Полный текст (706 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(وَمَا خير يَوْم أخرق متلون ... بِبرد وحر بعده يتلهب)
(فأوله للفحم والجمر مثقب ... وَآخره للثلج والخيش يضْرب)
وهواء الْبَصْرَة أَيْضا يُوصف بِمَا يُوصف بِهِ هَوَاء جرجان قَالَ ابْن لنكك
(نَحن بِالْبَصْرَةِ فى لون ... من الْعَيْش ظريف)
(نَحن مَا هبت شمال ... بَين جنَّات وريف)
(فَإِذا هبت جنوب ... فكأنا فى كنيف)
٩٠٧ - (برد همذان) همذان مَوْصُوفَة من بَين بلدان الْجَبَل بِشدَّة الْبرد وَمَا هى بأشد الْبِلَاد بردا وَلَكِن الْمثل سَائِر ببردها وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فى وصفهَا قَالَ أَبُو على كَاتب بكر
(يَا بَلْدَة أسلمنى بردهَا ... وَبرد من يسكنهَا للقلق)
(لَا يسلم الشاتى بهَا من أَذَى ... من زهق أَو نتق أَو زلق)
وَقَالَ آخر
(همذان مثقلة النُّفُوس ببردها ... والزمهرير وحرها مَأْمُون)
(غلب الشتَاء ربيعها وخريفها ... فَكَأَنَّمَا تشرينها كانون)
وَقَالَ ابْن خالويه
(إِذا همذان اعتادها القر وانقضى ... برغمك أيلول وَأَنت مُقيم)
(فعينك عمشاء وأنفك سَائل ... ووجهك مسود الْبيَاض بهيم)
(وَأَن ت أَسِير الْبرد تمشى بغلة ... على السَّيْف تحبو مرّة وَتقوم)
(بِلَاد اذا مَا الصَّيف أقبل جنَّة ... وَلكنهَا عِنْد الشتَاء جحيم)
стр. 562
الْبَاب السَّابِع وَالْأَرْبَعُونَ فى الْجبَال والأمكنة
ثقل أحد
ثَالِثَة الأثافى
ابْنة الْجَبَل
قسوة الْحجر
ظلّ الْحجر
نقش الْحجر
رشح الْحجر
حجر المغناطيس
قالب الصخر
الاستشهاد
٩٠٨ - (ثقل أحد) من الْجبَال الَّتِى يمثل بهَا فى الثّقل أحد وَهُوَ جبل بِالْمَدِينَةِ وَفِيه قَالَ النَّبِي ﷺ (أحد جبل يحبنا ونحبه) ويروى (جبل يعرفنا ونعرفه)
وَقَالَ القاضى ابو الْحسن على بن عبد الْعَزِيز من قصيدة
(وصرت فى ثقل أحد عِنْده وَرَأى ... فى طلعتى رأى أهل الرَّفْض فى عمر)
وَمن الْجبَال الَّتِى يضْرب بهَا الْمثل فى الثّقل ثهلان وَهُوَ بِالْعَالِيَةِ وَيُقَال لَهُ ثهلان الجرع ليبسه وَقلة خَيره وَفِيه قيل
(ثهلان ذُو الهضبات هَل يَتَحَلْحَل ... )
وَمِنْهَا عماية وهى بِالْبَحْرَيْنِ وَمِنْهَا أَبُو قبيس بِمَكَّة شرفها الله تَعَالَى
٩٠٩ - (ثَالِثَة الأثافى) قِطْعَة من الْجَبَل وَمَعْنَاهَا أَن يوضع أثفيتان إِلَى جَانب قِطْعَة من الْجَبَل ثمَّ تُوضَع الْقدر على الأثفيتين والقطعة من الْجَبَل
стр. 563
وَمن أَمْثَال الْعَرَب رَمَاه بثالثة الأثافى أى بِمَا يهلكه وَمن أحسن مَا قيل فى اسْتِعْمَال ثَالِثَة الأثافى قَول بديع الزَّمَان من قصيدة
(خلقت كَمَا ترى صَعب النقاف ... أرد يَد الْخَلِيفَة فى الْخلاف)
(ولى جَسَد كواحدة المثانى ... لَهُ كبد كثالثة الأثافى)
فَانْظُر إِلَى حسن مَا تأنق بَين الْوَاحِدَة وَبَين الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة على بعد مَا بَين الجنسين من الكثافة والنحافة
٩١٠ - (ابْنة الْجَبَل) يعْنى الْقطعَة من الْجَبَل صربت مثلا فى الثّقل
٩١ - (قسوة الْحجر) يضْرب بهَا الْمثل قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد قسوة﴾ قَالَ الأصمعى وَمن أمثالهم هُوَ أقسى من حجر وَقَالَ كثير
(كأنى أنادى صَخْرَة حِين أَعرَضت ... من الصم لَو تمشى بهَا العصم زلت)
٩١ - (ظلّ الْحجر) يشبه بِهِ كل شىء أسود كثيف لِأَن ظلّ كل شىء أسود وظل الْحجر أَشد سوادا لِأَنَّهُ مصمت لَا يتخلله خلل قَالَ الراجز
(كَأَنَّمَا وَجهك ظلّ من حجر ... )
وَقَالَ آخر
(سود غرابيب كأظلال الْحجر ... لَا صغر أزر بهاى وَلَا كبر)
стр. 564
٩١٣ - (نقش الْحجر) يضْرب مثلا لما يثبت وَيبقى وَلَا يضمحل وَمن أَمْثَال المؤدبين التَّعَلُّم فى الصغر كالنقش فى الْحجر والتعلم فى الْكبر كالكتابة فى المَاء
وَسمع الْأَحْنَف بِهَذِهِ الْكَلِمَة فَقَالَ الْكَبِير أكبر عقلا لكنه أَكثر شغلا
٩١٤ - (رشح الْحجر) يضْرب مثلا للبخيل يجود بالشىء الْقَلِيل على عسرة ونكد
(والرشح أدنى مَا يكون من السيال ... )
وَكَذَلِكَ البض وَمِنْه قَوْلهم فلَان مَا يبض حجرَة وَلَا يُثمر شَجَره وَكَانَ عبد الْملك بن مَرْوَان يلقب برشح الْحجر لبخله
٩١٥ - (حجر المغناطيس) هُوَ الذى يجذب الْحَدِيد بطبعه فَيضْرب مثلا للجاذب الشىء إِلَى نَفسه كَمَا قَالَ ابْن طَبَاطَبَا
(بأبى الذى نفسى عَلَيْهِ حبيس ... مالى سواهُ من الْأَنَام أنيس)
(لَا تنكروا أبدا مقاربتى لَهُ ... قلبى حَدِيد وَهُوَ مغناطيس)
٩١٦ - (قالب الصَّخْرَة) يضْرب بِهِ الْمثل فَيُقَال أطمع من قالب الصَّخْرَة وَكَانَ رجل من معد رأى صَخْرَة عَظِيمَة بِبِلَاد الْيمن مَكْتُوبًا عَلَيْهَا بالمسند اقلبنى أنفعك فاحتال فى قَلبهَا ولقى الْأَمريْنِ من ذَلِك فَإِذا على الْجَانِب الآخر رب طمع أدّى إِلَى طبع فَمَا زَالَ يضْرب بِرَأْسِهِ الْحجر تلهفا حَتَّى انتثر لَحْمه وَمَات
стр. 565
الْبَاب الثَّامِن وَالْأَرْبَعُونَ فى الْمِيَاه وَمَا يُضَاف إِلَيْهَا
مَاء زَمْزَم
مَاء صداء
مَاء المفاصل
مَاء الغادية
مَاء السَّمَاء
مَاء طَرِيق الْحَج
مَاء عنَاق
مَاء الْوَجْه
مَاء الشَّبَاب
مَاء الْحسن
مَاء الندى
مَاء النَّعيم
مَاء الْكَرم
مَاء الظّرْف
لاعق المَاء
أَدِيم المَاء
جلدَة المَاء
سيل العرم
درج السُّيُول
نيل مصر
عجائب الْبَحْر
الاستشهاد
٩١٧ - (مَاء زَمْزَم) يتَمَثَّل بشرفه على سَائِر الْمِيَاه لشرف مَكَانَهُ فَيُقَال كَأَنَّهُ مَاء زَمْزَم وَلَيْسَ هَذَا مَاء زَمْزَم وَيُقَال إِنَّه أثر جِبْرِيل ﵇ فَإِنَّهُ لما شرب لَهُ وَمن يُحْصى فضائله فكم من مبتلى قد عوفى بالْمقَام عَلَيْهِ وَالشرب مِنْهُ والاغتسال بِهِ بعد أَن لم يدع فى الأَرْض ينبوعا إِلَّا أَتَاهُ واستنقع فِيهِ وَكم من متزود مِنْهُ فى الْقَوَارِير إِلَى أقاصى الْبلدَانِ لدوائه وغاسل ثِيَابه بمائه لما يرجوه من بركته وَحسن عائدته قَالَ الْأَعْشَى وَهُوَ يؤنب رجلا ويخبره أَنه مَعَ شرفه لم يبلغ مبلغ قُرَيْش الَّذين هم سكان حرم الله وَلَهُم حَظّ الشّرْب من زَمْزَم
(فَمَا أَنْت من أهل الْحجُون وَلَا الصَّفَا ... وَلَا لَك حَظّ الشّرْب من مَاء زَمْزَم)
стр. 566
وَقَالَ أَبُو هفان وَهُوَ يمدح رجلا
(لَو كنت نوءا كنت نوء المرزم ... أَو كنت مَاء كنت مَاء الزمزم)
٩١٨ - (مَاء صداء) صداء بِئْر مَاؤُهَا أعذب مياه الْعَرَب وفيهَا يَقُول ضرار السعدى
(وإنى وتهيامى بِزَيْنَب كالذى ... يحاول من أحواض صداء مشربا)
وَقَالَ غَيره
(كصاحب صداء الذى لَيْسَ واجدا ... كصداء مَاء فَهُوَ ذَا الدَّهْر ظامىء)
وَمن أَمْثَال الْعَرَب مَاء وَلَا كصداء أى هَذَا مَالا بَأْس بِهِ وَلَكِن لَيْسَ كَمَاء صداء يضْرب لما يحمد بعض الْحَمد ويفضل عَلَيْهِ غَيره كَمَا يُقَال مرعى وَلَا كالسعدان
