Полный текст (318 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
قَالَ (أَرَأَيْت لَو أَن نَهرا بِبَاب أحدكُم يغْتَسل مِنْهُ كل يَوْم خمس مَرَّات مَا تَقولُونَ هَل يبْقى من درنه شَيْء)
قَالُوا لَا (قَالَ ذَلِك مثل الصَّلَوَات الْخمس يمحو الله بهَا الْخَطَايَا)
مثل لمَوْت الْمَرْأَة المعجب بهَا زَوجهَا
وَعَن الْقَاسِم بن مُحَمَّد أَنه قَالَ هَلَكت امْرَأَة لي فَأَتَانِي مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ يعزيني بهَا فَقَالَ لي إِنَّه كَانَ عَالم فِي بني إِسْرَائِيل وَكَانَ لَهُ امْرَأَة وَكَانَ بهَا معجبا فَمَاتَتْ فَوجدَ عَلَيْهَا وجدا شَدِيدا وَلَقي عَلَيْهَا أسفا حَتَّى خلا فِي بَيت وأغلق على نَفسه واحتجب عَن النَّاس فَلم يكن يدْخل عَلَيْهِ أحد وَإِن امْرَأَة سَمِعت بِهِ فَجَاءَتْهُ فَقَالَت إِن لي إِلَيْهِ حَاجَة أستفتيه فِيهَا وَلَيْسَ يجزيني إِلَّا مشافهته
فَذهب النَّاس ولزمت بَابه وَقَالَت مَا لي مِنْهُ بُد فَقَالَ لَهُ قَائِل إِن هَا هُنَا امْرَأَة أَرَادَت أَن تستفتيك وَقَالَت إِنِّي أُرِيد مشافهته وَقد ذهب النَّاس وَهِي لَا تفارق الْبَاب قَالَ ائذنوا لَهَا
стр. 37
فَدخلت عَلَيْهِ فَقَالَت إِنِّي جِئْت أستفتيك فِي أَمر قَالَ وَمَا هُوَ قَالَت إِنِّي استعرت من جَارة لي حليا فَكنت ألبسهُ وأعيره فَلبث عِنْدِي زَمَانا ثمَّ إِنَّهُم أرْسلُوا إِلَيّ فِيهِ افأرده عَلَيْهِم قَالَ نعم قَالَت إِنَّه مكث عِنْدِي زَمَانا قَالَ ذَاك أَحَق لردك إِيَّاه عَلَيْهِم حِين أعاروكه فَقَالَت أَي رَحِمك الله أفتتأسف على مَا أعارك الله تَعَالَى ثمَّ أَخذه وَهُوَ أَحَق بِهِ مِنْك
فأبصر مَا هُوَ فِيهِ ونفعه الله تَعَالَى بقولِهَا
الصّيام جنَّة
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (الصّيام جنَّة كجنة أحدكُم من الْقِتَال)
وَعنهُ ﷺ قَالَ (حسن الْحفاظ صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام من الشَّهْر)
مثل من جَاءَ مَسْجده
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَنه قَالَ قَالَ
стр. 38
رَسُول الله ﷺ (من جَاءَ مَسْجِدي هَذَا لم يَأْتِ إِلَّا لخير يتعلمه أَو يُعلمهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الْمُجَاهِد فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَمن جَاءَ لغير ذَلِك فَهُوَ بِمَنْزِلَة رجل ينظر إِلَى مَتَاع غَيره)
مثل الرُّؤْيَا حِين تعبر
وَرُوِيَ عَن أبي قلَابَة رَوَاهُ قَالَ مثل الرُّؤْيَا حِين تعبر كَمثل رجل أَمر أَن يرفع إِحْدَى رجلَيْهِ وَيَضَع أُخْرَى فَهُوَ ينْتَظر مَتى يُؤمر بوضعها فتستقر الرُّؤْيَا على مَا تعبر عَلَيْهِ فَلَا يحدث إِلَّا عَالما أَو ناصحا
مثلكُمْ وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مثلكُمْ وَمثل الْيَهُود وَالنَّصَارَى كَمثل رجل اسْتعْمل عمالا فَقَالَ (من يعْمل عملا من صَلَاة الصُّبْح إِلَى نصف النَّهَار على قِيرَاط قِيرَاط) فَعمِلت الْيَهُود
ثمَّ قَالَ من يعْمل لي من نصف النَّهَار إِلَى صَلَاة الْعَصْر على قِيرَاط قِيرَاط) فَعمِلت النَّصَارَى ثمَّ قَالَ (من يعْمل من صَلَاة الْعَصْر
стр. 39
إِلَى صَلَاة الْمغرب على قيراطين قيراطين أَلا فَأنْتم)
فَغضِبت الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَقَالُوا نَحن أَكثر أعمالا وَأَقل عَطاء فَقَالَ (أظلمتكم من حقكم شَيْئا) قَالُوا لَا قَالَ (فَإِنَّمَا هُوَ فضلي أوتيه من أَشَاء)
النَّاس كإبل مائَة
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (إِنَّمَا النَّاس كَالْإِبِلِ الْمِائَة لَا تكَاد تَجِد فِيهَا رَاحِلَة)
مثل الْمُؤمن مثل النَّخْلَة
وَرُوِيَ عَن مُجَاهِد ﵀ قَالَ صَحِبت ابْن عمر ﵁ من مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة فَمَا سمعته يحدث عَن رَسُول الله ﷺ إِلَّا هَذَا الحَدِيث (مثل الْمُؤمن مثل النَّخْلَة إِن جالسته نفعك وَإِن شاركته نفعك وَإِن شاورته نفعك وَإِن صاحبته نفعك وكل شَيْء من شَأْنه مَنَافِع فَكَذَلِك النَّخْلَة كل شَيْء من شَأْنهَا مَنَافِع)
стр. 40
مثل الصَّحَابَة
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ (مثل أَصْحَابِي فِي النَّاس كَمثل الْملح فِي الطَّعَام لَا يصلح الطَّعَام إِلَّا بالملح)
مثل الرَّسُول ﷺ
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ (إِنَّمَا مثلي ومثلكم مثل رجل أوقد نَارا فَهُوَ يذب عَنْهَا أَن يَقع فِيهَا الْجَرَاد والفراش وَإِنِّي آخذ بِحُجزِكُمْ أَن تقعوا فِي النَّار)
مثل الْمُؤمنِينَ
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مثل الْمُؤمنِينَ فِي توادهم وتراحمهم كَمثل الْجَسَد إِذا اشْتَكَى شَيْء مِنْهُ تداعى سائره بالحمى والسهر)
стр. 41
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مثل الَّذِي اسْتردَّ مَا وهب مثل الْكَلْب يقيء فيأكل قيئه)
مثل التَّاجِر
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن عَليّ بن الْحُسَيْن ﵏ أَنه قَالَ إِنَّمَا مثل أحدكُم مثل التَّاجِر يحْسب الرِّبْح وَلَا يُوفي رَأس مَاله يُوفي أحدكُم التَّطَوُّع وَلَا يُوفي الْفَرِيضَة
وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (مثل الْمُؤمن وَمثل الْإِيمَان كَمثل فرس فِي آخيته يجول ثمَّ يرجع إِلَى آخيته وَإِن الْمُؤمن يسهو ثمَّ يرجع إِلَى الْإِيمَان وأطعموا طَعَامكُمْ الأتقياء وَأولُوا معروفكم الْمُؤمنِينَ)
مثل الْمُنَافِق
وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (مثل الْمُنَافِق مثل الشَّاة العائرة بَين الْغَنَمَيْنِ تَتَرَدَّد بَينهمَا مرّة إِلَى هَذِه وَمرَّة إِلَى هَذِه)
وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (مثل الْمُنَافِق مثل رجل فِي نهر
стр. 42
