Полный текст (706 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(فَلَو شَاءَ ربى كَانَ أير أبيكم ... طَويلا كأير الْحَارِث بن سدوس)
وَالْعرب تَقول فلَان طَوِيل الأير إِذا كَانَ كثير الْأَوْلَاد
وَقَالَ على بن أَبى طَالب كرم الله وَجهه من يطلّ أير أَبِيه ينتطق بِهِ أى من كثرت إخْوَته استظهر بهم وَضرب المنطقة إِذْ كَانَت تشد الظّهْر مثلا لذَلِك
٢٠٣ - (نومَة عبود) روى الْفراء بن الْمفضل بن سَلمَة قَالَ كَانَ عبود عبدا أسود حطابا فغبر فى محتطبه اسبوعا لم ينم ثمَّ أنصرف وبقى اسبوعا نَائِما فَضرب بِهِ الْمثل لمن ثقل نَومه فَقيل قد نَام نومَة عبود
وَقَالَ الشرقى بن القطامى اصل ذَلِك أَن عبودا تماوت على أَهله وَقَالَ اندبونى لأعْلم كَيفَ تندبون إِذا مت فسجينه وندبنه فَإِذا بِهِ قد مَاتَ
قَالَ أَبُو عبد الله بن الْحجَّاج وَهُوَ يضْرب بِهِ الْمثل
(قومُوا فَأهل الْكَهْف مَعَ ... عبود عنْدكُمْ صراصر)
٢٠٤ - (حمق هبنقة) قَالَ حَمْزَة الأصبهانى هُوَ هبنقة ذُو الودعات واسْمه يزِيد بن ثروان أحد بنى قيس بن ثَعْلَبَة وَمن حمقه أَنه جعل فِي عُنُقه قلادة من ودع وَعظم وخزف وَهُوَ ذُو لحية طَوِيلَة فَسئلَ عَنْهَا فَقَالَ لأعرف بهَا نفسى وَلِئَلَّا أضلّ فَبَاتَ ذَات لَيْلَة وَأخذ أَخُوهُ قلادته فتقلدها
стр. 142
فَلَمَّا أصبح هبنقة رأى القلادة فِي عنق أَخِيه فَقَالَ لَهُ يَا أخى إِن كنت أَنْت أَنا فَمن أَنا
وَمن حمقه أَنه أختصمت الطفاوة وَبَنُو راسب إِلَى عرباض فِي رجل أدعاه هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء فَقَالَت الطفاوة هَذَا من عرافتنا وَقَالَت بَنو راسب بل هُوَ من عرافتنا ثمَّ قَالُوا قد رَضِينَا بِحكم أول من يطلع علينا فَبَيْنَمَا هم كَذَلِك إِذْ طلع عَلَيْهِم هبنقة فقصوا عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ الحكم عندى فِي ذَلِك أَن تلقوهُ فِي نهر الْبَصْرَة فَإِن كَانَ راسبيا رسب وَإِن كَانَ طفاويا طفا فَقَالَ الرجل قد زهدت فى النسبتين فَخلوا عَنى فلست من راسب وَلَا من الطفاوة
وَمن حمقه أَنه ضل لَهُ بعير فَأخذ يُنَادى من وجد بعيرى فَهُوَ لَهُ فَقيل لَهُ فَلم تنشده قَالَ فَأَيْنَ حلاوة الوجدان
وَكَانَ يرْعَى غنما لَهُ فيرعى السمان مِنْهَا وينحى المهازيل فَقيل لَهُ فى ذَلِك فَقَالَ لَا أفسد مَا أصلح الله وَلَا أصلح مَا افسد الله
وَقَالَ الشَّاعِر فِيهِ
(عش بجد وَلَا يَضرك نوك ... إِنَّمَا عَيْش من ترى بالجدود)
(عش بجد وَكن هبنقة القيسى ... أَو مثل شيبَة بن الْوَلِيد)
(رب ذى إربة مقل من المَال ... وذى عنجهية مجدود)
وَقَالَ آخر
(فعش بجد وَكن هبنقة ... يرض بك النَّاس قَاضِيا حكما)
وأخبار حمقه كَثِيرَة والمثل بِهِ سَائِر كَمَا سَار بحمق جحا وحمق دغة
стр. 143
٢٠٥ - (جهل أَبى جهل) هُوَ ابْن هِشَام يضْرب بِهِ الْمثل لجهله لموافقة كنيته صفته وَكَانَ يكنى بأبى الحكم وَفِيه قَالَ مُصعب بن الْوراق فِي مُخَالفَة ظَاهره بَاطِنه
(النَّاس كنوه أَبَا حكم ... وَالله كناه أَبَا جهل)
(أبقت رياسته لأسرته ... غضب الْإِلَه وذلة الأَصْل)
وَفِيه يَقُول أَيْضا حسان بن ثَابت
(ألم تريانى حِين اغدو مسبحا ... بسمت ابى ذَر وَجَهل أَبى جهل)
(ومحبرتى رَأس الرِّيَاء ودفترى ... ونقلى بالأسحار أَو رائحا رحلى)
(فكم من فَتى قد قَالَ وَالِده لَهُ ... علمت بِهَذَا إِنَّه من ذوى الْفضل)
(يُبرئهُ من أَن يصاحب شاطرا ... كمن فر من حبس الْخراج إِلَى الْقَتْل)
وَقَالَ ابْن الْحجَّاج من قصيدة
(برطل رَاح كالمسك ساعية ... تغنيك فِي طيبها عَن النَّقْل)
(عَادِية السن بَطش سورتها ... أَجْهَل فِي الرَّأْس من أَبى جهل)
٢٠٦ - (شُؤْم طويس) طويس من مخنثى الْمَدِينَة وَكَانَ يُسمى طاوسا فَلَمَّا تخنث سمى بطويس ويكنى بأبى عبد النَّعيم وَهُوَ أول من غنى فِي الْإِسْلَام بِالْمَدِينَةِ ونقر بالدف المربع وَكَانَ مأبونا خليعا يضْحك كل حَزِين وثكلى
وَكَانَ يَقُول يَا أهل الْمَدِينَة مَا دمت بَين ظهرانيكم فتوقعوا خُرُوج الدَّجَّال وَالدَّابَّة فَإِن مت فَأنْتم آمنون اعلموا أَن أمى كَانَت تمشى بَين نسَاء الْأَنْصَار بالنمائم وولدتنى فِي اللَّيْلَة الَّتِى مَاتَ فِيهَا رَسُول الله ﷺ وفطمتنى يَوْم مَاتَ أَبُو بكر وَبَلغت الْحلم فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ عمر بن
стр. 144
الْخطاب وَتَزَوَّجت فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ عُثْمَان وَولد لى فِي الْيَوْم الذى قتل فِيهِ على وَكَانَ يضْرب بِهِ الْمثل فِي التخنث وفى الأبنة والشؤم
وَمن أَمْلَح مَا أحفظ فِي التمثل بشؤمه قَول ابى الْفَتْح البستى فِي أَبى على ابْن سيمجور
(ألم تَرَ مَا ارتاه أَبُو على ... وَكنت أرَاهُ ذَا لب وكيس)
(عصى السُّلْطَان فابتدرت إِلَيْهِ ... جيوش يقلعون أَبَا قبيس)
(وصير طوس معقله فأضحت ... عَلَيْهِ طوس أشام من طويس)
وَكَانَ أَبُو الْحسن اللحام يلقب أَبَا جَعْفَر مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الْحسن بطويس حَتَّى شهر بِهِ وَفِيه يَقُول
(عَاد إِلَى الحضرة نفسان ... طويس والنذل ابْن مطران)
(اثْنَان مَا أَن لَهما ثَالِث ... إِلَّا عَصا مُوسَى بن عمرَان)
٢٠٧ - (كذب مُسَيْلمَة) هُوَ أَبُو ثُمَامَة مُسَيْلمَة بن حبيب الحنفى من أهل الْيَمَامَة كَانَ صَاحب نيرنجات وأسجاع ومخاريق وتمويهات وأدعى النُّبُوَّة وَرَسُول الله ﷺ بِمَكَّة قبل الْهِجْرَة فَمَا زَالَ يخفى وَيظْهر ويقوى ويضعف وَأهل الْيَمَامَة فرقتان إِحْدَاهمَا تعظمه وتؤمن بِهِ وَالْأُخْرَى تستخفه وتضحك مِنْهُ وَكَانَ يَقُول أَنا شريك مُحَمَّد فِي النُّبُوَّة وَجِبْرِيل ﵇ ينزل على كَمَا ينزل عَلَيْهِ وَكَانَ رجال بن عنفوة من رائشى نبله والحاطبين فِي حبله والساعين فِي نصرته وَكَانَ مُسَيْلمَة يَقُول يَا بنى حنيفَة مَا جعل الله قُريْشًا بِأَحَق بِالنُّبُوَّةِ مِنْكُم وبلادكم أوسع من بِلَادهمْ
стр. 145
وسوادكم أَكثر من سوادهم وَجِبْرِيل ينزل على صَاحبكُم مثل مَا ينزل على صَاحبهمْ وَلما قدم النبى ﷺ الْمَدِينَة وجد النَّاس يتذاكرونه وَمَا يبلغهم عَنهُ من قَوْله وَقَول بنى حنيفَة فِيهِ فَقَامَ يَوْمًا خَطِيبًا فَقَالَ بعد حمد الله وَالثنَاء عَلَيْهِ أما بعد فَإِن هَذَا الرجل الذى تكثرون فِي شَأْنه كَذَّاب فى ثَلَاثِينَ كذابا قبل الدَّجَّال فَسَماهُ الْمُسلمُونَ مُسَيْلمَة الْكذَّاب وأظهروا شَتمه وعيبه وتصغيره وَهُوَ بِالْيَمَامَةِ يركب الصعب والذلول فِي تَقْوِيَة أمره ويعتضد بِرِجَال بن عنفوة وَهُوَ ينصره ويذب عَنهُ وَيصدق أكاذيبه وَيقْرَأ أقاويله الَّتِى مِنْهَا وَالشَّمْس وَضُحَاهَا فى ضوئها ومنجلاها وَاللَّيْل إِذا عَداهَا يطْلبهَا ليغشاها فأدركها حَتَّى أَتَاهَا وأطفأ نورها فمحاها
وَمِنْهَا سبح اسْم رَبك الْأَعْلَى الذى يسر على الحبلى فَأخْرج مِنْهَا نسمَة تسْعَى من بَين أحشاء ومعى فَمنهمْ من يَمُوت ويدس فى الثرى وَمِنْهُم من يعِيش وَيبقى إِلَى أجل ومنتهى وَالله يعلم السِّرّ وأخفى وَلَا تخفى عَلَيْهِ الْآخِرَة وَالْأولَى
