Полный текст (1 424 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
(وَكُنْتُ كَذِئْببِ السَّوْءِ لَّما رَأى دَمًا ... بِصاحِبِهِ يَوْما أحالَ عَلى الدَّمِ)
وَلَا يُقَال الرجل السوء وَيُقَال الْحق الْيَقِين وَحقّ الْيَقِين جَمِيعًا لِأَن الْيَقِين هُوَ الْحق وَالسوء لَيْسَ بِالرجلِ وَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو عَلَيْهِم دَائِرَة السوء بِالضَّمِّ يَعْنِي الشَّرّ والهزيمة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْفَتْح وَهُوَ من المساءة والأدبار والإقبال مصدرا أدبر وَاقْبَلْ والدبر خلاف الْقبل ودبر الْأَمر آخِره ودبر كل شَيْء آخِره قَالَ الْكُمَيْت
(أعَهْدَكَ مِنْ إولى الشَّبِيبّةِ تَطْلُبُ ... عَلى دُبُرٍ هَيهاتَ شَأْوٌ مُغَرْبُ)
والقذال مُؤخر الرَّأْس والوابل الْمَطَر والنبال جمع نبلة والطود الْجَبَل وَقَوله من معال تَقول أتيت من معال بِضَم الْمِيم قَالَ ذُو الرمة
(فَرَّجَ عَنهُ حَلَقَ الأغْلالِ ... جّدْبُ العُرَي وَجِرْيةُ الجِبالِ)
(وَنَغَضانُ الرَّحْلِ مِنْ مُعالِ ... )
وأتيته من عل الدَّار بِكَسْر اللَّام قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(كَجُلْمُودِ صَخْرٍ حَطَّةُ السَّيْلُ مِنْ عَلِ ... )
واتيته من علا قَالَ أَبُو النَّجْم
(باتَتْ تَنُوشُ الحَوضَ نَوْشا مِنْ عَلا ... نَوْشا بِه تَقْطَعُ أجْوَازَ الفَلا)
واتيته من عل بِضَم اللَّام وَأنْشد يَعْقُوب لعدي بن زيد
(فِي كِناسٍ ظاهِرٍ يَسْتُرُهُ ... مِنْ عَلُ الشَّفَّانَ هُدَّابُ الفَننْ)
وَأما قَول أَوْس
(فَمَلَّكَ بالَّليط الَّذِي تَحْتَ قِشْرها ... كَغِرْ قيء بَيْضٍ كَنَّهُ القَيْضُ من عُلْوِ)
قَالُوا زَائِدَة لإِطْلَاق القافية وَلَا يجوز مثله فِي النثر وأتينه من عَال قَالَ د كين بن رَجَاء
(ظَمْأي النَّسا مِنْ تْحتُ رَيَّا مِنْ عالْ ... )
الْمَعْنى هَذَا اللحي لَو سرحت وَكَانَت فِي وَجه ذِي حِيلَة لكَانَتْ لَهُ شبكة لصيد المَال لِأَن ذَا اللِّحْيَة الطَّوِيلَة يعظم ويظن بِهِ الحير ويؤتمن فَإِذا كَانَ محتالا خَان الْأَمَانَة وفاز بهَا بتسريح لحية وكبرها والتسريح تَخْلِيص بعض الشّعْر من بعض وَبَين قَضَاء السوء والأطفال يُرِيد أَن القَاضِي يجوز مَال الْيَتِيم بطول لحيته وهيبته فَيعْطى الْقَضَاء لذَلِك وَهُوَ قَاضِي سوء وَإِذا اسْتَدْبَرت هَذِه اللحي رايتها كَمَا تستقبلها لعظمها
стр. 1052
وعرضها فَهِيَ تعم الْوَجْه والقذال ثمَّ قَالَ فاختلفت يُرِيد الأيايل قد رشقت بِالنَّبلِ من أَعلَى الْجبَال وَمن سفلها فَهِيَ تَجِيء مِنْهَا وَتذهب كالمطر يَأْتِيهَا من كل جَانب
٣٩ - الْغَرِيب العتل القسي الفارسية وَالرِّجَال جمع راجل ويروى بِضَم الرَّاء والتثقيل وَهُوَ جمع راجل أَيْضا كشاهد وشهاد والنصال جمع نصل وَهِي الحديدة المركبة فِي بِالسَّهْمِ وكبدها وَسطهَا وكبداها والناشرة وسط كل تِلْكَ الحديدة عَن يَمِينهَا وشمالها وكبد النصل مَا غلظ مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول قد أودعت قسي الرجالة فِي كل كبد من الوعول كبدين يُرِيد ان الرُّمَاة قد اثخنها بالجراح
٤٠ - الْغَرِيب يهوين يسقطن من أعالي الْجبَال والقلال جمع قلَّة وَهِي رَأس الْجَبَل والإرقال ضرب من الْعَدو والإظلاف جمع ظلف وَهِي للوحوش كالحافر للدواب الْمَعْنى يَقُول سَقَطت هَذِه الوعول من رُؤُوس الْجبَال منحدرة على ظُهُورهَا وأظلافها صَارَت مَقْلُوبَة إِلَى فَوق وعدوها كَانَ على أظلافها فَصَارَ على ظهرهَا
٤١ - الْغَرِيب يرقلن يعدون والبو مَا ارْتَفع فِي الْهَوَاء الْمحَال جمع محَالة وَهِي فقار الظّهْر الْمَعْنى يَقُول هِيَ تعدو فِي الجو نازلة على ظُهُورهَا فِي طرق تسرع إيصالها إِلَى الأَرْض لِأَنَّهَا كَانَت تهوى من رُؤُوس الْجبَال إِلَى الأَرْض
٤٢ - الْغَرِيب النيمة هَيْئَة النّوم والمكسل الكسل وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة الكسال جمع كسل وكسلان كعجال جمع عجل وعجلان والقفي جمع قفا كعصا وعصي والعجال جمع عجل الْمَعْنى يَقُول لما نزلت على قفيها جَعلهنَّ كالنائم المستلقي ينمن فِي تِلْكَ الطَّرِيق كَمَا ينَام الكسلان وَلكنهَا فِي ذَلِك أسْرع العجال لسرعة نزولهن
٤٣ - الْغَرِيب الكلال الإعياء والتعب والضعف والضلال الْعَمى عَن الْقَصْد فَلَيْسَتْ تضل لِأَنَّهَا لَا تخطىء الحضيض الْمَعْنى يَقُول لَا يشتكين نصبا وَلَا تعبا وَلَا يخفن ضلالا وتيها لِأَنَّهُنَّ إِنَّمَا يصلن إِلَى الأَرْض من رُؤُوس الْجبَال فَمَا لَهُنَّ مقصد سوى الأَرْض
стр. 1053
- الْإِعْرَاب فِي النّظم تَقْدِيم وَتَأْخِير وَخبر كَانَ مقدم على اسْمهَا وَتَقْدِير الْكَلَام فَكَانَ تشويق إكثار إِلَى إقلال سَبَب الترحال عَنْهَا والترحال مصدر ارتحل وترحالا الْمَعْنى يَقُول شوقه من إكثار الصَّيْد إِلَى الإقلال مِنْهُ سأمه لكثرته فَكَانَ ذَلِك سَبَب رحيله عَنْهَا لِأَن الْعَادة فِي الصَّيْد كلما أمكن طلب الْمقَام عَلَيْهِ وَهَذَا أفرط فِي الْكَثْرَة حَتَّى سئم فلكثرة مَا صَاد من الوحوش مل الِاصْطِيَاد
٤٥ - الْغَرِيب نجد مَا بَين مَكَّة وَالْعراق والبلبال الْهم والحزن وسلمى أحد جبلي طَيء وَالْآخر أجأ وقيال جبل فِي أَرض بني عَامر وروى ابْن جنى فِي قتال بِالتَّاءِ كمصدر الْقِتَال فَقَالَ هُوَ جبل عَال بِقرب دومة الجندل الْمَعْنى يُرِيد أَن وَحش نجد من الممدوح وخوفها مِنْهُ فِي هم وحزن وَكَذَا وَحش أَرض طَيء فهن يخفقن مِنْهُ ان يقْصد إلَيْهِنَّ
٤٦ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح نوافر حَال من الْوَحْش وَقَالَ الْخَطِيب الأجود رفع نوافر حَتَّى يكون خَبرا لقَوْله فوحش نجد وَالْأولَى قَول أبي الْفَتْح أَي يخفن نوافر ضبابها وأورالها الْغَرِيب الضباب وأجدها ضَب وَهِي دويبة تكون فِي بِلَاد الْعَرَب يأكلونها والأورال جمع رول كورلان مثل الضَّب وَقَالَ الْخَطِيب يُقَال إِن التمساح إِذا باض على الأَرْض كَانَ ورلا وَهَذَا القَوْل لَيْسَ بِشَيْء لَان التمساح لَا يكون إِلَّا بارض مصر بصعيدها والورل فِي بِلَاد الْعَرَب فِي نجد وَغَيره وَقَوله والخاضبات جمع خاضبة وَهِي النعامة والربد جمع ربداء وَهِي الَّتِي أَرْبَد لَوْنهَا وَقيل الخاضبة الَّتِي رعت الرّبيع فاحمرت سوقها وَيُسمى الضليم خاضبا قَالَ أَبُو دَاوُد
(لَها ساقا ظَلِيمٍ خاضِبٍ ... فُوجىَْ بالرُّعبِ)
وَلَا يُقَال إِلَّا للظليم دون النعامة وَقَالَ الْخَطِيب رعت الرّبيع فَخَضَّبَ سوقها بزرقة والرئال جمع رأل وَهُوَ فرخ النعام الْمَعْنى يَقُول وحوش النواحي كلهَا نفرت خوفًا مِنْهُ لَا يسْتَقرّ لَهَا قَرَار على بعد الشقة الَّتِي بَين الْوَحْش وَبَين الممدوح وَهِي فِي إشفاق مِنْهُ ووجل عَظِيم
стр. 1054
- الْغَرِيب الظبي مَعْرُوف وَهُوَ الخشف من ولد الغزال والخنساء الْبَقَرَة الوحشية وَالذَّيَّال الثور الوحشي الطَّوِيل الذَّنب والأزوال جمع زول وَهُوَ الْحسن المعجب من كل شَيْء الْمَعْنى يَقُول إِن الْوَحْش يجمعها ظباءها وبقر وحشها ونعامها وذيالها خائفة فزعة يسمعن من اخبار عضد الدولة المعجبة المستحسنة وسطواته المخوفة المتوقعة مَا يبْعَث الخرس على أَن تسْأَل وَيجب لَهَا ان تروع وتحذر مَا يبْعَث الخرس على السُّؤَال
٤٩ - الْإِعْرَاب الْفَاء على رِوَايَة من روى فحولها جمع حَائِل للجواب كَمَا تَقول أكثرت من الْجَمِيل فَالنَّاس كلهم يشكرونك فآتى بِالْفَاءِ لَان فعل الْجَمِيل كَانَ سَبَب الشُّكْر الْغَرِيب روى أَبُو الْفَتْح فحولها جمع فَحل وَهِي ضد الْحَامِل والعوذ الَّتِي تعوذ بهَا أَوْلَادهَا جمع عَائِذ وَهِي الحديثات النِّتَاج والمتالي الَّتِي تتلوها أَوْلَادهَا وَاحِدهَا متلية تود تتمنى وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿تود لَو أَن بَينهَا وَبَينه أمدا بَعيدا﴾ الْمَعْنى يَقُول سَائِر الوحوش تود أَي تتمنى لَو بعث عَلَيْهَا واليا فيذللها ويملكها يُرِيد أَن وَحش هذَيْن الجبلين لبعدهما عَنهُ تود لَو أَنه بعث إِلَيْهَا من يملكهَا وتذل لَهُ إعظاما لهيبته
٥٠ - الْغَرِيب الخطم جمع خطام وَهُوَ الْإِبِل أَي الزِّمَام والمخاطم الانوف الْوَاحِد مخطم بِكَسْر الطَّاء وخطمت الْبَعِير زممته والرحال جمع رَحل لِلْإِبِلِ كالسروج للخيل والأهوال جمع هول وَهُوَ الْفَزع الْمَعْنى يَقُول يبْعَث لَهَا واليا يذلل الْوَحْش حَتَّى تنقاد فِي الأزمة والرحال فَتَصِير آمِنَة من هول الطَّرْد وَمِمَّا يُصِيبهَا من خوف الصَّيْد
٥١ - الْغَرِيب المسبل المَاء الهاطل من الْغَمَام يُرِيد مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول ويخمس الْوَالِي العشب مِنْهَا وَالْمَاء من رعيها ومشربها وترضى بذلك وَلَا تبالي
٥٢ - الْغَرِيب السفار المسافرون وهم السّفر وَوَاحِد السّفر فِي الْقيَاس سَافر
стр. 1055
مثل صَاحب وَصَحب إِلَّا أَنه لم ينْطق بسافر وَقوم سفر وأسفار والقافل وَاحِد والقفال وَهُوَ الرَّاجِع من سَفَره الْمَعْنى يَقُول يَا اقدر النَّاس جَمِيعًا ذَاهِبًا كنت ام رَاجعا والثعالي الثعالب كَقَوْل آخر
(لَها أشارِيُر مِنْ لَحمٍ تُتَمِّرهُ ... مِنَ الثَّعالي وَوَخْزٌ مِنْ أرَانِيها)
فأبدل من الآسمين يَاء وَقَول الآخر
(قَدْ مَرَّ يَوْمانِ وَهّذاَ الثَّالي ... )
وَالْمعْنَى يَقُول لَو شِئْت غلبت الضَّعِيف على الْقوي حَتَّى تصيد الْأسود بالثعالب