يسبح فِيهِ فَلَمَّا بلغ أَن يقطعهُ نُودي من الْجَانِب الآخر فَرجع إِلَى ذَلِك الصَّوْت ثمَّ نُودي من هَا هُنَا فَأجَاب ثمَّ رَجَعَ فَبَيْنَمَا هُوَ فِي تردده إِذْ علا آذي وَهُوَ الموج فغرقه)
مثل النَّبِي وَمثل السَّاعَة
وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (مثلي وَمثل السَّاعَة كفرسي رهان سبق أَحدهمَا الآخر بأذنه)
وَمِنْهَا قَوْله ﷺ (مثلي كَمثل قوم بعثوا طَلِيعَة فَرَأى الْعَدو فجَاء ليخبرهم أَن الْعَدو قد هجم فلاح بِثَوْبِهِ مَخَافَة أَن يسْبقهُ الْعَدو)
خمس كَلِمَات وأمثالها
وَقَالَ ﷺ (إِن يحيى بن زَكَرِيَّا ﵉ أمره الله تَعَالَى أَن يَأْمر قومه بِخمْس كَلِمَات وَأَن يضْرب لَهُم مثلا فَقَالَ إِن الله تَعَالَى أَمرنِي أَن آمركُم أَن تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا وَمثل ذَلِك كَمثل رجل اشْترى عبدا من خَالص مَاله فَذهب العَبْد فَعمل لغيره فَأَيكُمْ يحب أَن يُؤْتى إِلَيْهِ ذَلِك
وَأَمرَنِي أَن آمركُم بِالصَّلَاةِ وَمثل ذَلِك مثل رجل دخل على
стр. 43
ملك فَهُوَ يناجيه حَوَائِجه وَهُوَ يسمع لَهُ وَيَقْضِي لَهُ الْحَوَائِج
وَأَمرَنِي أَن آمركُم بِالصَّدَقَةِ وَمثل ذَلِك مثل رجل قتل قَتِيلا فهرب من وَطنه مَخَافَة أَن يُؤْخَذ بِهِ فَبعث ٤٩ إِلَى أَهله فَقَالَ مَا ينفعكم إزعاجي من وطني فَأَنا أؤدي إِلَيْكُم دِيَة قتيلكم نجوما وأرجع إِلَى وطني فرضوا بذلك فَمَا زَالَ يُؤَدِّي نجومه حَتَّى فك رقبته
وأمركم بالصيام وَمثل ذَلِك كَمثل رجل لَقِي الْعَدو فِي جنَّة حَصِينَة فَمَا وجد فِي الْجنَّة من خلل وصل إِلَيْهِ سلَاح الْعَدو
وأمركم بِذكر الله وَمثل ذَلِك كَمثل رجل أَتَاهُ فَوْج من عَدو من نَاحيَة فَهُوَ يحاربهم ثمَّ أَتَاهُ فَوْج آخر من نَاحيَة أُخْرَى وَأَتَاهُ الفوج من كل نَاحيَة فَلَمَّا رأى ذَلِك ترك محاربتهم وَدخل الْحصن وأغلق الْبَاب على نَفسه وَكَذَلِكَ ذكر الله تَعَالَى)
مثل الْمُصَلِّي الَّذِي لَا يتم رُكُوعه وَسُجُوده
وَرُوِيَ عَن أبي بردة بن أبي مُوسَى عَن أبي سَلام الْأسود ﵃ أَن رَسُول الله ﷺ رأى رجلا ينقر فِي صلَاته لَا يتم الرُّكُوع وَالسُّجُود فَقَالَ (لَو مَاتَ هَذَا مَاتَ على
стр. 44
غير مِلَّة مُحَمَّد ﷺ فَإِذا صليتم فَأتمُّوا الرُّكُوع وَالسُّجُود فَإِن مثل الْمُصَلِّي الَّذِي لَا يتم رُكُوعه وَلَا سُجُوده كَمثل الجائع الَّذِي يَأْكُل الْمرة والمرتين لَا تُغنيَانِ عَنهُ شَيْئا)
قَالَ أَبُو بردة قلت لأبي سَلام من حَدثَك بِهَذَا عَن رَسُول الله ﷺ قَالَ حَدثنِي أُمَرَاء الأجناد يزِيد بن أبي سُفْيَان وَعَمْرو بن الْعَاصِ وخَالِد بن الْوَلِيد وشرحبيل بن حَسَنَة
فَهَذِهِ الْأَمْثَال كلهَا ضربهَا رَسُول الله ﷺ لِيُرِيَهُمْ مَا غَابَ عَنْهُم بِمَا حضر
الْحُكَمَاء يضْربُونَ الْأَمْثَال
وَلم يزل الْحُكَمَاء يضْربُونَ الْأَمْثَال
стр. 45
مثل الْعلمَاء
مثل الْعلمَاء مثل النُّجُوم الَّتِي يقْتَدى بهَا والأعلام الَّتِي يهتدى بهَا إِذا تغيبت عَنْهُم تحيروا وَإِذا تركوها ضلوا
مثل الإِمَام
مثل الإِمَام مثل عين صَافِيَة يخرج مِنْهَا نهر عَظِيم يخوضه النَّاس فيكدرونه فَيَأْتِي عَلَيْهَا صفوة الْعين فَيصير صافيا من تِلْكَ الكدورة فَإِذا كَانَت الكدورة من قبل الْعين فسد النَّهر فَكيف يصفو فَلم يكن من الْحِيلَة إِلَّا سد النَّهر
مثل النَّاس وَالْإِمَام
مثل النَّاس وَالْإِمَام كَمثل الْفسْطَاط لَا يقوم إِلَّا بعمود وَلَا يقوم العمود إِلَّا بالأوتاد فَكلما نزع وتد ازْدَادَ العمود وَهنا
стр. 46
مثل الجليس الصَّالح وَالسوء
مثل الجليس الصَّالح مثل صَاحب الْمسك إِن لم يصبك مِنْهُ شَيْء أَصَابَك من رِيحه وَمثل جليس السوء مثل كير الْحداد إِذا جالسته إِن لم يصبك من سوَاده أَصَابَك من دخانه
مثل الْقلب
مثل الْقلب مثل حدقة الْعين فَإِن أدنى شَيْء يشغل الْعين وَالْقلب أَيْضا يشْغلهُ أدنى شَيْء
مثل الْعَالم
مثل الْعَالم مثل الْعَطَّار إِن مَرَرْت بِهِ وجدت رَائِحَة الطّيب وَإِن جالسته أَصَابَك اللطخ من الْعطر وَإِن صاحبته تناولت مِنْهُ الطّيب فترجع إِلَى أهلك بذلك
مثل الْمُؤمن المنتبه
مثل الْمُؤمن المنتبه مثل ولد فتح عَيْنَيْهِ من النّوم فأبصر مائَة ألف
стр. 47
ثدي وَحجر لم يلْتَفت إِلَى وَاحِد مِنْهَا مَا لم يجد ريح أمه فَحِينَئِذٍ يتَعَلَّق بثدييها وَيدخل فِي حجرها لِأَن ريح الْأُم ريح الرأفة وَلذَلِك قَالَ الصّديق لعمر ﵄ حِين طلق امْرَأَته وَأَرَادَ أَن يَأْخُذ وَلَده مِنْهَا فَمَنعه أَبُو بكر ﵁ وَقضى بِهِ للْأُم وَقَالَ رِيحهَا ولقاحها خير لَهُ مِنْك يَا عمر
فالعاقل أَيْضا لما وجد رَائِحَة رأفة الرؤوف الْجواد الْكَرِيم وَنظر إِلَى إحسانه لَدَيْهِ لَا يلْتَفت إِلَى شَيْء سواهُ حَتَّى يصل إِلَيْهِ فَهَذَا الصَّادِق فِي قَول لَا إِلَه إِلَّا الله علم أَن الْأَشْيَاء الَّتِي تضر وَتَنْفَع كلهَا من الله فَلم يتَعَلَّق قلبه بِشَيْء من أَسبَاب الضّر والنفع ورد وَله قلبه فِي تِلْكَ الْأَشْيَاء إِلَى ألوهية الله تَعَالَى لِأَنَّهُ عاين أَن هَذِه الأودية كلهَا تتفجر من تِلْكَ الْعين وبقدر مَا ينصب من تِلْكَ الْعين الَّتِي مِنْهَا تسيل هَذِه الأودية فَلم يغتر بالأودية وَمن حجب عَن رُؤْيَة تِلْكَ لم يجد قرارا لِكَثْرَة ملاحظته الأودية وَاديا وَاديا فَمَتَى يستفرغ رُؤْيَة الأودية وَمَتى يقدر أَن يتَعَلَّق بِشَيْء مِنْهَا لِأَن كل وَاد يَدعُوهُ إِلَى نَفسه فقلبه ذُو شعب وَنَفسه غير مطمئنة إِلَى شَيْء مِنْهُم فَهِيَ كالريشة يطير مرّة إِلَى هَذَا وَمرَّة إِلَى هَذَا إِلَى مَا لَا يتناهى
стр. 48
مثل الْمُؤمن الْمُخطئ الغافل
وَمثل الْمُؤمن الْمُخطئ الغافل مثل رجل فِي خربة فِي فلاة من الأَرْض يَأْتِيهِ صَوت من كل جَانب يَدعُوهُ وَلَا يدْرِي من يُجيب وَلمن يُجيب وَإِلَى من يطمئن فَهُوَ أَسِير كل ناعق فالمؤمن من شَرطه أَن يطمئن إِلَى ربه ويفرغ فِي كل شَيْء إِلَى ربه وَيتَعَلَّق فِي كل أَمر بربه
مثل الْعَاقِل المحق
