← Адаб

Адаб · id 6896

ثمار القلوب في المضاف والمنسوب

أبو منصور الثعالبي

Полный текст (706 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

الْبَاب الثَّالِث عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى مُلُوك الْجَاهِلِيَّة وخلفاء الْإِسْلَام سيرة أَزْد شير عدل أنو شرْوَان رمى بهْرَام إيوَان كسْرَى نديما جذيمة ظلم الجلندى شقائق النُّعْمَان خَرَزَات الْملك ردافة الْمُلُوك أَخْلَاق الْمُلُوك دين الْمُلُوك دَاء الْمُلُوك غضب الْمُلُوك بهاء الْمُلُوك ميدان الْخُلَفَاء حسن الْأمين لَيْلَة المتَوَكل خلَافَة ابْن المعتز جَوْهَر الْخلَافَة الاستشهاد ٢٥٤ - (سيرة أزدشير) من حسن سيرته أَن لَهُ كتابا فى حسن السِّيرَة يضْرب الْمثل بِهِ وتقتبس الْمُلُوك من أنواره فَمن نكته قَوْله إِذا رغب الْملك عَن الْعدْل رغبت الرّعية عَن الطَّاعَة لاصلاح للخاصة مَعَ فَسَاد الْعَامَّة وَلَا نظام للدهماء مَعَ دولة الغوغاء أوحش الْأَشْيَاء عِنْد الْمُلُوك رَأس صَار ذَنبا وذنب صَار رَأْسا لَا سُلْطَان إِلَّا بِرِجَال وَلَا رجال إِلَّا بِمَال وَلَا مَال إِلَّا بعمارة وَلَا عمَارَة إِلَّا بِعدْل وَحسن سياسة وَمن كَلَامه الْقَتْل أنفى للْقَتْل وَأجل مِنْهُ فى مَعْنَاهُ قَول الله تَعَالَى ﴿وَلكم فِي الْقصاص حَيَاة يَا أولي الْأَلْبَاب﴾ ٢٥٥ - (عدل أنو شرْوَان) لم يكن فى الأكاسرة بعد أزدشير الذى لَهُ فَضِيلَة السَّبق أعدل من أنو شرْوَان وَلذَلِك ضرب الْمثل بِهِ فى الْعدْل من بَينهم وَهُوَ الذى ولد النَّبِي ﷺ فى زَمَانه لتسْع سِنِين خلت من

стр. 177

ملكه وافتخر ﷺ بذلك فَقَالَ ولدت فى زمن الْملك الْعَادِل فَأَما سَائِر الأكاسرة فَإِنَّهُم كَانُوا ظلمَة فجرة يستعبدون الْأَحْرَار ويجرون الرعايا مجْرى الأجراء وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء فَلَا يُقِيمُونَ لَهُم وزنا ويستأثرون عَلَيْهِم حَتَّى بأطيب الطَّعَام وَالثيَاب الْحَسَنَة والمراكب وَالنِّسَاء الحسان والدور السّريَّة ومحاسن الْآدَاب فَلَا يجترى أحد من الرعايا أَن يطْبخ سكباجا أَو يلبس ديباجا أَو يركب هملاجا أَو ينْكح امْرَأَة حسناء أَو يبْنى دَارا قوراء أَو يُؤَدب وَلَده أَو يمد إِلَى مُرُوءَة يَده وَكَانُوا يبنون أُمُورهم على معنى قَول عَمْرو بن مسْعدَة لِلْمَأْمُونِ (ملك مَا يصلح للْمولى ... على العَبْد حرَام) إِلَّا أَنهم كَانُوا يحبونَ الْعِمَارَة أَشد الْحبّ ويرونها قوام الدّين وَالْملك وَلَا يقارون أحدا على الْإِخْلَال بهَا وَالتَّقْصِير فِيهَا ويروى أَن بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ قَالَ يَا رب لم آتيت الأكاسرة مَا آتيتهم فَأوحى إِلَيْهِ لأَنهم عمروا بلادى حَتَّى عَاشَ فِيهَا عبادى وَمن كَلَام أنو شرْوَان الدَّال على مَا وَرَاءه كل النَّاس أحقاء بِالسُّجُود لله تَعَالَى وأحقهم بذلك من رَفعه الله تَعَالَى عَن السُّجُود لأحد من خلقه وَقَوله إِن الْملك إِذا كثرت أَمْوَاله مِمَّا يَأْخُذ من رَعيته كَانَ كمن يعمر سطح بَيته بِمَا يقتلع من قَوَاعِد بُنْيَانه وَقَوله وجدنَا للعفو من اللَّذَّة مَا لم نجده للعقوبة وَقَوله الإنعام لقاح وَالشُّكْر نتاج ٢٥٦ - (رمى بهْرَام) يضْرب بِهِ الْمثل لِأَنَّهُ لم يكن فى الْعَجم أرمى مِنْهُ وَهُوَ بهْرَام جور الْملك وَمن قصَّته المصورة فى الْقُصُور أَنه خرج ذَات يَوْم إِلَى الصَّيْد على جمل وَقد أرْدف جَارِيَة لَهُ يتعشقها فعرضت لَهُ ظباء

стр. 178

فَقَالَ لِلْجَارِيَةِ فى أى مَوضِع تريدين أَن أَضَع السهْم من هَذِه الظباء فَقَالَت أُرِيد أَن تشبه ذكرانها بالإناث وإناثها بالذكران فَرمى ظَبْيًا ذكرا بنشابه ذَات شعبتين فاقتلع قرنيه وَرمى ظَبْيَة بنشابتين أثبتهما فى مَوضِع القرنين ثمَّ سَأَلته أَن يجمع ظلف الظبى وَأذنه بنشابة وَاحِدَة فَرمى أصل أذن الظبى بِقِطْعَة سهم فَلَمَّا أَهْوى بِيَدِهِ إِلَى أُذُنه ليحتك رَمَاه بنشابة فوصل أُذُنه بظلفة ثمَّ أَهْوى إِلَى الْجَارِيَة مَعَ هَوَاهُ لَهَا فَرمى بهَا إِلَى الأَرْض وأوطأها الْجمل وَقَالَ لشد مَا شططت على وَأَرَدْت إِظْهَار عجزى فَلم تلبث أَن مَاتَت ٢٥٧ - (إيوَان كسْرَى) يضْرب بِهِ الْمثل للبنيان الرفيع العجيب الصَّنْعَة المتناهى الحصانة والوثاقة لِأَنَّهُ من عجائب أبنية الدُّنْيَا وَمن أحسن آثَار الْمُلُوك وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ من بَغْدَاد على مرحلة بناه كسْرَى أبرويز فى نَيف وَعشْرين سنة وتأنق فى تأسيسه وتشييده وتحسينه فَلَمَّا ارْتَفع كَانَ من خَصَائِصه الثمان عشرَة الَّتِى لم يُعْطهَا ملك قبله وَيُقَال بل بناه أنو شرْوَان وَهُوَ الذى بنى الْبَاب والإيوان أَيْضا وأنشدنى أَبُو نصر المرزبانى لنَفسِهِ يذكر ذَلِك (قلت لما رايته فى قُصُور ... مشرفات الجدران والبنيان) (هبك كسْرَى كسْرَى الْمُلُوك أنو شرْوَان ... بانى الْأَبْوَاب والإيوان) (أى شكر ترجوه منى إِذا لم ... تقض لى حاجتى وترفع شانى) وَذكر ابْن قُتَيْبَة فى كتاب المعارف أَن بانية سَابُور ذُو الأكتاف وَمن وَصفه أَن طوله مائَة ذِرَاع فى عرض خمسين ذِرَاعا فى سمك مائَة

стр. 179

ذِرَاع وَهُوَ متخذ من الْآجر الْكِبَار والجص وثخن الأزج خمس آجرات وَطول الشرفة خَمْسَة عشر ذِرَاعا وَلما بنى الْمَنْصُور مَدِينَة السَّلَام أحب أَن ينْقض إيوَان كسْرَى ويبنى بنقضه الْأَبْنِيَة فَاسْتَشَارَ خَالِد بن برمك فى ذَلِك فَنَهَاهُ عَن نقضه وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنَّه آيَة الْإِسْلَام وَإِذا رَآهُ النَّاس علمُوا أَن من هَذَا بِنَاؤُه لَا يزِيل أمره إِلَّا نبى وَهُوَ مَعَ هَذَا مصلى على بن أَبى طَالب رضوَان الله عَلَيْهِ والمؤنة فى هَدمه ونقضه أَكثر من الارتفاق بِهِ فَقَالَ الْمَنْصُور يَا خَالِد أَبيت إِلَّا ميلًا إِلَى الْعَجم ثمَّ أَمر بهدمه فهدمت مِنْهُ ثلمة فلبغت النَّفَقَة عَلَيْهَا مَالا كثيرا فَأمر بالإضراب عَن هَدمه وَقَالَ يَا خَالِد قد صرنا إِلَى رايك فِيهِ فَقَالَ أَنا الْآن أُشير بهدمه قَالَ وَكَيف قَالَ لِئَلَّا يتحدث النَّاس بأنك عجزت عَن هَدمه فَلم يقبل قَوْله وَتَركه على حَاله فَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول قد حبب إِلَى هَذَا الْخَبَر أَلا أبنى إِلَّا بِنَاء جَلِيلًا يصعب هَدمه قَالَ الجاحظ قَالَ قَاسم التمار رَأَيْت إيوَان كسْرَى كَأَنَّمَا رفعت عَنهُ الْأَيْدِي أول أمس قَالَ الْمبرد تَذَاكر حُذَيْفَة بن الْيَمَان وسلمان أَمر الدُّنْيَا فَقَالَ سلمَان وَمن أعجب مَا تَذَاكرنَا صعُود غنيمات الغامدى سَرِير كسْرَى وَكَانَ أعرابى من غامد يرْعَى شويهات لَهُ فَإِذا كَانَ اللَّيْل صيرها إِلَى عَرصَة إيوَان كسْرَى وفى الْعَرَصَة سَرِير رُخَام فتصعد غنيماته إِلَى ذَلِك السرير وَكَانَ كسْرَى كثيرا مَا يجلس على ذَلِك السرير

стр. 180

وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بإيوان كسْرَى ابْن الرومى فى قَوْله وَهُوَ يهجو (كَانَ للكركدن قرن فأضحى ... وَهُوَ الْيَوْم عِنْد قرنك مدرى) (من يكن قرنه كقرنك هَذَا ... فَلْيَكُن بَابه كإيوان كسْرَى) وَمِمَّنْ وَصفه البحترى فى قصيدته الَّتِى مِنْهَا (حضرت رحلى الهموم فوجهت ... إِلَى أَبيض الْمَدَائِن عنسى) (وَكَأن الإيوان من عجب الصَّنْعَة ... جوب فى جنب أرعن جلس) (لم يعبه أَن بِزَمن بسط الديباج ... واستل من ستور الدمقس) (مشمخر تعلو لَهُ شرفات ... رفعت فى رُءُوس رضوى وَقدس) (لَيْسَ يدرى أصنع إنس لجن ... سكنوه أم صنع جن لإنس) (غير أَنى أرَاهُ يشْهد أَن لم ... يَك بانيه فى الْمُلُوك بنكس) ٢٥٨ - (نديما جذيمة) يضْرب بهما الْمثل فى طول الصُّحْبَة كَمَا يضْرب بالفرقدين وابنى شمام ونخلتى حلوان وَكَانَ جذيمة الوضاح الْملك لَا ينادم أحدا ذَهَابًا بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول أَنا أعظم من أَن أنادم إِلَّا الفرقدين وَكَانَ يشرب كأسا وَيصب لكل مِنْهُمَا كأسا فَلَمَّا أَتَاهُ مَالك