٩١٩ - (مَاء مأرب) مأرب اسْم لقصر ملك سبأ ثمَّ صَار اسْما للبلدة وهى الَّتِى وصفهَا الله بالطيب فَقَالَ ﴿كلوا من رزق ربكُم واشكروا لَهُ بَلْدَة طيبَة وَرب غَفُور﴾ وَلَا أطيب مِمَّا وَصفه الله تَعَالَى بالطيب وَلَا أعذب من مَائه ومأرب هى الَّتِى أرسل الله تَعَالَى عَلَيْهَا سيل العرم والمثل مَضْرُوب بعذوبة مَاء مأرب قَالَ جَابر بن رالان فى وَصفه وَأحسن كل الْإِحْسَان
(ايا لهف نفسى كلما التحت لوحة ... على شَهْوَة من مَاء أحواض مأرب)
(بقايا نطاف أودع الْغَيْم صفوها ... مصقلة الأرجاء زرق الجوانب)
стр. 567
(ترقرق دمع المزن فِيهِنَّ والتقت ... عَلَيْهِنَّ أنفاس الرِّيَاح الجنائب)
وللصاحب من فصل أَنا على حافة حَوْض ذى مَاء أَزْرَق كصفاء مودتى لَك ورقة قولى فى عتبك وَلَو رايته لنسيت أحواض مأرب ومشارع أم غَالب
٩٢٠ - (مَاء المفاصل) من أَمْثَال الْعَرَب أصفى من مَاء المفاصل جمع الْمفصل بَين الجبلين وماؤه أصفى مَا يكون وأرقه قَالَ الشَّاعِر
(صفراء من حلب الكروم كَأَنَّهَا ... مَاء المفاصل أَو لعاب الجندب)
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(يشاب بِمَاء مثل مَاء المفاصل ... )
وَزعم بعض الروَاة أَن مَاء المفاصل مَاء اللَّحْم الطرى وَاحْتج بقول كثير فى الْخمر
(وَمَا قرقف من أَذْرُعَات كَأَنَّهَا ... إِذا نزلت من دنها مَاء مفصل)
وَيجوز أَن يكون شبه الْخمر بمتا تقدم ذكره من مَاء المفاصل فى رقته وصفائه لَا بِمَاء اللَّحْم فى حمرته
٩٢ - (مَاء الغادية) من أَمْثَال الْعَرَب عَن أَبى عَمْرو أعذب من
стр. 568
مَاء الغادية وأعذب من مَاء البارق والغادية السحابة الَّتِى تَغْدُو والبارق السَّحَاب الذى يكون فِيهِ الْبَرْق
٩٢ - (مَاء السَّمَاء) الْمُنْذر بن مَاء السَّمَاء ينْسب إِلَى أمه وَكَانَت تسمى مَاء السَّمَاء تَشْبِيها بهَا فى الْحسن والصفاء وَالطَّهَارَة وَهُوَ الْمُنْذر بن امرىء الْقَيْس بن النُّعْمَان بن امرىء الْقَيْس بن عدى وَأمه من النمر بن قاسط وأبوها عَوْف بن جشم
٩٢٣ - (مَاء طَرِيق الْحَج) يضْرب مثلا لما يسْتَعْمل على علاته ويذم كَمَا يُقَال خبز الشّعير يُؤْكَل ويذم قَالَ ابْن المعتز
(وَصَاحب سوء وَجهه لى أوجه ... وفى فَمه طبل بسرى يضْرب)
(وَلَا بُد لى مِنْهُ فحينا يغصنى ... وينساغ لى طورا ووجهى مقطب)
(فماء طَرِيق الْحَج فى كل منهل ... يذم على مَا كَانَ مِنْهُ وَيشْرب)
٩٢٤ - (مَاء عنَاق) مَاء عنَاق من أَمْثَال الْعَرَب يضْرب للداهية وللأمر الملتبس وَكَانَ من حَدِيثه أَن رجلا بَينا هُوَ يسقى وبيته تِلْقَاء وَجهه إِذْ نظر فَإِذا بِرَجُل قد عانق امْرَأَته يقبلهَا فَأخذ الْعَصَا وَأَقْبل مسرعا فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرْأَة أخفت الرجل فِيمَا بَين النضد فَنظر يمنه ويسره فَلم ير شَيْئا فَنظر فى الأَرْض فَلم يبصر أحدا فكذب بَصَره وكر رَاجعا فَلَمَّا كَانَ الْورْد الثانى قَالَت الْمَرْأَة هَل لَك فى أَن أكفيك السقى وتتورع الْيَوْم قَالَ نعم إِن شِئْت فاقام فى الْبَيْت وَانْطَلَقت تسْعَى وتحينت مِنْهُ غَفلَة فَأخذت
стр. 569
الْعَصَا وَأَقْبَلت حَتَّى علت بهَا رَأسه فَقَالَ وَيلك وَمَا دهاك قَالَت أَيْن الْمَرْأَة الَّتِى رَأَيْتُك مَعهَا معانقا لَهَا فَقَالَ وَالله مَا كَانَت عندى امْرَأَة قَالَت بل أَنا نظرت إِلَيْهَا بعينى وَأَنا على المَاء فتحالفا فَلَمَّا أكثرت قَالَ إِن تكونى صَادِقَة فَإِن ماءكم هَذَا مَاء عنَاق فَصَارَ مثلا يضْرب فى الدواهى
٩٢٥ - (مَاء الْوَجْه) الْعَرَب تستعير فى كَلَامهَا المَاء لكل مَا يحسن موقعه ومنظره ويعظم قدره وَمحله فَتَقول مَاء الْوَجْه وَمَاء الشَّبَاب وَمَاء السَّيْف وَمَاء الحيا وَمَاء النَّعيم كَمَا تستعير الاستقاء فى طلب خبر قَالَ عَلْقَمَة بن عَبدة
(وفى كل حى قد خبطت بِنِعْمَة ... فَحق لشأس من نداك ذنُوب)
وَقَالَ رؤبة
(يأيها الماتح دلوى دونكا ... إنى رَأَيْت النَّاس يحمدونكا)
وهما لم يستقيا مَاء وَإِنَّمَا طلب أَحدهمَا مَاء وَكَانَ الآخر أَسِيرًا وَكَذَلِكَ سموا السَّائِل والمجتدى مستميحا وَإِنَّمَا الميح جمع المَاء فى الدَّلْو وَغَايَة دُعَائِهِمْ للمرجو والمشكور أَن يَقُولُوا سقاك الله فَإِذا تَذكرُوا أَيَّامًا طابت لَهُم قَالُوا سقى الله تِلْكَ الْأَيَّام وَرُبمَا دعوا لديار المحبوب بالسقيا كَمَا قَالَ طرفَة
(فسقى دِيَارك غير مفسدها ... صوب الرّبيع وديمة تهمى)
فَأَما قَوْلهم مَاء الْوَجْه فَهُوَ عبارَة عَن الْحيَاء الذى هُوَ أفضل من المَاء وَقد أحسن أَبُو تَمام فى قَوْله لأبى سعيد الطائى
(رددت رونق وجهى فى صَحِيفَته ... رد الصقال بِمَاء الصارم الخذم)
(وَمَا أبالى وَخير القَوْل أصدقه ... حقنت لى مَاء وجهى أم حقنت دمى)
стр. 570
وَسَرَقَهُ اللحام فَقَالَ
(مَا إِن أرقت بحرصى قَطْرَة فجرت ... من مَاء وجهى إِلَّا خلت ذَاك دمى)
وَقَالَ أَبُو الطّيب
(وَلَقَد بَكَيْت على الشَّبَاب ولمتى ... مسودة ولماء وجهى رونق)
وَلَا مزِيد على حسن قَول ابْن المعتز
(لم ترد مَاء وَجهه الْعين إِلَّا ... شَرقَتْ قبل ريها برقيب)
ولأبى تَمام استعارات فى المَاء أحسن فى وصفهَا كَقَوْلِه فى وصف نسَاء تكالى
(خاضت محاسنها مخاوف غادرت ... مَاء الصِّبَا وَالْحسن غير زلال)
وَقَوله فى الأفشين
(قد كَانَ بوأه الْخَلِيفَة منزلا ... من قلبه حرما على الأقدار)
(فَسَقَاهُ مَاء الْخَفْض غير مصرد ... وأنامه فى الْأَمْن غير غرار)
وَقَوله وَهُوَ يرثى من قصيدة أَولهَا
(نعاء إِلَى كل حى نعاء ... فَتى الْعَرَب احتل ربع الفناء)
(أَلا أَيهَا الْمَوْت فجعتنا ... بِمَاء الْحَيَاة وَمَاء الْحيَاء)
وَقد أغار السرى الموصلى عَلَيْهِ فى هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ونقلهما إِلَى الْمَدْح حَيْثُ قَالَ
(وكف ترقرق مَاء الْحَيَاة ... )
وَقَوله أعنى أَبَا تَمام
(وَكَيف وَلم يزل للشعر مَاء ... يرف عَلَيْهِ ريحَان الْقُلُوب)
стр. 571
وَقَوله
(مُحَمَّد بن حميد أخلقت رممه ... أريق مَاء المعالى مذ اريق دَمه)
فقد أحسن كَمَا ترَاهُ فى اسْتِعَارَة مَاء الصِّبَا وَمَاء الْحسن وَمَاء الْخَفْض وَمَاء الْحَيَاة وَمَاء الشّعْر وَمَاء المعالى وَأما فى اسْتِعَارَة مَاء الملام حَيْثُ قَالَ
(لَا تسقنى مَاء الملام فإننى ... صب قد استعذبت مَاء بكائى)
فَإِنَّمَا تحسن الِاسْتِعَارَة بِمَا يحسن فِيهِ التَّشْبِيه والتمثيل وَلم يحسن فى قَوْله وَلم يسىء إِذْ قَالَ
(تمنت أَن يعود لَهَا حبيب ... منى شططا وَأَيْنَ لَهَا حبيب)
ويستحسن قَول الصنوبرى فى مرثيته غُلَاما
(إِن يرق مَاء ذَلِك الْوَجْه فى الترب ... فإنى لماء عينى مريق)
٩٢٦ - (مَاء الشَّبَاب) قد أَكثر الشُّعَرَاء فى ذكره وأحسنوا التَّصَرُّف فِيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد البياضي
(وَمَا بقيت من اللَّذَّات إِلَّا ... محادثة الْكِرَام على الشَّرَاب)