٥٣ - الْغَرِيب الْآل السراب وَهُوَ مَا يتخيل فِي بطُون الفلوات عِنْد شدَّة الْحر يُرِيد انه مظفر لقُوَّة جده لَا يحْتَاج إِلَى آلَة الْحَرْب فِي مقاتلة الْأَعْدَاء
٥٥ - الْغَرِيب الطَّرْد الصَّيْد والسعالي جمع سعلاة وَهِي الغول يُقَال إِنَّهَا تتمثل فِي الفلوات على صُورَة الْجِنّ وَالظُّلم جمع ظلمَة وَأَرَادَ بغائبة الْهلَال اللَّيَالِي الَّتِي لَا قمر فِيهَا الْمَعْنى يَقُول لم يبْق لَك إِلَّا أَن تصيد الغول فِي الفلوات فَلم يبْق لَك بعد مَا أذللت مُلُوك الْبِلَاد وَبَلغت فيهم غايات المُرَاد وأظهرت من الاقتدار على الْمُلُوك والوحوش النافرة والتملك لَهَا فِي تِلْكَ الْجبَال الشامخة غير طرد السعالي الَّتِي تتمثل فِي الفلوات فِي حنادس الظُّلم الَّتِي لَهَا فِيهَا أَشد الخطرات
٥٦ - الْغَرِيب الأبال جمع آيل وَهِي الَّتِي اجتزأت بالرطب عَن المَاء يُقَال أبلت الْإِبِل إِذا اجتزأت بالرطب عَن المَاء الْمَعْنى يَقُول تصيد الثعالي بقوتك وقدرتك على ظُهُور هَذِه الْإِبِل وَخص الْإِبِل لِأَن الْخَيل لَا تقدر على الْعَمَل فِي المفاوز وَجعلهَا قد اكتفت عَن المَاء بالرطب لِئَلَّا تحْتَاج إِلَى المَاء
٥٧ - الْمَعْنى يَقُول قد بلغك الله من مقاصدك غَايَة من مَا أملته وَقرب لَك من ذَلِك أغبط مَا حاولته فَلم تدع من الْأَشْيَاء إِلَّا مَا يَسْتَحِيل الْبلُوغ إِلَيْهِ وَلَا فاتك إِلَّا مَالا يشْتَمل مَكَان عَلَيْهِ فملكت كل شَيْء يُوصف بالوجود وَالْمَكَان
стр. 1056
- الْمَعْنى يَقُول نسبك حلى عَلَيْك يزينك وَأَنت الْحَائِز لضروب الْحَمد فَهُوَ نسب لَك تتحلى بِهِ وَأَنت حَال مِنْهُ لفخامتك وعلو منزلتك
٥٩ - الْغَرِيب الشنف القرط الْأَعْلَى وَجمعه شنوف مثل فلس وفلوس والحلي بِفَتْح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وبكسر الْحَاء وَاللَّام وَبِه قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وبضم الْحَاء وَكسر اللَّام وَبِه قَرَأَ الْبَاقُونَ وَقَرَأَ يَعْقُوب باللغة الَّتِي فِي هَذَا الْبَيْت الْمَعْنى يَقُول نسبك حل عَلَيْك يزينك وَأَنت الحالي بأبيك لَا بالحلي الَّذِي تتزين بِهِ الْمَرْأَة وَذَلِكَ الْحلِيّ هُوَ نسبك وَهُوَ يزين مِنْك بالجمال فأبوك يزينك وَأَنت تزينه فالحلي يتحلى مِنْك بِمَا تكسوه من مناقبك وتؤثر فِي جماله بمكارمك
٦٠ - الْغَرِيب المعطال الَّتِي لَا حلى عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ العاطل والعطل الْمَعْنى يُرِيد أَن الْحلِيّ لَا ينفع مَعَ الْقبْح فَرب قبح يتحلى فَيكون حسن الْمَرْأَة الَّتِي لَا حلى عَلَيْهَا أحسن مِنْهُ وَالْمعْنَى غَيْرك لَا يَنْفَعهُ النّسَب الشريف كالقبح يحاول ستره بالحلي الفاخرة فتفضحه الْمَرْأَة الْحَسْنَاء المعطال مَعَ البذاذة الظَّاهِرَة قَالَ ابْن القطاع صحف هَذَا الْبَيْت كل الروَاة فَرَوَوْه قبح وَالْقَاف وَالْبَاء وَهُوَ ضد الْحسن وَلَا معنى للقبح فِي هَذَا الْبَيْت لِأَنَّهُ لَا يجهل أحد أَن الْحسن خير من الْقبْح وَقَالَ احسن مِنْهَا فَعَاد الضَّمِير على الْحلِيّ وَحدهَا وَلم يكن للقبح ذكر لِأَن الْحلِيّ مُؤَنّثَة والقبح مُذَكّر وَلَا يجوز أَن يغلب الْمُؤَنَّث على الْمُذكر وَإِنَّمَا غرهم ذكر الْحسن فظنوا أَنه قبح وَإِنَّمَا هُوَ فتخ بِالْفَاءِ وَالتَّاء وَالْخَاء الْمُعْجَمَة جمع فتخة يُقَال فتخة وفتخ وفتخات وفتاخ وفتوخ وَهِي خَوَاتِيم بِلَا فصوص يلبسهَا نسَاء الْعَرَب فِي أَصَابِع أَيْدِيهنَّ وَأَرْجُلهنَّ
٦١ - الْإِعْرَاب الْبَاء فِي قَوْله بالعم مُتَعَلقَة بِفعل مَحْذُوف يدل عَلَيْهِ الْكَلَام أَي لايفخر أحد بِعَمِّهِ وخاله وَيتْرك نَفسه وأفعاله وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بِالْهَاءِ فِي قبله وَإِن كَانَت ضمير الْمصدر لِأَنَّهُ لَا نِسْبَة بَينه وَبَين الْفِعْل وَلَا يجوز تَعْلِيق حرف الْجَرّ بِهِ وَيجوز أَن تكون الْبَاء مَعَ مَا بعْدهَا فِي مَوضِع نصب على الْحَال من الْهَاء فِي قلبه وَتَكون أَيْضا مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف أَي من قبله كَائِنا بالعم كَقَوْلِك هِنْد مَرَرْت بهَا من الصَّالِحَات وَالضَّمِير فِي قبله يرجع إِلَى الْفَخر الْمَعْنى إِنَّمَا يفخر الفني بشرف نَفسه وأفعاله قبل أَن يفخر بِعَمِّهِ وخاله نفخر الْفَتى بِنَفسِهِ أوكد من فخره بِعَمِّهِ وخاله وَكَمَال الشّرف أَن ينصر آخِره أَوله ويزين حَدِيثه متقدمه وَمَا أحسن مَا قَالَ البحتري
(فَما الفَخْر بالعَظْمِ الرَّمِيمِ وَإنَّما ... فَخارُ الَّذِي يَبْغِي الفَخارَ بنَفْسِه)
стр. 1057
- قافية الْمِيم
١ - الْإِعْرَاب وفاؤكما مُبْتَدأ كالربع خَبره والمبتدأ وَالْخَبَر يؤذنان بِتمَام الْكَلَام وَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق بالمبتدأ بعد الْإِخْبَار عَنهُ الشَّيْء فَلَا يجوز أَن يتَعَلَّق الْبَاء بِالْوَفَاءِ وَلكنهَا تتَعَلَّق بِفعل يدل عَلَيْهِ الْكَلَام وَكَأَنَّهُ لما ذكر الْمصدر وَقَالَ وفاؤكما قَالَ ووفيتما بَان تسعدا الْغَرِيب شجا شجوا وأشجاه أشده شجوا كَقَوْلِك أحزنه وأسفه والشجو الْهم والحزن شجاه يشجو شجوا إِذا أحزنه وشجى بِالْكَسْرِ يشجي شجا وأشجاه يشجيه إشجاء إِذا أغصه قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْمسيب ابْن زيد مَنَاة
(لَا تُنْكِروُا القَتْلَ وَقَدْ سُبِينا ... فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شَجِينا)
والطاسم الدارس والطامس أَيْضا والساجم السَّائِل سجم الدمع سجوما وسجاما سَالَ وانسجم وسجمت الْعين دمعها وَعين السجوم وَأَرْض مسجومة ممطورة وأسجمت السَّمَاء صبَّتْ مثل أنجمت الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُخَاطب اللَّذين عاهداه على أَن يسعداه عِنْد ربع الْأَحِبَّة بالبكاء فَقَالَ لَهما وفاؤكما لي بإسعادي على الْبكاء كَهَذا الرّبع ثمَّ بَين وَجه الشّبَه فَقَالَ أشجى الرّبع دارسه كلما تقادم عَهده كَانَ أَحْزَن لزائره وَأَشد لحزنه وأشفى الدمع للحزن سائله المنهل الْجَارِي يُرِيد ابكيا معي بدمع ساجم فَإِنَّهُ أشفى للغليل كَمَا أَن الرّبع أشجى للمحب إِذا درس قَالَ الواحدي طلب وفاءهما بالإسعاد وَهُوَ الْإِعَانَة على الْبكاء والموافقة فِيهِ وَلذَلِك قَالَ والدمع أشفاه ساجمة وَالْمعْنَى أبكيا معي بدمع فِي غَايَة السجوم فَهُوَ أشفى للوجد فَإِن الرّبع فِي غَايَة الطسوم وَهُوَ أشجى للمحب وَأَرَادَ بِالْوَفَاءِ هَاهُنَا الإسعاد
стр. 1058
لانهما عاهداه على الإسعاد قَالَ وَقَالَ ابْن جنى فِي معنى هَذَا الْبَيْت كنت أبْكِي الرّبع وَحده فصرت ابكي وفاءكما مَعَه وَلذَلِك قَالَ وفاءكما كالربع أَي كَمَا ازددت بِالربعِ وبوفائكما وجدا زِدْت بكاء قَالَ ويروي الدمع بِالْجَرِّ عطفا على الرّبع يُرِيد وفاؤكما كالربع الدارس فِي الأدواء إِذا لم تحزنا عَلَيْهِ وكالدمع الساجم فِي الشِّفَاء إِذا حزنتما عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن القطاع وفاؤكما لي بالإسعاد عَفا ودرس كالربع الَّذِي أشجاه للعين دارسه فَكنت ابكي الرّبع وَحده فصرت أببكي مَعَه وفاءكما وأشتفى بالدمع الَّذِي هُوَ رَاحَة الْإِنْسَان وأشفاه للنَّفس ساجمه قَالَ وَلما انشد أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة كَانَ ابو خالويه حَاضرا فَقَالَ لأبي الطّيب تَقول أشجاه وَهُوَ شجاه فَقَالَ لَهُ اسْكُتْ لَيْسَ هَذَا من علمك إِنَّمَا هُوَ اسْم لَا فعل قَالَ الْخَطِيب الشُّعَرَاء وَغَيرهم يَزْعمُونَ ان الْبكاء يجاو بعض الْهم عَن المكروب والمحزون قَالَ الفرزدق
(ألْم تَرَ أّني يَوْمَ جَوّ سُوّيْقَةٍ ... بَكَيْتُ فَقالتْ لِي هُنَيْدَةُ مالِيا)
(فَقُلْتُ لَها إنَّ البُكاءَ لَرَاحَةً ... بِهِ يَشْتفِي مَنْ ظَنَّ أنْ لَا تَلاقِيا)
قَالَ لامهما على الْبكاء وأنهما لم يسعداه وَذهب بعض النَّاس إِلَى انه أَرَادَ بالمخاطبين عَيْنَيْهِ وَكَلَامه يدل على غير ذَلِك وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه بكي وَلم يبكيا مَعَه فَكَانَ ذَلِك زَائِدا فِي كَلَامه إِعْرَاب أبي الْفَتْح قَالَ كَلمته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَقلت لَهُ بِأَيّ شَيْء تعلق الْبَاء فَقَالَ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ فَاء فَقلت بِمَ رفعت وفاؤكما فَقَالَ لي بِالِابْتِدَاءِ فَقلت لَهُ أَيْن خَبره فَقَالَ كالربع فَقلت لَهُ هَل يَصح أَن تخبر عَن اسْم قبل تَمَامه وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَهِي الْبَاء فَقَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا انه قد جَاءَ لَهُ نَظَائِر وَأنْشد الْأَعْشَى
(لَسْنا كَمَنْ حَلَّتْ إيادٍ دَارَها ... بَكْرٌ بوَقْتٍ حَبُّها أنْ تُحْصَدَا)
فأبدل إيادا من من أَي كأياد الَّتِي حلت دارها فدارها لَيست مَنْصُوبَة بحلت هَذِه وَإِن كَانَ الْمَعْنى يَقْتَضِي ذَلِك لِأَنَّهُ لَا يُبدل الِاسْم إِلَّا بعد تَمَامه وَإِنَّمَا نصبها بِفعل مُضْمر دلّ عايه حلت الظَّاهِر كَأَنَّهُ قَالَ فِيمَا بعد حلت دارها وَكَذَلِكَ الْعَطف والتوكيد وَجَمِيع مَا يُؤذن بمام الِاسْم أَلا ترى أَنهم لَا يجيزون مَرَرْت بالضارب وَعَمْرو وزيدا لِأَنَّك لَا تعطف عَلَيْهِ وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَلَا يجيزون مَرَرْت بالضارب نَفسه زيدا لِأَنَّك لَا تؤكد وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة وَكَذَلِكَ لَا يجوز أَن تكون الْبَاء مُتَعَلقَة بِفعل مَحْذُوف وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى
стр. 1059
﴿إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى السرائر﴾ فَيكون إِنَّه على رجعه يَوْم تبلى السرائر لقادر إِلَّا أَنه لَا يجوز إعرابه على هَذَا لِأَن الظّرْف على هَذَا التَّقْدِير يكون مُتَعَلقا بالرجع وَقد فصل بَينهمَا بِقَادِر وَهُوَ خبر إِن وَهُوَ أجبنى من الْمصدر وَلَا يجوز الْفَصْل بَين الصِّلَة والموصول بأجنبي أَلا ترى أَنهم لَا يجيزون أطعمت الَّذِي ضرب رغيفا زيدا لَان الرَّغِيف مَنْصُوب وَهُوَ أَجْنَبِي من الَّذِي ضرب وَلَا يفصل بَين الصِّلَة وَبَعضهَا الْأَجْنَبِيّ
٢ - الْإِعْرَاب رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأنَا الدِّيوَان على شَيْخي يرفع كل على انه قد تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله مَا أَنا إِلَّا عاشق ثمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ كل عاشق أَي كل عاشق حَاله وَأمره وروى أبن فورجه وَالْقَاضِي كلا بِالنّصب على انه مفعول لعاشق يُرِيد أَن أعشق كل عاشق وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي هَذَا الْبَيْت سُؤال وَهُوَ لَا يُقَال أعق الرجلَيْن زيد حَتَّى يشتركا فِي صفة العقوق ثمَّ يزِيد زيدا على صَاحبه فَإِذا حكم لَهما أَنَّهُمَا صفيان ثمَّ لامه أَحدهمَا فقد زَالَ عَنهُ وصف الصفاء وَحصل لَهُ وصف العقوق قُلْنَا لَهُ جَازَ لَهُ ان يَأْتِي بِهَذَا اللَّفْظ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَصْحَاب الْجنَّة يَوْمئِذٍ خير مُسْتَقرًّا وَأحسن مقيلا﴾ وَقد علم أَن أَصْحَاب النَّار شَرّ وَلَا خير فِي مستقرهم وانهما لم يشتركا فِي الْخَيْرِيَّة فَهَذَا نَظِيره وَقد قَالَ حبَان بن قرط الْيَرْبُوعي وَكَانَ جاهليا
(خالِي بَنوُ أوْسٍ وَخالُ سَرَاتِهم ... أوْسٌ فأُّيُهمُا أرَقُّ والأَمُ)
يُرِيد فَأَيّهمَا الرَّقِيق اللَّئِيم وَلَيْسَ يُرِيد ان الرقة واللؤم اشتملا عَلَيْهِمَا مَعًا ثمَّ زَاد أَحدهمَا على صَاحبه وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَهْون عَلَيْهِ﴾ وَالْمعْنَى هَين عَلَيْهِ لانه تَعَالَى لَا يُوصف بَان بعض الْأَشْيَاء أَهْون عَلَيْهِ من بعض وَكَذَلِكَ أعق خَلِيله أَي الَّذِي يَسْتَحِيل عاقا فالأعق هُنَا بِمَعْنى الْعَاق كَقَوْل الفرزدق
(بَيْتا دَعاِئمُهُ أعَزُّ وَأطْوْلُ ... )
٣ - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن قَوْله يتزيا هَل تعرفه فِي اللُّغَة أَو فِي كتاب قديم قَالَ لَا قلت فَكيف تقدم عَلَيْهِ قَالَ قد جرت بِهِ عَادَة الِاسْتِعْمَال قلت أترضى بِشَيْء تورده الْعَامَّة قَالَ مَا عنْدك فِيهِ قلت قِيَاسه يتزوى قَالَ من أَيْن لَك قلت لِأَنَّهُ من الزي وعينه وَاو وَأَصله زوى فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لسكونها وانكسار مَا قبلهَا وَلِأَنَّهَا أَيْضا سَاكِنة قبل الْيَاء وَدَلِيل ان عينه وَاو أَنهم لَا يَقُولُونَ لفُلَان زِيّ إِذا كَانَ لَهُ شَيْء وَاحِد يستحسن حَتَّى يجْتَمع لَهُ أَشْيَاء كَثِيرَة حَسَنَة فَحِينَئِذٍ يُقَال لَهُ زِيّ من زويت الأَرْض أَي جمعت وَقَالَ الآخر
стр. 1060
(زَوَي بَينَ عَيْنَيْهِ عَلىَّ المَحاجمُ ... )
فَقَالَ لي إِلَى هَذَا ذهبت فأصغى نَحوه وَقد ذكره صَاحب الْعين فَقَالَ تزيا فلَان بزِي حسن وزييته تزية بِوَزْن تَحِيَّة فَإِن ثَبت فَلَيْسَ يُنَاقض لما قلت أَنه يتزوي فَيجب أَن يكون قلب الْوَاو يَاء تَخْفِيفًا كَقَوْل الآخر
(إنْ دَيَّمُوا جادَ وإنْ جادُوا وَبَيلْ ... )
وَهُوَ من دَامَ يَدُوم وَلَكِن لما رأى الديمة والديم بياء أنس بهَا وأخلد إِلَيْهَا لخفتها كَمَا قَالُوا فِي عيد أعياد وَفِي تحقيره عبيد وَهُوَ من عَاد يعود وَكَانَ قِيَاسه عُوَيْد وأعواد كَمَا قيل فِي تحقير ريح رويح فِي جمعهَا أَرْوَاح وَحكى اللحياني فِي نوادره ريح وأرواح فَهَذَا مِمَّا أجْرى مجْرى الْبَدَل اللَّازِم لخفة الْيَاء وَكَذَلِكَ يتزيا إِن كَانَ صَحِيحا من كَلَامهم فَهُوَ مِمَّا ألزم بدل الْيَاء من الْوَاو تخفيا وَلِأَنَّهُ قد أبدلها فِي زِيّ قصدا من طَرِيق الأشتقاق وَالْقِيَاس يَقْتَضِي أَن تكون عين الزي واوا فِي الأَصْل لِأَن بَاب طويت وَرويت مِمَّا عينه وَاو ولامه وياء أَكثر من بَاب حييت وعييت مِمَّا عينه ولامه ياءان فَلَمَّا اجْتمع الْقيَاس والاشتقاق على قَضِيَّة لزم قبُولهَا ورفض مَا عَداهَا وَخَالف وَضعهَا الْغَرِيب التزيي تكلّف الزي ويلائمه يُوَافقهُ الْمَعْنى يَقُول إِن صَاحِبيهِ ليسَا من أهل الْهوى فَإِن أقسما بِهِ وتكلفاه فقد يتَكَلَّف الْإِنْسَان الشَّيْء وَلَيْسَ هُوَ من أَهله وَقد يصاحب الْإِنْسَان من لم يُوَافقهُ فِي أَحْوَاله ويعرض بِأَن صَاحِبيهِ لم يفيا لَهُ بِمَا عاهداه عَلَيْهِ من الإسعاد بالبكاء وإنهما لم يَكُونَا من أَرْبَاب الْهوى وَلَا يعتقدانه
٤ - الْغَرِيب الأطلال جمع طلل وَهُوَ مَا شخص من آثَار الديار والشحيح الْبَخِيل والخاتم مَا يكون فِي الإصبع للرِّجَال وَالنِّسَاء من ذهب وَفِضة وَغَيرهمَا وَفِيه لُغَات خَاتم وَخَاتم بِفَتْح التَّاء وَكسرهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين وخيتام وخاتام وَالْجمع خَوَاتِيم الْمَعْنى دَعَا على نَفسه بِأَن يبْلى بلَى الاطلال الدارسة ويتغير تغير الرسوم الْعَافِيَة إِن لم يقف بديار أحبته متوجعا لَهَا ومعتنيا بهَا وقُوف شحيح ضَاعَ خَاتمه فِي الترب وَاعْتمد الْخَاتم لانه صَغِير الجرم مُهِمّ الْأَمر فلصغره يخفى مَوْضِعه وَلَا هتمامه يحب تتبعه وَاشْترط ضيَاعه فِي التُّرَاب ليَكُون تطلبه فِيهِ وَهُوَ مَوضِع آثَار الديار ورسوم الأطلال وَقَالَ أَبُو الْفَتْح قد عيب عَلَيْهِ وَقَالَ لَيْسَ للفظ عَجزه جزالة لفظ صَدره وَلَيْسَ فِي وقُوف الشحيح على طلب خَاتمه مُبَالغَة يضْرب بهَا الْمثل وَقَالَ وَالْعرب تبالغ فِي وصف الشَّيْء وَتجَاوز الْحَد وَقد تقتصر أَيْضا وَيسْتَعْمل المقارنه وَهَذَا بِعَيْنِه قد جَاءَ فِي الشّعْر الفصيح قَالَ الراجز
стр. 1061
(هُنَّ حَياريَ كَمُضِلَاّتِ الخَدَمْ ... )
وَهِي جمع خدمَة وَهِي الخلخال وَقَالَ الْعَرُوضِي لَا عيب عَلَيْهِ لَان الشحيح إِذا طلب الْخَاتم احْتَاجَ إِلَى الإنحناء ليقف بَصَره على الْخَاتم وَلَو كَانَ بدل الْخَاتم شَيْئا عَظِيما كالخلخال والسوار لَكَانَ يَطْلُبهُ من قيام فَلَا يحْتَاج إِلَى الإنحناء ونو كَانَ صَغِيرا كالذرة لَكَانَ يَطْلُبهُ قَاعِدا مَكَانَهُ يَقُول إِن لم أَقف بهَا منحنيا لوضع الْيَد على الكبد والانطواء عَلَيْهَا كوقوف الشحيح الطَّالِب للخاتم وَيشْهد لصِحَّته قَول ابْن هرمة يذم بَخِيلًا
(نَكَّسَ لمَّا أتَيْتُ سائِلَهُ ... وَاعْتَلَّ تَنْكِيسَ ناظمِ الخرَزِ)
فَشبه هَيئته بهيئة من ينظم الخرز فِي الإطراق وينكس الرَّأْس على أَنا نقُول إِن إلتزامنا بِهَذَا السُّؤَال الْوَارِد قد يبلغ من قِيمَته الْخَاتم مَا يحِق للشحيح أَن يطول وُقُوفه على طلبه قَالَ الواحدي يُقَال فِي جَوَاب هَذَا السُّؤَال إِن وقُوف هَذَا الشحيح وَإِن كَانَ لَا يطول كل الطول فقد يكون أطول من وقُوف غَيره فَجَاز ضرب الْمثل بِهِ كَقَوْل الشَّاعِر
(رُبَّ لَيْلٍ أمَدَّ منْ نَفَسِ العاشق ... ِ طُولاً قَطَعْتُهُ بانتْحابِ)
وَقد علمنَا أَن سَاعَة من سَاعَات اللَّيْل تستغرق عدَّة أنفاس وَلكنه لما كَانَ نفس العاشق أطول من نفس غَيره جَازَ ضرب الْمثل بِهِ وَإِن لم يبلغ النِّهَايَة فِي الطول وكقول الآخر
(وَلَيْلٍ كظِلّ الرُّمْحِ قَصَّر طُولَهُ ... دَمُ الزّقّ عَنَّا واصْطِفاقُ المزَاهِرِ)
وَذَلِكَ لما كَانَ ظلّ الرمْح أطول من ظلّ غَيره جعله الْغَايَة فِي الطول وَقَالَ ابْن القطاع وَإِنَّمَا قَالَ رب ليل طَوِيل خَارج عَن الْمُعْتَاد رائد الطول زَاد على المُرَاد كزيادة نفس هَذَا العاشق وَطوله على نفس من لَيْسَ بعاشق وَهَذَا نِهَايَة فِي الْمُبَالغَة وروى ابْن فورجة شجيج ضَاعَ فِي الترب خَاتمه والشجيج الَّذِي شج رَأسه وَضاع بِمَعْنى تفرق أَي صَارَت لَهُ عروق فِي الثرى وَقد علق بهَا وَلَيْسَت هَذِه الروايه بِشَيْء قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول أبي نواس
(كأّني مُرِيغٌ فِي الدّيارِ طَرِيدَةً ... أرَاها أمامِي مَرّةً وَوَرَائي)
٥ - الْإِعْرَاب نصب كئيبا على الْحَال من قَوْله أَقف الْغَرِيب الكئيب الحزين والريض الصعب من الْخَيل وَهُوَ من الأضداد والريض الَّذِي لم تستحكم رياضته وَالَّذِي يشد حزامه ويتوقى مِنْهُ والريض الَّذِي قد ذلل والحازم الَّذِي يسوسه ويشد حزامه
стр. 1062
الْمَعْنى يَقُول العواذل توقاني إِذا وقفت فِي الرّبع كئيبا مَحْزُونا يُرِيد ان يتوقاه عاذله ويتخوف لائمه كَمَا يتوقى الَّذِي يحزم الريض من الْخَيل صولته ويتخوف نفرته