وَمثل الْعَاقِل المحق فِي إِسْلَامه مثل رجل بَاعَ دَارا هُوَ ساكنها فَقيل لَهُ سلم مَا بِعْت فَخرج من سَاعَته وَترك ثقله ثمَّة وَقَالَ للْمُشْتَرِي هَذَا كُله لَك مَعَ الدَّار من غير بيع ووهبت الثّمن لَك أَيْضا
مثل الْمُؤمن المخلط
وَمثل الْمُؤمن المخلط مثل من بَاعَ دَارا هُوَ فِيهَا سَاكن فَلَمَّا قيل لَهُ سلم مَا بِعْت قَامَ من مَوْضِعه وَجمع ثقله فِي زَاوِيَة أُخْرَى من
стр. 49
الدَّار وَجلسَ ثمَّة فَإِذا قيل لَهُ ثَانِيًا سلم مَا بِعْت ذهب إِلَى زَاوِيَة أُخْرَى مَعَ ثقله وَلَا يزَال دأبه هَكَذَا فِي التَّسْلِيم يتَحَوَّل من مَكَان إِلَى مَكَان ويفرغ نَاحيَة ويشغل أُخْرَى إِلَى أَن يقبض الثّمن وَيسلم وَيخرج مِنْهَا فالمؤمن من شَرطه تَسْلِيم النَّفس إِلَى الله تَعَالَى فِي كل شَيْء فَلَو اقتحم النَّهْي وفرط فِي الْأَمر صَار كمن سلم بعض النَّفس دون الْبَعْض كمن تحول من زَاوِيَة إِلَى زَاوِيَة لَا تسخو نَفسه بِتَسْلِيم مَا بَاعَ فالمسلم بَاعَ نَفسه وَمَاله من مَوْلَاهُ يَقُول لَهُ ﴿إِن الله اشْترى من الْمُؤمنِينَ أنفسهم وَأَمْوَالهمْ بِأَن لَهُم الْجنَّة يُقَاتلُون فِي سَبِيل الله فيقتلون وَيقْتلُونَ وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن وَمن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بِالْمَعْرُوفِ والناهون عَن الْمُنكر والحافظون لحدود الله وَبشر الْمُؤمنِينَ﴾ وصير تَسْلِيمه فِي عشر خِصَال مَذْكُورَة فِي الْآيَة وَجعل مِنْهَا الْجنَّة فَكلما وفى تَحْصِيله مِنْهَا فقد سلم جُزْءا من الْمَبِيع ثمَّ مَعَ هَذَا يَقْتَضِي ربه الثّمن فَلَو عقل هَذَا كَيفَ
стр. 50
يستحيي من ربه الْيَوْم إِلَى أَن يَجِيء قبض الثّمن
مثل الْمُصَلِّي الساهي
مثل الْمُصَلِّي الَّذِي يُصَلِّي وَيكون سَاهِيا فِي قلبه كَمثل رجل جنى فِي حق الْأَمِير ثمَّ نَدم فَاسْتَجْمَعَ خدمه وخوله وَتوجه إِلَى بَاب الْملك معتذرا فَلَمَّا قَامَ بَين يَدي الْملك بشاكريته وخدمه ووقف بهم عَلَيْهِ معتذرين مِمَّا كَانَ مِنْهُ وَمن خدمه من سوء الْأَدَب صفح عَنهُ وحيي وَأكْرم وَمن أقبل إِلَى الْملك ثمَّ زاغ عَنهُ فِي الطَّرِيق وَبعث بشاكريته وخدمه حَتَّى وقفُوا مقَام الِاعْتِذَار وَمحل الْكَرَامَة وَلما أقبل الْملك إِلَيْهِ ليقبل عذره وَيحسن إِلَيْهِ أعرض عَن مقَام ٥٠ الِاعْتِذَار وشغل بنهماته وَترك خدمه وخوله بَين يَدي الْملك معتذرا مِنْهُ أفليس من مقَالَة الْملك أَن يَقُول أَنْت الَّذِي جنيت فِي حَقي وَتركت أَمْرِي وضيعت أموري وَهَؤُلَاء الخدم إِنَّمَا حَضَرُوا لِأَجلِك فأقمتهم مقَام الِاعْتِذَار عَنْك واشتغلت بنهماتك أَلَيْسَ أَنه ممقوت وَلَا يعبأ باعتذار خوله فِيمَا هُنَالك
مثل الدَّعْوَات دون حُضُور الْقلب
وَكَذَا مثل دعواته الَّتِي تجْرِي على لِسَانه بِدُونِ حُضُور الْقلب رَغْبَة وَرَهْبَة كَمثل سَائل يقف على بَاب يسْأَل شَيْئا وَلم يلبث وَمضى
стр. 51
لسبيله فَأخْرج لَهُ مَا طلب فَلم يجدوه فَيدْخل فِي الدَّار مَعَ مَا أخرج لَهُ وَيَقُول لم يمْكث السَّائِل على بابنا فَلم يزل هَذَا دأب هَذَا الْمِسْكِين على كل بَاب حَتَّى صَار محروما كَذَا هَذَا الدَّاعِي والتقريب مَعْلُوم
مثل من يثني على ربه عَن غَفلَة
وَمثل من يثني على ربه عَن غَفلَة كَمثل من جنى إِلَيْك جِنَايَة فَلم يعْتَذر حَالَة الْإِفَاقَة حَتَّى شرب وسكر فجَاء فِي حَال سكره ووقف بَين يَديك وَقبل قَدَمَيْك ومدحك بمدائح السكارى أوليس من مَقَالَتك إِن هَذَا لَا يعقل مَا يَقُول وَلَا مَا يعْمل فلست تعبأ بقوله وَفعله كَذَا هَذَا
مثل من يثني وَلَا يعلم معنى مَا نطق بِهِ
وَمثل من يثني على ربه فِي غَفلَة وَلَا يعلم مَا معنى مَا نطق بِهِ كَمثل رجل أَتَى بِشعر فِي دفتر بَاب الْملك فقرأه عَلَيْهِ من الدفتر فَقَالَ لَهُ الْملك مَا هَذَا قَالَ هَذَا مدحك الَّذِي مدحتك فَقَالَ لَهُ الْملك عقلت مَا أثنيت قَالَ لَا أَنِّي علمت أَن هَذَا ثَنَاء فَقَالَ لَهُ الْملك فَمن أَي شَيْء عقلت أَنه ثَنَاء فَلَعَلَّهُ هجاء فتحير الرجل فَلم يبْق لَهُ شَيْء إِلَّا أَن يَقُول هَذَا طمع فِي نوال شَيْء
стр. 52
فَجعل هَذَا الثَّنَاء سَببا لنواله فيعطونه شَيْئا ويخرجونه من بَابه
مثل من يثني وَيعْقل معنى الثَّنَاء تعريفا
وَمثل من يثني على ربه وَهُوَ يعقل مَعْنَاهُ وَلَكِن لَا يعقله عقل الْمُشَاهدَة كَمثل شَاعِر أَتَى بَاب الْملك بِشعر يثني عَلَيْهِ فَلَمَّا أنْشدهُ قَالَ لَهُ الْملك عَرفتنِي بِهَذِهِ الْخِصَال أم عرفت بِهِ قَالَ لَا بل عرفت بِهِ فِي السُّوق أَنَّك هَذَا
فَسَقَطت مَنْزِلَته عِنْد الْملك وأناله من معروفه على قدر انحطاط قدره وَسُقُوط مَنْزِلَته
مثل من يثني وَيعْقل عقل مُشَاهدَة
وَمثل من عقله عقل مُشَاهدَة بِقَلْبِه فَقَالَ عرفتك بِهَذِهِ الْخِصَال معرفَة أَشد من معرفتي بنفسي فَإِن معرفتي بك لَا تصير نكرَة أبدا فَيَقُول لَهُ الْملك إِذا لَا أجهلك علمك فِي وَلَا أجعَل معرفتك لي نكرَة أبدا وَلَا يقينك شكا وَلَا بَصرك عمى وَلَا هداك حيرة وضلالة وأوفي لَك بِجَمِيعِ مَا عَرفتنِي إِن عَرفتنِي جوادا فجودي لَك وَإِن عَرفتنِي رحِيما فرحمتي لَك وَإِن عَرفتنِي كَرِيمًا فكرمي لَك وَإِن عَرفتنِي رؤوفا فرأفتي لَك وَإِن عَرفتنِي لطيفا فلطفي لَك وَإِن عرفت قدري فمحبتي لَك وَلَك الْمَزِيد من فضلي ودوام هَذِه
стр. 53
الْأَشْيَاء وَلَيْسَ يحسن بِي أَن تعرفنِي بِشَيْء فأريك من نَفسِي خلاف ذَلِك حَتَّى تصير معرفتك لي نكرَة أَنا كَمَا عَرفتنِي حق الْمعرفَة وَأَنا أوجب لَك مَا عَرفتنِي بِهِ ليَكُون مَا عَرفتنِي بِهِ ظَاهرا مكشوفا بارزا وَهُوَ قَوْله ﷺ (لَو عَرَفْتُمْ الله حق مَعْرفَته لزالت بدعائكم الْجبَال وَلَو خِفْتُمْ الله خيفته لتعلمتم الْعلم الَّذِي لَا جهل مَعَه فَمن عرفه حق الْمعرفَة عرفه بِالْقُدْرَةِ وَمن عرفه بِالْقُدْرَةِ لم تعظم فِي عينه زَوَال الْجبَال عَن مَكَانهَا وَمن عرف كرمه حَقِيقَة لم تعظم فِي عينه أَن تجاب دَعوته فِي إِزَالَة الْجبَال عَن مَكَانهَا وَمن خافه حق الخيفة زَالَ عَنهُ الْجَهْل لِأَن نور الْخَوْف من الذَّات فَإِذا أشرق ذَلِك النُّور خَافَ حق الخيفة وطار الْجَهْل لِأَن الْقلب حييّ بِاللَّه وَإِنَّمَا الْجَهْل من الْمَوْت وَالْعلم من الْحَيَاة