(ولثمك وجنتى قمر مُنِير ... يجول بخده مَاء الشَّبَاب)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح
(عودى وَمَاء شبيبتى فى عودى ... لَا تعمدى لمقاتل المعمود)
وَقد جمع ابْن الرومى فى مرثيته قينة بَين ثَلَاثَة مياه مستعارة فَقَالَ
(يَا حر صدرى على ثَلَاثَة أمواه ... أريقت فى الترب والمدر)
стр. 572
(ماءى شباب ونعمة مزجا ... بِمَاء ذَاك الْحيَاء والخفر)
ثمَّ جَاءَ بِمَاء رَابِع فَقَالَ
(تبتل الْعود بعد فقدكم ... وازدجر اللَّهْو أى مزدجر)
(وغاض مَاء النَّعيم بعدكم ... وانهمر الدمع أى منهمر)
٩٢٧ - (مَاء الْحسن) من أحسن مَا قيل فِيهِ قَول ابْن المعتز
(لى مولى لَا أُسَمِّيهِ ... كل شىء حسن فِيهِ)
(تصف الأغصان قامته ... بتثن كتثنيه)
(ويكاد الْبَدْر يُشبههُ ... وتكاد الشَّمْس تحكيه)
(كَيفَ لَا يخضر عَارضه ... ومياه الْحسن تسقيه)
٩٢٨ - (مَاء الندى) قَالَ الْعَبَّاس وَأحسن
(أتتركنى جَدب المحله ضنكها ... وَكَفاك من مَاء الندى تكفان)
وَقَالَ البحترى
(وَمَا أَنا إِلَّا غرس نِعْمَتك الذى ... أفضت لَهُ مَاء النوال فأورقا)
(وقفت بآمالى عَلَيْك جَمِيعهَا ... فريتك فى إمساكهن موفقا)
وَقَالَ أَيْضا وَزَاد فى الْإِحْسَان
(وَوجه جال مَاء الْجُود فِيهِ ... على الْعرنِين والخد الأسيل)
(يربك تألق الْمَعْرُوف فِيهِ ... شُعَاع الشَّمْس فى السَّيْف الصَّقِيل)
٩٢٩ - (مَاء النَّعيم) من أحسن مَا قيل فِيهِ قَول أَبى الْفَتْح كشاجم
стр. 573
(وَيْح عين لم ترو من مَاء وَجه ... قد سقَاهُ الشَّبَاب مَاء نعيم)
(مَا الْتَقَيْنَا وَالْحَمْد لله إِلَّا ... مثل مَا تلتقى جفون السَّلِيم)
وَقَالَ السرى فى مزين
(إِذا لمع الْبَرْق فى كَفه ... أَفَاضَ على الرَّأْس مَاء النَّعيم)
٩٣٠ - (مَاء الْكَرم) قد أَكْثرُوا فى ذكره وَمن أحسن مَا قَالُوا فِيهِ
(فَإِن الْكَرم من كرم وجود ... وَمَاء الْكَرم للرجل الْكَرِيم)
٩٣ - (مَاء الظّرْف) ظرف الصاحب فى اسْتِعَارَة المَاء للظرف حَيْثُ قَالَ
(وشادن أحسن فى إسعافه ... يقطر مَاء الظّرْف من أعطافه)
٩٣ - (لاعق المَاء) من أَمْثَال الْعَرَب أَحمَق من لاعق المَاء وأحمق من ناطح المَاء قَالَ الشَّاعِر
(وأحمق مِمَّن يلعق المَاء قَالَ لى ... دع الْخمر واشرب من قراح معنبر)
٩٣٣ - (أَدِيم المَاء) يستعار الْأَدِيم للْمَاء كَمَا يستعار للسماء فَأَما استعارته للْمَاء فَكَمَا قَالَ كشاجم يصف سمكه
(وَابْنه مَاء فى أَدِيم مَاء ... بَيْضَاء مثل الْفضة الْبَيْضَاء)
وَأما استعارته للسماء فَكَمَا قَالَ أَبُو عُثْمَان فى لابسة أَزْرَق اسْمهَا قتول
(مَا تعدت قتول أَن لبست زيا ... شَبِيها بوجهها ذى الْبَهَاء)
(لبست أزرقا فَجَاءَت بِوَجْه ... يشبه الْبَدْر فى أَدِيم السَّمَاء)
стр. 574
٩٣٤ - (جلدَة المَاء) اسْتعَار البحترى الْجلْدَة للْمَاء فى قَوْله
(أبديت لى عَن جلدَة المَاء الذى ... قد كنت أعهده كثير الطحلب)
كَمَا استعارها للسماء ابْن المعتز فى قَوْله
(يَا رُبمَا نازعته ... روح دنان صافيه)
(فى رَوْضَة كَأَنَّهَا ... جلد سَمَاء عَارِية)
٩٣٥ - (سيل العرم) قد تقدم ذكره عِنْد فَأْرَة العرم وفى هَذَا الْبَاب عِنْد ذكر مأرب وسيل العرم هُوَ الذى خرب سبأ وأباد أَهلهَا وَذكره الله تَعَالَى فى قَوْله فى قصَّة سبأ ﴿فَأَرْسَلنَا عَلَيْهِم سيل العرم﴾
وَقد اخْتلفُوا فى العرم فَقَالَ ابْن عَبَّاس هُوَ اسْم الوادى وَقَالَ مُجَاهِد هُوَ اسْم السد وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة والكسائى هُوَ المسناة وَقَالَ جَعْفَر الصَّادِق هُوَ اسْم الجرذ الذى ثقب السد وسيل العرم مثل فى الدواهى الْعِظَام الَّتِى تفرق النَّاس وتمزقهم كَمَا يُقَال للْقَوْم إِذا تفَرقُوا بِهَلَاك بَعضهم وانتشار آخَرين ذَهَبُوا أيدى سبا
٩٣٦ - (درج السُّيُول) من أَمْثَال الْعَرَب هم درج السُّيُول وَله مَعْنيانِ أَحدهمَا الإذلال وَالْآخر الْعود فى مَوضِع الذّهاب والفناء يُقَال رَجَعَ فلَان أدراجه أى من حَيْثُ جَاءَ وَمن أمثالهم من يرد السَّيْل على أدراجه وأدراج السُّيُول مجاريها قَالَ الشَّاعِر
(أنهب للمنية تعتريهم ... رجالى أم هم درج السُّيُول)
стр. 575
٩٣٧ - (نيل مصر) يضْرب بِهِ الْمثل كَمَا يضْرب بالبحور قَالَ الْأَعْشَى
(فَمَا نيل مصر إِذْ تسامى عبابه ... وَلَا بَحر سيحان إِذا رَاح مفعما)
(بأجود مِنْهُ نائلا إِن بَعضهم ... إِذا سُئِلَ الْمَعْرُوف صد وجمجما)
قَالَ الجاحظ كَفاك مَاء نيل مصر وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من خلاف جَمِيع الْأَنْهُر ونضوبه فى وَقت زِيَادَة الْأَنْهُر وزيادته فى وَقت نقصانها وَلَيْسَت التماسيح فى شىء من الْأَنْهَار إِلَّا فِيهِ ومضرتها مَعْرُوفَة بِلَا مَنْفَعَة بِوَجْه من الْوُجُوه وَلم ير تمساح قطّ فى دجلة وَلَا الْفُرَات وَلَا سيحان وَلَا جيحان وَلَا نهر بَلخ
٩٣٨ - (عجائب الْبَحْر) فى الْخَبَر حدثوا عَن الْبَحْر وَلَا حرج وَقيل لبَعض ركاب الْبَحْر مَا أعجب مَا رَأَيْت عَن عجائب الْبَحْر قَالَ سلامتى مِنْهُ
قَالَ الجاحظ مَا ظَنك بِمَاء إِذا خبث وملح ولد الدّرّ وأثمر العنبر وَركب بعض الْإِعْرَاب الْبَحْر مرّة فَرَأى أهوالا من أمواجه ثمَّ أَتَاهُ مرّة أُخْرَى وَهُوَ سَاكن فَقَالَ مَا يغرنى حلمك فَإِن عندى من جهلك الْعَجَائِب
قَالَ الجاحظ وَلَيْسَ ذَلِك بِأَعْجَب من شىء عاينه جَمِيع من يركب الْبَحْر وَذَلِكَ أَن الطَّائِر من طيره يطير فى الْهَوَاء فيعبث بِهِ طَائِر صَغِير فَإِذا أحْرجهُ ذَلِك ذرق فَتَلقاهُ الطَّائِر فابتلعه فَلَا هُوَ يخطىء بذلك الذرق
стр. 576
حلق الطَّائِر الصَّغِير وَلَا الطَّائِر الصَّغِير يجهل مَكَان ذرقه وَمَا يعيشه من ذَلِك الطَّائِر الْكَبِير والدخس من دَوَاب الْبَحْر وَمِمَّا يعايش السّمك وَلَيْسَ بسمك وَهُوَ يعرف الغريق وَيَدْنُو مِنْهُ حَتَّى يضع الغريق يَده على ظَهره فيسبح بِهِ والغريق يذهب مَعَه ويستعين بالاعتماد عَلَيْهِ والتعلق بِهِ حَتَّى ينجيه وَهَذَا عِنْد البحريين مَشْهُور لَا يتدافعونه
стр. 577
الْبَاب التَّاسِع وَالْأَرْبَعُونَ فى النيرَان
نَار الله
نَار إِبْرَاهِيم
نَار مُوسَى
نَار القربان
نَار الحرتين
نَار الشّجر
نَار الْقرى
نَار الْحَرْب
نَار الْحلف
نَار الْمُسَافِر
نَار الْمَجُوس
نَار الاصطلاء
نَار الْإِنْذَار
نَار الاستكثار
نَار الاستمطار
نَار التهويل
نَار الصَّيْد
نَار الزحفتين
نَار الغضى
نَار الحلفاء
نَار الحباحب
نَار الْبَرْق
نَار الْمعدة
نَار الْحمى
نَار الشوق
نَار الشَّرّ
نَار الْحَيَاة
نَار الشَّبَاب
نَار الشَّرَاب
نَار الكى
نَار الذبالة
قبسة العجلان
فرَاش النَّار
سرادق النَّار
سعد النَّار
نافخ ضرمة
الاستشهاد
