Полный текст (318 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
يفسروا مَا الْمخْرج من أَيْن وَإِلَى أَيْن وَإِنَّمَا الْمخْرج من ظلمَة ودخان الشَّهَوَات بالأنوار الَّتِي يعْطى
وَقَالَ جلّ ذكره فِي مَوضِع آخر ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اذْكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُم وَمَلَائِكَته ليخرجكم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رحِيما﴾
وَلما أَقبلُوا على التَّقْوَى الظَّاهِر وَهُوَ حفظ الْجَوَارِح عَن المناهي وأحكموا هَذِه التَّقْوَى ثمَّ ذكرُوا ذكرا كثيرا عِنْد كل نعْمَة وبؤس وسبحوه بكرَة وَأَصِيلا ليعمروا مَا خرب مِنْهُم وليتداركوا بذلك التَّسْبِيح أدناس الْعُيُوب ويتطهروا وصلت عَلَيْهِم الْمَلَائِكَة وَصَلَاة الْمَلَائِكَة أَن تستغفر لَهُم من الْعُيُوب وَصلى عَلَيْهِم الرب جلّ وَعلا وَجعل لَهُم مخرجا
فَأَما صَلَاة الرب ﷻ فَأن يسْأَل لَهُم بِنَفسِهِ من نَفسه نور الْفرْقَان حَتَّى أوجب لَهُم ذَلِك وَهُوَ نور الْفرْقَان فَعندهَا أخرجهم من ظلمات النَّفس إِلَى نور الله تَعَالَى وَإِنَّمَا سمي نور الْفرْقَان بِهَذَا لِأَنَّهُ نور يفرق بَين الْحق وَالْبَاطِل وَقد ذهبت الْغَفْلَة وَإِنَّمَا الْغَفْلَة حجاب أَصله من شهوات النَّفس وَهِي كالدخان فِي الصَّدْر فَهِيَ ظلمات تحجب عَيْني الْفُؤَاد عَن مُعَاينَة الْحق حَتَّى يَنْفِي الْبَاطِل الَّذِي
стр. 212
يَجِيء من النَّفس إِلَى الصَّدْر فيتراءى لعَيْنِي الْفُؤَاد يُرِيد أَن يمده بذلك إِلَى نَفسه فَإِذا هُوَ بَاطِل لَا يُثَاب عَلَيْهِ غَدا فَإِذا أخرجه الله تَعَالَى من هَذِه الظُّلُمَات بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وإيجابه لَهُ هَذَا النُّور واستغفرت لَهُ الْمَلَائِكَة لتك الْعُيُوب حَتَّى إِذا ولج هَذَا النُّور فَوجدَ مَكَانا طَاهِرا مقدسا فأشرق النُّور وَاسْتقر فِي الصَّدْر فَعندهَا اسْتَوَى لَهُ الْأَمْرَانِ ونال كلا التقويين الظَّاهِر وَالْبَاطِن فَلَا يعْمل شَيْئا إِلَّا على ذكر وَنِيَّة وحسبة دق ذَلِك الشَّيْء أَو جلّ فَأدْرك ذَلِك النُّور الْقلب من الصَّدْر فِي أسْرع من اللحظة لعظم ذَلِك النُّور حَتَّى يرتقي من الْقلب إِلَى مَحَله من العلياء حَتَّى تصير الْأَشْيَاء كلهَا لَهُ وَبِه وهم أَصْحَاب القبضة فِيهِ ينْطق وَبِه يبصر وَبِه يسمع وَبِه يبطش وَبِه يعقل وَهُوَ قَول الله جلّ ذكره ﴿أَلا إِن أَوْلِيَاء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾
ثمَّ وَصفهم من هم وَمَا عمِلُوا فَقَالَ ﴿الَّذين آمنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
فَهَؤُلَاءِ طبقَة آمنُوا بِهِ حَقًا فاطمأنت قُلُوبهم بأحكامه عَلَيْهِم من المحبوب وَالْمَكْرُوه رَضوا بِهِ رَبًّا وَرَضوا بأحكامه عَلَيْهِم حكما وذلوا لربوبيته خشعا وآثروه على أنفسهم حَيَاء وبذلوا لَهُ نُفُوسهم
стр. 213
جودا وسمحا وَكَانَ تقواهم على الْمشَاهد كَمَا ذكر فِي أول الْآيَة من قَوْله ﴿وَمَا تكون فِي شَأْن وَمَا تتلو مِنْهُ من قُرْآن وَلَا تَعْمَلُونَ من عمل إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُم شُهُودًا إِذْ تفيضون فِيهِ﴾ فَصَارَت شَهَادَته عِنْد كل عمل يفيضون فِيهِ مُعَاينَة الْقلب فهابوا الله هَيْبَة مَاتَت لَهَا نُفُوسهم موتا وأحبوا الله حبا حييت قُلُوبهم بِهِ حَيَاة وعبودة فِي كل لَحْظَة فَصَارَت أنفاسهم ولحظاتهم عبَادَة وكل حَرَكَة مِنْهُم طَاعَة ووجدوها غَدا فِي ميزَان الْحق فَهَذَا تقوى الْبَاطِن تقوى الْأَوْلِيَاء
مثل عُمَّال الله
مثل عُمَّال الله تَعَالَى مثل ملك دَعَا خياطا فَقَالَ لَهُ اقْطَعْ هَذَا الثَّوْب وخطه بَين يَدي فَلم يأل هَذَا الْخياط جهدا فِي إِظْهَار حذقه وخفة يَده فَلَمَّا غَابَ عَنهُ ترك خفَّة الْيَد وَحسن الِابْتِدَاء ووجازة الْفِعْل وَلَكِن أحكم الْخياطَة وأتقنها وزينها لِأَنَّهُ ذَاكر للعرض عَلَيْهِ
وَالْآخر رجل دَعَاهُ الْملك فَقَالَ اذْهَبْ بِهَذَا الثَّوْب فاقطعه وخطه وأنفذه إِلَى فلَان الرَّاعِي فَإِذا غَابَ عَنهُ رفع عَنهُ باله فكيفما قطعه وخاطه جوزه لِأَنَّهُ لم يشْعر بِرُؤْيَة الْملك وَلَا ذكر الْعرض
стр. 214
عَلَيْهِ وَإِنَّمَا بِهِ ارْتِفَاع الْعَمَل فَيَقُول قد عملت وآخذ الْأُجْرَة
وَإِنَّمَا جرأه على ذَلِك غفلته عَن رُؤْيَة الْملك وَعَن الْعرض عَلَيْهِ
فَكَذَا عُمَّال الله تَعَالَى على ثَلَاث طَبَقَات فعامل يعْمل لله كَأَنَّهُ يرَاهُ وعامل كَأَنَّهُ يرَاهُ الله وَهُوَ قَوْله ﷺ حِين سَأَلَهُ جِبْرِيل ﵇ عَن الْإِحْسَان فَقَالَ (الْإِحْسَان أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك)
فَقَالَ جِبْرِيل صلوَات الله عَلَيْهِ فَإِذا فعلت هَذَا فَأَنا محسن قَالَ نعم قَالَ صدقت فَهِيَ دَرَجَة الْمُحْسِنِينَ
فَالْأول يعْمل لله كَأَنَّهُ يرى ربه مُشَاهدَة وَالْآخر يعْمل كَأَنَّهُ يرَاهُ ربه
فَالْأول قد أَخَذته رُؤْيَته ربه وَالثَّانِي قد أَخَذته رُؤْيَة ربه إِيَّاه
فَالْأول أَعلَى من الثَّانِي لِأَنَّهُ قد كشف لَهُ الغطاء وَرفع الْحجاب فِيمَا بَينه وَبَين ربه وَهُوَ قَول ابْن عمر ﵁ حِين كَلمه عُرْوَة بن الزبير ﵄ فِي الطّواف فَلم يجبهُ إِلَى أَن قَالَ مَا قَالَ فَلَمَّا خرج قَالَ إِنَّك قد كَلَّمتنِي وَإِنَّا كُنَّا نتخايل الله بَين أَعيننَا
وَرُوِيَ عَن مَالك بن دِينَار ﵀ أَنه قَالَ مَكْتُوب فِي
стр. 215
التَّوْرَاة يَا ابْن آدم لَا تعجزن أَن تقوم بَين يَدي فِي صَلَاتك باكيا فَإِنِّي أَنا الله الَّذِي اقْتَرَبت لقلبك وبالغيب رَأَيْت نوري
فَهَذَا لمن رفع لَهُ الْحجاب حَتَّى رأى نوره وَهُوَ أَعلَى
وَالثَّانِي رفع الْحجاب لَهُ بِقدر مَا رأى أَنه ينظر إِلَيْهِ وَيَرَاهُ وَلم يعد
وَأما سوى الروية وَهُوَ قَوْله ﷺ (فَإِن لم تكن ترَاهُ فَإِنَّهُ يراك) فَهَذَا الثَّانِي يعْمل وَقَلبه إِلَى الْعرض الْأَكْبَر وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تعرضون لَا تخفى مِنْكُم خافية﴾ فَيجْهد لهَذِهِ وَلَيْسَ لَهُ زِينَة الْعَمَل وَإِنَّمَا لَهُ إحكامه فَهَذَا صَادِق وَالْأول صديق هَذَا مَحْجُوب وَالْأول من وَرَاء الْحجاب قد انْكَشَفَ لَهُ الغطاء فبه يعْمل
من يعْمل على الْغَفْلَة
