Полный текст (869 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
(وَقلت لَهُ أقبل فَإنَّك رَاشد ... وَإِن على النَّار الندى وَابْن ثامل)
٢ - وَقَالَ النمري وَيُقَال إِنَّهَا لرجل من باهلة
٣ - (وداع دَعَا بعد الهدوء كَأَنَّمَا ... يُقَاتل أهوال السرى وتقاتله)
٤ - (دَعَا بائسا شبه الْجُنُون وَمَا بِهِ ... جُنُون وَلَكِن كيد أَمر يحاوله)
٥ - (فَلَمَّا سَمِعت الصَّوْت ناديت نَحوه ... بِصَوْت كريم الْجد حُلْو شمائله)
٦ - (فأبرزت نَارِي ثمَّ أثقبت ضوءها ... وأخرجت كَلْبِي وَهُوَ فِي الْبَيْت دَاخله)
ــ
١ - رَاشد مهتد والندى الْجُود وَالْمعْنَى بشرت الضَّيْف بقدومه على وأريته استبشاري بِهِ وانتظاري إِيَّاه
٢ - لَعَلَّه مَنْصُور بن الزبْرِقَان النمري أحد بني النمر بن قاسط وَهُوَ شَاعِر من شعراء الدولة العباسية وَهُوَ تلميذ كُلْثُوم بن عَمْرو العتابي وَرِوَايَته وَعنهُ أَخذ وَمن بحراه استقى وبمذهبه تشبه
٣ - الهدوء السّكُون والسرى السّير لَيْلًا وَقَوله كَأَنَّمَا يُقَاتل الخ يُريدَان الْحَال بلغ بِهِ حدار أَي فِيهِ أَن أهوال السرى تغالبه عَن نَفسه ويصارعها عَنْهَا ويدفعها
٤ - دَعَا أَي نَادَى والبائس هُوَ الَّذِي نزلت بِهِ شدَّة وَنصب على الْحَال وَالْمرَاد بِهِ الْكَلْب وَنصب شبه الْجُنُون على أَنه صفة لمصدر مَحْذُوف تَقْدِيره دَعَا دُعَاء شبه الخ والكيد الْحِيلَة ويحاوله يطْلب دَفعه والخلاص مِنْهُ
٥ - حُلْو شمائله أَي أخلاقه كَرِيمَة
٦ - أثقبت ضوءها أنرته والأثقاب الإنارة وَهُوَ فِي الْبَيْت مُبْتَدأ وَخبر وداخله خبر ثَان وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة وَرب مُنَاد نَادَى لمن يؤويه ويطعمه بعد سُكُون اللَّيْل ونوم النَّاس وَهُوَ فِي أَشد
стр. 772
(فَلَمَّا رَآنِي كبر الله وَحده ... وَبشر قلبا كَانَ جما بلابله)
(فَقلت لَهُ أَهلا وسهلا ومرحبا ... رشدت وَلم أقعد إِلَيْهِ أسائله)
٣ - (وَقمت إِلَى برك هجان أعده ... لوجبة حق نَازل أَنا فَاعله)
٤ - (بأبيض خطت نَعله حَيْثُ أدْركْت ... من الأَرْض لم تخطل عَليّ حمائله)
ــ
حَال حَتَّى كَأَنَّهُ يتقاتل مَعَ السّري نَادَى وَهُوَ فِي هَذِه الْحَالة الَّتِي تشبه الْجُنُون وَمَا كَانَ بِهِ جُنُون وَإِنَّمَا فعل ذَلِك رَجَاء أَن يشفق عَلَيْهِ من يسمعهُ فيخلصه مِمَّا هُوَ فِيهِ وحينما سَمِعت أَنا صَوته ناديت جِهَته بِصَوْت رجل كريم الأَصْل طيب الْأَخْلَاق واستعملت جَمِيع الْأَسْبَاب الَّتِي توصله إِلَى بَيْتِي بِأَن أضرمت النَّار زِيَادَة ليشتد نورها فيراني بِسَبَبِهِ وأخرجت الْكَلْب لينبح فَيسمع صَوته فيهتدي إِلَيّ
١ - جما بلابله أَي همومه كَثِيرَة
٢ - فَقلت لَهُ أَهلا الخ أَي وجدت أَهلا وسهلا وسعة ورشدت اهتديت
٣ - البرك اسْم جمع لما يبرك من الْإِبِل والهجان كرائم الْإِبِل ووجبة الْحق أَي نُزُوله
٤ - بأبيض مُتَعَلق بقوله قُمْت فِي الْبَيْت قبله والأبيض السَّيْف ونعل السَّيْف مَا تكون فِي أَسْفَل غمده من حَدِيد أَو غَيره من الْمَعَادِن وَلم تخطل أَي لم تضطرب وَلم تطل وحمائل السَّيْف علاقاته وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة أَن الضَّيْف لما رَآنِي فَرح برؤيتي فَكبر الله وَبشر فُؤَاده بِإِزَالَة همومه الْكَثِيرَة فأسمعته جَمِيع أَلْفَاظ التبشير والترحيب والإيناس وَلم أقعد أسائله من أَيْن جِئْت وَإِلَى أَيْن تذْهب بل قُمْت إِلَى جمَاعَة من كرائم الْإِبِل كنت ادخرتها لما يجب عَليّ من حق النازلين بِي من الأضياف بِسيف إِذا لمس أَسْفَل غمده الأَرْض خططها وَعلمهَا وحمائل هَذَا السَّيْف لم تطل عَليّ لِأَن قامتي طَوِيلَة وَطول الْقَامَة
стр. 773
(فجال قَلِيلا واتقاني بخيره ... سناما وأملاه من الني كَاهِله)
(بقرم هجان مُصعب كَانَ فَحلهَا ... طَوِيل الْقرى لم يعد أَن شقّ بازله)
٣ - (فَخر وظيف القرم فِي نصف سَاقه ... وَذَاكَ عقال لَا ينشط عاقله)
٤ - (بذلك أَوْصَانِي أبي وبمثله ... كَذَلِك أوصاه قَدِيما أَوَائِله)
٥ - وَقَالَ النَّابِغَة الذبياني
ــ
مِمَّا تتمدح بِهِ الْعَرَب
١ - فَاعل جال عَائِد على البرك الْمُتَقَدّم ذكره والني الشَّحْم والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ
٢ - القرم الْجمل الشَّاب وَهُوَ بدل من خَيره فِي الْبَيْت قبله والمصعب الْفَحْل الْكَرِيم الَّذِي لَا يبتذل فِي الْعَوَارِض بل يقصر على الضراب وَالضَّمِير فِي فَحلهَا رَاجع إِلَى البرك فِيمَا تقدم والقرى الظّهْر وشق بازله طلع سنه وَذَلِكَ سنّ يطلع للجمال فِي السّنة التَّاسِعَة من أعمارها
٣ - فَخر أَي فَسقط والوظيف مستدق الذِّرَاع والعقال مَا يعقل ويربط بِهِ من حَبل وَنَحْوه وَلَا ينشط أَي لَا يحل
٤ - وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة إِنِّي لما قُمْت إِلَى ذَلِك البرك تذكر عادتي مَعَه فَطَافَ وتستر مني بِبَعِير هُوَ أعظمه سناما وَأَكْثَره شحما بجمل شَاب كريم قد قصرته على الفحلة طَوِيل الظّهْر لم يُجَاوز عمره تسع سِنِين فضربته بِالسَّيْفِ فَسقط واختلطت يَدَاهُ برجليه وَنزل بِهِ الْمَوْت الَّذِي لَا مناص مِنْهُ وَهَذِه الْأَفْعَال الحميدة لَيست فِينَا بمستحدثة وَإِنَّمَا ورثتها من أبي وَهُوَ ورثهَا من آبَائِهِ قَدِيما
٥ - اسْمه زِيَاد بن مُعَاوِيَة أحد بني سعد بن ذبيان ويكنى أَبَا أُمَامَة وَهُوَ شَاعِر جاهلي وَهُوَ فِي الطَّبَقَة الأولى المقدمين على سَائِر الشُّعَرَاء وَهُوَ أحد الْأَشْرَاف الَّذين غض الشّعْر مِنْهُم وَوضع من شَأْنهمْ
стр. 774
(لَهُ بِفنَاء الْبَيْت سَوْدَاء فخمة ... تلقم أوصال الْجَزُور العراعر)
(بَقِيَّة قدر من قدور تورثت ... لآل الجلاح كَابِرًا بعد كَابر)
٣ - (تظل الْإِمَاء يبتدرن قديحها ... كَمَا ابْتَدَرْت سعد مياه قراقر)
وَقَالَ الفرزدق تقدّمت تَرْجَمته
٤ - (وداع بلحن الْكَلْب يَدْعُو ودونه ... من اللَّيْل سجفا ظلمَة وغيومها)
٥ - (دَعَا وَهُوَ يَرْجُو أَن يُنَبه إِذْ دَعَا ... فَتى كَابْن ليلى حِين غارت نجومها)
ــ
١ - فنَاء الْبَيْت هُوَ مَا امْتَدَّ من جوانبه وَيَعْنِي بِالسَّوْدَاءِ الْقدر والفخمة الْعَظِيمَة والأوصال المفاصل وَالْجَزُور النَّاقة والعراعر الْعَظِيم الْخلق وَجعل اشتمالها على الأوصال كتلقمها إِيَّاهَا وَالْمعْنَى لهَذَا الممدوح قدر عَظِيمَة كَافِيَة لإطعام من نزل بِهِ من الضيفان تلتقم مَا يوضع فِيهَا من مفاصل الْإِبِل الْكَثِيرَة الشَّحْم وَاللَّحم
٢ - بَقِيَّة قدر أَي هِيَ بَقِيَّة قدر وَلم يُوجد كَابر فِي معنى كَبِير إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْقدر هِيَ قدر من بَقِيَّة قدور ورثهَا عَن آبَائِهِ كَابِرًا عَن كَابر
٣ - تظل أَي تدوم والقديح المرق أَو مَا يبْقى فِي أَسْفَل الْقدر فيغرف بِجهْد وقراقر وَاد بالدهناء وَشبه تبادر الْإِمَاء نَحْو الْقدر بتبادر بطُون سعد إِلَى تِلْكَ الْمِيَاه وَالْمعْنَى لَا تزَال الْإِمَاء تتبادر إِلَى تنَاول مرق هَذِه الْقدر للضيفان كَمَا تتبادر بطُون بني سعد إِلَى مَاء قراقر
٤ - الْوَاو وَاو رب وَأَرَادَ بالداعي بلحن الْكَلْب المستنبح وَهُوَ الَّذِي يتَكَلَّف نباح الْكَلْب فِي صَوته وَإِنَّمَا فعل ذَلِك إِذْ حَال بَينه وَبَين النَّاظر ستران ظلمَة اللَّيْل وَالْتِبَاس النُّجُوم
٥ - غارت نجومها أَي غارت وَذَهَبت
стр. 775
(بعثت لَهُ دهماء لَيست بلقحة ... تدر إِذا مَا هَب نحسا عقيمها)
(كَأَن الْمحَال الغر فِي حجراتها ... عذارى بَدَت لما أُصِيب حميمها)
٣ - (غضوبا كحيزوم النامة أحشمت ... بأجواز خشب زَالَ عَنْهَا هشيمها)
٤ - (محضرة لَا يَجْعَل السّتْر دونهَا ... إِذا الْمُرْضع العوجاء جال بريمها)
ــ
١ - بعثت جَوَاب رب والدهماء السَّوْدَاء وَأَرَادَ بهَا الْقدر والعقيم الرّيح الَّتِي لَيْسَ مَعهَا مطر لِأَنَّهَا لَا تَنْفَع الْأَشْجَار وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة وَرب مُنَاد أظلم عَلَيْهِ اللَّيْل وَلم تضيء لَهُ النُّجُوم ليهتدي إِلَى مَكَان الضِّيَافَة فَصَارَ يصوت بِصَوْت يشبه نباح الْكلاب راجيا أَن يسمعهُ كريم مثل ابْن ليلى فِي وَقت غيبوبة النُّجُوم أرْسلت لَهُ قدرا عَظِيمَة كَثِيرَة الْإِطْعَام فِي أَيَّام الجدب والقحط
٢ - الْمحَال فقر الظّهْر واحده محَالة والغر الْبيض والحجرات الجوانب والعذارى الْأَبْكَار وَالْحَمِيم الْقَرِيب الَّذِي يهتم لأَمره وَشبه الْمحَال وفقر الظّهْر فِي نواحي الْقدر وجوانبها وَهِي بَيْضَاء سَمِينَة مَعَ تضمن الْقدر السَّوْدَاء لَهَا بالعذارى الْأَبْكَار وَقد لبسن ثِيَاب السوَاد لما أصبن بِمن يعز عَلَيْهِنَّ وَالْمعْنَى كَأَن قطع اللَّحْم وفقر الظّهْر فِي بياضها وَكَثْرَة شحمها مَعَ سَواد الْقدر وَهِي فِي داخلها أبكار عذارى لبسن السوَاد من الثِّيَاب لفقد الْعَزِيز عَلَيْهِنَّ
