعا بخشوع النِّفَاق وجوفه ممتلئ من الْحَسَد والحقد وَالرَّغْبَة وَالشح وَالْبخل والأمل وَسُوء الظَّن والغل والغش وَالْمَكْر وأنواع الخيانات وَالِاسْتِخْفَاف بِأَهْل مِلَّته وَقلة الرَّحْمَة والعطف وَقَطِيعَة الرَّحِم والتعزز والتكبر والتجبر والمراءاة والتنزين

стр. 194

والتصنع والمداهنة وتعظيم الدُّنْيَا والعون فِي غير ذَات الله تَعَالَى على الضّر والنفع والبطر بأنعم الله تَعَالَى والكبرياء على عباد الله تَعَالَى وَالْفَخْر فِي عَطِيَّة الله تَعَالَى وَخَوف الْفقر والفرح بالدنيا وبأحوال النَّفس والحزن على فَوتهَا والتملك فِي أَمر الله والاقتدار والسخط للمقدور وَقلة الْأَمْن للرزق والاستبداد فِي أَمر الله تَعَالَى والتهاون بِالْمُؤمنِ فقد حَشا جَوْفه وزوايا بَيته من هَذِه الْأَشْيَاء وملأ صَدره من دخانها وظلمتها وأنتانها وأدناسها لِأَن هَذَا كُله من أَغْصَان الْكفْر والشرك وَالْخُرُوج على الله والمضاهاة بِطَلَب عزه وَكبره فِي أرضه بدنيا دنية وشهوة ردية ويتجبر فِي حُقُوقه ويتزين لعبيده كمن لَا يُؤمن بِاللَّه ويداهن فِي أمره كمن لَا يعرف ربه ويعظم دُنْيَاهُ الَّتِي حقرها كمن يناصب ربه ويعين فِي غير ذَاته كمن يُرِيد خراب مَا عمره الله تَعَالَى ويبطر بأنعمه كمن لَا يُبَالِي بهَا وَلَا يستحي من الْمُنعم ويسخط فِي مقدوره ويتجبر فِي أُمُوره كَأَنَّهُ هُوَ الْمُدبر للأمور فأية حُرْمَة بقيت لهَذَا الْحرم وأية معرفَة بقيت لصَاحب هَذَا وَقد أغار الْعَدو على كنوزه فبددها وطمسها بِمَا جَاءَ بِهِ من هَذِه الْأَشْيَاء وَهزمَ الْعقل حَتَّى انكمن فِي رَأسه وَحَتَّى ذهب علمه وإشراقه فِي الصَّدْر

стр. 195

قَالَ لَهُ قَائِل قد ذكرت أَنه لَا تلْتَقط لقطته فايش لقطته قَالَ سر الْقدر والعلوم الَّتِي حجب الْخلق عَن إِدْرَاكهَا فَذَاك لقطته لَا يعرف بَيتهَا وَلَا وَليهَا وَلَا يملكهَا أحد سواهُ وَهِي مَوْضُوعَة فِي طَرِيق التَّوْحِيد ومدرجة الْعُقُول إِلَى التَّوْحِيد بلوى للعباد فَأهل الزيغ طالبوت لَهَا وباحثون عَنْهَا ويفتشون لَهَا وَلنْ يزدادوا بذلك التفتيش إِلَّا غما وحيرة لِأَنَّهُ علم لَا يدْرك منتهاه بِمَنْزِلَة بَحر عميق مظلم لَا يدْرك حَده وَلَا نهايته فالسابح فِيهِ كمن سبح فِي الْبَحْر فَلَا بُد لَهُ من الْغَرق والهلك فَهَذِهِ اللّقطَة فِي الصَّدْر حرم الْقلب فَلَا تلْتَقط لحُرْمَة التَّوْحِيد لِأَن من شَرط التَّوْحِيد الا تطمع للعباد فِيمَا تَوْحِيد الله تَعَالَى بِهِ وَتفرد ويحق على الْعَاقِل أَن يعقل فَيَقُول إِذا قلت الله وَاحِد أحد فَرد فَأَي علم فِي الأحدية والفردية إِنَّمَا الْعلم فِي الصِّفَات صِفَات الْقُدْرَة فَإِذا انْتَهَيْت إِلَى أحديته وفرديته فَأَي علم هُنَاكَ تطمع فِي مَعْرفَته وَقد انْقَطَعت الصِّفَات وَكَيف تصف علما وَلَا صفة لَهُ وَقَوله لَا يخَاف آمنها فَالْحق إِذا وجد فِي الْقلب وَالنَّفس مأمنا فقد اعتزل الْخِيَانَة وَظهر مَكَانَهُ الْأَمْن فَصَارَ صَاحبه محقا فَعندهَا