٩٣٩ - (نَار الله) قد تقدم ذكرهَا فِيمَا يُضَاف إل اسْم الله تَعَالَى وهى نَار الله الَّتِى أوعدها عباده قَالَ الجاحظ مَعْلُوم أَنه عز ذكره عذب الْأُمَم فى هَذِه الدُّنْيَا بِالْغَرَقِ والرياح وبالحاصب والخسف وَالرَّجم وَالْمَسْخ والجوع وَالنَّقْص من الثمرات وَلم يبْعَث عَلَيْهِم نَارا كَمَا بعث عَلَيْهِم ريحًا وَمَاء وأحجارا وَإِنَّمَا جعلهَا فى عِقَاب الْآخِرَة وَعَذَاب العقبى وَنهى عَن أَن يعذب بهَا شىء من الْحَيَوَان قَالَ رَسُول الله ﷺ (لَا تعذبوا بِعَذَاب الله) فقد عظمها كَمَا ترى وَخبر أَنه تَعَالَى ينْتَقم بالنَّار
стр. 578
فى الْآخِرَة من جَمِيع أعدائه وَلَيْسَ يستوجبها بشر بصنيع وَلَا ظلم وَلَا جِنَايَة وَلَا يسْتَوْجب النَّار إِلَّا بعداوة الله وَبهَا يشفى صدوره أوليائه من أعدائهم فى الْآخِرَة
٩٤٠ - (نَار إِبْرَاهِيم) قد تقدم ذكرهَا فى بَاب مَا يُضَاف إِلَى الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام وهى مثل فى الْبرد والسلامة وفى كتاب الْأَمْثَال المولدة إِنَّه يُقَال للمستعجل لَيْسَ هَذَا نَار إِبْرَاهِيم وَذكرهَا الخوارزمى فى بَيت لَهُ متمثلا وَهُوَ يصف الانخزال وكسوف البال فَعدل بِالْمثلِ عَنهُ حَيْثُ قَالَ
(فكأننى فى سجن يُوسُف أَو أسى ... يَعْقُوب أَو فى نَار إِبْرَاهِيم)
وَإِنَّمَا تُوصَف نَار إِبْرَاهِيم بالبرد والسلامة لَا بِالْحرِّ والشدة لِأَنَّهَا إِحْدَى المعجزات وفى الْكتاب الْمُبْهِج خير الشَّرَاب مَا يُورد ريح الْورْد ويحكى نَار إِبْرَاهِيم فى اللَّوْن وَالْبرد
٩٤ - (نَار مُوسَى) قد تقدم ذكرهَا وَوجه ضرب الْمثل بهَا للشىء الْيَسِير يطْلب فيتوصل بِسَبَبِهِ إِلَى الشىء الخطير وَالْغنيمَة الْبَارِدَة وَذَلِكَ أَنه كَمَا نطق بِهِ الْقُرْآن فى مَوَاضِع كَثِيرَة ذهب يقتبس نَارا فَكلم الله تكليما
٩٤ - (نَار القربان) هى الَّتِى جعلهَا الله آيَة لبنى إِسْرَائِيل فى مَوضِع امتحان إخلاصهم وتفرق نياتهم فَكَانُوا يَتَقَرَّبُون بالقربان فَمن كَانَ مخلصا نزلت نَار من السَّمَاء حَتَّى تحيط بِهِ فتأكله وَمن لم يروها وبقى القربان على
стр. 579
حَاله قضوا بِأَنَّهُ مَدْخُول الْقلب فَاسد النِّيَّة وَلذَلِك قَالَ الله تَعَالَى ﴿الَّذين قَالُوا إِن الله عهد إِلَيْنَا أَلا نؤمن لرَسُول حَتَّى يأتينا بقربان تَأْكُله النَّار﴾ وَالدَّلِيل على أَن ذَلِك قد كَانَ من شَأْنهمْ مَعْلُوما قَوْله تَعَالَى ﴿قد جَاءَكُم رسل من قبلي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلم قَتَلْتُمُوهُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ قَالَ الجاحظ ثمَّ إِن الله تَعَالَى ستر على عباده وَجعل بَيَان ذَلِك فى الْآخِرَة وَكَانَ ذَلِك التَّدْبِير مصلحَة فى ذَلِك الْأَمر ووفق طبائعهم وعللهم وَقد كَانَ الْقَوْم من المعاندة وَمن الغباوة على مِقْدَار لم يكن لينجع فيهم ويكمل لمصلحتهم إِلَّا مَا كَانُوا فِيهِ
٩٤٣ - (نَار الحرتين) هى الَّتِى ذكرهَا الشَّاعِر فى قَوْله
(ونار الحرتين لَهَا زفير ... يصم لهوله الرجل السَّمِيع)
وهى نَار خَالِد بن سِنَان أحد بنى مَخْزُوم من بنى عبس وَلم يكن من ولد إِسْمَاعِيل ﵇ نبى قبله وَهُوَ الذى أطفأ الله بِهِ نَار الحرتين وَكَانَت بِبِلَاد عبس إِذا كَانَ اللَّيْل فهى نَار تسطع فى السَّمَاء وَكَانَت طي تنفش بهَا إبلهم من مسيرَة ثَلَاث لَيَال وَرُبمَا تأتى على كل شىء فتحرقه وَإِذا كَانَ النَّهَار فَإِنَّمَا هى دُخان يفور فَبعث الله خَالِد بن سِنَان فحفر لَهَا بِئْرا ثمَّ أدخلها فِيهَا وَالنَّاس ينظرُونَ ثمَّ افتحم فِيهَا حَتَّى غيبها فَلَمَّا حَضرته الْوَفَاة قَالَ لِقَوْمِهِ إِذا أنامت ودفنتمونى فاحضروا بعد ثَلَاث فَإِنَّكُم ترَوْنَ عيرًا أَبتر يطوف بقبرى فَإِذا رَأَيْتُمْ ذَلِك فانبشونى فإنى مخيركم بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة فَاجْتمعُوا لذَلِك فى الْيَوْم الثَّالِث من مَوته فَلَمَّا رَأَوْا العير وذهبوا لينبشوا اخْتلفُوا وصاروا فريقين وَابْنه عبد الله فى الْفرْقَة الَّتِى ابت نبشه وَهُوَ
стр. 580
يَقُول إِذا أدعى ابْن المنبوش فَتَرَكُوهُ
ويروى أَن ابْنَته قدمت على رَسُول الله ﷺ فَبسط لَهَا رِدَاءَهُ وَقَالَ هَذِه ابْنة نبى ضيعه قومه وَسمعت سُورَة الْإِخْلَاص فَقَالَت كَانَ أَبى يَتْلُو هَذِه السُّورَة
قَالَ الجاحظ والمتكلمون لَا يُؤمنُونَ بِهَذَا ويزعمون أَن خَالِدا هَذَا كَانَ أَعْرَابِيًا وبريا وَلم يبْعَث الله قطّ نَبيا من الْأَعْرَاب وَلَا من أهل الْوَبر وَإِنَّمَا بَعثهمْ من أهل الْقرى وسكان الجزر وَالله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسالاته
٩٤٤ - (نَار الشّجر) هى الَّتِى ذكرهَا الله تَعَالَى فى كِتَابه وامتن بهَا على عباده فَقَالَ ﴿الَّذِي جعل لكم من الشّجر الْأَخْضَر نَارا فَإِذا أَنْتُم مِنْهُ توقدون﴾ يُرِيد عيدَان الاستقداح والمرخ والعفار أَكثر النيرَان وأسرعها قدحا وَمن أمثالهم فى كل شجر نَار واستمجد المرخ والعفار وَمَا أحسن مَا قيل فى استجلاب بادرة الْحَلِيم المحرج
(أخرجتموه بكرَة من سجيته ... وَالنَّار قد تلتظى من ناضر السّلم)
(أوطأتموه على جمر العقوق وَلَو ... لم يحرج اللَّيْث لم يخرج من الأجم)
قَالَ الجاحظ قد ذكر الله تَعَالَى نعْمَته فى هَذِه النَّار الَّتِى هى من أكبر النعم وَأعظم الْمَنَافِع والمرافق فى هَذِه الدُّنْيَا على عباده فَقَالَ ﴿أَفَرَأَيْتُم النَّار الَّتِي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نَحن المنشئون﴾ ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿نَحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين﴾ فكم تَحت قَوْله ﴿نَحن جعلناها تذكرة﴾
стр. 581
من تبصرة مَعَ مَا فِيهَا من مقادرير النعم وتصاريف النقم
وَوجه آخر من امتنان الله تَعَالَى على عباده كَقَوْلِه للثقلين ﴿يُرْسل عَلَيْكُمَا شواظ من نَار ونحاس فَلَا تنتصران﴾ ثمَّ قَالَ على صلَة الْكَلَام ﴿فَبِأَي آلَاء رَبكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ لَا يُرِيد أَن إحراق الله العَبْد بالنَّار من آلائه ونعمائه وَلكنه أَرَادَ الْوَعيد الصَّادِق وَإِذا كَانَ فى غَايَة الزّجر عَمَّا يطغيه ويرديه فَهُوَ من النعم السابغة والآلاء الْعِظَام
٩٤٥ - (نَار الْقرى) هى مَذْكُورَة على الْحَقِيقَة لَا على الْمثل وهى من أعظم مفاخر الْعَرَب وأشرف مآثرها وهى النَّار الَّتِى كَانَت ترفع للسَّفر وَلمن يلْتَمس الْقرى فَكلما كَانَ موضعهَا أرفع كَانَت أَفْخَر والأشعار فِيهَا كثيرا وَمن أحْسنهَا قَول الْأَعْشَى
(لعمرى لقد لاحت عُيُون كَثِيرَة ... إِلَى ضوء نَار فى يفاع تحرق)
(فشبت لمقرورين يصطليانها ... وَبَات على النَّار الندى والمحلق) والمحلق هُوَ الذى مدحه
قَالَ الجاحظ وَأحسن من هَذَا الشّعْر فى هَذَا الْمَعْنى من كل شعر فى مَعْنَاهُ قَول الحطيئة
(مَتى تأته تعشو إِلَى ضوء ناره ... تَجِد خير نَار عِنْدهَا خير موقد)