وعامل ثَالِث يعْمل على الْغَفْلَة لَيْسَ على قلبه ذكر الْمُشَاهدَة وَلَا ذكر الْعرض إِنَّمَا هِيَ عَادَة النَّفس تعْمل بأعمال الْبر على الْعَادة والجزاف وعَلى ترائي الثَّوَاب من غير تَصْحِيح وَلَا طَهَارَة الْقلب وَلَا تتوقى فأعماله تُوضَع فِي الخزائن ليحصل مَا فِي صَدره يَوْم الْعرض فَإِن الله تَعَالَى كَانَ شَاهدا عَلَيْهِ فِي وَقت عمله لَا يخفى
стр. 216
عَلَيْهِ شَيْء فقد قَالَ الله جلّ ذكره ﴿يعلم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور وَالله يقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذين يدعونَ من دونه لَا يقضون بِشَيْء إِن الله هُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾
والصادق يعرض على الله تَعَالَى حِين ينظر إِلَيْهِ فَإِذا وَقعت نظرته إِلَيْهِ أشرق لنظرته نور الْعَمَل فازداد نورا وازداد قلب الْعَامِل فِي الأَرْض نورا لِأَن الْأَعْمَال ترفع إِلَى الله تَعَالَى وَالنِّيَّة فِيهِ بَاقِيَة وَهِي أصل الْعَمَل الَّتِي مِنْهَا بَدَأَ الْعَمَل فَمضى الْعَمَل إِلَى الله تَعَالَى
وأصل الْعَمَل بَاقٍ فِي الْقلب مُتَّصِل بِالْعَمَلِ ٧٩ فَإِذا وَقعت نظرة الله على الْعَمَل فأشرق وازداد نورا خَالِصا وتأدى ذَلِك إِلَى هَذَا الأَصْل فأشرق الْقلب بِمَا تأدى من النُّور وَهِي النِّيَّة فَهَذَا شَأْن الصديقين والصادقين وَهَذَا تَفْسِير الْقبُول
وَإِنَّمَا قيل قبُول لِأَنَّهُ عرض على الله فَيكون فِي قبالة وَجهه الْكَرِيم حَيْثُ نظر إِلَيْهِ وَمَا لم يعرض عَلَيْهِ وَوضع فِي الخزائن فَذَاك لتخليط فِيهِ حَتَّى يحصل يَوْم الْقِيَامَة وَإِنَّمَا يظْهر قبُوله ورده يَوْم الْقِيَامَة وَهَذَا الَّذِي عرض قبالة وَجهه ظهر قبُوله فِي الْحَال
стр. 217
مثل الْوَاعِظ
مثل الْوَاعِظ مثل رجل ينْفخ فِي كير لَهُ فعلى قدر قُوَّة المنفخ وَقُوَّة الرّيح الَّتِي فِيهِ تصل النفخة إِلَى تِلْكَ الجمرات حَتَّى تتوقد تِلْكَ النَّار وتحمي جدرانه من حول تِلْكَ النَّار ويتلظى ويضيء ذَلِك الْبَيْت ويذوب مَا فِي الكور ذَهَبا كَانَ أَو فضَّة أَو نُحَاسا أَو حديدا حَتَّى يَزُول عَنهُ خبثه وَتبقى صفوته فَإِن كَانَت المنفخة صَغِيرَة لم يكن لنفخه قُوَّة تُؤدِّي إِلَى الْجَمْرَة فالجمرة بِحَالِهَا مَعَ الرماد والخمود وَإِن كَانَت المنفخة كَبِيرَة وَلَكِن فِيهَا خروق فَكلما مدها حَتَّى تمتلئ من الرّيح فَإِذا عصرها خرجت الرّيح من تِلْكَ الخروق وَلم يتأد إِلَى الْجَمْرَة مِنْهُ إِلَّا قَلِيل فَهِيَ بِحَالِهَا جامدة ذَات رماد لَا تتلظى وَلَا تضيء الْبَيْت فَإِذا لم يكن بهَا خروق والمنفخة كَبِيرَة والنافخ ذَا قُوَّة وصلت النفخة إِلَى الْجَمْرَة فتوقدت وأضاءت الْبَيْت وحميت الجدران واستحر الْوقُود واستمد وذاب مَا فِي الكور وَرمى بخبثه وصفى الْبَاقِي
стр. 218
الذَّهَب وَالْفِضَّة فَصَارَت نقرة صَافِيَة تصلح للدراهم وَالدَّنَانِير فَإِذا ضربت كل شَيْء يروج فِي الْأَسْوَاق
فالواعظ إِذا وعظ من قلب عَالم لَكِن لم يكن لعلمه سُلْطَان لم تصل إِلَى الْقُلُوب نفخته وَالْإِيمَان فِي الْقُلُوب مثل الْجَمْرَة والجمرة إِذا بقيت فِي الشَّهَوَات علاها غُبَار الشَّهَوَات ورمادها فَإِذا لم يصل إِلَى الْقلب نفخة سُلْطَان الْوَعْظ مثل النفخ إِذا لم يصل إِلَى الْجَمْرَة بقيت ذَات رماد وَلم تتوقد وَإِنَّمَا يستمع إِلَى ذَلِك أذن الْقلب واتعظ بِهِ سَاعَة من النَّهَار ثمَّ يدرس ذكره ويعطل لِأَن الْقلب لم يعه لِأَنَّهُ لم يكن لَهُ سُلْطَان فتنفذ الْأذن إِلَى بَاطِنه فتمتزج بِنور الْإِيمَان فيشتمل عَلَيْهِ الْإِيمَان فَذَاك وعَاء الْقلب للموعظة
فَإِذا كَانَ لعلمه سُلْطَان وَلَكِن لم يكن لِقَلْبِهِ سُلْطَان فوعظ بِهِ وَنظر إِلَى نَفسه فِي ذَلِك الْوَعْظ فَرَأى نَفسه فوعظها بِمَنْزِلَة المنفخ الْكَبِير الَّذِي فِيهِ خروق فَخرج الرّيح من تِلْكَ الخروق وَلَا يصل إِلَى الْجَمْرَة إِلَّا قَلِيل مِنْهُ وَالْغُبَار والرماد بَاقٍ على الْجَمْرَة وَالْبَيْت مظلم وَلَا تَحْمِي الجدران وَلَا يذوب مَا فِي الكور فَلَا يزايل الْخبث من ذَلِك الذَّهَب وَالْفِضَّة
فَإِذا كَانَ علم الْوَاعِظ ذَا سُلْطَان وَعَن قلب ذِي سُلْطَان نَاظرا بِنور ذَلِك السُّلْطَان إِلَى جلال الله الَّذِي مِنْهُ بدا ذَلِك السُّلْطَان فِي قلبه طارت عَن عَيْني فُؤَاده رُؤْيَة نَفسه وقطعه شغله بِجلَال الله عَن
стр. 219
الِالْتِفَات إِلَى النَّفس وزينها فِي ذَلِك يقينها فأدت ذَلِك الْوَعْظ مَعَ سُلْطَانه إِلَى الْقُلُوب وَرمى كل غُبَار ورماد على جَمْرَة الْإِيمَان لِأَن الشَّهَوَات لَا بَقَاء لَهَا مَعَ السُّلْطَان
وَإِذا أورد الْقلب سُلْطَانه على الصَّدْر خَافت النَّفس فسكنت عَن تلظيها فَانْقَطع دخانها وانكشفت الْجَمْرَة عَن غطائها وغبارها فتلظت وأضاء الصَّدْر واستحر الْقلب فَأَبْصَرت أعين فؤاد السامعين الَّذِي خلصت إِلَى قُلُوبهم النفخة صُورَة تِلْكَ الْأَشْيَاء الَّتِي وصفهَا الْوَاعِظ فَصَارَت أُمُور الْآخِرَة مُعَاينَة على تِلْكَ الْقُلُوب فأجابت الْقُلُوب مِنْهُم والنفوس إِلَى مَا دعوا إِلَيْهِ من الصدْق وَالْوَفَاء لله تَعَالَى فَمَا دَامَ الْوَاعِظ بِهَذِهِ الصّفة فإجابة الْقُلُوب لَهُ خوفًا وإلقاء باليدين سلما لِأَنَّهُ وصل إِلَى قُلُوبهم خوف السُّلْطَان الَّذِي كَانَ فِي قلب الْوَاعِظ فَصَارَ كالنافخ بالكير بالمنفخ الْكَبِير الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خروق وَلَكِن مَعَ هَذَا لَا يُؤمن عَلَيْهِم الارتداد على العقبين وَالرُّجُوع عَن هَذِه الْأَحَادِيث إِلَى إِجَابَة النُّفُوس إِذا سكن عَنْهُم الْخَوْف دعتهم إِلَى فتْنَة تعرض لَهُم من الشَّهَوَات بِشَيْء
فَإِذا انْتقل الْوَاعِظ عَن هَذِه الدرجَة إِلَى دَرَجَة أَعلَى من هَذِه حَتَّى ولج منَازِل المحبين وَوصل إِلَى الْملك واحتظى من مجَالِس ملك الْملك وَشرب من الكأس الأوفى من شراب خالقه وَهُوَ
стр. 220
شراب الْمحبَّة وَهُوَ حب الله لَهُ لَا حبه لله صَار علمه ذَا سُلْطَان لِأَنَّهُ يعاين بفؤاده عَمَّا ينْطق بِهِ فَتلك الْأَنْوَار سُلْطَان عَلَيْهَا فَإِذا وعظ كَانَ وعظه ريَاح منافخه من ملك الألوهة وَمن ملك الْحبّ وَمن ملك الله