مثل التَّالِي كتاب الله فِي غَفلَة
وَمثل التَّالِي كتاب الله فِي غَفلَة كَمثل رجل بَين يَدَيْهِ حقاق فِي كل حقة مِنْهَا جَوْهَر بَعثه إِلَيْهِ الْملك فَهُوَ فِي غطاء عَن تِلْكَ الْجَوَاهِر فَفِي حقة مِنْهَا ياقوتة حَمْرَاء وَفِي أُخْرَى مِنْهَا ياقوتة صفراء وَفِي أُخْرَى ياقوتة زرقاء وَفِي أُخْرَى ياقوتة خضراء وَفِي أُخْرَى لؤلؤة بَيْضَاء صَافِيَة فَلَيْسَ لَهُ من تِلْكَ الْجَوَاهِر إِلَّا عد الحقاق
стр. 54
وإحصاؤها وَهُوَ يعلم أَنَّهَا ثمينة نفيسة وَلَكِن لَا يلتذ بهَا وَلَا يتَغَنَّى بهَا لِأَن عينه إِنَّمَا تَأْخُذ الحقاق وَنَفسه تحسن مَا ترى عينه وَعلمه بنفاستها وأثمانها علم لَا يحركه وَلَا يَبْعَثهُ وَلَا يهيجه إِلَى شَيْء فَهُوَ كالناعس قد أَخذه ريح النّوم فَهُوَ فِي نَفسه ثقيل فَإذْ فتش الحقة فأبصر جَوَاهِر تتلألأ وَنظر إِلَى شَيْء مَلأ نَفسه سُرُورًا وَسبي قلبه بهَا فَإِذا نظر فِيهَا فَوجدَ اسْمه مَكْتُوبًا عَلَيْهَا مَنْقُوشًا فَاشْتَدَّ عجبه وتضاعف سروره وبهجته وتاه فِي الْبَهْجَة فسروره بنفاسة تِلْكَ الْجَوْهَرَة يهنيه ويهنيه فِي اسْمه الَّذِي وجده مَنْقُوشًا على تِلْكَ الياقوتة فَقَالَ فِي نَفسه صَار لي إِلَى الْملك محلا بعث إِلَيّ جوهرا مثل هَذِه واسمي منقوش عَلَيْهَا يعرفنِي ذَلِك محلي عِنْده إِنِّي قد أَعدَدْت لَك هَذِه الْجَوَاهِر وباسمك لعَظيم قدرك عِنْدِي وَكَثْرَة بالي بك ورفيع محلك عِنْدِي وحبي لَك فَكيف يكون حَال هَذَا العَبْد من الْفَرح وَالسُّرُور ككتاب الله تَعَالَى كَلَام عَزِيز حُرُوف منسوقة مؤلفة ألفها رب الْعَالمين بِحِكْمَتِهِ الْبَالِغَة وَمعنى قَوْله الْبَالِغَة أَي بلغت تِلْكَ الْحِكْمَة يَوْم الْمَقَادِير وَمِنْهَا خرجت إِلَى الْعباد فَصَارَت حِكْمَة فَقيل حِكْمَة بَالِغَة أَي تبلغ بصاحبها علم الْمَقَادِير فَمن بلغ علم الْمَقَادِير فقد وفر حَظه من الْعلم كَمَا وفر الْحَظ للخضر ﵇ حَتَّى ساح فِي المفاوز وخاض الْبحار وَعبر معابر العبر بحظه من علم
стр. 55
الْمَقَادِير فَرَأى فِي كل شَيْء ربوبية الْعَزِيز القهار فَذَلِك تأليف عجزت عَنهُ الْمَلَائِكَة وَالرسل والثقلان وَجَمِيع الْخلق لِأَنَّهُ وضع فِي كل حرف لِعِبَادِهِ شَيْئا فَهُوَ أعلم بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ عباده من تِلْكَ الْأَشْيَاء فألف الْحُرُوف للأشياء الْمَوْضُوعَة فِي الْحُرُوف يخاطبهم بهَا وَهِي لطائف وبشرى ووعد ووعيد ونذارة وتأديب وتحضيض وتنديب وأنباء مَا مضى وأنباء مَا مضى وأنباء مَا هُوَ كَائِن فِي الدَّاريْنِ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن اجْتمعت الْإِنْس وَالْجِنّ على أَن يَأْتُوا بِمثل هَذَا الْقُرْآن لَا يأْتونَ بِمثلِهِ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا﴾ فَمن غبي فهمه عَن هَذَا تحير فِيهِ
وَلَو قَالَ قَائِل كَيفَ لَا يقدرُونَ أَن يَأْتُوا بِمثلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ لِسَان الْعَرَب فَمن شَاءَ سَاق كلَاما بِهَذِهِ اللُّغَة فَكيف لَا يمازجه وَلَا يدانيه
وَهَذَا هوس وَكَلَام المنهوكين الَّذين أَعينهم فِي غطاء عَن
стр. 56
ذكره وَإِنَّمَا معرفتهم رَبهم على ألسنتهم
وَإِنَّمَا عجرت الْجِنّ وَالْإِنْس عَن تأليف مثله لِأَن جَمِيع الْكَلَام الَّذِي أبرزه رب الْعَالمين للعباد إِنَّمَا هُوَ تسع وَعِشْرُونَ حرفا وضع فِي كل حرف أمرا من أُمُوره وَأعلم خواصه بذلك من الْأَنْبِيَاء وخاص الْأَوْلِيَاء فَمن دَامَ على ذَلِك الْأَمر وخالصه وصفاه فاستوجب هَذَا النُّور الْأَعْظَم الَّذِي إِذا أشرق فِي صَدره وطالع مَا فِي حَشْو كل حرف من هَذِه الْحُرُوف فَعندهَا يعقل تأليف رب الْعَالمين
قَالَ لَهُ قَائِل اشرح لنا شَيْئا نفهم بِهِ بعض مَا وصفت
قَالَ نبين ذَلِك فِي قَوْله ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ فَفِي الْبَاء بهاؤه وَفِي السِّين سناؤه وَفِي الْمِيم مجده فَمن أعطي فِي قلبه سِرَاجًا فأنار ذَلِك السراج فِي صَدره عاين فُؤَاده ذَلِك الْبَهَاء والسناء وَالْمجد وعاين مَا أجْرى إِلَيْهِ رب الْعَالمين من بهائه وسنائه ومجده فأوصل إِلَيْهِ فِي دينه ودنياه فَإِذا عاين فُؤَاده ذَلِك كَانَ كَمثل من وضع بَين يَدَيْهِ حقة وَقد علم أَنه فِيهَا جَوْهَر ثمين نَفِيس يخطف الْأَبْصَار تلألأ فيضيء الْقُلُوب شغوفا بِهِ فَهُوَ فِي ذَلِك حيران لَا يلتذ وَلَا يبهج بِهِ لِأَنَّهُ سَكرَان أَو نَائِم فالسكران والنائم لَا حَظّ لَهما من اللَّذَّة والبهجة فَإِذا رفع عَن الحقة رَأسهَا وتلألأ ذَلِك الْجَوْهَر فِي
стр. 57
وَجهه يكَاد يخطف بَصَره وسبى قلبه فَإِذا رأى اسْمه مَنْقُوشًا على ذَلِك الْجَوْهَر كَاد ينصدع قلبه فَرحا وسرورا بِمَا اطلع من حَاله عِنْد الْملك
قَالَ لَهُ قَائِل زِدْنَا فِي شَرحه
قَالَ نزل رَبنَا ﷻ كَلَامه تَنْزِيلا فَهُوَ كَلَام مؤلف محشو كل حرف بِمَا فِيهِ حشاه ثمَّ تكلم بِهِ ثمَّ أنزلهُ فَلَو عقلت هَذَا لدهشت من قبل أَن تسمو إِلَى حشوه
مثل النَّاظر إِلَى حُرُوف الْقُرْآن
مثل النَّاظر إِلَى حُرُوف الْقُرْآن كَمثل رجل اشْتَدَّ شوقه إِلَى حبيب غَائِب فَوجدَ لَهُ كتابا بِخَطِّهِ فهاج شوقه ثمَّ نظر إِلَى آثَار أَصَابِعه وصنع يَده فالتذ بهَا فسكن إِلَى وجود لذته سَاعَة وتقطع أَيَّام شوقه فَكَذَا المشتاق إِلَى لِقَائِه إِذا وَقع بَصَره على خطّ الْحُرُوف وتراءى لَهُ بَدو هَذِه الْحُرُوف من عِنْد مليكه والمجرى من الْوَحْي إِلَى صَدره ومستودعه وَهُوَ الْحِفْظ الَّذِي قد قرن بِالْعقلِ واؤتمن عَلَيْهِ والتذ بهَا وَسكن غليان شوق من لَا يجد إِلَى مَا وجد من آثَار كَلَامه وَهُوَ تأليف تِلْكَ الْحُرُوف قولا ثمَّ كلَاما فَإِنَّهُ قَالَ وَتكلم