стр. 196

يكون الْحق مستعمله وَإِذا لم يجد فِي الصَّدْر مأمنا فقد نفرفلم يَأْمَن خِيَانَة النَّفس وميل الْقلب فصاحبه فِي طلبه وَهُوَ مَاض عَنهُ وَقَوْلنَا مهبط رَحمته وَمَوْضِع نظره فَهِيَ مَعْرُوفَة فَإِذا كَانَت الْكَعْبَة مهبط الرَّحْمَة فَكَذَلِك قلب الْمُؤمن مهبط حب الله تَعَالَى ورأفته ومهبط جوده وَكَرمه وَعين الله ترعاه وَمَوْضِع نظره أَيْضا الْخَبَر (إِن الله تَعَالَى لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَعمالكُم وَلَكِن ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ ونياتكم فَمن كَانَ لَهُ قلب صَالح تَحَنن الله تَعَالَى عَلَيْهِ فَإِذا تَحَنن عَلَيْهِ رعاه وصيره فِي قَبضته) الْخَبَر الَّذِي قَالَ (كنت سَمعه) وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (أَلا إِن التَّقْوَى هَا هُنَا ثَلَاثًا وَأَشَارَ إِلَى الصَّدْر فِي كل مرّة) وَأعظم التَّقْوَى مَا اتَّقى فِي الْحرم فَإِذا اتَّقى فَإِنَّمَا يَتَّقِي على الصَّيْد وَالشَّجر واللقطة فَإِذا كَانَ ذَلِك كَذَلِك فالتقوى الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهَا صَاحب الشَّرْع فَهِيَ على كنوز الْمعرفَة وعَلى أشجارها فِي الصَّدْر وعَلى لقطتهَا وعَلى من التجأ إِلَيْهِ مأمنا فأوفر النَّاس حظا فِي الْكَعْبَة

стр. 197

من عظم شَأْنهَا وَاتَّقَى على حرمهَا وَأكْثر الطّواف بهَا وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك من شم رَائِحَة الْكَعْبَة وَنظر إِلَيْهَا بِعَين الصِّحَّة لَا بِعَين السقم من قلب لَا سقم فِيهِ من شهوات النَّفس وإرادات الْهوى فَنظر بِعَين ذَلِك الْقلب إِلَى بهاء الْكَعْبَة وَإِلَى ذَلِك الشَّيْء الَّذِي بِهِ صَارَت الْكَعْبَة كعبة لَا إِلَى تِلْكَ الْأَحْجَار لِأَنَّهَا قد كَانَت كعبة وَلَا أَحْجَار وَكَانَت الْمَلَائِكَة والأنبياء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ تحجها فِيمَا بَين نوح وَإِبْرَاهِيم ﵉ وَلَا أَحْجَار ثمَّة فأوفر النَّاس حظا من خزانَة الله الَّتِي فِي قلب الْمُؤمن من عظم شَأْنهَا وَاتَّقَى على صَدره وَأكْثر الطّواف حول الخزانة حَتَّى يدر عَلَيْهِ ولي الخزانة من الْكُنُوز كَمَا يدر الضَّرع على حالبه من اللَّبن فَإِن الْبَقَرَة وَالشَّاة تدر من ضرْعهَا على ولدهما لترضعهما بالرأفة وَالرَّحْمَة الَّتِي وضعت فِيهَا وَلَوْلَا تِلْكَ الرَّحْمَة لولدها مَا در لَبنهَا أَلا ترى أَن الحالب يقدم عِنْد الْحَلب وَلَدهَا إِلَيْهَا أَولا حَتَّى ترسل اللَّبن ثمَّ يفطم وَلَدهَا عَنْهَا ويحلبها وَلَو مَاتَ وَلَدهَا مثل لَهَا مِثَال وَلَدهَا بِأَن يحشى جلد وَلَدهَا تبنا وَيُوضَع بَين يَديهَا لتنخدع بذلك فتدر لَبنهَا فَأَرَاك هَذَا رب الْبَقَرَة من خلقه وعرفك أَن الَّذِي تصيب من عِنْدِي فتدر عَلَيْك رَحْمَتي

стр. 198

قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا يدر عَلَيْهِ من الخزانة من تِلْكَ الْكُنُوز قَالَ يدر بِالرَّحْمَةِ كَمَا وصفت من شَأْن الضَّرع والدر من الْكُنُوز وَ علم الْمعرفَة علم الْمعرفَة قَالَ لَهُ الْقَائِل وَمَا علم الْمعرفَة قَالَ عرفت الرب قَالَ نعم قَالَ بِأَيّ شَيْء عَرفته فَانْقَطع قَالَ عرفني نَفسه من الصِّفَات قَالَ فَمَا احتظيت من هَذِه الصِّفَات قَالَ الْإِيمَان بِهِ فَكَانَ ذَلِك حظك مِنْهَا أم علم مشرق مستنير أم مطالعة ببصائر الْهدى فَإِن علم الْمعرفَة للعامة الْإِيمَان بِهِ وَهُوَ الظَّالِم لنَفسِهِ مَا زَالَ يظلم نَفسه بِاتِّبَاع الْهوى والشهوات حَتَّى احْتَجَبت الْمعرفَة عَنهُ فصاحبه عَالم جَاهِل مُؤمن بِهِ يعثر مرّة فِي طَرِيقه وَيقوم أُخْرَى ويزل مرّة وينعش أُخْرَى فَهُوَ بَين طَاعَة ومعصية حَتَّى يقدم على ربه بِهَذِهِ الْحَالة وَعلم الْمعرفَة للصادقين مشرق نير وَاضح وَهُوَ المقتصد يُشِير إِلَى الله تَعَالَى على مدرجة الصدْق فِي الْفِعْل جهدا وحذرا وحراسة ٧٦ باكيا على نَفسه يَقْتَضِي مِنْهَا الصدْق فِي الْفِعْل