وَإِذا وصلت إِلَى الْقُلُوب صَارَت موعظته قيدا للقلوب وَلَيْسَ لهَذَا العَبْد الْتِفَات إِلَى النَّفس وَلَا للنَّفس مهرب أَيْضا
فَالْأول ريَاح منافخه من ملك الْجلَال فخافت الْقُلُوب ووجلت وخمدت شهوات النَّفس من الْخَوْف
فَإِذا كَانَ حدث أَو فَتْرَة درس هول الْخَوْف فأطلعت النَّفس رَأسهَا لِأَن الْخَوْف يسكن النَّفس ويخمد الشَّهَوَات وَلَا يُقيد
وَالْحب يُقيد الشَّهَوَات عَن طبائعها فتتضاعف كل شَهْوَة من اللَّذَّة أضعافا بحلاوة الْحبّ فَيتَعَلَّق الْقلب بِتِلْكَ الْحَلَاوَة ويشتمل عَلَيْهِ والتزقت النَّفس بِالْقَلْبِ لما وجدت من اللَّذَّة وَمَا يُحِيط بِهِ من نور العظمة حارسا للحب حَتَّى لَا يحدث من النَّفس فَتتْرك الْأَدَب وَصَارَ الْقلب مُقَيّدا بحلاوة الْمحبَّة
стр. 221
مثل الْمَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام
مثل الْمَدْعُو إِلَى دَار السَّلَام فَأجَاب مثل رجل دعِي إِلَى عرس فَأجَاب فَلَمَّا نظر إِلَى نَفسه رأى فِي نَفسه هَيْئَة فَعلم أَن لَيْسَ لَهُ مَعَ هَذِه الْهَيْئَة مَكَان فِي ذَلِك الْعرس وَلَا يتْرك للدخول ثمَّة لِأَنَّهُ نظر إِلَى شعر وسخ ملتف بِرَأْسِهِ ولحيته غَيرهَا الدُّخان حَتَّى اصْفَرَّتْ وَإِلَى أظافير قد طَالَتْ وبراجم قد توسخت ودرنت وَثيَاب دنسة وخلقان ورائحة مُنكرَة وَمَعَ هَذَا كُله قد بَات فِي الْمَزَابِل فَانْقَطع طمعه من أَن يتْرك للدخول فِي تِلْكَ الدَّار بِهَذِهِ الْهَيْئَة فَكيف يطْمع أَن يدْخل دَار السَّلَام وَدَار الْجلَال مَعَ أوساخ الذُّنُوب وأدناس الْعُيُوب ودرن الْخَطَايَا ونتن ٨٠ الْمعاصِي وأقذار السَّيِّئَات وَهُوَ يعلم أَنه حِين يدعى إِلَى عرس الدُّنْيَا أَنه يَأْخُذ من شعره وينقي من درنه وَيغسل رَأسه ولحيته ويقلم أظافيره وَيغسل ثِيَابه ويتطيب وينزين فَإِذا نظرُوا إِلَيْهِ مَعَ هَذِه الْهَيْئَة أخذُوا بِيَدِهِ وأدخلوه وأجلسوه على الصَّدْر ورقوا بِهِ على معالي الوسائد وَصَاحب الْعرس عَالم بِمَا كَانَ فِيهِ من هَيْئَة بالْأَمْس فَيعلم
стр. 222
أَن هَذَا إِنَّمَا هيأ لعرسه فيكرمه غَايَة الْكَرَامَة
فَهَذَا مثل عبد تائب قد أَزَال عَن نَفسه الفضول من كل شَيْء لم يُطلق لَهُ الشَّرْع وَهِي الْمعاصِي وتأدب بأدب الْإِسْلَام وتزين بالزهادة وَالتَّقوى وتطيب بِصدق الْبَاطِن من صِحَة النِّيَّة وإخلاص الْعُبُودِيَّة وبذل النَّفس لله ومحاسن الْأَخْلَاق وَكَانَ وليا من أَوْلِيَاء الله تَعَالَى على ربه وَقد سبقت هَذِه المحامد مذموماته فغفر لَهُ مغْفرَة لَا يُبْدِي لَهُ شَيْئا من سالف سيئاته وجاد عَلَيْهِ بفضله الَّذِي سهل لَهُ سَبِيل الشَّفَاعَة فِي عدد كثير من خلقه
فَالَّذِي صَار إِلَى ذَلِك الْعرس بِتِلْكَ الْهَيْئَة القبيحة منع فِي الطَّرِيق عَن أَن يَأْتِي الْبَاب وَجلسَ هُنَالك ليَأْخُذ من شعره ونشره وكل فضول أُتِي بِهِ فاذا أَزَال من نَفسه تِلْكَ الفضول أُتِي بِهِ بعده فِي الْمجْلس والمائدة فَالَّذِي صَار إِلَى العرضة مَعَ هَذِه الْهَيْئَة السَّيئَة منع عَن دَار السَّلَام وَبَقِي فِي مجْلِس الصِّرَاط حَتَّى تَأْخُذ النَّار من شعره ونشره أكلا أكلا وحرقا حرقا كلما احْتَرَقَ عَاد كَمَا يرى لَهُ حَتَّى يَأْخُذ الْحق مِنْهُ مَا وَجب لَهُ عَلَيْهِ ثمَّ تُدْرِكهُ الرَّحْمَة من أرْحم الرَّاحِمِينَ فيتخلص فيكسى ويطيب فَيذْهب إِلَى دَار السَّلَام
стр. 223
مثل الَّذِي ينْطق بأسماء الله ويدعوه بهَا وَيَتْلُو كتاب الله وَلَيْسَ لَهُ نور تِلْكَ الْأَشْيَاء
مثل الَّذِي ينْطق بأسماء الله تَعَالَى ويدعوه بهَا وَيَتْلُو كتاب الله تَعَالَى وَلَيْسَ لَهُ نور تِلْكَ الْأَشْيَاء فِي صَدره كَمثل شرر الحديدة المحماة إِذا ضربت بالمطرقتين فرمت بالشرر ثمَّ ينطفئ من سَاعَته وَلَيْسَ لَهُ لهبان وَلَا حرارة وَلَا ضوء يضيء بهَا
كَذَا النَّاطِق بِهَذِهِ الْأَسْمَاء والتالي لكتاب الله تَعَالَى إِذا أخرج الْكَلِمَات من صدر تلطخ بالشهوات لَا يكون لكلماته من النُّور مَا ينفذ شعاعه فيسطع ضوءه
فالناطق الَّذِي لَهُ نور فِي قلبه كَمثل نفاط رمى بنفط وكحريق اشتعل نَارا فَأحرق مَا حوله وسطع ضوءه فأضاء كل شَيْء وَإِن لكل حرف من كَلَامه نورا وَمَا أنزل على عَبده فَإِنَّمَا أنزل مَعَ النُّور فَإِذا دنا من الصَّدْر استقبلته أدناس الشَّهَوَات وظلمة الْهوى والحرص وَالرَّغْبَة وَالْكبر وَالْحمية والحسد وَالْبَغي والتجير والتعزز والتملق والاقتدار والعلو والتيه والتعظيم رَجَعَ النُّور كَأَنَّهُ يَقُول هَذَا لَيْسَ بمكاني إِنَّمَا أحل بصدر طهر عَن هَذِه الظُّلُمَات والأقذار فهناك مَحَله ومعدني يقف خَارِجا يلْتَمس صَدرا بَرِيئًا من
стр. 224
هَذِه الْأَشْيَاء فَمن احْتمل علم هَذِه الْأَشْيَاء علم الْحُرُوف ثمَّ أَخذهَا بالصوت بِكَلِمَات فَذَاك الْعَالم
الْعلم علمَان
أَتَرَى مَا قَالَه ﷺ (الْعلم علمَان فَعلم على اللِّسَان وَذَاكَ حجَّة الله تَعَالَى على خلقه وَعلم على الْقلب فَذَاك الْعلم النافع)
فَمن احْتمل فِي صَدره علم هَذِه الْأَشْيَاء بِلَا نور فَهَذَا علم الذِّهْن تَلقاهُ تعلما وتحفظا فَهُوَ على لِسَانه ولطائف الْحُرُوف ومعانيها هُوَ مَحْجُوب عَنْهَا ومستورة عَنهُ فَإِذا لفظتها شفتاه وَهُوَ الْحُرُوف فَهُوَ كالشرر يخمد وينطفئ من سَاعَته فَلَا يرْتَفع وَلَا يضيء الصُّدُور وَلَا يحرق الشَّهَوَات وَلَا رين الذُّنُوب من خَوفه وَالَّذِي رَاض نَفسه حَتَّى تطهر من تِلْكَ الأدناس وزايلته تِلْكَ الظُّلُمَات فَخَلا صَدره من ذَلِك فطاب وطرب وطهر فجَاء النُّور فَوجدَ مَكَانا قد طَابَ وطهر وطهارته من تقواه من هَذِه الْأَشْيَاء فِي تقواه وطيبه من حَيَاة الْقرْبَة وَذَلِكَ أَن العَبْد كلما ازْدَادَ طَهَارَة من هَذِه الْأَشْيَاء ازْدَادَ قربَة وَكلما ازْدَادَ قربَة ازْدَادَ حَيَاة قلبه لِأَنَّهُ إِنَّمَا يحيا قلبه بالحي الَّذِي لَا يَمُوت
فَصَاحب هَذَا إِذا وجد ذَلِك النُّور مثل هَذَا الصَّدْر ولج فِيهِ نور
стр. 225
ذَلِك الْكَلَام فَإِذا نطق بِهِ خرج مِنْهُ الشعاع الساطع فَأحرق مَا فِي الْجوف فأضاء الْبَيْت بِمَنْزِلَة ذَلِك الْحَرِيق الَّذِي أحرق مَا حوله وأضاء الفضاء فَذَاك الْعلم النافع الَّذِي قَالَه ﷺ
آدم لما أهبط إِلَى الأَرْض