قَالَ لَهُ قَائِل مَا هَذَا
قَالَ القَوْل وَهُوَ تَرْجِيع الصَّوْت فَذَلِك الترجيع هُوَ القَوْل مَأْخُوذ من الْإِقَالَة والقيلولة وَالْكَلَام هُوَ سُلْطَان تكلم الْقلب أَي يُؤثر
стр. 58
عَلَيْهِ وَلذَلِك سميت الْجراحَة كلما لِأَنَّهُ لَا بُد مُؤثر فِيهَا
مثل التَّالِي كتاب الله من غير تفهم
وَمثل التَّالِي كتاب الله من غير تفهم وَلَا تدبر كَمثل رجل جمع الْحلِيّ من أنَاس عَارِية وفيهَا جَوَاهِر نفيسة مثمنة فَجَعلهَا فِي صرة ثمَّ علقها فِي عُنُقه كَهَيئَةِ جرس الْبَعِير فَذَلِك الصَّوْت من الجرس كَائِن والجرس مثمن عَظِيم الثّمن بجوهره فَمَاذَا لَهُ من تِلْكَ الْجَوَاهِر وماذا لَهُ من ذَلِك الضَّوْء إِلَّا الْإِخْبَار بِأَنِّي على الطَّرِيق
مثل من يُربي الْقُرْآن
وَمثل من يُربي الْقُرْآن كَمثل رجل آوى يَتِيما إِلَى منزله وكفله وكساه وأطعمه وسقاه ونزهه ونقاه ووقاه من الْآفَات والأدناس وَجعل حجره لَهُ حَوَّاء فَهُوَ يغسلهُ بِيَدِهِ وينقيه كَمَا لوَلَده ويرشفه وَيقوم عَلَيْهِ فِي جَمِيع أَحْوَاله فَلَا يزَال دأبه مَعَه يتربى هَذَا الْيَتِيم فِي حجره إِلَى أَن يدْرك فَإِذا أدْرك فَعرف تَرْبِيَته فَشكر لَهُ وَقَامَ لَهُ بالبنوة يحمي عَنهُ فِي كل مَكَان ويذب عَنهُ وَيدْفَع عَنهُ ويربيه فِي وَقت ضعفه وَكبر سنه
стр. 59
وَآخر رام تربية هَذَا الْيَتِيم فَأدْخلهُ بَيته سَاعَة من نَهَار فَأعْطَاهُ كسرة خبز وشيئا من عِنَب ثمَّ أَخذ بِيَدِهِ وأقامه على قَارِعَة الطَّرِيق فَإِذا أدْرك هَذَا الْيَتِيم مدرك الرِّجَال قل مَا يلْتَفت إِلَى هَذَا وَإِنَّمَا يعرف لَهُ بِقدر مَا رأى من تِلْكَ الكسرات والعناقيد
فَكَذَا من قَرَأَ كَلَام الله فِي كل يَوْم وردا أَو جُزْءا ثمَّ وَضعه فِي نَاحيَة من بَيت وَلم يقم بَين يَدَيْهِ فالقرآن فِي زَمَاننَا كاليتيم الَّذِي لَيْسَ لَهُ مأوى ملقى على قَارِعَة الطَّرِيق لَا يؤبه بِهِ وَلَا يتكفل أحد بتربيته فالمحسن من أهل هَذَا الزَّمَان كمن أَدخل الْيَتِيم فِي بَيته سَاعَة فأطعمه شَيْئا وسقاه ثمَّ أعرض عَنهُ وَترك كفَالَته
فالقرآن إِنَّمَا يلج صدورا طَاهِرَة نقية فَإِذا لم يجد تِلْكَ الصُّدُور فَهُوَ كاليتيم الَّذِي لَا يجد كَفِيلا وَلَا مأوى وَقد قَالَ جلّ ذكره ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم كثيرا مِمَّا كُنْتُم تخفون من الْكتاب وَيَعْفُو عَن كثير قد جَاءَكُم من الله نور وَكتاب مُبين﴾
قَالَ كتاب مُبين من الله الْحُرُوف الْمُؤَلّفَة الَّتِي تَضَمَّنت الْمعَانِي والنور كسْوَة تِلْكَ الْحُرُوف أهداها رب الْعِزَّة إِلَى هَذِه الْأمة قد تضمنها الْوَحْي حَتَّى أوصلها إِلَى الرَّسُول ﷺ وتلقتها الأذهان والعقول وأخذتها مِنْهُ قَالَ جلّ ذكره ﴿وَإنَّهُ لتذكرة لِلْمُتقين﴾ فالتذكرة كدفتر حِسَاب يرجع إِلَيْهِ فِي كل يَوْم وَسَاعَة إِذا أصبح ينظر فِيهِ فيدبر أمره من التَّذْكِرَة مِمَّا أحكمه ورده
стр. 60
إِلَى الدِّيوَان الْأَكْبَر الَّذِي فِيهِ جملَة حِسَاب تِجَارَته فالمتقي ينظر فِيهِ كل يَوْم يتبدر أمره فِيهِ وَمِنْه ويقابل أُمُوره مِمَّا أَمر الله فِيهِ ويسويه ويتلافى مَا ضَاعَ مِنْهُ وَمَا قصر فِيهِ ثمَّ يُؤَدِّيه إِلَى ديوَان الله وَهُوَ اللَّوْح الحفوظ
ثمَّ قَالَ ﴿وَإنَّهُ لحسرة على الْكَافرين﴾
فَإِذا رأى الْكَافِر مَا يصنع الْقُرْآن بأَهْله من الثَّنَاء عَلَيْهِم بَين يَدي الله وَنظر إِلَى كَرَامَة الله على أهل الْقُرْآن صَار ذَلِك كُله حسرة عَلَيْهِ وتقطع قلبه حسرات
ثمَّ قَالَ ﴿وَإنَّهُ لحق الْيَقِين﴾ أَي هَذَا الْقُرْآن من حق الْيَقِين أَي كَمَا أَعطيتكُم من نور الْمعرفَة فاستقرت قُلُوبكُمْ وأيقنت بربوبيتي وبوحدانيتي فاطمأنت نفوسكم بِي وَآمَنت كَانَ من حق ذَلِك الْيَقِين علينا أَن أنزل كَلَامي إِلَيْكُم لتسكن بِهِ تِلْكَ الصُّدُور الَّتِي اسْتَقر الْيَقِين فِي تِلْكَ الْقُلُوب فِيهَا ويجاوره بِأَحْسَن الْمُجَاورَة فَهَذَا حَقه ويساكته فِي مستقره فاليقين فِي الْقلب وكلامي فِي الصُّدُور وَهُوَ ساحة الْيَقِين فَذَلِك حق الْيَقِين
مثل من يقْرَأ الْقُرْآن من غير تدبر
وَمثل من يَقْرَؤُهُ من غير تدبر كجرس على بعير فالسائق للجمال تسير من أَمَامه بِصَوْت ذَلِك الجرس لثقالتها لَيْسَ عِنْدهم إِلَّا ذَلِك الصَّوْت فِي أسماعهم
стр. 61
مثل التَّالِي لكتاب الله
وَمثل التَّالِي لكتاب الله تَعَالَى مثل رجل طَاهِر طيب لَهُ مَحْبُوب لَهُ حنين إِلَيْهِ أَخذ حبه قلبه وَهُوَ بِهِ مشغوف يمضغ شَيْئا فِي فَمه فَإِذا وجد ذَلِك الشَّيْء فِي فَمه كَيفَ يلتذ بِهِ وَكَيف يجد حلاوته فِي حلقه وصدره فَلَا يمل من مضغه وازدراد رِيقه بذلك الشَّيْء فَكَذَا التَّالِي لكتاب الله تَعَالَى إِذا فكر أَن هَذَا كَلَام تكلم بِهِ رب الْعَالمين وأنزله وَمكن لَهُ فِي صَدْرِي حَتَّى تردد وَاسْتقر وأقدرني على استخراجه من صَدْرِي حَتَّى اختلج بِهِ لساني مستعينا بالحنك والأسنان والشفتين فتردد كَلمه الْمنزل الَّذِي تكلم بِهِ وأنزله فِيمَا بَين صَدْرِي وشفتي وقرت عينه بِهَذِهِ الفكرة والتدبر وابتدأ بترددها فِي فَمه وَلسَانه وحلقه وشفتيه هَذَا من قبل أَن يشْتَغل بلطائفه ومعانيه قَالَ الله (إِنَّه لقرآن كريم) وَقَالَ ﴿بل هُوَ قُرْآن مجيد﴾ وَقَالَ ﴿وَإنَّهُ لكتاب عَزِيز﴾ ومهيمن فوصف كَلَامه بِالْكَرمِ وَالْمجد والعز والهيمنة
فَأَما كرمه فَمن سهولته الممزوجة باللطف والتقريب وَالتَّعْلِيل
стр. 62
وَأما مجادته فَفِي الْأَمر وَالنَّهْي وَأما عزه فَفِي شرف الْأَلْفَاظ وَأما هيمنته فَفِي نفي الْأَشْبَاه ونزاهة الْقُلُوب
التَّمْثِيل والتشبيه