وَمِنْهَا أذكروا نعْمَة الله عَلَيْكُم واشكروها إِذْ جعل لكم الشَّمْس سِرَاجًا والغيث ثجاجا وَجعل لكم كباشا ونعاجا وَفِضة وزجاجا وذهبا وديباجا وَمن نعْمَته عَلَيْكُم أَن أخرج لكم من الأَرْض رمانا وَعِنَبًا وريحانا وحنطة وزوانا
وَكَانَ أَبُو بكر رضى الله عَنهُ إِذا قرع سَمعه هَذِه الترهات يَقُول أشهد أَن هَذَا الْكَلَام لم يخرج من إِلَه
وَكَانَ النبى ﷺ رأى فِيمَا يرى النَّائِم أَن فِي يَده سوارى
стр. 146
ذهب فنفخهما فطَارَا فَوَقع أَحدهمَا بِالْيَمَامَةِ وَالْآخر بِالْيمن فأولهما لمُسَيْلمَة صَاحب الْيَمَامَة وَالْأسود العنسى صَاحب الْيمن
وَكَانَ رجال بن عنفوة صَاحب مُسَيْلمَة قدم الْمَدِينَة مرَارًا وَقَرَأَ الْقُرْآن وَأظْهر الْإِيمَان واسر الْكفْر ويروى أَن النبى ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالس فِي أَصْحَابه إِذْ سمع وطئا من خَلفه فَقَالَ هَذَا وَطْء رجل من أهل النَّار فَإِذا هُوَ رجال بن عنفوة فَلَمَّا قدم وَفد حنيفَة على النبى ﷺ وَفِيهِمْ مُسَيْلمَة إِلَّا أَنه لم يلقه وأظهروا الْإِسْلَام وَأَرَادُوا الإنصراف أَمر لَهُم ﷺ بجوائز كعادته فِي الْوُفُود وَقَالَ هَل بقى مِنْكُم أحد قَالُوا لَا إِلَّا رجل منا يحفظ رحالنا يعنون مُسَيْلمَة فَقَالَ ﷺ لَيْسَ بشركم مَكَانا فَلَمَّا رَجَعَ الْوَفْد إِلَى مُسَيْلمَة وَقد بلغه كَلَام النبى ﷺ قَالَ لَهُم قد سَمِعْتُمْ قَول مُحَمَّد فِي (لَيْسَ بشركم مَكَانا) \ ح \ وَقد أشركنى فى الْأَمر فَسَكَتُوا وَلم يحيروا جَوَابا فَقَالَ رجال بن عنفوة يَا قوم نبى مِنْكُم خير لكم من نبى من غَيْركُمْ وَأَنا أشهد أَن مُحَمَّد أشركه فى الْأَمر بعده فَعَلَيْكُم بِهِ وَلما انصرفوا إِلَى الْيَمَامَة أعلن مُسَيْلمَة النُّبُوَّة وَادّعى الشّركَة وَفتن أهل الْيَمَامَة وانقسموا بَين مُصدق ومكذب وراض وساخط وَكتب مُسَيْلمَة إِلَى النبى ﷺ كتابا قَالَ فِيهِ إِلَى النبى مُحَمَّد رَسُول الله من مُسَيْلمَة رَسُول الله أما بعد فإنى قد أشركت فى الْأَمر مَعَك وَإِن لنا نصف الأَرْض ولقريش نصفهَا وَلَكِن قُريْشًا قوم يعتدون وَلَا يعدلُونَ وَختم الْكتاب وأنفذه مَعَ رسولين فَلَمَّا قرئَ الْكتاب على النبى ﷺ قَالَ لَهما مَا تقولان قَالَا نقُول مَا قَالَ أَبُو ثُمَامَة فَقَالَ أما وَالله لَوْلَا أَن الرُّسُل لَا يقتلُون لقتلتكما وأملى فى الْجَواب (من مُحَمَّد رَسُول الله إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب سَلام على من أتبع الْهدى أما بعد فَإِن الأَرْض لله يُورثهَا من يَشَاء من عباده وَالْعَاقبَة لِلْمُتقين)
стр. 147
وَلما صدر الرسولان إِلَى مُسَيْلمَة الْكذَّاب افتعل كتابا يذكر فِيهِ أَنه جعل لَهُ الْأَمر من بعده فَصدقهُ أَكثر بنى حنيفَة
وَبلغ من تبركهم بِهِ أَنهم كَانُوا يسألونه أَن يَدْعُو لمريضهم ويبارك لمولودهم وجاءه قوم بمولود لَهُم فَمسح رَأسه فقرع وجاءه رجل يسْأَله أَن يَدْعُو لمولود لَهُ بطول الْعُمر فَمَاتَ من يَوْمه
وَكَانَ ثُمَامَة بن أَثَال الحنفى يقشعر جلده من ذكر مُسَيْلمَة وَقَالَ يَوْمًا لأَصْحَابه إِن مُحَمَّدًا لانبى مَعَه وَلَا بعده كَمَا أَن الله تَعَالَى لَا شريك لَهُ فى ألوهيته فَلَا شريك لمُحَمد فِي نبوته ثمَّ قَالَ أَيْن قَول مُسَيْلمَة يَا ضفدع نقى نقى كم تنقين لَا المَاء تكدرين وَلَا الشّرْب تمنعين من قَول الله تَعَالَى الذى جَاءَ بِهِ مُحَمَّد ﷺ ﴿حم تَنْزِيل الْكتاب من الله الْعَزِيز الْعَلِيم غَافِر الذَّنب وقابل التوب شَدِيد الْعقَاب ذِي الطول لَا إِلَه إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمصير﴾ فَقَالُوا أوقح بِمن يَقُول مثل ذَلِك مَعَ مثل هَذَا
وَلما انْتقل النبى ﷺ إِلَى جوَار ربه وارتدت الْعَرَب بعث أَبُو بكر رضى الله عَنهُ خَالِد بن الْوَلِيد إِلَى حَرْب أهل الرِّدَّة فأوقع بهم وانتصف مِنْهُم ثمَّ أمره أَبُو بكر رضى الله عَنهُ بِقصد الْيَمَامَة ومقارعة مُسَيْلمَة فَفعل وزحف إِلَيْهَا فى وُجُوه الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وتلقاه مُسَيْلمَة فِي خيله وَرجله وَلما كَانَ يَوْم الْيَمَامَة حمى الْوَطِيس واشتدت الْوَاقِعَة وعظمت الملحمة والتجأ بَنو حنيفَة وَفِيهِمْ مُسَيْلمَة إِلَى حديقة سميت من بعده حديقة الْمَوْت فاقتحمها خَالِد رضى الله عَنهُ والمسلمون وَوَضَعُوا فيهم السيوف وَقتل الله مُسَيْلمَة فاشترك فِي قَتله وحشى بحربته وَعبد الله بن الزبير بِسَيْفِهِ وَفتح
стр. 148
الله تَعَالَى الْيَمَامَة على الْمُسلمين وأفاء عَلَيْهِم الْغَنِيمَة ببركة أَبى بكر الصّديق ويمن نقيبته رضى الله تَعَالَى عَنهُ
٢٠٨ - (طمع أشعب) كَانَ أشعب من أهل الْمَدِينَة وَكَانَ صَاحب نَوَادِر وَصَاحب إِسْنَاد وَكَانَ يحدث فَيَقُول حَدثنَا سَالم بن عبد الله بن عمر رضى الله عَنهُ وَكَانَ يبغضنى فى الله فَإِذا قيل لَهُ دع ذَا قَالَ لَيْسَ للحق مترك
وَكَانَت عَائِشَة بنت عُثْمَان كفلته وكفلت مَعَه ابْن أَبى الزِّنَاد
وَكَانَ اشعب يَقُول تربيت أَنا وَابْن أَبى الزِّنَاد فى مَكَان وَاحِد فَكنت أَسْفَل وَهُوَ يَعْلُو حَتَّى بلغنَا إِلَى مَا ترَوْنَ
وَسَأَلَهُ رجل شِرَاء قَوس بِدِينَار فَقَالَ لَو كنت إِذا رميت عَنْهَا طائرا وَقع مشويا بَين رغيفين مَا اشْتَرَيْته بِدِينَار
وَقَالَ لَهُ سَالم بن عبد الله مَا بلغ من طمعك قَالَ مَا نظرت إِلَى اثْنَيْنِ فى جَنَازَة يتساران إِلَّا قدرت ان الْمَيِّت أوصى لى بشئ وَمَا زفت فى جوارى امْرَأَة إِلَّا كنست بيتى رَجَاء أَن يغلط بهَا إِلَى
وَبلغ من طمعه أَنه مر بِرَجُل يعْمل طبقًا فَقَالَ أحب أَن تزيد فِيهِ طوقا فَقَالَ وَلم قَالَ عَسى ان يهدى إِلَى فِيهِ شئ فَيكون أَكثر
وَقيل لَهُ هَل رَأَيْت أطمع مِنْك قَالَ نعم خرجت إِلَى الشَّام مَعَ رَفِيق لى فنزلنا عِنْد دير فِيهِ رَاهِب وتلاحينا فى أَمر فَقلت أير الراهب فى است الْكَاذِب فَنزل الراهب وَقد أنعظ وَقَالَ بأبى أَنْتُمَا من الْكَاذِب مِنْكُمَا
ونوادر طمعه أَكثر من أَن تحصى وَقد تظرف من قَالَ فى كذب مُسَيْلمَة وطمع أشعب
стр. 149
(وَتقول لى قولا أَظُنك صَادِقا ... فأجئ من طمع إِلَيْك وأذهب)
(فَإِذا اجْتمعت أَنا وَأَنت بِمَجْلِس ... قَالُوا مُسَيْلمَة وَهَذَا أشعب)
٢٠٩ - (سنيات خَالِد) يضْرب الْمثل بهَا أهل الْمَدِينَة فى الْقَحْط والشدة كَمَا يضْرب الْمثل بسنى يُوسُف وخَالِد هَذَا هُوَ خَالِد بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم الْمَعْرُوف بِابْن مطرة ولى لهشام بن عبد الْملك خَالِد بن عبد الْملك بن الْحَارِث بن الحكم الْمَدِينَة سبع سِنِين فأقحط النَّاس حَتَّى أجلى أهل البوادى إِلَى الشَّام وَكَانَ يُقَال سنيات خَالِد لَا أعَاد الله أَمْثَالهَا
٢١٠ - (اصفر سليم) كَانَ سليم صيدلانيا بِالْبَصْرَةِ وَقد عجن دَوَاء أصفر لكل مَا شرب لَهُ فَكَانَ يستشفى بِهِ كل مبرود ومحرور فَسَار مثلا فى الْبركَة وَحسن الْموقع وَقد قيل فِيهِ غير هَذَا وَالله تَعَالَى أعلم
