Полный текст (1 019 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وَنَحْوه وَإِن لم يكن مِنْهُ قَول إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس
(لَا تحمدن ابْن سهل إِن وجدت لَهُ ... فعلا جميلا وَلَا تعذل إِذا زرما)
(فَلَيْسَ يمْنَع إبْقَاء على نشب ... وَلَيْسَ يُعْطي الَّذِي يُعْطِيهِ معتزما)
(لَكِنَّهَا خطرات من وساوسه ... يُعْطي وَيمْنَع لَا بخلا وَلَا كرما)
٥٢ - قَوْلهم استكرمت فاربط
٥٣ - أقولهم اشْدُد يَديك بغرزه
يُقَال ذَلِك لمن أَفَادَ شَيْئا يغبط بِهِ وَأَصله فِي الْفرس الْكَرِيم يُصِيبهُ الانسان فيحتفظ بِهِ
والغرز ركاب الرحل واغترز الرجل إِذا وضع رجله فِي الغرز
وَفِي كَلَام لمعاوية اغترز فِي ركاب الْفِتْنَة حَتَّى اسْتَوَت على رجلهَا
٥٤ - قَوْلهم اطلب تظفر
٥٥ - وَقَوْلهمْ ألق دلوك فِي الدلاء
يضْرب مثلا فِي الْحَث على الِاكْتِسَاب وَترك التواني فِي طلب الرزق وَهُوَ من قَول أبي الاسود الدؤَلِي
стр. 72
(وَمَا طلب الْمَعيشَة بالتمني ... وَلَكِن ألق دلوك فِي الدلاء)
(تجئك بملئها يَوْمًا وَيَوْما ... تَجِيء بحمأة وَقَلِيل مَاء)
وَقَالَ بَعضهم مَا أحب أَنِّي مكفي وَأَن لي مَا بَين شَرق إِلَى غرب قيل وَلم قَالَ كَرَاهَة عَادَة الْعَجز
وَقلت
(أَلا لَا يذم الدَّهْر من كَانَ عَاجِزا ... وَلَا يعذل الاقدار من كَانَ وانيا)
(فَمن لم تبلغه الْمَعَالِي نَفسه ... فَغير جدير أَن ينَال المعاليا)
٥٦ - قَوْلهم احلب حَلبًا لَك شطره
يضْرب مثلا للرجل يعين صَاحبه على أَمر لَهُ فِيهِ نصيب
والشطر وَكَذَلِكَ الشطير
وَقَالَ فضَالة بن شريك
(أنصف امرىء من نصف حَيّ يسبني ... لعمري لقد لَا قيت خطبا من الْخطب)
نصف أَمْرِي يَعْنِي أَنه أَعور وَكَانَ من بني الشطير وهم من كلب وَمثل هَذَا بديع من مَعَاني القدماء
وَأخذ ذُو الريا سِتِّينَ هَذَا فَكتب إِلَى ذِي اليمينين أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن الصولي عَن أبي العيناء قَالَ سَمِعت الْحسن بن سهل يَقُول كتب إِلَى الْمَأْمُون أَن طَاهِر بن الْحُسَيْن قَالَ
стр. 73
(غضِبت على الدُّنْيَا فجفت ضروعها ... فَمَا النَّاس إِلَّا بَين راج وخائف)
(قتلت أَمِير الْمُؤمنِينَ وَإِنَّمَا ... بقيت عناءً بعده للخلائف)
(وَقد بقيت فِي أم رَأْسِي بَقِيَّة ... فإمَّا لحزم أَو لرأي مُخَالف)
فَاغْتَمَّ الْمَأْمُون فَرَآهُ الْفضل بن سهل كاسفاً فَقَالَ مَا بَال أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن زأرك أَسد فاقذف بِي فِي لهواته فَعرفهُ الْخَبَر وأقرأه الشّعْر
فَكتب الْفضل إِلَى طَاهِر قَرَأت كتابك يذكر عَنْك وساوس تكون عَلَيْك لَا لَك وَأما وَالله يَا نصف إِنْسَان لَئِن أفكرت لأهمن وَلَئِن هَمَمْت لافعلن وَلَئِن فعلت لأبرمن وَلَئِن أبرمت لاحكمن
وَبعث إِلَيْهِ بِالْكتاب فَكتب طَاهِر مَا كل قَول حق وَمَا كل إبلاغ صدق وَإِنَّمَا أَنا عبد استنصح فنصح إِن أمسك عني استزدت وَإِن اعتمدت بِإِحْسَان شكرت فمنزلتي كمنزلة الامة السَّوْدَاء إِن حمل عَلَيْهَا دندنت وَإِن رفهت أَشرت وَإِن عوقبت فباستحقاق وان عوفيت فبإحسان
٥٧ - قَوْلهم - أَنا غريرك من الامر
يضْرب مثلا للمعرفة بالشَّيْء
وَمَعْنَاهُ أَنا عَالم بالامر فسلني عَنهُ على غرَّة مني لمعرفته وعَلى غير استعداد مني لَهُ وَلَا روية فِيهِ وَأخرج الغرير مخرج خليط وعشير
стр. 74
٥٨ - قَوْلهم أتعلمني بضب أَنا حرشته
يضْرب مثلا لمعْرِفَة الشَّيْء من وجوهه
وأصل الحرش الاثر بالشَّيْء وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنى الاثارة وَهُوَ أَن تثير الضَّب من جُحْره فتستخرجه والمثل الْمَعْرُوف (هُوَ أجل من الحرش)
وَأَصله فِي رموزهم أَن الضَّب كَانَ ينعَت الحرش لحسوله وَهِي أَوْلَاده الْوَاحِد حسل وَيَقُول لَهُنَّ إِذا أحسستن بالحرش فاصبرن وَلَا تخرجن من جحرتكن فصيد الضَّب ذَات يَوْم فَوضع رَأسه على حجر وشدخ بِحجر آخر فَقُلْنَ لَهُ أَهَذا الحرش فَقَالَ هَذَا أجل من الحرش هَذَا الْمَوْت
٥٩ - قَوْلهم أعْط الْقوس باريها
أَي اسْتَعِنْ على عَمَلك بِمن يُحسنهُ وَهُوَ من قَول الْقَائِل
(يَا باري الْقوس برياً لست تحكمه ... لَا نظلم الْقوس أعْط الْقوس باريها)
وظلمه لَهَا إفساده إِيَّاهَا
وأصل الظُّلم وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه
وَنَحْو الْمثل قَول الشَّاعِر
(فَخَل مَكَانا لم تكن لتسده ... عَزِيزًا على عبس وذبيان ذائده)
стр. 75
وَقَالَ غَيره
(الان حِين تعاطى الْقوس باريها ... )
وَقَالَ رَسُول الله ﷺ (اسْتَعِينُوا على كل صناعَة بِأَهْلِهَا) وَقَالَ بعض الْخُلَفَاء لرجل مَا أطيب النَّقْل فَقَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ (اسْتَعِينُوا على كل صناعَة بِأَهْلِهَا) وَلَا يُؤْخَذ علم هَذَا إِلَّا عَن أبي نواس فَإِنَّهُ أعرف أَهله بِهِ وأنشده قَوْله
(مَالِي فِي النَّاس كلهم مثل ... مائي خمر ونقلي الْقبل)
(يومي حَتَّى إِذا الْعُيُون هدت ... وحان نومي فمرقدي كفل)
وَقَرِيب من ذَلِك مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد عَن ابْن دُرَيْد عَن الرياشي عَن ابْن سَلام قَالَ قَالَ بعض جلساء حَمَّاد الرِّوَايَة بَلغنِي أَن للحلقيين أرحاماً منكوسة فَقَالَ حَمَّاد لفتىً إِلَى جنبه اكْتُبْ هَذَا فَإِن أصح الحَدِيث مَا اخذ عَن اهله
٦٠ - قَوْلهم أفواهها مجاسها
٦١ - وَقَوْلهمْ أَرَاك بشر مَا أحار مشفر
يضْرب مثلا للامر يدل ظَاهره على بَاطِنه
وَذَلِكَ أَن الابل إِذا أَحْسَنت الاكل اكْتفي بذلك فِي معرفَة صِحَّتهَا وصلاحها عَن جسها
وَمثله مَا أنشدناه أَبُو أَحْمد عَن أبي بكر بن دُرَيْد عَن الرياشي عَن الْأَصْمَعِي
стр. 76