قَالَ وَمَا ينبغى أَن يمدح بِهَذَا الْبَيْت إِلَّا خير أهل الأَرْض وَأنْشد عمر رضى الله عَنهُ هَذَا الْبَيْت فَقَالَ هَذَا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 582
وَمن أحسن مَا قيل فى هَذِه النَّار قَول الشَّاعِر
(لَهُ نَار تشب بِكُل وَاد ... إِذا النيرَان ألبست القناعا)
(وَلم يَك أَكثر الفتيان مَالا ... وَلَكِن كَانَ أرحبهم ذِرَاعا)
وَمَا أكْرم وأشرف من قَالَ وَهُوَ يَأْمر غُلَامه بالإيقاد والاستجلاب للإضياف
(أوقد فَإِن اللَّيْل ليل قر ... وَالرِّيح مَا ترَاهُ ريح صر)
(عَسى يرى نارك من يمر ... إِن جلبت ضيفا فَأَنت حر)
وَقد جمع ابْن الرومى نَار الْقرى ونار الْحَرْب فى قَوْله لِعبيد الله بن عبد الله ابْن طَاهِر حَيْثُ قَالَ
(لَهُ ناران نَار قرى وَحرب ... ترى كلتيهما ذَات التهاب)
٩٤٦ - (نَار الْحَرْب) هى على طَرِيق الْمثل والاستعارة لَا على الْحَقِيقَة كَمَا قَالَ جلّ ذكره ﴿كلما أوقدوا نَارا للحرب أطفأها الله﴾
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء والبلغاء من ذكرهَا وَجَاء الصاحب فأربى على المغالين فى وصفهَا حَيْثُ كتب من رساله شبت الْحَرْب واشتعلت نارها واستطار شِرَارهَا وثار عجاجها وهال ارتجاجها
وَمن أُخْرَى حمى وطيسها واغتبطت نفوسها
وَمن أُخْرَى قدحت نَار القراع وجالت قداح المصاع وتكايل الشجعان صَاعا بِصَاع
стр. 583
وَمن أُخْرَى دارت رحى الْحَرْب واستعرت جَمْرَة الطعْن وَالضَّرْب
وَمن أُخْرَى اشتكت تصرف نابها وَتكشف سَاقهَا واستعر أوارها فحمى وطيس المراس وَدنت التراس من التراس
٩٤٧ - (نَار الْحلف) هى الَّتِى كَانَت الْعَرَب توقدها عِنْد التَّحَالُف فَلَا يعقدون حلفهم إِلَّا عِنْدهَا ويذكرون عِنْد ذَلِك مرافقها وَيدعونَ الله على من ينْقض الْعَهْد بالحرمان من مَنَافِعهَا وَرُبمَا دنو مِنْهَا حَتَّى تكَاد تحرقهم ويهولون الْأَمر فِيهَا قَالَ أَوْس بن حجر يصف عيرًا على نشز
(إِذا استقبلته الشَّمْس صد بِوَجْهِهِ ... كَمَا صد عَن نَار المهول حَالف)
٩٤٨ - (نَار الْمُسَافِر) هَذِه نَار توقدها الْعَرَب خلف الْمُسَافِر الذى لَا يحبونَ رُجُوعه وَكَانَ فى الدُّعَاء على الْغَائِب أبعده الله وأسحقه وأوقد نَارا على أَثَره وَهُوَ معنى قَول بشار وضربه مثلا
(صحوت وَأوقدت للْجَهْل نَارا ... ورد عَلَيْك الصِّبَا مَا استعارا)
وَقَالَ آخر
(وَحَملَة أَقوام حملت وَلم تكن ... لتوقد نَارا إثرهم للتندم)
والحملة الْجَمَاعَة يَمْشُونَ فى الدَّم وفى الصُّلْح يَقُول لم تندم على مَا أَعْطَيْت من الْحمالَة عِنْد كَلَام الْجَمَاعَة فتوقد خَلفهم نَارا لِئَلَّا يعودوا
٩٤٩ - (نَار الْمَجُوس) قَالَ الجاحظ مَا زَالَ النَّاس كَافَّة والأمم قاطبة حَتَّى جَاءَ الله بِالْحَقِّ مولعين بتعظيم النَّار حَتَّى ظن كثير من النَّاس
стр. 584
لإفراطهم أَنهم يعبدونها وَيَزْعُم أهل الْكتاب أَن الله أوصاهم بهَا فَقَالَ ﴿لَا تطفئوا النَّار من بيوتى﴾ وَلذَلِك لَا تَجِد الْكَنَائِس وَالْبيع وبيوت الْعِبَادَات تَخْلُو من نَار أبدا لَيْلًا وَنَهَارًا فَأَما الْمَجُوس فَإِنَّهَا لم ترض بمصابيح أهل الْكتاب حَتَّى اتَّخذت الْبيُوت للنيران وأقامت عَلَيْهَا السَّدَنَة ووقفت عَلَيْهَا الغلات الْكَثِيرَة وسجدت لَهَا على جِهَة التَّعَبُّد والمحبة وَإِيجَاب الشُّكْر على النِّعْمَة
وَقد ضرب الْمثل بِنَار الْمَجُوس من صحب قوما فَلم يرعوا حق صحبته بهم وخدمته إيَّاهُم فَقَالَ
(عمرى لقد جربتكم ... فوجدتكم نَار الْمَجُوس)
وَذَلِكَ أَنَّهَا لَا تفرق بَين من يَعْبُدهَا وَيسْجد لَهَا وَبَين من يبزق فِيهَا ويبول عَلَيْهَا بل تعم الْجَمِيع بالإحراق إِذا أمكنها
٩٥٠ - (نَار الاصطلاء) يضْرب بهَا الْمثل فى الْحسن والإمتاع كَمَا قَالَت أعرابية كنت أحسن من الصلاء فى الشتَاء وَقَالَت أُخْرَى كنت فى أَيَّام شبابى أحسن من النَّار الموقدة
وَمَا أحسن مَا قَالَ ابْن المعتز فى وصفهَا
(وموقدات بتن يضر من اللهب ... يشبعنه من فَحم وَمن حطب)
(يرفعن نيرانا كأشجار الذَّهَب ... )
وَمن أَبْيَات التَّمْثِيل والمحاضرة
(النَّار فَاكِهَة الشتَاء وَمن يرد ... أكل الْفَوَاكِه شاتيا فليصطل)
ويحكى أَن أَعْرَابِيًا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْبرد فَأصَاب نَارا فَدَنَا ليصطلى مِنْهَا وَهُوَ يَقُول اللَّهُمَّ لَا تحرمنيها فى الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
стр. 585
٩٥ - (نَار التهويل) كَانَت الْعَرَب توقد نَارا يهولون بهَا على الْأسود إِذا حافوها والأسد إِذا عاين النَّار حدق إِلَيْهَا وتأملها فَمَا أَكثر مَا يشْغلهُ عَن السابلة
وَمر أَبُو ثَعْلَب الْأَعْرَج فى رفقه بوادى السبَاع فَعرض لَهُم سبع فَقَالَ لَهُ المكارى لَو أمرت غلمانك فأوقدوا نَارا وضربوا الطساس الذى مَعَهم فَفَعَلُوا فأحجم عَنْهُم الْأسد فَقَالَ فى حبه النَّار وَالصَّوْت الشَّديد بعد بغضه لَهما
(فأحببتها حبا هويت خلاطها ... وَلَو فى صميم النَّار نَار جَهَنَّم)
(وصرت ألذ الصَّوْت لَو كَانَ صاعقا ... وأطرب من صَوت الْحمار المرقم)
٩٥ - (نَار الْإِنْذَار) كَانُوا إِذا أَرَادوا حَربًا وتوقعوا جَيْشًا عَظِيما فأرادوا الِاجْتِمَاع أوقدوا نَارا ليبلغ الْخَبَر أَصْحَابهم قَالَ عَمْرو بن كُلْثُوم
(وَنحن غَدَاة أوقد فى خزازى ... رفدنا فَوق رفد الرافدينا)
٩٥٣ - (نَار الاستكثار) كَانُوا إِذا نزلُوا منزلا وهم جَيش يُرِيدُونَ محاربة قوم اسكثروا من النيرَان وَأَكْثرُوا من الذّبْح مَخَافَة أَن يجزرهم جازر بقلة ذبحهم ونيرانهم فيستدل على الْعَوْرَة مِنْهُم
٩٥٤ - (نَار الاستمطار) كَانَت الْعَرَب فى الْجَاهِلِيَّة الجهلاء إِذا تَتَابَعَت عَلَيْهِم الْأَزْمَان وركد فيهم الْبلَاء وَاشْتَدَّ الجدب واحتاجوا إِلَى الاستمطار استجمعوا مَا قدرُوا عَلَيْهِ من الْبَقر وعقدوا فى أذنابها وَبَين
стр. 586
عراقيبها السّلع ثمَّ صعدوا بهَا فى جبل وأوقدوا فِيهَا النَّار وَكَانُوا يرَوْنَ ذَلِك من أَسبَاب السقيا وَفِيهِمْ يَقُول الورل الطائى
(لادر در رجال خَابَ سَعْيهمْ ... يستمطرون لَدَى الْأَزْمَان بالعشر)
(أجاعل أَنْت بيقورا مسلعة ... ذَرِيعَة لَك بَين الله والمطر)
٩٥٥ - (نَار الصَّيْد) هى الَّتِى توقد للظباء وصيدها لتعش إِذا رامت النّظر إِلَيْهَا وَلَا تخيل من وَرَاءَهَا وَيطْلب بهَا أَيْضا بيض النعام فى أفاحيصها ومكانها وَقَالَ طفيل الغنوى
(عوازب لم تسمع نبوح مقَامه ... وَلم تَرَ نَارا تمّ حول مجرم)
(سوى نَار بيض أَو غزال بقفرة ... أغن من الخنس المناخر توءم)
وَقد وصف السرى صيد اللَّيْل بالطست والسراج وَالْكَلب وذكرانه يُقَال لَهُ صيد الدالوية فى أرجوزة هى مثبتة فى ديوَان شعره