стр. 199

جهدا فِي كل حَرَكَة وَفعل وَقَول وَعلم الْمعرفَة للصديقين مطالعة البراذين ومشاهدة الْمَعَادِن وَذَلِكَ بِالْيَقِينِ وَهُوَ علم السَّابِقين المقربين قَالَ الله جلّ ذكره ﴿كلا لَو تعلمُونَ علم الْيَقِين لترون الْجَحِيم﴾ فبعلم الْيَقِين وبقوة نوره يرى عين الْيَقِين بالبراذين والمعادن الَّتِي تظهر مِنْهَا الصِّفَات وربوبية الرب فَذَلِك الْعلم النَّافِذ ببصر قلبه إِلَى نور روحه المتوقد فِي عينه الظَّاهِرَة الَّتِي فِي رَأسه فَإِذا نظر إِلَى الْأَشْيَاء أبْصر آيَة الْقُدْرَة فِي الْأَشْيَاء كلهَا وآثار الربوبية فَلَا تقدر زِينَة الْأَشْيَاء وبهجتها وحلاوتها أَن تغره عَن الله حَتَّى يتَعَلَّق قلبه بِشَيْء دون الله تَعَالَى فيحجبه عَن الله تَعَالَى فَيصير فتْنَة عَلَيْهِ فيعمى بصر قلبه وَيبقى فِي ظلمات النَّفس وَحب الشَّهَوَات ويتكدر روحه ويسلب قلبه الإمرة ويغلب الْخَارِجِي فَإِذا لم يكن لَهُ هَذَا الْعلم فِي صَدره على صفة السَّابِق المقرب وَإِنَّمَا كَانَ علمه على صفة المقتصد فَهُوَ مَشْغُول يقينه بوهج

стр. 200

الحروب ومحاربة الْأَبْطَال حَيْثُ التقيا فَمرَّة مَنْصُور وَمرَّة مخذول فَمَتَى يقدر أَن يُلَاحظ آثَار الْقُدْرَة والربوبية وَلَيْسَ لبصره نور أَن ينفذ إِلَى رُؤْيَة ذَلِك وَهُوَ بعيد مِنْهُ وَمن كَانَ علمه علم الظَّالِم لنَفسِهِ فَذَلِك علم اللِّسَان قد تلقنه من أَفْوَاه الرِّجَال سمعا وَمن الْكتب نظرا فأودعه حفظه حَتَّى يبرزه الْحِفْظ من صَدره فِي وَقت الْحَاجة وَلَيْسَ لَهُ قُوَّة مَا يُجَاهد بِهِ نَفسه فيحاربها ويهزمها وَتلك حجَّة الله تَعَالَى عَلَيْهِ يَقُول وَيهْدِي النَّاس إِلَيْهِ فَإِذا صَار إِلَى إِقَامَته بِنَفسِهِ صَار أضلّ من الْأَنْعَام يغلبه الْهوى فِي الشَّهَوَات قَالَ الله جلّ ذكره ﴿قل يَا أهل الْكتاب لَسْتُم على شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أنزل إِلَيْكُم من ربكُم﴾ أَي فِي وَقت مُحَمَّد ﷺ الْعلم علمَان قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْعلم علمَان علم فِي الْقلب فَذَاك الْعلم النافع وَعلم فِي اللِّسَان فَذَاك حجَّة الله تَعَالَى على ابْن آدم)

стр. 201

فالعلم النافع هُوَ علم السَّابِق وَعلم الْحجَّة الَّذِي يخنق صَاحبه فِي البرزخ وَفِي الْمَحْشَر هُوَ علم الظَّالِم لنَفسِهِ أعاذنا الله وَإِيَّاكُم برحمته قَالَ لَهُ قَائِل فَهَذَا الْملك الَّذِي بعث الضَّيْف وَمَعَهُ نَفَقَة وَقد تفاوتت النَّفَقَات فنفقة هِيَ دَرَاهِم وَنَفَقَة هِيَ دَنَانِير وَنَفَقَة هِيَ جَوَاهِر مَا هَذَا قَالَ فَالَّذِي ذكرنَا من النَّفَقَات الثَّلَاث من الْأَصْنَاف هِيَ الْعُلُوم وَهُوَ علم وَاحِد صَارَت علوما وَالْعلم لَا يُدْرِكهُ الْقلب إِلَّا بِالْحَيَاةِ لِأَن هَذَا كُله علم الْغَيْب أَلا ترى أَن النَّفس إِذا نَامَتْ أَو مَاتَت ذهبت حَيَاتهَا وَذهب علم الْقلب فَهُوَ ميت لَا يدْرِي وَحي نَائِم لَا يدْرِي شَيْئا فقد بَان لَك من أَن علم الظَّاهِر قد غَابَ عَنهُ بِالنَّوْمِ وَالْمَوْت لزوَال الْحَيَاة فيهمَا فَكَذَا إِذا ذهبت حَيَاة الْقلب بِاللَّه فقد غَابَ عَنهُ علم الغيوب فَإِذا أعطي الْقلب حَيَاة الْعلم بِاللَّه عرف ربه وَعلمه