(أطلس يخفي شخصه غباره ... فِي فَمه شفرته وناره)
(هُوَ الْخَبيث عينه فراره ... ممشاه ممشى الْكَلْب وازدجاره)
(بهم بني محَارب مزداره ... )
وَفِي الْمثل (إِن الْجواد عينه فراره) مَعْنَاهُ إِن معاينتك الْجواد تغنيك عَن فراره
والفرار بِالضَّمِّ وَالْكَسْر
وَقَوْلهمْ (أَرَاك بشر مَا أحار مشفر) أَي مَا أعتلفته الدَّوَابّ يتَبَيَّن فِي أجسامها
وَمثل الْمثل سَوَاء مَا رُوِيَ أَن بَعضهم قَالَ لاعرابي رَآهُ جيد الكدنة أرى عَلَيْك قَمِيصًا صفيقاً من نسج ضرسك فَقَالَ ذَاك عنوان نعْمَة الله عِنْدِي
٦٢ - قَوْلهم أنجد من رأى حضناً
وَهُوَ فِي معنى الدّلَالَة على الشَّيْء
وَمَعْنَاهُ أَن من رأى حضناً وَهُوَ جبل بِنَجْد فقد أَتَى نجداً وَلَيْسَ بِهِ حَاجَة إِلَى السُّؤَال عَنهُ
وَيُقَال أنجد الرجل إِذا أَتَى نجداً وأتهم إِذا أَتَى تهَامَة وأعرق إِذا أَتَى الْعرَاق وأشأم إِذا أَتَى الشَّام وأعمن إِذا أَتَى عمان وأيمن إِذا أَتَى الْيمن وأمنى إِذا أَتَى منى وبصر وكوف من الْبَصْرَة والكوفة
وأصل نجد الِارْتفَاع وَقيل للنجاد نجاد لانه يحشو الثِّيَاب حَتَّى ترْتَفع
стр. 77
٦٣ - قَوْلهم أَن ترد المَاء بِمَاء أَكيس
٦٤ - وَقَوْلهمْ اشْتَرِ لنَفسك وللسوق
يضْرب مثلا للاخذ بالثقة وَالِاحْتِيَاط
يَقُول الْكيس أَن ترد المنهل ومعك فضل مَاء تزودته من منهل قبله
والكيس خلاف الْحمق
وَقَالَ عَليّ ﵁
(إِمَّا تراني كيساً مكيسا ... بنيت بعد نَافِع مخيسا)
(سَوْطًا شَدِيدا وأميراً كيسا ... )
وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ لمنصور بن الْمُعْتَمِر سل مَسْأَلَة الحمقى واحفظ حفظ الاكياس وَقَالَ زيد الْخَيل
(أقَاتل حَتَّى لَا أرى لي مُقَاتِلًا ... وأنجو إِذا لم ينج إِلَّا المكيس)
وَكَانَت تَمِيم يدعونَ الْغدر كيسَان قَالَ النمر بن تولب
(إِذا مَا دعوا كيسَان كَانَت كهولهم ... إِلَى الْغدر أدنى من شبابهم المرد)
стр. 78
وَقَالَ بَعضهم أصل الْيَاء فِي الْكيس وَاو وَهُوَ مثل الطّيب يُقَال كوسى وطولى وَلَيْسَ كَذَلِك وَقَالَ بَعضهم
(قد ورد المَاء بِمَاء قيس ... وَفِي بني أم الْبَنِينَ كيس)
(على الْمَتَاع مَا غبا غبيس ... )
يُقَال (لَا أفعل ذَلِك مَا غبا غبيس) أَي لَا أَفعلهُ أبدا يُقَال غبا يغبو وغبي يغبا إِذا غَابَ عَنهُ الذِّهْن
وَقَالَ غَيره
(رزقت بالحمق فَالْزَمْ مَا رزقت بِهِ ... مَا يفعل الأحمق المرزوق بالكيس)
وَقَالَ جران الْعود وَبِهَذَا الْبَيْت سمى جران الْعود
(عَمَدت لعود فانتحيت جرانه ... وللكيس أدنى فِي الامور وأنجح)
وَقَوْلهمْ (اشْتَرِ لنَفسك وللسوق) أَي اشْتَرِ مَا إِن أمسكته انتفعت بِهِ وَإِن لم ترده نفق عَنْك فِي البيع وروى عَن عمر إِنَّه قَالَ إِذا اشْتريت جملا فاشتره عَظِيما فَإِن أخطأك نَفعه لم يخطئك سوق
стр. 79
٦٥ - قَوْلهم آخرهَا أقلهَا شرباً
يحث بِهِ على التَّقَدُّم فِي الامر وَأَصله فِي سقِِي الابل وَذَلِكَ أَن الْمُتَأَخر عَن الْورْد رُبمَا جَاءَ وَقد مضى النَّاس بِعَفْو المَاء وصادف مِنْهُ نفاداً وَلَا يكون تَأْخِير الْورْد عِنْدهم إِلَّا من ذل أَو عجز
وَمن ذَلِك قَول النَّجَاشِيّ
(إِذا الله عادى أهل لؤم ودقة ... فعادى بني العجلان رَهْط ابْن مقبل)
(قَبيلَة لَا يغدرون بِذِمَّة ... ولايظلمون النَّاس حَبَّة خَرْدَل)
(ولايردون المَاء الا عَشِيَّة ... إِذا صدر الوراد عَن كل منهل)
وَقَالَ آخر يصف إبِلا رأى أهل المَاء سماتها فعرفوا شرف أَرْبَابهَا فخلى الْورْد لَهَا
(قد سقيت آبالهم بالنَّار ... وَالنَّار قد تشفي من الاوار)
وَالنَّار السمة سميت بذلك لانها بالنَّار تكون سماتها
وَقَالَ بعض اللُّصُوص وَقد سَاق إبِلا إِلَى سوق ليبيعها
(تَسْأَلنِي الباعة أَيْن نارها ... اذا زعزعوها فَسَمت أبصارها)
(كل نجار إبل نجارها ... وكل دَار لاناس دارها)
(وكل نَار الْعَالمين نارها ... )
стр. 80
وَقَالَ الشَّاعِر فِي الْحَث على التَّقَدُّم فِي الامور
(إِذا ضيعت أول كل أَمر ... أَبَت أعجازه إِلَّا التواء)
(وَإِن سومت أَمرك كل وغد ... ضَعِيف كَانَ امركما سَوَاء)
(وَإِن داويت دينا بالتناسي ... وبالليان أَخْطَأت الدَّوَاء)
وَقلت
(ركُوب لأعناق الْأُمُور وَلم يكن ... يدب على أعجازها متقفرا)
(إِذا أدبر الْمَطْلُوب عَنْك فخله ... فَإِن عناء أَن تحاول مُدبرا)
وَمِمَّا يجْرِي مَعَ ذَلِك قَول برج بن مسْهر
((مَتى كَانَ أَمر الْحَيّ يوسي بحندج ... وَقيس بن جُزْء شَرّ دهرك آخِره)
وَجَاء فِي تَفْسِير هَذَا الْمثل قَول آخر قَالَ الْأَصْمَعِي يُرَاد بِهِ أَن أقل الْحَاجة مَا بَقِي
وَأَصله أَن رجلا سقى لرجل إبِلا فَبَقيت مِنْهَا بَقِيَّة فخشى أَن يَتْرُكهَا وَلَا يسقيها فَقَالَ (آخرهَا أقلهَا شربا) أَي بَقِيَّة الْعَمَل أقل
وَالشرب النَّصِيب من المَاء
وَالشرب اسْم يُقَال مقَام الْمصدر
٦٦ - قَوْلهم أَمر مبكياتك لَا أَمر مضحكاتك
يَقُول اتبع أَمر من يخوفك عواقب إساءتك لتحذرها فتنجو وَلَا تتبع أَمر من يُؤمنك الْمخوف فيورطك
وَمثل ذَلِك قَول الْحسن إِن من يخوفك حَتَّى تلقى الْأَمْن أشْفق عَلَيْك مِمَّن يُؤمنك حَتَّى تلقى الْخَوْف
وَفِي خِلَافه قَول الاول
стр. 81
(تخوفني صروف الدَّهْر سلمى ... وَكم من خَائِف مَا لَا يكون)
وَقَالَ غَيره أَكثر الْخَوْف باطله وَفِيمَا أوحى الله تَعَالَى إِلَى بعض الانبياء إِنِّي أخوفك لأقومك
وَقلت فِي نَحوه
(تؤدبه الايام فِيمَا يضرّهُ ... وَكم ضَرَر للمرء فِيهِ مَنَافِع)
وَقلت
(يَا نفس صبرا على مَا كَانَ من ضَرَر ... فَرب مَنْفَعَة تجنى من الضَّرَر)
٦٧ - قَوْلهم إِذا أردْت المحاجزة فَقبل المناجزة
٦٨ - وَقَوْلهمْ إِن الموصين بَنو سهوان
يضْرب الاول مثلا فِي تَعْجِيل الْفِرَار مِمَّن لَا طَاقَة لَك بِهِ