стр. 181

وَعقيل بِابْن أُخْته عَمْرو صَاحب الطوق الذى استهوته الْجِنّ قَالَ لَهما مَا حاجتكما قَالَا منادمتك فنادمهما أَرْبَعِينَ سنة كَانَا يحادثانه وَمَا أعادا عَلَيْهِ حَدِيثا قطّ حَتَّى فرق بَينهمَا الدَّهْر وَفِيهِمَا يَقُول الشَّاعِر (ألم تعلما أَن قد تفرق قبلنَا ... نديما صفاء مَالك وَعقيل) وَيَقُول متمم بن نويره فى أَخِيه مَالك وَهُوَ من الْأَمْثَال السائرة (وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا) (فَلَمَّا تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا) ٢٥٩ - (ظلم الجلندى) هُوَ الْملك الذى ذكره الله تَعَالَى فى كِتَابه فَقَالَ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا﴾ فَجرى الْمثل لاسيما على أَلْسِنَة أهل عمان بظلمه فَقَالُوا أظلم من الجلندى ٢٦٠ - (شقائق النُّعْمَان) يحْكى أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر خرج يَوْمًا إِلَى ظهر الْحيرَة متنزها وَقد أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بالشقائق فاستحسنها وَقَالَ احموها فحميت وَسميت شقائق النُّعْمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم نسبت الشقائق إِلَيْهِ تَشْبِيها بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (كَأَن شقائق النُّعْمَان فِيهَا ... ثِيَاب قد روين من الدِّمَاء) ٢٦ - (خَرَزَات الْملك) كَانَ الْملك من مُلُوك الْعَرَب كلما مَضَت

стр. 182

ينادم أحدا ذَهَابًا بِنَفسِهِ وَكَانَ يَقُول أَنا أعظم من أَن أنادم إِلَّا الفرقدين وَكَانَ يشرب كأسا وَيصب لكل مِنْهُمَا كأسا فَلَمَّا أَتَاهُ مَالك

стр. 183

وَعقيل بِابْن أُخْته عَمْرو صَاحب الطوق الذى استهوته الْجِنّ قَالَ لَهما مَا حاجتكما قَالَا منادمتك فنادمهما أَرْبَعِينَ سنة كَانَا يحادثانه وَمَا أعادا عَلَيْهِ حَدِيثا قطّ حَتَّى فرق بَينهمَا الدَّهْر وَفِيهِمَا يَقُول الشَّاعِر (ألم تعلما أَن قد تفرق قبلنَا ... نديما صفاء مَالك وَعقيل) وَيَقُول متمم بن نويره فى أَخِيه مَالك وَهُوَ من الْأَمْثَال السائرة (وَكُنَّا كندمانى جذيمة حقبة ... من الدَّهْر حَتَّى قيل لن يتصدعا) (فَلَمَّا تفرقنا كأنى ومالكا ... لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا) ٢٥٩ - (ظلم الجلندى) هُوَ الْملك الذى ذكره الله تَعَالَى فى كِتَابه فَقَالَ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك يَأْخُذ كل سفينة غصبا﴾ فَجرى الْمثل لاسيما على أَلْسِنَة أهل عمان بظلمه فَقَالُوا أظلم من الجلندى ٢٦٠ - (شقائق النُّعْمَان) يحْكى أَن النُّعْمَان بن الْمُنْذر خرج يَوْمًا إِلَى ظهر الْحيرَة متنزها وَقد أخذت الأَرْض زخرفها وازينت بالشقائق فاستحسنها وَقَالَ احموها فحميت وَسميت شقائق النُّعْمَان بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة النُّعْمَان اسْم من أَسمَاء الدَّم نسبت الشقائق إِلَيْهِ تَشْبِيها بِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر (كَأَن شقائق النُّعْمَان فِيهَا ... ثِيَاب قد روين من الدِّمَاء) ٢٦ - (خَرَزَات الْملك) كَانَ الْملك من الْمُلُوك الْعَرَب كلما مَضَت

стр. 184

سنة من سنى ملكه زيدت فى تاجه خرزة وَكَانَ يُقَال لتِلْك الخرزات خَرَزَات الْملك وَلما بلغت خَرَزَات النُّعْمَان بن الْمُنْذر أَرْبَعِينَ أشخصه كسْرَى أبرويز إِلَى حَضرته لهنات نقمها عَلَيْهِ ثمَّ أَمر بقتْله وإياه عَنى لبيد بن ربيعَة بقوله (رعى خَرَزَات الْملك عشْرين حجَّة ... وَعشْرين حَتَّى فاد والشيب شَامِل) ٢٦ - (ردافة الْمُلُوك) كَانَت من الْعَرَب فى بنى عتاب بن هرمى ابْن ريَاح بن يَرْبُوع فَورثَهَا بنوهم كَابِرًا عَن كَابر حَتَّى قَامَ الْإِسْلَام وهى أَن يثنى بصاحبها فى الشَّرَاب وَإِن غَابَ الْملك خَلفه فى الْمجْلس وَيُقَال إِن أرداف الْمُلُوك فى الْجَاهِلِيَّة بِمَنْزِلَة الوزراء فى الْإِسْلَام والردافة كالوزارة قَالَ لبيد من قصيدة (وَشهِدت أنجية الأفاقة عَالِيا ... كعبى وأرداف الْمُلُوك شُهُود) ٢٦٣ - (أَخْلَاق الْمُلُوك) تُوصَف بالتلون والتغير لِأَن الْمُلُوك لَهُم بدوات وَقد شبه بهَا يَوْمًا من أَيَّام الرّبيع من قَالَ (وَيَوْم كأخلاق الْمُلُوك ملون ... فشمس ودجن ثمَّ ظلّ ووابل) (أشبهه إياك يامن صِفَاته ... دنو وإعراض وَمنع ونائل) وَأحسن مِنْهُ فى مَعْنَاهُ قَول على بن الجهم (أما ترى الْيَوْم مَا أحلى شمائله ... صحو وغيم وإبراق وإرعاد)

стр. 185

(كَأَنَّهُ أَنْت يامن لست أذكرهُ ... وصل وهجر وتقريب وإبعاد) ٢٦٤ - (دين الْمُلُوك) كَانَ الْمَأْمُون يَقُول الإرجاء دين الْمُلُوك وَهُوَ الذى تنْسب إِلَيْهِ مَذَاهِب المرجئة الَّذين يتركون الْقطع على أهل الْكَبَائِر إِذا مَاتُوا غير تَائِبين بِعَذَاب أَو عَفْو وَيَقُولُونَ بإرجاء أَمرهم وَالْحكم عَلَيْهِم وهم جَمِيعًا سوى الحشوة الطغام مِنْهُم يَقُولُونَ إِن الله تَعَالَى إِن عَفا عَن وَاحِد فَمن هُوَ فى مثل حَاله وَإِن الله تَعَالَى لَا يخلد أحدا من أهل التَّوْحِيد فى النَّار بارتكاب الْكَبَائِر وَإنَّهُ إِن أدخلهم النَّار عذبهم بِقدر ذنوبهم ثمَّ أخرجهم ٢٦٥ - (دَاء الْمُلُوك) قد نزههم الله وَرفع أقدارهم عَمَّا يرميهم بِهِ الْعَامَّة وتنسبه إِلَيْهِم من الدَّاء الذى لَا دَوَاء لَهُ إِلَّا بعصمة الله تَعَالَى وَكَأَنَّهُم اعتقدوا أَن ذَلِك رُبمَا يتَوَلَّد من فرط الترفه والتنعم فإضافته إِلَيْهِم لتخصيصه بهم قَالَ الشَّاعِر (دَاء الْمُلُوك يلوح فَوق جَبينه ... شهِدت بِذَاكَ مَوَاضِع التحديق) وَقَالَ أَبُو نصر الظريفي الأبيوردي (قد ردنا إِسْحَاق عَن بَابه ... فَلم يكن فِيهِ لنا من سلوك) (وَقَالَ بى دَاء وعهدى بِهِ ... كَالشَّمْسِ من قبل أَوَان الدلوك) (وَلَيْسَ ذَاك الدَّاء من دائنا ... لَكِن ذَاك الدَّاء دَاء الْمُلُوك) وَقَالَ آخر

стр. 186

(أَحْمد الله حمد شَاكر نعماه ... وَلَا أشتكى صروف الزَّمَان) (إِن عرانى دَاء الْكِرَام من الدّين ... فدَاء الْمُلُوك مِمَّا عدانى) وَقَالَ آخر (مَا حيلتى وَالزَّمَان يجفونى ... وَهُوَ على الْحر غير مَأْمُون) (وَالدّين دَاء الْكِرَام ينحلنى ... وَلَيْسَ دَاء الْكِرَام بالدون) (أَحْمد ربى الْكَرِيم حمد فَتى ... فى كدر الْعَيْش غير مغبون) (إِن كَانَ دَاء الْكِرَام يعرونى ... فَإِن دَاء الْمُلُوك يعدونى) ٢٦٦ - (غضب الْمُلُوك) كَانَ يُقَال اتَّقوا غضب الْمُلُوك وَمد الْبَحْر وَمن غرر مدائح بكر بن النطاح فى أَبى دلف قَوْله (ومقسم بَين القواضب والقنا ... غضب الْمُلُوك وَنِيَّة الْعباد) (فَإِذا أَبُو دلف أمد بِذكرِهِ ... جَيْشًا كَفاهُ مئونة الْإِمْدَاد) ٢٦٧ - (بهاء الْمُلُوك) وصف أعرابى الْحسن البصرى فَقَالَ بهَا الْمُلُوك وسيمى الْعباد وفى مَعْنَاهُ قَالَ الأخطل لعبد الْملك بن مَرْوَان (تسمو الْعُيُون إِلَى إِمَام عَادل ... معطى المهابة نَافِع ضرار) (وَيرى عَلَيْهِ إِذا الْعُيُون رمقنه ... سِيمَا النقى وهيبة الْجَبَّار) وَأَخذه البحترى فَقَالَ فى المهتدى بِاللَّه (ملك تحييه الْمُلُوك وفوقه ... سِيمَا التقى وتخشع الزهاد)