٦ - الْإِعْرَاب الأولى فاعلة ومهجتي فِي مَوضِع نصب بِوُقُوع الغرامة عَلَيْهَا وَقَالَ ابْن القطاع من روى تغرمي بِإِثْبَات الْيَاء كَانَ الأَصْل تغرمين فَحذف النُّون للجزم وَالْخطاب للمحبوبة والمهجة هِيَ المحبوبة فمهجتي فِي مَوضِع نصب بالنداء وَالْأولَى مَفْعُوله وَيكون الْمَعْنى قفى يَا مهجتي تغرمي الأولى الَّتِي حرمتنيها بنظرة ثَانِيَة إِلَيْك الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قفي يَا محبوبة تغرم اللحظة الأولى الَّتِي لحظتك مهجتي بلحظة ثَانِيَة لِأَن الأولى قد أتلفت مهجتي فَوَجَبَ عَلَيْهَا الْغرم فَإِن لحظ ثَانِيَة عَاشَ فَتكون الأولى قد غرمت المهجة بِالثَّانِيَةِ ثمَّ ذكر الْحجَّة الْمُوجبَة أَن يُطَالب بالوقفة فَقَالَ والمتلف غَارِم وَهِي حُكُومَة بِحَق وَقَالَ الْخَطِيب لما نظر إِلَيْهَا نظرة اتلفت مهجته وَأَرَادَ أَن ينظر إِلَيْهَا أُخْرَى لترجع إِلَيْهِ نَفسه جعل الأولى كَأَنَّهَا الغارمة فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا سَبَب التّلف وَمثله لقطرب
(أشْتاقُ بِالنَّظْرةِ الأُولى قَرينَتَها ... كأنَّنِي لمْ أُقدّم قبلَها نظَرَا)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ
(يَا مُسْقِما جِسْمِي بأوَّلِ نَظْرَةٍ ... فِي النَّظْرةِ الأُخرَى إلَيْكَ شِفائي)
وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت الخالد الْكَاتِب وَأَخذه أَبُو الطّيب مِنْهُ وَقَالَ الواحدي وَغَيره لَيْسَ هُوَ الخالد إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي الطّيب
٧ - الْغَرِيب العيس الْإِبِل الْبيض والنور من الزهر مَا كَانَ أَبيض والزهر الْأَصْفَر والكمام أوعية الزهر والنور قبل أَن تنفتق الْمَعْنى إِنَّه دَعَا لَهَا بالسقيا ثمَّ دَعَا لنَفسِهِ أَن تكون تَحِيَّة لَهُ بعد سقياها وَجعل النِّسَاء الَّتِي فِي الْخُدُور نورا لحسنهن وصفاء لونهن وَطيب رائحتهن وَجعل الْخُدُور لَهُنَّ بِمَنْزِلَة الكمائم وَقَالَ الواحدي لما جَعلهنَّ نورا بني على هَذَا اللَّفْظ السقيا والتحية فَإِن النُّور تضرته بِالْمَاءِ وَخرجت الْعَادة بِأَن يحي بعض النَّاس بَعْضًا بالأنوار والرياحين فيناوله شَيْئا مِنْهَا وَمعنى أَحْيَانًا بك الله أَي لقاناك وحيانا بك وَقد كشف السّري الْموصِلِي عَن هَذَا الْمَعْنى بقوله
(حَيّا بِهِ اللهُ عاشِقيِه فَقَدْ ... أصْبَحَ رَيحانَةً لِمَنْ عَشِقا)
٨ - الْغَرِيب الأظعان جمع ظعن وهم الْقَوْم المرتحلون
стр. 1063
الْمَعْنى يَقُول لمن يحب لَا يحْتَاج السّفر إِلَى ضوء الْقَمَر بِاللَّيْلِ وَأَنت مَعَهم فَإِن من وَجدك لم يعْدم الْقَمَر وَإنَّك تقومين مقَام الْبَدْر إِذا غَابَ وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(أضَرَّتْ بضَوْءِ البَدْرِ والبَدْرُ طالعٌ ... وقامَتْ مَقامَ البَدْرِ لمَّا تَغَيَّبا)
وَمن قَول الآخر
(إنَّ بَيْتا أنْتَ ساكِنُهُ ... غَيرُ مُحتاجٍ إِلَى السُّرُجِ)
٩ - الْغَرِيب ظَفرت فازت وأثاب رَجَعَ يُقَال ثاب إِلَيْهِ عقله وأثاب رَجَعَ والمطي جمع مَطِيَّة والرازمة من النوق أَو الرازم من الْإِبِل الَّذِي قَامَ من الإعياء وَأَقْعَدَهُ الهزال عَن الْمَشْي الْمَعْنى يَقُول الْإِبِل الَّتِي قد ضعفت وكلت وعجزت عَن الْمَشْي إِذا نظرت إِلَيْك رجعت قوتها وحركتها فَكيف بِنَا نَحن وَقَوله الْعُيُون يُرِيد كل عين يَقُول إِذا ظَهرت للناظرين صلحت حَال المطايا وَهِي لَا تعقل النّظر إِلَيْك فَكيف الظَّن بِنَا وحياتنا برؤيتك وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا يُرِيد أَصْحَابه وَالْإِبِل لَا فَائِدَة لَهَا فِي النّظر إِلَى هَذِه المحبوبة وَإِن فاقت حسنا وجمالا وَإِنَّمَا ركابهَا يسرون بذلك وَالْقَوْل هُوَ الأول وَهُوَ قَول أبي الْفَتْح وَجَمَاعَة لَان الْإِبِل الَّتِي لَا عقل لَهَا يُؤثر فِيهَا النّظر على مُقْتَضى الْمُبَالغَة والتعمق فِي الْمَعْنى لَا على الْحَقِيقَة وَهَذَا عَادَة الشُّعَرَاء فِي الْمُبَالغَة وَذكر الْمطِي على اللَّفْظ كتذكير النّخل والسحاب وَمَا أشبهه من الْجمع
١٠ - الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب متفرد بالْحسنِ لَيْسَ لغيره فِيهِ حَظّ فَكَأَن الْحسن أحبه واستخلصه لنَفسِهِ دون غَيره أَو الَّذِي قسم الْحسن بَين النَّاس جَار عَلَيْهِم فَأعْطَاهُ الْحسن كُله وَحرمه غَيره
١١ - الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وتنسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والحي الْجَمَاعَة من النَّاس النازلين بالبادية والكرائم جمع كَرِيمَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا حبيب عَزِيز لَا تصل رماح الْخط إِلَيْهِ بل تسبى لَهُ الْكِرَام من الْأَحْيَاء فَتكون لَهُ خدما وَالْمعْنَى أَن هَذِه المحبوبة من قوم أعزه لَا يطْمع عَدو أَن يُغير فيهم وَلَا يعتصم كرائم غَيرهم مِنْهُم وَأَنَّهَا تأمن السَّبي ويسبى لَهَا كرائم الْأَحْيَاء وَمَا أحسن مَا ألم بِهَذَا الْمَعْنى أَبُو الْغَنَائِم ابْن الْمعلم الوَاسِطِيّ فِي قَوْله
(نُثَلَّمُ دُون البِيضِ بِيضَ صَوَارِمٍ ... وَنْحطِمُ دُونَ السُّمْرِ سُمْراً عَوَاليا)
стр. 1064
- الْغَرِيب الكباء الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ ونشره فوحه قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(وَباناً وأُلْوِياً منْ الهِنْدِ ذَاكِيا ... وَرَنْداً وَلُبْنى وَالكِباءَ المُقَتَّترا)
الْمَعْنى يَقُول أدنى ستورها مِمَّن أرادها غُبَار خُيُول قَومهَا وَأقر بهَا مِنْهَا دُخان بخورها فقد وصفهَا بأشد المنعة وَذكر أَنَّهَا فِي غَايَة النِّعْمَة قَالَ الواحدي إِن دُخان الْعود الَّذِي يتبخر بِهِ كثير عِنْده حَتَّى صَار كالحجاب بَينه وَبَين من يَطْلُبهُ قَالَ ويروي وأولها نشر الكباء وَالْمعْنَى وَأول ستر دونهَا مِمَّا يَليهَا وَيُمكن أَن يقلب هَذَا فَيُقَال أدنى ستر إِلَيْهَا من الستور دونهَا غُبَار الْخَيل وَأبْعد ستر عَنْهَا نشر الكباء يَعْنِي أَن غُبَار الْخَيل كثير حَتَّى وصل إِلَيْهَا فَصَارَ أدنى ستر مِنْهَا دونهَا وَكَذَلِكَ ارْتَفع دُخان الْعود حَتَّى يتباعد مِنْهَا الدُّخان فَصَارَ آخر ستر دونهَا قَالَ وَهَذَا أشبه بطريقة المتنبي فِي إِيثَار الْمُبَالغَة
١٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه قد عرف صروف الدَّهْر وانه لم يستغرب مَا طرقه بِهِ الدَّهْر من فِرَاق الحبيب وَلَا غَيره لما عرف وابتلى بِهِ من حوادث الْأَيَّام وفجائعها وَإنَّهُ إِنَّمَا علم بِمَا علم وطرق بِمَا عهد وَالْمعْنَى يُرِيد أَنه لَا يستغرب فراقا وَلَا تريه عينه شَيْئا لم يره قلبه والمصراع الأول من قَول طفيل
(وَما أَنا بِالمُسْتَنْكِرِ البَين إنَّنِي ... بِذِي لَطَفِ الجِيرانِ قِدْما مُفَجَّعُ)
والمصراع الثَّانِي من قَول عدي بن الرّقاع
(وَعَلمْتُ حَتى لَسْتُ أسْألُ عالِما ... عَنْ حَرْفِ واحِدةٍ لِكيْ أزْدَادَها)
وَمثله لِلْأَعْوَرِ الشني
(لَقَدْ أصْبَحْتُ مَا أحْتاجُ فِيما ... بَلَوْتُ منَ الأُمُورِ إِلَى السُّؤالِ)
وَقَالَ مُحَمَّد بن عبد الْملك بن الزيات
(وَما اسْتَغْرَبْتُ بَيْسا مِنْ حَبِيبٍ ... فأنْكِرهُ بعَيْنٍ أوْ بِقَلْبِ)
وَقَالَ ابْن الرُّومِي
(وَما أحْدثَ العَصْرانِ شَيْئا نَكَرْتُهُ ... هُما الوَاهِبانِ السَّالبِانِ هُما هُما)
١٤ - الْغَرِيب الكاشحون جمع كاشح وَهُوَ الَّذِي يضمر لَك الْعَدَاوَة والعلاقم جمع عَلْقَمَة وَهِي المرارة
стр. 1065
قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته وَقت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ مَا وَجه التُّهْمَة فِي هَذَا الْمَوْضُوع قَالَ أَن يَظُنُّوا بِي جزعا الْمَعْنى يُرِيد لَا يتهمني الْأَعْدَاء بالخوف من الردي والجزع من الْفِرَاق فَإِنِّي قد اعْتدت ذوق المرارات فَلَا أستمرها فقد حلالي أمرهَا وَمن اعْتَادَ ذوق العلاقم حلا لَهُ العلاقم ورعيت الردي يُرِيد أَسبَاب الردى وَالْمعْنَى لَا أجزع من الْفِرَاق وَإِن عظم أمره واشتدت مرارته لِأَنِّي اعْتدت ذَلِك كَقَوْل الآخر
(وَفارَقْتُ حَتى لَا أُبالي مِنَ النَّوَى ... وَإنْ بانَ جِيرَانٌ عَلىِّ كِرامُ)
وَقَالَ المؤرخ
(رُوّعْتُ بالْبَيْنِ حَتى مَا أُراعُ لَهُ ... وَبالمَصائبِ فِي أهْلِي وَجِيراني)
وَهَذَا من قَول الخزيمي
(لَقَدْ وَقَرَتَنْي الحَادِثاتُ فَما أُرَى ... لنازِلَةٍ مِنْ رَيْبِها أتَوَجَّعُ)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَول أَوْس بن حجر
(لَا تُجْزِعَنِّي بالفرَاقِ فَإنَّتي ... لَا تَسْتهِل مِنْ الفِرَاقِ شُئُوِنِي)
١٥ - الْغَرِيب أشب يشب فَهُوَ مشب وتوقاه حذره الْمَعْنى الَّذِي يجزع على فقد الشَّبَاب إِنَّمَا أشابه من أشبه فالشيب حضل مِمَّن عِنْده الشَّبَاب فَلَا سَبِيل إِلَى التوقي مِنْهُ لِأَن أمره بيد غَيره فَإِنَّمَا يهدم مَا بناه وَيَأْخُذ مَا أعطَاهُ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول ابْن الرُّومِي
(تُضَعْضِعُهُ الأوْقاتُ وَهْيَ بَقاؤُهُ ... وَتَغْتالُهُ الأقْوَاتُ وَهْيَ لَهُ طُعْمُ)
(إذَا مَا رَأيْتَ الشَّيْءَ يُبْلِيه عُمْرُهُ ... وَيُفْنِيِهِ أنْ يَبْقَى فَفي دَائِهِ عُقْمُ)
الضَّمِير فِي توقيه للباكي وَفِي بانيه وهادمه للشباب
١٦ - الْمَعْنى يَقُول قَالَ الواحدي تَمام الْعَيْش هُوَ الصِّبَا أَولا ثمَّ مَا يتعقبه من بُلُوغ الأشد حَتَّى يكون يافعا مترعرعا إِلَى أَن يخْتَلف إِلَى عارضيه لونا بَيَاض وَسَوَاد وغائب لون العارضين هُوَ الْبيَاض والقادم هُوَ السوَاد السَّابِق إِلَى الْعَارِض وَيجوز أَن يكون غَائِب لون العارضين لون الْبشرَة حَتَّى يغيب عَنْهُمَا سَواد الشّعْر وبياضه والقادم هُوَ لون الشّعْر من بَيَاض وَسَوَاد وَيجوز أَن يُرِيد بالقادم الشيب من قدم يقدم إِذا ورد وبالغائب السوَاد الَّذِي غَابَ بقدوم الْبيَاض وَيجوز أَن يُرِيد بالغائب لون جلد الْعَارِض الْمُسْتَتر بالشعر وبالقادم سَواد الشّعْر النَّابِت وَهَذَا هُوَ الأولى لِأَنَّهُ يَجْعَل تَمام الْعَيْش أَن يكون