والمحاجزة من قَوْلهم حجزت بَين الشَّيْئَيْنِ
والمناجزة سرعَة الْقِتَال
والمثلان لدويد بن زيد بن نهد فِي وَصيته لِبَنِيهِ عِنْد مَوته قَالَ لَهُم يَا بني أوصيكم بِالنَّاسِ شرا لَا ترحموا لَهُم عِبْرَة وَلَا تقيلوا لَهُم عَثْرَة قصروا الاعنة وطولوا الاسنة واطعنوا شزراً واضربوا هبراً وَإِذا أردتم المحاجزة فَقبل المناجزة والمرء يعجز لَا المحالة بالجد لَا بالكد التجلد وَلَا التبلد الْمنية وَلَا الدنية لَا تأسوا على فَائت وَإِن عز فَقده وَلَا تحنوا إِلَى ظاعن وَإِن ألف
стр. 82
قربه وَلَا تطمعوا فتطبعوا وَلَا تهنوا فتخرعوا وَلَا يكن لكم مثل السوء (إِن الموصين بَنو سهوان)
ثمَّ قَالَ
(الْيَوْم يبْنى لدويد بَيته ... يارب نهب صَالح حويته)
(وَرب قرن بَطل أرديته ... وَرب غيل حسن لويته)
(ومعصم مخضب ثنيته ... لَو كَانَ للدهر بلَى أبليته)
(أَو كَانَ قَرْني وَاحِدًا كفيته ... )
وَقَالَ
(ألْقى على الدَّهْر رجلا ويدا ... والدهر مَا أصلح يَوْمًا أفسدا)
(يفْسد مَا أصلحه الْيَوْم غَدا ... )
الطعْن الشزر على أحد الْجَانِبَيْنِ
وَالنَّظَر الشزر بمؤخر الْعين
والهبر من قَوْلهم هبرت اللَّحْم إِذا قطعته قطعا كبارًا وَسيف هَبَّار
والمحالة الْحِيلَة وَالْجد الْحَظ والطبع الدنس وَأَصله الصدأ الَّذِي يركب الْحَدِيد
والوهن الضعْف والخرع اللين
وَقَوْلهمْ (إِن الموصين بنهو سهوان) الموصون جمع موصى وَهُوَ الَّذِي توصيه بالشَّيْء مرّة بعد أخري وَمَعْنَاهُ توصيهم بالشَّيْء وتؤكد عَلَيْهِم ثمَّ يسهون عَمَّا أوصوا ويتركونه ويحتجون بالسهو
وَقيل يضْرب مثلا للرجل الموثوق بِهِ وَمَعْنَاهُ أَن الَّذين يَحْتَاجُونَ إِلَى
стр. 83
الوصاة لحوائج إخْوَانهمْ إِنَّمَا هم الَّذين يسهون عَنْهَا لقلَّة عنايتهم بهَا وَأَنت بحاجة أَخِيك معنى لَا تحْتَاج إِلَى وصاتك بهَا قَالَ الشَّاعِر
(وَأكْثر نسياني لما لَا يهمني ... وَإِنِّي لما أَعنِي بِهِ لذكور)
٦٩ - قَوْلهم أعندي أَنْت أم فِي العكم وأعندي أَنْت أم فِي الربق
يضْرب مثلا للرجل الْقَلِيل الْفَهم
والعكم الْحمل والعكم شده
والربق جمع ربقة وَهِي حَبل تشد بِهِ الْبَهِيمَة
وَأما قَوْلهم (أمعنا أَنْت أم فِي الْجَيْش) فَمَعْنَاه أعلينا انت ام لنا
٧٠ - قَوْلهم أفرخ روعك
أَي زَالَ مَا كنت تخَاف مِنْهُ وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي أول مَا قَالَه مُعَاوِيَة وَذَلِكَ خطا
وَأول من قَالَه النَّبِي ﷺ أخبرنَا أَبُو أَحْمد عَن ابْن الْأَنْبَارِي عَن أبي الْعَبَّاس قَالَ ولى مُعَاوِيَة زياداً الْبَصْرَة وَاسْتعْمل الْمُغيرَة بن شُعْبَة على الْكُوفَة فَلم يلبث أَن مَاتَ الْمُغيرَة فتخوف زِيَاد أَن يسْتَعْمل مَكَانَهُ عبد الله بن عَامر فَكتب إِلَيْهِ يُشِير عَلَيْهِ بِاسْتِعْمَال الضَّحَّاك بن قيس وَكتب إِلَيْهِ مُعَاوِيَة أفرخ روعك قد ضممناها إِلَيْك فَقَالَ زِيَاد (النبع يقرع بعضه بَعْضًا) فَذَهَبت كلمتاهما مثلين
والروع الْفَزع وَهَذَا وهم على مَا ذَكرْنَاهُ وَالصَّحِيح مَا أخبرنَا بِهِ أَبُو أَحْمد قَالَ حَدثنَا عبد الْوَهَّاب بن عِيسَى قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْأنمَاطِي قَالَ
стр. 84
حَدثنَا خلف بن خَليفَة عَن أبي يزِيد عَن الشّعبِيّ عَن عُرْوَة بن مُضرس قَالَ انْتَهَيْت إِلَى النَّبِي ﷺ وَهُوَ يجمع قبل أَن يُصَلِّي الْغَدَاة فَقلت يَا نَبِي الله قد طويت الجبلين وَلَقِيت شدَّة
فَقَالَ (أفرخ روعك من أدْرك إفاضتنا هَذِه فقد أدْرك) يَعْنِي الْحَج
أفرخ روعك أَي زَالَ مَا كنت ترتاع لَهُ وَتخَاف وَأَصله خُرُوج الفرخ من الْبَيْضَة وانكشاف الْغم عَنهُ
قَالَ ذُو الرمة
(جذلان قد أفرخت عَن روعة الكرب ... )
والروع فِي بَيت ذِي الرمة مضموم الرَّاء وَهُوَ الْخلد
٧١ - قَوْلهم أَخذنَا فِي الدوس
قَالَ الْأَصْمَعِي يُرِيد تَسْوِيَة الخديعة وتزيينها من قَوْلك داس السَّيْف يدوسه إِذا صقله وَالْحجر الَّذِي بِهِ يصقل بِهِ مدوس
وأخذنا فِي التزكين أَي التَّشْبِيه وزكن عَلَيْهِ وزكم إِذا شبه وَكَذَلِكَ الظَّن وَمَا يضمر الْإِنْسَان يجْرِي هَذَا المجرى وَقد زكن الرجل وزكن بِالتَّشْدِيدِ
وَأنْشد
(يَا أيهذا الكامش المزكن ... أعلن بِمَا تخفي فَإِنِّي معلن)
وَقَالَ آخر
(زكنت من أَمرهم مثل الَّذِي زكنوا ... )
стр. 85
٧٢ - قَوْلهم احذر الصّبيان لَا تصبك بأعقائها
يُقَال ذَلِك فِي التخدير من صُحْبَة من يعيبك من الوضعاء والأدنياء
وصحبة الدنيء تضع الشّرف وتقصر الهمة وتخمد الذّكر وتفسد الجاه وَمثل الشريف يخالط الدنيء مثل الْمسك تخلطه بالرماد فَيَأْتِي على جَمِيع محاسنه وَيهْلك سَائِر مفاخره وَقلت فِي شرِيف خالط قوما أدنياء
(أَرَاك تلفقت فِي جيفة ... فَلم يجد أَنَّك من عنبر)
والأعقاء جمع عقي وَهُوَ الَّذِي يخرج من الصَّبِي سَاعَة يُولد
والعقي بِالْفَتْح الْمصدر
وَفِي هَذَا الْمَعْنى قَوْلهم صديق السوء كالقين إِن لم يحرقك بناره يؤذك بدخانه
وَقَرِيب من هَذَا الْمَعْنى قَول بَعضهم لرجل لَا تشرب النَّبِيذ مَعَ من تفتضح بِهِ واشربه مَعَ من يفتضح بك
٧٣ - قَوْلهم أَعور عَيْنك وَالْحجر
يضْرب مثلا للتمادى فِي الْمَكْرُوه والمشفي مِنْهُ على الهلكة فَيُقَال لَهُ أبق على نَفسك من أَن يصيبك بتماديك مَا يُصِيب الْأَعْوَر إِذا فقئت عينه الصَّحِيحَة فَيبقى بِلَا بصر وكما أَن الْأَعْوَر أَحَق بالحذر على عينه فَإنَّك أَحَق بمراجعة الْحسنى لمقاربتك العطب
стр. 86
وَرُوِيَ أَن أَبَا سُفْيَان بن حَرْب ذهبت إِحْدَى عَيْنَيْهِ ثمَّ أصَاب الْأُخْرَى حجر فَقَالَ أمسينا وَأمسى الْملك لله
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أصل هَذَا الْمثل أَن غراباً وَقع على دبرة نَاقَة فكره صَاحبهَا أَن يرميه فتثور النَّاقة وَكره أَن يتْركهُ فيدمي الدبرة فَجعل يُشِير إِلَيْهِ بِالْحجرِ وَيَقُول (أَعور عَيْنك وَالْحجر)