стр. 202

وَقد قَالَ جلّ ذكره ﴿أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه وَجَعَلنَا لَهُ نورا يمشي بِهِ فِي النَّاس كمن مثله فِي الظُّلُمَات لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِك زين للْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ فَهَذَا كَانَ قلبا مَيتا عَن الله تَعَالَى أعطَاهُ نور الْعقل وَالْعلم فَعرف ربه وَإِنَّمَا عقل الْعلم بِنور الْحَيَاة فَلَمَّا عرفه اطْمَأَن إِلَيْهِ وَأسلم نَفسه إِلَيْهِ عبودة فَلَزِمَهُ الاسمان مُؤمن وَمُسلم الْإِيمَان من جِهَة اسْتِقْرَار الْقلب وَالْإِسْلَام من جِهَة تَسْلِيم النَّفس إِلَيْهِ عبودة بِالْأَمر وَالنَّهْي فهما فِي عقد وَاحِد عرف رَبًّا فاطمأن إِلَيْهِ وَعرف نَفسه عِنْده فَسلم إِلَيْهِ نَفسه فَهَذِهِ معرفَة وَاحِدَة إِذا لحظ إِلَى ربه عرفه رَبًّا وَإِذا لحظ إِلَى نَفسه عرفه عبدا وَإِنَّمَا يعرف هَذَا بحياة الْقلب أدْرك بهَا هَذِه الْمعرفَة ثمَّ دَعَاهُ إِلَى العبودة الْأَمر وَالنَّهْي فَجَاءَتْهُ الشَّهَوَات الْمَوْضُوعَة فِي نَفسه فثقلته وجمحت بِهِ فِي نَهْيه فَإِذا جَاهد فِي ذَات الله حق جهاده شكر الله لَهُ ذَلِك وزاده فِي الْحَيَاة ليخفف أوامره ويكبح بلجامه فِي وَقت جموحه فِي المناهي وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اسْتجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذا دعَاكُمْ لما يُحْيِيكُمْ﴾ فَأعلمهُ بعد حَيَاة الْإِيمَان أَن يحييه بالطاعات فَإِذا أطَاع الله فِي

стр. 203

الْأَمر وَالنَّهْي شكر لَهُ ذَلِك فزاده حَيَاة ليقطع قلبه عَن العلائق وَهوى النَّفس شكرا لَهُ وَهُوَ قَول الله ﴿وَالله شكور حَلِيم﴾ وَقد قَالَ مَالك بن دِينَار ﵀ وجدت فِي بعض الْكتب إِن سرك أَن تحيا وتبلغ الْيَقِين فاحتل فِي كل خير أَن تغلب شهوات الدُّنْيَا فَإِنَّهُ من يغلب شهوات الدُّنْيَا يفرق الشَّيْطَان من ظله فَإِذا حييّ الْقلب حَيَاة تبلغ علم الْيَقِين صَار من السَّابِقين المقربين فهناك يحيا بِاللَّه فعاين ببصر قلبه آثَار الْقُدْرَة وآثار الربوبية وبهاء الدّين وزينة الْعُبُودِيَّة وبهجة الْمِنَّة وتربط بلحظه إِلَى مجَالِس النَّجْوَى وبهجة المرعي بَين يَدَيْهِ فحياة الأول حَيَاة الْفضة وحياة الثَّانِي حَيَاة الذَّهَب وحياة الثَّالِث حَيَاة الْجَوْهَر وَالْفِضَّة إِنَّمَا بريقها من حَيَاتهَا وبريق الذَّهَب من حَيَاته أقوى من الْفضة وَأَشد بريقا وبريق الْجَوْهَر من حَيَاته وَهِي أقوى من الذَّهَب فَكل وَاحِد من هَذِه الْأَشْيَاء قد احتظى من الْحَيَاة وَلَكِن كل وَاحِد أقوى من الآخر