٢١ - (بخت أَبى نَافِع) كَانَ أَبُو نَافِع تَاجِرًا مَا خسرت تِجَارَته قطّ وَمَا عرف إِلَّا الرِّبْح فِيمَا يَبِيعهُ ويشتريه طول أَيَّامه فَسَار الْمثل ببخته
стр. 150
٢١ - (قنديل سَعْدَان) كَانَ يحيى بن خَالِد ولى سَعْدَان الدِّيوَان فَكَانَ يرتشى وَلَا يقْضى حَاجَة لأحد مَا لم يَأْخُذ رشوة حَتَّى قَالَ فِيهِ الشَّاعِر
(صب فى قنديل سَعْدَان ... مَعَ التَّسْلِيم زيتا)
(وقناديل بنيه ... قبل ان يخفى الكميتا)
وصب الزَّيْت فى الْقنْدِيل كِنَايَة عَن الرِّشْوَة فَلَمَّا شهر بالإرتشاء عَزله يحيى وَولى مَكَانَهُ أَبَا صَالح بن مَيْمُون فَكَانَ يَرْبُو على سَعْدَان فى الإرتشاء وفرط الطمع فَقيل لَهُ فِيهِ
(قنديل سَعْدَان على ضوئه ... فرخ لقنديل أَبى صَالح)
(ترَاهُ فى ديوانه أحولا ... من لمحه للدرهم اللائح) فَعَزله يحيى وَأعَاد سَعْدَان إِلَى عمله
٢١٣ - (وَاو عَمْرو) تضرب مثلا لما لَا يحْتَاج إِلَيْهِ وَأول من ضرب الْمثل بهَا أَبُو نواس حَيْثُ قَالَ لأشجع السلمى
(أَيهَا الْمُدعى سليمى سفاها ... لست مِنْهَا وَلَا قلامة ظفر)
(إِنَّمَا أَنْت من سليمى كواو ... ألحقت فى الهجاء ظلما بِعَمْرو)
وَقَالَ ابْن بسام
(يَا طُلُوع الرَّقِيب مَا بَين إلْف ... يَا غريما أَتَى على الميعاد)
(يَا ركودا فى يَوْم صيف وغيم ... يَا وُجُوه التُّجَّار يَوْم الكساد)
(خل عَنَّا فَإِنَّمَا أَنْت فِينَا ... وَاو عَمْرو أَو كالحديث الْمعَاد)
стр. 151
وَأحسن مَا سَمِعت فِيهِ قَول أَبى سعيد الرستمى للصاحب بن عباد من قصيدة
(أفى الْحق أَن يعْطى ثَلَاثُونَ شَاعِرًا ... وَيحرم مَا دون الرِّضَا شَاعِر مثلى)
(كَمَا ألحقت وَاو بِعَمْرو زِيَادَة ... وضويق باسم الله فى ألف الْوَصْل)
وَوصف بَعضهم زِيَادَة لَا يحْتَاج إِلَيْهَا فَقَالَ وَاو عَمْرو وَبغلة الشطرنج
٢١٤ - (شربة أَبى الجهم) يضْرب مثلا للشئ الطّيب اللذيذ الردئ الْعَاقِبَة وَكَانَ أَبُو الجهم عينا لأبى مُسلم على أَبى جَعْفَر الْمَنْصُور يراعيه ويداخله ويحفظ أنفاسه والمنصور يستثقله ويتبرم بِهِ ويترصد الغوائل لَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم عِنْده إِذْ عَطش فَاسْتَسْقَى فَقَالَ الْمَنْصُور يَا غُلَام اسْقِهِ سويق اللوز بالطبرزذ فَجَاءَهُ بقدح مِنْهُ وَفِيه سم سريع الْقَتْل فشربه أَبُو الجهم وَلم يلبث أَن حرك بَطْنه فَقَامَ فَقَالَ الْمَنْصُور إِلَى أَيْن يَا أَبَا الجهم فَقَالَ إِلَى حَيْثُ وجهتنى يَا أَبَا جَعْفَر وَرجع إِلَى منزله وَقذف كل شئ فى بَطْنه وَتلف لوقته فَقيل فِيهِ
(تجنب سويق اللوز لَا تشربنه ... فَشرب سويق اللوز أردى أَبَا الجهم)
٢١٥ - (لحن الموصلى) هُوَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم يتَمَثَّل بِهِ فى الظّرْف وجودة الْغناء كَمَا قَالَ ابْن عُيَيْنَة وَهُوَ يصف حمامة
(وورقاء تحكى الموصلى إِذا شدا ... بألحانه أحبب بهَا وبمن تحكى)
وَقَالَ آخر
стр. 152
(أزاح بلبالى غناء البلبل ... إِذْ مر فى ألحانه كالموصلى)
وَقَالَ آخر
(خلق مَا يكَاد يصبر عَنهُ ... قلب خلق إِلَّا بِأَلف كَفِيل)
(وَحَدِيث كَأَن إِسْحَاق يَحْدُو ... فى تضاعيفه بِشعر جميل)
٢١٦ - (غناء إِبْرَاهِيم بن المهدى) كَانَ من آدب النَّاس وأشعرهم وأبلغهم وَغلب عَلَيْهِ الْغناء فبرز وأعجز وسحر وبهر حَتَّى ضرب بِهِ الْمثل وَكَانَ عَجِيب الشَّأْن بديع الْوَصْف وَالْحَال وَكَانَ أسود شَدِيد السوَاد براق اللَّوْن وَأَبوهُ المهدى ابيض وَأمه أميل إِلَى السوَاد وتنقلت بِهِ أَحْوَال وأدوار وتقلد الْخلَافَة سِنِين إِلَى أَن دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد وَهُوَ مسنتر ثمَّ ظهر وَعَفا عَنهُ الْمَأْمُون ورد عَلَيْهِ امواله وأكرمه ونادمه ورتبه فى مَشَايِخ بنى هَاشم
وَكَانَ غناء إِبْرَاهِيم لِأَخِيهِ الرشيد ثمَّ للثَّلَاثَة من بنى أَخِيه الْخُلَفَاء وهم الْأمين والمأمون والمعتصم وطرب المعتصم يَوْمًا لغنائه فَقَالَ أَحْسَنت يَا أَمِير االمؤمنين فَقَالَ إِبْرَاهِيم عربدت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
وَكَانَ إِذا ضرب وغنى لأَحَدهم فى الصحارى والمصائد والمتنزهات وقفت لَهُ الطير وعكفت عَلَيْهِ الوحوش حَتَّى تكَاد تُؤْخَذ بالأيدى
وَكَانَ أَبُو عِيسَى بن الرشيد يَقُول لَهُ السكر على صَوْتك شَهَادَة يَا عَم
وَكَانَ أَحْمد بن يُوسُف يَقُول فِيهِ الْقُلُوب من غنائه على خطر فَكيف الْجُيُوب
وقرأت لأبى إِسْحَاق الصابى فصلا لأبى عُثْمَان الخالدى استحسنته
стр. 153
جدا فى محَاسِن الْأَفْرَاد وَهُوَ قَوْله لَو كَانَ لَك خصم يجمع شعر البحترى وغناء إِبْرَاهِيم بن المهدى ومذاكرة الأصمعى وَكِتَابَة جَعْفَر بن يحيى وَحسن وَجه المعتز وَطيب عشرَة حمدون لما كنت إِلَّا منحرفا عَنهُ معينا عَلَيْهِ مقبحا محاسنه من أَجلك
٢١٧ - ٢١ ﴿عود بنان وناى زنام) كَانَ بنان وزنام مطربى المتَوَكل وَكَانَ كل مِنْهُمَا مُنْقَطع القرين فى طبقته فَإِذا اجْتمعَا على الضَّرْب وَالزمر أحسنا وفتنا وأعجبا وعجبا وَكَانَ المتَوَكل لَا يشرب إِلَّا على سماعهما وَفِيهِمَا يَقُول البحترى من قصيدة
(هَل الْعَيْش إِلَّا مَاء كرم مُصَفِّق ... يرقرقه فى الكأس مَاء غمام)
(وعود بنان حِين ساعد شدوه ... على نغم الألحان ناى زنام)
٢١٩ - (خرص أَبى السقاء) كَانَ يخرص النخيل بِالْبَصْرَةِ للسُّلْطَان فَلَا يغلط برطل فَضرب بِهِ الْمثل فى ذَلِك
٢٢٠ - (حِكَايَة أَبى ديونة) كَانَ زنجيا وَكَانَ كَمَا قَالَ ابْن الرومى يخاطبه
(حكيت القرد فى قبح وسخف ... وَمَا قصرت عَنهُ فى الْحِكَايَة)
وَكَانَ يحْكى كل صَوت وكل هَيْئَة وكل مشْيَة ويحكى أصوات الدَّوَابّ
стр. 154
والبهائم وَالطير فَلَا يفرق بَين صَوته وَأَصْوَاتهَا وَنَظِيره فى زَمَاننَا أَبُو الْورْد صَاحب المهلبى الْوَزير وَلَا ثَالِث لَهما
٢٢ - (لواط يحيى بن أَكْثَم) أَصله من مرو فاتصل بالمأمون ايام مقَامه بهَا فاختص بِهِ وَاسْتولى على قلبه وَصَحبه إِلَى بَغْدَاد وَمحله مِنْهُ مَحل الْأَقَارِب أَو أقرب
وَكَانَ مُتَقَدما فى الْفِقْه وآداب الْقُضَاة حسن الْعشْرَة عذب اللِّسَان وافر الْحَظ من الْجد والهزل ولاه الْمَأْمُون قاضى الْقُضَاة وَأمر بألا يحجب عَنهُ لَيْلًا وَلَا نَهَارا وأفضى إِلَيْهِ بأسراره وشاوره فى مهماته وَكَانَ يحيى ألوط من ثفر وَمن قوم لوط وَكَانَ إِذا رأى غُلَاما يُفْسِدهُ وَقعت عَلَيْهِ الرعدة وسال لعابه وبرق بَصَره
وَكَانَ لَا يستخدم فى دَاره إِلَّا المرد الملاح وَيَقُول قد اكرم الله تَعَالَى أهل جنته بِأَن أطاف عَلَيْهِم الغلمان فى حَال رِضَاهُ عَنْهُم لفضلهم على الجوارى فَمَا بالى لَا أطلب هَذِه الزلفى والكرامة فى دَار الدُّنْيَا مَعَهم
وَيُقَال إِنَّه هُوَ الذى زين لِلْمَأْمُونِ اللواط وحبب إِلَيْهِ الْولدَان وغرس فى قلبه محاسنهم وفضائلهم وخصائصهم وَقَالَ إِنَّهُم بِاللَّيْلِ عرائس وبالنهار فوارس وهم للْفراش والهراش وللسفر والحضر فصدر الْمَأْمُون عَن رَأْيه وَجرى فى طَرِيقه واقتدى بِهِ المعتصم حَتَّى اشْتهر بهم وَملك ثَمَانِيَة آلَاف مِنْهُم وَمَا كَانَ بَنو الْعَبَّاس يحومون حَولهمْ اللَّهُمَّ إِلَّا