وَيُقَال للغراب الْأَعْوَر لحدة بَصَره كَمَا قيل للحبشي أَبُو الْبَيْضَاء وللأبيض أَبُو الجون وللملدوغ السَّلِيم ثمَّ اسْتعْمل الْمثل فِي الْمَعْنى الَّذِي تقدم وَالْحجر وَالْعين منصوبان على الإغراء
٧٤ - قَوْلهم اتخذ اللَّيْل جملا
يضْرب مثلا للرجل يجد فِي طلب الْحَاجة يُقَال شمر ذيلا وادرع لَيْلًا
هَكَذَا قَالَ بَعضهم وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ ركب اللَّيْل فِي حَاجته وَلم ينم حَتَّى نالها
وَهُوَ من أَمْثَال أَكْثَم بن صَيْفِي وَأَخذه أَبُو تَمام فَقَالَ
(جعل الدجى جملا وودع رَاضِيا ... بالهون يتَّخذ الْقعُود قعُودا)
وَقَالَ أَكثر أَيْضا (ادرعوا اللَّيْل فَإِن اللَّيْل أخْفى للويل) فَأَخذه الشَّاعِر فَقَالَ
(لَا تلق إِلَّا بلَيْل من تواصله ... فالشمس نمامة وَاللَّيْل قواد)
стр. 87
وَقلت
(وَإِنَّمَا النجح فِي ليل ترادفه ... إِذا تأوب أَو صبح تواكبه)
(وساهر اللَّيْل فِي الْحَاجَات نائمه ... وواهب المَال عِنْد الْمجد كاسبه)
وَقيل من كثر نَومه اشْتَدَّ فقره والصبحة مبخرة معْجزَة مجفرة والصبحة نوم الْغَدَاة وَقَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي
(وَمَا طَالب الْحَاجَات فِي كل وجهة ... من النَّاس إِلَّا من أجد وشمرا)
(فَلَا ترض من عَيْش بِدُونِ وَلَا تنم ... وَكَيف ينَام اللَّيْل من بَات مُعسرا)
وَقَالَ رجل لبقراط كَيفَ جمعت هَذَا الْعلم الْكثير قَالَ إِنِّي أنفدت من الزَّيْت مِثْلَمَا شربت من المَاء
المجفرة المصدة عَن النِّكَاح يُقَال جفر الْفَحْل إِذا انْصَرف عَن الْإِبِل وَلم يضْربهَا
٧٥ - قَوْلهم أجر الْأُمُور على أذلالها
يضْرب مثلا للرفق بِالْأَمر وَحسن التَّدْبِير لَهُ وَمَعْنَاهُ أجرهَا على وجوهها ومجاريها
وَوَاحِد الأذلال ذل وَهُوَ ضد الصعوبة
وَالْمعْنَى أَنَّك إِذا أجريت الْأَمر على وَجهه لم يصعب عَلَيْك اطراده
وَنَحْوه قَول الله تَعَالَى ﴿وَأتوا الْبيُوت من أَبْوَابهَا﴾ وَنَحْوه قَول قيس بن الخطيم
(إِذا مَا أتيت الْعِزّ من غير بَابه ... ضللت وَإِن تقصد من الْبَاب تهتد)
стр. 88
٧٦ - قَوْلهم ارْض من المركوب بالتعلق
يضْرب مثلا للرضا بِدُونِ الْحَاجة أَي ارْض من الْأَمر بِدُونِ تَمَامه وَمن الْعَيْش بِدُونِ الكفاف يحثه على القناعة
وَأَصله فِي الرّكُوب يُقَال للرجل تعلق بعقبة تركبها والعقبة أَن يركب قَلِيلا ثمَّ ينزل فيركب صَاحبه وَقد اعتقب الْقَوْم رواحلهم
وَمن أَجود مَا جَاءَ فِي القناعة وَالرِّضَا بِدُونِ الْحَاجة قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(أَنْت مُحْتَاج فَقير أبدا ... دون أَن ترْضى بِأَدْنَى مَا لديك)
وذم بَعضهم القناعة فَقَالَ هِيَ خلق الْبَهَائِم إِنَّهَا إِذا وجدت أكلت وَإِن لم تَجِد باتت على خسف وَأنْشد
(وَلَا يُقيم على ضيم يسام بِهِ ... إِلَّا الأذلان عير الْحَيّ والوتد)
(هَذَا على الْخَسْف مربوط برمتِهِ ... وَذَا يشج فَلَا يرثى لَهُ أحد)
وَقلت فِي هَذَا النَّحْو
(سأستعطف الْأَيَّام حَتَّى تردني ... إِلَى جَانب مِنْهَا يلين ويسهل)
(وأقنع لَا أَن القناعة لي هوى ... وَلَكِن صون الْعرض بِالْحرِّ أجمل)
стр. 89
٧٧ - قَوْلهم اصنعه صَنْعَة من طب لمن حب
يُقَال ذَلِك لمن يلْتَمس مِنْهُ النيقة فِي الشَّيْء أَي اصنعه صَنْعَة حاذق لمن يُحِبهُ
وطببت يارجل وطببت أَي حذقت
وَحب مثل أحب وَجعلُوا الْفَاعِل من أحب فَقَالُوا هُوَ محب وَالْمَفْعُول بِهِ من حب فَقَالُوا هُوَ مَحْبُوب
هَذَا هُوَ الْأَكْثَر وَرُبمَا قَالُوا محب كَمَا قَالَ عنترة
(وَلَقَد نزلت فَلَا تظني غَيره ... منى بِمَنْزِلَة الْمُحب المكرم)
وَقَالَ الفرزدق
(وَقد علمُوا أَنِّي أطب وَأعرف ... )
وفحل طب إِذا كَانَ بَصيرًا بالضراب لَا يدع حَائِلا وَلَا يقرب لاقحاً
والطب السحر والمطبوب المسحور والطب أَيْضا الدَّاء
قَالَ الشَّاعِر
(وَمَا إِن صبنا جبن وَلَكِن ... مناياناً ودولة آخرينا)
وَأنْشد أَبُو تَمام
(وَمَا إِن طبها إِلَّا اللغوب ... )
أَي مَا بهَا دَاء الا الإعياء
стр. 90
٧٨ - قَوْلهم أتبع الْفرس لجامها
يضْرب مثلا للرجل قضى الْحَاجة وَلم يُتمهَا
يَقُول جدت بالفرس واللجام أيسر خطباًً وَلَا غناء بالفرس دونه فَإِذا منعته فكأنك لم تَجِد بالفرس
والمثل لعمر بن ثَعْلَبَة من كلب وَكَانَ ضرار بن عَمْرو الضَّبِّيّ أغار على كلب فساق فِي الْغَنِيمَة سلمى بنت وَائِل وَكَانَت أمة لعَمْرو بن ثَعْلَبَة وَهِي أم النُّعْمَان بن الْمُنْذر وَمَعَهَا أمهَا وأختاها فَسَأَلَهُ عَمْرو ردهن فردهن غير سلمى وَكَانَت أَعْجَبته فَقَالَ عَمْرو (أتبع الْفرس لجامها) فَردهَا فسارت الْكَلِمَة مثلا
وَأَخذه البحتري فَقَالَ يصف فرسا
(ترى أحجاله يصعدن فِيهِ ... صعُود الْبَرْق فِي الْغَيْم الجهام)
(وَمَا حسن بِأَن تهديه فَذا ... سليب السرج منزوع اللجام)
(فأتمم مَا مننت بِهِ وأنعم ... فَمَا الْمَعْرُوف إِلَّا بالتمام)
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر
(والطرف أجلب زائر لمؤونة ... مالم تزره بسرجه ولجامه)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى من أبي العيناء
стр. 91
٧٩ - قَوْلهم أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل
يضْرب مثلا لإدراك الْحَاجة بِلَا تَعب وَلَا مشقة يَعْنِي أَنه أورد إبِله شَرِيعَة المَاء فَشَرِبت واشتمل هُوَ بكسائه ونام وَلم يوردها بِئْرا فَيحْتَاج إِلَى الاستقاء لَهَا
وَهُوَ مثل قَوْلهم (أَهْون السَّقْي التشريع) أَي إِ يُرَاد الْإِبِل الشَّرِيعَة هَكَذَا فسره بَعضهم وَالصَّحِيح أَنه يضْرب مثلا للرجل يقصر فِي الْأَمر ايثارا للراحة على الْمَشَقَّة وَالدَّلِيل على ذَلِك قَوْله
(مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل ... )
أَي مَا هَكَذَا يكون الْقيام فِي الْأُمُور
والمثل لمَالِك بن زيد مَنَاة بن تَمِيم وَرَأى أَخَاهُ سَعْدا أورد إبِله وَلم يحسن الْقيام عَلَيْهَا فَقَالَ ذَلِك وَكَانَ مَالك آبل أهل زَمَانه على حمقه وَسَنذكر قصَّته على التَّمام بعد إِن شَاءَ الله
وَخرج قوم فِي خلَافَة عَليّ ﵇ سفرا فَقتلُوا بَعضهم فَلَمَّا رجعُوا طالبهم عَليّ ﵁ وَأمر شريحاً بِالنّظرِ فِي أَمرهم فَحكم بِإِقَامَة الْبَيِّنَة فَقَالَ عَليّ ﵇
(أوردهَا سعد وَسعد مُشْتَمل ... مَا هَكَذَا تورد يَا سعد الْإِبِل)
أَرَادَ أَنه قصر وَلم يستقص كتقصير صَاحب الْإِبِل فِي تَركهَا واشتماله ولومه
ثمَّ فرق بَينهم وسألهم وَاحِدًا وَاحِدًا فَاخْتَلَفُوا عَلَيْهِ فَلم يزل يبْحَث حَتَّى أقرُّوا فَقَتلهُمْ وَذَلِكَ أول مَا فرق بَين الْخُصُوم
стр. 92
٨٠ - قَوْلهم إلاده فلاده
فسر على وُجُوه فَقَالَ بَعضهم يضْرب مثلا للرجل يطْلب شَيْئا فَإِذا مَنعه طلب غَيره
وَقَالَ الْأَصْمَعِي لَا أَدْرِي مَا أَصله وَقَالَ غَيره أَصله أَن بعض الْكُهَّان تنافر إِلَيْهِ رجلَانِ فامتحناه فَقَالَا لَهُ فِي أَي شَيْء جئْنَاك قَالَ فِي كَذَا قَالَا لَا فَأَعَادَ النّظر وَقَالَ إلاده فلاده أَي إِن لم يكن هَذَا فَلَيْسَ غَيره ثمَّ أخبرهما وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَاهُ إِن لم يكن ذَلِك الْآن لم يكن أبدا يغريه بِهِ وَأنْشد قَول رؤبة
(وَقَول إلاده فلاده ... )
أَي إِن لم يكن هَذَا الْآن لم يكن بعد
وَقَالَ الْخَلِيل يُقَال إِن قَول رؤبة (إلاده فلاده) فَارسي حكى صَوت ظئره وَكَانَت الْعَرَب تَقول إِذا رأى الرجل ثَأْره إِلَّا ده فَلَا ده أَي إِن لم تثأر فَلَا تثأر أبدا
٨١ - قَوْلهم اسْقِ أَخَاك النمري
يضْرب مثلا لكل من طلب الشَّيْء مرَارًا
وَأَصله أَن كَعْب بن مامة الْإِيَادِي خرج فِي ركب فِي حمارة القيظ فَلَمَّا كَانُوا بالدهناء عطشوا فَجعلُوا يقسمون المَاء على الْحَصَاة فَشرب الْقَوْم حصصهم فَلَمَّا بلغ الشّرْب كَعْبًا
стр. 93
نظر إِلَيْهِ شمر بن مَالك النمري فَقَالَ كَعْب للساقي (اسْقِ أَخَاك النمري) فَسَارُوا ثمَّ نزلُوا فاقتسموا المَاء فَلَمَّا بلغ الشّرْب كَعْبًا نظر إِلَيْهِ النمري فَأمر لَهُ بِنَصِيبِهِ فأدركه الْمَوْت فاستكن تَحت شَجَرَة وَقد قربوا من المَاء فَقيل لَهُ (رد كَعْب إِنَّك وَارِد) فَذَهَبت مثلا وَمَات فَقَالَ مامة أَبوهُ يرثيه
(أوفى على المَاء كَعْب ثمَّ قيل لَهُ ... رد كَعْب إِنَّك وَارِد فَمَا وردا)
(مَا كَانَ من سوقة أسْقى على ظمأ ... خمرًا بِمَاء إِذا ناجودها بردا)
(من ابْن مامة كَعْب ثمَّ عي بِهِ ... زو الْمنية إِلَّا حرَّة وقدى)
وَهَذَا أسخى النَّاس لِأَنَّهُ جاد بِمَا فِيهِ حَيَاته على حسب قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(يجود بِالنَّفسِ إِذْ ضن الْجواد بهَا ... والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود)
وزو الْمنية قدرهَا
وَكَانَ كَعْب إِذا جاوره رجل فَمَاتَ وداه وَإِذا مَاتَ لَهُ بعير أَو شَاة أخلف عَلَيْهِ
وقدى فعلى من الْوقُود والحرة حرارة الْجوف من الْعَطش
٨٢ - قَوْلهم أخلف رويعيا مظنه
يضْرب مثلا فِي الْحَاجة تلتمس فيحول دونهَا حَائِل
стр. 94
وَأَصله أَن رَاعيا قد عرف مَكَانا معشباً فقصده فصادف عارضاً يمنعهُ من رعيه
والرويعي تَصْغِير الرَّاعِي وَمثله قَوْلهم (قد علقت دلوك دلو أُخْرَى) أَي عرض فِي أَمرك عَارض وَنَحْوه قَول يزِيد بن مُعَاوِيَة
(باعت على بيعك أم مِسْكين)
وَله حَدِيث نذكرهُ
وَمثله قَوْلهم
(وَالْأَمر يحدث بعده الْأَمر)
قَالَ الشَّاعِر فِي إخلاف الظَّن
(ظَنَنْت بِهِ ظنا فقصر دونه ... فيا رب مظنون بِهِ الْخَيْر يخلف)
(وَمَا النَّاس بِالنَّاسِ الَّذين عرفتهم ... وَمَا الدَّار بِالدَّار الَّتِي كنت تعرف)
(وَمَا كل من تهواه يهواك قلبه ... وَمَا كل من أنصفته لَك ينصف)
٨٣ - قَوْلهم أسائر الْيَوْم وَقد زَالَ الظّهْر
يضْرب مثلا للْحَاجة يوءس مِنْهَا وَيرجع بالخيبة عَنْهَا أَي تطمع فِيهَا وَقد تبين لَك الْيَأْس من نيلها
وَمَعْنَاهُ أسائر الْيَوْم يُقَال هَذَا ضَارب زيد غَدا بِمَعْنى ضَارب زيد غَدا
وَفِي الْقُرْآن ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ بِمَعْنى (دائقة الْمَوْت) وَفِي خلاف هَذَا الْمَعْنى قَول الشَّاعِر
стр. 95
(أجارتنا إِن القداح كواذب ... وَأكْثر أَسبَاب النجاح مَعَ الياس)
وَمن أمثالهم فِي الْيَأْس قَول الشَّاعِر
(وأجمعت يأساً لَا لبانة بعده ... ولليأس أدنى للعفاف من الطمع)
وَقَول الحطيئة
(وَلَا ترى طاردا للْحرّ كالياس ... )
٨٤ - قَوْلهم آخر الدَّاء الكي
قَالَ أَبُو بكر الْمثل السائر (آخر الدَّاء الكي) ورد بعض أهل اللُّغَة هَذَا وَقَالَ إِنَّمَا هُوَ (آخر الدَّوَاء الكي)
يضْرب مثلا لما يصلح بالشدة وَلَا ينجع فِيهِ اللين
وَفِي مثل (من أبعد أدوائها تكوى الْإِبِل)
٨٥ - قَوْلهم إِذا نَام ظالع الْكلاب
يضْرب مثلا لتأخير الْحَاجة ثمَّ قَضَائهَا فِي غير وَقتهَا وَذَلِكَ أَن الظالع من الْكلاب لَا يقدر أَن يعاظل مَعَ صحاحها لضَعْفه فَهُوَ يُؤَخر ذَلِك وينتظر فرَاغ آخرهَا فَلَا ينَام حَتَّى إِذا سفد كلهَا سفد هُوَ
стр. 96
والظالع الغامز من شَيْء يُصِيب رجله
وَأَصله فِي المائل لَان الغامز إِذا غمز مَال إِلَى جَانب وَقَالَ النَّابِغَة
(وتترك خصما ظَالِما وَهُوَ ظالع ... )
أَي مائلا عَن الْحق
٨٦ - قَوْلهم أرسل حكيماً وَلَا توصه
الْمثل للزبير بن عبد الْمطلب فِي أَبْيَات لَهُ مَعْرُوفَة أَولهَا