стр. 187

(متهجد يخفى الصَّلَاة وَقد أَبى ... إخفاءها أثر السُّجُود البادى) ٢٦٨ - (ميدان الْخُلَفَاء) هُوَ عِنْد أَصْحَاب الْأَخْبَار عشرُون سنة إِلَى أَربع وَعشْرين وهى دوران الْمُشْتَرى فَكَأَنَّهَا كِنَايَة عَن أتم مُدَّة للخلافة فَمن بلغت مُدَّة خِلَافَته عشْرين سنة إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعشْرين سنة مُعَاوِيَة وَعبد الْملك وَهِشَام والمنصور والمأمون وَالْمُعْتَمد وَلم يستكمل الْأَرْبَع وَالْعِشْرين غير الرشيد والمقتدر حدث أَبُو العيناء قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد المهلبى قَالَ كُنَّا وقوفا على بَاب الْفضل بن الرّبيع وَهُوَ عليل فى آخر أَيَّام الرشيد إِذْ أقبل الرشيد عَائِدًا لَهُ فَقَالَ لَهُ عبد الْملك بن هِلَال الْحَمد لله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذْ خصك بطول الْبَقَاء وأجازك ميدان الْخُلَفَاء فَتغير وَجه الرشيد وَدخل فَخرج بعقب ذَلِك الْقَاسِم ابْن الرّبيع يشْتم عبد الْملك بن هِلَال وَيَقُول لَهُ من حملك أَن تذكر لأمير الْمُؤمنِينَ مَا مضى من مُدَّة خِلَافَته وَالله ليعيشن بعْدهَا أَرْبَعِينَ سنة فَمَا عَاشَ بعْدهَا إِلَّا أقل من سنة قَالَ مُحَمَّد بن عباد وَكَانَ مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن السكونى وَاقِفًا مَعنا فَأقبل على يحدثنى بِنَحْوِ هَذَا الحَدِيث وَذَلِكَ أَن الْمَنْصُور انْصَرف من صَلَاة الْفطر سنة ثَمَان وَخمسين وَمِائَة فَجَلَسَ وهنأه النَّاس ودعوا لَهُ فَقَالَ عقال بن شيبَة وَقد وضعت الموائد والمنصور يَأْكُل احْمَد الله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد جزت ميدان الْخُلَفَاء قبلك فَقبض الْمَنْصُور يَده عَن الطَّعَام وَقَالَ كَبرت وَالله يَا عقال وَكبر كلامك فَفطن عقال لذَلِك وتلافى أمره وَقَالَ أجل وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لقد أَحْزَن سهلى واضطرب عقلى وأنكرنى أهلى وَلَا أقوم

стр. 188

وَالله هَذَا الْمقَام بعد يومى فسكن قَوْله هَذَا من الْمَنْصُور وَلم يَعش بعد ذَلِك إِلَّا شَهْرَيْن وأياما قَالَ مؤلف الْكتاب مثل قَول عبد الْملك بن هِلَال للرشيد وعقال بن شيبَة للمنصور سوء أدب فى مُخَاطبَة الْمُلُوك والكبراء لِأَن فِيهِ نعيا لَهُم إِلَى أنفسهم وإنذارا إيَّاهُم لمجىء آجالهم وَقد حَدَّثَنى السَّيِّد أَبُو جَعْفَر الموسوى قَالَ أنْشد الْعَبَّاس الأرخسى الْأَمِير نصر بن أَحْمد لَيْلَة السذق الحادى وَالثَّلَاثِينَ من الأسذاق الَّتِى أَقَامَ رسومها قصيدة أَولهَا (مهترا بار خدايا ملك بغدادا ... سذق ويكم برتو مبارك بادا) فقطب نصر وَجهه وزوى مَا بَين عَيْنَيْهِ وَقَالَ إين شمرون نى جه بايست وتنغص تِلْكَ اللَّيْلَة وَلم يسمع تَمام القصيدة وَلم يسذق بعْدهَا أى لم يدر عَلَيْهِ الْحول حَتَّى مَاتَ ٢٦٩ - (حسن الْأمين) كَانَ يُقَال لكل من مُحَمَّد الْأمين وأخيه أَبى عِيسَى يُوسُف الزَّمَان لفرط جمالهما وَيُقَال إِن جمال ولد الْخلَافَة انْتهى إِلَيْهِمَا فَمَا رأى النَّاس مثلهمَا قطّ أَلا المعتز بعدهمَا وفى أَحدهمَا يَقُول أَبُو نواس (أَصبَحت ضبا وَلَا أَقُول بِمن ... أَخَاف من لَا يخَاف من أحد) (إِذا تفكرت فى هواى لَهُ ... مسست رأسى هَل طَار عَن جسدى) ويحكى أَن الْأَمِير نظر إِلَى أَبى نواس فى بعض ليالى منادمته إِيَّاه وَهُوَ ينظر إِلَيْهِ نظرة علق فَقَالَ لَهُ يَا حسن هَل تشتهينى فَقَالَ معَاذ الله وَمن

стр. 189

يحدث نَفسه بِمثل ذَلِك فَقَالَ أَقْسَمت عَلَيْك بحياتى إِلَّا أخبرتنى فَقَالَ يَا سَيِّدي إِن الْأَمْوَات يشتهونك فَكيف الْأَحْيَاء فَأمر بقتْله فَلَمَّا جىء بالنطع وَالسيف أنْشد أَبُو نواس يَقُول (أميرى غير مَنْسُوب ... إِلَى شَيْء من الحيف) (سقانى مثل مَا يشرب ... فعل الضَّيْف بالضيف) (فَلَمَّا دارت الكاس ... دَعَا بالنطع وَالسيف) (كَذَا من يشرب الراح ... مَعَ التنين فى الصَّيف) فَأمر بإعفائه وَوَصله وَيُقَال إِن صَاحب هَذِه الْقِصَّة هُوَ أَبُو عِيسَى ابْن الرشيد ويروى أَن رجلا حدق النّظر إِلَى الْأمين فهم بِهِ بعض الخدم فَقَالَ بعض الْحَاضِرين لَا تلمه على النّظر إِلَى زِينَة الله تَعَالَى فى عباده وَكَانَ الرشيد يَقُول لِلْمَأْمُونِ يَا عبد الله أحب المحاسن كلهَا لَك حَتَّى لَو أمكننى أَن أجعَل وَجه أَبى عِيسَى لَك لفَعَلت وَقَالَ يَوْمًا لأبى عِيسَى وَهُوَ صبي لَيْت جمالك لعبد الله يعْنى الْمَأْمُون فَقَالَ على أَن حَظه مِنْك لى فَعجب من قُوَّة جَوَابه على صباه وضمه إِلَيْهِ وَقَبله وقرأت رِسَالَة لأبى إِسْحَاق الصابى لَا أذكرها وَقد ضرب الْمثل فِيهَا بِحسن وَجه الْأمين وغناء إِبْرَاهِيم بن المهدى وبلاغة جَعْفَر بن يحيى وَحفظ الأصمعى وَطيب عشرَة ابْن حمدون وَشعر البحترى وَقَالَ أَبُو الْحسن الموسوى من قصيدة يمدح بهَا الطائع لله

стр. 190

(وَإِذا أَمِير الْمُؤمنِينَ أضَاف لى ... أمْلى نزلت على الْجواد الْمفضل) (رأى الرشيد وهيبة الْمَنْصُور فى ... حسن الْأمين ونعمة المتَوَكل) وَقَالَ أَبُو عبد الله المغلسى من قصيدة (رَاحَة تخجل السَّحَاب وَوجه ... يتلالا إشراقة كالصباح) (مَا جمال الْأمين مَا كرم المهدى ... مَا أريحيه السفاح) وَمثل هَذَا التَّمْثِيل قَول الرشيد فى الْمَأْمُون وَالله إنى لأعرف فى عبد الله حزم الْمَنْصُور ونسك المهدى وَعزة نفس الهادى وَلَو شِئْت أَن أشبهه فى الرَّابِعَة بنفسى لفَعَلت وَالله إنى لأرضى سيرته وَأحمد طَرِيقَته وأستحسن سياسته وَأرى قوته وذهنه وآمن ضعفه ووهنه وَلَوْلَا أم جَعْفَر وميل بنى هَاشم إِلَى مُحَمَّد لقدمت عبد الله عَلَيْهِ وَكَانَ المكتفى أَيْضا مَوْصُوفا بالجمال وَبِه ضرب الْمثل عبد الله بن المعتز (وَالله مَا كَلمته وَلَو أَنه ... كَالشَّمْسِ أَو كالبدر أَو كالمكتفى) (قايست بَين جماله وفعاله ... فَإِذا الملاحة بالخيانة لَا تفى) ٢٧٠ - (لَيْلَة المتَوَكل) هى اللَّيْلَة الَّتِى قتل فِيهَا وَكَانَت ثلمة الْإِسْلَام وعنوان سُقُوط الهيبة وتاريخ تراجع الْخلَافَة وَكَانَت لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لثلاث خلت من شَوَّال سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ قَتله باغر التركى بمواطأة الْمُنْتَصر فى مجْلِس أنسه وَقد أحدق بِهِ الندماء والمطربون ودارت الكئوس وَطَابَتْ النُّفُوس فَانْقَلَبَ مجْلِس اللَّهْو والطرب إِلَى مجْلِس الويل وَالْحَرب وَأكْثر الشُّعَرَاء فى وصف هَذِه الْوَقْعَة فَمنهمْ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الأسدى يَقُول من قصيدة

стр. 191

(هَكَذَا فلتكن منايا الْكِرَام ... بَين ناى ومزهر ومدام) (بَين كاسين أروتاه جَمِيعًا ... كأس لذاته وكأس الْحمام) وَمِنْهُم البحترى شهد الْقَتْل فَقَالَ من قصيدة (لنعم الدَّم المسفوح لَيْلَة جَعْفَر ... هرقتم وجنح اللَّيْل سود دياجره) (كَانَ ولى الْعَهْد أضمر غدرة ... فَمن عجب أَن ولى الْعَهْد غَادَرَهُ) (فَلَا ملى الباقى تراث الذى مضى ... وَلَا حملت ذَاك الدُّعَاء منابره) وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بليلة المتَوَكل أَبُو الْقَاسِم الزعفرانى حَيْثُ قَالَ من قصيدة فى فَخر الدولة (قد أَلْقَت الدُّنْيَا أزمتها إِلَى ... ملك الْمُلُوك على بن أَبى على) (فاطرب سُرُورًا بِالزَّمَانِ وَحسنه ... واشرب على إقبال دولة مقبل) (كم آمن متحصن فى جوسق ... قد بَات مِنْهُ بليلة المتَوَكل) ٢٧ - (خلَافَة ابْن المعتز) تضرب مثلا فِيمَا لَا تطول مدَّته ويسرع انقضاؤه لِأَنَّهُ ولى الْخلَافَة يَوْمًا وَبَعض يَوْم وأدركته حِرْفَة الْأَدَب فَلم يلبث أمره أَن انحل فى الْيَوْم الثانى وَقد كَانَ بَايعه أَكثر النَّاس وَذَلِكَ لعشر بَقينَ من شهر ربيع الأول سنة سِتّ وَتِسْعين وَمِائَتَيْنِ ولقب بالمنتصر بِاللَّه فَكَانَ أول مَا تكلم بِهِ قد حَان للحق أَن يَتَّضِح وللباطل أَن يفتضح وَجَرت عَلَيْهِ اتفاقات سوء مِنْهَا أَن مؤنسا الْحَاجِب فى دَار المقتدر كَانَ بَايع ابْن المعتز على أَن يكون حَاجِبه وواطأه على أَن ينفذ إِلَيْهِ أَمر المقتدر وصافيا الحرمى فَبَلغهُ أَن يمنا غُلَام المكتفى يذهب ويجىء قُدَّام ابْن المعتز كالحاجب