стр. 155
مَا كَانَ يُؤثر عَن مُحَمَّد الْأمين من اسْتِخْدَام الخصيان والعبث بهم دون فحول الْولدَان
ويحكى أَن الْمَأْمُون نظر يَوْمًا إِلَى يحيى فى مَجْلِسه وَهُوَ يحد النّظر إِلَى ابْن أَخِيه الواثق وَهُوَ إِذْ ذَاك أَمْرَد تَأْكُله الْعين فَتَبَسَّمَ إِلَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد حوالينا وَلَا علينا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن الْكَلْب لَا يَأْكُل النَّار
وخلا بِهِ الْمَأْمُون لَيْلَة على المطايبة والمداعبة والمجاراة فى ميدان الغلمان ومترف غُلَام الْمَأْمُون يتسمع عَلَيْهِمَا وَهُوَ الذى حكى هَذِه الْقِصَّة عَنهُ قَالَ قَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَا أَبَا مُحَمَّد أخبرنى عَن أظرف غُلَام مر بك قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ احتكم إِلَى غُلَام فى نِهَايَة الملاحة والظرف واللباقة فَأَخَذته عينى وتعلقه قلبى فَلم أفضل الحكم بَينه وَبَين خَصمه إيثارا منى للقائه ومعاودته إياى فى حكومته فَدخل إِلَى على حِين غَفلَة وَمثله لَا يحجب عَنى فَلَمَّا وصل إِلَى قَالَ أَيهَا القاضى أعنى على خصمى فَقلت لَهُ وَمن يعيننى على عَيْنَيْك يَا بنى قَالَ شفتى وَأَدْنَاهَا منى فَلَمَّا شممت الْخمر من فِيهِ وفيته حدا من الْقبل وَقلت لَهُ يَا بنى مَا بَال شفتيك متشققتين فَقَالَ أحلى مَا يكون التِّين إِذا تشقق ثمَّ قلت لَهُ ويدى فى ثِيَابه يَا بنى مَا أنحفك فَقَالَ كلما دق قصب السكر كَانَ أحلى فَضَحِك الْمَأْمُون وَوَقع لَهُ بمائتى دِينَار وَقَالَ أوصلها إِلَيْهِ وَلَو على أَجْنِحَة الطير وَكَانَ إِذْ ذَاك قد التحى وَكَانَ يحيي يعرف منزله فامتثل أمره وأوصلها لَهُ
وَمِمَّا قيل فى يحيى
(وَكُنَّا نرجى أَن نرى الْعدْل ظَاهرا ... فأعقبنا بعد الرَّجَاء قنوط)
стр. 156
(مَتى تصلح الدُّنْيَا وَيصْلح أَهلهَا ... وقاضى قُضَاة الْمُسلمين يلوط)
وَفِيه أَيْضا
(انطقنى الدَّهْر بعد إخراسى ... بحادثات أطلن وسواسى)
(قَاض يرى الْحَد فى الزناء وَلَا ... يرى على من يلوط من باس)
(أميرنا يرتشى وحاكمنا ... يلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا راس)
(مَا إِن أرى الجؤر ينقضى وعَلى ... الْأمة وَال من آل عَبَّاس)
وَفِيه قيل
(وَكنت ألوم الشَّيْخ فِيك وَلَا أرى ... دم الشَّيْخ إِن رام الْحَرَام محرما)
(فَلَمَّا رَأَيْت الْحسن ألْقى رِدَاءَهُ ... عَلَيْك عذرت الشَّيْخ يحيى بن أكثما)
ولفرط لواطه نسب إِلَى الأبنة فَقيل فِيهِ
(حربه يحيى لين رَأسهَا ... إِن وَقعت فى اللَّحْم لم تخدش)
(يحشو بهَا الممرد إِذا مَا خلا ... وَهُوَ كَمَا يحشوهم يحتشى)
(ينحط من فَوق إِلَى أَسْفَل ... مثل انحطاط الطَّائِر المرعش)
ويحكى أَنه دخل يَوْمًا على الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون وَهُوَ يلْعَب بالشطرنج وينشد
(يَا لَيْت يحيى لم يلده أكثمه ... وَلم تطَأ أَرض الْعرَاق قدمه)
(أى دَوَاة لم يلقها قلمه ... )
فَقَالَ يحيى دواتك أَيهَا الْأَمِير
وسَمعه إِسْمَاعِيل بن حَمَّاد بن أَبى حنيفَة يَوْمًا يغض من جده فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا جزاءه مِنْك قَالَ حِين فعل مَاذَا حِين أَبَاحَ الْمُسكر وَدَرَأَ الْحَد عَن اللوطى
стр. 157
الْبَاب التَّاسِع فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْعَرَب
تيجان الْعَرَب
أغربة الْعَرَب
جمرات الْعَرَب
أثافى الْعَرَب
نخوة الْعَرَب
صناجة الْعَرَب
كسْرَى الْعَرَب
صلاء الْعَرَب
كَاهِل الْعَرَب
سَابق الْعَرَب
الاستشهاد
٢٢ - (تيجان الْعَرَب) جَاءَ فى الْخَبَر إِن العمائم تيجان الْعَرَب فَإِذا وضعوها وضع الله عزهم وَكَانَ يُقَال اخْتصّت الْعَرَب من بَين الْأُمَم بِأَرْبَع العمائم تيجانها والدروع حيطانها وَالسُّيُوف سيجانها وَالشعر ديوانها
٢٢٣ - (أغربة الْعَرَب) وذؤبان الْعَرَب سادتها وهم أَرْبَعَة سودان شجعان فَمنهمْ عنترة بن شَدَّاد العبسى سرى السوَاد فِيهِ من جِهَة أمه وَكَانَت حبشية زنجية تسمى زبيبة وفيهَا قَالَ من وصف رجلا بقلة شرب الشَّرَاب
(ويدعى الشّرْب فى رَطْل وباطية ... وَأم عنترة العبسى تكفيه)
وَمِنْهُم خفاف بن ندبة السلمى سرى السوَاد فِيهِ من قبل أمه وبلدته
стр. 158
لِأَنَّهُ من حرَّة بنى سليم وَأدْركَ النَّبِي ﷺ وَكَانَ شَاعِرًا شجاعا وَقل مَا يجْتَمع الشّعْر والشجاعة فى وَاحِد وَشهد مَعَ النَّبِي ﷺ فتح مَكَّة وَمَعَهُ لِوَاء سليم
وَمِنْهُم السليك بن السلكة وَقد تقدم ذكره
وَمِنْهُم عبد الله بن خازم السلمى والى خُرَاسَان لعبد الله بن الزبير وَمن عَجِيب أمره أَنه كَانَ نِهَايَة فى الشجَاعَة والنجدة وَكَانَ يخَاف الفأر أَشد مَخَافَة فَبَيْنَمَا هُوَ ذَات يَوْم عِنْد عبيد الله بن زِيَاد إِذْ أَدخل عَلَيْهِ جرذا أَبيض فتعجب مِنْهُ فَقَالَ لعبد الله يَا أَبَا صَالح هَل رَأَيْت أعجب من هَذَا وَإِذا عبد الله قد تضاءل كَأَنَّهُ فرخ وأصفر كَأَنَّهُ جَرَادَة فَقَالَ عبيد الله أَبُو صَالح يعْصى الرَّحْمَن ويتهاون بالسلطان وَيقبض على الثعبان ويمشى إِلَى الْأسد الْورْد ويلقى الرماح بِوَجْهِهِ وَالسُّيُوف بِيَدِهِ وَقد اعتراه من جرذ مَا ترَوْنَ أشهد أَن الله على كل شَيْء قدير
٢٢٤ - (جمرات الْعَرَب) بَنو ضبة وَبَنُو الْحَارِث بن كَعْب وَبَنُو نمير بن عَامر وَبَنُو عبس بن بغيض وَبَنُو يَرْبُوع بن حَنْظَلَة قَالَ الْخَلِيل الْجَمْرَة كل قوم يصبرون لقِتَال من قَاتلهم لَا يحالفون أحد وَلَا ينضمون إِلَى أحد تكون الْقَبِيلَة نَفسهَا جَمْرَة تصبر لمقارعة الْقَبَائِل كَمَا صبرت عبس لقيس كلهَا
стр. 159
٢٢٥ - (أثافى الْعَرَب) قَالَ مُحَمَّد بن حبيب البصرى فى الْكتاب المحبر سليم وهوازن ابْنا مَنْصُور بن عِكْرِمَة أثفية وغَطَفَان أثفية ومحارب أثفية وهى ألأمها
٢٢٦ - (نخوة الْعَرَب) لم تزل الْعَرَب تتَمَيَّز عَن سَائِر الْأُمَم بالنخوة لما كَانَت تخْتَص بِهِ من السماحة والفصاحة والشجاعة حَتَّى إِن النُّعْمَان بن الْمُنْذر ترفع عَن مصاهرة سُلْطَان أبرويز إِذْ كَانَ من الْعَجم وَلما بعث الله تَعَالَى صفوة خلقه وَخَاتم رسله مِنْهُم ازدادت نخوتهم وَصَارَت مثلا كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(لؤم النبيط ونخوة الْعَرَب ... )
٢٢٧ - (صناجة الْعَرَب) كَانَ يُقَال للأعشى صناجة الْعَرَب لِكَثْرَة مَا غنت بِشعرِهِ وَيُقَال بل لِأَنَّهُ أول من ذكر الصنج فى شعره حَيْثُ قَالَ
(ومستجيب تخال الصنج يسمعهُ ... إِذا ترجع فِيهِ الْقَيْنَة الْفضل)
٢٢٨ - (كسْرَى الْعَرَب) كَانَ عمر بن الْخطاب رضى الله عَنهُ إِذا نظر إِلَى مُعَاوِيَة بن أَبى سُفْيَان قَالَ هَذَا كسْرَى الْعَرَب لِأَنَّهُ كَانَ يجمع بَين سخاء الْعَرَب وتأنق مُلُوك الْعَجم فى الرياش والمطعم
وَمِمَّا يُقَارب هَذَا الْمَعْنى فصل قرأته للصاحب فى ذكر فصل قرأة للأمير شمس المعالى قَرَأت الْفَصْل الذى تجشمته فَإِذا هُوَ جَامع هزة الْعَرَب إِلَى عزة الْعَجم وناظم مَا بَين صليل السَّيْف وصرير الْقَلَم