(إِذا كنت فِي حَاجَة مُرْسلا ... فَأرْسل حكيماً وَلَا توصه)
(وَإِن بَاب أَمر عَلَيْك التوى ... فَشَاور لبيباً وَلَا تعصه)
(وَلَا تنطق الدَّهْر فِي مجْلِس ... حَدِيثا إِذا أَنْت لم تحصه)
(وَنَصّ الحَدِيث إِلَى أَهله ... فَإِن الْوَثِيقَة فِي نَصه)
(وَذُو الْحق لَا تنتقص حَقه ... فَإِن القطيعة فِي نَقصه)
فَهَذَا هُوَ قَول الزبير
وَقَالَ غَيره إِذا أَرْسلتهُ وَلم توصه وَلم تعرفه مَا فِي نَفسك وَمَا تحْتَاج إِلَيْهِ من حوائجك وكلفته أَن يبلغ مرادك فِيهَا فقد سمته علم الْغَيْب
وَالصَّحِيح أَن يُقَال أرسل حكيماً وأوصه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
стр. 97
(إِذا أرْسلت فِي أَمر رَسُولا ... فأفهمه وأرسله حكيما)
وَقَالَت الْحُكَمَاء الرَّسُول دَلِيل على عقل مرسله
وَمن أَجود مَا قيل فِي صفة الرَّسُول قَول عَمْرو بن أبي ربيعَة
(فأتتها طبة عَالِمَة ... تخلط الْجد مرَارًا باللعب)
(ترفع الصَّوْت إِذا لَا نت لَهَا ... وتراخى عِنْد سورات الْغَضَب)
وَسمع ابْن أبي عَتيق هَذَا الشّعْر فَقَالَ نَحن مُنْذُ قتل عُثْمَان ﵁ فِي طلب من هَذَا صفته لنوليه الْخلَافَة ولسنا نجده
وَقَالَ غَيره
(ترفق فِي رَسُولك يَا أَمِيري ... فَإِنِّي من رَسُولك فِي غرور)
(أحملهُ رسَالَاتي فينسى ... ويبلغك الْقَلِيل من الْكثير)
(إِذا كَانَ الرَّسُول كَذَا بليداً ... تَكَسَّرَتْ الْحَوَائِج فِي الصُّدُور)
(فَأرْسل من إِ ذَا لحظته عَيْني ... حكى لَك طرفه مَا فِي ضميرى)
٨٧ - قَوْلهم أرغوا لَهَا حوارها تقر
يضْرب مثلا لإغاثة الملهوف بِقَضَاء حَاجته ليسكن والناقة إِذا سَمِعت
стр. 98
رُغَاء حوارها سكنت
ويروى هَذَا الْمثل على وَجه آخر وَهُوَ (حرك لَهَا حوارها تحن) وَمَعْنَاهُ أَن تذكر الرجل بعض أشجانه فيهتاج
والمثل لمعاوية ﵁ أخبرنَا أَبُو الْقَاسِم عَن القعدي عَن أبي جَعْفَر عَن الْمَدَائِنِي قَالَ كتب مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ ﵁ كتابا فِي تَسْلِيمه قتلة عُثْمَان ﵁ إِلَيْهِ ليبايعه على الْخلَافَة وأنفذه مَعَ أبي مُسلم الْخَولَانِيّ فَلَمَّا قَرَأَ عَليّ الْكتاب قَالَ من حوله كلنا قتلنَا عُثْمَان فَقَالَ أَبُو مُسلم أرى قوما لَيْسَ لَك مَعَهم أَمر وَلَو أردْت دفعهم إِلَيْنَا لمنعوك فورد على مُعَاوِيَة وَقَالَ إِن الْقَوْم قد أقرّوا بقتل ابْن عمك فاطلب بثأرك فَصَعدَ الْمِنْبَر ودعا بقميص عُثْمَان فنشره فَبكى النَّاس فَقَالَ مُعَاوِيَة (حرك لَهَا حوارها تحنّ) وَبَايَعَهُ الْقَوْم على الطّلب بِدَم عُثْمَان
فَكتب إِلَى عَليّ ﵁ (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ثمَّ أدرج الْكتاب وَبعث بِهِ إِلَيْهِ مَعَ رجل من بني عبس وعنوانه (من مُعَاوِيَة إِلَى عَليّ) ففك عَليّ ﵇ الْكتاب فَلم ير فِيهِ شَيْئا فَقَالَ للرجل هَل أَمرك بتبليغ رِسَالَة قَالَ لَا وَلَكِن أخْبرك أَنِّي خلّفت بِالشَّام خمسين ألفا قد اخضلت لحاهم تَحت قَمِيص عُثْمَان قد رَفَعُوهُ على الرماح وعاهدوا الله أَلا يكفّوا حَتَّى يموتوا أَو يقتلُوا قتلته يتواصون بذلك ليلهم ونهارهم وَتركُوا (تعس الشَّيْطَان) وَيَقُولُونَ (تعس قَاتل عُثْمَان)
قَالَ يُرِيدُونَ مَاذَا قَالَ خيط رقبتك قَالَ تربت يداك فَقَالَ صلَة بن
стр. 99
زفر الْعَبْسِي أَو قبيصَة بن ضبيعة بئس وَالله الْوَافِد تخوفنا ببكاء أهل الشَّام على قَمِيص عُثْمَان فوَاللَّه مَا هُوَ بقميص يُوسُف وَلَا حزن يَعْقُوب وَلَئِن بكوا عَلَيْهِ بِالشَّام لقد خذلوه بالحجاز
ثمَّ رَحل عَليّ ﵁ إِلَى الشَّام فَكَانَت وقْعَة صفّين
٨٨ - قَوْلهم أحشفا وَسُوء كيلة
٨٩ - وَقَوْلهمْ أكسفاً وإمساكاً
يضْرب مثلا لجمعك على الرجل ضَرْبَيْنِ من الخسران ونوعين من النُّقْصَان
والكيلة ضرب من الْكَيْل مثل الْقعدَة والجلسة والحشف ردئ التَّمْر
يَقُول تُعْطِي الحشف وتسيء الْكَيْل وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء
(إِن كنت لَا تلطفيني فاقبلي لطفي ... لَا تجمعي لي سوء الْكَيْل والحشفا)
والعامة تَقول حشفا وَسُوء كيل
وَالصَّوَاب كيلة بِالْكَسْرِ لأَنهم أَنْكَرُوا نوعا من الْكَيْل سَيِّئًا
والكيلة النَّوْع من الْكَيْل ونصبوا حشفاً بِفعل مُضْمر يُرِيدُونَ أتجمع حشفاً وعطفوا الكيلة عَلَيْهِ
وَقَوْلهمْ (أكسفا وإمساكاً) أَصله أَن يلقاك بعبوس مَعَ بخل والبشر الْحسن إِحْدَى العطيتين
وَقيل الْبشر علم من أَعْلَام النجح وَأول من مدح بالبشر عِنْد السُّؤَال زُهَيْر فِي قَوْله
стр. 100
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متهللا ... كَأَنَّك تعطيه الَّذِي أَنْت سائله)
وَقَالَ غَيره من الْمُحدثين
(إِذا مَا أَتَاهُ السائلون توقدت ... عَلَيْهِم مصابيه الطلاوة والبشر)
(لَهُ فِي بنى الْحَاجَات أيد كَأَنَّهَا ... مواقع مَاء المزن فِي الْبَلَد القفر)
وَقلت
(وَقد يُونُس الزوار مِنْك إِذا الْتَقَوْا ... سخاء عَلَيْهِ للطلاقة شَاهد)
(بَدَائِع أَفعَال تناهى جمَالهَا ... فهن لأعناق اللَّيَالِي قلائد)
(مشهرة فِي الْعَالمين كَأَنَّمَا ... على صفحات اللَّيْل مِنْهَا فراقد)
ولبعضهم على خلاف شعر زُهَيْر قَالَ
(ترَاهُ إِذا مَا جِئْته متعبسا ... كَأَنَّهُ بالمنقاش تنتف شَاربه)
وَقَالَ مُحَمَّد بن حَازِم الْبَاهِلِيّ فِي خلاف ذَلِك
(وَلَا يقنع الراجين أهل ومرحب ... )
وَنَحْوه قَول جحظة
(قَائِل إِن شدوت أَحْسَنت زِدْنِي ... وبأحسنت لَا يُبَاع الدَّقِيق)
٩٠ - قَوْلهم أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سلوليه
يضْرب مثلا لِاجْتِمَاع نَوْعَيْنِ من الشَّرّ وَهُوَ نَحْو الأول
والمثل لعامر بن الطُّفَيْل وَقد وَفد على النَّبِي ﷺ وَمَعَهُ
стр. 101