٣ - غضوبا صفة لدهماء وَجعل غليانها بِمَنْزِلَة الْغَضَب وحيزوم النعامة صدرها وأحمشت أَي أشبعت وقودا تحتهَا والأجواز الأوساط والهشيم الْيَابِس المتكسر من النَّبَات وَالْمعْنَى قدمت لَهُ قدرا كصدر النعامة فِي اتساعها قد اشْتَدَّ غليانها بِمَا وضع تحتهَا من الْوقُود حَتَّى نضج مَا فِيهَا
٤ - محضرة أَي لَا يمْنَع مِنْهَا أحد والعوجاء الَّتِي اعوجت هزالًا وجوعا
стр. 776
١ - وَقَالَ شُرَيْح بن الْأَحْوَص بن جَعْفَر بن كلاب
(ومستنبح يَبْغِي الْمبيت ودونه ... من اللَّيْل سجفا ظلمَة وستورها)
٣ - (رفعت لَهُ نَارِي فَلَمَّا اهْتَدَى بهَا ... زجرت كلابي أَن يهر عقورها)
٤ - (فَاتَ وَإِن أسرى من اللَّيْل عقبَة ... بليلة صدق غَابَ عَنْهَا شَرّ برهَا)
ــ
والبريم خيط ينظم فِيهِ خرز فتشده الْمَرْأَة فِي وَسطهَا وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْقدر معدة لكل من يَأْتِيهَا من الضيفان فَلَا يمْنَع مِنْهَا أحد سِيمَا إِذا اشْتَدَّ الْجُوع فِي وَقت الْقَحْط
١ - هُوَ شَاعِر من شعراء الْجَاهِلِيَّة وأمير من أمرائها وَسيد من ساداتها وَكَانَ أَبوهُ الْأَحْوَص رَئِيس بني عَامر يَوْم رحرحان الثَّانِي وَهُوَ يَوْم لبني عَامر بن صعصعة على بني تَمِيم وَكَانَ سَببه أَن الْحَارِث بن ظَالِم قتل خَالِد بن جَعْفَر بن كلاب ثمَّ هرب فَأتى زُرَارَة بن عدس من بني تَمِيم فَأَقَامَ عِنْده فَخرج الْأَحْوَص بن جَعْفَر هُوَ وعشيرته ثائرا بأَخيه فَالْتَقوا برحرحان وَانْهَزَمَ بَنو تَمِيم وَأسر يَوْمئِذٍ معبد بن زُرَارَة أَخُو حَاجِب بن زُرَارَة رَئِيس بني تَمِيم وَكَانَ شُرَيْح ابْنه رَئِيس الْخَيل الَّتِي خرجت فِي طلب الْحَارِث بن ظَالِم
٢ - المستنبح طَالب الْقرى ويبغي يطْلب والسجفان الستران
٣ - أَن يهر الخ أَرَادَ أَن لَا يهرهر الْكَلْب إِذا صَوت
٤ - الْعقبَة شَيْء من اللَّيْل ونوبة مِنْهُ وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة رب مستنبح يطْلب الْمبيت وَقد أظلم عَلَيْهِ اللَّيْل فَلم يهتد أعليت لَهُ نَارِي ليهتدي إِلَى بَيْتِي بضوئها ومنعت الْكلاب من أَن تهر بعد وُصُوله فَقضى ليلته عِنْدِي هادئ البال مستريحا بَعْدَمَا قاسى من شرور السّير وتعب السّفر
стр. 777
وَقَالَ مِسْكين الدَّارمِيّ تقدّمت تَرْجَمته
(كَأَن قدور قومِي كل يَوْم ... قباب التّرْك ملبسة الْجلَال)
(كَأَن الموفدين بهَا جمال ... طلاها الزفت والقطران طالي)
٣ - (بِأَيْدِيهِم مغارف من حَدِيد ... أشبههَا مقيرة الدوالي)
وَقَالَ العكلي
٤ - (أعاذل بكيني لأضياف لَيْلَة ... نزور الْقرى أمست بليلا شمالها)
٥ - (أعامر مهلا لَا تلمني وَلَا تكن ... خفِيا إِذا الْخيرَات عدت رجالها)
٦ - (أرى إبلي تجزي مجازي هجمة ... كثير وَإِن كَانَت قَلِيلا إفالها)
ــ
١ - الْمَعْنى أَنه يشبه قدور قومه فِي عظمها واتساعها واسوداد ظواهرها بقباب التّرْك الَّتِي ألبست أغطية سُودًا
٢ - أَرَادَ بالموفدين المزاولين لَهَا فِي نصبها وطبخها وإنزالها وأصل الموفد المشرف على الشَّيْء العالي عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَنه يشبه خدمَة الْقدر بالجمال المطلية بالقطران
٣ - المقيرة المطلية بالقار وَهُوَ الزفت والدوالي جمع دالية وَهِي دلو يستقى بهَا
٤ - أعاذل منادى مرخم عاذلة وبكيني أبْكِي عَليّ إِذا مت ونزور الْقرى أَي يقل من يضيف فِيهَا والبليل الرّيح الْبَارِدَة وَالْمعْنَى يَا عاذلة أبْكِي عَليّ إِذا مت لِأَنِّي أطْعم وَأكْرم الضيفان حِين يقل من يكرمهم
٥ - الْمَعْنى أرْفق يَا عَامر فِي عتبك عَليّ وَلَا تلمني بل اتَّخَذَنِي أُسْوَة فاقتد بِي فِي الْكَرم وَمَكَارِم الْأَخْلَاق حَتَّى لَا يخفى أَمرك إِذا عدت رجال الْخيرَات
٦ - الهجمة الْقطعَة من الْإِبِل من الْأَرْبَعين إِلَى الْمِائَة والأفال جمع أفيل وَهُوَ مَا اسْتكْمل الْحول وَدخل فِي السّنة الثَّانِيَة
стр. 778
(مثاكيل مَا تنفك أرحل جمة ... ترد عَلَيْهِم نوقها وجمالها)
وَقَالَ جَابر بن حَيَّان
(فَإِن يقتسم مَالِي بني وإخوتي ... فَلَنْ يقسموا خلقي الْكَرِيم وَلَا فعلي)
٣ - (أهين لَهُم مَالِي وَأعلم أنني ... سأورثه الْأَحْيَاء سيرة من قبلي)
٤ - (وَمَا وجد الأضياف فِيمَا ينوبهم ... لَهُم عِنْد علات الزَّمَان أَبَا مثلي)
ــ
من الْإِبِل
١ - مثاكيل جمع مثكال وَهِي النَّاقة الَّتِي اعتادت أَن تثكل وَلَدهَا أَي تفقده بِمَوْت أَو نَحوه والجمة الْجَمَاعَة ترد فِي الصُّلْح بَين النَّاس والأرحل جمع رَحل وَهُوَ المثوى والمنزل وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي أرى إبلي تقوم مقَام كثير من إبل غَيْرِي وَإِن كَانَت قَليلَة الفصلان وَهِي دَائِما تفقد أَوْلَادهَا لِكَثْرَة مَا أنحره للضيوف مِنْهَا وَلَا تزَال مأوى جمَاعَة تصرف إِلَيْهِم إِذا وردوا ذكورها وإناثها أما إناثها فللحلب وَأما ذكورها فللفحل
٢ - الْمَعْنى أَن اقتسم مَالِي أَوْلَادِي وإخوتي فَلَنْ يقتسموا مَا تفردت بِهِ من خلق كريم وَفعل جميل أعدهما لزواري
٣ - أهين لَهُم مَالِي هَذَا كِنَايَة عَن بذل مَاله وسخاء يَده وَالضَّمِير فِي لَهُم يعود على الزوار والأضياف المفهومين من الْبَيْت السَّابِق وَالضَّمِير فِي قَوْله سأورثه لِلْمَالِ أَي سأورث مَالِي الْأَحْيَاء وَقَوله سيرة من قبلي مَنْصُوب بِفعل مُقَدّر كَأَنَّهُ قَالَ أَسِير فِيمَا أتركه سيرة أسلافي وَالنَّاس قبلي وَيُشِير بِهَذَا إِلَى الْحَالة الْمُعْتَادَة الَّتِي تجْرِي مجْرى الشيم والعادات وَالْمعْنَى أَنِّي أهين مَالِي لزواري وأضيافي مَعَ علمي بأنني سأترك مَالِي للْوَرَثَة بعدِي وأسير فِيمَا أتركه سيرة أسلافي وَالنَّاس قبلي
٤ - علات الزَّمَان مكارهه وشدائده وَجعل نَفسه أَبَا الأضياف لِأَنَّهُ يحنو عَلَيْهِم حنو الْأَب وَهَكَذَا
стр. 779
وَقَالَ حَاتِم تقدّمت تَرْجَمته
(وعاذلة قَامَت بلَيْل تلومني ... كَأَنِّي إِذا أَعْطَيْت مالى أضيمها)
(أعاذل إِن الْجُود لَيْسَ بمهلكي ... وَلَا مخلد النَّفس الشحيحة لؤمها)
٣ - (وتذكر أَخْلَاق الْفَتى وعظامه ... مغيبة فِي اللَّحْد بَال رميمها)
٤ - (وَمن يبتدع مَا لَيْسَ من خيم نَفسه ... يَدعه ويغلبه على النَّفس خيمها)
وَقَالَ أَيْضا
٥ - (أكف يَدي عَن أَن ينَال التماسها ... أكف صَحَابِيّ حِين حاجتنا مَعًا)
ــ
كَانَت عَادَة الْعَرَب وَالْمعْنَى لم يجد الأضياف والنازلون فِيمَا يصيبهم من حوادث الدَّهْر ونوائبه رجلا شفوقا عَلَيْهِم مثل كَالْأَبِ الشفوق الرَّحِيم
١ - الْوَاو وَاو رب وهبت أَي قَامَت من نومها وَإِنَّمَا كَانَ اللوم فِي اللَّيْل لِأَنَّهَا لَا تتمكن من ذَلِك بِالنَّهَارِ لاشتغاله بِخِدْمَة الأضياف وأضيمها أظلمها وبابه بَاعَ
٢ - عاذل مرخم عاذلة
٣ - الرميم الْعظم الْبَالِي
٤ - الخيم الطبيعة والخلق وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة وَرب لائمة اجتهدت فِي عذلي موجهة اللوم فِيمَا أنفقهُ من مَالِي للأضياف كَأَنَّهَا رَأَتْ إنفاقي المَال ظلما لَهَا وانشقاصا من حَقّهَا قلت لَهَا يَا عاذلة إِن كرمي وجودي لَا يهلكني وَإِن النَّفس البخيلة بِمَا عِنْدهَا من المَال لَا يخلدها لؤمها فِي الدُّنْيَا وَأَن أَخْلَاق الرجل الْكَرِيم ومكارمه لَا تزَال تذكر وَهُوَ مغيب فِي قَبره بالية عِظَامه وَأَن الَّذِي يختلق ويبتدع مَا لم يكن من خلقه وطبيعته لَا بُد من أَن يَأْتِي عَلَيْهِ يَوْم يتْركهُ فِيهِ وَيرجع إِلَى ضريبته وأخلاقه
٥ - أكف يَدي أَن أقبضها وَقَوله حاجتنا مَعًا أَي
стр. 780
(أَبيت هضيم الكشح مضطمر الحشا ... من الْجُوع أخْشَى الذَّم أَن أتضلعا)
(وَإِنِّي لأستحيي رفيقي أَن يرى ... مَكَان يَدي من جَانب الزَّاد أقرعا)
٣ - (وَإنَّك مهما تعط بَطْنك سؤله ... وفرجك نالا مُنْتَهى الذَّم أجمعا)
وَقَالَ أَيْضا
٤ - (أما وَالَّذِي لَا يعلم السِّرّ غَيره ... ويحيي الْعِظَام الْبيض وَهِي رَمِيم)
٥ - (لقد كنت أخْتَار الْقرى طاوي الحشا ... مُحَافظَة من أَن يُقَال لئيم)
٦ - (وَإِنِّي لأستحيي يَمِيني وَبَينهَا ... وَبَين فمي داجى الظلام بهيم)
ــ
كلنا جَائِع فحاجته إِلَى الطَّعَام كحاجة صَاحبه وَالْمعْنَى أَنِّي أَقبض يَدي إِذا جلسنا على الطَّعَام إيثارا لِأَصْحَابِي خوفًا من نفاد الزَّاد فِي حَال احتياجنا كلنا إِلَى الطَّعَام والزاد
١ - أَبيت هضيم الكشح هَذَا يدل على أَنه كَانَ يُؤثر أضيافه بِالْأَكْلِ على نَفسه وَقت الْحَاجة والهضيم الضامر والكشح مَا بَين الخاصرة إِلَى الضلع والمضطمر المهزول وتضلع الرجل إِذا امْتَلَأَ من الزَّاد وَالْمعْنَى أَنِّي أَبيت ضامر الْبَطن مهضوم الحشا لَا أمتلئ طَعَاما مَخَافَة أَن أَذمّ عَلَيْهِ
٢ - أَرَادَ بالأقرع الْخَالِي من الطَّعَام وَالْمعْنَى إِنِّي لأَسْتَحي مِمَّن يجالسني على الطَّعَام أَن يرى مَا يليني من الْمَائِدَة خَالِيا