فَإِن نفر نافر من هَذَا فَقَالَ أَلَيْسَ هَذَا تَشْبِيه قيل لَهُ هَذَا تَمْثِيل وَلَيْسَ بتشبيه قَالَ والتمثيل أَن تصف شَيْئا غَابَ عَنْك فتمثل لَهُ فِي الشَّاهِد ليقف على مَا يُؤَدِّي معنى الْغَائِب
قَالَ مثل مَاذَا قَالَ جَاءَنَا عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ (لما كلم الله تَعَالَى مُوسَى ﵇ يَوْم الطّور وَرجع إِلَى بني إِسْرَائِيل رَأَوْا على وَجهه من النُّور والبهاء مَا لم يروه قبل ذَلِك فَقَامَ إِلَيْهِ اثْنَا عشر سبطا فَقَالُوا يَا مُوسَى إِنَّك سَمِعت كَلَام رَبك فصفه لنا فَقَالَ سُبْحَانَ الله إِنَّه لَا يُوصف قَالَهَا ثَلَاث مَرَّات قَالُوا فشبهه لنا فَقَالَ سُبْحَانَ الله إِنَّه لَا يشبه شَيْئا ثَلَاث مَرَّات قَالُوا يَا مُوسَى فَبين لنا مِنْهُ شَيْئا نفهم قَالَ سَمِعت كَلَام رَبِّي لَا رِيبَة فِيهِ وَلَا شُبْهَة كأشد رعد خلقه الله فِي أَشد صواعق خلقهَا الله فِي أحلى حلاوة منطق مَا خطر على قلب بشر قطّ فَقلت يَا رب أهكذا كلامك قَالَ لَا يَا مُوسَى إِنَّمَا كلمتك بِقُوَّة عشرَة آلَاف لِسَان ولي قُوَّة الألسن كلهَا وَلَو كلمتك بكنه كَلَامي لم تَكُ شَيْئا)
стр. 63
رُوِيَ عَن الْحُوَيْرِث أَنه قَالَ كلم الله مُوسَى ﵇ بِقدر مَا أطَاق وَلَو كَلمه بِغَيْر ذَلِك لم يطق فَلَيْسَ هَذَا بتشبيه فقد علم الْمُؤْمِنُونَ الَّذين عرفُوا الله صدقا ويقينا أَن كَلَامه لَا يشبه كَلَام المخلوقين وَلَكِن حلاوة الْكَلَام وبركة الْكَلَام وذوق الْكَلَام وَاصل إِلَى قُلُوب الْمُوَحِّدين فهيج أنوار الْمعرفَة والتوحيد من مَعْدِنهَا ثمَّ أخْلص إِلَيْهَا من الْحَلَاوَة وَالْبركَة والذوق وَلكُل هيج معمل وَلكُل معمل ثَمَرَة وَلكُل ثَمَرَة طعم وَلَذَّة سوى الْمَنْفَعَة وَإِنَّمَا أسمع الله تَعَالَى كَلمه مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ لاختصاصه بذلك فَلَو لم يكن لَهُ حلاوة ولذاذة مَا نفعته هَذِه الخصوصية وطعمه ولذته
وَرُوِيَ فِي الْخَبَر أَنه قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي متوفيك قَالَ مُوسَى يَا رب من يغسلني قَالَ بحسبك طهري قَالَ يَا رب من يبكي عَليّ قَالَ الْجِنّ وَالشَّجر
أَفلا ترى أَن كَلَامه قد طهره وَمن دون هَذَا نُودي عملا
الْمَرْأَة الَّتِي فِي لسانها بذاء
بلغنَا أَن امْرَأَة كَانَ فِي لسانها بذاء فوافت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 64
وَهُوَ يمضغ اللَّحْم فَقَالَت أَطْعمنِي مِنْهُ يَا رَسُول الله فناولها من الَّذِي بَين يَدَيْهِ فَقَالَت لَا إِلَّا الَّذِي فِي فمك فَأخْرج ﷺ من فَمه وناولها فابتلعته الْمَرْأَة فَذهب عَنْهَا الْبذاء وَظَهَرت عَلَيْهَا غَضَاضَة وعفافة وحياء
فَهَذَا من آدَمِيّ أكْرمه الله تَعَالَى وطهره فَكيف بِكَلَام تكلم بِهِ رب الْعِزَّة وَلذَلِك قَالَ ﴿وشفاء لما فِي الصُّدُور﴾
وَقد قَالَ فِي شَأْن النَّحْل ﴿يخرج من بطونها شراب مُخْتَلف ألوانه فِيهِ شِفَاء للنَّاس﴾
فَالَّذِي يلعق الْعَسَل يُصِيبهُ الشِّفَاء لِأَن ذَلِك شراب خرج من جَوف من تذلل لوحي الله وسلك سبل ربه الَّذِي سبل لَهُ فَصَارَ بذلك شِفَاء للبدن وحلاوة فِي الْمطعم فَمَا ظَنك بِكَلَام رب الْعِزَّة
وَإِنَّمَا يتحير فِي هَذَا من كَانَ قلبه سَكرَان عَن الله يحب النَّفس وَيُحب الشَّهَوَات فَأَما من أَفَاق من سكره وحيي قلبه بِاللَّه فانتبه فَهُوَ وَاجِد لهَذَا
وكما أَن السَّكْرَان من الشَّرَاب لَا يجد طعم الْعَسَل ولذاذته إِذا لعقه فَكَذَا السَّكْرَان من حب الشَّهَوَات لَا يجد طعم كَلَام الله وَلَا لذاذته وَلَا يكون لَهُ شِفَاء لَا فِي الْفَم وَلَا فِي الْجوف وَلَا فِي
стр. 65
الْقلب وَهُوَ عبد آبق معاقب بإباقه قَالَ الله ﴿سأصرف عَن آياتي الَّذين يتكبرون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق﴾
وكل من تكبر على الله أهانه الله تَعَالَى وذلله وَرمى بِهِ فِي إكرام نَفسه وَطلب عزها ورفعتها فقد عُوقِبَ بِأَن صرف قلبه عَن آيَاته حَتَّى لَا يفهمها وَلَا يجد حلاوتها وَلَا لذاذتها
مثل التَّالِي وَلَا يعلم التَّفْسِير
مثل التَّالِي كتاب الله تَعَالَى وَلَا يعلم تَفْسِيره كَمثل ملك كتب إِلَى عَامله كتابا فِيهِ أَمر وَنهي ووعد ووعيد على تَضْييع أمره فاستظهره هَذَا الْعَامِل فَقَامَ بِبَعْضِه فِي الْأُمُور الَّتِي أوعد عَلَيْهَا وضيع الْبَعْض الَّتِي وعد عَلَيْهَا فَأخذ هَذَا الْعَامِل فِي كل يَوْم يقْرَأ هَذَا الْكتاب وَكلما أَتَى على وَعِيد وتهول على النَّفس طرب فِيهِ وَرفع صَوته كَأَنَّهُ يتَغَنَّى بأغاني السرُور وَكلما أَتَى على طمع ونوال وبشرى وكرامة ذبل وتكاسل وَرُبمَا يتثاءب فِي قِرَاءَته فقرأه على تِلْكَ الْهَيْئَة كالمصروع وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ فِي الْقُرْآن أَمر وَنهي ووعد ووعيد وَذكر أنباء الْقُرُون للطمع والتخويف وَضرب الْأَمْثَال وَذكر
стр. 66
الآلآء وَذكر المنن واللطائف فَإِذا لم يعلم هَذَا كُله وَرَضي من نَفسه بِالْقِرَاءَةِ فَقَط فَكَأَنَّهُ الْعَامِل يقْرَأ كل يَوْم كتاب الْملك وَيتْرك مَا فِيهِ من الْمعَانِي بِمَنْزِلَة رجل يسْلك طَرِيقا قفرا يستقبله عِقَاب يحْتَاج إِلَى قطعهَا وَهُوَ أثقال الصدْق فِي أمره وَنَهْيه وَمرَّة يستقبله مفاوز وَهُوَ وعيده وَمرَّة يستقبله فلاة معطشة ومجاعة وَهِي منَازِل قوم وصفهَا فِي تَنْزِيله ومدحهم بهَا وَمرَّة يستقبله فضاء من الأَرْض فِيهَا رياض من خضر وَهِي ذكر النعم وَمرَّة يستقبله فِي تِلْكَ الأَرْض بساتين ذَات ورد وَبَان وياسمين وَهُوَ ذكر المنن وَمرَّة يهجم على أغراس فِي تِلْكَ الْبَسَاتِين وَهِي تِلْكَ الحظوظ الَّتِي هيأ لَهُ من آلائه وَتلك اللطائف الْمَذْكُورَة وَمرَّة تستقبله أَرض شاكة مسبعَة وَهِي ذكر النُّفُوس ومكايد الشَّيْطَان