стр. 160
٢٢٩ - (صلاء الْعَرَب) قَالَ عمر رضى الله عَنهُ الشَّمْس صلاء الْعَرَبِيّ وَكَانَ يَقُول الْعَرَب كالبعير حَيْثُمَا دارت الشَّمْس اسْتَقْبلهَا بهامته
وَوصف الراجز الْإِبِل فَقَالَ
(تسْتَقْبل الشَّمْس بجمجماتها ... )
٢٣٠ - (كَاهِل الْعَرَب) قَالَ مُعَاوِيَة للأحنف وحارثة بن قدامَة وَرِجَال من بنى سعد كلَاما أحفظهم فَردُّوا عَلَيْهِ جَوَابا قبيحا وَابْنه قرظة فى بَيت بِقُرْبِهِ تستمع فَلَمَّا خَرجُوا قَالَت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد سَمِعت من هَؤُلَاءِ الأجلاف كلَاما رموك بِهِ فَلم تنكره عَلَيْهِم فَأَرَدْت أَن أخرج عَلَيْهِم فأسطو بهم فَقَالَ لَهَا مُعَاوِيَة إِن مُضر كَاهِل الْعَرَب وتميما كَاهِل مُضر وسعدا كَاهِل تَمِيم وَهَؤُلَاء كَاهِل سعد
وشبيه بِهَذَا الْكَلَام فى الْمَعْنى مَا يحْكى عَن جَعْفَر بن سُلَيْمَان الهاشمى أَنه كَانَ يَقُول الْعرَاق عين الدُّنْيَا وَالْبَصْرَة عين الْعرَاق والمربد عين الْبَصْرَة ودارى عين المربد
وَعَن يحيى بن خَالِد الْعَرَب يَكْتُبُونَ أحسن مَا يسمعُونَ ويحفظون أحسن مَا يَكْتُبُونَ ويروون أحسن مَا يحفظون
٢٣ - (سَابق الْعَرَب) عَن النَّبِي ﷺ (أَنا سَابق الْعَرَب وصهيب سَابق الرّوم وسلمان سَابق فَارس وبلال سَابق الْحَبَشَة)
стр. 161
الْبَاب الْعَاشِر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْإِسْلَام وَالْمُسْلِمين
سهم الْإِسْلَام
قبَّة الْإِسْلَام
بَيْضَة الْإِسْلَام
خضاب الْإِسْلَام
فتكتا الْإِسْلَام
نطاق الْإِسْلَام
دَعْوَة الْإِسْلَام
عَصا الْمُسلمين
حلوبة الْمُسلمين
جنَاح الْمُسلمين
الاستشهاد
٢٣ - (سهم الْإِسْلَام) كَانَ السّلف يَقُولُونَ فى وصاياهم إِذا مَرَرْت بِقوم فابدأهم بِسَهْم الْإِسْلَام وَهُوَ السَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
وَكَانَ النَّبِي ﷺ يَقُول يَوْم دُخُول المدنية (أفشوا السَّلَام وأطعموا الطَّعَام وصلوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاس نيام وصلوا الْأَرْحَام تدْخلُوا الْجنَّة بِسَلام)
٢٣٣ - (قبَّة الْإِسْلَام) لما مصر عمر رضى الله عَنهُ الْبَصْرَة وانتقلت قبائل الْعَرَب إِلَيْهَا وَكَثُرت الْأَبْنِيَة فِيهَا واشتدت شَوْكَة الْإِسْلَام بهَا سميت قبَّة الْإِسْلَام ثمَّ لما بنى الْمَنْصُور بَغْدَاد وسماها مَدِينَة السَّلَام وَصَارَت دَار الْخلَافَة ومصب أَمْوَال الدُّنْيَا قَالَ النَّاس هَذِه الْآن أولى بِأَن تسمى قبَّة الْإِسْلَام من الْبَصْرَة فَقَالُوا مَدِينَة السَّلَام وقبة الْإِسْلَام
стр. 162
وَلما وَقعت فتْنَة الزنج بِالْبَصْرَةِ رفع إِلَى عبيد الله بن يحيى بن خاقَان بسر من رأى أَن الْبَصْرَة قبَّة الْإِسْلَام وفيهَا قُرَيْش والهاشميون وَالْعرب وهى على شرف الخراب والذهاب فأضحر وَقَالَ وَذَهَبت الْبَصْرَة فَمه فَقيل لَهُ وَذَهَبت أَنْت فَمه فَكَانَ يصاح بِهِ فى الطَّرِيق فَمه حَتَّى اشْتهر بهَا فهرب من سر من رأى
وَذكر ابْن الموسوى النَّقِيب قبَّة الْإِسْلَام فى قصيدة مدح بهَا الطائع وَذكر فِيهَا أَبَاهُ فَقَالَ
(لما رآك رأى النَّبِي مُحَمَّدًا ... فى بردة الإجلال والإعظام)
(وَرَأى بمجلسك المعرق فى الْعلَا ... حرم الرَّجَاء وقبة الْإِسْلَام)
٢٣٤ - (بَيْضَة الْإِسْلَام) وهى على طَريقَة الِاسْتِعَارَة والتشبيه مجتمعه وحوزته وَيُقَال أَيْضا الْبَيْضَة
وَقد قصرت فى هَذَا الْكتاب بَابا على الْبيض الْمَنْسُوب والمضاف
٢٣٥ - (خضاب الْإِسْلَام) ذكر ابو عبيد الله المرزبانى فى كتاب الْأَنْوَار وَالثِّمَار حَدِيثا يرفعهُ إِلَى عقبَة بن عَامر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ (عَلَيْكُم بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خضاب الْإِسْلَام وَإنَّهُ يصفى الْبَصَر وَيذْهب بالصداع وَيزِيد فى الباه وَإِيَّاكُم والسواد فَإِنَّهُ من سود سود الله وَجهه يَوْم الْقِيَامَة)
٢٣٦ - (فتكتا الْإِسْلَام) كَانَ يُقَال لفتكة عبد الْملك بن مَرْوَان بِعَمْرو بن سعيد بن الْعَاصِ الْأَشْدَق فتكة الْإِسْلَام ثمَّ صَارَت بفتكة
стр. 163
الْمَنْصُور بأبى مُسلم فتكتين هما فتكتا الْإِسْلَام وَلَا ثَالِث لَهما
٢٣٧ - (نطاق الْإِسْلَام) هُوَ على طَرِيق الِاسْتِعَارَة أنصاره وأعوانه فَكَأَنَّهُ يستظهر بهم عِنْد التنطق
وَسُئِلَ على بن أَبى طَالب رضى الله عَنهُ عَن تَغْيِير الشيب وَمَا يرْوى فى ذَلِك من قَول النَّبِي ﷺ (غيروا الشيب وَلَا تشبهوا باليهود) فَقَالَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك وَالدّين فى قل فَأَما وَقد اتَّسع نطاق الْإِسْلَام فَكل امرىء وَمَا اخْتَار لنَفسِهِ
٢٣٨ - (دَعْوَة الْإِسْلَام) كَانَت وَلِيمَة الْحسن بن سهل حِين بنى الْمَأْمُون ببنته بوران تدعى دَعْوَة الْإِسْلَام حَتَّى جَاءَت دَعْوَة بركوار فَقَالَ النَّاس هى مثلهَا وَقَالُوا إِن دَعْوَة بركوار دَعْوَة الْإِسْلَام لم يكن قبلهَا وَلَا بعْدهَا مثلهَا إِلَّا مَا يحْكى فى وَقت بِنَاء الْمَأْمُون ببوران وَبلغ من جلالة دَعْوَة الْحسن بن سهل وَعظم خطرها وارتفاع مقدارها أَن أَقَامَ لِلْمَأْمُونِ بِفَم الصُّلْح وَجمع قواده وَأَصْحَابه نزلهم أَرْبَعِينَ يَوْمًا واحتفل بِمَا لم ير مثله نفاسة وَكَثْرَة قَالَ الْمبرد سَمِعت الْحسن بن رَجَاء يَقُول كُنَّا نطعم أَيَّام مقَام الْمَأْمُون عِنْد الْحسن بن سهل سِتَّة وَثَلَاثِينَ ألف ملاح وَلَقَد عز بِنَا الْحَطب يَوْمًا فأوقدنا تَحت الْقُدُور الخيش مغموسا فى الزَّيْت وَلما كَانَت لَيْلَة الْبناء وجليت بوران على الْمَأْمُون فرش لَهَا حَصِير من ذهب وجىء بمكتل مرصع بالجواهر فِيهِ دُرَر كبار فَنثرَتْ على من حضر من النِّسَاء وفيهن زبيدة
стр. 164
وحمدونة بنت الرشيد وعجائز الْخلَافَة فَمَا مس من حضر مِنْهُنَّ من الدُّرَر شَيْئا فَقَالَ الْمَأْمُون شرفن أَبَا مُحَمَّد وأكرمن بوران فمدت كل وَاحِدَة مِنْهُنَّ يَدهَا فَأخذت درة وَاحِدَة وبقى سَائِر الدّرّ يلوح على حَصِير الذَّهَب فَقَالَ الْمَأْمُون قَاتل الله الْحسن بن هانى كَأَنَّهُ قد رأى هَذَا حَيْثُ يَقُول
(كَأَن صغرى وكبرى من فواقعها ... حَصْبَاء در على أَرض من الذَّهَب)
وَكَانَت فى ذَلِك الْمجْلس شمعة عنبر فِيهَا مِائَتَا رَطْل فَضَجَّ الْمَأْمُون من دخانها فَعمِلت لَهُ على مثالات من الشمع فَكَانَ اللَّيْل مُدَّة مقَامه بِفَم الصُّلْح كالنهار وَلما كَانَت دَعْوَة القواد نثرت عَلَيْهِم رقاع فِيهَا أَسمَاء ضيَاع فَمن وَقعت فى يَده رقْعَة لضيعة أشهد الْحسن لَهُ بهَا
وَيُقَال إِنَّه أنْفق فى هَذِه الدعْوَة أَرْبَعَة آلَاف ألف دِينَار فَلَمَّا أَرَادَ الْمَأْمُون أَن يصعد أَمر لَهُ بِأَلف ألف دِينَار وأقطعه الصُّلْح وعاتبه على احتفاله واجتهاده وَحمله على نَفسه فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أتظن هَذَا من مَال سهل وَالله مَا هُوَ إِلَّا مَالك رد إِلَيْك وَأَرَدْت أَن يفضل الله أيامك ونكاحك كَمَا فضلك على جَمِيع خلقه