стр. 204

فالجوهر يضيء الْبَيْت من نوره وَالذَّهَب وَالْفِضَّة لَيْسَ لَهما ذَلِك فَمن كَانَت نَفَقَته فِي ضِيَافَة الْمعرفَة من الدَّرَاهِم فصيانتها وَالْإِحْسَان إِلَيْهَا لَا تَخْلُو من الدنس والأوساخ والتضييع والتفريط وَمن كَانَت نَفسه فِي ضِيَافَة الْمعرفَة من الدَّنَانِير يسلم من الأوساخ والأدناس وَلَكِن لَا يَخْلُو من الْغُبَار وَمن كَانَت نَفَقَته فِي ضِيَافَة الْمعرفَة من الْجَوْهَر سلم من الْغُبَار وَجَمِيع مَا يتقى مِنْهُ ويصان عَنهُ وَلم يزل طريا نقيا لِأَن قلبه حييّ بِاللَّه بحياة الْجَوْهَر فَذَلِك قَول رَسُول الله ﷺ (الْإِيمَان حُلْو نزه فنزهوه) أحب الْقُلُوب إِلَى الله وَعنهُ ﷺ (إِن لله تَعَالَى أواني فِي الأَرْض أَلا وَهِي الْقُلُوب وَأحب الْقُلُوب إِلَى الله تَعَالَى أصفاها وأرقها وأصلبها) فأصفاها لله تَعَالَى وأصلبها فِي ذَات الله تَعَالَى ٧٧ وأرقها للإخوان وَقَالَ فِيمَا يَحْكِي عَن ربه ﵎ (وَلست أسكن الْبيُوت وَأي بَيت يسعني وَالسَّمَوَات حَشْو كرْسِي وَإِنِّي فِي قلب الوادع الضَّعِيف لين الْقلب) فحياة الْقلب من هَذَا الَّذِي ذكره إِنِّي فِي ذَلِك الْقلب

стр. 205

مثل التَّقْوَى مثل التَّقْوَى مثل رجل أصَاب جَوْهَرَة نفيسة قيمتهَا بيُوت من الدَّنَانِير أَو ثوبا قِيمَته ألف دِينَار أَو جَارِيَة لَهَا ثمن غال شخصت إِلَيْهَا الْأَبْصَار منْظرًا ومخبرا أَو صرة مسك ذكي الرّيح أَو بازي طير أَبيض تَامّ الجثة مِقْدَار الدِّرْهَم التَّام أهداه إِلَيْهِ ملك عَال فَأَنت تبقي على الْجَوْهَرَة مَخَافَة السراق وَلَا تعرضها إِلَّا على من عِنْده من فنون الْأَمْوَال مَخَافَة أَن يدلسها فَيقبض مِنْهُ الْجَوْهَرَة ويبدلها بالزجاج شُبْهَة وَلَا يعرف هُوَ الْجَوْهَر من الزّجاج فَهِيَ عنْدك مكنونة فِي اللفائف والحقة والدرج وتقيها من الْغُبَار وَمن كل آفَة وَنَحْوهَا وَكَذَا تتقي على الثَّوْب اتقاء مثله من اللف والطي وَوَضعه فِي الصندوق وربطه فِيمَا بَين اللَّوْحَيْنِ وتتقي على صرة الْمسك فَلَا تفتحها لِئَلَّا يذهب رِيحهَا وَلَا يصل إِلَيْهَا غدار فتعوض من كبد الضَّأْن وَغَيره

стр. 206

وتتقي على الْجَارِيَة فتحبسها وتصونها وتلبسها لِبَاس مثلهَا وتطعمها طَعَام مثلهَا وتمنعها عَن الْخُرُوج والبروز لِئَلَّا يطلع عَلَيْهَا أحد أَو يُحِبهَا ظَالِم فيخرجها من يدك وَيبقى قَلْبك مُعَلّقا بهَا مَعَ الصُّرَاخ والعويل وتتقي على الْبَازِي من كل آفَة لِئَلَّا ينكسر جنَاحه فيعجز عَن الطيران وَإِن قصرت فِي بعض تَرْبِيَته ومداراته لَا يألف وَترك الإلف ويطير ويتركك خَالِيا فَلَا ترَاهُ أبدا فَانْظُر كَيفَ تتقي على الْأَشْيَاء وَكَيف حذرك وحراستك لهَذِهِ الْأَشْيَاء وتلطفك بهَا وصيانتك لما تخوف عَلَيْهِم من الْآفَات وضيعت حراسة أعظم الْأَشْيَاء قدرا وأنفسها خطرا وَهُوَ مخ التَّقْوَى فقد عظمت حجَّة الله عَلَيْك لِأَن هَذَا الْقلب خزانَة الله تَعَالَى وضع فِيهَا جوهرا نفيسا لَا يحاط بمبلغ ثمنه وَهِي الْمعرفَة فَإِن نظرت إِلَى نفاستها وقدرها لم تقدر أَن تحيط بِثمنِهَا علما وَلَا ائتمنت عَلَيْهَا أحدا وَإِن نظرت إِلَى بهائها ونورها اتَّقَيْت عَلَيْهَا من كل دُخان من الشَّهَوَات لِئَلَّا يلج الخزانة فيدنسها