فَهَذَا الْقُرْآن كَائِن فِيهِ هَذِه الألوان فَمن قَرَأَ الْقُرْآن لظهره مرت عَلَيْهِ هَذِه الْأَشْيَاء وَمر بهَا وَهُوَ عَنْهَا سَكرَان أَو نَائِم فيطرب وَيظْهر السرُور فِي وَقت الأحزان والانكسار وَيرْفَع صَوته فِي وَقت الْخَفْض والخشوع وينشط فِي حَال الانقباض ويتحازن فِي وَقت السرُور والبهجة
стр. 67
مثل من يقْرَأ الْقُرْآن بألحان
فَمثل ذَلِك مثل ملك أَمر الْمُنَادِي أَن يُنَادي فِي الرّعية بوعيد هائل يكَاد أَن تشيب مِنْهُ الرؤوس فَنَادَى بِنِدَاء طرب فِيهِ وتغنى وَجَاء بألحان السرُور أفليس يمقته الْملك على ذَلِك ويغيظه
وَلَو أَن رجلا تَلا هَذِه الْآيَة ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ أَو تَلا هَذِه الْآيَة ﴿فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ﴾ أَو تَلا ﴿إِذْ الأغلال فِي أَعْنَاقهم والسلاسل يسْحَبُونَ فِي الْحَمِيم ثمَّ فِي النَّار يسجرون﴾ ثمَّ قَالَ فِي آخر ذَلِك ﴿ذَلِكُم بِمَا كُنْتُم تفرحون فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وَبِمَا كُنْتُم تمرحون﴾ فَهُوَ يرى نَفسه فِي الْفَرح والمرح إِلَى قرنه وَقدمه فَرجع بِقِرَاءَة هَذِه الْآيَات وطرب وَجَاء بألحان السرُور
ثمَّ قَرَأَ ﴿وَبشر الْمُؤمنِينَ بِأَن لَهُم من الله فضلا كَبِيرا﴾ (يَوْم ترى الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات يسْعَى نورهم بَين أَيْديهم وبأيمانهم بشراكم الْيَوْم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم) فَأخذ يتحازن ويخفض فِي صَوته وترجيعه ويئن فِيهَا وَيخرج صَوته أصوات الثكالى وَإِذا قَرَأَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْمئِذٍ تعرضون لَا تخفى مِنْكُم خافية﴾
стр. 68
) يُغني فِي صَوته ولحنه وَأرْسل كل صَوت كالمتنشط المسرور
وَإِذا قَرَأَ صفة الْجُود ﴿هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان﴾ تمثل فِي تِلَاوَته كَهَيئَةِ أهل المصائب وذبل وانكسر
فَلَو أَن عبدا من عبيد أهل الدُّنْيَا بشره مَوْلَاهُ بِشَيْء أَو أمله نوالا أَو أطمعه فِي بشرى انقبض وَعَبس وَجهه أَو إِذا أوعده أَو وبخه فِي شَيْء انبسط وَضحك فِي وَجهه لمقته وَلَو أَن رجلا قَالَ فِي مَوْلَاهُ سوءا فَلفظ بِهِ العَبْد على الْجَهْر وَالتَّصْرِيح لمقته فَإِذا تَلا التَّالِي تِلْكَ المقالات الَّتِي حكى الله تَعَالَى عَن أعدائه من الفراعنة جهر بهَا وطرب بهَا خيف عَلَيْهِ المقت
قِرَاءَة السّلف
وَرُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ ﵀ أَنه كَانَ إِذا مر بقوله ﴿وَقَالُوا اتخذ الله ولدا﴾ خفض صَوته
وَرُوِيَ عَن بعض التَّابِعين أَنه قَرَأَ سُورَة الْفرْقَان أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَكَانَ كل لَيْلَة إِذا بلغ إِلَى قَوْله ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَن﴾ سقط
стр. 69
مغشيا عَلَيْهِ فتعاهدوا ذَلِك أَرْبَعِينَ لَيْلَة كلما بلغ هَذِه الْآيَة سقط وَلم يقدر أَن يجاوزها
هَكَذَا صفة المنتبه لما يَتْلُو فَمن اتبع لتلاوته وقراءته لبطنه فَإِذا أَتَى على مثل هَذِه الْآيَة انْقَطع صَوته وتراجع فِي حلقه وَإِذا أَتَى على الْعقَاب أعيا وَإِذا قطع المفاوز عَطش وَنصب وَإِذا قطع الْبَسَاتِين والرياض طرب وَإِذا طعم الأغراس سكر لِأَن الْأَشْرِبَة الصافية الصرفة كائنة فِي الأغراس فَذَلِك وَقت الوله إِلَى الله تَعَالَى ولهت قُلُوبهم عَن كل شَيْء سواهُ وَإِذا أَتَى على أَرض شاكة أَن وضاق عَلَيْهِ الطَّرِيق وَإِذا أَتَى على أَرض مسبعَة أرعد خوفًا وَإِذا أَتَى على بلَاء الْعَدو تحير واستغاث وصرخ إِلَى ربه فَهَذِهِ أَحْوَال كائنة فِي قُلُوب المنتبهين الَّذين قرأوا الْقُرْآن لباطنه فتحولت قُلُوبهم على تحول مَعَاني مَا يَتلون وَرُبمَا هالهم فِي تِلْكَ الفلاة لَا يحطون فِي تِلْكَ الْمَوَاضِع أثقالهم فَإِذا نزلُوا استراحوا وَذَلِكَ لطف من الله تَعَالَى يلطف بِهِ عَبده لما يرى مِمَّا حل بِقَلْبِه من النصب والتعب فِي قطع هَذَا الطَّرِيق على مَا وَصفنَا فَفتح لَهُ فِي بعض تِلْكَ الْآيَات ويشرق على قلبه من نوره فيردد تِلْكَ الْآيَات فَرُبمَا بَقِي فِي تِلْكَ الْآيَات سَاعَات لما يتَرَاءَى لَهُ فِيهَا فَذَاك مستراح قلبه وَفِي ذَلِك الْوَقْت يحط رَحْله وَيحل بفنائه حَتَّى يقوى
стр. 70
فِي التَّوْرَاة
وَرُوِيَ عَن مَالك بن دِينَار ﵀ قَالَ قَرَأت فِي التَّوْرَاة لَا تعجزن أَن تقوم فِي صَلَاتك بَين يَدي باكيا فَإِنِّي أَنا الله الَّذِي اقْتَرَبت لقلبك وبالغيب رَأَيْت نوري فَهَذِهِ خانات ومنازل أُولَئِكَ الْقَوْم تهَيَّأ لَهُم نزلا من النُّور حَتَّى تتراءى لَهُم مَعَاني تِلْكَ الْآيَات وبواطنها فيتلذذون بهَا ويستريحون من التَّعَب الَّذِي لحقهم فِيمَا تلوا قبل ذَلِك وَإِنَّمَا مروا بِتِلْكَ الْآيَات بعد ذَلِك مرّة أُخْرَى فَلم يصبهم تَعب وَلَا نصب كَمَا كَانَ قبل ذَلِك فطمعوا فِي حط الرّحال لما كَانُوا وجدوه قبل ذَلِك فَدَارُوا عَلَيْهَا ورددوها يُرِيدُونَ حط الرّحال من غير إعياء واستراحة من غير نصب يطمعون فِي إشراق ذَلِك النُّور تلذذا بِفنَاء الْملك الْكَرِيم فيجدون تِلْكَ الْخَانَات لم تهَيَّأ لَهُم نزلا إِنَّمَا هِيَ أواري خَالِيَة وبيوت صفر فيرتحلون ويمضون وَإِذا هيئ النزل فقد وجدوا مَا طلبُوا فَإِذا رددوها ترَاءى للقلب شُعَاع ذَلِك فالتهب النُّور وتصورت تِلْكَ الْمعَانِي المندرجة فِيهِ على قلبه فَصَارَ طَربا فِي سَمعه فَأعلمهُ وأبكاه
فَإِذا لم يعلم هَذَا كُله وَرَضي من نَفسه بِالْقِرَاءَةِ فَقَط فَكَانَ كعامل يقْرَأ كل يَوْم كتاب الْملك وَيتْرك مَا فِيهِ من الْمعَانِي
وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَنه قَالَ مَا أنزل الله
стр. 71
تَعَالَى كتابا إِلَّا أحب أَن يعلم تَفْسِيره فَمن قَرَأَ الْقُرْآن وَلم يعلم تَفْسِيره فَهُوَ أُمِّي