فَهَذِهِ دَعْوَة الْإِسْلَام الأولى
وَأما دَعْوَة الْإِسْلَام الثَّانِيَة فهى بيركوار لما أعذر المتَوَكل المعتز وَمن قصَّتهَا أَنه جلس بعد فرَاغ القواد والأكابر من الْأكل ومدت بَين يَدَيْهِ مرافع ذهب مرصعة بالجواهر وَعَلَيْهَا أَمْثِلَة من العنبر والند والمسك المعجون على جَمِيع الصُّور وَجعلت بساطا ممدودا وأحضر القواد والجلساء وَأَصْحَاب الْمَرَاتِب فَوضعت بَين أَيْديهم صوانى الذَّهَب مرصعة بأنواع الْجَوَاهِر من
стр. 165
الْجَانِبَيْنِ وَبَين كل سماطين فرجه وَجَاء الفراشون بزنابيل قد غشيت بِالْأدمِ مَمْلُوءَة دَرَاهِم ودنانير نِصْفَيْنِ فصبت فى الفرجة حَتَّى ارْتَفَعت على الصوانى وَأمر الْحَاضِرُونَ أَن يشْربُوا وَأَن يَأْخُذ كل من شرب من تِلْكَ الدَّنَانِير ثَلَاث حفنات بِقدر مَا حملت يَده فَكلما خف مَوضِع صبوا عَلَيْهِ من الزنابيل حَتَّى يردوه إِلَى حَالَته ووقف غلْمَان فى آخر الْمجْلس فصاحوا إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ يَقُول لكم ليَأْخُذ من شَاءَ مَا شَاءَ فَمد النَّاس أَيْديهم إِلَى المَال فَأَخَذُوهُ فَكَانَ الرجل مِنْهُم يثقله مَا مَعَه فَيخرج فيسلمه إِلَى غلمانه وَيرجع إِلَى مَكَانَهُ وَنظر ابْن حمدون إِلَى سطل ذهب مَمْلُوء مسكا فَأَخذه وَمر بِهِ ليدفعه إِلَى غُلَامه فَقَالَ لَهُ المتَوَكل إِلَى أَيْن فَقَالَ إِلَى الْحمام يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلما تقوض الْمجْلس خلع على النَّاس ألف خلعة وَأعْتق ألف نسمَة فَصَارَت دَعوته يُقَال لَهَا دَعْوَة الْإِسْلَام الثَّانِيَة
٢٣٩ - (عَصا الْمُسلمين) قَالَ أَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء من أمثالهم شقّ فلَان عَصا الْمُسلمين إِذا فرق جمعهم وشق الْعَصَا إِذا خرج من الطَّاعَة قَالَ جرير
(أَلا بكرت سلمى فجد بكورها ... وشق الْعَصَا بعد اجْتِمَاع أميرها)
وَقَالَ العتابى فى الرشيد
(إِمَام لَهُ كف يضم بنانها ... عَصا الدّين مَمْنُوعًا من البرى عودهَا)
(وَعين مُحِيط بالبرية طرفها ... سَوَاء عَلَيْهِ قربهَا وبعيدها)
٢٤٠ - (حلوبة الْمُسلمين) من طَرِيق الِاسْتِعَارَة فيئهم وخراجهم يُقَال درت حلوبة الْمُسلمين إِذا جبيت حُقُوق بَيت المَال
стр. 166
٢٤ - (جنَاح الْمُسلمين) كَانَ يُقَال للبريد جنَاح الْمُسلمين لما كَانَ يتطاير بِهِ من الْأَخْبَار وَلما ولى الْحسن بن وهب بريد الحضرة قَالَ فِيهِ دعبل
(من مبلغ عَنى إِمَام الْهدى ... قافية للستر هتاكه)
(هَذَا جنَاح الْمُسلمين الذى ... قد قصه تَوْلِيَة الحاكه)
(أضحت بغال الْبرد منظومة ... إِلَى ابْن وهب تحمل الناكه)
فبلغت المتَوَكل فَأمر بعزله
стр. 167
الْبَاب الحادى عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْقُرَّاء وَالْعُلَمَاء
خريطة شهر
فقه ابى حنيفَة
جَامع سُفْيَان
عنز الْأَعْمَش
طفرة النظام
حَاجَة أَبى الْهُذيْل
الاستشهاد
٢٤ - (خريطة شهر) تضرب مثلا فِيمَا يختزله الْقُرَّاء وَالْفُقَهَاء من أَمْوَال النَّاس والودائع وَذَلِكَ أَن شهر بن حَوْشَب وَكَانَ من جلة الْقُرَّاء والمحدثين دخل بَيت المَال فَأخذ خريطة فِيهَا دَرَاهِم فَقَالَ فِيهِ الْقَائِل
(لقد بَاعَ شهر دينه بخريطة ... فَمن يَأْمَن الْقُرَّاء بعْدك يَا شهر)
فَصَارَت خريطته مثلا وَشهر هُوَ الذى قَالَ لَهُ رجل أَنا أحبك فَقَالَ وَلم لَا تحبنى وَأَنا أَخُوك فى كتاب الله وشريكك على دين الله ومئونتى على غَيْرك
٢٤٣ - (فقه أَبى حنيفَة) يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا قَالَ بعض الرجاز لِلْمَأْمُونِ
(مَأْمُون يَا ذَا المنن الشَّرِيفَة ... وَالْعلم والمنزلة المنيفة)
стр. 168
(هَل لَك فى أرجوزة ظريفة ... أظرف من فقه أَبى حنيفَة)
وفيهَا مِمَّا يستظرف
(الذِّئْب والنعجة فى سقيفه ... واللص والتاجر فى قطيفة)
وَقَالَ بعض المولدين
(متفقه جمع الْكَلَام ... إِلَى قِيَاس ابى حنيفَة)
(فأتاك يسْعَى للْقَضَاء ... بلحية فَوق القطيفة)
وَكَانَ يُقَال أَرْبَعَة لم يلْحقُوا وَلم يسْبقُوا أَبُو حنيفَة فى فقهه والخليل فى أدبه والجاحظ فى تأليفه وَأَبُو تَمام فى شعره
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بِفقه أَبى حنيفَة ابْن طَبَاطَبَا حَيْثُ قَالَ يهجو أَبَا على الرستمى
(كفرا بعلمك يَا بن رستم كُله ... وَبِمَا حفظت سوى الْكتاب الْمنزل)
(لَو كنت يُونُس فى دوائر نَحوه ... أَو كنت قطرب فى الْغَرِيب الْمُشكل)
(وحويت فقه أَبى حنيفَة كُله ... ثمَّ انتميت لرستم لم تنبل)
٢٤٤ - (جَامع سُفْيَان) يضْرب الْمثل بِجَامِع سُفْيَان الثورى فى الْفِقْه
стр. 169
للشىء الْجَامِع لكل شَيْء كَمَا يضْرب الْمثل بسفينة نوح وعهدى بأبى بكر الخوارزمى إِذا رأى رجلا جَامعا أَو كتابا قَالَ مَا هُوَ إِلَّا سفينة نوح وجامع سُفْيَان ومخلط خُرَاسَان
وَقَالَ أَبُو عبد الله بن الْحجَّاج
(بِاللَّه قُولُوا لى وَلَا تغضبوا ... لست من الْحق بغضبان)
(فقر وذل وخمول مَعًا ... أَحْسَنت يَا جَامع سُفْيَان)
٢٤٥ - (عنز الْأَعْمَش) يضْرب مثلا فِيمَن ينزل منزلَة لَا يَسْتَحِقهَا لغيبة من يصلح لَهَا وَذَلِكَ أَن الْأَعْمَش كَانَ إِذا فقد من يحدثه من أَصْحَابه أقبل على عنز لَهُ يحدثها كَرَاهَة للفراغ وخوفا من النسْيَان وحرصا على الدَّرْس وَالرِّوَايَة فَجرى الْمثل بعنز الْأَعْمَش فِيمَا ذكرته وفيمن يُخَاطب من لَا يفهم
٢٤٦ - (طفرة النظام) هى أَنه كَانَ يَقُول بِأَن الْجُزْء ينْتَقل من الْمَكَان الأول إِلَى الْمَكَان الثَّالِث من غير أَن يمر بِالْمَكَانِ الثانى بطفرة فَصَارَت طفرة النظام مثلا فِيمَن يعذ السّير وَيقطع الْمسَافَة الْبَعِيدَة فى الْمدَّة الْقَرِيبَة
٢٤٧ - (حَاجَة أَبى الْهُذيْل) يضْرب مثلا للْحَاجة يسْأَلهَا الْإِنْسَان لغيره ويضمر ضد مَا يظْهر مِنْهَا وَلَا يحب قضاءها إِمَّا بخلا بجاهه وَإِمَّا لحَاجَة أُخْرَى فى نَفسه
стр. 170
وَكَانَ أَبُو الْهُذيْل سَار إِلَى سهل بن هَارُون الْكَاتِب وَكَانَ خَاصّا بالْحسنِ ابْن سهل يسْأَله الْكَلَام فى أمره ويستعينه على إضاقة دفع إِلَيْهَا فَسَار سهل إِلَى الْحسن فَكَلمهُ وَقَالَ لَهُ قد عرفت أَيهَا الْأَمِير حَال أَبى الْهُذيْل وَمحله وَقدره فى الْإِسْلَام وَأَنه مُتَكَلم قومه والراد على أهل الْإِلْحَاد وَقد فزع إِلَيْك لإضافة هُوَ فِيهَا فوعده أَن ينظر لَهُ بِمَا يصلح حَاله فَلَمَّا انْصَرف سهل إِلَى منزلَة بَعثه لؤم طبعه وَسُوء خلقه على أَن كتب إِلَى الْحسن بن سهل
(إِن الضَّمِير إِذا سَأَلتك حَاجَة ... لأبى الْهُذيْل خلاف مَا أبدى)
(فامنحه روح الْيَأْس ثمَّ امدد لَهُ ... حَبل الرَّجَاء بمخلف الْوَعْد)
(وألن لَهُ كنفا ليحسن ظَنّه ... فى غير مَنْفَعَة وَلَا رفد)
(حَتَّى إِذا طَالَتْ شقاوة جده ... يعنائه فاجبهه بِالرَّدِّ)
فَلَمَّا قَرَأَ الْحسن رقعته وَقع فِيهَا هَذِه لَك الويل صِفَتك لَا صفتى وَأمر لأبى الْهُذيْل بِأَلف دِينَار