стр. 192

لَهُ وَكَانَ عدوا لَهُ يناوئه فَرجع عَن رَأْيه وعزمه فى أَمر ابْن المعتز وَأخذ فى إحكام أَمر المقتدر وأحضر غلْمَان الدَّار وَوَعدهمْ الزِّيَادَة فى أَرْزَاقهم فَلَمَّا أصبح ابْن المعتز وَأَرَادَ الرّكُوب إِلَى دَار الْخلَافَة قَالَ لَهُ وزيره محمدبن دَاوُد بن الْجراح نَنْتَظِر قَلِيلا إِلَى أَن ينفض الطَّرِيق من عَامَّة تعرضت فِيهِ فَقَالَ لَهُ ابْن المعتز أهم مَعنا أم علينا فَقَالَ لَيْسُوا مَعنا قَالَ ابْن المعتز (لَيْسَ يومى بِوَاحِد من ظلوم ... ) يُرِيد أَن أهل بَغْدَاد كَانُوا مَعَ المستعين على ابْن المعتز وهم الْآن مَعَ المقتدر عَلَيْهِ ثمَّ جد فى الرّكُوب فَقدم أَمَامه الْجَيْش إِلَى الشَّارِع فَلَقِيَهُمْ غلْمَان المقتدر والحشم فَرَمَوْهُمْ ومنعوهم من النّفُوذ وانكب الْعَامَّة عَلَيْهِم بِالرَّجمِ فَلم يَجدوا مخلصا وَلَا مسلكا وَبعث المقتدر بشذوات وطيارات فِيهَا غلْمَان وَمَعَهُمْ خَاله غَرِيب فتصاعدوا فَلَمَّا قاربوا الدَّار الَّتِى فِيهَا ابْن المعتز وَمَعَهُمْ المطارد ضجوا وَكَبرُوا وَكَبرت الْعَامَّة حول الدَّار فَجعل النَّاس يَتَسَلَّلُونَ لِوَاذًا ويرمون أنفسهم فى السميريات وهرب ابْن المعتز وَكَانَ متلثما فَعرفهُ خَادِم لِابْنِ الْجَصَّاص الجوهرى وسعى بِهِ حَتَّى أَخذ وحدر فى طيار إِلَى بَاب الْخَاصَّة قَالَ الصولى فوقفت حَتَّى رَأَيْته من حَيْثُ لم يرنى وَقد أخرج من الطيارة حافيا وَعَلِيهِ غلالة قصب فَوْقهَا مبطنه بملحم خراسانى يضْرب إِلَى الصُّفْرَة قَلِيلا وعَلى رَأسه مجلسية فَلَمَّا صَار إِلَى مؤنس الْحَاجِب لطمه لطمة فانكب على وَجهه وَأدْخل الْحَبْس فَمَاتَ وَقيل بل أميت بعد أَيَّام وَلم يقدر أحد على رثائه سوى ابْن بسام فَإِنَّهُ قَالَ (لله دَرك من ميت بمضيعة ... ناهيك فى الْعلم والآداب والحسب)

стр. 193

(مَا فِيهِ لَو وَلَا لَيْت فتنقصه ... وَإِنَّمَا أَدْرَكته حِرْفَة الْأَدَب) وَقَالَ ابْن علاف النهروانى قصيدة فى رثاء هر ورى بهَا عَن ابْن المعتز فَقضى وطرا من حَيْثُ لم تلْزمهُ حجَّة أَولهَا (يَا هر فارقتنا وَلم تعد ... وَكنت منا بمنزل الْوَلَد) (فَكيف ننحل عَن هَوَاك وَقد ... كنت لنا عدَّة من الْعدَد) وَمِنْهَا (يَا من لذيذ الْفِرَاخ أوقعه ... وَيحك هلا قنعت بالغدد) (أطعمك الغى لَحمهَا فَرَأى ... قَتلك أَرْبَابهَا من الرشد) (ألم تخف وثبة الزَّمَان كَمَا ... وَثَبت فى البرج وثبة الْأسد) (تدخل برج الْحمام متئدا ... وَتخرج الفرخ غير متئد) (وتطرح الريش فى الطَّرِيق لَهُم ... وتبلع اللَّحْم بلع مزدرد) (وَكَانَ قلبى عَلَيْك مرتعدا ... وَكنت تنساب غير مرتعد) (عَاقِبَة الظُّلم لَا تنام وَإِن ... تَأَخَّرت مُدَّة من المدد) (لَا بَارك الله فى الطَّعَام إِذا ... كَانَ هَلَاك النُّفُوس فى الْمعد) (كم أَكلَة خامرت حشاشره ... فأخرحت روحه من الْجَسَد) (مَا كَانَ أَغْنَاك عَن تسورك البرج ... وَلَو كَانَ جنَّة الْخلد) وَمِنْهَا (ثمَّ شفوا بالحديد أنفسهم ... مِنْك وَلم يربعوا على أحد) (كَأَنَّهُمْ يذبحون طاغية ... كَانُوا لطاغوتها من العَبْد) (لم يرحموا صَوْتك الضَّعِيف كَمَا ... لم تَرث مِنْهَا لصوتها الغرد)

стр. 194

(أذاقك الْمَوْت من أذاق كَمَا ... أذقت أطياره يدا بيد) (كَأَن حبلا حوى بجودته ... جيدك للذبح كَانَ من مسد) (كَأَن عينى تراك مضطربا ... فِيهِ وفى فِيك رغوة الزّبد) (وَقد طلبت الْخَلَاص مِنْهُ فَلم ... تقدر على حِيلَة وَلم تَجِد) (فَاذْهَبْ من الْبَيْت خير مفتقد ... واذهب من البرج شَرّ مفتقد) وَمِنْهَا (حَتَّى اعتقدت الْأَذَى لجيرتنا ... وَلم تكن للأذى بمعتقد) (وحمت حول الردى بظلمهم ... وَمن يحم حول وضه يرد) وَمِنْهَا (إِن الزَّمَان استقاد مِنْك وَمن ... يسلم لغير الزَّمَان يستقد) (فَإِن رماك الردى بحادثة ... فَمَا على الحادثات من قَود) وَمِنْهَا (من لم يمت يَوْمه عَن غده ... أَو لم يمت فى غَد فَبعد غَد) ٢٧ - (جَوْهَر الْخلَافَة) كَانَت جَوَاهِر الأكاسرة وَغَيرهم من الْمُلُوك صَارَت إِلَى خلفاء بنى أُميَّة ثمَّ صَارَت إِلَى السفاح ثمَّ إِلَى الْمَنْصُور فاتخذها عدَّة للخلافة وفيهَا كل فص ثمين وَعقد نَفِيس وَاشْترى الرّبيع جوهرا بِأَلف ألف دِينَار وضمه إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة ثمَّ اشْترى المهدى الفص الْمَعْرُوف بِالْجَبَلِ بثلثمائة ألف دِينَار وضمه إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة وَلم يزل هُوَ وَالْخُلَفَاء بعده يَحْفَظُونَهُ وَيزِيدُونَ فِيهِ مَا يقدرُونَ عَلَيْهِ

стр. 195

ويجلب إِلَيْهِم من الْآفَاق وأفضت الْخلَافَة إِلَى المقتدر وفى خزانته من الْجَوَاهِر مَالا عين رَأَتْ وَلَا أذن سَمِعت وَفِيه الْمَعْرُوف بالمنقاد وَقِيمَته مَالا يقدر قدره وَالْمَعْرُوف بالبحرة والدرة الْيَتِيمَة وَزَعَمُوا أَن وَزنهَا ثَلَاثَة مَثَاقِيل فتبستط فِيهِ المقتدر وَقسم بعضه على الْحرم ووهب بعضه لصافى الحرمى وَوجه إِلَى وزيره الْعَبَّاس بن الْحسن مِنْهُ شَيْئا كثيرا فَرده الْعَبَّاس وَكتب إِلَيْهِ يُعلمهُ أَن هَذَا الْجَوْهَر زِينَة الْإِسْلَام وعدة الْخلَافَة وَأَنه لَا يصلح أَن يفرق فَكَانَ ذَلِك أول ثقله على قلبه وَكَانَت زَيْدَانَ القهرمانة مُمكنَة من خزانَة الْجَوْهَر فاتخذت سبْحَة لم ير مثلهَا وَيضْرب بهَا الْمثل فى الِارْتفَاع والنفاسة فَيُقَال سبْحَة زَيْدَانَ كَمَا يُقَال أشقر مَرْوَان وجامع سُفْيَان وعود بنان وَقد ذكرتها فى بَاب الحلى من هَذَا الْكتاب وَلما ورد على بن عِيسَى من مَكَّة إِلَى الوزارة قَالَ للمقتدر بعد كَلَام جرى بَينهمَا مَا فعلت بسبحة جَوْهَر قيمتهَا ثَلَاثُونَ ألف دِينَار أخذت من ابْن الْجَصَّاص قَالَ هى فى الخزانة فَقَالَ إِن رأى سيدنَا أَن يَأْمر بطلبها فطلبت فَلم تُوجد فأخرجها من كمه وَقَالَ قد عرضت على بِمصْر فعرفتها فاشتريتها فَإِذا كَانَت خزانَة الْجَوْهَر لَا تحفظ فَمَا الذى يحفظ فَاشْتَدَّ ذَلِك على المقتدر وعَلى السيدة واتهمت بالسبحة زَيْدَانَ وَقيل لَيْسَ من يصل إِلَى خزانَة الْجَوْهَر غَيرهَا ثمَّ أفضت الْخلَافَة إِلَى القاهر ثمَّ إِلَى الراضى وَقد امتدت إِلَى جَوْهَر الْخلَافَة أيدى الخونة وأتى عَلَيْهِ سوء السياسة فَلم يبْق مِنْهُ شَيْء فَكَأَنَّهُ ذهب