стр. 1066
الْإِنْسَان صَبيا ثمَّ مترعرعا يافعا ثمَّ ينْبت شعره فَيكون شَابًّا وَلم يَجْعَل الشيب من تَكْمِلَة الْعَيْش لِأَن من شَاب فقد مَاتَ قَالَ
(مَنْ شابَ قَدْ ماتَ وَهْوَ حَتّى ... يَمْشِي عَلى الأرْضِ مَشْيَ هالِكْ)
وَبَيت المتنبي من قَول ابْن الرُّومِي
(سُلِبْتُ سَوَادَ العارِضينَ وَقَبْلَهُ ... بَياضَهما المْحمُودَ إِذْ أَنا أمْرَدُ)
١٧ - الْغَرِيب الفاحم الْأسود الشَّديد السوَاد قَالَ الواحدي الْبيَاض فِي الشّعْر حسن وَلم يخضب الْبيَاض لِأَنَّهُ مستقبح وَلَكِن السوَاد أحسن مِنْهُ فالخاضب إِنَّمَا يطْلب الْأَحْسَن من لون الشّعْر قَالَ أَبُو الْفَتْح ذكر أَن الشيب لم يخضب لِأَنَّهُ قَبِيح وَلَكِن سَواد الشّعْر أحسن وَالْإِنْسَان إِذا شَاب علم أَنه كَبِير السن فزهد فِيهِ فَإِذا خضب ظهر للغواني أَنه شَاب فرغبن فِيهِ وَجَاء فِي الحَدِيث عَلَيْكُم بالخضاب فَإِنَّهُ زِينَة لنسائكم وهيبة لعدوكم وَسُئِلَ بعض الصَّحَابَة هَل خضب رَسُول الله
فَقَالَ لم يكن بِهِ من الشيب مَا يُوجب الخضاب وَقيل أَن عبد الْمطلب بن هَاشم نزل بِبَعْض الْمُلُوك فَأمر الْملك بخضابه فَقَالَ عبد الْمطلب
(فَلوْ دامَ لِي هذَا المَشيبُ رَضيِتُهُ ... وَكانَ بَدِيلا مِنْ شَبابٍ قَد انْصرَم)
قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(إنَّ خَيْراً مِنَ الشَّبابِ بَنُو الفَياَّضِ ... للِمُشترِي أوِ المُعْتاضِ)
١٨ - الْغَرِيب مَاء الشبية نضارتها والحيا مَقْصُورَة الْمَطَر وَالْخصب وَهُوَ الَّذِي تحيا بِهِ الأَرْض والبارق السَّحَاب ذُو الْبَرْق اللامع والشائم الَّذِي يرقب مَوضِع الْغَيْث والفازة الْقبَّة والخيمة وَكَانَ سيف الدولة فِي خيمة من ديباج قد وصفهَا أَبُو الطّيب فِي هَذِه القصيدة وتشيب إِلَى الْمَدْح بِأَحْسَن تشبب قَالَ إِن أحسن من مَاء الشبيبة الَّذِي اجْتمع النَّاس على الكلف بوقته ولاأسف لفقده جود يشبه الْغَيْث بكثرته لملك يخلف السَّحَاب بكرمه نرقبه من قبَّة وتنتجعه فِي فازة وَأَشَارَ بذلك إِلَى كرم سيف الدولة قد جمع لَهُ فِي الْبَيْت بَين ضروب وَمن الْمَدْح ثمَّ وصف الْقبَّة فَقَالَ عَلَيْهَا رياض الْبَيْت
١٩ - الْغَرِيب الرياض جمع رَوْضَة وَهِي الَّتِي ينبتها الْغَيْث وفيهَا الأزهار والدوح جمع دوحة وَهِي الشَّجَرَة الْعَظِيمَة من أَي الْأَشْجَار كَانَت والحمائم جمع حمامة
стр. 1067
الْمَعْنى شبه أَبْوَابهَا بِقطع الرياض إِلَّا أَن زهراتها مِمَّا لم تحكه أَي تنسجه وتصنعه أَيدي السَّحَاب وأغصان شَجَرهَا مُخَالفَة لأغصان سَائِر الْأَشْجَار لِأَنَّهَا لَا تتغنى عَلَيْهَا حمامها وَلَا تتجاوب طيورها فَأَوْمأ بِهَذَا الِاشْتِرَاط إِلَى أَنَّهَا صُورَة ممثلة وصناعات مؤلفة وَهَذَا نوع بديع من أَنْوَاع الْإِيمَاء وَالْإِشَارَة
٢٠ - الْغَرِيب الموجه من كل شَيْء ذُو الْوَجْهَيْنِ والسمط السلك وَقيل أَرَادَ بالسمط الدَّوَائِر الْبيض على حَاشِيَة تِلْكَ الأثواب الَّتِي اتَّخذت مِنْهَا الْخَيْمَة شبهها بالدر لبياضها إِلَّا أَنه من نظمه لم يثقبه لِأَنَّهُ لَيْسَ بدر حَقِيقِيّ الْمَعْنى يَقُول كل ثوب يسْتَقْبل من هَذِه الفازة فَوق حَوَاشِيه سموط لآلي تَجْتَمِع غير مثقوبة وتتألف غير منظومة يومىء بِهَذَا الإشتراط إِلَى أَنَّهَا لآلي ممثلة لَا حَقِيقِيَّة وَهُوَ من البديع
٢١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا خيمة فِيهَا أَصْنَاف الوحوش ضد كل جنس يسالمه وَهُوَ مَصَالِحه وَمن عَادَة الْحَيَوَان أَن يهارش بعضه بَعْضًا ويفترس بعضه بَعْضًا وَأَرَادَ بالمحاربة أَنَّهَا نقشت فِي صُورَة الْمُحَاربَة والمسالمة أَنَّهَا جماد لَا روح فِيهَا فتقاتل
٢٢ - الْغَرِيب المذاكي المسنة من الْخَيل دأيت الرجل أد أَي لَهُ دأبا إِذا ختلته مثل أدوات لَهُ ودأوت لَهُ لُغَة فِي دأيت ودأي الذِّئْب ليَأْخُذ الغزال وَرُوِيَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة من ذأي الْإِبِل إِذا طردها وساقها والضراغم جمع ضرغام وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا ضربت الرّيح هَذَا الثَّوْب تحرّك حَتَّى كَأَنَّهُ يموج وَكَأن الْخَيل الَّتِي صورت عَلَيْهِ جائلة وَكَأن أسواد تختل الظباء لتصيدها وتطردها لتدركها
٢٣ - الْغَرِيب صُورَة الرُّومِي كَانَ قد صور فِي الْخَيْمَة صُورَة ملك الرّوم والأبلج هُوَ النَّفْي مَا بَين الحاجبين وَهُوَ من صفة السَّادة والتيجان لملوك الْأَعَاجِم والعمائم للْعَرَب وَفِي كَلَامهم الْقَدِيم العمائم تيجان الْعَرَب وَالسُّيُوف أرديتها والحبا جدرانها الْمَعْنى يَقُول صُورَة ملك الرّوم على هَذَا الثَّوْب ساجد لسيف الدولة وَقد خضع لَهُ وتذلل على عَادَته وَإِن كَانَ متوجا فَإِن التيجان فِي الْحَقِيقَة والعمائم الَّتِي على رَأس سيف الدولة وَإِن أرفع الرَّأْي رَأْي من تكون لَهُ الْغَلَبَة وتعرف مِنْهُ الْقُدْرَة وروى الواحدي لأباخ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ المتكبر الْعَظِيم فِي نَفسه بَلخ بِالْكَسْرِ وتبلخ
стр. 1068
أَي تكبر فَهُوَ أبلخ بَين البلخ قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ عكس قَول ابْن الرُّومِي
(رُؤُوسٌ مَرَائِيسٌ قَدِيما تعمَّمتْ ... لَعَمْركَ بِالتِّيجان لَا بِالعَمائم)
٢٤ - الْغَرِيب الْكمّ كم الثَّوْب وَهُوَ الَّذِي تخرج مِنْهُ الْيَد والبراجم الْأَصَابِع وَهِي رُؤُوس السلاميات من ظَاهر الْكَفّ وَقيل عروق ظَاهر الْكَفّ وَقيل عظامها والبراجم بطن من تَمِيم وَمن أمثالهم إِن الشقي وَافد البراجم وَقيل جمع برجمة وَهِي النواشر من مفاصل الْأَصَابِع الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك يخدمونه ويقبلون بساطه بأفواههم عِنْدَمَا يقعون لَهُ سجدا لأَنهم لَا يقدرُونَ على تَقْبِيل كمه وَيَده لارتفاعه وعلو مَكَانَهُ لانه أعظم شَأْنًا من ذَلِك فهم يستغنون عَن تَقْبِيل كمه بتقبيل بساطه إعظاما لقدره واعترافا لفضله
٢٥ - الْإِعْرَاب قيَاما مصدر لم يذكر فعله وَهُوَ حَال من الْمُلُوك الْغَرِيب القرم السَّيِّد والمواسم جمع ميسم وَهُوَ الَّذِي يوسم بِهِ الْمَعْنى يُرِيد انهم قيام بَين يَدَيْهِ أذلاء وكنى بالكي عَن طعنه وضربه بالداء عَن غوائل الْأَعْدَاء فَهُوَ يرد بالطعن وَالضَّرْب من عَصَاهُ إِلَى طَاعَته كَمَا يرد من بِهِ دَاء إِلَى الصِّحَّة بالكي وَهَذَا مثل ضربه يُرِيد أَن كل ملك عَظِيم قد ذلله وَبَان عَلَيْهِ أثر قهره إِيَّاه
٢٦ - الْإِعْرَاب القبائع جمع قبيعة وَهِي قبيعة السَّيْف وَهِي الحديدة الَّتِي فَوق مقبض السَّيْف وَأَرَادَ قبائع سيوف الْمُلُوك فَحذف الْمُضَاف الْمَعْنى كني عَن السيوف وَلم يجر لَهَا ذكر وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم وَالْكتاب الْعَزِيز يَقُول قَامُوا عِنْده متكئين على قبائع سيوفهم هَيْبَة لَهُ وتعظيما لَهُ وعزائمه إِذا عزم على الْأُمُور كَانَت أمضي من السيوف والجفون أغمدة السيوف وَاحِدهَا جفن
٢٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَالطير فَلَمَّا جعلهَا جمَاعَة كني عَنْهَا بِلَفْظ الْجمع وَلم يكن عَنْهَا بالتثنية للعسكرين الْغَرِيب الجماجم جمع جمجمة وَهِي عظم الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول ان الطير تصْحَب عسكره اعتيادا لِكَثْرَة وقائعها لتأكل من لُحُوم الْقَتْلَى
стр. 1069
فَكَأَنَّهَا من عديد حشمه فَإِذا رمي عسكرا بخيله وطيره أهلكه وَهُوَ من قَول النَّابِغَة
(إِذا مَا غَزَوْا فِي الجَيْشِ حَلِّقَ فْوقَهمْ ... عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَد بعَصائِبِ)
وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا ادري كَيفَ خص الجماجم بِالْبَقَاءِ دون سَائِر الْعِظَام وَلَا أعرف للخيل فِي هَذَا معنى بل للطير لِأَنَّهَا لَا تَأْكُل عِظَام الْمَوْتَى وَذَلِكَ أَن الْخَيل إِذا حملت من عَلَيْهَا أهلكوا من وقف وَالطير تاكلهم فَلَا تدع إِلَّا الْعِظَام للوحش وَخص الجماجم من بَين الْعِظَام لِأَنَّهَا اكبر عظم فِي الْإِنْسَان وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِنَّهُم كَانُوا يقتلُون وَيَأْسِرُونَ فَكَانُوا يَأْخُذُونَ رُؤُوس الْقَتْلَى يجعلونها فِي أَعْنَاق الأساري فَلهَذَا لم تبْق إِلَّا الجماجم
٢٨ - الْغَرِيب الأجلة جمع جلّ والملاغم مَا حول الْفَم الْوَاحِد ملغم وملغمت الْمَرْأَة إِذا تطيبت حول الْفَم وَقيل لأعرابي مَتى الْمسير فَقَالَ تلغموا بِيَوْم السبت أَي اُذْكُرُوهُ يَوْم السبت يُرِيد حركوا ملاغمكم بِذكر السبت كَمَا تَقول تفوهوا الْمَعْنى يُرِيد أَن أجلة خيله ثِيَاب من طَغى عَلَيْهِ وَخَالفهُ وموطئها من كل من بغي عَلَيْهِ وَجهه وَهَذَا مُبَالغَة وَلَا تتمّ هَذِه الصّفة إِلَّا بعد الإمعان فِي قَتلهمْ وبلوغ الْغَايَة من الظُّهُور عَلَيْهِم
٢٩ - الْإِعْرَاب أَرَادَ تغير فِيهِ فَحذف الظّرْف وأوصل الْفِعْل كَقَوْل الراجز
(قَدْ صُبِحَتْ بِصَبْحِها السًّلامُ ... بِكَبدِ يَتْبَعُها سنامُ)
(فِي ساعةٍ يُحيبُّها الطَّعامُ ... )