٣ - السؤل المسؤول وَأَرَادَ بِهِ مَا يشتهيه وَالْمعْنَى أَن الشَّخْص إِذا أعْطى بَطْنه وفرجه مَا يَشْتَهِي وَاتبع هَوَاهُ بِقَضَاء مَا تزينه لَهُ نَفسه من شهواتها أَصَابَهُ من النَّاس مُنْتَهى الذَّم والشتم
٤ - الرميم الْبَالِي
٥ - لقد كنت الخ جَوَاب الْقسم ومحافظة مفعول لَهُ
٦ - بهيم أَي شَدِيد الظلمَة لَا وضح فِيهِ وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة
стр. 781
١ - وَقَالَ رجل من آل حَرْب
(باتت تلوم وتلحاني على خلق ... عودته عَادَة والجود تعويد)
٣ - (قَالَت أَرَاك بِمَا أنفقت ذَا سرف ... فِيمَا فعلت فَهَلا فِيك تصريد)
٤ - (قلت أتركيني أبع مَالِي بمكرمة ... يبْقى ثنائي بهَا مَا أَوْرَق الْعود)
٥ - (إِنَّا إِذا مَا أَتَيْنَا أَمر مكرمَة ... قَالَت لنا أنفس حربية عودوا)
ــ
أقسم بِالَّذِي لَا يعلم السِّرّ غَيره ويحيي الْخلق بعد فنائهم لقد كنت أوثر أَن أقرى الضيفان وَأَنا جَائِع اتقاء ذمِّي ونسبتي إِلَى اللؤم وَأَنِّي لفي غَايَة من الْحيَاء إِذا أكلت وحدي وَلم أوقد النَّار فِي اللَّيْل ليهتدي إِلَى بَيْتِي الأضياف والمسافرون
١ - ذكر الْمَدَائِنِي أَن السفاح أَمر بقتل رجل من بني أُميَّة فتبعته امْرَأَته وَابْنه الصَّغِير وَجعل يفرق أَمْوَاله وَامْرَأَته تَقول ولدك ولدك فَقَالَ هَذِه الأبيات
٢ - تلحاني أَي تعذلني وتوبخني وَمعنى والجود تعويد أَن الْجُود إِذا صَار عَادَة للْإنْسَان لم يُمكنهُ مُفَارقَته وَلَا ينفع اللوم فِيهِ
٣ - التصريد التقليل من كل شَيْء يُقَال صرد لَهُ عطاءه أَي أعطَاهُ قَلِيلا قَلِيلا
٤ - مَا أَوْرَق الْعود مَا مَصْدَرِيَّة ظرفية وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة أَن لائمة لامتني فِي اللَّيْل وعذلتني على سخائي وكرمي الَّذِي هُوَ طبيعي فِي وَإِن كَانَ النَّاس يتعلمونه تعلما ويتكلفونه فَقَالَت لي إِن كَثْرَة إنفاقك سرف وتبذير فقلل وَأمْسك عَلَيْك مَالك فَقلت لَهَا دعيني أَشْتَرِي بِمَالي مَكَارِم يَدُوم مدح النَّاس لي بِسَبَبِهَا مَا أدام الله الْحَيَاة فِي النَّبَات
٥ - أنفس حربية منسوبة إِلَى حَرْب بن أُميَّة وَالْمعْنَى نَحن قوم إِذا عَملنَا عملا من أَعمال الْكَرم أمرتنا وحرضتنا أَنْفُسنَا أَن نكرره ونزداد من مثله لِأَن الْكَرم طبيعتنا
стр. 782
وَقَالَ أَبُو كدراء الْعجلِيّ
(يَا أم كدراء مهلا لَا تلوميني ... إِنِّي كريم وَإِن اللوم يُؤْذِينِي)
(فَإِن بخلت فَإِن الْبُخْل مُشْتَرك ... وَإِن أجد أعْط عفوا غير ممنون)
٣ - (لَيست بباكية إبلي إِذا فقدت ... صوتي وَلَا وارثي فِي الْحَيّ يبكيني)
٤ - (بنى البناة لنا مجدا ومكرمة ... لَا كالبناء من الْآجر والطين)
وَقَالَ عتبَة بن بجير وَقيل أَنَّهَا لمسكين الدِّرَامِي
٥ - (لِحَافِي لِحَاف الضَّيْف وَالْبَيْت بَيته ... وَلم يلهني عَنهُ غزال مقنع)
٦ - (أحدثه إِن الحَدِيث من الْقرى ... وَتعلم نَفسِي أَنه سَوف يهجع)
ــ
وَرِثْنَاهَا عَن جدنا الْأَعْلَى حَرْب بن أُميَّة
١ - مهلا أَي رفقا وَالْمعْنَى يَا أيتها الْمَرْأَة ترفقي بِي وأقلعي عَن لومي على مَا أَنا فِيهِ من السخاء والجود لِأَن ذَلِك طبيعتي وَخلقِي فأكره أَن أسمع لوما وعذلا لِأَن ذَلِك يؤلمني ويوجعني
٢ - عفوا غير ممنون أَي فضلا لَا يَنْقَطِع وَالْمعْنَى إِن بخلت كَانَ لي فِي الْبُخْل شُرَكَاء كَثِيرُونَ وَإِن جدت كنت فِي الْجُود مثل من يتَصَرَّف فِي ملكه
٣ - يبكيني أَي يبكي عَليّ مَعْنَاهُ لَا أُبْقِي من إبلي إِلَّا مَا يفضل عَن إفضالي
٤ - الْمَعْنى أَن أسلافي بنوا لي مجدا وكرما فأحتاج إِلَى أَن أقتدي بهم وَأَعْمر خططهم وَإِن لم تكن من الْآجر والطين
٥ - كنى بالغزال الْمقنع عَن ذِي الْوَجْه الْجَمِيل
٦ - يهجع ينَام وَمعنى الْبَيْتَيْنِ كل مَا أملكهُ فَهُوَ ملك للضيف وَلَيْسَ يلهيني عَنهُ مَا يلهي النَّاس وَإِنِّي لَا أقتصر على إطعامه بل لَا أَزَال أحدثه وأونسه حَتَّى ينَام
стр. 783
١ - وَقَالَ عَمْرو بن أَحْمَر الْبَاهِلِيّ
(ودهم تصاديها الولائد جلة ... إِذا جهلت أجوافها لم تحلم)
٣ - (ترى كل هرجاب لجوج لهمة ... زفوف بشلو الناب هوجاء عيلم)
٤ - (لَهَا لغط جنح الظلام كَأَنَّهُ ... عجارف غيث رائح متهزم)
ــ
١ - أحد بني باهلة وَكَانَ من شعراء الْجَاهِلِيَّة وَأدْركَ الْإِسْلَام فَأسلم وغزا مغازي الرّوم وَأُصِيب بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ هُنَاكَ ثمَّ نزل الشَّام وَتُوفِّي فِي زمن عُثْمَان بعد أَن بلغ سنا عالية وَهُوَ أحد عوران قيس وهم خَمْسَة شعراء تَمِيم بن أبي مقبل والراعي والشماخ وَابْن أَحْمَر وَحميد بن ثَوْر وَكَانَ عمر وشاعرا فصيحا مقدما معدودا من المجيدين
٢ - المُرَاد بالدهم الْقُدُور السود وتصاديها تداريها بِالنّصب والإنزال والولائد جمع وليدة وَهِي الْأمة والجلة الْعَظِيمَة الْكَبِيرَة وَالْمعْنَى وَرب قدور كَثِيرَة تدير شؤونها الْإِمَاء والخدم إِذا اشْتَدَّ غليانها لَا تسكن بعد ذَلِك كالأحمق الَّذِي إِذا اشْتَدَّ غَضَبه لَا يحلم أبدا قدمت مَا فِيهَا من اللَّحْم والمرق للضيفان
٣ - الهرجاب الطَّوِيلَة من النوق وَقيل السريعة مِنْهَا وَأَرَادَ بِهِ عظم الْقدر وَسُرْعَة إنضاجها للحم واللجوج الشَّديد الصَّوْت ولهمة أَي تلتقم مَا يلقى فِيهَا والزفوف السَّرِيع والشلو الْعُضْو والهوجاء الَّتِي فِيهَا هوج أَي طيش وَسُرْعَة والعيلم المَاء الْكثير الغزير وكل هَذِه الصِّفَات استعارها للقدر
٤ - اللَّغط اخْتِلَاط الْأَصْوَات والعجارف الأمطار الشَّدِيدَة مَعَ الرَّعْد وَالرِّيح والرائح الْآتِي والمتهزم الَّذِي لَهُ هزيم وَهُوَ صَوت الرَّعْد وكل هَذِه الصِّفَات استعارها للقدر أَيْضا
стр. 784
(إِذا ركدت حول الْبيُوت كَأَنَّمَا ... ترى الْآل يجْرِي عَن قنابل صيم)
وَقَالَ المرار الفقغسي تقدّمت تَرْجَمته
(آلَيْت لَا أُخْفِي إِذا اللَّيْل جنني ... سنا النَّار عَن سَار وَلَا متنور)
٣ - (فيا موقدي نَارِي ارفعاها لَعَلَّهَا ... تضيء لسار آخر اللَّيْل مقتر)
٤ - (وماذا علينا أَن يواجه نارنا ... كريم الْمحيا شاحب المتحسر)
٥ - (إِذا قَالَ من أَنْتُم ليعرف أَهلهَا ... رفعت لَهُ باسمي وَلم أتنكر)
ــ
١ - الْآل السراب وَهُوَ مَا يرى حِين اشتداد الْحر كَالْمَاءِ عَن بعد والقنابل جماعات الْخَيل والصيم الواقفات من الْخَيل وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة أَنه يُشِير إِلَى أَنه بلغ الْغَايَة فِي الْكَرم حَتَّى اصْطنع قدورا تشبه الْإِبِل فِي الْعظم والرعد والبرق والغيث فِي شدَّة الغليان وَكَثْرَة المرق وبخارها حينما تنزل عَن النَّار يشبه السراب النَّازِل عَن ظُهُور الْخَيل
٢ - آلَيْت حَلَفت وجنه اللَّيْل ستره والسنا الضَّوْء والساري الْمُسَافِر لَيْلًا وَالْمعْنَى حَلَفت أَنِّي لَا أحجب ضوء نَار قراي عَن مُسَافر وَلَا قَاصد
٣ - المقتر البائس المفتقر
٤ - شاحب المتحسر أَي متغير مَا يَبْدُو مِنْهُ كالوجه وَالْيَد وَالرجل وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنه يُنَادي خدمه وعبيده قَائِلا ارفعا النَّار وأضرماها رَجَاء أَن تضيء لفقير مُسَافر آخر اللَّيْل فيهتدي بهَا إِلَى النُّزُول عندنَا وَأي ضَرَر يلحقنا إِذا نظر نارنا رجل كريم الْوَجْه طلقه مَعَ تغير وَجهه وَيَديه وَرجلَيْهِ من تَعب السّفر
٥ - الْمَعْنى إِذا جَاءَنَا الضَّيْف وَقَالَ من أَنْتُم ليعرف أهل هَذِه النَّار أخْبرته باسمي وَلم أتنكر ليجاوزني إِلَى غَيْرِي
стр. 785
(فبتنا بِخَير من كَرَامَة ضيفنا ... وبتنا نهيي طعمه غير ميسر)
وَقَالَ عُرْوَة بن الْورْد الْعَبْسِي تقدّمت تَرْجَمته
(أرى أم حسان الْغَدَاة تلومني ... تخوفني الْأَعْدَاء وَالنَّفس أخوف)
٣ - (لَعَلَّ الَّذِي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه فِي أَهله المتخلف)
٤ - (إِذا قلت قد جَاءَ الْغنى حَال دونه ... أَبُو صبية يشكو المفاقر أعجف)
٥ - (لَهُ خلة لَا يدْخل الْحق دونهَا ... كريم أَصَابَته حوادث تجرف)
وَقَالَ يزِيد بن الطثرية تقدّمت تَرْجَمته
ــ
١ - الطّعْم الطَّعَام وَالْميسر الْقمَار وَالْمعْنَى أننا لما أكرمنا ضيفنا اطمأننا وسكنا فكأنا أصبْنَا خيرا وبتنا نهدي من لحم مَا ذبحناه لَهُ لجيراننا وَلم يكن مَا نحرناه لقمار فَيكون لنا فِيهِ شُرَكَاء بل كَانَ للضيف فَلَا شريك لنا فِيهِ
٢ - الْمَعْنى أَن أم حسان تعذلني وتخوفني الْخُرُوج إِلَى أعدائي وَالنَّفس أخوف فَإِن الْمَوْت يلْحق الْمُقِيم كَمَا يلْحق الْمُسَافِر
٣ - يُرِيد أَن الْمَوْت الَّذِي تخوفني مِنْهُ يخَاف مِنْهُ المتخلف الْمُقِيم فِي أَهله المستقر عِنْدهم لَا الْمُتَقَدّم إِلَى الْعَدو
٤ - المفاقر الْحَاجَات جمع فقر على غير قِيَاس وأعجف أَي هزيل من الضّر وَالْمعْنَى أننا إِذا جَمعنَا المَال للغنى جَاءَنَا فَقير هزيل ذُو عِيَال فَنُعْطِيه وننفق مِنْهُ وَهَذِه حَالنَا مَعَ غَيره