стр. 196

الْبَاب الرَّابِع عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى الْكتاب والوزراء وَمن يجرى مجراهم فى الدولة العباسية بلاغة عبد الحميد يتيمة ابْن المقفع دهن أَبى أَيُّوب تيه عمَارَة زمن البرامكة جود الْفضل بن يحيى بلاغة جَعْفَر عَام ابْن عمار فالج ابْن أَبى دواد ضرطة وهب خطّ ابْن مقلة مُرُوءَة ابْن الْفُرَات الاستشهاد ٢٧٣ - (بلاغة عبد الحميد) هُوَ عبد الحميد بن يحيى بن سعيد مولى الْعَلَاء بن وهب العامرى روى الميدانى أَنه كَانَ معلما ثمَّ بلغ من البلاغة مبلغا يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا قَالَ البحترى لمُحَمد بن عبد الْملك (وتفننت فى البلاغة حَتَّى ... عطل النَّاس فن عبد الحميد) وَقَالَ ابْن الرومى لأبى الصَّقْر (لَو أَن عبد الحميد الْيَوْم شَاهده ... لَكَانَ بَين يَدَيْهِ مذعنا وسنا) وَقَالَ عَمْرو بن عُثْمَان بن إسفنديار الْكَاتِب (وصديق رَقِيق حَاشِيَة الجلسة ... صافى زجاجة الْآدَاب) (شغلته الرّقاع مِنْهُ إِلَيْهِ ... فَدَعَا نَفسه إِلَى الْأَصْحَاب) (وَهُوَ فى الحذق والبلاغة والتطويل ... عبد الحميد فى الْكتاب)

стр. 197

وَقَالَ بَعضهم (لست وهب بن سُلَيْمَان ... بن وهب بن سعيد) (قد تحدثت برغم ... مِنْهُ عَن أَمر سديد) (أَنْت فى معناك ذَا ... أبلغ من عبد الحميد) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الصابى من قصيدة (أنسيتم كتبا شحنت فصولها ... بفصول در عَنْكُم منضود) (ورسائلا نفذت إِلَى أطرافكم ... عبد الحميد بِهن غير حميد) وَيُقَال إِن عبد الحميد أول من نهج طرق الْكِتَابَة وَبسط من بَاعَ البلاغة وشنف الرسائل وقرطها ولخص فصولها وخلصها وَكَانَ مَرْوَان بن مُحَمَّد يستكتبه ويكرمه ويقدمه وَلَا يرى الدُّنْيَا إِلَّا بِهِ وَكَانَ عبد الحميد يَقُول أكْرمُوا الْكتاب فَإِن الله تَعَالَى أجْرى أرزاق الْخلق على أَيْديهم وَكَانَ يَقُول إِن كَانَ الوحى ينزل على أحد بعد الْأَنْبِيَاء فعلى بلغاء الْكتاب وَمن غرر كَلَامه الْعلم شَجَرَة ثَمَرهَا الْأَلْفَاظ والفكر بَحر لؤلؤة الْحِكْمَة وَقيل لَهُ مَا الذى خرجك فى البلاغة فَقَالَ حفظ كَلَام الأصلع يعْنى على بن أَبى طَالب وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الصولى يَقُول فى رِسَالَة لَهُ مَا تمنيت كَلَام أحد أَن يكون لى إِلَّا كَلَام عبد الحميد حَيْثُ يَقُول فى رِسَالَة لَهُ النَّاس أَصْنَاف مُخْتَلفُونَ

стр. 198

وأطوار متباينون فَمنهمْ علق مضنة لَا يُبَاع وَمِنْهُم غل ظنة لَا يبْتَاع ويروى أَنه مر بإبراهيم بن جبلة وَهُوَ يكْتب خطا رديئا فَقَالَ أَتُحِبُّ أَن يجود خطك قَالَ نعم قَالَ أطل جلفة قلمك واسمنها وحرف قطتك وأيمنها قَالَ فَفعلت ذَلِك فجاد خطى وساير عبد الحميد يَوْمًا مَرْوَان على دَابَّة قد طَالَتْ مدَّتهَا فى ملكه فَقَالَ لَهُ مَرْوَان قد طَالَتْ صُحْبَة هَذِه الدَّابَّة لَك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ من بركَة الدَّابَّة طول صحبتهَا وَقلة علتها قَالَ فَكيف سَيرهَا قَالَ همها أمامها وسوطها عنانها وَمَا ضربت قطّ إِلَّا ظلما وَقد حكى أَن عبد الله بن طَاهِر خَاطب الْمَأْمُون فى دَابَّة رَآهَا تَحْتَهُ بِهَذَا الْخطاب بِعَيْنِه وَقد يجوز أَن يكون حكى كَلَام عبد الحميد ويحكى أَن عَاملا لمروان أهْدى إِلَيْهِ غُلَاما أسود فَقَالَ لعبد الحميد اكْتُبْ إِلَيْهِ وذم فعله فى هديته وأوجز فَكتب إِلَيْهِ لَو وجدت لونا شرا من السوَاد وعددا أقل من الوحد لأهديته وَكتب إِلَى أَهله وأقاربه عِنْد هزيمَة مَرْوَان كتابا قَالَ فى فصل مِنْهُ وَهُوَ يشكو الدُّنْيَا باعدتنا عَن الأوطان وَفرقت بَيْننَا وَبَين الإخوان وَلما أيس مَرْوَان من ملكه قَالَ لعبد الحميد إِن الْأَمر زائل عَنَّا وَهَؤُلَاء الْقَوْم يعْنى بنى الْعَبَّاس يضطرون إِلَيْك فسر إِلَيْهِم فإنى أَرْجُو أَن تتمكن مِنْهُم فتنفعنى فى محنتى وفى كثير من أمورى فَقَالَ وَكَيف لى وَالنَّاس جَمِيعًا يعلمُونَ أَن هَذَا عَن رَأْيك وَكلهمْ يَقُول إنى غدرت بك وصرت إِلَى عَدوك ثمَّ أنْشد

стр. 199

(وذنبى ظَاهر لَا شكّ فِيهِ ... لمبصرة وعذرى بالمغيب) وَلما زَالَ أَمر مَرْوَان أَتَى الْمَنْصُور بخواص مَرْوَان وَفِيهِمْ عبد الحميد والبعلبكى الْمُؤَذّن وَسَلام الحادى فهم بِقَتْلِهِم جَمِيعًا فَقَالَ سَلام استبقنى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإنى أحسن الحداء قَالَ وَمَا بلغ من حدائك قَالَ تعمد إِلَى إبل فتظمئها ثَلَاثَة ايام ثمَّ توردها المَاء فَإِذا بدأت تشرب رفعت صوتى بالحداء فَترفع رءوسها وَتَدَع الشّرْب ثمَّ لَا تشرب حَتَّى أسكت فَأمر الْمَنْصُور بِإِبِل فَفعل بهَا ذَلِك فَكَانَ الْأَمر كَمَا قَالَ فاستبقاه وَأَجَازَهُ وأجرى عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ البعلبكى استبقنى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فإنى مُؤذن مُنْقَطع القرين قَالَ وَمَا بلغ من أذانك قَالَ تَأمر جَارِيَة فَتقدم إِلَيْك طستا وَتَأْخُذ بِيَدِهَا إبريقا وتصب المَاء على يدك فأبتدى بِالْأَذَانِ فتدهش وَيذْهب عقلهَا إِذا سَمِعت أذانى حَتَّى تلقى الإبريق من يَدهَا وهى لَا تعلم فَأمر الْمَنْصُور جَارِيَة فَفعلت ذَلِك وَأخذ البعلبكى فى الْأَذَان فَكَانَت حَالهَا كَمَا وصف وَقَالَ عبد الحميد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ استبقنى فإنى فَرد الزَّمَان فى الْكِتَابَة والبلاغة فَقَالَ مَا أعرفنى بك أَنْت الذى فعلت بِنَا الأفاعيل وعملت لنا الدواهى وَأمر بِهِ فَقطعت يَدَاهُ وَرجلَاهُ وَضربت عُنُقه ويروى أَنه سلمه إِلَى عبد الْجَبَّار فَكَانَ يحمى لَهُ طستا ويضعه على بَطْنه حَتَّى قَتله ٢٧٤ - (يتيمة ابْن المقفع) يضْرب بهَا الْمثل لبلاغتها وبراعة تشبيهها وهى رِسَالَة فى نِهَايَة الْحسن تشْتَمل على محَاسِن من الْآدَاب فَمِنْهَا هَذَا الْفَصْل الذى فى ذكر السُّلْطَان مثل قَلِيل مضار السُّلْطَان فى جنب

стр. 200

كثير مَنَافِعه كَمثل الْغَيْث الذى هُوَ سقيا الله وبركة السَّمَاء وحياة الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَقد يتَأَذَّى بِهِ السّفر ويتداعى لَهُ الْبُنيان وتدر سيوله فَيهْلك النَّاس وَالدَّوَاب ويموج لَهُ الْبَحْر وَتَكون فِيهِ الصَّوَاعِق فَلَا يمْتَنع النَّاس إِذا نظرُوا غلى آثَار رَحْمَة الله فى الأَرْض الَّتِى أَحْيَاهَا لَهُم والنبات الذى أخرجه والرزق الذى بَسطه عَن أَن يعظموا نعْمَة رَبهم ويشكروها ويلغوا ذكر خَواص البلايا الَّتِى دخلت على خَواص الْخلق وكمثل الرِّيَاح الَّتِى يرسلها الله بشرا بَين يدى رَحمته فيسوق بهَا السَّحَاب ويجعلها لقاحا للأشجار وروحا للعباد ويتنسمون مِنْهَا ويتقلبون فِيهَا وتجرى مِيَاههمْ وفلكهم وتقد نيرانهم بهَا وَقد تضر بِكَثِير من النَّاس فى برهم وبحرهم فيشكوها الشاكى ويتأذى بهَا المتأذى فَلَا يزيلها ذَلِك عَن منزلهَا الَّتِى جعلهَا الله بِهِ وقدرها سَببا لقوام عباده وَتَمام نعْمَته وَمثل الشتَاء والصيف وَاللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا فيهمَا من قَلِيل المضار وَكثير الْمَنَافِع وَلَو أَن الدُّنْيَا كَانَت كلهَا سَوَاء وَكَانَت نعماؤها من غير كد وميسورها من غير معسور لكَانَتْ الدُّنْيَا إِذن هى الْجنَّة الَّتِى لَا يشوب مسرتها مَكْرُوه وَقد ذكر أَبُو تَمام يتيمه ابْن المقفع وأجراها مثلا فى قَوْله لِلْحسنِ ابْن وهب (وَلَقَد شهدتك وَالْكَلَام لآلى ... توم فبكر فى النظام وثيب) (فَكَأَن قسا فى عكاظ يخْطب ... وَكَأن ليلى الأخيلية تندب) (وَكثير عزة يَوْم بَين ينْسب ... وَابْن المقفع فى الْيَتِيمَة يسهب)