٩٥٦ - (نَار الزحفتين) هى نَار أَبى سريع وَأَبُو سريع هُوَ العرفج قَالَ قُتَيْبَة بن مُسلم لعمر بن عباد بن الْحصين وَالله للسؤدد أسْرع إِلَيْك من النَّار فى يبيس العرفج وَإِنَّمَا قيل لنار العرفج نَار الزحفتين لِأَن العرفج إِذا التهبت فِيهِ النَّار أسرعت فِيهِ وعظمت واستفاضت فى أسْرع من كل شىء فَمن كَانَ قَرِيبا مِنْهَا يزحف عَنْهَا ثمَّ لاتلبث أَن تنطفىء من ساعتها فى مثل تِلْكَ السرعة فَيحْتَاج الذى يزحف عَنْهَا أَن يزحف إِلَيْهَا من سَاعَته فَلَا تزَال للمصطلى كَذَلِك وَلَا يزَال المصطلى بهَا كَذَلِك فَمن أَجله قيل نَار الزحفتين
стр. 587
٩٥٧ - (نَار الغضى) يضْرب بهَا الْمثل فى الْحَرَارَة لِأَنَّهَا أحر نَار الْجَمْر والغضى من بَين سَائِر العيدان لَا يصلح إِلَّا للوقود فَكَأَنَّهُ خلق للنار لَا غير
٩٥٨ - (نَار الحلفاء) يضْرب بهَا الْمثل فى سرعَة الإيقاد قَالَ الشَّاعِر
(فَمَا ظَنك بالحلفا ... إِذا دبت بهَا النَّار)
وفى سرعَة الانطفاء أَيْضا فَيُقَال نَار الحلفاء سريعة الانطفاء
٩٥٩ - (نَار الحباحب) هى نَار الحباحب ونار أَبى حباحب تضرب مثلا للشىء يروق وَلَا طائل فِيهِ وفيهَا أقاويل مُخْتَلفَة قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا كَانَ الحباحب رجلا بَخِيلًا وَكَانَ لَا يُوقد نَارا بلَيْل كَرَاهِيَة أَن يلقاها من ينْتَفع بضوئها وَكَانَ إِذا احْتَاجَ إِلَى إيقادها أوقدها وَإِذا أبْصر مستضيئا بهَا أطفأها فَضربت الْعَرَب الْمثل بهَا وذكروها عِنْد كل شىء لَا ينْتَفع بِهِ
وَقَالَ غَيره هى النَّار الَّتِى توريها الْخَيل بسنابكها من الْحِجَارَة إِذا وطئتها كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فالموريات قدحا﴾
وَقَالَ آخَرُونَ هى طَائِر أَحْمَر الريش يظْهر مَا بَين الْمغرب وَالْعشَاء فيخيل للنَّاظِر أَن فى جنَاحه نَارا
وَقَالَ الجاحظ هى كل نَار ترَاهَا وَلَا حَقِيقَة لَهَا عِنْد التماسها كقدح الْخَيل من حوافرها إِذا وطِئت المرو والصفا والجلاميد الْكِبَار قَالَ النَّابِغَة
(ويوقدن بالصفاح نَار الحباحب ... )
стр. 588
وَقَالَ القطامى
(إِلَّا إِنَّمَا نيران قيس إِذا شتوا ... لطارق ليل مثل نَار الحباحب)
وَيجوز أَن تكون قد شبهت النَّار الَّتِى لَا مَنْفَعَة فِيهَا وَلَا حَاصِل تحتهَا بِنَار الحباحب الذى اقْتصّ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنْهُمَا قصَّتهَا
وَوصف بليغ انقضاض الْكَوَاكِب فَقَالَ وَإِن الْفلك ليفتر عَن شهب ثواقب كنيران أَبى حباحب من كَلَام طَوِيل قَالَ ابْن المعتز
(وَحين أَخذنَا ثأركم من عَدوكُمْ ... فعدتم لنا تورون نَار الحباحب)
٩٦٠ - (نَار الْبَرْق) مَا أحسن مَا وصفهَا أعرابى فَقَالَ
(نَار تجدّد للعيدان نضرتها ... وَالنَّار تشعل أَحْيَانًا فتحترق)
يَقُول كل نَار فى الدُّنْيَا تحرق العيدان وتستهلكها إِلَّا نَار الْبَرْق فَإِنَّهَا تجىء بالغيث فَإِذا غشيت الأَرْض أحدث الله للعيدان جدة وللأشجار أغصانا لم تكن
٩٦ - (نَار الْمعدة) حكى أَبُو العيناء قَالَ اجْتَمَعنَا فى مجْلِس ابْن الأعرابى ومعنا الجاحظ والجماز فأخذنا نتناشد الْأَشْعَار ونتذاكر الْأَخْبَار وَوَقع الجاحظ والجماز فى كياد وملاحاة فَقَالَ لَهُ الجماز هَات كم تعرف فى كَلَام الْعَرَب من نَار فَقَالَ على الْخَبِير سَقَطت نَار الْحَرْب ونار الشَّرّ ونار أَبى حباحب ونار الله الموقدة ونار الْمعدة ونار الطَّبْع ونار الاصطلاء فَقَالَ الجماز تركت أبلغ النيرَان وأوسعها فى الْبلدَانِ وَأَصْلَحهَا بِلِسَان الْجِيرَان قَالَ وَمَا هى قَالَ نَار حرامك الَّتِى (كلما القى فِيهَا فَوْج سَأَلَهُمْ خزنتها ألم
стр. 589
يأتكم نَذِير) قَالَ الجاحظ قد قضيت بِأَن لَهَا حِجَابا وخزانا وَلَكِن الشَّأْن فى نَار حرأمك الَّتِى يُقَال لَهَا ﴿هَل امْتَلَأت وَتقول هَل من مزِيد﴾
٩٦ - (نَار الْحمى) يُقَال إِن النيرَان ثَلَاث نَار تَأْكُل وتشرب وهى نَار الْحمى تَأْكُل اللَّحْم وتشرب الدَّم ونار تَأْكُل وَلَا تشرب وهى نَار الدُّنْيَا قَالَ الشَّاعِر
(النَّار تَأْكُل نَفسهَا ... إِن لم تَجِد مَا تَأْكُله)
ونار لَا تَأْكُل وَلَا تشرب وهى نَار جَهَنَّم
٩٦٣ - (نَار الشوق) هى مَذْكُورَة على الِاسْتِعَارَة وَكَذَلِكَ نَار الوجد ونار اللوعة ونار الغرام وَمَا أشبههَا وَقد أَكثر النَّاس فِيهَا نظما ونثرا قَالَ أَحْمد بن أَبى طَاهِر يهجو الْمبرد
(وَيَوْم كنار الشوق فى قلب عاشق ... على أَنه مِنْهَا أحر وأوقد)
(ظللت بِهِ عِنْد الْمبرد قائظا ... فَمَا زلت من أَلْفَاظه أتبرد)
وَقَالَ لى السَّيِّد أَبُو جَعْفَر الموسوى يَوْمًا وَأَنا مَعَه على الْمَائِدَة وَقد قدم لى لون فى غَايَة الْحَرَارَة كَأَنَّهَا طبخت بِنَار شوقى إِلَيْك
وَقَالَ البحترى فى نَار الوجد
(أما وهواك حلفة ذى اجْتِهَاد ... يعد الغى فِيك من الرشاد)
(لقد أذكى فراقك نَار وجدى ... وَألف بَين عينى والسهاد)
وَقَالَ ابْن الرومى
(أَتَرَى عليل الوجد يطفىء ناره ... إِلَّا رضاب الكاعب الغيداء)
стр. 590
وَقَالَ أَبُو تَمام فى نَار اللوعة
(أَجْدَر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أَن تزداد طول وقود)
وَقَالَ القاضى أَبُو الْحسن فى نَار الغرام
(وَلَو كنت أدرى مَا أقاسى من الْهوى ... لما حكمت للبين فى وصلنا يَد)
(فَلَا يُنكر التخليد فى النَّار عَاقل ... فإنى فى نَار الغرام مخلد)
٩٦٤ - (نَار الشَّرّ) النَّار قد تستعار فى الشَّرّ كَقَوْلِهِم من قدح نَار الْفِتْنَة صَار طعامها وكما قَالَ ابْن الرومى من قصيدة يعزى بهَا ابْن الْمسيب عَن ابْنة لَهُ
(تعزيت عَمَّن أثمرتك حَيَاته ... ووشك التسلى عَن ثمارك أَجْدَر)
(لِأَن احتيال الْمَرْء فى ابْن وفى ابْنه ... يُرْجَى وكر الدَّهْر شخصك أعْسر)
(وَكم من أخى حريَّة قد رايته ... بِنَار ذوى الإصهار يكتوى ويصهر)
(لَعَلَّ الذى أَعْطَاك ستر حَيَاتهَا ... كساها من اللَّحْد الذى هُوَ أستر)
وكما قَالَ أَبُو الْقَاسِم النَّقِيب الموسوى أَخُو أَبى الْحسن
(وَمولى علنى صرفا أجاجا ... بِمَا أسقيه من عذب زلال)
(أرى فى وَجهه مَاء التصافى ... وفى أحشائه نَار التقالى)
٩٦٥ - (نَار الْحَيَاة) هى الْحَرَارَة الغريزية وَمِنْهَا الْجِمَاع فَإِنَّهُ مقتبس من نَار الْحَيَاة فليكثر أَو يقل قَالَ الصنوبرى
(نَار رَاح أَو نَار خد ونار ... لحشا الصب فى لظاها اسْتعَار)
(مَا أبالى مَا دَامَ للضيف عندى ... كَيفَ كَانَ الثلوج والأمطار)
стр. 591
وَقَالَ كشاجم
(يَا خليلى جنبانى الرحيقا ... إننى لست للرحيق مطيقا)
(قد تيقنت أَنَّهَا تطرد الْهم ... وتبدى إِلَى السرُور طَرِيقا)
(غير أَنى وحدت للراح نَارا ... تلهب الْجِسْم والمزاج الرقيقا)
(فَإِذا مَا جمعتها ومزاجى ... حرقتنى بنارها تحريقا) وَقَالَ
(فَلَا تجمعن على الضنى ... بِنَار المزاج ونار المدام)
(فَإِن تكن الراح تنفى الهموم ... فَرُبمَا عرضت للسقام) وَأنْشد أَبُو بكر الخوارزمى