стр. 207

وَإِن نظرت إِلَى رقتها اتَّقَيْت عَلَيْهَا من كل صدمة من قبل النَّفس أَن تصدمها وَإِن نظرت إِلَى طيب رِيحهَا اتَّقَيْت عَلَيْهَا من كل شَيْء من الْمعاصِي وَإِن نظرت إِلَى اصطبارها الطَّاعَات فتشتئ قُلُوبهم بِالدُّعَاءِ إِلَى الله تَعَالَى اتَّقَيْت عَلَيْهَا من كل تَضْييع تربيها وتعاهدها بِمَا يتَعَاهَد مثلهَا تربية مثلهَا لِئَلَّا تطير عَنْك فَلَا يبْقى مَعَك سوى معرفَة الْفطْرَة معرفَة الْكفَّار فَمن الله تَعَالَى على الْمُوَحِّدين بمنة عَظِيمَة أَن أَعْطَاهُم نور الْهِدَايَة حَتَّى وجدوه ونطقوا بِكَلِمَة الشَّهَادَة وَأمرهمْ بِأَن يتقوه على مَا أَعْطَاهُم وَهُوَ النُّور الَّذِي أشرق فِي قُلُوبهم ثمَّ من قُلُوبهم إِلَى صُدُورهمْ فيجعلونه فِي وقاية الحراسة لِئَلَّا يصل إِلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل فَإِن الْمعرفَة قد أيدت بِالْعقلِ وَالْعلم والفهم والفطنة وَالْحِفْظ وَالذكر والذهن فَهَذِهِ الْأَشْيَاء حولهَا قطع الله بذلك أَلْسِنَة الْآدَمِيّين عَن نَفسه لِئَلَّا يكون لأحد عَلَيْهِ حجَّة لإتيان مَعَاصيه أَو سوء مَا يَأْتِيهِ فبقوة هَذِه الْأَشْيَاء يحرس مَعْرفَته ويذب عَنْهَا مكر النَّفس ودواهيها وَكيد الْعَدو حَتَّى تصير الْمعرفَة فِي وقاية مِنْهَا

стр. 208

وَأمر بالتقوى لقَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ التَّقْوَى على سبع جوارح ففهموا بِهَذِهِ الْأَشْيَاء أَن التَّقْوَى على سبع جوارح العينان والأذنان وَالْيَد وَاللِّسَان وَالرجل والبطن والفرج فَلَا يسْتَعْمل وَاحِدًا مِنْهُم إِلَّا بِمَا أطلق لَهُ وَأذن لَهُ فِيهِ فَأَقْبَلُوا إِلَى حفظهَا فوجدوا أنفسهم بَين أَمريْن بَين أَمر هُوَ طَاعَة وَبَين أَمر هُوَ مَعْصِيّة وَفِيه عيب لِأَنَّهُ عمل على غَفلَة فِيمَا لم يُؤذن لَهُ فِيهِ فَلهُ فِيهِ عُقُوبَة وَلَو أَتَى بِمَا أذن لَهُ وَلَكِن على غَفلَة بِلَا حسبَة وَلَا نِيَّة رمي بهَا على وَجهه وخاب عَن ثَوَابه وجزائه وَقد أَمر بِأَن يتقى حق تُقَاته قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته﴾ ففهم الْعباد عَنهُ أَن حق تُقَاته أَن يُطِيع الله فَلَا يَعْصِي وَيَتَّقِي عَن الْمعاصِي وَعَن كل عمل على غَفلَة بِلَا حسبَة وَلَا نِيَّة فَصَارَ التَّقْوَى على ضَرْبَيْنِ ضرب مِنْهَا التَّقْوَى عَن الْمعاصِي وَضرب مِنْهَا التَّقْوَى عَن عمل على غَفلَة بِلَا حسبَة وَلَا نِيَّة فَذا تقوى الظَّاهِر وَذي تقوى الْبَاطِن فالعباد أَكْثَرهم أَقبلُوا على

стр. 209

تقوى الظَّاهِر حَتَّى أحكموه وَكفوا جوارحهم عَن المناهي فَلَمَّا صَارُوا إِلَى تقوى الْبَاطِن وَهُوَ أَلا يعملوا شَيْئا مِمَّا أذن لَهُم فِيهِ على غَفلَة حَتَّى يكون لَهُم نِيَّة وحسبة اشْتَدَّ عَلَيْهِم ذَلِك وعجزوا عَنهُ لأَنهم فِي غطاء عَن ذَلِك وَقد قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اسْتَطَعْتُم واسمعوا وَأَطيعُوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم﴾ أَي فِي الْفَرَائِض فَبَقيت الْعَامَّة على هَذَا التَّقْوَى الظَّاهِر وَهُوَ حفظ الْجَوَارِح السَّبع وَعَمله الَّذِي أذن لَهُ فِيهِ فِي غَفلَة فَفِي كل عمل عُيُوب مَوْجُودَة وزينة الْأَعْمَال