стр. 201

٢٧٥ - (دهن أَبى أَيُّوب) كَانَ لأبى أَيُّوب الموريانى وَزِير الْمَنْصُور دهن طيب الرّيح يدهن بِهِ إِذا ركب إِلَى الْمَنْصُور فَكَانَ النَّاس إِذا رَأَوْا غلبته على الْمَنْصُور وَطَاعَة الْمَنْصُور لَهُ فِيمَا يُريدهُ يَقُولُونَ دهن أَبى أَيُّوب من عمل السَّحَرَة إِلَى أَن ضربوا بِهِ الْمثل فَقَالُوا للذى يغلب على الْإِنْسَان مَعَه دهن أَبى أَيُّوب ٢٧٦ - (تيه عمَارَة) هُوَ عمَارَة بن حَمْزَة بن مَيْمُون مولى بنى الْعَبَّاس وَكَانَ سخيا سريا جليل الْقدر رفيع النَّفس تياها وَكَانَ خَاصّا بالمنصور وَقَبله بالسفاح يتَوَلَّى لَهما الدَّوَاوِين وَكَانَ الْمثل يضْرب بتيهه فَيُقَال أتيه من عمَارَة قَالَ مَيْمُون بن مهْرَان حَدَّثَنى من أَثِق بِهِ أَن عمَارَة كَانَ من تيهه إِذا أَخطَأ يمضى على خطئه تكبرا عَن الرُّجُوع وَيَقُول نقض وإبرام فى سَاعَة وَاحِدَة الْخَطَأ أَهْون من هَذَا وَكَانَ السفاح يعرفهُ بِالْكبرِ وعلو الْقدر وَشدَّة التَّنَزُّه فَجرى بَينه وَبَين أم سَلمَة المخزومية امْرَأَته فى بعض الليالى كَلَام فاخرته فِيهِ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهَا السفاح أَنا أحضر لَك السَّاعَة على غير أهبة مولى من موالى لَيْسَ فى أهلك مثله ثمَّ أَمر بإحضار عمَارَة على الْحَال الَّتِى يُوجد عَلَيْهَا فَلَمَّا أَتَاهُ الرَّسُول وَجَاء بِهِ إِلَى السفاح وَأم سَلمَة خلف السّتْر وَإِذا بعمارة فى ثِيَاب ممسكة وَقد غلف لحيته حَتَّى قَامَت فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كنت أحب أَن ترانى على هَذِه الْحَالة فَرمى السفاح إِلَيْهِ بمدهن ذهب كَانَ بَين يَدَيْهِ فِيهِ غَالِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ

стр. 202

هَل ترى فى لحيتى موضعا لَهَا فأخرجت أم سَلمَة إِلَيْهِ عقدا لَهُ قيمَة جليلة وَقَالَت للخادم أخبرهُ أَنى أهديته لَهُ فَأَخذه وَوَضعه بَين يَدَيْهِ وشكر للسفاح ودعا لَهُ وَترك العقد ونهض فَقَالَت أم سَلمَة للسفاح قد أنسيه فَقَالَ السفاح للخادم الْحَقْهُ بِهِ وَقل لَهُ هَذَا لَك فَلم خلفته فَاتبعهُ الْخَادِم بِهِ فَلَمَّا وصل إِلَيْهِ قَالَ مَا هُوَ لى فاردده فَلَمَّا أدّى إِلَيْهِ الرسَالَة قَالَ إِن كنت صَادِقا فَهُوَ لَك فَانْصَرف الْخَادِم بِالْعقدِ وَعرف السفاح بِمَا جرى وَامْتنع من رده على أم سَلمَة وَقَالَ لَهَا قد وهبه لى فَلم تزل بِهِ حَتَّى ابتاعته مِنْهُ بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَأَكْثَرت التَّعَجُّب من كبر نفس عمَارَة وَأَرَادَ الْمَنْصُور يَوْمًا أَن يعبث بِهِ فَخرج عمَارَة من عِنْده فَأمر الْمَنْصُور الخدم ان يقطعوا حمائل سَيْفه لينْظر أيأخذه أم لَا فَفَعَلُوا ذَلِك وَسقط السَّيْف فَمضى عمَارَة لوجهه وَلم يلْتَفت إِلَيْهِ وَكَانَ يَوْمًا يماشى المهدى فى أَيَّام الْمَنْصُور وَيَده فى يَده فَقَالَ لَهُ رجل من هَذَا أَيهَا الْأَمِير فَقَالَ أخى وَابْن عمى عمَارَة بن حَمْزَة فَلَمَّا ولى الرجل ذكر المهدى ذَلِك لعمارة كالممازح لَهُ فَقَالَ لَهُ عمَارَة إِنَّمَا انتظرت أَن تَقول ومولاى فانفض وَالله يدى من يدك فَضَحِك المهدى ٢٧٧ - (زمن البرامكة) يضْرب لكل شىء حسن كَمَا قَالَ الجماز أيامنا كَأَنَّهَا زمن البرامكة على العفاة وَقد أَكثر النَّاس فى وَصفهم وأيامهم قَالَ صَالح بن طريف (يَا بنى برمك واها لكم ... ولأيامكم المقتبلة) (كَانَت الدُّنْيَا عروسا بكم ... وهى الْيَوْم ثكول أرمله)

стр. 203

وَقَالَ آخر (ولى عَن الدُّنْيَا بَنو برمك ... وَلَو تولى الْخلق مَا زادا) (كَأَنَّمَا أيامهم كلهَا ... كَانَت لأهل الأَرْض أعيادا) وَمِمَّنْ ضرب الْمثل بذلك بعض أهل الْعَصْر فى قَوْله لمولانا الْملك الْمُؤَيد خوارزم شاه (رعى الله مَأْمُون بن مَأْمُون الذى ... رعاياه مِنْهُ فى زمَان البرامك) (وَلَا بَرحت أَيَّامه بفعاله ... وإنعامه الْمَشْهُور غر المضاحك) ٢٧٨ - (جود الْفضل) هُوَ الْفضل بن يحيى بن خَالِد بن برمك وَذكره أشهر وأسير من أَن يُنَبه عَلَيْهِ وَكَانَ يُقَال لَهُ حَاتِم الْإِسْلَام وحاتم الأجواد وَيُقَال حدث عَن الْبَحْر وَلَا حرج وَعَن الْفضل وَلَا حرج وَفِيه يَقُول الشَّاعِر (مَا لَقينَا كجود فضل بن يحيى ... ترك النَّاس كلهم شعراء) وَيَقُول يزِيد بن خَالِد الْمَعْرُوف بِابْن حسبات (ألم تَرَ أَن الْجُود من صلب آدم ... تحدر حَتَّى صَار فى رَاحَة الْفضل) (إِذا مَا أَبُو الْعَبَّاس جَادَتْ سماؤه ... فيالك من طل ويالك من وبل) وَيَقُول أَبُو نواس مَا هُوَ أمدح شعر للمحدثين (أَنْت الذى تَأْخُذ الأيدى بحجزته ... إِذا الزَّمَان على أنيابه كلحا)

стр. 204

(وكلت بالدهر عينا غير غافلة ... بجود كفك تأسو كل مَا جرحا) ٢٧٩ - (بلاغة جَعْفَر) كَانَ يُقَال مَا رأى النَّاس مثل ابنى يحيى الْفضل فى سماحته وجعفر فى بلاغته قَالَ الجاحظ قَالَ ثُمَامَة كَانَ جَعْفَر أبلغ النَّاس لِسَانا وبيانا قد جمع الهدوء والجزالة والحلاوة إِلَى إفهام يغنى عَن الْإِعَادَة وَلَو كَانَ فى الأَرْض نَاطِق يسْتَغْنى عَن الْإِشَارَة لاستغنى جَعْفَر عَنْهَا كَمَا اسْتغنى عَن الْإِعَادَة وَمَا رَأَيْت أحدا لَا يتحبس وَلَا يتَوَقَّف وَلَا يتلجلج وَلَا يرقب لفظا قد استدعاه من بعده وَلَا يلْتَمس التَّخَلُّص إِلَى معنى قد تعاصى عَلَيْهِ بعد طلبه إِيَّاه إِلَّا جَعْفَر بن يحيى ٢٨٠ - (عَام ابْن عمار) هَذَا أَحْمد بن عمار بن شاذى الساكنى البصرى وَزِير المعتصم كَانَ من عَلَيْهِ النَّاس فَلَمَّا عَزله المعتصم عَن وزارته أَمر بِأَن يُولى الأزمة على الدَّوَاوِين فاستعفى وَقَالَ إنى نَوَيْت أَن أجاور مَكَّة سنة فوصله المعتصم بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَدفع إِلَيْهِ عشْرين ألف دِينَار ليفرقها بالحرمين على من يرى تفريقها عَلَيْهِم وَلَا يعْطى إِلَّا هاشميا أَو قرشيا أَو أَنْصَارِيًّا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ رُبمَا كَانَ من غَيرهم من لَهُم التَّقَدُّم فى الزّهْد وَالْعلم فَإِن منعته استذممت عَلَيْهِ فَقَالَ هَذِه خَمْسَة آلف دِينَار لهَؤُلَاء الَّذين ذكرتهم فحج ابْن عمار وَفرق المَال كُله مَعَ الْعشْرَة آلَاف الَّتِى لَهُ وجاور سنة ثمَّ انْصَرف فَكَانَ النَّاس يضْربُونَ بِهِ الْمثل وَيَقُولُونَ مَا رَأينَا مثل عَام ابْن عمار

стр. 205

قَالَ مؤلف الْكتاب ويضربون الْمثل فى زَمَاننَا هَذَا بعام جميلَة وهى الموصلية بنت نَاصِر الدولة أَبى مُحَمَّد بن حمدَان أُخْت أَبى تغلب فَإِنَّهَا حجت سنة سِتّ وَسِتِّينَ وثلثمائة وأبانت من الْمُرُوءَة وَفرقت من الْأَمْوَال وأظهرت من المحاسن ونشرت من المكارم مَالا يُوصف بعضه عَن زبيدة وَعَن غَيرهَا مِمَّن حجت من بَنَات الْخُلَفَاء والملوك وأخبرنى الثِّقَات أَنَّهَا سقت جَمِيع أهل الْمَوْسِم السويق بالسكر الطبرزد والثلح وَكَانَت استصحبت الْبُقُول المزروعة فى مراكن الخزف على الْجمال وأعدت خَمْسمِائَة رَاحِلَة للمنقطعين من رجالة الْحَج وَنَثَرت على الْكَعْبَة عشرَة آلَاف دِينَار وَلم تستصبح فِيهَا إِلَّا بشموع العنبر وأعتقت ثلثمِائة عبد ومائتى جَارِيَة وأغنت الْفُقَرَاء والمجاورين بالصلات الجزيلة فَصَارَت حجتها تَارِيخا مَذْكُورا وَصَارَت مثلا مَشْهُورا وَمن قصَّتهَا أَنَّهَا لما رجعت إِلَى بَلَدهَا وَضرب الدَّهْر ضرباته وَكَانَ مَا كَانَ من اسْتِيلَاء عضد الدولة على أموالها وحصونها وممالك أَهلهَا أفضت بهَا الْحَال إِلَى كل قلَّة وذلة وتكشفت عَن فقر مدقع وَكَانَ عضد الدولة خطبهَا لنَفسِهِ فامتنعت وترفعت عَنهُ واحتقدها عَلَيْهَا فحين وَقعت فى يَده تشفى مِنْهَا وَمَا زَالَ يعنف بهَا فى الْمُطَالبَة بالأموال حَتَّى عراها وهتكها ثمَّ ألزمها أحد أَمريْن إِمَّا أَن تُؤَدّى بَقِيَّة مَا وَقعت عَلَيْهِ من المَال وَإِمَّا أَن تخْتَلف إِلَى دور الْعَمَل فتكتسب فِيهَا مَا تُؤَدِّيه فى بَقِيَّة مصادرها فانتهزت يَوْمًا فرْصَة من غَفلَة الموكلين بهَا وغرقت نَفسهَا فى دجلة رضى الله عَنْهَا وأرضاها وَجعل الْجنَّة مأواها