٥ - الْخلَّة الْحَاجة وَالْحق الْقَرَابَة هُنَا وتجرف أَي تذْهب بِالْمَالِ كَمَا تذْهب المجرفة بِمَا يجرف بهَا وَالْمعْنَى أَن أَبَا الصبية الَّذِي جَاءَنَا لَهُ حَاجَة لَا تجاوزها الْقَرَابَة وَهُوَ كريم أَصَابَته حوادث الدَّهْر ونوائبه الَّتِي ذهبت بِمَالِه
стр. 786
(إِذا أرسلوني عِنْد تَقْدِير حَاجَة ... أمارس فِيهَا كنت نعم الممارس)
(ونفعى نفع الموسرين وَإِنَّمَا ... سوامي سوام المقترين المفالس)
وَقَالَ الْأَقْرَع بن معَاذ
٣ - (إِن لنا صرمة تلفى مخيسة ... فِيهَا معاد وَفِي أَرْبَابهَا كرم)
٤ - (تسلف الْجَار شربا وَهِي حائمة ... وَلَا يبيت على أعناقها قسم)
ــ
١ - أمارس أعاني وَجُمْلَة أمارس صفة لحَاجَة
٢ - السوام الْأَنْعَام الراعية والمقتر الْفَقِير والمفالس جمع مُفلس وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنه يصف نَفسه بِحسن التأني فِي الْأُمُور يَقُول بلغ مني التدبر فِي الْأُمُور أَنهم إِذا أرسلوني لحَاجَة مَوْصُوفَة بكوني أعاني فِيهَا بذلت قصارى جهدي فِي قَضَائهَا وَكنت خير رجل قَامَ بِمِثْلِهَا وَإِن نفعي للنَّاس نفع الْأَغْنِيَاء الباذلين وَإِن كَانَ مَالِي قَلِيلا لِأَنِّي غَنِي النَّفس
٣ - الصرمة من الْإِبِل نَحْو الْأَرْبَعين والمخيسة الَّتِي لم تسرح وَلكنهَا حبست للنحر أَو الْقسم وَقَوله فِيهَا معاد أَي يعود فِيهَا العفاة يصيبون مرّة بعد أُخْرَى وَالْمعْنَى أَن لنا إبِلا ترَاهَا محبوسة حول بُيُوتنَا للنحر أَو الْقسم وفيهَا يعود العفاة يصيبون مِنْهَا مرّة بعد أُخْرَى وَكلما عَاد العفاة وجدوا كرما فِي أَصْحَابهَا
٤ - تسلف أَي تقدم وَالْجَار نصب على نزع الْخَافِض أَي تقدم إِلَى الْجَار وَالشرب المَاء وَأَرَادَ بِهِ هُنَا اللَّبن والحائم العطشان الَّذِي يحوم حول المَاء وَقَوله وَلَا يبيت على أعناقها قسم يُرِيد لَا نقسم عَلَيْهَا أَن لَا تنحر أَو توهب وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْإِبِل تروي الْجَار من لَبنهَا وَهِي عطاش وَإِلَّا نقسم عَلَيْهَا أَن لَا تنحر وَلَا توهب
стр. 787
(وَلَا تسفه عِنْد الْحَوْض عطشتها ... أَحْلَامنَا وشريب السوء يحتدم)
(يَزْرَعهَا الله من جنب ويحصدها ... فَلَا يقوم لما يَأْتِي بِهِ الصرم)
٣ - (إِن أخلف الضَّيْف رسل عِنْد حاجتنا ... لم يخلف الضَّيْف من أصلابها دسم)
٤ - وَقَالَ يزِيد بن الجهم الْهِلَالِي ويروي لحميد بن ثَوْر
٥ - (لقد أمرت بالبخل أم مُحَمَّد ... فَقلت لَهَا حثي على الْبُخْل أحمدا)
٦ - (فَإِنِّي امرء عودت نَفسِي عَادَة ... وكل امْرِئ جَار على مَا تعودا)
ــ
١ - وَلَا تسفه عِنْد الْحَوْض أَي لَا نواثب النَّاس الوراد عِنْد الْحَوْض فننسب إِلَى السَّفه والطيش والأحلام الْعُقُول والشريب المشارك فِي الشّرْب واحتدم تحرق غيظا وَالْمعْنَى إِذا أوردنا إبلنا المَاء وَبهَا عَطش لَا نزاحم الموردين فَيكون عطشها سفها لعقولنا وَقد يَحْتَرِق شريك السوء غيظا
٢ - الصرم الْقطع وَالْجنب هُنَا مُعظم الشَّيْء وَأَكْثَره وَالْمعْنَى نطلب من الله تَعَالَى أَن يحيي لنا إبلنا وينشئها من إبل كَثِيرَة عَظِيمَة لنكرم بهَا الضيفان فَلَا يحول بَيْننَا وَبَين مَا يَأْتِي بِهِ الله الْقطع
٣ - الرُّسُل اللَّبن وَالْمعْنَى أَنَّهَا إِن لم تدر اللَّبن للضيف فَلَا نحرمه من أَن نطعمه من لحومها
٤ - هُوَ حميد بن ثَوْر بن عبد الله أحد بني هِلَال بن عَامر بن صعصعة شَاعِر إسلامي وقرنه مُحَمَّد بن سَلام بنهشل بن حري وَأَوْس بن مغراء وَأدْركَ حميد بن ثَوْر عمر بن الْخطاب وَقَالَ الشّعْر فِي أَيَّامه
٥ - أم مُحَمَّد هِيَ زَوجته وَأحمد اسْم علم لولد لَهَا أَو قريب مِنْهَا
٦ - معنى الْبَيْتَيْنِ أَن امْرَأَته حينما رَأَتْهُ كَرِيمًا أمراته بالبخل فَقَالَ
стр. 788
(أحين بدا فِي الرَّأْس شيب وَأَقْبَلت ... إِلَيّ بَنو عيلان مثنى وموحدا)
(رَجَوْت سقاطي واعتلالى ونبوتي ... وَرَاءَك عني طَالقا وارحلي غَدا)
وَقَالَ آخر
٣ - (إِنِّي وَإِن لم ينل مَالِي مدى خلقي ... فياض مَا ملكت كفاي من مَال)
٤ - (لَا أحبس المَال إِلَّا ريث أتْلفه ... وَلَا تغيرني حَال إِلَى حَال)
وَقَالَ سوَادَة الْيَرْبُوعي
ــ
لَهَا لَا تحمليني على الْبُخْل بل احملي قريبك أَحْمد لِأَنِّي امْرُؤ كريم قد عودت نَفسِي الْكَرم فَلَا أحولها عَنهُ وكل إِنْسَان آخذ بِمَا تعود عَلَيْهِ
١ - مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وموحد معدول عَن وَاحِد وَاحِد
٢ - السقاط أَن لَا فعل الْإِنْسَان يفعل الْكِرَام وَأَن لَا يذهب مَذْهَبهم ويسلك طريقهم والاعتلال التعلل أَرَادَ بِالنُّبُوَّةِ الْبعد وَقَوله وَرَاءَك عني أَي ابعدي عني وطالقا نصب على الْحَال من قَوْله وَرَاءَك وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أوقت أَن اشتعل الشيب فِي رَأْسِي وَقد أَقبلت بَنو عيلان نحوي معلقين آمالهم بِي رَجَوْت وأملت سقاطي واعتلالي وبعدي عَن الطالبين لعطائي مَعَ تجربتي واجتماع هَذِه الْأَحْوَال فِي وَلم يوافقك مَا أصنع من الْكَرم فابعدي عني طَالقا وارحلي
٣ - المدى الْغَايَة والفياض الْكثير الْعَطاء
٤ - الريث البطء وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنِّي وَإِن لم يكن لي مَال كثير يَفِي بِكُل مَا ترغب فِيهِ أخلاقي الطّيبَة من الْكَرم فَأَنا كثير الْعَطاء والبذل لما فِي يَدي وَلَا أمسك مَا عِنْدِي من المَال إِلَّا مُدَّة مَا أنفقهُ وَلَا أتحول عَن خلقي بتحول الزَّمَان وَالْأَيَّام
стр. 789
(أَلا بكرت مي عَليّ تلومني ... تَقول أَلا أهلكت من أَنْت عائله)
(ذَرِينِي فَإِن الْبُخْل لَا يخلد الْفَتى ... وَلَا يهْلك الْمَعْرُوف من هُوَ فَاعله)
٣ - وَقَالَ حطائط بن يعفر أَخُو الْأسود بن يعفر النَّهْشَلِي
٤ - (تَقول ابْنة الْعباب رهم حربتنا ... حطائط لم تتْرك لنَفسك مقْعدا)
٥ - (إِذا مَا أفدنا صرمة بعد هجمة ... تكون عَلَيْهَا كَابْن أمك أسودا)
٦ - (فَقلت وَلم أعي الْجَواب تبيني ... أَكَانَ الهزال حتف زيد وأربدا)
ــ
١ - عاله كفله وَكَفاهُ
٢ - ذريتي اتركيني وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن هَذِه الْمَرْأَة استعجلت بلومي وَقَالَت قد ضيعت بِكَثْرَة إنفاقك من أَنْت كافله وقائم بشؤونه وَلم تبْق لَهُ مَا يتعيش بِهِ من المَال ببذلك للضيفان فَقلت لَهَا اتركيني فَإِن بخل الشَّخْص لَا يزِيد فِي عمره وَإِن فعل الْخَيْر لَا ينقص من عمر فَاعله
٣ - وجدهما عبد الْأسود بن جندل بن نهشل وحطائط أَخُو الْأسود شَاعِر جاهلي مقل وَهَذَا الشّعْر يَقُوله لأمه رهم بنت الْعباب وَقد لامته على جوده وعاتبته
٤ - ابْنة الْعباب هِيَ أم الشَّاعِر ورهم اسْمهَا وحربتنا أَي سلبتنا مالنا الَّذِي نَعِيش بِهِ وَتَرَكتنَا فُقَرَاء وحطائط منادى وَقَوله لم تتْرك الخ تَقول الْعَرَب مَا ترك لَك مقَاما وَلَا مقْعدا أَي لم يبْق لَك مَا يمكنك الْإِقَامَة فِيهِ وَالْقعُود بِهِ
٥ - أفدنا بِمَعْنى استفدنا والصرمة من الْعشْرَة إِلَى الْأَرْبَعين من الْإِبِل والهجمة من الْأَرْبَعين إِلَى مَا زَادَت وَقَوله تكون عَلَيْهَا الخ أَي تعود عَلَيْهَا سالكا طَرِيق أَخِيك الْأسود بن يعفر فِي بذل المَال
٦ - أعي الْجَواب أَي لم أعجز عَنهُ وتبيني بِمَعْنى تبصري وَقَوله أَكَانَ الهزال
стр. 790
(أريني جوادا مَاتَ هزلا لعلني ... أرى مَا تَرين أَو بَخِيلًا مخلدا)
وَقَالَ الْمقنع الْكِنْدِيّ تقدّمت تَرْجَمته
(نزل المشيب فَأَيْنَ تذْهب بعده ... وَقد ارعويت وحان مِنْك رحيل)
٣ - (كَانَ الشَّبَاب خَفِيفَة أَيَّامه ... والشيب محمله عَليّ ثقيل)
٤ - (لَيْسَ الْعَطاء من الفضول سماحة ... حَتَّى تجود وَمَا لديك قَلِيل)
ــ
الخ أَي هَل كَانَ الْفقر والهزال سَبَب موت من مَاتَ من عشيرتنا
١ - أريني جوادا أَي دليني عَلَيْهِ وعرفيني مَكَانَهُ والهزل هُنَا الهزال والضعف وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة أَنَّهَا لامته على كرمه وَقَالَت سلبت مَالك وضيعته وَلم تبْق لنَفسك مَا يمكنك من الْمَعيشَة وَلَا مَكَانا تقعد فِيهِ وَكلما ملكنا عددا من الْإِبِل جدت بِهِ بعد أَن جدت من قبله بِعَدَد أَكثر مِنْهُ مثل مَا يفعل أَخُوك أسود فأجبتها وَلم أعجز عَن الْجَواب تبصري وتأملي هَل كَانَ الْفقر والهزال سَبَب موت من مَاتَ من عشيرتنا أَو قلت لَهَا دليني على مَكَان جواد منا أَو من غَيرنَا أَمَاتَهُ الضّر أَو بخيل زَاد بخله فِي عمره لعَلي أهتدي بهديك وأطاوعك وأرجع إِلَى مَا تريدين
٢ - ارعوى عَن الشَّيْء انْصَرف عَنهُ وَالْمعْنَى نزل بك مُنْذر الْمَوْت وَقرب انْقِضَاء أَجلك فَيَنْبَغِي أَن تقدم بَين يَدي موتك مَا يجب من الْكَرم والخيرات
٣ - محمله أَي حمله وَالْمعْنَى أَن الشَّبَاب وَهُوَ زمَان اللَّهْو قد انْقَضتْ أَيَّامه وَجَاءَت أَيَّام الشيب وَهِي أَيَّام التفكر وَالِاعْتِبَار وَترك الْهوى