وَكَانَ سهل بن هَارُون بن راهبون الْكَاتِب الميسانى كَاتبا شَاعِرًا بليغا حكيما وَلكنه كَانَ مفرط الْبُخْل بِمَالِه وجاهه ضَارِبًا فى اللؤم والدناءة بِسَهْم فائز
стр. 171
الْبَاب الثانى عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى أَصْحَاب الْمذَاهب والآراء والأهواء
إِيمَان المرجى
وَجه الناصبى
خف الرافضى
نجدة الخارجى
أكل الصوفى
ظرف الزنديق
الاستشهاد
٢٤٨ - (إِيمَان المرجى) يضْرب بِهِ الْمثل لما لَا يزِيد وَلَا ينقص لِأَن المرجئة يَقُولُونَ إِن الْإِيمَان قَول فَرد لَا يزِيد وَلَا ينقص فَيُشبه بإيمَانهمْ مَا يكون بِهَذِهِ الصّفة
٢٤٩ - (وَجه الناصبى) الشِّيعَة تصفه بِالسَّوَادِ وَيُشبه بِهِ كل شَدِيد السوَاد كَمَا قَالَ الناشىء الْأَصْغَر
(يَا خليلى وصاحبى ... من لؤى بن غَالب)
(حَاكم الْحبّ جَائِر ... مُوجب غير وَاجِب)
(لَك صدغ كَأَنَّمَا ... لَونه وَجه ناصبى)
(يلْدغ النَّاس إِذْ تعقرب ... لدغ العقارب)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كشاجم
(حب على علو همه ... لِأَنَّهُ سيد الْأَئِمَّة)
(ميز محبيه هَل تراهم ... إِلَّا ذوى ثروة ونعمه)
(بَين رَئِيس إِلَى ظريف ... قد أكمل الظّرْف واستتمه)
стр. 172
(فهم إِذا حصلوا ضِيَاء ... والعصب الناصبى ظلمه)
وَأنْشد أَبُو بكر الخوارزمى لنَفسِهِ
(رب ليل كطلعة الناصبى ... ذى نُجُوم كحجة الشيعى)
٢٥٠ - (خف الرافضى) يشبه بِهِ مَا يُوصف بِالسَّعَةِ وَيُقَال أوسع من خف الرافضى لِأَنَّهُ لَا يرى الْمسْح على الْخُف فيوسع مدخله ليتَمَكَّن من إِدْخَال يَده فِيهِ ماسحا لرجليه إِذا تَوَضَّأ
٢٥ - (نجدة الخارجى) قَالَ الجاحظ قد علمنَا أَن داعى استفاضة النجدة جَمِيع أَصْنَاف الْخَوَارِج وتقدمهم فِيهَا إِنَّمَا هُوَ بِسَبَب الدّيانَة لأَنا نجد عبيدهم ومواليهم ونساءهم يُقَاتلُون مثل قِتَالهمْ ونجد السجستانى وَهُوَ عجمى واليمانى والنجرانى والجزرى وهم عرب ونجد تاهرت وهى بِلَاد عجم كلهم فى الْقِتَال والنجدة سَوَاء وفى ثبات الْعَزِيمَة وَالْقُوَّة والشدة متكافئين فاستوت حالاتهم فى النجدة مَعَ اخْتِلَاف أنسابهم وبلدانهم وفى هَذَا دَلِيل على أَن الذى سوى بَينهم هُوَ التدين بِالْقِتَالِ
٢٥ - (أكل الصوفى) يضْرب الْمثل بِأَكْل الصُّوفِيَّة يُقَال آكل من الصُّوفِيَّة وآكل من الصوفى لأَنهم يدينون بِكَثْرَة الْأكل ويختصون بِعظم اللقم وجودة الهضم واغتنام الْأكل وَسُئِلَ بعض الْقُرَّاء عَنْهُم فَقَالَ رقصة أكله وَبلغ من عنايتهم بِأَمْر الْأكل وَشدَّة
стр. 173
حرصهم على قطع أَكثر الْأَوْقَات بِهِ أَن نقش بَعضهم على خَاتمه ﴿أكلهَا دَائِم﴾ وَنقش آخر ﴿آتنا غداءنا﴾ وَنقش آخر ﴿لَا تبقي وَلَا تذر﴾ وَفسّر أحدهم الشَّجَرَة الملعونة فى الْقُرْآن فَقَالَ هى الْخلال لمجيثه بعد انْقِضَاء أَمر الطَّعَام وَوُقُوع الْيَأْس مِنْهُ وَفسّر آخر قَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ إِن مرجعهم لإلى الْجَحِيم﴾ فَقَالَ إِلَى الْمنزل إِذا لم تكن دَعْوَة وَإِلَى مثل تِلْكَ الْحَال أَشَارَ من قَالَ
(كَأَن أَبَا يحيى يساق إِلَى الْمَوْت ... إِذا مَا تفرقنا وصرنا إِلَى الْبَيْت)
(لعلم أَبى يحيى بِمَا هُوَ صائر ... إِلَيْهِ إِذا أَمْسَى من الْخبز وَالزَّيْت)
وَفسّر بَعضهم قَوْله تَعَالَى ﴿هَل ننبئكم بالأخسرين أعمالا﴾ فَقَالَ هم الَّذين يثردون وَلَا يَأْكُلُون وَغَيرهم يَأْكُل وَقَالَ آخر بل هم الَّذين لَا سكاكين مَعَهم فى أَيَّام الْبِطِّيخ
وَقَالَ بَعضهم الْعَيْش فِيمَا بَين الخشبتين يعْنى الخوان والخلال
ولقبوا الطشت والإبريق إِذا قدما قبل الْمَائِدَة ببشر وَبشير وَإِذا قدما بعْدهَا بمنكر وَنَكِير ولقبوا الْحمل بالشهيد ابْن الشَّهِيد والقطائف بقبور الشُّهَدَاء وكنوز الزهاد وكنوا الزماورد بأبى جَامع والبهط بأبى نَافِع والأشنان بأبى إلْيَاس إِلَى أشباه لهَذِهِ النقوش والتفاسير
стр. 174
والألقاب والكنى كَثِيرَة جدا لَا يَتَّسِع لَهَا هَذَا الْكتاب
وَقد أفْصح بعض الظرفاء عَن حَقِيقَة وَصفهم وجلية حَالهم فَقَالَ وَمَا قَالَ إِلَّا الْحق
(صبحت قوما يَقُول قَائِلهمْ ... نَحن على ذى الْجلَال متكله)
(فالوقت وَالْحَال والحقيقة والبرهان ... والرقص عِنْدهم مثله)
(فَلم أزل خَادِمًا لَهُم زَمنا ... حَتَّى تبينت أَنهم أكله)
وأنشدت لأبى الْقَاسِم عمر بن عبد الله الهرندى فيهم
(تَبًّا لقوم جعلُوا ... دينا لدُنْيَا مأكله)
(تستروا بِأَنَّهُم ... صوفية محنبلة)
(وَمَا يساوى نسكهم ... قمامة فى مزبله)
(اتَّخذُوا شباكهم ... إحفاءهم الأسبله)
(وهم إِذا فتشتهم ... مُنَافِقُونَ أكله)
٢٥٣ - (ظرف الزنديق) أما قَوْلهم أظرف من الزنديق فقد صَار مثلا فى زمَان كثير ظرفاؤه وَهُوَ زمَان المهدى وَكَانُوا يرْمونَ بالزندقة كصالح بن عبد القدوس وأبى الْعَتَاهِيَة وبشار وَحَمَّاد الراوية وَحَمَّاد عجرد ومطيع بن إِيَاس وَيحيى بن زِيَاد وعَلى بن الْخَلِيل وَمثلهمْ وَمِمَّنْ تقدمهم قَلِيلا كَابْن المقفع وَابْن أَبى العوجاء وَمَا مِنْهُم فى الظَّاهِر
стр. 175
إِلَّا نظيف البزة جميل الشكل ظَاهر الْمُرُوءَة فصيح اللهجة ظريف التَّفْصِيل وَالْجُمْلَة وَالله أعلم ببواطنهم وضمائرهم قَالَ أَبُو نواس وَكَانَ أَيْضا يعد فيهم
(تيه مغن وظرف زنديق ... )
وَقد كَانَ الْجَاهِل الغر من أهل ذَلِك الْعَصْر يتطفل على الزندقة ينتحلها ليعد من الظرفاء كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(تزندق مُعْلنا ليقول قوم ... من الأدباء زنديق ظريف)
(فقد بقى التزندق فِيهِ وسما ... وَمَا قيل الظريف وَلَا الْخَفِيف)
قَالَ الجاحظ رُبمَا سمع أحدهم مِمَّن لَا معرفَة عِنْده وَلَا تَحْصِيل لَهُ أَن الزَّنَادِقَة ظرفاء وَأَنَّهُمْ عقلاء وأدباء وَأَنَّهُمْ عباد وَأَصْحَاب اجْتِهَاد وَأَن لَهُم البصائر فى دينهم والبذل لمهجهم وَأَن هُنَاكَ علما وتمييزا وإنصافا وتحصيلا فيسرى إِلَيْهِم مسرى الْمهْر الأرن ويحن إِلَيْهِم حنين الواله العجول ويتصبب فيهم صبَابَة العاشق المتيم وَيرى أَنه مَتى اتهمَ بهم فقد قضى لَهُ بذلك كُله فَلَا يزَال كَذَلِك حَتَّى يسهل فى طباعه ويرجح عِنْده أَن يزْعم أَنه زنديق
стр. 176
الْبَاب الثَّالِث عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى مُلُوك الْجَاهِلِيَّة وخلفاء الْإِسْلَام
سيرة أَزْد شير
عدل أنو شرْوَان
رمى بهْرَام
إيوَان كسْرَى
نديما جذيمة
ظلم الجلندى
شقائق النُّعْمَان
خَرَزَات الْملك
ردافة الْمُلُوك
أَخْلَاق الْمُلُوك
دين الْمُلُوك
دَاء الْمُلُوك
غضب الْمُلُوك
بهاء الْمُلُوك
ميدان الْخُلَفَاء
حسن الْأمين
لَيْلَة المتَوَكل
خلَافَة ابْن المعتز
جَوْهَر الْخلَافَة
الاستشهاد
٢٥٤ - (سيرة أزدشير) من حسن سيرته أَن لَهُ كتابا فى حسن السِّيرَة يضْرب الْمثل بِهِ وتقتبس الْمُلُوك من أنواره فَمن نكته قَوْله إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة لاصلاح للخاصة مَعَ فَسَاد الْعَامَّة وَلَا نظام للدهماء مَعَ دولة الغوغاء أوحش الْأَشْيَاء عِنْد الْمُلُوك رَأس صَار ذَنبا وذنب صَار رَأْسا لَا سُلْطَان إِلَّا بِرِجَال وَلَا رجال إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَحسن سياسة