(أعد الورى للبرد جندا من الصلا ... وَلَا قيته من بَينهم بِجُنُود)
(ثَلَاث من النيرَان نَار مدامة ... ونار صبابات ونار وقود)
٩٦٦ - (نَار الشَّبَاب) أنشدنى أَبُو الْفَتْح البستى لنَفسِهِ
(على بهَا لَا كنار الْخَلِيل ... فبرد المدام يزِيد الفتورا)
(وَلَكِن كنار الشَّبَاب الَّتِى ... تحيى النُّفُوس وتحيى السرورا)
(إِذا شرب الْمَرْء مِنْهَا ثَلَاثًا ... رأى النَّار من فَوق خديه نورا)
٩٦٧ - (نَار الكى) يضْرب بهَا الْمثل لِلْأَمْرِ يقدر فِيهِ الْخَيْر فَيكون على الضِّدّ وَذَلِكَ أَن رجلا رأى دخانا فَظَنهُ من نَار الطبيخ فَتَبِعَهُ فَإِذا هُوَ من نَار الكى كَمَا قَالَ ابْن المعتز
(لَا تتبعن كل دُخان ترى ... فَالنَّار قد توقد للكى)
стр. 592
٩٦٨ - (نَار الذبالة) يشبه بهَا الْحَاسِد الذى يضْحك لَك وَهُوَ يَحْتَرِق حسدا عَلَيْك كَمَا قَالَ ابْن المعتز
(كم حَاسِد حنق على بِلَا ... جرم فَلم يضررنى الحنق)
(متضاحك نحوى كَمَا ضحِكت ... نَار الذبالة وهى تحترق)
وَيُشبه بهَا أَيْضا من ينفع غَيره ويضر نَفسه كَمَا قَالَ الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف
(أحرم مِنْكُم بِمَا أَقُول وَقد ... نَالَ بِهِ العاشقون من عشقوا)
(صرت كأنى ذبالة نصبت ... تضىء للنَّاس وهى تحترق)
وَقَالَ
(وفتيلة الْمِصْبَاح تحرق نَفسهَا ... وتضىء للسارى وَأَنت كذاكا)
ولأبى إِسْحَاق الصابى من رِسَالَة أَنْت ناصب نَفسك فيهم نصب الذبال الذى يستضاء بِهِ وَهُوَ يَحْتَرِق والند ينفع النَّاس وَهُوَ ينمحق
٩٦٩ - (قبسة العجلان) يضْرب بهَا الْمثل للمستعجل فى الْأَمر وَيُشبه بِمن يدْخل دَارا ليقبس نَارا فَلَا يمْكث فِيهَا إِلَّا ريثما يقتبس ثمَّ يخرج وَمثلهَا عجالة الرَّاكِب قَالَ الشَّاعِر
(وزائر زار وَمَا زارا ... كَأَنَّهُ مقتبس نَارا)
٩٧٠ - (فرَاش النَّار) قد تقدم ذكرهَا فى بَاب الذُّبَاب والبعوض وَمَا جانسهما وفراش النَّار ذُبَاب النَّار قَالَ النَّبِي ﷺ (كل ذُبَاب فى النَّار إِلَّا النحلة)
وَحكى الجاحظ عَن أشياخه أَن مَا خلق الله من السبَاع والبهائم والحشرات والهمج قَبِيح المنظر مؤلم أَو حسن المنظر ملذ فَمَا كَانَ
стр. 593
كالخيل والظباء والطواويس والتدارج فَإِنَّهُ يلذ فى الْجنَّة ويلذ أَوْلِيَاء الله بِالنّظرِ إِلَيْهِ وَمَا كَانَ قبيحا مؤلم النّظر جعله الله عذَابا إِلَى أعدائه فى النَّار فَإِذا جَاءَ فى الْأَثر أَن الذُّبَاب وَغَيره فى النَّار فَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ هَذَا الْمَعْنى وَذهب بَعضهم إِلَى أَنَّهَا تكون فى النَّار وتلذها كَمَا أَن خَزَنَة النَّار وَالَّذين يتولون من الْكفَّار التعذيب يلذون موضعهم من النَّار وَذهب بَعضهم إِلَى أَن الله تَعَالَى يطبعهم على استلذاذ النَّار والعيش بهَا كَمَا طبع ديدان الْخلّ والثلج على أماكنها
٩٧ - (كلاب النَّار) قد تقدم الْكَلَام فى كلاب النَّار وهم الْخَوَارِج والنوائح على مَا نطقت بِهِ الْآثَار وَقد يُقَال للأنذال الأشرار إخْوَان الشَّرّ وَمن جانسهم أَيْضا كلاب النَّار
٩٧ - (سرادق النَّار) هُوَ من الاستعارات فى الْقُرْآن الَّتِى لَا أفْصح مِنْهَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا للظالمين نَارا أحَاط بهم سرادقها﴾
وَكَانَ أَبُو الْخطاب الْكَاتِب يَوْمًا فى سرادق فحميت عَلَيْهِ الشَّمْس ومنعته القيلولة فَقَالَ
(من قَائِل لِعبيد الله عَن وَجل ... فى صَدره من بقايا شوقه مذق)
(هَل أَنْت منقذ نفس من حشاشتها ... بعض الْمنية مشدود بهَا الرمق)
(إِذْ نَحن فى النَّار صرعى قد أحَاط بِنَا ... سرادق النَّار إِلَّا أَنَّهَا حرق)
٩٧٣ - (سعد النَّار) كَانَ بِالْمَدِينَةِ رجل يُقَال لَهُ سعد النَّار واتهم سعد بن مُصعب بن الزبير بِامْرَأَة وَكَانَت تَحْتَهُ ابْنة حَمْزَة بن عبد الله بن الزبير فَقَالَ فِيهِ الْأَحْوَص
стр. 594
(وَلَيْسَ بِسَعْد النَّار من تذكرونه ... وَلَكِن سعد النَّار سعد بن مُصعب)
(ألم تَرَ أَن الْقَوْم لَيْلَة جمعهم ... بغوة فألفوه لَدَى شَرّ مركب)
(وَمَا يبتغى بِالشَّرِّ لادر دره ... وفى بَيته مثل الغزال المربرب)
فَدَعَا بالأحوص وَأمر بِهِ فأوثق وَأَرَادَ ضربه فَقَالَ الْأَحْوَص دعنى وَلَا وَالله لَا أهجو زبيريا قطّ ثمَّ قَالَ لَهُ وَالله إنى مَا لمتك على مزحك ولكنى أنْكرت قَوْلك
(وفى بَيته مثل الغزال المربرب ... )
٩٧٤ - (نافخ النَّار) من أَمْثَال الْعَرَب مَا بهَا نافخ ضرمة كَمَا يُقَال مَا بهَا ديار والضرمة مَا أضرمت فِيهِ النَّار كأئنا مَا كَانَ وفى حَدِيث على رضى الله عَنهُ لود مُعَاوِيَة أَنه مَا بقى من بنى هَاشم نافخ ضرمة إِلَّا طعن فى نيطه والنيط نِيَاط الْقلب وَهُوَ علاقته الَّتِى يتَعَلَّق بهَا فَإِذا طعن فى ذَلِك الْمَكَان فقد مَاتَ
стр. 595
الْبَاب الْخَمْسُونَ فى الشّجر والنبات
نخلتا حلوان
نَخْلَة مَرْيَم
سروة بست
شجر الأترج
شجر الْخلاف
سِدْرَة الْمُنْتَهى
نسيم الرَّوْض
برد الْورْد
خدود الْورْد
عُيُون النرجس
دمع الْكَرم
شقّ الأيلمة
طرف الثمام
نَقِيع الحنظل
فقع قرقر
خرط القتاد
حسك السعدان
عصب السلمة
قلع الصمغة
الاستشهاد
٩٧٥ - (نخلتا حلوان) كَانَتَا بعقبة حلوان من غرس الأكاسرة فَضرب بهما الْمثل فى طول الصُّحْبَة وَقدم الْمُجَاورَة وَقد أَكثر الشُّعَرَاء من ذكرهمَا فَمنهمْ مُطِيع بن إِيَاس حَيْثُ قَالَ
(أسعدانى يَا نخلتى حلوان ... وابكيالى من ريب هَذَا الزَّمَان)
(واعلما إِن علمتما أَن تحسا ... سَوف يلقاكما فتفترقان)
وَقَالَ حَمَّاد عجرد
(جعل الله سدرتى قصر شيرين ... فدَاء لنخلتى حلوان)
(جِئْت مستسعدا فَمَا أسعدانى ... ومطيع بَكت لَهُ النخلتان)
وَأنْشد الصولى لحماد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى
(أَيهَا العاذلان لَا تعذلانى ... ودعانى من الْبكاء دعانى)
(وابكبا لى فإننى مُسْتَحقّ ... مِنْكُمَا للبكاء أَن تسعدانى)
стр. 596
(وَأَنا مِنْكُمَا بذلك أولى ... من مُطِيع بنخلتى حلوان)
(فهما يجهلان مَا كَانَ يشكو ... من جواه وأنتما تعلمان)
وَلما صَار المهدى فى شخوصه إِلَى الرى بعقبة حلوان استطاب الْموضع فَنزل بِهِ ونشط للشُّرْب فَأَنْشد بيتى مُطِيع فى نخلتى حلوان فتطير مِنْهُمَا وَقَالَ لَئِن رجعت لأفرقن بَينهمَا فَبلغ قَوْله الْمَنْصُور فَكتب إِلَيْهِ يَا بنى أَقْسَمت عَلَيْك أَلا تكون ذَلِك النحس الذى يلقاهما وَيُقَال إِن حَسَنَة جَارِيَته هى الَّتِى قَالَت لَهُ هَذَا الْكَلَام فَأمْسك لهَذَا عَن قطعهمَا
ويروى أَن الرشيد فى مسيرَة الأول إِلَى الرى احْتَاجَ إِلَى الْجمار لحرارة ثارت بِهِ فَأخذ جمار إِحْدَى النخلتين لدوائه فجفت وَلم تلبث صاحبتها أَن جَفتْ أَيْضا وبطلتا جَمِيعًا
٩٧٦ - (نَخْلَة مَرْيَم) من أمثالهم أعظم بركَة من نَخْلَة مَرْيَم وقصتها مَعْرُوفَة قَالَ الشَّاعِر