يُرِيد يحب فِيهَا وكقولهم أَقمت ثَلَاثًا مَا أذوقهن طَعَاما أَي أذواق فِيهِنَّ وَالضَّمِير فِي تزاحمه مفعول بِهِ وَلَيْسَت فِي معنى تزاحم فِيهِ لِأَنَّهُ يتَعَدَّى بِنَفسِهِ الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ يُغير عِنْد الصُّبْح وَهُوَ عَادَة الْعَرَب فِي غاراتها لليغفلوا الْقَوْم وَكَانُوا يَقُولُونَ عِنْد الْغَارة واصباحاه فَيَقُول قد مل الصُّبْح وسئم وضجر مِمَّا تغير فِيهِ وَكَذَا اللَّيْل من مزاحمتك هُوَ أَنَّك تبلغ كل مَوضِع يبلغهُ اللَّيْل وَقَالَ الواحدي تغير وتزاحمه يجوز أَن يكون للخطاب وَيجوز أَن يكون للخيل وَقيل فِي معنى الْبَيْت تغيره تحمله على الْغيرَة بِمَا يزِيد على بياضه بريق أسلحتك وتزاحم اللَّيْل فتذهب ظلمته بضوء أسلحتك وَقَالَ ابْن الإفليلي تزاحم اللَّيْل بغبار خيلك فَكَأَنَّهُ ليل آخر
стр. 1070
- الْمَعْنى قَالَ الواحدي ملت رماح الْأَعْدَاء من دقك أعاليها وملت سيوفك من ملاطمتك إِيَّاهَا والملاطمة الْمُقَاتلَة بالترس والمجن قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد رماح عسكره وَسُيُوفهمْ على أَن يرفع الصُّدُور يَقُول رماحك من كَثْرَة مَا تدق صدورها أعداءك قد ملت وملت سيوفك من الشَّيْء الَّذِي تلاطمه لِكَثْرَة وقعها عَلَيْهِ وَقَالَ ابْن وَكِيع الملاطمة لَا تكون إِلَّا بَين أثنين فَلَو قَالَ مَعَ تدق تلطم لَكَانَ أحسن فِي الصِّنَاعَة وَأحسن من هَذَا قَول الْقَائِل
(حَرَامٌ عَلى أرْماحِنا طَعْنُ مُدْبِرٍ ... وتَنْدَقُ مِنها فِي الصُّدُورِ صُدورهُا)
٣١ - الْغَرِيب العقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير مَعْرُوف من الْجَوَارِح وَأَنت السَّحَاب الثَّانِي وَذكر الْأَخير الأول وَذَلِكَ أَن كل جمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء يجوز تذكيره وتأنيثه فَذكر الثَّانِي وَأَنت الأول أَخذ بالأمرين وَلَو قَالَ تَحْتَهُ لما تغير الْوَزْن وَيجوز أَن يكون التَّأْنِيث لجمع العقبان والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى أَنه جعل الطير الَّتِي تطير فَوق عسكره سحابا وَجعل جَيْشه سحابا لما فِيهِ من بريق الأسلحة وصب الدِّمَاء وَصَوت الْأَبْطَال وَجعل الْأَسْفَل يسْقِي الْأَعْلَى إغرابا فِي الصَّنْعَة شبه العقبان بسحب يظل الجيوش ويزحف تحتهَا سَحَاب يُرِيد الْجَيْش إِذا استسقت العقبان بِطَلَب الدَّم سقتها صوارمه لِأَنَّهَا تقتل الْأَعْدَاء فَتَشرب العقبان دِمَاء الْقَتْلَى هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا انْتهى كَلَامهمَا وتعنت قوم على أبي الطّيب مِمَّن هُوَ مقصر فِي معرفَة تدقيق الْمعَانِي بأمرين أَحدهمَا قَالَ إِن السَّحَاب لَا يسْقِي مَا فَوْقه وَالْآخر أَن الطير لَا تستقي وَإِنَّمَا تستطعم أما إسقاء السَّحَاب مَا فَوْقه فَهُوَ الَّذِي أغرب بِهِ فَإِنَّهُ لم يَجْعَل الْجَيْش سحابا فِي الْحَقِيقَة فَيمْتَنع إسقائه لما فَوْقه وَإِنَّمَا أَقَامَهُ مقَام السَّحَاب لِأَنَّهُ طبق الأَرْض لكثرته وتزاحمه وغطاها كَمَا يُغطي السَّحَاب السَّمَاء وَقد فعلت الْعَرَب ذَلِك فِي أشعارها وَلما جعله يَسْتَسْقِي فيسقي مَعَ أَن الطير لَا تصيب من الْقَتْلَى مَا تصيبه وَهِي فِي الجو وَإِذا كَانَت تهبط إِلَى الأَرْض حَتَّى تقع على الْقَتْلَى فالسحاب الساقي عَال عَلَيْهَا وَأما استسقاء الطير فجار على عَادَة الْعَرَب فِي أشعارها فِي اسْتِعْمَال هَذِه اللَّفْظَة تَعْظِيمًا لقدر المَاء كَقَوْل عَلْقَمَة بن عَبده
(وَفِي كُلّ حَىّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَة ... فَحَقّ لِشأسٍ مِنْ نَداَكَ ذَنُوبُ)
وَكَانَ ملك الشَّام قد أسر أَخَاهُ شأسأ فَبعث إِلَيْهِ بِهَذِهِ الأبيات يطْلب مِنْهُ أَن يفكه وأصل الذُّنُوب الدَّلْو الْعَظِيمَة إِذا كَانَ فِيهَا المَاء وَقد قَالَ رؤبة
стр. 1071
(يَا أُيها المَائحُ دَلْوي دُونكا ... إنّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحمَدُونكا)
وهما لم يستسقيا مَاء فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا أَحدهمَا إستطلق أَسِيرًا وَالْآخر طلب عَطاء كثيرا وَأما قَوْله فِي صُحْبَة الطير لحبشة فَهُوَ كثير فِي الأشعارهم قَالَ الأفوه الأودي
(وَتَرىَ الطَّيْرَ عَلى آثارِنا ... رَأيَ عَينٍ ثِقَةً أنْ سَمُّارُ)
مَعْنَاهُ تُعْطِي الْميرَة بِمَا تَجِد من لُحُوم الْقَتْلَى قَالَ النَّابِغَة
(إذَا مَا غَزَوْا بالجَيشِ حِلقَّ فوْقَهمْ ... عَصائِبُ طَيرٍ تَهْتَدي بِعَصائبِ)
وَقَالَ أَبُو نواس
(يَتَأيَّا الطَّيْرُ غَدْوتَهُ ... ثِقَةً بالشِّبَعِ مِنْ جَزَرِهْ)
وَبَيت أبي الطّيب مَنْقُول من قَول حبيب
(وَقَدْ ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أعْلامِهِ ضُحىً ... بِعِقْبان طَيرٍ فِي الدّماءِ نَوَاهِلِ)
(أقامَتْ مَعَ الرَّاياتِ حَتَّى كَأنَّها ... مِنْ الجَيْشِ إلَاّ أَّنها لمْ تُقاتِلِ)
٣٢ - الْغَرِيب المؤيدات القويات يُقَال أيدته قويته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿ذَا الأيد إِنَّه أواب﴾ يُرِيد الْقُوَّة الْمَعْنى يصف كَثْرَة مَا لَقِي من صروف الدَّهْر وتقلبه وشدته حَتَّى لَقِي سيف الدولة وَجعل عزمه مركوبا لَهُ لِأَنَّهُ لَا يُسَافر إِلَّا بعزمه وَلما جعله مركوبا جعل لَهُ ظهرا وقوائم وَجعلهَا مؤيدات قويات وَهَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة
٣٣ - الْإِعْرَاب نصب مهالك بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْكَلَام تَقْدِيره قطعت مهالك وَقد قَالَ قوم هِيَ بدل من صروف وَلَا يجوز ذَلِك لِأَنَّهَا لَيست من صروف الدَّهْر فِي شَيْء الْغَرِيب القوادم صُدُور ريش الْجنَاح من الطَّائِر أَربع فِي كل جنَاح الْمَعْنى يَقُول قطعت إِلَى لِقَاء سيف الدولة مهالك لَو قطعهَا الذِّئْب لما صحبته نَفسه لشدَّة الْخَوْف لِأَنَّهُ يَمُوت خوفًا فِيهَا والغراب لَو سلكها لم نصحبه قوادمه وَلم يقدر على الطيران وَخص الْغُرَاب وَالذِّئْب لِأَنَّهُمَا يألفان الْأَمْكِنَة الْبَعِيدَة عَن النَّاس وَإِذا كَانَا عاجزين عَن قطع هَذِه المهالك فغيرهما أعجز عَن قطعهَا
стр. 1072
- الْغَرِيب عبر النَّهر شطه والعائم السابح الْمَعْنى يَقُول أَبْصرت بَدْرًا إِذا طلع الْبَدْر لم ير تَحْتَهُ مثله فاستعار الرُّؤْيَة للبدر قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ لَا يرى الْبَدْر مثله على أَن يكون مثله فَاعِلا لَكَانَ جيدا وَالْمعْنَى يَقُول أَبْصرت من سيف الدولة فِي الْحسن والصباحة والطلاقة بَدْرًا لَا يرى بدر التَّمام مثله مَعَ اطِّلَاعه على الدُّنْيَا كلهَا وخاطبت مِنْهُ بحرا لَا يرى السابح فِيهِ ساحله يُرِيد بدر كرم وَمولى نعم يستعظم الْبَدْر أمره ويصغر دونه وَلَا يعْهَد مثله وَفِيه نظرا إِلَى قَول الشَّاعِر
(وَإنَّ منَّا أُناسا لَوْ أعانُهمُ ... دَهْرٌ رَأيْتَ بُحوُرا مَا لَها طَرَفُ)
وَقَول البحتري
(وَمَنْ يَرَ جَدْوَى يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ ... يَرَ البَحْرَ لمْ يَجْمَعَ جَنابَيْهِ ساحلٌ)
إِلَّا ان أَبَا الطّيب زَاد عَلَيْهِمَا بالبدر وجزالة اللَّفْظ
٣٥ - الْغَرِيب الطماطم جمع طمطم وَهُوَ الَّذِي لَا يفصح يُقَال رجل طمطم بِالْكَسْرِ إِذا كَانَ فِي لِسَانه عجمة لَا يفصح وطمطماني بِالضَّمِّ وطماطم وَقَالَ عنترة
(تأوى لَهُ قلص النعام كَمَا أوت ... حزق يَمَانِية لأعجم طمطم)
وَقَالَ كثير
(وَمُقَرَبَةٌ دُهْمٌ وَكُمْتٌ كَأَّنَها ... طَماطُم يُوفُونَ الوَقارَ عنادِلُ)
الْمَعْنى يَقُول لما رَأَيْت صِفَاته وَهِي كَثِيرَة جليلة غضِبت لكثرتها بِلَا واصف من شعرائه الَّذين يمدحونه لقصورهم عَن وصفهَا فَلَمَّا رَأَيْت الشُّعَرَاء مقصرين عَن وصفهَا فِي الْمَدْح جِئْت إِلَيْهِ ليعلم مَكَاني فِي الْمَدْح وَشبه مَا كَانَ مدح بِهِ الممدوح بالطماطم الَّتِي هِيَ أصوت لَا تفهم لأَنهم لَا يحسنون أَن يمدحوه وَلَا أَن يَأْتُوا بأوصافه على الاسْتقَامَة
٣٦ - الْغَرِيب يمت قصدت الْمَعْنى يَقُول كنت إِذا قصدت إِلَى الممدوح أَرضًا بعيدَة سريت لَيْلًا مُشْتَمِلًا بالظلام فَكَأَنِّي سر وَاللَّيْل كاتمه وَهَذَا مَنْقُول من قَول البحتري
(وَطَيَّكَ سِرا لَوْ تَكَلَّفَ طَيُّهُ ... دُجىَ اللِّيلِ عَنَّا لَمْ تَسَعُه ضَمائِرُهُ)
وَنَقله الصاحب بن عباد من قَول أبي الطّيب
стр. 1073
(تَجَشَّمْتُهُ وَاللَّيلُ وَحْفُ جَناحُه ... كأّنَي سِرٌ وَالظَّلامُ ضَمِيرُ)
وَنَقله البحتري من قَول قعنب
(سريا بِهِ وَاللَّيْل داج ظلامه ... فَكَانَ لنا قلبا وَكَانَ لَهُ سرا)
٣٧ - الْإِعْرَاب معلما حَال من الْمجد أَي أعلم بِهِ النَّاس وأظهره الْمَعْنى يَقُول إِن الشّرف ومعالي الْأُمُور أظهره للنَّاس وَحمله على قتل الْأَعْدَاء فَلَا يغمده الْمجد وَلَا يثلمه الضَّرْب لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة إِذْ لَو كَانَ سَيْفا من حَدِيد لثلمه الضَّرْب وَهَذَا من أحسن الْكَلَام
٣٨ - الْغَرِيب من روى الْملك بِفَتْح الْمِيم أَرَادَ الْخَلِيفَة وَمن رَوَاهُ بِضَم الْمِيم وَهُوَ أَكثر وروايتي عَن شَيْخي أَرَادَ المملكة والأغر الْأَبْيَض الْكَرِيم ونجاد السَّيْف حمائله والعاتق مَوضِع النجاد على كتف الرجل والعاتق يذكر وَيُؤَنث وقائم السَّيْف قَبضته الَّتِي تكون فِي يَد الضَّارِب بِهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ سيف يتقلده الْخَلِيفَة على إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فَهُوَ زين للخليفة نَاصِر لدين الله وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى هُوَ سيف على عاتق المملكة نجاده يتزين بِهِ الْملك فَهُوَ من الْملك فِي أرفع موَاضعه وَمن تأييد الله بالجد الَّذِي يمضيه فِيهِ فِي أَعلَى مواقعه وَإِذا كَانَ كَذَلِك اكتفه نَصره وساعدته أقداره فَحِينَئِذٍ يبلغ مُرَاده من أعدائه وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(لَقَدْ خابِ مَن أهْدَى سُويداء قلبِهِ ... لَحدْ سنانٍ فِي يَدِ اللهِ عامِلُهْ)