وَرُوِيَ فِي الحَدِيث أَن آدم صلوَات الله عَلَيْهِ لما أهبط إِلَى الأَرْض ابْتُلِيَ بالحرث والنسج فَقَالَ يَا رب شغلتني بِهَذَا وَقد كنت أسمع تَسْبِيح الْمَلَائِكَة ومحامدهم فَأوحى الله تَعَالَى إِلَيْهِ أَن قل الْحَمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده فَإنَّك إِذا قلت هَذَا غلبت جَمِيع الْخلق فِي المحامد وَالتَّسْبِيح
دواوين ثَلَاثَة
وَإِنَّمَا غلب الْخلق لِأَن العَبْد فِي أثقال النعم وَلَا يَنْفَكّ مِنْهَا إِلَّا بِالْحَمْد فَيحْتَاج لكل نعْمَة إِلَى حمد ليتخلص مِنْهَا
وَالنعَم غير وديوان الْحساب غير وديوان السَّيِّئَات غير وديوان مظالم الْعباد غير فينشر على العَبْد يَوْم الْحساب دواوين ثَلَاثَة كَذَا جَاءَنَا عَن رَسُول الله ﷺ
فَكَانَ العَبْد مُحْتَاجا عِنْد كل نعْمَة إِلَى حمد فتفضل الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ كلمة جَامِعَة تتشعب تِلْكَ الْكَلِمَة وتتجزأ عدد كل نعْمَة لله عَلَيْهِ حَتَّى تذْهب إِلَى كل نعْمَة فتلزمها حَتَّى إِذا وقف غَدا بَين يَدي
стр. 226
الله تَعَالَى وينشر عَلَيْهِ ديوَان النِّعْمَة وجد عِنْد كل نعْمَة نورا قد لَزِمَهَا وَهُوَ وَذَلِكَ نور الشُّكْر نطق بِحَمْدِهِ هَا هُنَا جملَة فتوزع وانقسم بأجزائها على جَمِيع النعم فَكَأَنَّهُ يَقُول جلّ ذكره على وَجه المباهاة ملائكتي هَذَا عبد خلقته من تُرَاب فَبلغ من مَعْرفَته إيَّايَ أَن شكرني على كل نعْمَة فَيرى الْمَلَائِكَة نعمه مَعَ كل نعْمَة نور قد لَزِمَهَا وَهُوَ نور شكر العَبْد من تِلْكَ النِّعْمَة الَّتِي قد نطق بهَا فَيَقُول الله تَعَالَى فَهَذَا للنعمة الَّتِي وجهت إِلَى عَبدِي وَهَذَا النُّور الَّذِي وَجهه عَبدِي إِلَيّ لما تَوَجَّهت إِلَيْهِ فَعَلمُوا بذلك للْعَبد على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْمئِذٍ بِتِلْكَ المباهاة لِأَنَّهُ قَالَ الْحَمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده أوفى حَمده نعمه فلقي كل نعْمَة جُزْء من ذَلِك الْحَمد وَبَقِي للمزيد أجزاؤه حَتَّى يُكَافِئهُ بهَا يَوْم الْمَزِيد وَالزِّيَادَة فَإِذا لقِيه العَبْد لَقِي من نوره وَكَذَا لقِيه الْحَمد ولقيه بأجزاء الْمُكَافَأَة وَهُوَ حبه لِأَن العَبْد لَا يقدر أَن يُكَافِئ ربه ٨١ عَن رُؤْيَته وَالنَّظَر إِلَيْهِ بِشَيْء إِلَّا بحبه إِيَّاه فَإِنَّمَا حَمده العَبْد بِهَذَا الْحَمد الَّذِي لَهُ من نور الْحبّ مَا يتَجَزَّأ فَيلْحق كل جُزْء مِنْهُ كل نعْمَة من الله تَعَالَى عَلَيْهِ فتلزمها وَيلْحق أَجزَاء الْمَزِيد فَيقوم حَتَّى إِذا برز لِلْخلقِ يَوْم الزِّيَادَة ولقيه العَبْد بحبه مكافئا لما صنع الرب من رفع الْحجاب وَإِظْهَار جَلَاله على عَبده فَهَذِهِ كلمة قد مَلَأت الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلذَلِك قَالَ لآدَم ﵇ إِذا قلت هَذَا فقد غلبت جَمِيع مَا خلقت فَإِنَّمَا عظم ذَلِك لِأَن الْكَلَام حِين جَاءَهُ جَاءَ مَعَ النُّور وولج صَدره مَعَ
стр. 227
نور الْكَلَام فَلَمَّا نطق بِهِ خرج من النُّور والشعاع مَا وسع النعم أجزاؤه وَبَقِي الْمُكَافَأَة يَوْم الْمَزِيد مَا يكون كفاءه وَالَّذِي لم يتَطَهَّر من هَذِه الأدناس فَإِنَّمَا فِي صَدره من علم الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة فَتلك الْكَلِمَة وَالصَّوْت الَّذِي يبرزها بِهِ فَإِنَّهُ قُوَّة لتِلْك الْحُرُوف حَتَّى تتجزأ فَيلْحق كل نعْمَة ويلزمها وَإِنَّمَا ثبات العَبْد على النُّطْق فَإِنَّهُ قد أعمل العَبْد جوارحه فِي الطَّاعَات وأثقال النعم وَالشُّكْر بَاقِيَة عَلَيْهِ
نشر ديوَان النعم
فَإِذا وقف بَين يَدي الله تَعَالَى وَنشر ديوَان النعم وجدت النعم خَالِيَة من أنوار الشُّكْر فاستحيى من لهوه وغفلته وبطالته فَيبقى فِي شكر النِّعْمَة وَالنعْمَة تَقْتَضِي شكره فَحِينَئِذٍ إِمَّا معذب وَإِمَّا مغْفُور فَأعْطى الله الْمُؤمنِينَ جمل الْكَلَام وَأَعْطَاهُمْ شكر النعم كلمة فلحق نورها جَمِيع النعم بأجزائها فَصَارَت كل كلمة مقرونة بهَا شكر العَبْد
كَلِمَات أَعْطَاهَا الله العَبْد
فَأَعْطَاهُمْ لنفي الشَّك كلمة صَارَت مقرونة بِكُل شَيْء خلقه الله تَعَالَى للعباد نَافِيَة للشَّكّ عَنهُ وَهِي كلمة الشَّهَادَة لَا إِلَه إِلَّا الله مُحَمَّد رَسُول الله
стр. 228
وَأَعْطَاهُمْ لتنزيهه كلمة سُبْحَانَ الله فَصَارَت مقرونة بِكُل مديح إِلَيْهِ فَإِذا سبحه بِحَمْدِهِ فقد أَتَى بِجَمِيعِ المحامد
وَأَعْطَاهُمْ لذلة العبودة كلمة وَهِي قَول الله أكبر فَإِذا كبره فقد تواضع وَألقى بيدَيْهِ سلما
وَأَعْطَاهُمْ للقوة على هَذِه الْأَشْيَاء كلمة وَهِي قَول العَبْد لَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه فَإِنَّمَا تخرج هَذِه الْكَلِمَة من العَبْد مَعَ نور الْكَلِمَة حَتَّى يعْمل بعملها ويبلغ مبلغها فَإِذا قَالَ العَبْد الْحَمد لله فَإِنَّمَا هِيَ كلمة جملَة فَإِذا شَرط وَأَشَارَ إِلَى شَيْء مَوْصُوف فَقَالَ حمدا يوافي نعمه خرجت الْكَلِمَة بنورها
فَمن كَانَ لَهُ ذَلِك النُّور فتوزعت وانقسمت على جَمِيع نعم الله تَعَالَى فلحقت كل نعْمَة قسطها فلزمتها فيتخلص من أثقال النعم لِأَن الله تَعَالَى قَالَ فِي تَنْزِيله ﴿وَإِن تعدوا نعْمَة الله لَا تحصوها﴾
فَإِذا عجز العَبْد عَن عد النعم لم يحصها فَعلمه كلمة تلْحق بأجزائها كل نعْمَة على حدتها فوافاها حَتَّى اقترنا كل نعْمَة وشكر العَبْد مقرون بهَا لما نطق بِهَذِهِ الْكَلِمَة
وَهَذَا الْكَلَام إِنَّمَا يخرج من هَذِه الأفواه حروفا مؤلفة والأنوار
стр. 229
كسوتها مَعهَا نزلت للعباد من السَّمَاء والعباد متفاوتون فِي النُّطْق بِهَذِهِ الْكَلِمَة كالشأن فِي الْأَنْوَار
مثل ذَلِك مثل الخواتيم
وَمثل ذَلِك مثل الخواتيم فَلَيْسَ بَين خَوَاتِيم النَّاس كثير تفَاوت فَإِن أَكْثَرهَا فِيمَا بَين مِثْقَال ومثقالين فعامة أوزانها بِهَذَا الْقدر من الْفضة أَو من الذَّهَب إِنَّمَا الشَّأْن فِي الفصوص الَّتِي تباينت جواهرها فَرب جَوْهَر فص لخاتم لَا يُسَاوِي درهما وَرب فص تبلغ قِيمَته آلافا من الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير فَكَذَا النُّطْق بِهَذِهِ الْكَلِمَات متفاوت فِي إبرازها لفظا وَقِرَاءَة وَدُعَاء وَلَكِن التَّفَاوُت فِي الْمَعَادِن الَّتِي فِيهَا هَذِه الْأَنْوَار وَعلم هَذَا الْكَلَام