стр. 206

٢٨ - (فالج ابْن أَبى دواد) وَهُوَ أَحْمد بن أَبى دواد الإيادى قاضى قُضَاة المعتصم والواثق وَكَانَ من الشّرف وَالْكَرم بالمنزلة الْعَالِيَة الْمَشْهُورَة وَكَانَ مَصْرُوف الهمة إِلَى استعباد الأحراروغرضا لمدائح الشُّعَرَاء وَلما أَصَابَته عين الْكَمَال فلج فَصَارَ فالجه مثلا فى أدواء الْأَشْرَاف وعاهاتهم كَمَا قيل لقُوَّة مُعَاوِيَة وفالج أبان بن عُثْمَان وبخر عبد الْملك بن مَرْوَان وبرص أنس ابْن مَالك وجذام أَبى قلَابَة وعمى حسان وصمم ابْن سِيرِين وَكَانَ أهل الْمَدِينَة يَقُولُونَ لمن يدعونَ عَلَيْهِ أَصَابَهُ الله بفالج أبان قَالَ أَبُو هفان وَقد نظر إِلَى رجل يضْرب غُلَاما لَهُ مليحا (أَلا يَا ضَارِبًا قمر الْعباد ... قصدت الْحسن وَيحك بِالْفَسَادِ) (أتضرب مثله بِالسَّوْطِ عشرا ... ضربت بفالج ابْن أَبى دواد) وَمر فى كتاب الْأَمِير أدام الله تأييده المترجم بنزهة اللواحظ من كَلَام الجاحظ فى أدواء الْأَشْرَاف يَلِيق بِهَذَا الْمَكَان وَهُوَ من رِسَالَة إِلَى مُحَمَّد بن عبد الْملك فى الشُّكْر نعمتنى بتوطئة المطهمات حَتَّى أصابنى النقرس وأتخمتنى بِأَكْل الطَّيِّبَات حَتَّى ضربنى الفالج ولولاك لَكُنْت أبعد عَن النقرس من فيج وَأبْعد عَن الفالج من مكار فَأَيْنَ شرف أدوائى من جرب الْحسن بن وهب وداء أَحْمد بن أَبى خَالِد وَأَيْنَ أدواء الْمُلُوك والأنبياء من أدواء السفلة والأغبياء مِمَّن كَانَ داؤه أفضل من صِحَة غَيره وعيبه أجمل من بَرَاءَة ضِدّه وَمَا ظَنك بِغَيْر ذَلِك من أمره ٢٨ - (ضرطة وهب) هُوَ وهب بن سُلَيْمَان بن وهب بن سعيد صَاحب بريد الحضرة أفلتت مِنْهُ ضرطة فى مجْلِس الْوَزير عبيد الله بن يحيى

стр. 207

ابْن خاقَان وَهُوَ غاص بأَهْله فطار خَبَرهَا بالآفاق وَوَقع فى ألسن الشُّعَرَاء وَصَارَت مثلا فى الشُّهْرَة حَتَّى قَالُوا أشهر من ضرطة وهب وأفضح من ضرطة وهب وَعمل أَحْمد بن أَبى طَاهِر كتابا فى ذكرهَا والاعتذار عَنْهَا بعد كَلَام كثير قيل فِيهَا كَقَوْل ابْن الرومى (مَا لَقينَا من ظرف ضرطة وهب ... تركت أهل دَهْرنَا شعراء) (هى عندى كجود فضل بن يحيى ... غير أَن لَيْسَ تنعش الْفُقَرَاء) وَقَالَ آخر (يَا وهب ذَا الضرطة لَا تبتئس ... فَإِن للأستاه أنفاسا) (واضرط لنا أُخْرَى بِلَا كلفة ... كَأَنَّمَا مزقت قرطاسا) وَقَالَ آخر (يَا آل وهب حدثونى عَنْكُم ... لم لَا ترَوْنَ الْعدْل والإقساطا) (مَا بَال ضرطتكم يحل رباطها ... عفوا ودرهمكم يشد رِبَاطًا) (صروا ضراطكم المبذر صركم ... عِنْد السُّؤَال الْفلس والقيراطا) (أَو فاسمحوا بنوالكم وضراطكم ... هَيْهَات لَسْتُم للنوال نشاطا) (لَو جدتم بهما مَعًا لوجدتم ... فرشا لكم عِنْد الرِّجَال بساطا) (لكنكم أفرطتم فى وَاحِد ... وَهُوَ الضراط فعدلوا الإفراطا) وَقَول أَبى على الْبَصِير (قل لوهب البغيض يَا خش الْخلقَة ... يَا ناطقا بِغَيْر لِسَان) (كَانَت الضرطة المشومة نَارا ... أضرمت فِي جَوَانِب الْبلدَانِ) (قتلت مفلجا وَكَانَ لعمرى ... عدَّة فِي الحروب للسُّلْطَان)

стр. 208

وَقَالَ عِيسَى بن القاشانى (أقيك من حر حزيران ... بالأبعد االأقصى وبالدانى) (كَأَنَّك من بَيت صديق لنا ... منزلَة وَالْحَبْس سيان) (نبيذه حُلْو وريحانه ... أَتَى لَهُ فى السُّوق شَهْرَان) (وقينة شَمْطَاء مَضْمُومَة ... فى سنّ نمروذ بن كنعان) (إِذا تغنينا حكى صَوتهَا ... ضرطة وهب بن سُلَيْمَان) وَقَالَ أَحْمد بن يحيى البلاذرى (لَيْت طبول الْعِيد تحكى لنا ... ضرطة وهب بن سُلَيْمَان) (فَإِنَّهَا كَانَت تروع العدا ... مَا بَين مصر وخراسان) (يَا ضرطة لَو أَنَّهَا شَرقَتْ ... أودت بصنعا وسجستان) وَقَالَ آخر (أيا وهب لَا تجزع لإفلات ضرطة ... نعاها عَلَيْك العائبون وأفرطوا) (وَلَا تعتذر مِنْهَا وَإِن جلّ أمرهَا ... فقد يغلط االحر الْكَرِيم فيضرط) وَقَالَ آخر (لقد قَالَ وهب إِذْ رأى النَّاس أشرفوا ... لضرطته قَول أمرئ غير ذى جهل) (أيا عجبى للنَّاس يستشرفونى ... كَأَن لم يرَوا بعدى ضروطا وَلَا قبلى) وَقَالَ آخر (إِن وهب بن سُلَيْمَان ... بن وهب بن سعيد) (حمل الضرطة للرى ... على ظهر الْبَرِيد)

стр. 209

(استه ينْطق يَوْم ... الحفل بالْقَوْل الرشيد) (لم يجد فِي القَوْل فَاحْتَاجَ ... إِلَى دبر مجيد) وَقَالَ آخر (وَمن الْحَوَادِث أَن وهبا خانه ... للحين وَالْقدر المتاح حذار) (فغدا وضرطته شنار شَائِع ... شغلت بهَا عَن غَيرهَا الْأَشْعَار) (وَمن البلية أَنَّهَا بِشَهَادَة القاضى ... فَلَيْسَ يزيلها الْإِنْكَار) وَقَالَ أَحْمد بن أَبى طَاهِر (يَا وهب إِن نَاقَة ... أظمأتها فوردت) (ونفرت شاردة ... فأبرقت وأرعدت) (لَو كنت لما وَردت ... عقلتها مَا شَردت) وَقَالَ ابْن بسام (سأذكر عَن بنى وهب امورا ... وَلَيْسَ االغمر كَالرّجلِ الْخَبِير) (وأخلاق البغال إِذا استميحوا ... وضرط فى الْمجَالِس كالحمير) (وُجُوه لَا تهش إِلَى المعالى ... وأستاه تهش إِلَى الأيور) وَجرى بَين وهب وَبَين ابْن أَبى عون كَلَام فى مجْلِس عبيد الله بن عبد الله ابْن طَاهِر فتعدى وهب على ابْن أَبى عون فَقَالَ لَهُ على بن أَبى يحيى وَكَانَ فى الْمجْلس واحتمى لِابْنِ أَبى عون كم هَذَا التوثب فى مجَالِس الْأُمَرَاء والضراط فى مجَالِس الوزراء ويحكى أَنه مَا سَمِعت للمهدى مزحه سوى قَوْله لِسُلَيْمَان بن وهب وَكَانَ فى رجله خف وَاسع يصوت يَا سُلَيْمَان خفك هَذَا ضراط فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ضرطة خير من ضغطة

стр. 210

٢٨٣ - (خطّ ابْن مقلة) يضْرب مثلا فى الْحسن لِأَنَّهُ أحسن خطوط الدُّنْيَا وَمَا رأى الراءون بل مَا روى الراوون مثله فى ارتفاعه عَن الْوَصْف وجريه مجْرى السحر وَقَالَ الصاحب أَبُو الْقَاسِم إِسْمَاعِيل بن عباد (خطّ الْوَزير ابْن مقله ... بُسْتَان قلب ومقله) وَقَالَ مؤلف الْكتاب (خطّ ابْن مقلة من أرعاه مقلته ... ودت جوارحه لَو حولت مقلا) (فالدر يصفر لاستحسانه حسدا ... والبدر يحمر من أنواره خجلا) وَقَالَ أَيْضا (سقى الله عَيْشًا مضى وانقضى ... بِلَا رَجْعَة أرتجيها وَنَقله) (كوجه الحبيب وقلب الأديب ... وَشعر الْوَلِيد بِخَط ابْن مقله) وَكَانَ ابْن مقلة وَهُوَ أَبُو على مُحَمَّد بن على بن الْحُسَيْن بن مقلة كتب كتاب هدنة بَين الْمُسلمين وَالروم بِخَطِّهِ فَهُوَ إِلَى الْيَوْم عِنْد الرّوم فِي كَنِيسَة قسطنطينية يبرزونه فى الأعياد ويعلقونه فى أخص بيُوت الْعِبَادَات ويعجبون من فرط حسنه وَكَونه غَايَة فى فنه وَمن خبر ابْن مقلة هَذَا أَنه استوزر لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء المقتدر والقاهر والراضى وتنقلت بِهِ أَحْوَال ومحن أدَّت إِلَى قطع يَده وَمن نكد الدَّهْر أَن مثل تِلْكَ الْيَد النفيسة تقطع قَالَ ثَابت بن سِنَان بن ثَابت بن قُرَّة أمرنى الراضى بِاللَّه بِالدُّخُولِ إِلَى ابْن مقلة آخر الْيَوْم الذى قطعت فِيهِ يَده فَدخلت إِلَيْهِ فعالجته وسألنى عَن خبر ابْنه أَبى الْحُسَيْن فعرفته خبر سَلَامَته فسكن إِلَى ذَلِك غَايَة السّكُون ثمَّ ناح على نَفسه وَبكى على يَده وَقَالَ يَد خدمت بهَا الْخلَافَة ثَلَاث دفعات