وَقد كَرَّرَه أَبُو الطّيب فِي سيف الدولة بقوله
(فأنْتَ حُسامُ المُلْكِ وَاللهُ ضارِبُ ... )
٣٩ - الْغَرِيب عبيده جمع عبد وَأكْثر الرِّوَايَات عباده وَعبيد مثل كلب وكليب وَهُوَ جمع عَزِيز وَقد جَاءَ فِي جمعه أعبد وَعباد وعبدان بِالضَّمِّ مثل تمر وتمران وعبدان بِالْكَسْرِ مثل جحشان وعبدان بِكَسْر أَوله وثانيه مشددا وعبداء ممدودا ومقصورا ومعبوداء بِالْمدِّ وَعبد أنْشد الْأَخْفَش ... ٠ أُنْسَبِ العَبْدَ إِلَى آبائِهِ ... أسْوَدَ الجِلْدَةِ مِنْ قَوْمٍ عَبَدْ)
فَهُوَ مثل سقف وسقف وَرهن وَرهن وَهُوَ جمع جيد وَله نَظَائِر والغنائم
стр. 1074
وَاحِدهَا غنيمَة وَهُوَ المَال الَّذِي يُؤْخَذ من الْكفَّار إِذا ظفر بهم وروى عتيدة بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا والعتيد الشَّيْء الْحَاضِر المهيأ والعتاد الْعدة والأهبة والآلة يُقَال أخذت لِلْأَمْرِ عتاده أَي آلَته الْمَعْنى يَقُول الْأَعْدَاء عبيد لَهُ لِأَنَّهُ يسببهم ويسترقهم وَيملك رقابهم يحاربونه وهم عبيده وَهُوَ يتعجب من هَذَا ويدخرون الْأَمْوَال وَهِي غَنَائِم لَهُ لانه يحويها بالإغارة عَلَيْهِم فَهِيَ غير ممتنعة عَلَيْهِ
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول هم يعدون الدَّهْر كَبِير الْأَمر عَظِيم الشَّأْن والدهر دونه لانه مُسْتَعْمل بِحَسب إِرَادَته تقرب لَهُ فِيهِ السَّعَادَة بغيته ويسهل عَلَيْهِ الإقبال فِيهِ رغبته ويستعظمون الْمَوْت وَهُوَ أعظم حَادث لِأَنَّهُ يطيعه فِي أعدائه فَهُوَ يدمر أعمارهم ويقلل عَددهمْ
٤١ - الغرب على اسْم سيف الدولة وَهُوَ فعيل أَصله عليو من عَلَوْت فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء وأدغمت الْيَاء فِي الْيَاء والعلي الشَّديد الرفيع الْمَعْنى يَقُول أنصفه الَّذِي سَمَّاهُ عليا بِمَا يسْتَحقّهُ من علو الْمنزلَة والرفعة لِأَنَّهُ عالي الْقدر وَقد ظلمه الَّذِي سَمَّاهُ سَيْفا لِأَن السَّيْف جماد لَا يعقل وَلَا يفعل مَا يَفْعَله هَذَا الممدوح لِأَن الجوامد لَا تُوصَف بِحسن وَلَا بقبيح وَلَا بمعقول وَإِنَّمَا هِيَ شخوص مرتبطة لَيْسَ عِنْدهَا نطق وَلَا عِبْرَة وَهَذَا يولي الْإِحْسَان ويبر الْأَهْل والإخوان ويحمي بقوته وهيبته الْبلدَانِ وَيخَاف بأسه كل سُلْطَان قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو اتّفق لَهُ أَن يَقُول سَمَّاهُ عليا لَكَانَ أشبه بآخر الْبَيْت وَهَذَا جَائِز حسن لِأَن الْمَفْعُول حذفه كثير من الْكَلَام
٤٢ - الْغَرِيب اللزبة وَاحِدَة اللزبات وَهِي الشدَّة يُقَال لزبة ولزبات أَي شدَّة وقحط قَالَ أَبُو الْفَتْح والواحدي نَقله مِنْهُ وَالْوَجْه أَن يُقَال لزبات بِفَتْح الزَّاي وَإِنَّمَا سكن الزَّاي ضَرُورَة وَلَيْسَ كَمَا ذكرا فقد قَالَ الْجَوْهَرِي فِي صحاحه أَصَابَتْهُم لزبه أَي شدَّة وقحط وَالْجمع لزبات بالتسكين لِأَنَّهُ صفة الْمَعْنى يَقُول هُوَ أفضل من السَّيْف فقد ينبو حد السَّيْف فَلَا يقطع وَمَكَارِم هَذَا الممدوح تذْهب شَدَائِد الزَّمَان وتقطعها عَن كل إِنْسَان فَلَا يشبه فعله فعل السَّيْف حَتَّى يُسمى باسمه فقد بَان لَهُ على السَّيْف فضل ظَاهر وَشرف بَين فاخر وانه يقصر عَنهُ ويتواضع دونه
стр. 1075
- ١ الْغَرِيب الإزماع الْعَزْم على الرحيل والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة والربا جمع ربوة وَخص الربادون غَيرهَا لِأَن الرَّوْضَة إِذا كَانَت على يفاع من الأَرْض كَانَت أحسن الْمَعْنى يَقُول أَيْن وَهُوَ سُؤال عَن مَكَان أَي أَي مَكَان عزمت عَلَيْهِ أَيهَا الْملك قَالَ الواحدي وَنحن وَنحن لَا عَيْش لنا إِلَّا بك فَإِذا فارقتنا لم نعش كنبات الرِّبَا لَا يبْقى إِلَّا بالغمام لِأَنَّهُ لَا شرب لَهُ إِلَّا من مَائه وَغير نَبَات الرِّبَا يُمكن أَن يجْرِي إِلَيْهِ المَاء وَهُوَ من قَول الآخر
(نَحْن زَهْرُ الرّبا وَجُودُكَ غَيْثٌ ... هَلْ بِغَيرِ الغُيُوثِ يُونِقُ زَهْرُ)
هَذَا كَلَامه وَهُوَ كَلَام أبي الْفَتْح نقلا وَالْمعْنَى يَقُول أَي أزمعت أَيهَا الْملك عَنَّا وَنحن الَّذين أظهر تهم نِعْمَتك إِظْهَار الْغَمَام لنبت الرِّبَا وَهُوَ من آنق النبت وَلِهَذَا ضرب الله بِهِ الْمثل فِي قَوْله ﴿كَمثل جنَّة بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وابل﴾ وَهُوَ مَعَ ذَلِك أقرب النبت موضعا من الْغَمَام وأشده افتقارا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يُقيم فِيهِ ويسرع الانسكاب عَنهُ وَلِهَذَا شبه أَبُو الطّيب حَاله بِهِ قَالَ ابْن وَكِيع أول هَذِه القصيدة سوء أدب لسؤاله ملكا جَلِيلًا بأين أزمعت وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول أبي فنن
(لَعَمْرُكَ إنَّني وَأبا عَليّ ... كَنَبْتِ الأرْضِ تَصْلِحُه السَّماءُ)
٢ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح اللَّام فِي لَهُ زَائِدَة وَله نَظَائِر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ردف لكم﴾ وَقَوله ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ وَقَول الشَّاعِر
(أرِيدُ لأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ... تُمَثَّلُ لي لَيْلى بِكُلّ سبيلِ)
يُرِيد أَن أنسى وَقَالَ ابْن ميادة
(وَمَلَّكْتَ مَا بَينَ العِرَاقِ وَيَثْرِبٍ ... مَلِكا أجارَ لِمسُلِمٍ وَمُعاهِدِ)
يُرِيد أَجَارَ مُسلما ومعاهدا وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿ردف لكم﴾ أَي ردفكم وَنصب قربك على الْمَفْعُول الثَّانِي يُقَال خَان الزَّمَان زيدا ملكه يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَلَا يجوز نَصبه على الظّرْف لِأَنَّهُ يصير ذما للمدوح وَإِقْرَار بِأَن الزَّمَان خَانَهُمْ فِي حَال اقترابهم مِنْهُ وَقيل أَرَادَ نَحن من ضايقه الزَّمَان فَحذف الرَّاجِع إِلَى الْمَوْصُول
стр. 1076
وَقَالَ ابْن فورجة الضَّمِير فِي لَهُ للزمان مَعْنَاهُ نَحن الَّذين ضايقهم الزَّمَان فِيك لنَفسِهِ ولأجله ليَكُون لَهُ دونهم كَمَا تَقول هم الَّذين رضيهم زيدا لَهُ أَي لنَفسِهِ وإلحاق اللَّام بالمفعول قبح جدا وَكَذَا قَالَ الْخَطِيب الْمَعْنى يَقُول نَحن الَّذين ضايقهم الزَّمَان فِيك فيبخل عَلَيْهِم بك فيحرمهم لقائك ويباعد بَينهم وَبَيْنك وتخونهم الْأَيَّام فِي الْقرب مِنْك يُشِير إِلَى أَن الزَّمَان يعشقه ويغار على قربه فَهُوَ يُرِيد أَن ينْفَرد بِهِ دون النَّاس وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول مُحَمَّد بن وهيب
(وَحارَبَنِي فيهِ رَيْبُ الزَّمانِ ... كَأنَّ الزَّمانَ لَهُ عاشِقُ)
٣ - الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَهُوَ الصُّلْح والإجذام الْإِسْرَاع فِي السّير قَالَ طرفَة
(أحَلْتُ عَلَيْها بالقَطِيعِ فأجْذَمَتْ ... وَقَدْ خَبَّ آلُ الأمْعَزِ المُتَوَقِّدِ)
والإجذام الإقلاع عَن الشَّيْء بِسُرْعَة قَالَ الرّبيع بن زِيَاد
(وَحرَّقَ قَيْسٌ عَليَّ البلادَ ... حَتَّى إذَا اضْطرَمَتْ أجْذَما)
وَقيس هَذَا هُوَ ابْن زُهَيْر الْعَبْسِي الْمَعْنى يَقُول كل فعالك فِي سَبِيل المكارم الْعَالِيَة إِن قَاتَلت أَو سالمت فَأَنت فِي طلاب العلياء وَأَنَّك لَا تألف من ذَلِك إِلَّا مَا شرف قدره وَظهر فَضله
٤ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي لَيْت أَنا مَعَك نحمل عَنْك الْمَشَقَّة فِي مسيرك ونزولك فِي سفرك هَذَا معنى الْبَيْت وَلكنه أَسَاءَ حَيْثُ تمنى أَن يكون بَهِيمَة وجمادا وَلَا يحسن بالشاعر أَن يمدح غَيره بِمَا هُوَ وضع مِنْهُ وَلَا يحسن أَن يَقُول لَيْتَني امْرَأَتك انْتهى كَلَامه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح طعن عَلَيْهِ قوم تعصبوا عَلَيْهِ فَقَالُوا الْخيام يَعْلُو من تحتهَا وَقد جعله دونهَا فَأجَاب عَنهُ نظما
(لَقَدْ نَسَبُوا الخيامَ إِلَى عَلاءِ ... )
وتلخيص الْمَعْنى ليتنا نقيك الْأَذَى ونتحمل عَنْك الردى وَالْمعْنَى لَيْت أَنِّي وَمن يتَّصل بِي نتحمل من موقرتك مَا تتحمله الْخَيل عِنْد رحيلك وننوب فِي صيانتك عَن الْخيام عِنْد إقامتك رَغْبَة فِي الشّرف بقربك وَالْقَضَاء لحقوق فضلك
٥ - الْمَعْنى يَقُول كل يَوْم لَك يحدث سفرا وَهُوَ دَلِيل على علو همتك وَفِي كل يَوْم لَك رحيل يُقيم فِيهِ الْمجد عنْدك لِأَنَّهُ يطْلب الْمجد وَلِأَن الْمجد مَعَك حَيْثُمَا كنت
стр. 1077
كَقَوْل الْأَزْدِيّ
(المَجْدُ صاحِبْكَ الَّذي حالفْتَه ... أبدا فَرَوْضَتهُ المريعةُ مَرْبَعكْ)
(فَإِذا رَحَلْتَ سرَيْتَ تحتَ ظِلالِهِ ... وَإذا رَتَعْتَ فَفِي ذُرَاهُ مَرْتَعُكْ)
وكقول حبيب
(كُلَّما زرْتُهُ وَجَدْتُ لَدَيْهِ ... نَشَبا ظاعِنا وَمجْداً مُقيما)
٦ - الْمَعْنى يَقُول إِذا عظمت الهمة وَكَبرت النَّفس تَعب الْجِسْم فِي طلب الْمَعَالِي من الْأُمُور وَلَا يرضى بالمنزلة الدنيئة فيطلب الرُّتْبَة الشَّرِيفَة كَقَوْل العتابي
(وَإنَّ عَلِيَّاتِ الأُمُورِ مَثُوبَةٌ ... بِمُسْتَوْدعاتٍ فِي بُطُونِ الأساوِدِ)