(ألم تَرَ أَن الله قَالَ لِمَرْيَم ... وهزى إِلَيْك الْجذع يساقط الرطب)
(وَلَو شَاءَ أَن تجنيه من غير هزه ... جنته وَلَكِن كل رزق لَهُ سَبَب)
٩٧٧ - (سروة بست) كَانَت بقرية كشمير من رستاق بست نيسابور سروة من السرو الضخم من غرس يستاسف لم ير مثلهَا طولا وعرضا واستواء ونضارة وَكَانَت من مفاخر خُرَاسَان إِذْ لم يكن لَهَا شَبيه فى الْحسن فى الْآفَاق وَكَانَ الْمثل يضْرب بهَا فى الْحسن والأعجوبة وَكَانَت ظلالها فرسخا فَجرى ذكرهَا غير مرّة فى مجْلِس المتَوَكل فَأحب أَن يَرَاهَا وَحين لم يقدر لَهُ النهوض إِلَى خُرَاسَان كتب إِلَى طَاهِر بن عبد الله يَأْمُرهُ بقطعها
стр. 597
وَبعث أقطاع جذعها وَأَغْصَانهَا كلهَا فى اللبود وَحملهَا على الْجمال إِلَى الحضرة لينصبها النجارون بَين يَدَيْهِ حَتَّى لَا يفقد مِنْهَا أوراقها فَأَشَارَ عَلَيْهِ جُلَسَاؤُهُ بالإضراب عَنْهَا وخوفوه عَاقِبَة أمرهَا وَأَخْبرُوهُ بِمَا فى قطعهَا من الطَّيرَة فكأنهم أغروه بهَا وَلم ينفع السروة شَفَاعَة الشافعين وَلم يجد طَاهِر بدا من امْتِثَال الْأَمر فِيهَا وانفذ النجارين لقطعها وَالْجمال لحملها
ويحكى أَن أهل الرستاق ضمنُوا لطاهر مَالا جزيلا على إعفائها من الْقطع فَأبى وَقَالَ لَو ضمنتم مَكَان كل دِرْهَم دِينَارا لم أقدر على مُخَالفَة أَمر أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلما قطعت عظمت الْمُصِيبَة بهَا على أهل النَّاحِيَة وَارْتَفَعت ضجاتهم بالبكاء عَلَيْهَا وَقَالَت شعراؤهم فى رثائها ثمَّ عبئت فى اللبود وحملت على ثَلَاثمِائَة جمل إِلَى الحضرة فتفاءل بهَا على بن الجهم على المتَوَكل فَقَالَ
(فأل سرى بسبيلة المتَوَكل ... فالسرو يسرى والمنية تنزل)
(مَا سربلت إِلَّا لِأَن إمامنا ... بِالسَّيْفِ من أَوْلَاده متسربل)
فَجرى الْأَمر على مَا تفاءل بِهِ وَقتل المتَوَكل قبل وُصُول السروة إِلَى حَضرته وتذاكر النَّاس الْبَيْتَيْنِ بعد قَتله
٩٧٨ - (شَجَرَة الأترج) تضرب مثلا لمن طَابَ أَصله وفرعه وكل شىء مِنْهُ وَأول من شبه بِهِ الممدوح ابْن الرومى فَقَالَ وَأحسن
(كل الْخلال الَّتِى فِيكُم محاسنكم ... تشابهت مِنْكُم الْأَخْلَاق والخلق)
(كأنكم شجر الأترج طَابَ مَعًا ... حملا ونورا وطاب الطّعْم وَالْوَرق)
وَقَالَ بديع الزَّمَان الهمذانى
(فَإِن يكن شجر الأترج طَابَ مَعًا ... حملا ونورا وطاب الْعود وَالْوَرق)
(فَإِن لون عسيب الْكَلْب خس مَعًا ... قدا وَقدرا وخس اللَّحْم والمرق)
стр. 598
٩٧٩ - (شجر الْخلاف) يشبه مَا يروق منظره وَلَا يحصل ثمره قَالَ ابْن الرومى
(فغدا كالخلاف يورق للعين ... ويأبى الإثمار كل الإباء)
وحله من قَالَ فنظرك فى الْخلاف كشجر الْخلاف يزهر للعين وَلَا يُثمر فى الْيَدَيْنِ وَقصد ابْن لنكك هَذَا الْمَعْنى فنقله إِلَى السرُور حَيْثُ قَالَ
(فى شجر السرو مِنْهُم مثل ... لَهُ رواء وَمَاله ثَمَر)
٩٨٠ - (سِدْرَة الْمُنْتَهى) قَالَ الله جلّ ذكره ﴿وَلَقَد رَآهُ نزلة أُخْرَى عِنْد سِدْرَة الْمُنْتَهى﴾ فَجَعلهَا النِّهَايَة فى مَحل الْقرب والكرامة
وتمثل بهَا الصاحب بِحَضْرَة عضد الدولة فَقَالَ حَضْرَة هى الْغَايَة القصوى من الْمجد وسدرة الْمُنْتَهى بَين أهل الأَرْض
٩٨ - (نسيم الرَّوْض) من أحسن مَا قيل فِيهِ على كثرته قَول البحترى
(يذكرنيك والذكرى عناء ... مشابه فِيك طيبَة الشكول)
(نسيم الرَّوْض من ريح شمال ... وَصوب المزن من رَاح شُمُول)
وَهُوَ الْقَائِل نثرا أَيْضا وَحَكَاهُ الصاحب عَنهُ فَقَالَ أَنا أستحسن قَول البحترى الشُّكْر نسيم النعم
٩٨ - (برد الْورْد) يُقَال للبرد المستطاب برد الْورْد وَهُوَ برد الرّبيع كَمَا يُقَال للبرد الكريه برد الْعَجُوز وشتان مَا بَينهمَا وَيُقَال إِن برد الرّبيع مُورق وَبرد الخريف موبق
стр. 599
٩٨٣ - (خدود الْورْد) لما شبهت الخدود المستحسنة بالورد استعيرت لَهُ الخدود كَمَا قَالَ ابْن الرومى
(خجلت غصون الْورْد من تقبيلها ... خجلا توردها عَلَيْهِ شَاهد)
وَمن أحسن مَا قيل فى ذَلِك قَول مُحَمَّد بن مُوسَى الحدادى البلخى
(مَا بَال فرقة شملنا لَا تجمع ... وَإِلَى مَتى يصل الزَّمَان وَيقطع)
(كم خلفت تِلْكَ الركاب وَرَاءَهَا ... من منزل فِيهِ لنا مستمتع)
(فالورد يلطم خَدّه والجلنار ... عُيُون نرجسه علينا تَدْمَع)
٩٨٤ - (عُيُون النرجس) تَشْبِيه الْعُيُون بالنرجس مَعْرُوف مَشْهُور واستعارة الْعُيُون لَهُ كَذَلِك قَالَ ابْن المعتز
(كَأَن عُيُون النرجس الغض حولنا ... مداهن در حشوهن عقيق)
وَقَالَ الصنوبرى
(أَرَأَيْت أحسن من عُيُون النرجس ... أم من تلاحظهن وسط الْمجْلس)
(در تشقق عَن يَوَاقِيت على ... قضب الزبرجد فَوق بسط السندس)
٩٨٥ - (دمع الْكَرم) يشبه بِهِ كل شىء دَقِيق لطيف وَمن أحسن مَا قيل فى ذَلِك قَول ابْن المعتز
(بكيتك حَتَّى قيل قد ألف البكا ... ونحتك حَتَّى قيل إلْف حنين)
(ورقت دموع الْعين حَتَّى كَأَنَّهَا ... دموع كروم لَا دموع جفون) فَأَخذه الصابى وزاده حَيْثُ يَقُول
(وَكَأن مَا فى الْعين من كأسى جرى ... وَكَأن مَا فى الكأس من أجفانى)
стр. 600
٩٨٦ - (شقّ الأبلمة) من أَمْثَال الْعَرَب قَوْلهم المَال بينى وَبَيْنك شقّ الأبلمة والأبلمة بِالضَّمِّ وَالْكَسْر لِأَن الأبلمة إِذا شققتها طولا انشقت نِصْفَيْنِ سَوَاء من أَولهَا إِلَى آخرهَا وَعَن ابْن الأعرابى أَنَّهَا بقلة تخرج لَهَا قُرُون كالباقلاء وَلَيْسَ لَهَا أرومة وَلَيْسَ شىء أبلغ فى التنصيف مِنْهَا وَلذَلِك قَالَ أَبُو بكر الصّديق رضى الله عَنهُ للْأَنْصَار رضى الله عَنْهُم يَوْم السَّقِيفَة الْأَمر بَيْننَا وَبَيْنكُم شقّ الأبلمة فَنحْن الْخُلَفَاء وَأَنْتُم الوزراء وَكَانَ ذَلِك جَوَابا عَن قَوْلهم منا أَمِير ومنكم أَمِير
٩٨٧ - (طرف الثمام) يضْرب مثلا لتسهيل الْحَاجة وَقرب تنَاولهَا فَيُقَال على طرف الثمام لِأَن الثمام شجر لَا يطول فَيشق على متناوله
٩٨٨ - (نَقِيع الحنظل) يضْرب مثلا لما يُوصف بالمرارة وَالْكَرَاهَة لِأَن الحنظل أَمر شىء وأكرهه قَالَ عنترة
(وَالْخَيْل ساهمة الْوُجُوه كَأَنَّمَا ... سقيت سوابقها نَقِيع الحنظل)
وَكَانَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة يتَمَثَّل فى ذمّ الدُّنْيَا بِهَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ
(دنيا تساق لَهَا الْعباد ذميمة ... شيبت بأكره من نَقِيع الحنظل)
(وَبَنَات دهر لَا تزَال صروفه ... فِيهَا وقائع مثل وَقع الجندل)
٩٨٩ - (فقع قرقر) يضْرب بهَا الْمثل للذليل الضَّعِيف الذى لَا أمتناع بِهِ على من يضيمه والفقع ثخين الكمأة وَهُوَ أَبيض ضخم سريع الْفساد قَلِيل الصَّبْر على الْحَيَاة يُقَال أذلّ من فقع بقاع قرقر قَالَ النَّابِغَة فى النُّعْمَان
(حدثونى بنى السَّقِيفَة مَا يمْنَع ... فقعا بقرقر أَن يزولا)
следующие страницы →