стр. 211

وكتبت بهَا الْقُرْآن دفعتين تقطع كَمَا تقطع أيدى اللُّصُوص أَتَذكر وَأَنت تَقول لى إِنَّك فى آخر نكبه والفرج قريب قلت بلَى قَالَ فقد ترى مَا حلى بى فَقلت مَا بقى بعد هَذَا شىء الْآن ينبغى أَن تتَوَقَّع الْفرج فَإِنَّهُ عمل بك مَا لم يعْمل بنظير لَك وَهَذَا انْتِهَاء الْمَكْرُوه وَلَا يكون بعد الِانْتِهَاء إِلَّا الانحطاط فَقَالَ لَا تغفل إِن المحنة قد تشبثت بى تشبثا تنقلنى بِهِ من حَال إِلَى حَال حَتَّى تؤذينى إِلَى التّلف كَمَا تشبث حمى الدق بالأعضاء فَلَا تفارق صَاحبهَا حَتَّى تُؤَدِّيه ءالى الْمَوْت ثمَّ تمثل بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ لأبى يَعْقُوب الخريمى (إِذا ماا مَاتَ بعضك فابك بَعْضًا ... فبعض الشى من بعض قريب) فَكَانَ الْأَمر على مَا قَالَ فَلَمَّا قدم يحكم الماهانى من بَغْدَاد نقل ابْن مقلة من ذَلِك الْموضع إِلَى مَوضِع أغمض مِنْهُ فَلم يُوقف لَهُ على خبر وحجبت عَنهُ ثمَّ قطع لِسَانه وبقى فى الْحَبْس مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ لحقه ذرب وَلم يكن لَهُ من يعالجه وَلَا من يَخْدمه حَتَّى بلغنى أَنه كَانَ يستقى المَاء بِيَدِهِ الْيُسْرَى وفمه ولحقه شقاء شَدِيد إِلَى أَن مَاتَ وَدفن فى دَار السُّلْطَان ثمَّ سَأَلَ أَهله بعد مُدَّة تَسْلِيمه إِلَيْهِم فنبش وَسلم إِلَيْهِم فدفنه ابْنه أَبُو الْحُسَيْن فى دَاره ثمَّ نبشته حرته الْمَعْرُوفَة بالدينارية ودفنته فى دارها بقصر أم حبيب وَقَالُوا وَمن عجائبه أَنه كَانَ يراسل الراضى بِاللَّه من الْحَبْس بعد قطع يَده وَقبل أَن يقطع لِسَانه ويطمعه فى المَال الذى وعد تَصْحِيحه لَهُ وَيَقُول إِن قطع يَده لَيْسَ مِمَّا يمنعهُ أَن يستوزره لِأَنَّهُ يُمكنهُ ان يُوقع بحيلة يحتال بهَا أَو يعْمل

стр. 212

بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَلَقَد كَانَت تخرج من عِنْده لَهُ رقاع بعد قطع يَده إِلَى ابْنه أَبى الْحُسَيْن وَقبل أَن يضيق عَلَيْهِ وَيذكر ابْنه أَنَّهَا كَانَت بِخَط جيد من خطه وَأَنه كَانَ يكْتب بِيَدِهِ الْيُسْرَى ويسند الْقَلَم على ساعد يَده الْيُمْنَى فَيكْتب بِهِ وَمن عجائبه انه تقلد الوزارة ثَلَاث دفعات لثَلَاثَة من الْخُلَفَاء وسافر فى عمره ثَلَاث سفرات اثْنَتَيْنِ فى النفى إِلَى شيراز وَوَاحِدَة إِلَى الْموصل وَدفن بعد مَوته ثَلَاث مَرَّات ٢٨٤ - (مُرُوءَة ابْن الْفُرَات) هُوَ أَبُو الْحسن على بن مُحَمَّد بن مُوسَى ابْن الْحسن بن الْفُرَات استوزر للمقتدر ثَلَاث مَرَّات وَكَانَ يضْرب بمروءته الْمثل فمما يذكر مِنْهَا أَنه كَانَ كلما تقلد الوزارة يزِيد سعر الْقَرَاطِيس والشمع والثلج والخيش زِيَادَة وافرة وَكَانَ ذَلِك متعارفا عِنْد التُّجَّار وَكَانَت فى دَاره حجرَة شراب يُوَجه النَّاس من الْكتاب والقواد غلمانهم من الْمَوَاضِع الْبَعِيدَة ليأخذوا لَهُم مِنْهَا مَا يُرِيدُونَ من السكنجبين والجلاب والفقاع والثلج وَغَيرهَا وَكَانَ رسم دَاره أَن يصحب كل من يخرج مِنْهَا عِنْد غرُوب الشَّمْس شمعتين وَلَا يسترجعان من خدمه قَالَ الصولى وحَدثني جمَاعَة من أهل دَاره أَنه لما استوزر فى الكرة الثَّانِيَة وخلع عَلَيْهِ وَكَانَ الزَّمَان صيفا سقى النَّاس فى دَاره يَوْم ذَلِك وَلَيْلَته أَرْبَعِينَ ألف رَطْل من الثَّلج وَلما قبض عَلَيْهِ بعد وزارته الأولى نظر فَإِذا هُوَ بحرى على خَمْسَة الآف من النَّاس أقل جارى أحدهم خَمْسَة دَرَاهِم فى الشَّهْر وَنصف قفيز دَقِيق إِلَى عشرَة أَقْفِزَة وَمِائَة دِينَار وَمَا بَين ذَلِك وَمن خبر عاقبه أمره فِيمَا ذكر ثَابت بن سِنَان أَنه سلم فى دولتيه الْأَوليين جَمِيعًا فَسلم النَّاس مِنْهُ وشملهم إحسانه وَلم يتَعَرَّض للنعم وَلَا للنفوس وَاجْتمعَ النَّاس على محبته

стр. 213

والأغتمام لمحنته واجتهدوا فى خلاصه وعود ايامه وصلحت الدُّنْيَا على يَده فَلَمَّا ساعد ابْنه المحسن فى دولته الثَّالِثَة على مَا اخْتَار من التشفى من أعدائه والسرف فى الْقَتْل وَإِزَالَة النعم وَإِدْخَال الرعب سَائِر الْقُلُوب وَلم يظْهر مِنْهُ إِنْكَار لذَلِك لحقه من الْعُقُوبَات فى الدُّنْيَا إِلَى ان بلغ الْآخِرَة مَا لم يلْحق أحدا من نظرائه فَإِنَّهُ نصب بَين البيازين وَضرب بالقلوس وَكَانَ خَاتِمَة أمره أَن ضربت عنق ابْنه بِحَضْرَتِهِ ثمَّ ضربت عُنُقه بعد ان أزيلت نعْمَته وتعفى أَثَره وَلم تبْق مِنْهُ بَاقِيَة

стр. 214

الْبَاب الْخَامِس عشر فِيمَا يُضَاف وينسب إِلَى طَبَقَات الشُّعَرَاء حلَّة امْرِئ الْقَيْس يَوْم عبيد حكم لبيد حوليات زُهَيْر صحيفَة المتلمس قدح ابْن مقبل منديل عَبدة لِسَان حسان سيف الفرزدق بَنَات نصيب غزل ابْن ابى ربيعَة عين بشار طبع البحترى أير أَبى حكيمة تشبيهات ابْن المعتز عتاب جحظة غُلَام الخالدى الاستشهاد ٢٨٥ - (حلَّة امْرِئ الْقَيْس) تضرب مثلا للشئ الْحسن يكون لَهُ أثر قَبِيح والمبرة يكون فى ضمنهَا عقوق والكرامة يحصل مِنْهَا إهلاك وَذَلِكَ أَن امْرأ الْقَيْس بن حجر لما خرج إِلَى قَيْصر يستعينه على قتلة أَبِيه ويستنجده فى الِاسْتِيلَاء على ملكه أكْرمه وأمده بِجَيْش ثمَّ لما صدر من عِنْده وشى الوشاة بِهِ إِلَيْهِ وَأَخْبرُوهُ بِمَا يكره من شَأْنه وخوفوه عَاقِبَة أمره فندم على تَجْهِيزه ثمَّ أتبعه بحلة مَسْمُومَة عزم عَلَيْهِ أَن يلبسهَا فى طَرِيقه فَلَمَّا لبسهَا تقرح جلده وتساقط لَحْمه وَاشْتَدَّ سقمه ففى ذَلِك يَقُول (وبدلت قرحا داميا بعد صِحَة ... وبدلت بالنعماء وَالْخَيْر أبؤسا)

стр. 215

(وَلَو أَن نوما يشترى لأشتريته ... قَلِيلا كتغميض القطا حَيْثُ عرسا) (فَلَو أَنَّهَا نفس تَمُوت صَحِيحَة ... وَلكنهَا نفس تساقط أنفسا) ثمَّ لما نزل أنقرة مَاتَ بهَا وَإِنَّمَا سمى ذَا القروح لهَذِهِ الْقِصَّة ٢٨٦ - (يَوْم عبيد) يضْرب مثلا لليوم المنحوس الطالع وَكَانَ عبيد بن الأبرص تصدى فِيهِ للنعمان بن الْمُنْذر فى يَوْم بؤسه الذى كَانَ لَا ينحو مِنْهُ من لقِيه فِيهِ كَمَا كَانَ لَا يخيب من لقِيه فى يَوْم نعيمه فَقَالَ لَهُ يَا عبيد إِنَّك مقتول فأنشدنى قَوْلك (أقفر من أَهله ملحوب ... ) فأنشده (أقفر من أَهله عبيد ... فاليوم لَا يبدى وَلَا يُعِيد) ثمَّ أَمر بِهِ فَقتل فَسَار يَوْم عبيد مثلا كَمَا قَالَ أَبُو تَمام (لما أظلتنى سماؤك أَقبلت ... تِلْكَ الشُّهُود على وهى شهودى) (من بعد مَا ظن الأعادى أَنه ... سَيكون لى يَوْم كَيَوْم عبيد) ٢٨٧ - (حكم لبيد) يضْرب مثلا فى الْمَيِّت يبكى عَلَيْهِ وَالْغَائِب يخترم لَهُ سنة وَاحِدَة لِأَن لبيدا يَقُول (إِلَى الْحول ثمَّ اسْم السَّلَام عَلَيْكُمَا ... وَمن يبك حولا كَامِلا فقد اعتذر)
следующие страницы →