وتفاوت هَذَا أَكثر من تفَاوت الفصوص أضعافا فكلمة تخرج من قلب مَعْدن ذَلِك الْقلب الدُّنْيَا فَذَاك يبغى بِهِ الثَّوَاب وَكلمَة تخرج من قلب مَعْدن ذَلِك الْقلب العقبى وَكلمَة تخرج من قلب مَعْدن ذَلِك الْقلب الملكوت وَكلمَة تخرج من قلب مَعْدن ذَلِك الْقلب مَالك الْملك بَين يَدَيْهِ فَإِنَّمَا استنار قلبه بذلك النُّور وكل كَلَام يخرج مِنْهُ من ذَلِك النُّور
стр. 230
مثل الغافل عَن الله تَعَالَى
مثل الغافل عَن الله تَعَالَى مثل رجل أَخذ الْملك بِيَدِهِ فَطَافَ بِهِ فِي قصوره وبساتينه ومتنزهاته حَتَّى عاين مَا فِيهَا ثمَّ أدخلهُ فِي خزانته فَطَافَ بِهِ فَأرَاهُ جَمِيع مَا فِي خزانته ثمَّ أفشى إِلَيْهِ أسراره الَّتِي تكون فِي عداد الثَّوَاب والدرجات وأسرار تَدْبِير الْملك أَرَادَ بذلك أَن يتَعَلَّق قلبه بِهِ وتطمئن إِلَيْهِ نَفسه وَيكون من خَواص خدمه بَين يَدَيْهِ لَا يبرح من الْخدمَة فَتعلق بِهِ قلبه واندس فِي أُمُوره وَلزِمَ بَاب الْملك وَنسي أَحْوَال نَفسه فَلَو وسع عَلَيْهِ بعد ذَلِك أَو ضيق أَو بره أَو مَنعه بره لم يبرح الْبَاب لما اطلع عَلَيْهِ من أسراره لِأَنَّهُ عرفه معرفَة لَا تتهمه فِي الْمَنْع والضيق
وَآخر فتح لَهُ الْبَاب فَوقف بِهِ على الْبَاب وَلم يطف بِهِ وَلَا أطلعه على أسراره وَبَقِي على الْبَاب لَيْسَ لَهُ دُخُول على الْملك وَلَا مَعَه سر وَلَا شَيْء فَإِذا هَذَا الشَّيْء أحله هَذَا الْمحل خرج من الْبَاب وَقَامَ مَعَ ذَلِك الَّذِي لَا يُؤذن لَهُم بِهَذِهِ الكرامات فأعجب الْعُقَلَاء من فعل هَذَا أَن الْملك اختارك من الْجَمِيع وَعطف عَلَيْك وَأظْهر عَلَيْك محبته وَعَلَيْك بسط رأفته وشفقته وآثرك على هَذَا الملإ الْكثير فَأخذ بِيَدِك من جُمْلَتهمْ واستخرجك وخلصك من بَينهم ليطوف بك فِي قصوره وليطلعك على أسراره واختارك لكشف
стр. 231
أسراره عَلَيْك فِي تَدْبِير المملكة فَتركت مَا هُنَالك وَوليت معرضًا لم تَرَ شَيْئا وَأَقْبَلت على فهم نَفسك تتشبه فِي سيرتك وآدابك وأعمالك بِهَذَا المخذول المطرود المحروم على الْبَاب الَّذِي لم يعبأ بِهِ كَأَن جَمِيع ذَلِك عنْدك لَا شَيْء وتركهم كَأَنَّهُمْ فِي مفازة حيارى ثمَّ لم يزَالُوا فِي أَعْمَالهم حَتَّى أوقعهم فِي أَرض شاكة ملتفة أشجارها حَدِيدَة شَوْكهَا فهم فِي فياف جِيَاع عطاش جرحى من ذَلِك الشوك والحسك فَمَا الَّذِي يُؤمنك أَن يَرْمِي بك الْملك لتشبهك بهم فِي آدابهم وسيرتهم فينحيك إِلَى الْبَاب ويسده عَنْك حَتَّى تقع فِي مفازة الْحيرَة وَالْأَرْض الشاكة
فربنا ﷻ خلق دَارا فحشاها بِالرَّحْمَةِ وملأها بساتين ونعيما ورياضا وقصورا وأعدها لِعِبَادِهِ وَخلق سجنا فحشاها بسلطانه وغضبه وملأها بعذابه وأعدها للذاهبين برقابهم وَأظْهر من ملكه فِي ملكوت عَرْشه وَلَا حَاجَة لَهُ إِلَى شَيْء من ذَلِك إِنَّمَا فعل هَذَا كُله من أجل الْآدَمِيّين منَّة ٨٢ فَاخْتَارَ من كل ألف من عباده وَاحِدًا فَفتح الْبَاب لَهُ حَتَّى عاين هَذِه الْأَشْيَاء وَترك البَاقِينَ فِي مفازة الْحيرَة الشاكة وَهِي الْمعاصِي فتردوا فِي آبار الْكَبَائِر وجرف الْجَبَابِرَة ويرتعون فِي القاذورات والكناسات فَإِذا كَانَ هَذَا الْوَاحِد
стр. 232
الْمُخْتَار المفتوح لَهُ الْبَاب والمقبول فِي الدَّار والمطلع على الخزائن والأسرار أَحمَق لَهَا عَن فتح الْبَاب وَعَما اطلع عَلَيْهِ وَرَجا فِيهِ خرج من الدَّار وَأَقْبل على ظلمات نَفسه الخائنة وغرة الْعَدو وَأخرجه رويدا رويدا من الْبَاب الَّذِي فتح لَهُ فولجه فَأَبْصَرَهُ بالاستلذاذ وَقَضَاء النهمات والأماني الكاذبة نفسية وشهوانية قد أجلب لَهُ حَتَّى تأشر نَفسه وتبطر ويمتليء من لذتها والفرح بهَا فيورثه الأشر والبطر حَتَّى يُخرجهُ إِلَى مَا لم يُطلق لَهُ من ذَلِك النَّوْع الَّذِي أحل لَهُ وَيَتَعَدَّى حُدُود الله فِيهِ حَتَّى أشر وبطر وتعدى حُدُود الله فِيهَا وتجاوزها فقد ظلم نَفسه حَتَّى يصير عاديا يسترق من الله نَفسه وجوارحه ويعدو هَارِبا فَسَماهُ عاديا فِي تَنْزِيله بِفِعْلِهِ قَالَ الله ﵎ ﴿وَالَّذين هم لفروجهم حافظون إِلَّا على أَزوَاجهم أَو مَا ملكت أَيْمَانهم فَإِنَّهُم غير ملومين فَمن ابْتغى وَرَاء ذَلِك فَأُولَئِك هم العادون﴾
فَلَا يزَال الْعَدو يَسُوقهُ فِي مفاوز الْحَيَاة حَتَّى يَرْمِي بِهِ إِلَى النَّار سوق الْحمار الدبر الجوال فِي أفنية الدّور يرتعي فِي
стр. 233
كناسهم حَتَّى يَرْمِي بِهِ إِلَى الشاكة الملتفة أشجارها وشوكها فسجنه فِيهَا حَتَّى لَا يقدر أَن يخرج مِنْهَا كلما اضْطربَ لَزِمته حِدة الشوك وأوجعته جراحتها وَهِي الْكَبَائِر من الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وَالْبَغي والعلو والجرأة على الله تَعَالَى
فَكل مَا ذكرنَا عاين فِي تِلْكَ الفسحة والتفت إِلَيْهَا الْتفت من بعد وَذَلِكَ لبعد قلبه فعاين ذَلِك كالجبال من الْبعد الَّذِي تبَاعد فالقلب قلب الْمُوَحِّدين وَاللِّسَان لِسَان الْمُوَحِّدين وَالنَّفس نفس الْكَافرين بِمَا تشبه بهم فِي الْأَعْمَال والسيرة
وَهَذَا جَزَاء من رفع الله لِقَلْبِهِ علما فَأَعْرض عَنهُ وَهَذَا جَزَاء من أقبل على نَفسه بعد كَرَامَة الله تَعَالَى إِيَّاه حَتَّى يبْقى فِي الْعَذَاب غَدا وَفِي دَار الهوان دهرا لَا يدْرِي كم أمد ذَلِك الدَّهْر
المرارات
فذاق مرَارَة الْحَيَاة وذاق مرَارَة الْمَوْت وذاق مرَارَة الْقَبْر وذاق مرَارَة فتاني الْقَبْر وذاق مرَارَة عرض الْمعاصِي وَالسُّؤَال والنشور وضيق الْمقَام والصراط والصحف وَوزن الْأَعْمَال حَتَّى تُدْرِكهُ رَحمته يَوْمًا أَو يكون رجلا قد غلب عَلَيْهِ الشَّقَاء لكفرانه نعم الله تَعَالَى
стр. 234
فَمن فتح لَهُ الْبَاب فَكفر النِّعْمَة واستخف الْمِنَّة وآثر الشَّهْوَة ومرضاة النَّفس فبدل نعْمَة الله كفرا فأحل قومه دَار الْبَوَار جَهَنَّم يصلونها فبئس الْقَرار
فَانْقَلَبَ فِيهِ منكوسا وسلب مَا أعطي وَأخرج من الْبَاب إِلَى الْآبَار المتردية المنكوسة فِيهَا بِلَا يَد وَلَا رجل فَبَقيَ فِيهَا أبدا فَلَا دَاعِي وَلَا مُجيب لَا يَدعُوهُ الله أبدا إِلَى نَفسه وَلَا يجِيبه إِن دَعَاهُ
اعتمال الْعقل