٤ - الفضول مَا فضل عَنْك بعد حوائجك وَالْمعْنَى أَن الْعَطاء من الفضول لَا يُقَال لَهُ جود وسماحة
стр. 791
وَقَالَ جؤية بن النَّضر
(قَالَت طريفة مَا نبقى دراهمنا ... وَمَا بِنَا سرف فِيهَا وَلَا خرق)
(إِنَّا إِذا اجْتمعت يَوْمًا دراهمنا ... ظلت إِلَى طرق الْمَعْرُوف تستبق)
٣ - (مَا يألف الدِّرْهَم الصياح صرتنا ... لَكِن يمر عَلَيْهَا وَهُوَ منطلق)
٤ - (حَتَّى يصير إِلَى نذل يخلده ... يكَاد من صره إِيَّاه ينمزق)
٥ - وَقَالَ زرْعَة بن عَمْرو
ــ
وَإِنَّمَا الْجُود والسماحة أَن يجود الْإِنْسَان بِكَثِير مَاله وقليله
١ - طريفة اسْم امْرَأَة وَقَوله وَمَا بِنَا الخ الْوَاو فِيهِ للْحَال والسرف التبذير والخرق إِجْرَاء الْأَمر على غير مجْرَاه وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْمَرْأَة قَالَت إِن دراهمنا تذْهب وَلَا تبقى وَلَيْسَ ذَلِك لتبذير فِيهَا أَو عدم حسن تصرف
٢ - الْمَعْنى أَنا إِذا جَمعنَا الدَّرَاهِم يَوْمًا أنفقناها فِي طرق الْمَعْرُوف وَالْخَيْر
٣ - الْمَعْنى بلغ من جودنا وكرمنا إِن الدِّرْهَم الَّذِي لَهُ صَوت صَار لَا يألف صرتنا بل يمر عَلَيْهَا وَلَا يسْتَقرّ
٤ - النذل اللَّئِيم والانمزاق الانخراق وَالْمعْنَى أَن الدَّرَاهِم لَا يخزنها إِلَّا اللَّئِيم الْبَخِيل يكَاد من شدَّة حرصه عَلَيْهَا وصره إِيَّاهَا تنخرق بِخِلَاف الْكَرِيم فَإِنَّهُ لَا يدخرها عِنْده وَلَا يحرص عَلَيْهَا بل ينفقها
٥ - وجده خويلد بن نفَيْل ابْن عمر بن كلاب شَاعِر أدْرك الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام وَشهد يَوْم رحرحان وَكَانَ فَارِسًا شجاعا وَأَخُوهُ يزِيد بن عَمْرو وَكَانَ أَيْضا شجاعا مقدما وَشهد أَيْضا ذَلِك الْيَوْم وَكَانَا مَعَ أَبِيهِمَا عَمْرو بن خويلد وَكَانَا إِذا أَقبلَا نظر إِلَيْهِمَا النَّاس لحسنهما وجمالهما ونضرة شبابهما
стр. 792
(وأرملة تنوء على يَديهَا ... من الضراء أَو قصَص الهزال)
(خلطت بغثها سمني فأضحت ... شريكة من يعد من الْعِيَال)
٣ - (وأفنتني اللَّيَالِي أم عَمْرو ... وحلي فِي التنائف وارتحالي)
٤ - (وتربيتي الصَّغِير إِلَى مداه ... وتأميلي هلالا عَن هِلَال)
٥ - وَقَالَ عبد الله بن الحشرج الْجَعْدِي
ــ
١ - الْوَاو وَاو رب وتنوء أَي تنهض بِجهْد وتعتمد على يَديهَا وَقَوله أَو قصَص الهزال أَي دنو الْمَوْت مِنْهَا
٢ - خلطت جَوَاب رب والغث المهزول والسمين ضِدّه وَمعنى الْبَيْتَيْنِ وَرب امْرَأَة شَدِيدَة الضّر قد أعياها الْفقر والجوع الْمدنِي من الْمَوْت إِلَى أَن تعتمد إِذا قَامَت على يَديهَا لما لحقها من الهزال تفقدت أحوالها وجعلتها من جملَة عيالي
٣ - الْحل الْحُلُول والتنوفة الْمَفَازَة
٤ - مداه أَي غَايَته وهلالا عَن هِلَال أَي هلالا بعد هِلَال وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن مُرُور اللَّيَالِي وَكَثْرَة الْأَسْفَار أكلت لحمي وأضعفت قواي وَكَذَلِكَ تربيتي الصَّغِير حَتَّى يبلغ أشده وانتظاري الشَّهْر بعد الشَّهْر أعياني أَيْضا
٥ - وجده الْأَشْهب بن ورد بن عَمْرو بن ربيعَة بن جعدة وَكَانَ عبد الله شَاعِرًا إسلاميا وَسَيِّدًا من سَادَات قيس وأميرا من أمرائها جوادا ممدحا ولي أَكثر أَعمال خُرَاسَان وَفَارِس وكرمان وَكَانَ أَبوهُ الحشرج بن الْأَشْهب سيدا شَاعِرًا وأميرا كَبِيرا وَكَانَ عَمه زِيَاد بن الْأَشْهب شريفا سيدا وَكَانَ زِيَاد قد سَار إِلَى عَليّ ليصلح بَينه وَبَين مُعَاوِيَة على أَن يوليه الشَّام فَأبى عَليّ وَلم يجبهُ إِلَى ذَلِك
стр. 793
(أَلا بكرت تلومك أم سلم ... وَغير اللوم أدنى للسداد)
(وَمَا بذلي تلادي دون عرضي ... بإسراف أميم وَلَا فَسَاد)
٣ - (فَلَا وَأَبِيك مَا أعطي صديقي ... مكاشرتي وأمنعه تلادي)
٤ - (وَلَكِنِّي امروء عودت نَفسِي ... على علاتها جرى الْجواد)
٥ - (مُحَافظَة على حسبي وأرعى ... مساعي آل ورد والرقاد)
وَقَالَ رجل من بني سعد
٦ - (أَلا بكرت أم الْكلاب تلومني ... تَقول أَلا قد أبكأ الدّرّ حالبه)
ــ
١ - أدنى أَي أقرب وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْمَرْأَة استعجلت عَليّ باللوم مَعَ أَن اسْتِعْمَال غير اللوم أقرب فِي تسديدي وإرشادي إِذْ كَانَ الْإِكْثَار من اللوم يعود إغراء
٢ - خَاطب نَفسه فِي الْبَيْت الأول ثمَّ نقل الْكَلَام إِلَى الْأَخْبَار على عَادَتهم والتلاد المَال الْقَدِيم وضده الطارف وأميم مرخم أُمَيْمَة وَالْمعْنَى لَيْسَ مَا أبذل من المَال الَّذِي ورثته عَن آبَائِي صونا وحفظا لعرضي بإسراف يَا أُمَيْمَة وَلَا تبذير وَلَا فَسَاد
٣ - المكاشرة إبداء الْأَسْنَان بالضحك وَقَوله وأمنعه تلادي مَعْطُوف على أعْطى
٤ - على علاتها أَي على عسرها وشدتها
٥ - مُحَافظَة مفعول لَهُ وَورد الرقاد قبيلتان وَالْمعْنَى الأبيات الثَّلَاثَة أقسم بأبيك إِنِّي لَا أعاشر الصّديق وأعطيه مكاشرتي مَانِعا عَنهُ مَالِي وَلَكِنِّي رجل أجري فِي الْبَذْل والجود جري الْفرس والجواد وَلَا أفعل ذَلِك إِلَّا لحفظ شرفي ومراعاة مَكَارِم آبَائِي
٦ - ابكأه أَقَله والدر اللَّبن وَيُقَال أَيْضا أبكأ الدّرّ إِذا وجده بكيئا وَهُوَ المُرَاد والبكيئة ضد الغزيرة
стр. 794
(تَقول أَلا أهلكت مَالك ضلة ... وَهل ضلة أَن ينْفق المَال كاسبه)
وَقَالَ مزعفر
(وَإِنِّي لأسدي نعمتي ثمَّ أَبْتَغِي ... لَهَا أُخْتهَا حَتَّى أعل وأشفعا)
٣ - (وَأَجْعَل نعمى مَا فعلت ذمَامَة ... عَليّ وَآتِي صَاحِبي حَيْثُ ودعا)
٤ - (وَإِنِّي بِمَا يَكْفِي من الزَّاد أَهله ... وَإِن كَانَ موفورا جلبناه أجمعا)
وَقَالَ عارق الطَّائِي تقدّمت تَرْجَمته
٥ - (أَلا حَيّ قبل الْبَين من أَنْت عاشقه ... وَمن أَنْت مشتاق إِلَيْهِ وشائقه)
ــ
١ - الضلة الضلال وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَن هَذِه الْمَرْأَة استعجلت عَليّ باللوم لِكَثْرَة بذلي وإكرامي للنازلين عِنْدِي قائلة قد وجد الحالب لبننا قَلِيلا وَقد أذهبت مَالك للضلال فَقلت لَهَا هَل إِنْفَاق كاسب المَال ضلال
٢ - الأسداء الْإِحْسَان وَقَوله ثمَّ ابْتغِي الخ أَي أطلب مثلهَا حَتَّى أعل الخ وأعل من الْعِلَل وَهُوَ الشّرْب الثَّانِي وأشفع أَي أقرن وَالْمعْنَى أَنِّي أحب إسداء النِّعْمَة ثمَّ أطلب مثلهَا إِلَى أَن ألحقها بهَا وأقرن إِلَيْهَا أُخْرَى
٣ - الذمامة الذَّم كَأَنَّهُ يعْتَقد أَن فِي الْإِحْسَان إِلَيْهِ إساءة وَيجوز أَن يكون ذمَامَة بِمَعْنى الْحق من الذمام يُرِيد أَن من أنعم عَلَيْهِ يكون لَهُ حُرْمَة عِنْده ووسيلة لَدَيْهِ وَقَوله وَآتِي صَاحِبي أَي آتِي قَبره زَائِرًا حفظا لعهده حَيا وَمَيتًا وَالْمعْنَى أَنِّي أحب الْكَرم وَأَجْعَل نعْمَة مَا فعلته حَقًا عَليّ وَآتِي قبر صَاحِبي زَائِرًا أحفظ عَهده حَيا وَمَيتًا
٤ - الْمَعْنى أَنِّي أكتفي بِمَا تيَسّر من الزَّاد وَلَا أستزيد مِنْهُ إِلَّا عِنْد توفره
٥ - الْبَين الْبعد وشائقه أَي من يشتاق إِلَيْك
стр. 795
(وَمن لَا تواتي دَاره غير فينة ... وَمن أَنْت تبْكي كل يَوْم يُفَارِقهُ)
(تخب بصحراء الثوية نَاقَتي ... كعدو رباع قد أمخت نواهقه)
٣ - (إِلَى الْمُنْذر الْخَيْر بن هِنْد تزوره ... وَلَيْسَ من الْفَوْت الَّذِي هُوَ سابقه)
٤ - (فَإِن نسَاء غير مَا قَالَ قَائِل ... غنيمَة سوء وسطهن مهارقه)
ــ
١ - المواتاة الْمُوَافقَة والمساعدسة والفينة الْوَقْت والساعة وَمعنى الْبَيْتَيْنِ حَيّ قبل حُلُول الْبعد محبوبك الَّذِي لَك شوق إِلَيْهِ مثل مَا لَهُ شوق إِلَيْك وَالَّذِي لَا توَافق دَاره أَي لَا تَجْتَمِع مَعَه إِلَّا سَاعَات قَليلَة وَالَّذِي أَنْت تبْكي شوقا إِلَيْهِ كل يَوْم تُفَارِقهُ فِيهِ
٢ - الخبب ضرب من الْعَدو وصحراء الثوية اسْم مَوضِع والرباع حمَار الْوَحْش وأمخت سمنت والنواهق عِظَام فِي السَّاق
٣ - إِلَى الْمُنْذر مُتَعَلق بقوله تخب فِي الْبَيْت قبله وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنه يخبر أَن نَاقَته تسرع السّير كَمَا يسرعه حمَار الْوَحْش الَّذِي قد أطاعه الْعلف والمرتع فَصَارَ لعظامه مخ من السّمن وَإِنَّمَا تجتهد فِي السّير هَذَا الِاجْتِهَاد لِأَنَّهَا تقصد الْمُنْذر الَّذِي قد كثر خَيره حَتَّى صَار هُوَ الْخَيْر وَلَيْسَت تسرع هَذَا الْإِسْرَاع خوفًا أَن يفوتها بره وَكَرمه وَلَكِن إِذا عظم الرجل فالقاصد يَقْصِدهُ بكد وجد
٤ - غير مَا قَالَ قَائِل الْجُمْلَة صفة لِنسَاء وغنيمة سوء خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي هن الخ وأضاف الْغَنِيمَة إِلَى السوء على طَرِيق الإزراء والاحتقار وَقَوله وسطهن مهارقه خبر أَن والمهارق هِيَ الثِّيَاب الْبيض كَانَت الْعَرَب تكْتب عَلَيْهَا العهود وَمَا أَرَادوا بَقَاءَهُ من الدَّهْر وَضمير مهارقه عَائِد إِلَى الْمُنْذر بن هِنْد وَالْمعْنَى أَن النِّسَاء اللَّاتِي سباهن الْملك وَيُخَالف وصفهن لما قَالَ قَائِل يَعْنِي من حسن لَهُ أَن يُوقع بِهن فهن بِالْحَقِيقَةِ غنيمَة سوء لَا ينْتَفع بهَا لِأَنَّهُ