وَمن كَلَامه الْقَتْل أنفى للْقَتْل وَأجل مِنْهُ فى مَعْنَاهُ قَول الله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾
٢٥٥ - (عدل أنو شرْوَان) لم يكن فى الأكاسرة بعد أزدشير الذى لَهُ فَضِيلَة السَّبق أعدل من أنو شرْوَان وَلذَلِك ضرب الْمثل بِهِ فى الْعدْل من بَينهم وَهُوَ الذى ولد النَّبِي ﷺ فى زَمَانه لتسْع سِنِين خلت من
стр. 177
ملكه وافتخر ﷺ بذلك فَقَالَ ولدت فى زمن الْملك الْعَادِل فَأَما سَائِر الأكاسرة فَإِنَّهُم كَانُوا ظلمَة فجرة يستعبدون الْأَحْرَار ويجرون الرعايا مجْرى الأجراء وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء فَلَا يُقِيمُونَ لَهُم وزنا ويستأثرون عَلَيْهِم حَتَّى بأطيب الطَّعَام وَالثيَاب الْحَسَنَة والمراكب وَالنِّسَاء الحسان والدور السّريَّة ومحاسن الْآدَاب فَلَا يجترى أحد من الرعايا أَن يطْبخ سكباجا أَو يلبس ديباجا أَو يركب هملاجا أَو ينْكح امْرَأَة حسناء أَو يبْنى دَارا قوراء أَو يُؤَدب وَلَده أَو يمد إِلَى مُرُوءَة يَده وَكَانُوا يبنون أُمُورهم على معنى قَول عَمْرو بن مسْعدَة لِلْمَأْمُونِ
(ملك مَا يصلح للْمولى ... على العَبْد حرَام)
إِلَّا أَنهم كَانُوا يحبونَ الْعِمَارَة أَشد الْحبّ ويرونها قوام الدّين وَالْملك وَلَا يقارون أحدا على الْإِخْلَال بهَا وَالتَّقْصِير فِيهَا ويروى أَن بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ يَا رب لم آتيت الأكاسرة مَا آتيتهم فَأوحى إِلَيْهِ لأَنهم عمروا بلادى حَتَّى عَاشَ فِيهَا عبادى وَمن كَلَام أنو شرْوَان الدَّال على مَا وَرَاءه كل النَّاس أحقاء بِالسُّجُود لله تَعَالَى وأحقهم بذلك من رَفعه الله تَعَالَى عَن السُّجُود لأحد من خلقه وَقَوله إِن الْملك إِذا كثرت أَمْوَاله مِمَّا يَأْخُذ من رَعيته كَانَ كمن يعمر سطح بَيته بِمَا يقتلع من قَوَاعِد بُنْيَانه وَقَوله وجدنَا للعفو من اللَّذَّة مَا لم نجده للعقوبة وَقَوله الإنعام لقاح وَالشُّكْر نتاج
٢٥٦ - (رمى بهْرَام) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَنَّهُ لم يكن فى الْعَجم أرمى مِنْهُ وَهُوَ بهْرَام جور الْملك وَمن قصَّته المصورة فى الْقُصُور أَنه خرج ذَات يَوْم إِلَى الصَّيْد على جمل وَقد أرْدف جَارِيَة لَهُ يتعشقها فعرضت لَهُ ظباء
стр. 178
فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ فى أى مَوضِع تريدين أَن أَضَع السهْم من هَذِه الظباء فَقَالَت أُرِيد أَن تشبه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران فَرمى ظَبْيًا ذكرا بنشابه ذَات شعبتين فاقتلع قرنيه وَرمى ظَبْيَة بنشابتين أثبتهما فى مَوضِع القرنين ثمَّ سَأَلته أَن يجمع ظلف الظبى وَأذنه بنشابة وَاحِدَة فَرمى أصل أذن الظبى بِقِطْعَة سهم فَلَمَّا أَهْوى بِيَدِهِ إِلَى أُذُنه ليحتك رَمَاه بنشابة فوصل أُذُنه بظلفة ثمَّ أَهْوى إِلَى الْجَارِيَة مَعَ هَوَاهُ لَهَا فَرمى بهَا إِلَى الأَرْض وأوطأها الْجمل وَقَالَ لشد مَا شططت على وَأَرَدْت إِظْهَار عجزى فَلم تلبث أَن مَاتَت
٢٥٧ - (إيوَان كسْرَى) يضْرب بِهِ الْمثل للبنيان الرفيع العجيب الصَّنْعَة المتناهى الحصانة والوثاقة لِأَنَّهُ من عجائب أبنية الدُّنْيَا وَمن أحسن آثَار الْمُلُوك وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ من بَغْدَاد على مرحلة بناه كسْرَى أبرويز فى نَيف وَعشْرين سنة وتأنق فى تأسيسه وتشييده وتحسينه فَلَمَّا ارْتَفع كَانَ من خَصَائِصه الثمان عشرَة الَّتِى لم يُعْطهَا ملك قبله
وَيُقَال بل بناه أنو شرْوَان وَهُوَ الذى بنى الْبَاب والإيوان أَيْضا
وأنشدنى أَبُو نصر المرزبانى لنَفسِهِ يذكر ذَلِك
(قلت لما رايته فى قُصُور ... مشرفات الجدران والبنيان)
(هبك كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أنو شرْوَان ... بانى الْأَبْوَاب والإيوان)
(أى شكر ترجوه منى إِذا لم ... تقض لى حاجتى وترفع شانى)
وَذكر ابْن قُتَيْبَة فى كتاب المعارف أَن بانية سَابُور ذُو الأكتاف
وَمن وَصفه أَن طوله مائَة ذِرَاع فى عرض خمسين ذِرَاعا فى سمك مائَة
стр. 179
ذِرَاع وَهُوَ متخذ من الْآجر الْكِبَار والجص وثخن الأزج خمس آجرات وَطول الشرفة خَمْسَة عشر ذِرَاعا
وَلما بنى الْمَنْصُور مَدِينَة السَّلَام أحب أَن ينْقض إيوَان كسْرَى ويبنى بنقضه الْأَبْنِيَة فَاسْتَشَارَ خَالِد بن برمك فى ذَلِك فَنَهَاهُ عَن نقضه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه آيَة الْإِسْلَام وَإِذا رَآهُ النَّاس علمُوا أَن من هَذَا بِنَاؤُه لَا يزِيل أمره إِلَّا نبى وَهُوَ مَعَ هَذَا مصلى على بن أَبى طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ والمؤنة فى هَدمه ونقضه أَكثر من الارتفاق بِهِ فَقَالَ الْمَنْصُور يَا خَالِد أَبيت إِلَّا ميلًا إِلَى الْعَجم ثمَّ أَمر بهدمه فهدمت مِنْهُ ثلمة فلبغت النَّفَقَة عَلَيْهَا مَالا كثيرا فَأمر بالإضراب عَن هَدمه وَقَالَ يَا خَالِد قد صرنا إِلَى رايك فِيهِ فَقَالَ أَنا الْآن أُشير بهدمه قَالَ وَكَيف قَالَ لِئَلَّا يتحدث النَّاس بأنك عجزت عَن هَدمه فَلم يقبل قَوْله وَتَركه على حَاله فَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول قد حبب إِلَى هَذَا الْخَبَر أَلا أبنى إِلَّا بِنَاء جَلِيلًا يصعب هَدمه
قَالَ الجاحظ قَالَ قَاسم التمار رَأَيْت إيوَان كسْرَى كَأَنَّمَا رفعت عَنهُ الْأَيْدِي أول أمس
قَالَ الْمبرد تَذَاكر حُذَيْفَة بن الْيَمَان وسلمان أَمر الدُّنْيَا فَقَالَ سلمَان وَمن أعجب مَا تَذَاكرنَا صعُود غنيمات الغامدى سَرِير كسْرَى وَكَانَ أعرابى من غامد يرْعَى شويهات لَهُ فَإِذا كَانَ اللَّيْل صيرها إِلَى عَرصَة إيوَان كسْرَى وفى الْعَرَصَة سَرِير رُخَام فتصعد غنيماته إِلَى ذَلِك السرير وَكَانَ كسْرَى كثيرا مَا يجلس على ذَلِك السرير
стр. 180
وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بإيوان كسْرَى ابْن الرومى فى قَوْله وَهُوَ يهجو
(كَانَ للكركدن قرن فأضحى ... وَهُوَ الْيَوْم عِنْد قرنك مدرى)
(من يكن قرنه كقرنك هَذَا ... فَلْيَكُن بَابه كإيوان كسْرَى)
وَمِمَّنْ وَصفه البحترى فى قصيدته الَّتِى مِنْهَا
(حضرت رحلى الهموم فوجهت ... إِلَى أَبيض الْمَدَائِن عنسى)
(وَكَأن الإيوان من عجب الصَّنْعَة ... جوب فى جنب أرعن جلس)
(لم يعبه أَن بِزَمن بسط الديباج ... واستل من ستور الدمقس)
(مشمخر تعلو لَهُ شرفات ... رفعت فى رُءُوس رضوى وَقدس)
(لَيْسَ يدرى أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس)
(غير أَنى أرَاهُ يشْهد أَن لم ... يَك بانيه فى الْمُلُوك بنكس)
٢٥٨ - (نديما جذيمة) يضْرب بهما الْمثل فى طول الصُّحْبَة كَمَا يضْرب بالفرقدين وابنى شمام ونخلتى حلوان وَكَانَ جذيمة الوضاح الْملك لَا ينادم أحدا ذَهَابًا بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول أَنا أعظم من أَن أنادم إِلَّا الفرقدين وَكَانَ يشرب كأسا وَيصب لكل مِنْهُمَا كأسا فَلَمَّا أَتَاهُ مَالك
следующие страницы →