وَمن رزق عقلا فاعتمل عقله فِيمَا فتح لَهُ من الْبَاب فعقد قلبه على طَاعَة الناصح الرشيد وَهُوَ الْعقل الدَّال على الله تَعَالَى وعَلى مراشد أُمُوره فَلم يزل الْعقل يمهد لَهُ ويزين لَهُ ويدبره بالأخلاق الْكَرِيمَة والأعمال السّنيَّة وَالْأَفْعَال المرضية والأقوال البهية والإشارات الشهية والمراتب الْعلية حَتَّى وَقفه على حد الْأَمَانَة فَصَارَ أَمِين الله تَعَالَى فِي أرضه يلع سره وَمحل
стр. 235
نَجوَاهُ ومعدن حكمته وخزانة جوهره علت فِي الْمرتبَة وَأقَام بِالْبَابِ يلازم اللَّيْل وَالنَّهَار وَلَا يبرح مَكَانَهُ وَأخذ من الحظوظ حظا صَار عِنْد الْملك وجيها كلما شَاءَ دخل عَلَيْهِ بِلَا إِذن وأينما شَاءَ قعد فِي مجالسه من الاقتراب والدنو فائتمنه على خزانته وَوضع عِنْده تَدْبيره وأسراره وَنفذ حكمه فِي ملكه فَيقسم عَلَيْهِ فيبر قسمه ويتمنى فيسعفه بمناه ويشاء وَيُرِيد فيمضي مشيئاته وإراداته وَهَذَا فِي دَار الدُّنْيَا حَتَّى إِذا قدم عَلَيْهِ فيا لَهُ من مقدم لَا يحاط بوصفه من سروره بلقاء الله تَعَالَى وتمكنه من معالي الدَّرَجَات والمصير إِلَيْهِ فِي الفردوس الْأَعْلَى زَائِرًا لَا يحجب فِي النّظر وَلَا يُؤَخر وَلِهَذَا قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا يعجبنكم إِسْلَام أحد حَتَّى تعلمُوا مَا عقدَة عقله) فالإسلام ظَاهر وعقده الْعقل بَاطِن مَسْتُور عَن الْخلق فَمن اعْتبر بِمَا رأى من ظَاهر الْإِسْلَام من نَفسه أَو من غَيره فَهُوَ مغبون حَتَّى يعلم على أَي شَيْء عقده الْعقل فواحد قد فتح لَهُ الْبَاب ورزقه الْعقل فَاطلع مطلعه وَقيل مَا عرض عَلَيْهِ ثمَّ وَلَا يظهره وَأَقْبل على نَفسه مكبا على
стр. 236
وَجهه لقَضَاء الشَّهَوَات فِي عَاجل الدُّنْيَا فَصَارَت عقدَة عقله طلب النهمات وأحوال النَّفس يُخَادع الله وَيعْمل فِي العبودة بالجزاف والغفلة والشايذبوذ على التجويز ويتمنى الكرامات على الله تَعَالَى ومعالي الدَّرَجَات ويعد تِلْكَ الْأَمَانِي من نَفسه رَجَاء وَيَقُول أَرْجُو رَبِّي وَأحسن الظَّن بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ أماني وَلَيْسَ برجاء وَقَالَ الله جلّ ذكره ﴿لَيْسَ بأمانيكم وَلَا أماني أهل الْكتاب من يعْمل سوءا يجز بِهِ وَلَا يجد لَهُ من دون الله وليا وَلَا نَصِيرًا﴾
مثل معرفَة الْعَامَّة
مثل معرفَة الْعَامَّة مثل رجل فِي يَدَيْهِ جَوْهَرَة فَهُوَ متحير فِي شَأْنهَا لَا يدْرِي مَا قيمتهَا فَمرَّة يخيل إِلَيْهِ أَنَّهَا لَا تَسَاوِي إِلَّا درهما فَلَا يجد فِي قلبه كَبِير فَرح وَلَا فِي نَفسه غناء وَمرَّة يأمل أَكثر من ذَلِك فَإِذا قيل لَهُ إِن هَذِه جَوْهَرَة مِمَّا يصاب بهَا وقر من الدَّنَانِير امْتَلَأَ سُرُورًا وفرحا وانبسطت جوارحه واستغنت نَفسه حَتَّى وجد قُوَّة بِالْغنَاءِ فِي جَمِيع جسده من قبل أَن يملك الدَّنَانِير وَمن قبل أَن
стр. 237
ينْكَشف لَهُ الغطاء عَن شَأْنهَا مَاذَا يُصِيب بهَا كَانَ فِي قلبه تحير وَفِي نَفسه غائلة وجوارحه منقبضة
قُلُوب الْعَامَّة فِي معرفَة رَبهم
فَكَذَا قُلُوب الْعَامَّة فِي معرفَة رَبهم يَزْعمُونَ أَنهم يعْرفُونَ رَبهم وَتلك معرفَة التَّوْحِيد يوحدونه وَلَا يشركُونَ بِهِ شَيْئا وهم فِي عمى من وَرَاء ذَلِك وَلذَلِك قدر الشَّيْطَان أَن يهزهم هزا عَن الاسْتقَامَة فِي أَحْوَال النُّفُوس ولهوا عَن الْوَاحِد الَّذِي وحدوه رَبًّا
وَمن عرفه معرفَة الآلاء وَمَعْرِفَة المعروفات امْتَلَأَ قلبه فَرحا وَنَفسه غنى بِمَنْزِلَة من دخل بَيْتا مظلما ممتلئا دَنَانِير فَهُوَ فِي تِلْكَ الظلمَة متحير ضَعِيف فَلَمَّا أَضَاء الْبَيْت أبْصر تِلْكَ الدَّنَانِير الَّتِي فِي الْبَيْت وَاسْتغْنى اسْتغْنَاء بِحَيْثُ لَا يضرّهُ مَا فَاتَهُ ٨٣ وَمَا أُصِيب مِنْهُ من الضَّرَر والمصائب
قَالَ لَهُ قَائِل وَمَا معروفاته
معروفات الله ﷻ
قَالَ جَلَاله وجماله وعظمته وبهاؤه وبهجته وَرَحمته وسلطانه ومجده ومننه وَعطفه وغناه وسعته وَكَرمه ورأفته فَمن
стр. 238
عرف ربه بِهَذِهِ الْمعرفَة امْتَلَأَ قلبه فَرحا وَنَفسه غنى وقويت جوارحه وفسح أمله وَعظم رجاؤه وَاسْتغْنى بغنى الله وَتوسع فِي سَعَة الله وَاجْتمعت هممه وصلب إيمَانه واستقام هداه وَثَبت رُكْنه ووفى إِسْلَامه وصدقت عبودته وَشرف ذكره فِي الْعلَا ونبل جاهه وَكَانَ من المختصين برحمته المهديين بِولَايَة الله تَعَالَى
وَهَذِه المعروفات كلهَا فِي حَظّ النَّفس فَمَتَى لم تعرف النَّفس رَبهَا بِهَذِهِ الصِّفَات فَهِيَ متحيرة فقيرة خاملة مغترة ذابلة
مثل موت وَاحِد من الْمُؤمنِينَ
مثل موت وَاحِد من الْمُؤمنِينَ مثل شُهُود شهدُوا عِنْد الْحَاكِم فنقص من عَددهمْ وَاحِد إِمَّا بِرُجُوع أَو بغيبة مِنْهَا وَإِمَّا بِرُجُوعِهِ عَنْهَا فَكلما نقص مِنْهُم وَاحِد زَاد الوهن فِي ذَلِك الْأَمر وَذَلِكَ أَن الله تبَارك اسْمه خلق الْآدَمِيّ وأحله محلا لم يحله لأحد من خلقه وسخر لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَسَمَّاهُمْ باسمين فِي تَنْزِيله دلّ الإسمان على مَحَله أَحدهمَا الْآدَمِيّ وَالْآخر حبيب
فَأَما آدم فَهُوَ الْوَصْل يُقَال فِي اللُّغَة آدمني أَي وصلني وَكَذَا سمي الإدام إدَامًا أَي يُوصل ذَلِك الْخبز
стр. 239
وَرُوِيَ أَن النَّبِي ﷺ أَخذ كسرة خبز بِيَمِينِهِ وَتَمْرًا بِشمَالِهِ فأكلهما وَقَالَ هَذِه إدام هَذِه أَي هَذِه التمرة وصلَة بِهَذِهِ الكسرة
فآدم ﵇ خلقه الله بِيَدِهِ وقربه بباء الوصلة فَقَالَ خلقت بيَدي وَالْبَاء للوصل وَسَماهُ آدم فِي تَنْزِيله وسمى أَوْلَاده آدميين بِهَذَا الِاسْم فَقَالَ ﴿يَا بني آدم﴾ ثمَّ سَمَّاهُ إنْسَانا وسمى أَوْلَاده النَّاس فَقَالَ ﴿لقد خلقنَا الْإِنْسَان﴾ لِأَنَّهُ لما خلق من الطين أنس بِهِ وبقربه فَبَقيت تِلْكَ الأنسية فِينَا فَلَيْسَ أحد من أَوْلَاده بر وَلَا فَاجر إِلَّا يأنس بربه فِي الْمَنَافِع والمضار وَإِلَيْهِ يلجأ وَإِلَيْهِ يفزع وبذكره يأنس فِي جَمِيع أَحْوَاله وأموره إِلَّا أَنه إِذا وجد بغيته وَأدْركَ نهمته من حَاله اشْتغل بِالْحَاجةِ والبغية وَلها عَنهُ إِلَّا عِصَابَة من الْمُوَحِّدين
أَوْلِيَاء الله تَعَالَى
وهم أَوْلِيَاء الله الَّذين عجن طينتهم بحبه فأشربت قُلُوبهم
стр. 240
حبه فهم الَّذين بغيتهم فِي الدَّاريْنِ مَوْلَاهُم وخالقهم ومليكهم قد ملك حبه قُلُوبهم وَلَا يقدر شَيْء دونه أَن يملكهم
طَائِفَة أُخْرَى