стр. 796
(وَلَو نيل فِي عهد لنا لحم أرنب ... وَفينَا وَهَذَا الْعَهْد أَنْت معالقه)
(أكل خَمِيس أَخطَأ الْغنم مرّة ... وصادف حَيا دانيا هُوَ سائقه)
٣ - (وَكُنَّا أُنَاسًا دائنين بغبطة ... تسيل بِنَا تلع الملا وأبارقه)
٤ - (فأقسمت لَا أحتل إِلَّا بصهوة ... حرَام عَلَيْك رمله وشقائقه)
ــ
قد سبق من الْملك عهد لَهُنَّ بالأمان
١ - لحم أرنب هَذَا تحقير لِأَنَّهُ صيد مستباح وَقَوله معالقه أَي مُتَعَلق بذمتك وَفِي رقبتك حَتَّى تخرج مِنْهُ وَالْمعْنَى لَو تعدى علينا أحد فصاد أرنبا دَاخِلا فِي حمانا لاقتصصنا مِنْهُ وَفَاء بالعهد وَأَنت أَيهَا الْملك سبق مِنْك عهد لهَؤُلَاء السبايا فَلَا يَنْبَغِي أَن تنقض عَهْدك لِأَنَّهُ مُتَعَلق بك يلزمك الْوَفَاء بِهِ
٢ - أكل خَمِيس الخ لَفظه لفظ الِاسْتِفْهَام وَمَعْنَاهُ التقريع وَالْخَمِيس الْجَيْش وَالْغنم الْغَنِيمَة وَالْمعْنَى أكل جَيش أخفق فِي وَجه قدر أَن فِيهِ غنما ثمَّ صَادف فِي رُجُوعه قوما قريبين يسهل اغتنامهم وأسرهم يُوقع الْقَتْل فيهم فَهَذَا مشؤمة عواقبه
٣ - دائنين آخذين بِالطَّاعَةِ مغتبطين بِمَا لنا من الذِّمَّة وَالْغِبْطَة أَن تتمنى مثل مَا للْغَيْر بِدُونِ أَن تطلب زَوَالهَا عَنهُ والتلعة مسيل مَاء وَجمعه تلع والملا هُنَا الصَّحرَاء والأبارق جمع الأبرق وَهِي الْمَوَاضِع الَّتِي ألبست حِجَارَة سُودًا وبيضا وكنى بِهَذَا عَن الْكَثْرَة يصف نَفسه وَقَومه بِأَنَّهُم كَانُوا أهل نعْمَة ورفاهية وحفض عَيْش وَأَنَّهُمْ كَانُوا مُطِيعِينَ لملوكهم وَقد غبطهم النَّاس على مَا هم فِيهِ
٤ - السهوة الْمَكَان العالي والشقائق جمع شَقِيقَة وَهِي رَملَة بَين أَرضين وَالْمعْنَى حَلَفت لَا أنزل إِلَّا بَعيدا من أَرْضك فِي مَكَان مُرْتَفع لَا وُصُول لَك إِلَيْهِ
стр. 797
(حَلَفت بِهَدي مشْعر بكراته ... تخب بصحراء الغبيط درادقه)
(لَئِن لم تغير بعد مَا قد صَنَعْتُم ... لأنتحين للعظم ذُو أَنا عارقه)
وَقَالَ برج بن مسْهر الطَّائِي
٣ - (سرت من لوى المروت حَتَّى تجاوزت ... إِلَيّ ودوني من قناة شجونها)
٤ - (إِلَى رجل يزجي الْمطِي على الوجى ... دقاقا ويشقى بِالسِّنَانِ سمينها)
ــ
١ - الْهدى الَّذِي يهدي إِلَى الْبَيْت الْحَرَام وإشعاره طعنه فِي سنامه وتقليده والبكرات جمع بكرَة وَهِي الشَّابَّة من الْإِبِل وتخب أَي تمشي الخبب وَهُوَ نوع من سير الْإِبِل وصحراء الغبيط مَكَان مَخْصُوص والداردق من الْإِبِل صغارها
٢ - انتحاه قَصده وَذُو بِمَعْنى الَّذِي فِي لُغَة طيىء والعارق منتزع اللَّحْم من الْعظم وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَقْسَمت بِمَا يهدي للحرم من الْبدن الَّتِي تمشي صغارها بصحراء الغبيط إِن لم تحول فعلك وَتغَير صنعك لأقصدن فِي مجازاتك كسر الْعظم الَّذِي آخذ اللَّحْم مِنْهُ
٣ - سرت أَي جَاءَ طيفها لَيْلًا واللوى مستدق الرمل والمروت اسْم وَاد وقناة وَاد فِي الْمَدِينَة وشجونها شعابها وجوانبها المتقاربة
٤ - إِلَى رجل مُتَعَلق بسرت فِي الْبَيْت قبله وَيَعْنِي بِالرجلِ نَفسه ويزجي يَسُوق والوجى الحفاء وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنَّهَا أَجدت السّير لَيْلًا من الْوَادي الْمَذْكُور حَتَّى مرت على وَادي قناة وَقطعت جَمِيع شعوبه ووصلت إِلَيّ وَأَنا رجل أسوق الْإِبِل الَّتِي تعبت من كَثْرَة السّير حَالَة كَونهَا ضامرة مَهْزُولَة وَلَا أَزَال إِلَى فك العاني وإغاثة الملهوف وأنحر السمين مِنْهَا للعفاة والضيوف
стр. 798
(فللقوم مِنْهَا بالمراجل طبخة ... وللطير مِنْهَا فرثها وجنينها)
وَقَالَ ملحة الْجرْمِي
(فَتى عزلت عَنهُ الْفَوَاحِش كلهَا ... فَلم تختلط مِنْهُ بِلَحْم وَلَا دم)
٣ - (كَأَن زرور القبطرية علقت ... علائقها مِنْهُ بجذع مقوم)
٤ - (عملس أسفار إِذا اسْتقْبلت لَهُ ... سموم كحر النَّار لم يتلثم)
٥ - (إِذا مَا رمى أَصْحَابه بجبينه ... سرى اللَّيْلَة الظلماء لم يتهكم)
ــ
١ - المراجل جمع مرجل وَهُوَ الْقدر وَالضَّمِير فِي مِنْهَا عَائِد إِلَى سمينها فِي الْبَيْت قبله والفرث السرجين مَا دَامَ فِي الكرش والجنين الْوَلَد مَا دَامَ فِي بطن أمه وَالْمعْنَى أَنه بلغ من كرمه أَن أطْعم الْإِنْسَان وَالْحَيَوَان غير الْإِنْسَان فَأَما الْإِنْسَان فَأكل أطيب اللَّحْم وسمينه وَمَا بَقِي أكله الطير
٢ - عزلت أَي نحيت مِنْهُ فِي جَانب وَالْمعْنَى أَنه رجل عفيف ذُو نزاهة قد نحى مِنْهُ جَمِيع مَا يشينه ويعيبه
٣ - زرور جمع زر وَهُوَ مَا يوضع فِي الْقَمِيص وَنَحْوه والقبطرية ضرب من الثِّيَاب وعلائقها مَا تعلق بِهَذَا الممدوح مِنْهَا وجذوع الشّجر أُصُولهَا وَشبه قامته بجذع مُسْتَقِيم معتدل يصفه بطول الْقَامَة واستقامتها وَهُوَ ممدوح عِنْد الْعَرَب
٤ - العملس فِي الأَصْل الذِّئْب الجريء الْمِقْدَام وَشبه نَفسه بِهِ فِي الجراءة والإقدام وَزَاد اللَّام فِي قَوْله اسْتقْبلت لَهُ تَأْكِيدًا وَالْأَصْل استقبلته والسموم الرّيح الحارة يصفه بِالْقُوَّةِ والشدة والشجاعة وَالصَّبْر على مشاق السّفر
٥ - إِذا مَا رمى أَصْحَابه الخ مَعْنَاهُ إِذا قدمه أَصْحَابه ليهتدوا بِهِ وَالسري مسير اللَّيْل كُله وَمعنى لم
стр. 799
(كَأَن قرادى زوره طبعتهما ... بطين من الجولان كتاب أعجم)
وَقَالَ آخر
(إِنَّك يَا ابْن جَعْفَر نعم الْفَتى ... وَنعم مأوى طَارق إِذا أَتَى)
٣ - (وَرب ضيف طرق الْحَيّ سرى ... صَادف زادا وحديثا مَا اشْتهى)
٤ - (إِن الحَدِيث طرف من الْقرى ... ثمَّ اللحاف بعد ذَاك فِي الذرى)
وَقَالَ الشماخ تقدّمت تَرْجَمته
ــ
يتهكم لم يركب رَأسه وَلم يتَجَاوَز قدره وَالْمعْنَى أَن أَصْحَابه إِذا قدموه ليهتدوا بِهِ وهم سائرون فِي لَيْلَة شَدِيدَة الظلام لم يجبن وَلم يتَجَاوَز الْحَد
١ - القرادة دويبة مَعْرُوفَة والزور الصَّدْر وَأَرَادَ بقرادي زوره حلمتي الثديين والطبع الْخَتْم والجولان مَوضِع بِالشَّام بَينه وَبَين دمشق مسيرَة لَيْلَة وَخص طين الجولان لِأَنَّهُ شَدِيد السوَاد وَأَرَادَ بِكِتَاب أعجم كتاب الرّوم وَالْفرس لأَنهم حِينَئِذٍ كَانُوا أحذق بِالْكِتَابَةِ يصفه بِالْقُوَّةِ والشجاعة ثمَّ شبه حلمتي ثدييه بقرادتين مصنوعتين من طين الجولان ختمهما كتاب الرّوم وَالْفرس
٢ - يَعْنِي بِابْن جَعْفَر عبد الله بن جَعْفَر بن مُحَمَّد الصَّادِق ﵃ والطارق الْآتِي لَيْلًا
٣ - السرى سير عَامَّة اللَّيْل
٤ - الذري الكنف والجانب وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة مَحْمُود من الفتيان أَنْت يَا ابْن جَعْفَر ومحمود فناؤك ودارك فِي مأوى طَارق إِذا ورد وَرب امْرِئ ضيف أَتَى الْحَيّ لَيْلًا وجد مَا يشتهيه من الزَّاد وحلو الحَدِيث إِذْ أَنه كَمَا يكرم الضَّيْف بِتَقْدِيم الزَّاد كَذَلِك يكرم بحلو الحَدِيث وبالفراش الَّذِي يَلِيق بِهِ
стр. 800
(وَأَشْعَث قد قد السفار قمصه ... وجر شواء بالعصا غير منضج)
(دَعَوْت إِلَى مَا نابني فَأَجَابَنِي ... كريم من الفتيان غير مزلج)
٣ - (فَتى يمْلَأ الشيزى ويروي سنانه ... وَيضْرب فِي رَأس الكمي المدجج)
٤ - (فَتى لَيْسَ بالراضي بِأَدْنَى معيشة ... وَلَا فِي بيوف الْحَيّ بالمتولح)
وَقَالَ يزِيد الْحَارِثِيّ
٥ - (وَإِذا الْفَتى لَاقَى الْحمام رَأَيْته ... لَوْلَا الثَّنَاء كَأَنَّهُ لم يُولد)
ــ
١ - الْأَشْعَث الَّذِي يبتذل نَفسه وَلَا يصونها عَن الابتذال وَقد الشَّيْء قطعه والسفار السّفر وجر شواء فِيهِ إِشَارَة إِلَى توليه من خدمَة الرفقاء وَالْأَصْحَاب مَا لَا يكون من عمله والشواء اللَّحْم المشوي
٢ - دَعَوْت أَي استغثت بِهِ والمزلج النَّاقِص والبخيل
٣ - الشيزي الجفان تتَّخذ من الشيز وَهُوَ خشب أسود والسنان الحديدة الَّتِي فِي رَأس الرمْح والكمي الشجاع المتكمي بسلاحه أَي المتغطي بِهِ والمدجج التَّام السِّلَاح
٤ - وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة وَرب رجل متبذل قد أخلق السّفر ثِيَابه لِكَثْرَة الْغَزْو والغارات فَهُوَ يستعجل الْقرى ليدرك اللَّحْم وَإِن مشويا غير ناضج طلبت مِنْهُ الإغاثة على مَا أصابني من نَوَائِب الدَّهْر فَأَجَابَنِي مِنْهُ كريم من الفتيان غير ضَعِيف وَلَا بخيل هُوَ فَتى كريم إِذا طبخ للضيفان مَلأ الجفان وَإِذا نزل للحرب أروى سِنَان رمحه من دم الْأَبْطَال وَلم يضْرب إِلَّا الشجاع التَّام السِّلَاح وَهُوَ فَتى لَا يرضى بالدون من الْمَعيشَة وَلكنه يطْلب الْمَعَالِي من الْأُمُور يُؤْتِي إِلَيْهِ وَلَا يُؤْتِي بِهِ إِلَى أحد
٥ - الْحمام الْمَوْت يَقُول إِذا مَاتَ الْإِنْسَان وَمضى إِلَى سَبيله ترَاهُ