стр. 210

مفقودا وَمَعَ فقد الزِّينَة الْعُيُوب مَوْجُودَة وَوجدت طَائِفَة من الْعَامَّة وجدا شَدِيدا أَن رَأَوْا عَامَّة أعمارهم من الْأكل وَالشرب واللبس وَالْكَلَام وَالسُّكُوت وَالْمَشْي والذهاب وَالنَّظَر وَالِاسْتِمَاع بِلَا نِيَّة وَلَا حسبَة فَلَا يَجدونَ غَدا فِي ميزَان الْحق مِنْهُ شَيْئا فيثابون عَلَيْهِ وَلذَلِك قَالَ رَسُول الله ﷺ (الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وَقَالَ أَيْضا (لَا عمل لمن لَا نِيَّة لَهُ وَلَا أجر لمن لَا حسبَة لَهُ) فَحزن الْمُؤْمِنُونَ على تَعْطِيل الْعُمر على هَذَا الْوَجْه فَرَحِمهمْ الله على ذَلِك فَقَالَ جلّ ذكره ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا وَيكفر عَنْكُم سَيِّئَاتكُمْ وَيغْفر لكم وَالله ذُو الْفضل الْعَظِيم﴾ فَقَالَ أهل التَّفْسِير أَي مخرجا وَلَكِن هَذِه كلمة مُبْهمَة وَلم

стр. 211

يفسروا مَا الْمخْرج من أَيْن وَإِلَى أَيْن وَإِنَّمَا الْمخْرج من ظلمَة ودخان الشَّهَوَات بالأنوار الَّتِي يعْطى وَقَالَ جلّ ذكره فِي مَوضِع آخر ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾ وَلما أَقبلُوا على التَّقْوَى الظَّاهِر وَهُوَ حفظ الْجَوَارِح عَن المناهي وأحكموا هَذِه التَّقْوَى ثمَّ ذكرُوا ذكرا كثيرا عِنْد كل نعْمَة وبؤس وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا ليعمروا مَا خرب مِنْهُم وليتداركوا بذلك التَّسْبِيح أدناس الْعُيُوب ويتطهروا وصلت عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة وَصَلَاة الْمَلَائِكَة أَن تستغفر لَهُم من الْعُيُوب وَصلى عَلَيْهِم الرب جلّ وَعلا وَجعل لَهُم مخرجا فَأَما صَلَاة الرب ﷻ فَأن يسْأَل لَهُم بِنَفسِهِ من نَفسه نور الْفرْقَان حَتَّى أوجب لَهُم ذَلِك وَهُوَ نور الْفرْقَان فَعندهَا أخرجهم من ظلمات النَّفس إِلَى نور الله تَعَالَى وَإِنَّمَا سمي نور الْفرْقَان بِهَذَا لِأَنَّهُ نور يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقد ذهبت الْغَفْلَة وَإِنَّمَا الْغَفْلَة حجاب أَصله من شهوات النَّفس وَهِي كالدخان فِي الصَّدْر فَهِيَ ظلمات تحجب عَيْني الْفُؤَاد عَن مُعَاينَة الْحق حَتَّى يَنْفِي الْبَاطِل الَّذِي

стр. 212

يَجِيء من النَّفس إِلَى الصَّدْر فيتراءى لعَيْنِي الْفُؤَاد يُرِيد أَن يمده بذلك إِلَى نَفسه فَإِذا هُوَ بَاطِل لَا يُثَاب عَلَيْهِ غَدا فَإِذا أخرجه الله تَعَالَى من هَذِه الظُّلُمَات بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وإيجابه لَهُ هَذَا النُّور واستغفرت لَهُ الْمَلَائِكَة لتك الْعُيُوب حَتَّى إِذا ولج هَذَا النُّور فَوجدَ مَكَانا طَاهِرا مقدسا فأشرق النُّور وَاسْتقر فِي الصَّدْر فَعندهَا اسْتَوَى لَهُ الْأَمْرَانِ ونال كلا التقويين الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَلَا يعْمل شَيْئا إِلَّا على ذكر وَنِيَّة وحسبة دق ذَلِك الشَّيْء أَو جلّ فَأدْرك ذَلِك النُّور الْقلب من الصَّدْر فِي أسْرع من اللحظة لعظم ذَلِك النُّور حَتَّى يرتقي من الْقلب إِلَى مَحَله من العلياء حَتَّى تصير الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ وَبِه وهم أَصْحَاب القبضة فِيهِ ينْطق وَبِه يبصر وَبِه يسمع وَبِه يبطش وَبِه يعقل وَهُوَ قَول الله جلّ ذكره ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ ثمَّ وَصفهم من هم وَمَا عمِلُوا فَقَالَ ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ فَهَؤُلَاءِ طبقَة آمنُوا بِهِ حَقًا فاطمأنت قُلُوبهم بأحكامه عَلَيْهِم من المحبوب وَالْمَكْرُوه رَضوا بِهِ رَبًّا وَرَضوا بأحكامه عَلَيْهِم حكما وذلوا لربوبيته خشعا وآثروه على أنفسهم حَيَاء وبذلوا لَهُ نُفُوسهم