أَرْبَد أَخُو لبيد فَقَالَ أسلم على أَن يكون لَك الْمدر ولى الْوَبر وَأَن تجْعَل لي الْأَمر بعْدك
فَقَالَ النَّبِي ﷺ (لَا وَلَا وبرة) فَخرج وَقَالَ لأَمْلَأَنهَا عَلَيْك خيلا جردا ورجالا مردا فَدَعَا النَّبِي ﷺ عَلَيْهِمَا فَأخذت أَرْبَد صَاعِقَة فَمَاتَ وَضربت عَامِرًا الغدة وَهِي طاعون الْإِبِل فَمَال إِلَى بَيت سلوليه وَجعل يَقُول (أغدة كَغُدَّة الْبَعِير وَمَوْت فِي بَيت سَلُولِيَّة) وسلول من أذلّ الْعَرَب وَالْمعْنَى أَنه جمع لَهُ ضَرْبَان من الذلة
وَقَالَ الشَّاعِر يذكر ذلة سلول
(إِلَى الله أَشْكُو أنني بت طَاهِرا ... فجَاء سلولي فَبَال على رجْلي)
(فَقلت اقطعوها بَارك الله فِيكُم ... فَإِنِّي كريم غير مدخلها رحلي)
٩١ - قَوْلهم أغيرة وجبنا
يضْرب مثلا للرجل يجْتَمع فِيهِ عيبان وَأَصله أَن رجلا تخلف على قتال عدوه وَترك الْحَيّ يُقَاتلُون ثمَّ رأى امْرَأَته تنظر إِلَى الْقِتَال فضربها فَقَالَت (أغيرة وجبناً) فذمت هَذِه الْمَرْأَة الْغيرَة وَهِي من أَحْمد أَخْلَاق الرِّجَال
وَقَالَ جرير يمدح الْحجَّاج
(أم من يغار على النِّسَاء حفيظة ... إِذْ لَا يثقن بغيرة الْأزْوَاج)
стр. 102
وَقَالَ أَبُو نواس
(وَمن دون عورات النِّسَاء غيور ... )
قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي فِي المعتصم وَقد نَالَتْ الرّوم طرفا من أَطْرَاف الْمُسلمين
(يَا غيرَة الله قد عَايَنت فانتقمي ... تِلْكَ النِّسَاء وَمَا مِنْهُنَّ يرتكب)
(فَهَب الرِّجَال على أجرامها قتلت ... مَا بَال أطفالها بِالذبْحِ تنتحب)
وَهُوَ أول من قَالَ (يَا غيرَة الله) فَخرج المعتصم من وقته إِلَى الرّوم فَكَانَ فتح عمورية
وَرَأى رجل مَعَ امْرَأَته رجلا فَقتله فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ أقتلته قَالَ نعم قَالَ أَحْسَنت وَمن يعد فعد
وَقَرِيب من معنى الْمثل قَول الشَّاعِر
(جهلا علينا وجبناً عَن عَدوكُمْ ... لبئست الخلتان الْجَهْل والجبن)
٩٢ - قَوْلهم إِذا ادعيت الْبَاطِل أنجح بك
يضْرب مثلا للرجل يَدعِي الْبَاطِل فيدال مِنْهُ
وَأَصله أَن امْرَأَة من الْعَرَب كَانَت تَحت شيخ فرأت شبَابًا ينتعلون من قيام فتمنت أَن تكون تَحت أحدهم فَقَالَت (حبذا المنتعلون من قيام) فَقَالَ زَوجهَا أَنا أنتعل قَائِما فَلَمَّا رام ذَلِك ضرط فَقَالَت الْمَرْأَة (إِذا ادعيت الْبَاطِل أنجح بك) أَي أنجح بك الْبَاطِل خصمك
стр. 103
٩٣ - قَوْلهم إِنَّك لَا تجني من الشوك الْعِنَب
الْمثل لأكثم بن صَيْفِي وَمَعْنَاهُ إِذا ظلمت فاحذر الِانْتِصَار وَإِذا أَسَأْت فثق بِسوء الْجَزَاء
وَأَخذه الشَّاعِر فَقَالَ
(إِذا وترت امْرأ فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لَا يحصد بِهِ عنباً)
٩٤ - قَوْلهم اخبر تقله
اخبر لَفظه لفظ الْأَمر وَمَعْنَاهُ الْخَبَر يَقُول إِذا خبرتهم قليتهم والمثل لأبي الدَّرْدَاء فِيمَا زعم بَعضهم وَرُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَيْضا
وَشَرحه ابْن الرُّومِي فَقَالَ
(دعتني إِلَى فضل معروفكم ... وُجُوه مناظرها معجبه)
(فأخلفتم مَا توسمته ... وَقل حميد على التجربة)
(وَكنت حسبت فَلَمَّا حسبت ... عفى الْحساب على المحسبه)
(ظلمتكم لَا تطيب الْعُرُوق ... إِلَّا وأعراقها طيبه)
(فَهَل تعذروني كعذريكم ... بِأَن أصولكم المذنبه)
وَالْهَاء فِي تقله مثلهَا فِي قَوْلهم يَا زيد امشه وَيَا امْرُؤ استوه
وَتدْخل لبَيَان الْحَرَكَة
والقلى البغض قليته أبغضته
وَفِي الْقُرْآن ﴿إِنِّي لعملكم من القالين﴾
стр. 104
وَقَالَ زُهَيْر
(لعمرك والأمور مغيرات ... وَفِي طول المعاشرة التقالي)
(لقد باليت مظعن أم أوفى ... وَلَكِن أم أوفى مَا تبالي)
٩٥ - قَوْلهم أَنا تئق وصاحبي مئق فَكيف نتفق
التئق السَّرِيع إِلَى الشَّرّ والمئق السَّرِيع الْبكاء
يضْرب مثلا لسوء الْمُوَافقَة فِي الْأَخْلَاق
وَقَالُوا التئق الممتلىء غَضبا يُقَال أتأقت الْإِنَاء إِذا ملأته
والمئق الْقَلِيل الِاحْتِمَال الجزوع من أدنى مَكْرُوه
وَأَصله أَن رجلَيْنِ كَانَا فِي سفر فَسَاءَتْ أخلاقهما فَقَالَ أَحدهمَا ذَلِك وَالسّفر يُورث ضيق الْأَخْلَاق
وَقَالُوا لَا تعرف أَخَاك حَتَّى تغضبه أَو تُسَافِر مَعَه
وَسمي السّفر سفرا لِأَنَّهُ يسفر عَن الْأَخْلَاق أَي يكْشف عَنْهَا وَسميت المكنسة مسفرة لِأَنَّهَا تسفر التُّرَاب عَن وَجه الأَرْض فتنكشف كَمَا تسفر الْمَرْأَة نقابها عَن وَجههَا
وَقَالُوا الْحَرِيص وَالْمُسَافر مريضان لَا يعادان
وَقَالَ بَعضهم يمدح رجلا
(أَبْلَج بسام وَإِن طَال السّفر)
وَقَالَ عَليّ ﵁ السّفر ميزَان الْقَوْم
стр. 105
٩٦ - قَوْلهم أعطي العَبْد كُرَاعًا فَطلب ذِرَاعا
يضْرب مثلا للرجل الشره يعْطى الشَّيْء فَيَأْخذهُ وَيطْلب أَكثر مِنْهُ
والمثل لَام عَمْرو بن عدي جَارِيَة مَالك وَعقيل نَدْمَانِي جذيمة وَذَلِكَ أَن عَمْرو بن عدي ابْن أُخْت جذيمة فقد زَمَانا ثمَّ ظفر بِهِ مَالك وَعقيل فَقدما لَهُ طَعَاما فَأَكله واستزاد فَقَالَت أم عَمْرو (أعطي العَبْد كُرَاعًا فَطلب ذِرَاعا) ثمَّ جلس مَعَهُمَا على شراب فَجعلت تسقيهما وتدعه فَقَالَ عَمْرو
(تصد الكأس عَنَّا أم عَمْرو ... وَكَانَ الكأس مجْراهَا اليمينا)
(وَمَا شَرّ الثَّلَاثَة أم عَمْرو ... بصاحبك الَّذِي لَا تصبحيناً)
ثمَّ عرفاه فقد مَا بِهِ على جذيمة فاستجلسهما فنادماه وَلم ينادمه أحد قبلهمَا وَكَانَ يزْعم أَنه لَيْسَ فِي الأَرْض من يصلح لمنادمته ذَهَابًا بِنَفسِهِ فَكَانَ ينادم الفرقدين يشرب قدحاً وَيصب لكل كَوْكَب مِنْهُمَا قدحاً حَتَّى نادمه مَالك وَعقيل فَقَالَ متمم بن نُوَيْرَة
(وَكُنَّا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهرحتى قيل لن يتصدعا)
(فَلَمَّا تفرقنا كَأَنِّي ومالكاً ... لطول اجْتِمَاع لم نبت لَيْلَة مَعًا)