فَأَما من دونهم من الْمُؤمنِينَ فطائفة مِنْهُم أقرَّت بتوحيده وَقبلت العبودة صدقا من قُلُوبهم ثمَّ ملكتهم نُفُوسهم الشهوانية حَتَّى خلطوا العبودة فَمرَّة تزل قدمه وَمرَّة تثبت فتراه فِي جَمِيع أمره مرّة مُطيعًا وَمرَّة عَاصِيا مرّة لاهيا وَمرَّة مُقبلا
وَطَائِفَة نافرة
وَطَائِفَة مِنْهُم نفرت نفرة مُنكرَة وأدبرت عَن عِبَادَته وَأَقْبَلت على عبَادَة من دونه من الشَّمْس وَالْقَمَر وَسَائِر المخلوقين وأشركوا بِاللَّه تَعَالَى فِي ملكه
الثَّابِت على التَّوْحِيد
فَمن ثَبت على توحيده وَقبل مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُول ﷺ سَمَّاهُ مُؤمنا وَمُسلمًا وتائبا وعابدا وحامدا وصائما وراكعا وساجدا وشاكرا وصابرا ومحتسبا وخالصا ووليا
стр. 241
الْمُدبر الَّذِي ركب بعض شهواته
وَمن أدبر بِالْكُلِّيَّةِ سَمَّاهُ مُفْسِدا وكافرا
وَمن ركب بعض شهواته وَقَلبه مَعَه سَمَّاهُ ظَالِما لنَفسِهِ مخلطا ثمَّ ذكر فِي تَنْزِيله إِن الله يحب التوابين وَيُحب المتطهرين وَيُحب الْمُتَّقِينَ وَيُحب الشَّاكِرِينَ وَيُحب الصابرين وَيُحب الْمُحْسِنِينَ وَالله ولي الْمُؤمنِينَ
وَقَالَ فِي حق المدبرين إِن الله لَا يحب الْكَافرين لَا يحب الظَّالِمين لَا يحب المفسدين
فسمانا فِي تَنْزِيله أحباء مَعَ جَمِيع هَذِه الْأَسْمَاء الَّتِي هِيَ محَاسِن الْأَخْلَاق منا فخلق هَذَا الْخلق كُله علوا وسفلا وخلقنا من قَبْضَة من تُرَاب فَوَضَعْنَا فِيمَا بَين هذَيْن سَبْعَة أطباق من فَوق وَسَبْعَة أطباق من تَحت والأطباق المرفوعة من فَوق معلقَة بِالرَّحْمَةِ والأطباق من تَحت مَوْضُوعَة على الهباء
فِي بَيَان الهباء
قَالَ لَهُ قَائِل مَا الهباء قَالَ غُبَار الثرى
стр. 242
وَجعل الطَّبَق الْأَعْلَى الَّذِي نَحن عَلَيْهِ لنا بساطا وزين لنا هَذَا الْبسَاط بألوان الزِّينَة من الذَّهَب وَالْفِضَّة من الْجبَال والجواهر والبحار والنبات من القفار ذَات ألوان من المطاعم والمشارب والملابس والمشام وَسَائِر الْمَنَافِع وَالدَّوَاب وَسَائِر الْحَيَوَان ثمَّ بسط على هَذَا الْبسَاط بِسَاط العبودة من الذّكر وَالْقِيَام وَالرُّكُوع وَالسُّجُود وَالصِّيَام وَالصَّدَََقَة وَالْحج وَالْجهَاد وَسَائِر أَعمال الْبر والطاعات ثمَّ بسط على هذَيْن البساطين بساطا آخر وَهُوَ بِسَاط الربوبية وَالتَّدْبِير ثمَّ أقامنا معاشر ولد آدم على بِسَاط الهباء ودعانا إِلَى دَار ملكه وَدَار السَّلَام فِي جواره وَدَار الْقَرار وَدَار السّكُون وَدَار السرُور وَقد نشر بِسَاط العبودة على بِسَاط الزِّينَة فَكلما قَطعنَا من بِسَاط العبودة شبْرًا وتخطيناه وطويناه حَتَّى ننتهي إِلَى الْأَجَل الَّذِي أجل لنا وَالْوَقْت الَّذِي وَقت لنا فَدَعَانَا اسْما اسْما دَعْوَة لَا يقدر أحد منا أَن يمْتَنع من الْإِجَابَة وَقد طوى من بِسَاط العبودة مَا طوى فَتلقى الله تَعَالَى بِهِ فِي تِلْكَ العرضة يَوْم الْموقف بَين يَدَيْهِ
من أَرَادَ الله بِهِ خيرا
فَمن أَرَادَ الله بِهِ خيرا قذف فِي قلبه نورا أَحْيَا قلبه بِهِ فَفتح عَيْني فُؤَاده فِي صَدره ثمَّ أشرق فِيهِ نور التَّوْحِيد حَتَّى أنار قلبه وأضاء ثمَّ أعطَاهُ نور الْعقل حَتَّى بَان لَهُ أَمر العبودة فقبلها عَن ربه إِنَّمَا يأتمر بِجَمِيعِ مَا يَأْتِيهِ عَن الله وَيَنْتَهِي عَن جَمِيع مَا نَهَاهُ
стр. 243
الله تَعَالَى عَنهُ ثمَّ اقْتَضَاهُ الْوَفَاء بذلك فَوَقع العَبْد فِي كد ومجاهدة النَّفس الشهوانية والعدو الْحَاسِد والهوى المردي فَلم يزل العَبْد يتشمر لذَلِك ويجتهد ويداوم على ذَلِك ويقاسي غمومه وعسره ويتضرع إِلَى الله تَعَالَى ويستغيث بِهِ حَتَّى يرحمه فَأجَاب دَعوته فأيده بِروح مِنْهُ
فَلَمَّا جَاءَت تِلْكَ الْأَنْوَار على قلبه سقط عَنهُ الْجهد واستراح من المجاهدة وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿أم من يُجيب الْمُضْطَر إِذا دَعَاهُ ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأَرْض﴾
فَجعله وليا من أَوْلِيَاء وَخَلِيفَة من خلفاء أرضه وإماما من أَئِمَّة الْهدى وحبيبا من أحبائه وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِن النَّفس لأمارة بالسوء إِلَّا مَا رحم رَبِّي﴾
فالمرحوم صفته مَا ذكرنَا وَمن سقط عَن هَذِه الصّفة فَهُوَ مَرْحُوم أَيْضا بِالتَّوْحِيدِ حيت أنقذه من الشّرك وَمن عَلَيْهِ بهداية التَّوْحِيد وَقَالَ ﴿يهدي الله لنوره من يَشَاء﴾
فَلَمَّا خلق الله تَعَالَى ٨٤ هَذَا الْخلق ابْتَدَأَ خلق هَذِه القبضة
стр. 244
من تُرَاب شهد بِنَفسِهِ لنَفسِهِ أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَشهِدت الْمَلَائِكَة بذلك وَشهد أولو الْعلم من الْآدَمِيّين بذلك ثمَّ أنار شَهَادَته فِي قُلُوب الْمُوَحِّدين حَتَّى شهدُوا على شَهَادَته عَالمين بِالشَّهَادَةِ موقنين بِهِ عَالمين بالمشهود لَهُ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا من شهد بِالْحَقِّ وهم يعلمُونَ﴾ فهم بأجمعهم أهل رَحمته وَأهل رأفته وأحبابه سابقهم ومقتصدهم وظالمهم
السَّابِق والمقتصد والظالم
فَمن مَاتَ مِنْهُم ظَالِما كَانَ أَو مقتصدا أَو سَابِقًا فكلهم حبيب الله ومأثوره ومختاره ومرحومه ومرؤوفه وموحده وَشَاهده فِي الأَرْض فَمَتَى مَاتَ وَاحِد مِنْهُم فقد نقص من أهل شَهَادَته شَاهد فقد حل بعقدة الوهن فِي أهل السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال والبحار وَالشَّجر وَالدَّوَاب والخلق والخليقة وَالْكل إِنَّمَا اسْتَقر
стр. 245
على الأَرْض بتوحيد الْمُوَحِّدين وَذَلِكَ قَول الله تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دفع الله النَّاس بَعضهم بِبَعْض لفسدت الأَرْض وَلَكِن الله ذُو فضل على الْعَالمين﴾
وَرُوِيَ فِي الْخَبَر (أَن الله تَعَالَى قَالَ يَا مُوسَى لَوْلَا من يوحدني لسيلت جَهَنَّم على الْكَافرين سيلا)
وَإِنَّمَا دخل الوهن عَلَيْهِم لِأَن كل مُؤمن رفع من الأَرْض انْقَطَعت حِصَّته من الرَّحْمَة وَانْقطع مدده من الْبركَة
فَإِذا افتقدت السَّمَوَات وَالْأَرْض الرَّحْمَة الدارة من الْعلي إِلَى العَبْد وَالْبركَة المنتشرة فِي أَحْوَال العَبْد وأموره بَكت السَّمَوَات وَالْأَرْض