стр. 213

جودا وسمحا وَكَانَ تقواهم على الْمشَاهد كَمَا ذكر فِي أول الْآيَة من قَوْله ﴿وَمَا تكون فِي شَأْن وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ فَصَارَت شَهَادَته عِنْد كل عمل يفيضون فِيهِ مُعَاينَة الْقلب فهابوا الله هَيْبَة مَاتَت لَهَا نُفُوسهم موتا وأحبوا الله حبا حييت قُلُوبهم بِهِ حَيَاة وعبودة فِي كل لَحْظَة فَصَارَت أنفاسهم ولحظاتهم عبَادَة وكل حَرَكَة مِنْهُم طَاعَة ووجدوها غَدا فِي ميزَان الْحق فَهَذَا تقوى الْبَاطِن تقوى الْأَوْلِيَاء مثل عُمَّال الله مثل عُمَّال الله تَعَالَى مثل ملك دَعَا خياطا فَقَالَ لَهُ اقْطَعْ هَذَا الثَّوْب وخطه بَين يَدي فَلم يأل هَذَا الْخياط جهدا فِي إِظْهَار حذقه وخفة يَده فَلَمَّا غَابَ عَنهُ ترك خفَّة الْيَد وَحسن الِابْتِدَاء ووجازة الْفِعْل وَلَكِن أحكم الْخياطَة وأتقنها وزينها لِأَنَّهُ ذَاكر للعرض عَلَيْهِ وَالْآخر رجل دَعَاهُ الْملك فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْب فاقطعه وخطه وأنفذه إِلَى فلَان الرَّاعِي فَإِذا غَابَ عَنهُ رفع عَنهُ باله فكيفما قطعه وخاطه جوزه لِأَنَّهُ لم يشْعر بِرُؤْيَة الْملك وَلَا ذكر الْعرض

стр. 214

عَلَيْهِ وَإِنَّمَا بِهِ ارْتِفَاع الْعَمَل فَيَقُول قد عملت وآخذ الْأُجْرَة وَإِنَّمَا جرأه على ذَلِك غفلته عَن رُؤْيَة الْملك وَعَن الْعرض عَلَيْهِ فَكَذَا عُمَّال الله تَعَالَى على ثَلَاث طَبَقَات فعامل يعْمل لله كَأَنَّهُ يرَاهُ وعامل كَأَنَّهُ يرَاهُ الله وَهُوَ قَوْله ﷺ حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل ﵇ عَن الْإِحْسَان فَقَالَ (الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) فَقَالَ جِبْرِيل صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِذا فعلت هَذَا فَأَنا محسن قَالَ نعم قَالَ صدقت فَهِيَ دَرَجَة الْمُحْسِنِينَ فَالْأول يعْمل لله كَأَنَّهُ يرى ربه مُشَاهدَة وَالْآخر يعْمل كَأَنَّهُ يرَاهُ ربه فَالْأول قد أَخَذته رُؤْيَته ربه وَالثَّانِي قد أَخَذته رُؤْيَة ربه إِيَّاه فَالْأول أَعلَى من الثَّانِي لِأَنَّهُ قد كشف لَهُ الغطاء وَرفع الْحجاب فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَهُوَ قَول ابْن عمر ﵁ حِين كَلمه عُرْوَة بن الزبير ﵄ فِي الطّواف فَلم يجبهُ إِلَى أَن قَالَ مَا قَالَ فَلَمَّا خرج قَالَ إِنَّك قد كَلَّمتنِي وَإِنَّا كُنَّا نتخايل الله بَين أَعيننَا وَرُوِيَ عَن مَالك بن دِينَار ﵀ أَنه قَالَ مَكْتُوب فِي

стр. 215

التَّوْرَاة يَا ابْن آدم لَا تعجزن أَن تقوم بَين يَدي فِي صَلَاتك باكيا فَإِنِّي أَنا الله الَّذِي اقْتَرَبت لقلبك وبالغيب رَأَيْت نوري فَهَذَا لمن رفع لَهُ الْحجاب حَتَّى رأى نوره وَهُوَ أَعلَى وَالثَّانِي رفع الْحجاب لَهُ بِقدر مَا رأى أَنه ينظر إِلَيْهِ وَيَرَاهُ وَلم يعد وَأما سوى الروية وَهُوَ قَوْله ﷺ (فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) فَهَذَا الثَّانِي يعْمل وَقَلبه إِلَى الْعرض الْأَكْبَر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تعرضون لَا تخفى مِنْكُم خافية﴾ فَيجْهد لهَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ زِينَة الْعَمَل وَإِنَّمَا لَهُ إحكامه فَهَذَا صَادِق وَالْأول صديق هَذَا مَحْجُوب وَالْأول من وَرَاء الْحجاب قد انْكَشَفَ لَهُ الغطاء فبه يعْمل من يعْمل على الْغَفْلَة وعامل ثَالِث يعْمل على الْغَفْلَة لَيْسَ على قلبه ذكر الْمُشَاهدَة وَلَا ذكر الْعرض إِنَّمَا هِيَ عَادَة النَّفس تعْمل بأعمال الْبر على الْعَادة والجزاف وعَلى ترائي الثَّوَاب من غير تَصْحِيح وَلَا طَهَارَة الْقلب وَلَا تتوقى فأعماله تُوضَع فِي الخزائن ليحصل مَا فِي صَدره يَوْم الْعرض فَإِن الله تَعَالَى كَانَ شَاهدا عَلَيْهِ فِي وَقت عمله لَا يخفى
следующие страницы →