وَقَالَ سعيد بن جُبَير ﵀ مثل من قَرَأَ الْقُرْآن وَلم يعلم تَفْسِيره كَمثل رجل جَاءَهُ كتاب من أعز النَّاس إِلَيْهِ يفرح بِهِ وَيطْلب من يَقْرَؤُهُ عَلَيْهِ فَلم يجد وَهُوَ أُمِّي ففرح بِالْكتاب وَلَا يدْرِي مَا فِيهِ فَهَكَذَا مثل من يقْرَأ الْقُرْآن وَلَا يعلم تَفْسِيره وَمَا فِيهِ
مثل صَاحب الْأَخْلَاق
مثل صَاحب الْأَخْلَاق مثل ٥٣ ملك لَهُ خزانَة وقواد ومملكة فَإِن كَانَت الخزانة قَليلَة كنوزها وكورته صَغِيرَة ضَاقَ بِهِ هَؤُلَاءِ القواد وَقَالَ بَعضهم لبَعض هَذَا ملك لَهُ اسْم الخزانة والكنوز وَلَيْسَ لكنوزه مَادَّة يجْرِي علينا ويغنينا حَتَّى نتَّخذ عدَّة لِلْعَدو الَّذِي هُوَ بِمَرْصَد منا وَمن ملكنا هَذَا وَلَيْسَت لَهُ مملكة فسيحة ننتشر فِيهَا فَيَأْخُذ كل قَائِد منا نَاحيَة من المملكة فيتملك على أهل ناحيته وَقُوَّة الْمُلُوك فِي الخزائن الجمة وبالكنوز والجوهر والقواد وَحسن التَّدْبِير فِي هذَيْن فيدبر أمره أمورنا بِحسن مَا عِنْده من الكياسة فيدر علينا كنوزه وقتا وقتا وشهرا شهرا ويعد جواهره للنوائب الْعِظَام فَلَا نرى هَا هُنَا عدَّة وَلَا فسحة فتعالوا ننتقل عَن هَذَا إِلَى
стр. 72
ملك لمملكته فسحة ومنتشر نَتَّسِع فِي نَوَاحِيهَا ونعمل للقيادة فَيَعُود الْجند إِلَى ملك لَهُ كنوز جمة ولكنوزه مَادَّة من غلات المملكة فَلهُ كنوز وأمصار وقرى وبر وبحر كملك الْهِنْد وَالروم وَالْعرب مَا نصْنَع بِهَذَا الضَّعِيف الْعَاجِز يطْلبُونَ ملكا بِتِلْكَ الصّفة وَلَا يثبتون مَعَ هَذَا فالملك هُوَ الْقلب وخزانته فِي جَوف الْقلب فِيهِ كنوز الْمعرفَة وجواهر الْعلم بِاللَّه وَالْعقل وزيره والصدر فسحته وساحته ومملكته والأخلاق قواده والأركان رَعيته وَهِي الْجَوَاهِر السَّبع فَهَؤُلَاءِ القواد قد أَحدقُوا بِالْقَلْبِ فِي هَذَا الصَّدْر وأطافوا بِبَاب الْقلب بَين عَيْني الْفُؤَاد فَإِن الْفُؤَاد هُوَ مَا ظهر من الْقلب وَالْقلب مَا بطن وَالْقلب بعض فِي بعض وَالْعين على الْفُؤَاد وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ (أَتَاكُم أهل الْيمن أَلين قلوبا وأرق أَفْئِدَة) فوصف الْقلب باللين والفؤاد بالرقة
فالأخلاق فِي الصَّدْر قواد الْملك قيام بَين عَيْني الْفُؤَاد وَالْعقل شعاعه يشرق بَين عَيْني الْفُؤَاد وَيُدبر أَمر الْقلب وَالنَّفس فِي
стр. 73
الْجوف رابضة فِي مَكَان مظانها والهوى بِبَاب النَّفس يتلهب ويتلظى بَين يَدي بَصِيرَة النَّفس فَإِذا خطرت الخاطرة فِي الصَّدْر بَين عَيْني الْفُؤَاد نظر الْعقل فَإِن رَآهَا حَسَنَة وأمرا رشيدا قدر ودبر مَاذَا يُرَاد وَكم يُرَاد وَمَتى يُرَاد وَإِلَى مَتى يُرَاد وَإِن رَآهَا سَيِّئَة وغيا نفاها عَن الصَّدْر فَفِي هَذَا الْوَقْت للنَّفس مُنَازعَة مَعَ الْقلب وللهوى مَعَ الْعقل
فِي هَذِه الخاطرة النَّفس تشْتَهي والهوى يزعج النَّفس ويشجعها والعدو يزين بمنى ويغري فَإِذا جَاءَ مدد الْأَخْلَاق بطلت زِينَة الْعَدو وأمانيه وانكشف غروره وارتد الْهوى قهقرى إِلَى مَعْدن مهنته وَجَاء مدد الْكُنُوز كنوز الْمعرفَة وَمد الْملك يَده إِلَى جَوْهَر الخزانة فانمحقت الخاطرة وأسبابها ومعتملها وجنودها وطليعة الخاطرة النَّفس الْعَدو إِذا كَانَت خاطرة غي وَإِن كَانَ رشدا كَانَت طليعته الخاطرة الْحق فعز هَذَا الْملك ومنعته وقوام مَمْلَكَته بِهَذِهِ الْكُنُوز والقواد وَكَذَلِكَ عز الْقلب ومنعته بكنوز الْمعرفَة بِاللَّه تَعَالَى وجواهر الْعلم بِاللَّه تَعَالَى وبهذه الْأَخْلَاق الَّتِي أحدقت بِالْقَلْبِ بَين عَيْني الْفُؤَاد
стр. 74
أصُول الْأَخْلَاق
فالأخلاق أُصُولهَا فِي الطَّبْع ومادتها من الْمعرفَة وَالْعلم بِاللَّه تَعَالَى ومعتملها فِي الصَّدْر
فالموحدون هَذِه صفتهمْ وَالْكفَّار أَخْلَاقهم أُصُولهَا فِي الطَّبْع ومعتملها فِي الصَّدْر ومادتها فِي الْفَرح بمدح النَّاس وَطلب الْعُلُوّ والشرف وَالذكر قَالَ الله تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّار الْآخِرَة نَجْعَلهَا للَّذين لَا يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين﴾
فالمؤمنون تخلقوا بِخلق الله تَعَالَى وتواضعوا بِهِ لله تَعَالَى وَأَرَادُوا بِهِ وَجه الله وتقربوا بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وتحببوا بِهِ إِلَى الله
وَالْكفَّار تخلقوا بذلك الْخلق فتكبروا على الله تَعَالَى فجاوزوا بهَا الْحُدُود وَلم يضعوها موَاضعهَا بِحقِّهِ وتقربوا إِلَى الْخلق وتحببوا بِهِ أهل العلائق وتصنعوا بِهِ وَاتَّخذُوا جاها
والأخلاق لَهَا سُلْطَان فَإِذا وجد الْخلق تفسحا ساح فِي فسحته فجاوز الْحُدُود فِي أُمُوره فَصَارَ مُسْرِفًا مضيعا للحق وَقد اسْتمرّ بِهِ الْهوى وَالنَّفس
وَالْمُؤمن يتخلق بذلك الْخلق فَإِذا تفسح الْخلق عقله الْعقل
стр. 75
عَن الْمُجَاوزَة وَمنعه عَن التَّعَدِّي وَلِهَذَا سمي عقلا لِأَنَّهُ عقله عَن الْجَهْل ورده إِلَى الْعلم الَّذِي علمه الله تَعَالَى وَكَانَ الله تَعَالَى أعلم بذلك الْأَمر كم يُرَاد وَإِلَى مَتى يُرَاد وَبِأَيِّ مِقْدَار وَإِلَى مَتى فَوكل بِهِ الْعقل حَتَّى يهديه لذَلِك
أَلا ترى إِلَى قَول الله حَيْثُ سَأَلُوا رَسُول الله ﷺ كم تنْفق من هَذَا المَال الَّذِي حث الله تَعَالَى على إِنْفَاقه وَعظم فِيهِ الثَّوَاب فَنزلت قَول الله تَعَالَى ﴿ويسألونك مَاذَا يُنْفقُونَ قل الْعَفو﴾
وَالْعَفو هُوَ الْفضل أَي مَا فضل من نَفسك وَعِيَالك الَّذين تعولهم
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (ابدأ بِمن تعول وَخير الصَّدَقَة مَا كَانَ عَن ظهر غنى)
وَقَالَ رجل يَا رَسُول الله ﷺ عِنْدِي دِينَار مَا أصنع بِهِ قَالَ (أنفقهُ على نَفسك) قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ (أنفقهُ على عِيَالك ووالدتك) قَالَ عِنْدِي آخر قَالَ (أنفقهُ فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَذَلِكَ أدناهن)
فَمن تخلق بالسخاوة فاستمر بِهِ طبعه وأعلنته نَفسه
следующие страницы →