يَعْنِي كُنَّا كالفرقدين لَا نفترق
وَقَالَ غَيره
стр. 106
(تَقول أرَاهُ بعد عُرْوَة لاهياً ... وَذَلِكَ رزء لَو علمت جليل)
(فَلَا تحسبي أَنِّي تناسيت عَهده ... وَلَكِن صبري يَا أميم جميل)
(ألم تعلمي أَن قد تفرق قبلنَا ... خَلِيلًا صفاء مَالك وَعقيل)
٩٧ - قَوْلهم إِنَّك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت
يضْرب مثلا لقلَّة اهتمام الرجل بشأن صَاحبه وَأَصله قَول الشَّاعِر يُخَاطب جمله
(ِإنك لَا تَشْكُو إِلَى مصمت ... فاصبر على الْحمل الثقيل أَو مت)
وَنَحْوه قَول الراجز
(يشكو إِلَى جملي طول السرى ... يَا جملي لَيْسَ إِلَيّ المشتكى)
(الدرهمان كلفاني مَا ترى ... شدّ الجواليق وجذباً بالبرى)
(صبرا قَلِيلا فكلانا مبتلى ... )
والمصمت المشكي المعتب وَأَصله من الصمت وَهُوَ أَنَّك إِذا شكوته أعتبك فتصمت عَن الشكاية
٩٨ - قَوْلهم استنت الفصال حَتَّى القرعى
يضْرب مثلا للرجل يفعل مَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْل وَأَصله أَن الفصال إِذا استنت
стр. 107
صحاحها نظرت إِلَيْهَا القرعى فاستنت مَعهَا فَسَقَطت من ضعفها والاستنان هَاهُنَا الْعَدو والقرع بثر يخرج بالفصال فتجر على السباخ فتبرأ
يُقَال قرعت الفصيل إِذا فعلت بِهِ ذَلِك كَمَا يُقَال قردته إِذا نزعت عَنهُ القردان
وَالْفرس تَقول فِي معنى هَذَا الْمثل رَأَتْ فَأْرَة خيلا تنعل فَرفعت رجلهَا
وَمِمَّا هُوَ فِي معنى هَذَا الْمثل من الشّعْر قَول بشار
(فيأيها الطَّالِب المبتغي ... نُجُوم السَّمَاء بسعي أُمَم)
(سَمِعت بمكرمة ابْن الْعَلَاء ... فأنشأت تطلبها لست ثمَّ)
وَقَول أبي تَمام
(هَيْهَات مِنْك غُبَار ذَاك الموكب ... )
٩٩ - قَوْلهم إِن هلك عير فَعير فِي الرِّبَاط
يضْرب مثلا للشَّيْء يقدر على الْعِوَض مِنْهُ فيستخف بفقده
والرباط الْحَبل الَّذِي ترْبط بِهِ الدَّابَّة وَسميت الْخَيل رِبَاطًا لِأَنَّهَا ترْبط بِإِزَاءِ الْعَدو فِي الثغر ويربط الْعَدو بإزائها خيله يعد كل لصَاحبه وَفِي الْقُرْآن ﴿وَمن رِبَاط الْخَيل﴾
وَقلت فِي هَذَا الْمَعْنى
(وَمن يَك ممدوحاً بنظم يصوغه ... فَإنَّك ممدوح بك النّظم والنثر)
(فَإِن يَك بعض الأكرمين يعقني ... فَإنَّك مد الْبَحْر إِن أخلف الْقطر)
стр. 108
وَنَحْو الْمثل قَول كثير
(هَل وصل عزة إِلَّا وصل غانية ... فِي وصل غانية من وَصلهَا بدل)
١٠٠ - قَوْلهم اخْتَلَط المرعى بالهمل
١٠١ - وَاخْتَلَطَ الخائر بالزباد
١٠٢ - وَاخْتَلَطَ الحابل بالنابل
كل ذَلِك يضْرب مثلا فِي اخْتِلَاط الْأَمر على الْقَوْم حَتَّى لَا يعرفوا وَجهه
والهمل الْمُهْملَة الَّتِي لَا راعي مَعهَا
و (اخْتَلَط الخاثر بالزباد) شَبيه بقَوْلهمْ (لَا يدْرِي أيخثر أم يذيب) وَأَصله الزّبد يذاب فَيفْسد وَلَا يدْرِي أيجعل سمناً وَيتْرك زبداً وَمِنْه قَول بشر
(فكنتم كذات الْقدر لم تدر إِذْ غلت ... أتنزلها مذمومة أم تذيبها)
والحابل صَاحب الحبالة وَهِي شبكة الصَّائِد
والنابل صَاحب النبل وَذَلِكَ أَن يجْتَمع القناص فيختلط أَصْحَاب النبال بأصحاب الحبائل فَلَا يصاد شَيْء وَإِنَّمَا يصاد فِي الِانْفِرَاد
١٠٣ - قَوْلهم أحشك وتروثني
يضْرب مثلا لسوء الْجَزَاء
وَهُوَ لرجل يُخَاطب فرسه يَقُول أجز لَهُ
стр. 109
الْحَشِيش وأعلفه إِيَّاه وَهُوَ يروث عَلَيْهِ
يُقَال حش الْفرس إِذا علفه الْحَشِيش وَحش النَّار إِذا طرح عَلَيْهَا الْحَشِيش لتشتعل وَحش الْوَلَد فِي الْبَطن إِذا يبس
والحش الْبُسْتَان لُغَة مَدَنِيَّة ثمَّ سمى الكنيف حَشا لَان أهل الْمَدِينَة كَانُوا يقضون حوائجهم فِي الْبَسَاتِين والحشيش الْيَابِس من النَّبَات وَلَا يُقَال للرطب حشيش إِنَّمَا يُقَال لَهُ الرطب والكلأ والخلى مَقْصُور
وَمن أمثالهم فِي سوء الْجَزَاء قَول عبد الرَّحْمَن بن الحكم
(عَدوك يخْشَى صولتي إِن لَقيته ... وَأَنت عدوي لَيْسَ ذَاك بمستوى)
وَقَالَ معبد بن مُسلم
(لددتهم النَّصِيحَة كل لد ... فمجوا النصح ثمَّ ثنوا فقاءوا)
(فَكيف بهم وَإِن أَحْسَنت قَالُوا ... أَسَأْت وَإِن غفرت لَهُم أساءوا)
١٠٤ - قَوْلهم أجع كلبك يتبعك
يضْرب مثلا للئيم تذله فيطيعك
وَمثله قَول الآخر
(إكرامك الأحمق مِمَّا يُفْسِدهُ ... إدناؤك الأحمق مِمَّا يبعده)
(وقربه أَهْون شَيْء تفقده ... )
وَقلت
(داريتكم حينا فأبطرتكم ... وَلَيْسَ للعير سوى الضَّرْب)
وَقَالَ البحتري
(وَلَو أخفت لئيم الْقَوْم جنبني ... أذاته وصديق الْكَلْب ضاربه)
стр. 110
وَحبس الْمَنْصُور أرزاق الْجند وَقَالَ (أجع كلبك يتبعك) فَقيل لَهُ رُبمَا أجعته فتبع غَيْرك فوقر فِي نَفسه وَأخرج المَال وَأَعْطَاهُمْ
١٠٥ - قَوْلهم أَسَاءَ رعياً فسقى
يضْرب مثلا للرجل يفْسد الْأَمر ثمَّ يُرِيد إِصْلَاحه فيزيده فَسَادًا
وَأَصله أَن يسىء الرَّاعِي رعي الْإِبِل نَهَاره حَتَّى إِذا أَرَادَ إراحتها إِلَى أَهلهَا كره أَن يظْهر لَهُم سوء أَثَره عَلَيْهَا فيسقيها المَاء حَتَّى تمتلىء أجوافها فيزيدها ذَلِك ضَرَرا
وَيَقُولُونَ (رعى فأقصب) وَذَاكَ أَنه إِذا أَسَاءَ رعيها وَلم يشبعها من الْكلأ لم تشرب وَإِنَّمَا الشّرْب على الْعلف
يُقَال بعير قاصب إِذا امْتنع من الشّرْب وَصَاحبه مقصب وَقَالَ الْأَصْمَعِي (أَسَاءَ رعياً فسقى مقصباً) يضْرب مثلا للرجل لَا يحكم الْعَمَل لصعوبته عَلَيْهِ فيميل إِلَى مَا هُوَ اهون
١٠٦ - قَوْلهم أجناؤها أبناؤها
يضْرب مثلا للرجل يعْمل الشَّيْء بِغَيْر رُؤْيَة وَلَا نظر فيتعنى فِيهِ ثمَّ يحْتَاج إِلَى نقضه
والأجناء جمع جَان وَالْأَبْنَاء جمع بَان وَهَذَا جمع قَلِيل وَمثله شَاهد وأشهاد وَصَاحب وَأَصْحَاب وَيجوز أَن يكون الْأَصْحَاب جمع صحب يجمع الصاحب صحباً ثمَّ يجمع الصحب أصحاباً
следующие страницы →