стр. 801
(وأتيت أَبيض سابغا سرباله ... يَكْفِي الْمشَاهد غيب من لم يشْهد)
وَقَالَ دُرَيْد بن الصمَّة تقدّمت تَرْجَمته
(ترَاهُ خميص الْبَطن والزاد حَاضر ... عتيد وَيَغْدُو فِي الْقَمِيص المقدد)
٣ - (وَإِن مَسّه الإقواء والجهد زَاده ... سماحا وإتلافا لما كَانَ فِي الْيَد)
٤ - (قصير الْإِزَار خَارج نصف سَاقه ... صبور على العزاء طلاع أنجد)
٥ - (قَلِيل التشكي للمصيبات حَافظ ... من الْيَوْم أعقاب الْأَحَادِيث فِي غَد)
ــ
لَوْلَا الثَّنَاء وَالذكر الْحسن كَأَنَّهُ لم يُولد وَلم يسْبق لَهُ وجود يُرِيد أَنه لَا حَيَاة لرجل يَمُوت وَلَا يذكر بجميل بعده
١ - الْأَبْيَض هُنَا نقي الْعرض وسابغ السربال كِنَايَة عَن طَوِيل الْقَامَة وَقَوله يَكْفِي الْمشَاهد الخ أَي يقوم مقَام الْغَائِب كِفَايَة لَهُ ونيابة عَنهُ وَالْمعْنَى أتيت رجلا طَاهِر الْعرض طَوِيل الْقَامَة جوادا يقوم مقَام الْغَائِب كِفَايَة لَهُ ونيابة عَنهُ
٢ - خميص الْبَطن أَي ضامره والعتيد الْحَاضِر المهيأ والمقدد المشقق الممزق
٣ - الإقواء الْفقر
٤ - أَرَادَ بالعزاء الجدب وشدائد السنين والأنجد جمع نجد وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض
٥ - وَمعنى الأبيات الْأَرْبَعَة أَنه يصفه بقلة الْأكل مَعَ اتساع الْحَال وَطَاعَة الزَّاد لِأَنَّهُ يُؤثر غَيره على نَفسه وَإِن افْتقر زَاده الْفقر سماحا وبذلا لما فِي يَده وَإِذا أهمه أَمر أسْرع وشمر لَهُ وبذل الْجهد فِي تلافيه وَهُوَ كثير الصَّبْر فِي الشدائد وَأَيَّام الْقَحْط جاد فِي معالي الْأُمُور وَلذَلِك لَا يطول ثِيَابه ليَكُون على أهبة واستعداد لمثل ذَلِك وَإِذا تدافعت المصائب عَلَيْهِ لَا يتألم مِنْهَا ويحفظ من يَوْمه مَا يتعقب أَفعاله من أَحَادِيث النَّاس غَدا
стр. 802
وَقَالَ آخر
(كريم رأى الإقتار عارا فَلم يزل ... أَخا طلب لِلْمَالِ حَتَّى تمولا)
(فَلَمَّا أَفَادَ المَال عَاد بفضله ... على كل من يَرْجُو جداه مؤملا)
وَقَالَ أَبُو تَمام لما أَتَى يزِيد بن عبد الْملك بآل الْمُهلب قَامَ كثير بَين يَدي يزِيد فَقَالَ
٣ - (حَلِيم إِذا مَا نَالَ عاقب مُجملا ... أَشد الْعقَاب أَو عَفا لم يثرب)
٤ - (فعفوا أَمِير الْمُؤمنِينَ وحسبة ... فَمَا تكتسب من صَالح لَك يكْتب)
٥ - (أساؤا فَإِن تغْفر فَإنَّك أَهله ... وَأفضل حلم حسبَة حلم مغضب)
ــ
١ - الإقتار التَّضْيِيق فِي الْمَعيشَة والعار النقيصة وَقَوله أَخا طلب لِلْمَالِ أَي ملازما لطلبه مجدا فِيهِ وتمول الرجل كثر مَاله
٢ - أَفَادَ المَال استفاده وجناه والجدي الْعَطاء وَمعنى الْبَيْتَيْنِ أَنه يصف رجلا بِكَوْنِهِ كَرِيمًا علم أَن التَّضْيِيق فِي الْمَعيشَة يكسبه ذلا وعارا فَمَا زَالَ جادا حَتَّى كثر مَاله فَلَمَّا اسْتغنى تفضل على كل من يَرْجُو نداه وعطاءه
٣ - الْمُجْمل من قَوْلهم أجمل فلَان فِي الطّلب إِذا اتأد واعتدل فَلم يفرط وَلم يثرب لم يعير وَلم يوبخ يصفه بالحلم وَأَنه إِذا عاقب أَشد الْعقَاب أجمل فِيهِ وَإِذا عَفا لم يلم وَلم يوبخ
٤ - فعفوا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا طلب وسؤال وانتصب عفوا وحسبة على الْمصدر وَالْمعْنَى أطلب مِنْك الْعَفو وَأَن تحتسب عِنْد الله فِيهِ فَإِن الْإِنْسَان مهما اكْتسب من صَالح الْأَعْمَال فَهُوَ ذخر لَهُ عِنْد الله
٥ - الْمَعْنى أذنبوا فَاغْفِر لَهُم فَإنَّك أَحَق من غفر عَن المذنبين وَأفضل الْحلم عِنْد الله مَا كَانَ عَن استغضاب
стр. 803
وَقَالَ يزِيد بن الجهم
(تسائلني هوَازن أَيْن مَالِي ... وَهل لي غير مَا أتلفت مَال)
(فَقلت لَهَا هوَازن إِن مَالِي ... أضرّ بِهِ الملمات الثقال)
٣ - (أضرّ بِهِ نعم ونم قَدِيما ... على مَا كَانَ من مَال وبال)
وَقَالَ إعرابي
٤ - (أَلا فَتى نَالَ العلى بهمه ... لَيْسَ أَبُوء بِابْن عَم أمه ... ترى الرِّجَال تهتدي بِأُمِّهِ)
ــ
١ - تسائلني أَي تَسْأَلنِي
٢ - الملمات الْآفَات النازلات
٣ - الوبال الْهَلَاك وَهُوَ خبر لنعم الثَّانِيَة وَمعنى الأبيات الثَّلَاثَة أَن قَبيلَة هوَازن سَأَلتنِي أَيْن ذهب مَالِي وَمَالِي مَال إِلَّا الَّذِي أنفقته وبذلته فأجبتها قَائِلا يَا هوَازن إِن مَالِي قد أفنته النَّوَازِل الشَّدِيدَة وأذهبه قولي لكل سَائل نعم وَنعم هَلَاك لِلْمَالِ من قديم الزَّمَان
٤ - أَلا فَتى هَذَا تمن وَألف الِاسْتِفْهَام دخل على لَا النافية وَقَوله لَيْسَ أَبوهُ الخ هَذَا معنى مَا ورد فِي بعض الْآثَار اغتربوا وَلَا تضووا لِأَن الْوَلَد إِذا كَانَ بَين متشاركين فِي النّسَب مقاربين فِيهِ جَاءَ ضاويا مهزولا وَقَوله ترى الرِّجَال تهتدي بِأُمِّهِ أَي بِقَصْدِهِ وَالْمعْنَى أَتَمَنَّى فَتى ذَا همة غير ضَعِيف لَيْسَ بَين أَبِيه وَأمه نسب ترى الرِّجَال تقتدي بِهِ ويقصدون مَا يَقْصِدهُ وأختار أَن لَا يكون بَين أَبِيه وَأمه نِسْبَة لِأَن الْعَرَب تزْعم أَن الْوَلَد من الْقَرِيب يكون ضَعِيفا وَمن الْبعيد الْأَجْنَبِيّ يكون قَوِيا
стр. 804
١ - وَقَالَ ابْن الْمولى ليزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب
(وَإِذا تبَاع كَرِيمَة أَو تشترى ... فسواك بَائِعهَا وَأَنت المُشْتَرِي)
٣ - (وَإِذا توعرت المسالك لم يكن ... مِنْهَا السَّبِيل إِلَى نداك بأوعر)
٤ - (وَإِذا صنعت صَنِيعَة أتممتها ... بيدين لَيْسَ نداهما بمكدر)
ــ
١ - هُوَ مُحَمَّد بن عبد الله بن مُسلم بن الْمولى مولى الْأَنْصَار وَابْن الْمولى كنيته كَانَ شَاعِرًا مُتَقَدما مجيدا من مخضرمي الدولتين ومادحي أهلهما وَكَانَ ظريفا عفيفا نظيف الثِّيَاب حسن الْهَيْئَة وَكَانَ يسكن بقباء وَكَانَ يقدم على الْمهْدي فيمدحه وَكَانَ مداحا لجَعْفَر بن سُلَيْمَان وَقثم بن الْعَبَّاس الهاشميين وَيزِيد بن حَاتِم بن قبيصَة بن الْمُهلب وَأكْثر فِيهِ الْمَدْح وَكَانَ يزِيد قد تولى مصر ولاه الْمَنْصُور أَبُو جَعْفَر فقصده ابْن الْمولى إِلَى مصر وَكَانَ قد أنشأ فِيهِ قصيدة فأنشده إِيَّاهَا فَأعْطَاهُ حَتَّى رَضِي وَمرض عِنْده مَرضا طَويلا وَثقل حَتَّى أشفى على الْمَوْت فَلَمَّا أَفَاق من علته ونهض دخل عَلَيْهِ يزِيد بن حَاتِم متعرفا خَبره فَقَالَ لَوَدِدْت وَالله يَا أَبَا عبد الله أَن لَا تعالج بعدِي سفرا ثمَّ أَضْعَف صلته
٢ - الْكَرِيمَة من الْخِصَال مَا يمدح بهَا صَاحبهَا وَاو بِمَعْنى الْوَاو وَأَرَادَ من البيع انصراف الرَّغْبَة عَن الْفَضَائِل وبالشراء النهوض إِلَيْهَا وَالرَّغْبَة فِيهَا
٣ - توعرت من قَوْلهم طَرِيق وعر أَي غليظ والمسالك الطّرق والسبيل الطَّرِيق وَقَوله إِلَى نداك بأوعر الْبَاء زيدت فِي خبر يكن وَهُوَ قَلِيل وأوعر أَي وعر يُرِيد إِذا اشْتَدَّ الزَّمَان فانسدت الطّرق إِلَى من يَبْتَدِئ بِالْمَعْرُوفِ كَانَ الْوُصُول إِلَى عطائك سهلا لسماحتك
٤ - الصنيعة عمل الْمَعْرُوف وَالْخَيْر والندى الْعَطاء
стр. 805
(وَإِذا هَمَمْت لمعتفيك بنائل ... قَالَ الندى فأطعته لَك أَكثر)
(يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِي مَا إِن لَهُم ... من مَذْهَب عَنهُ وَلَا من مقصر)
٣ - وَقَالَ الْمعدل بن عبد الله اللَّيْثِيّ
٤ - (جزى الله فتيَان العتيك وَإِن نأت ... بِي الدَّار عَنْهُم خير مَا كَانَ جازيا)
ــ
١ - المعتفى طَالب الندى والنائل الْعَطاء معنى الأبيات الْأَرْبَعَة أَنَّك رجل لَا تزَال جادا فِي اصطناع الْمَعْرُوف وَفعل الْخيرَات فَأَنت تشتري المكارم وَغَيْرك يَبِيعهَا وَإِذا صعبت وَشقت الطّرق على النَّاس فالطريق إِلَى جودك وكرمك هينة سهلة على من يسلكها وَمن مَكَارِم أخلاقك وعلو همتك أَنَّك إِذا عملت عمل خير باشرته بِنَفْسِك وأكملته وَأَنت مسرور منشرح الصَّدْر وَأَيْضًا إِذا أردْت أَن تمنح وَتُعْطِي الطالبين لعطائك ناداك الْجُود قَائِلا أَكثر الْعَطاء فأطعته
٢ - الْمَذْهَب الطَّرِيق والمقصر هُنَا الْحِيلَة والملجأ وَالْمعْنَى أَنَّك مُنْفَرد بَين الْعَرَب بخصال الْخَيْر الَّتِي مِنْهَا أَنهم لَا يقصدون فِي الْمُهِمَّات سواك وَلَا يعدلُونَ عَنْك
٣ - كَانَ المعذل كثيرا مَا يقترف من الجنيات ويجترم على النَّاس وَكَانَت تلْزمهُ ديات كَثِيرَة وَكَانَ النهس بن ربيعَة الْعَتكِي يكفل عَنهُ مَا يلْزمه من المَال وَكَانَ النهس إِذا كفل عَنهُ دفع المعذل إِلَيْهِ فَوَقع المعذل ذَات يَوْم وَقبض عَلَيْهِ فأدركه النهس وَحمله على فرس وَأمره أَي ينجو بِنَفسِهِ وَأسلم نَفسه مَكَانَهُ فَلَمَّا نجا قَالَ لَهُ المعذل أخيرك بَين أَن أمدحك أَو أمدح قَوْمك فَاخْتَارَ مدح قومه فَقَالَ هَذِه الأبيات
٤ - العتيك اسْم علم ونأت أَي بَعدت وَإِنَّمَا قَالَ وَإِن نأت بِي الدَّار عَنْهُم ليشير أَنه لَا يَبْتَغِي جَزَاء على الْمَدْح وَلَا يطْلب مُكَافَأَة على الثَّنَاء وَلَيْسَ هُوَ
стр. 806
(هم خلطوني بالنفوس وأكرموا الصَّحَابَة ... لما حم مَا كنت لاقيا)