وَإِذا افتقدت العبودة السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمن عَبده على وَجه الأَرْض وأنوار الطَّاعَات المنتشرة من العَبْد إِلَى الله تَعَالَى فِي جو السَّمَاء بكتا لفقده
مثل المتكل على مَاله
مثل المتكل على مَاله مثل عبد أعطَاهُ مَوْلَاهُ رَأس مَال ليتصرف ويتجر وَالرِّيح للْعَبد فَضرب العَبْد بِهَذَا المَال يَمِينا وَشمَالًا
стр. 246
وَتصرف فِي أَنْوَاع التِّجَارَات والبضائع فَبَاعَ وَاشْترى فَصَارَ هَذَا المَال كُله نَسِيئَة وَإِذا نظر فِي الدِّيوَان رأى أَن على فلَان كَذَا وعَلى فلَان كَذَا وعَلى فلَان كَذَا فتجمع أُلُوف أَضْعَاف رَأس المَال كلهَا نَسِيئَة فَإِذا كَانَ أَحمَق طابت نَفسه بالآلاف الَّتِي يحصيها واتكل عَلَيْهَا وَلَا ينظر إِلَى مَا تحصل لَهُ فِي يَده فكم من غَرِيم بايعته على الْوَفَاء وَهُوَ عنْدك ملي فَإِذا أَتَى على ذَلِك مُدَّة ظهر إفلاسه ولوى مَا عَلَيْهِ فَلم يحصل لَهُ مِنْهُ إِلَّا كِتَابَة اسْمه فِي ديوانك وَتَقْدِير مَا عَلَيْهِ حسابا وَرُبمَا يحصل مِنْهُ شَيْء وَذهب بِشَيْء فَأَنت على غير ثِقَة من غرمائك حَتَّى تقبض مِنْهُ وتنقد بعض الْقَبْض وتستيقن بِأَنَّهَا خِيَار تنْفق فِي كل سوق إِلَّا فِي سوق الوضح الَّتِي لَا تبَاع وَلَا تشترى إِلَّا بِالدَّرَاهِمِ الوضح
فَالْعَبْد الْمُؤمن قد أعطَاهُ الله تَعَالَى رَأس المَال وَهُوَ الْإِيمَان والتوحيد وَأمره أَن يتجر بأنواع من الطَّاعَات وأعمال الْبر والأرباح لَك لتنفق على نَفسك يَوْم فقرك فَإِذا اتّجر وَربح من الصَّوْم وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَسَائِر أَعمال الْبر فَهَذِهِ الْأَعْمَال كلهَا كأولئك الْغُرَمَاء
стр. 247
الَّذين يَرْجُو أرباحهم الَّتِي ربح على رَأس مَاله أَي أَعمال الطَّاعَات كلهَا ربح التَّوْحِيد والتوحيد رَأس المَال لَا يقبل عمل إِلَّا بِهِ وَمِنْه يخرج ربح الْمُؤمن لإنه لم يتَبَيَّن الْقبُول فَهُوَ على غرر مِنْهُ فَإِذا اتكل على هَذِه وحوسب يَوْم الْحساب وَحصل مَا فِي الصُّدُور وطولب بِالصّدقِ وَالْإِخْلَاص مِنْهَا فَلم يُوجد فِي كثير مِنْهَا الصدْق وَالْإِخْلَاص فَرضِي بذلك الْعَمَل فَكَانَ كَهَذا الْغَرِيم الَّذِي ظهر هَاهُنَا إفلاسه فَلم ينل مِنْهُ ربحا وَخيف على رَأس مَاله أَيْضا لِأَنَّهُ عمل لغير الله تَعَالَى واستهزأ بِأَمْر الله تَعَالَى وآثر دُنْيَاهُ وَهوى نَفسه على مَحْبُوب الله تَعَالَى ومختاره فَهَذَا كهؤلاء الْغُرَمَاء الَّذِي ظهر هَاهُنَا إفلاسهم فَلم يبْق فِي أَيْديهم إِلَّا ديوَان الكتبة
فَالْعَبْد إِن كَانَ كيسا يَبِيع وَيَشْتَرِي نَقْدا بِرِبْح يسير لِأَن الْيَسِير من الرِّبْح مَعَ قيام رَأس المَال خير من الرِّبْح الْكثير مَعَ هَلَاك رَأس المَال أَو إِذا بَاعَ نَسِيئَة يَأْخُذ بالثقة وعامل الْغُرَمَاء بالوثائق إِمَّا الرَّهْن أَو الْكفَالَة على مَلِيء واستقصى النّظر ثمَّ لم يقنعه ذَلِك فَهُوَ أبدا خَائِف من أَن يضيع رَأس المَال وَرُبمَا غرق فِي الرِّبْح للنسيئة وَمَعَ ذَلِك الْخطر بَاقٍ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رُبمَا يهْلك الرَّهْن فَيهْلك
стр. 248
بِمَا فِيهِ من الدّين أَو يَمُوت الْكَفِيل أَو يغيب غيبَة مُنْقَطِعَة فَيهْلك مَاله
فَكَذَا من عَامل فِي الطَّاعَات وَوَقع فِي الْأَهْوَاء مثل الْقَدَرِيَّة والجبرية والمعطلة والمشبهة فغرق رَأس مَالهم فِي أرباحهم فَصَارَت كلهَا نَسِيئَة من غير ثِقَة وَلَا ملاء
فالكيس لما رأى ذَلِك قَالَ إِنِّي لَا أبايع وَلَا أتاجر أحدا إِلَّا برهينة وكفيل ووثائق فالقليل من الرِّبْح مَعَ وفارة رَأس المَال خير من كثير الأرباح مَعَ تَضْييع رَأس المَال فَإِذا المَال والأرباح قد ذهبت كلهَا لِأَنَّهَا صَارَت فِي غير ملاءة وَلَا ثِقَة فَإِن هَذِه الأرباح كلهَا على خطر فَيَنْبَغِي أَن يكون كفيله ثِقَة مُجَانب الْأَهْوَاء
وَكن على حذر وتقوى من الِاسْتِمَاع إِلَى كَلَامهم فَإِنَّهُ كُله هَلَاك وتوى والزم السوَاد الْأَعْظَم الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحب الشَّرْع ﷺ وَاتبع سَبيله فقد أمرنَا الله تَعَالَى فِي تَنْزِيله بذلك فَقَالَ جلّ ذكره ﴿لقد كَانَ لكم فِي رَسُول الله أُسْوَة حَسَنَة﴾
стр. 249
فالأسوة الْحَسَنَة اتِّبَاع كتاب الله تَعَالَى وَسنة رَسُوله ﷺ وَسنَن خلفائه الرَّاشِدين المهديين الَّذين قضوا بِالْحَقِّ وَبِه يعدلُونَ
وَقد قَالَ ﷺ فِي خطبَته (إِنَّكُم سَتَرَوْنَ من بعدِي اخْتِلَافا كثيرا فَعَلَيْكُم بِسنتي وَسنة الْخُلَفَاء من بعدِي عضوا عَلَيْهَا بالنواجذ)
فاتكال الْكيس على رَحْمَة الله تَعَالَى الَّذِي أعْطى مِنْهَا رَأس المَال فَتلك رهينته ووثيقته وَحسن ظنهم بِاللَّه تَعَالَى كفيله فأوفرهم من حسن الظَّن بِهِ أقواهم كَفِيلا وأملؤهم أَدَاء ومقتضيه من غُرَمَائه دعواته وتضرعه إِلَى الله تَعَالَى
فَعَلَيْك بِحِفْظ الرَّهْن لِئَلَّا يهْلك فتذهب بِدينِك واحبس الْكَفِيل لِئَلَّا يغيب فَيذْهب بِمَا عَلَيْهِ وَعَلَيْك بالتقاضي كل يَوْم بِالدُّعَاءِ والتضرع والبكاء بِالنِّيَّاتِ الْخَالِصَة لتجاب
مثل حركات الْمُؤمن
مثل حركات الْمُؤمن مَعَ الْحفظَة مثل رجل لَهُ حرفاء فِي
стр. 250
السُّوق ينْفق مَاله فِيمَا يظْهر فِيهِ حَاجَة من السُّوق يَأْخُذ من الخباز الْخبز وَمن القصاب اللَّحْم وَمن الْبَقَّال الْحَوَائِج وَمن الآخر الْفَوَاكِه ٨٥ وَمن الْبَزَّاز مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فهم يَكْتُبُونَ حسابهم فَإِذا أهل الْهلَال وأخرجوا عَلَيْهِ حسابا جما وديوانا طَويلا فَإِن قضى مَا عَلَيْهِ على رَأس كل شهر تخف عَلَيْهِ المؤونة وهنئت لَهُ النِّعْمَة وَإِن تغافل عَن ذَلِك حَتَّى توالت عَلَيْهِ وظائف الشُّهُور والسنين غرق فِي الدّين
كَذَا العَبْد بَين نعم كَثِيرَة وديون كَثِيرَة وَالْحق يَقْتَضِيهِ شكر كل نعْمَة وَالْعدْل يَقْتَضِيهِ الاسْتِغْفَار والإنابة من كل خَطِيئَة فَإِذا كَانَ العَبْد منتبها حييّ الْقلب أَخذ لكل نعْمَة حمدا وَلكُل خَطِيئَة تَوْبَة واستغفارا حَتَّى تخف عَنهُ السَّيِّئَات وأثقال النعم ويمحي مَا فِي الدِّيوَان
وَإِن تغافل عَن ذَلِك وَحمد حمد الغافلين واستغفر اسْتِغْفَار السكارى على الْعَادة خرج الْحَمد وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ وَلم يجد
следующие страницы →