(هم يفرشون اللبد كل طمرة ... وأجرد سباح يبذ المغاليا)
٣ - (طعامهم فوضى فضا فِي رحالهم ... وَلَا يحسنون السِّرّ إِلَّا تناديا)
٤ - (كَأَن دنانيرا على قسماتهم ... إِذا الْمَوْت للأبطال كَانَ تحاسيا)
ــ
طامعا فِي ذَلِك وَالْمعْنَى قَابل الله رجال العتيك بِأَحْسَن الْجَزَاء وَإِن كَانَت دَاري بعيدَة عَنْهُم
١ - هم خلطوني بالنفوس مَعْنَاهُ أَنهم أنزلوه مِنْهُم منزلَة أنفسهم وَالصَّحَابَة بِمَعْنى الصُّحْبَة وحم الْأَمر قدر وَالْمعْنَى أَنهم عدوني مِنْهُم وأحسنوا فِي إكرامي وأكرموا صحبتي حِين مَا ألم بِي الضَّرَر وَقدر على الْأَذَى وَلَقِيت مِنْهُ الْأَمر الْعَظِيم
٢ - يفرشون اللبد أَي يجْعَلُونَ اللبد فراشا للظهور يُقَال فرشت الْفراش وأفرشنيه فلَان أَي جعلني أفرشه والطمرة الْفرس الْكَثِيرَة الجري والأجرد الْفرس الْقصير الشّعْر ويبذ يغلب والمغالي السهْم يصفهم بالفروسية وجودة المطاردة
٣ - فوضى من فوضت إِلَيْهِ الْأَمر والفضاء من فضت الأَرْض إِذا اتسعت وَلَا يحسنون السِّرّ الخ مَعْنَاهُ أَنهم لَا يَفْعَلُونَ قبيحا يستر وَالْمعْنَى لَا يستأثر بَعضهم على بعض فِي الْمَأْكُول وَلَا يَفْعَلُونَ قبيحا يستر فَكل أفعالهم ظَاهِرَة لِأَنَّهَا جميلَة
٤ - القسمات الْوُجُوه وَيُقَال وَجه مقسم إِذا وَفِي كل جُزْء مِنْهُ حَظه من الْحسن والتحاسي من الحسو وَهُوَ الشّرْب شَيْئا بعد شَيْء وَالْمعْنَى إِذا شرب الْأَبْطَال كؤوس الْمَوْت قَلِيلا قَلِيلا من المهابة والفزع فَهَؤُلَاءِ يقدمُونَ عَلَيْهِ إقدام المسرور بِهِ المتهلل وَجه فَرحا
стр. 807
وَقَالَ أَعْرَابِي
(وَزَاد وضعت الْكَفّ فِيهِ تأنسا ... وَمَالِي لَوْلَا أنسة الضَّيْف من أكل)
(وَزَاد رفعت الْكَفّ عَنهُ تكرما ... إِذا ابتدر الْقَوْم الْقَلِيل من الثفل)
٣ - (وَزَاد أكلناه وَلم نَنْتَظِر بِهِ ... غَدا إِن بخل الْمَرْء من أسوإ الْفِعْل)
وَقَالَ بَعضهم
٤ - (لقل عارا إِذا ضيف تضيفني ... مَا كَانَ عِنْدِي إِذا أَعْطَيْت مجهودي)
٥ - (جهد الْمقل إِذا أَعْطَاك نائله ... ومكثر فِي الْغنى سيان فِي الْجُود)
ــ
١ - الْمَعْنى رب أكل طيب مددت يَدي إِلَيْهِ لأونس الضَّيْف إِكْرَاما لَهُ وَإِن كنت لَا أجد فِي نَفسِي حَاجَة للْأَكْل لَوْلَا مُرَاعَاة الضَّيْف وإكرامه
٢ - الثفل رذال الطَّعَام وخبيثه وَالْمعْنَى رب أكل خَبِيث رفعت يَدي عَنهُ أَنَفَة مِنْهُ وَكَرَاهَة لَهُ حِين بَادر غَيْرِي إِلَى قَلِيله الْخَبيث
٣ - الْمَعْنى وَرب أكل عجلنا بِهِ فأكلناه وَلم نبقه إِلَى غَد مثل مَا تفعل البخلاء لأَنا منزهون عَن أسوإ الْفِعْل وَهُوَ الْبُخْل
٤ - اللَّام فِي لقل جَوَاب قسم مُضْمر وعارا انتصب على لتمييز وفاعل قل مَا كَانَ عِنْدِي وتضيفني أَي نزل عَليّ وَالْمعْنَى لَا عَار فِي الْقَلِيل الَّذِي عِنْدِي إِذا أَعْطَيْت مجهودي فِي الْوَقْت الَّذِي ينزل فِيهِ عِنْدِي الضَّيْف
٥ - جهد الْمقل مُبْتَدأ ومكثر مَعْطُوف على الْمقل وَقد حذف الْمُضَاف مِنْهُ وَالْمرَاد وَجهد مكثر وسيان خبر الْمُبْتَدَأ وَمَا عطف عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ جهد الْمقل إِذا أَعْطَاك مَا عِنْده وَجهد المكثر فِي الْغنى مثلان يُرِيد أَن قَلِيل المَال إِذا أَعْطَاك مَا عِنْده كالمكثر من الْغَنِيّ إِذا بذل من مَاله فِي أَحْكَام
стр. 808
١ - وَقَالَ خلف بن خَليفَة مولى قيس بن ثَعْلَبَة
(عدلت إِلَى فَخر الْعَشِيرَة والهوى ... إِلَيْهِم وَفِي تعداد مجدهم شغل)
٣ - (إِلَى هضبة من آل شَيبَان أشرفت ... لَهَا الذرْوَة العلياء والكاهل العبل)
٤ - (إِلَى النَّفر الْبيض الألاء كَأَنَّهُمْ ... صَفَائِح يَوْم الروع أخلصها الصقل)
٥ - (إِلَى مَعْدن الْعِزّ الْمُؤَيد والندى ... هُنَاكَ هُنَاكَ الْفضل والخلق الجزل)
ــ
الْجُود وَالْكَرم
١ - هُوَ شَاعِر إسلامي مجيد محسن مقل كَانَ فِي زمن جرير والفرزدق وَكَانَ يُقَال لَهُ الأقطع لِأَنَّهُ قطعت يَده لسرقة أتهم بهَا وَكَانَ لسنا بذيا مر ذَات يَوْم على جمَاعَة فَلَقِيَهُ رجل فَقَالَ لَهُ خلف من الَّذِي يَقُول
(هُوَ الْقَيْن وَابْن الْقَيْن لاقين مثله ... لفطح الْمساحِي أَو لجدل الأداهم)
يعرض بالفرزدق فَقَالَ الرجل ذَاك الَّذِي يَقُول
(هُوَ اللص وَابْن اللص لَا لص مثله ... لنقب الْبيُوت أَو لطر الدَّرَاهِم)
يعرض بخلف
٢ - الْمَعْنى صرفت همتي إِلَى ذكر مفاخر الْعَشِيرَة وَهُوَ أَي مَعَهم وَتركت غَيره لِأَن فِي عد مجدهم وإحصائه مَا يشغلني عَن غَيره
٣ - الهضبة الْجَبَل من صَخْرَة وَاحِدَة والذروة أَعلَى الشَّيْء والكاهل مَا بَين الْكَتِفَيْنِ والعبل الضخم الممتلئ يَعْنِي بذلك بني شَيبَان وكنى عَنْهُم بالهضبة لأَنهم ملْجأ وحصن
٤ - إِلَى النَّفر الْبيض الخ بدل مِمَّا قبله وَمعنى النَّفر الْبيض أَنهم أنقياء الْأَعْرَاض والألاء بِمَعْنى الَّذين وَمَا بعده صلته والصفائح السيوف والروع الْفَزع
٥ - الْمُؤَيد المعزز المقوى والندى الْعَطاء والخلق الجزل المُرَاد بِهِ الْخلق الْكَرِيم الْحسن يَقُول عدلت عَمَّا كنت فِيهِ وملت إِلَى مدح
стр. 809
(أحب بَقَاء الْقَوْم للنَّاس أَنهم ... مَتى يظعنوا من مصرهم سَاعَة يَخْلُو)
(عَذَاب على الأفواه مَا لم يذقهم ... عَدو وبالأفواه أَسمَاؤُهُم تحلو)
٣ - (عَلَيْهِم وقار الْحلم حَتَّى كَأَنَّمَا ... وليدهم من أجل هيبته كهل)
٤ - (إِذا استجهلوا لم يعزب الْحلم عَنْهُم ... وَإِن آثروا أَن يجهلوا عظم الْجَهْل)
ــ
بني شَيبَان الَّذين هم فِي عزة ومنعة من عدوهم مثل مَنْعَة الْجَبَل الَّذِي هُوَ صَخْرَة وَاحِدَة رفيعة عالية لَا تتزحزح من مَكَانهَا وملت إِلَى النَّفر الْكِرَام المطهري الأحساب الَّذين هم فِي هول الْحَرْب مثل السيوف الَّتِي أجيد صقلها حَتَّى خلصت من جَمِيع الأوساخ وملت إِلَى أصل الْعِزّ الْقوي ومنبع الْجُود ومقر الْفضل والأخلاق الْكَرِيمَة الطّيبَة
١ - بظعنوا يرحلوا وَالْمعْنَى أحب أَن لَا يرحل بَنو شَيبَان من بلدهم لأَنهم إِذا رحلوا خلت من النَّاس وَإِن كَانَ فِيهَا نَاس غَيرهم حَيْثُ أَنهم ينفعون النَّاس وَأَن غَيرهم لَا يعْمل مثل عَمَلهم
٢ - عَذَاب على الأفواه يُرِيد أَن طعمهم حُلْو فِي الأفواه وَقَوله مَا لم يذقهم عَدو مَعْنَاهُ إِلَّا على أَفْوَاه الْأَعْدَاء فَإِن مذاقهم مر فِيهَا وَهَذَا كُله كِنَايَة عَن اللين والشدة وخشونة الْجَانِب وَالْمعْنَى أَن طبائعهم وأخلاقهم مَعَ أحبابهم كَرِيمَة لينَة وَمَعَ عدوهم قاسية شرسة وَأَنَّهُمْ لشمُول إحسانهم وَكَثْرَة محاسنهم يحلو ذكرهم فيطيب فِي السّمع
٣ - الْوَلِيد الصَّبِي والكهل من الرِّجَال من جَاوز الثَّلَاثِينَ وَصفهم بالحلم والإناة فَبَالغ فِي ذَلِك حَتَّى قَالَ أَن الصَّبِي فِي وقاره وهيبته كمن جَاوز الثَّلَاثِينَ من عمره
٤ - لم يعزب أَي لم يبعد وآثروا اخْتَارُوا وَالْمعْنَى أَنهم قوم لَا يبعد حلمهم إِذا جهل عَلَيْهِم وَإِن اخْتَارُوا أَن يظهروا الْجَهْل عظم جهلهم على غَيرهم
стр. 810
(هم الْجَبَل الْأَعْلَى إِذا مَا تناكرت ... مُلُوك الرِّجَال أَو تخاطرت البزل)
(ألم نر أَن الْقَتْل غال إِذا رَضوا ... وَإِن غضبوا فِي موطن رخص الْقَتْل)
٣ - (لنا فيهم حصن حُصَيْن وَمَعْقِل ... إِذا حرك النَّاس المخاوف وَالْأَزَلُ)
٤ - (لعمري لنعم الْحَيّ يَدْعُو صريخهم ... إِذا الْجَار والمأكول أرهقه الْأكل)
٥ - (سعاة على أفناء بكر بن وَائِل ... وتبل أقاصي قَومهمْ لَهُم تبل)
ــ
١ - تناكرت يجوز أَن يكون من النكراء وَهِي الداهية أَي تداهوا بمكايدهم وَيجوز أَن يكون من الْإِنْكَار ضد الْمعرفَة أَي يُنكر بَعضهم بَعْضًا لما ينطوي عَلَيْهِ كل لصَاحبه من سوء الرَّأْي وإضمار الشَّرّ وتخاطرت من الخطران وَهُوَ إشالة الأذناب وإدارتها عِنْد الْهياج وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْمُحَاربين إِذا تدافعوا وتضاربوا والبزل جمع بازل وَهُوَ الْبَعِير الَّذِي بلغ السّنة التَّاسِعَة من عمره وَالْمعْنَى أَنهم بلغُوا الْغَايَة فِي الدهاء وَأَنَّهُمْ يعلون رُؤَسَاء النَّاس قولا وفعلا ومكرا
٢ - يصفهم بالشجاعة وعلو الجاه وَعظم الشَّأْن والمهابة عِنْد النَّاس فَيَقُول إِن رضاهم إحْيَاء وسخطهم إفناء
٣ - المعقل الملجأ وَالْأَزَلُ الضّيق والشدة وَالْمعْنَى أَنهم الملجأ عِنْد المخاوف والشدائد
٤ - الصَّرِيخ المستغيث وأرهقه ضيق عَلَيْهِ وغشيه وَالْمعْنَى فَنعم الْحَيّ هم إِذا اسْتَغَاثَ بهم المستغيث واستنصرهم وَإِذا دعاهم أجابوه وَإِذا الْجَار مَأْكُول ومطموع فِيهِ وَإِذا اشْتَدَّ الزَّمَان وَنزل بِالنَّاسِ الكرب
٥ - سعى عَلَيْهِ أَقَامَ بأَمْره والتبل الذحل والثار الأقاصي الأباعد وَالْمعْنَى أَنهم يقومُونَ مَأْمُور بكر بن وَائِل ويذبون عَنْهُم وذحل الأباعد من قَومهمْ كذحل
следующие страницы →