وَبَيت أبي الطّيب من كَلَام أرسطا طاليس إِذا كَانَت الشَّهْوَة فَوق الْقُدْرَة كَانَ هَلَاك الْجِسْم دون بُلُوغ الشَّهْوَة وَقَالَ ابْن وَكِيع لم يَأْخُذ من الْحَكِيم وَإِنَّمَا أَخذ من أهل صناعته فَأخذ قَوْله من قَول عبيد الله بن عبد الله بن طَاهِر
(فَقالُوا أَلا تَلْهُو لِتُدْرِكَ لَذَّةً ... فَقُلت وَكيْفَ اللَّهو وَالهمُّ حاجِزُ)
(وَنَفْسِي تُعاني أنْ تُقيِمَ مُروءَتي ... عَلى غايَتِي فِي المجْد وَالجَهدُ عاجِز)
وَمن قَول ابْن أبي زرْعَة
(أهْلُ مَجْدٍ لَا يَحْفِلونَ إذَانا ... لُوا جَسِيما أنْ تُنهَكَ الأجْسامُ)
وَمن قَول الحصني
(نَفْسِي مُوَكَّلَةٌ بِالمجْدِ تَطْلُبُه ... وَمَطْلب المجْدِ مَقْرونٌ بِه التَّلفُ)
وَمن قَول ابْن جَابر
(إذَا مَا عَلا المَرْءُ رَامَ العُلى ... وَيَقْنَعُ بِالدُّونِ مَنْ كانَ دُونا)
وَمن قَول حبيب
(فَعَلِمْنا أنْ لَيْس إِلَّا بِشِقَّ النَّفْفْس ... صَار الكَريِم يدْعَى كَرِيما)
(طَلَب المْجدِ يُورِث النَّفْس خَبْلاً ... وهموما تُقَضْقِضّ الحيزوما)
وَأخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فَقَالَ
(فَيامَنْ يَكُدُّ النَّفْس فِي طَلبِ العُلى ... إِذا كَبِرتْ نَفْسُ الفَتى طَال شُغْلُهُ)
стр. 1078
- الْغَرِيب البدور جمع بدر وَإِنَّمَا أَرَادَ بدر السَّمَاء وَهُوَ وَاحِد فَكَأَنَّهُ جعل بدر كل شهر على حياله بَدْرًا فَجمع لذَلِك الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك بدر وبحر فعادتك كعادتهما لِأَن الْبَدْر يطلع تَارَة ويغيب تَارَة وَالْبَحْر يموج ويضطرب ويتحرك وَكَذَا أَنْت تقلق فِي الْأَسْفَار كالبدور تطلع علينا سائرة وتبدو لأعيننا رَاحِلَة وَالْبَحْر يمد ويجزر ويضطرب فَبين بِهَذَا أَنه من عظم شَأْنه لَا يسْتَقرّ بِهِ مَوضِع
٨ - الْمَعْنى يَقُول لَو كلفنا غير فراقك عَنَّا لصبرنا صبرا جميلا كعادتنا مِنْهُ إِلَّا أَنا لَا طَاقَة لنا فِي بعْدك وَلَا طَاقَة لنا بِاحْتِمَال نواك كَقَوْل حبيب
(الصَّبْر يحْسُن فِي المَواطِنِ كُلِّها ... إلَاّ عَلَيْك فإنَّه مَذْمومُ)
وَكَقَوْلِه أَيْضا
(جَلِيدٌ عَلى خَطْبِ الأمُورِ إذَا التَوَت ... وَلِيْسَ عَلى عتْبِ الأخِلَاّءِ بالجَلدْ)
وكقول الآخر
(وَقَالَ أناسٌ لَوْ صبْرتَ وإنَّنِي ... عَلى كُلّ شيءٍ مَا خَلا البَيْنَ صابرُ)
٩ - الْإِعْرَاب قَامَت الْهَاء مقَام خبر كَانَ والأجود لَو قَالَ تكن إِيَّاهَا وَهُوَ كبيت
(دعِ الخَمْر يَشْرَبها الغُواة فإنَّني ... رأيْت أخاها مُغْنيا بِمَكانِها)
(فَإلَاّ يَكُنْها أوْ تكُنْهُ فإنَّهُ ... أخُوها غَذتهُ أمُّهُ بلِبانِها)
الْمَعْنى يُرِيد كل حَيَاة لم تطبها بقربك فَهِيَ موت وكل شمس ظلمَة إِذا لم تكن أَنْت الشَّمْس وَالْمعْنَى من كَانَت هَذِه حَاله فالصبر عَنهُ مَذْمُوم
١٠ - الْغَرِيب اللهام الْعَظِيم الَّذِي يلتهم كل شَيْء فيهلكه وَيذْهب بِهِ الْمَعْنى يَقُول أقِم عندنَا لتزول الوحشة عَنَّا يَا من بِهِ يأنس الْجَيْش لقوتهم بمكانه فيهم وَإِن كَثُرُوا فَإِنَّهُم يأنسون بِهِ ثِقَة بشجاعته ويعتد بِهِ أَكثر من اعتداده بجماعته
стр. 1079
- الْغَرِيب الوغى الْحَرْب وأصوات الْحَرْب يُقَال بِالْعينِ والغين والحاء والذمام الْعَهْد الْمَعْنى يَقُول وَالَّذِي يشْهد الْحَرْب غير مُضْطَرب الجأش كَأَن الْقِتَال عاهده أَن لَا يقتل فَهُوَ يسكن إِلَى الْقَتْل سكونه إِلَى الذمام فَهُوَ يحضرها ثَبت النَّفس غير حافل بشدتها وَهُوَ من قَول حبيب
(مُتَسَرّعِينَ إِلَى الحُتُوفِ كأنَّما ... بَينَ الحُتُوفِ وَبَيْنَهُمِ أرْحامُ)
وَمن قَول مُحَمَّد بن نواس
(يَتَبادَرونَ إِلَى الهِياجِ كَأنَّما ... بَدَرُوا إِلَى صِلةٍ مِن الأرْحامِ)
١٢ - الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل والفهاق جمع فهقة وَهِي الْعظم الَّذِي يكون على اللهاة وَهُوَ مركب الرَّأْس فِي الْعُنُق قَالَ الْأَصْمَعِي قَالَ قُرَّة بن خَالِد سُئِلَ عبد الله بن عتبي عَن المتفهقين فَنفخ وجافى يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ وَنفخ شدّ قيه قَالَ أَبُو حَاتِم أَصله من الفهقة وَهُوَ الَّذِي عقد عُنُقه تيها وكبرا والأقدام جمع قدم الْمَعْنى يَقُول وَالَّذِي يضْرب الجيوش بِسَيْفِهِ وَيقطع أَعْنَاقهم حَتَّى تتلاقى مَعَ الْأَقْدَام وَقيل الفهقة خرزة الْعُنُق الْمُتَّصِلَة بِالظّهْرِ وَسميت فهقة لأنما تفهق موضعهَا أَي تماؤه
١٣ - الْمَعْنى إِذا نزل سَاعَة بمَكَان صَار ذَلِك لَك الْمَكَان فِي ذمَّته فَلَا تنزل بِهِ الْحَوَادِث وَلَا يُصِيبهُ الزَّمَان بأذى من قحط وجدب وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة إِذا نزل بِبَلَد أجاره على الدَّهْر وكف عَنهُ صروفه وَحرم أَذَاهُ وَأمن ببركته الْمَكْرُوه
١٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَن السرُور والطرب يقيمان بذلك الْمَكَان لَا يفارقانه فَكَأَن السرُور نَبَات ذَلِك الْبَلَد لكثرته فِيهِ وَكَأن المدام سحابه لظُهُور فَرح أَهله بِهِ قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ وَالَّذِي ينْبت الْبِلَاد بهائر فَجمع بَين المشروب والمشموم لَكَانَ أحسن وَهُوَ من قَول البحتري
(وَيَوْمٍ بالمَطِيرَةِ أمْطَرَتْنَا ... سمَاءٌ صَوْبَ وَابِلهِا عُقارُ)
стр. 1080
- الْمَعْنى يُرِيد أَنه يبلغ فِي الْكَرم مَالا يرتقب الزِّيَادَة فِيهِ وَيفْعل مِنْهُ كل مَا تَنْتَهِي إِلَيْهِ الْمعرفَة فَإِذا قيل هَذَا غَايَة الْكَرم أبدع فِيهِ مَا لَا عهد لأحد بِمثلِهِ وَلَا يبلغهُ كريم بِجهْدِهِ وَلَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ الْكِرَام وَهُوَ من قَول البحتري
(طَلُوبٌ لأَقْصَى غايَةٍ بَعْدَ غايَةٍ ... إذَا قِيلَ يَوْما قَدْ تَناهَى تَزَايَداً)
١٦ - الْغَرِيب كع الرجل يكع بِكَسْر الْكَاف وَقد فتحهَا قوم وكع وكاع بِمَعْنى وَاحِد إِذا عجز عَن الشَّيْء والارتياح الاهتزاز للكرم الْمَعْنى يَقُول أرانا كفاحا تعجز عَنهُ الأعادي وينكصون على أَعْقَابهم مِنْهُ وارتياحا أَي اهتزاز للكرم تتحير مِنْهُ الْعُقُول وتعجز الْأَنَام عَنهُ
١٧ - الْمَعْنى يَقُول إِن فِي الْقُلُوب من هيبته مَا يَكْفِيهِ عَن السَّيْف وَمَا يشبه السَّيْف فِي نفاذه والشجاع يهابه ويخافه فَلَا يُقيم عَلَيْهِ فَإِذا لَا يحْتَاج إِلَى دفعهم بِالسَّيْفِ إِذْ هيبته تقوم فِي قُلُوبهم كالسيف قَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول أبي دلف
(وَيصُولُ الإمامُ فِي حَيْثما صالَ ... وَفي صَوْلَةِ الإمامِ الحِمامُ)
١٨ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن توقاه الشجاع وَحفظ مِنْهُ نَفسه فَذَاك مِنْهُ كثير والبليغ إِن أمكنه أَن يسلم عَلَيْهِ فَذَلِك غَايَة بلاغته وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لِأَن هيبته توجب أَن لَا ينْطق أحد بَين يَدَيْهِ وَقد ذهب قوم إِلَى أَن مُرَاده أَن الشجاع بكثر التوقي مِنْهُ لِأَنَّهُ يُشَاهد من الهيبة مَا يحملهُ على ذَلِك والبليغ يسلم تَسْلِيمًا بعد تَسْلِيم فيكثر السَّلَام لِأَنَّهُ لَا يقدر على غير وَالْأول أشبه
стр. 1081
- ١ الْغَرِيب الارتياح انبساط الْخلق بِالْمَعْرُوفِ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة أَنا مِنْك بَين فَضَائِل باهرة وَمَكَارِم شَامِلَة وَمن ارتياحك فِي سَحَاب لَا يقْلع وَعَطَاء لَا يقطع
٢ - الْغَرِيب الحالم النَّائِم حلم بِالْفَتْح يحلم فَهُوَ حالم إِذا رأى فِي مَنَامه شَيْئا وحلم بِضَم اللَّام من الْحلم وحلم الْأَدِيم بِالْكَسْرِ الْمَعْنى أَنْت عَظِيم الْقدر تحتقر الْأَشْيَاء الْعَظِيمَة فَإِذا رَأَيْت كَثْرَة مواهبك الَّتِي تحتقرها ظَنَنْت أَنِّي فِي نوم لِأَن الْعَادة لم تجر بذلك فِي الْيَقَظَة وَمَا فِي قَوْله فِيمَا ألاحظه نكرَة كَأَنَّهُ قَالَ فِي شَيْء ألاحظه بعيني حالم غير مُحَقّق ومتوهم غير مُصدق
٣ - الْإِعْرَاب الْهَاء فِي سيفها للدولة وَإِذا كَانَ الْمُخَاطب عَالما فالمضمر كالمظهر الْغَرِيب الِابْتِلَاء التجربة وَالِاخْتِيَار وَعين الشَّيْء حَقِيقَته والصارم الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِن الْخَلِيفَة لم يسمك سيف دولته إِلَّا بعد أَن جربك فوجدك صَارِمًا حَقِيقَة صَارِمًا لَا ينبو حدك وَلَا ينفل عزمك وَلَا يطْمع فِيهَا عَدوك
٤ - الْغَرِيب تتوج لبس التَّاج والخاتم بِكَسْر التَّاء وَفتحهَا وَقَرَأَ عَاصِم وَخَاتم النَّبِيين بِالْفَتْح الْمَعْنى يَقُول الْخَلِيفَة يتجمل بك كَمَا يتجمل بالتاج والخاتم وَالْمعْنَى أَنَّك أرفع حلية تاجه لِأَنَّك درته وَأجل مَا يشْتَمل عَلَيْهِ خَاتمه إِذا تختم لِأَنَّك فصه يُشِير إِلَى أَنه أرفع مَا يترفع بِهِ الْخَلِيفَة
٥ - الْغَرِيب الانتضاء التَّجْرِيد والإشهار والمعرك الْحَرْب وقائم السَّيْف مَا يكون فِي يَد الضَّارِب الْمَعْنى يَقُول إِذا جردك على عَدو هلك الْعَدو وَعجز عَن حملك لِأَنَّك أجل من أَن تكون سَيْفه وَالْمعْنَى إِذا جردك على أعدائه فِي معترك وعارضهم بك فِي موقف أهلك بنفاذك جمعهم وأذل باقتدارك عزهم وَضَاقَتْ كَفه عَن قَائِم سيف أَنْت حَقِيقَته وَقل هَذَا الْأَمر لقدرك وتواضع لجلالة أَمرك
٦ - الْمَعْنى يَقُول من شمر لوصف جودك عجز عَن كل وصفك كَمَا قَالَ
(وَكُلُّ مَنْ أبْدَعَ فِي وَصْفِهِ ... أصْبَح مَنْسُوبا إِلَى العْيّ)
وَمن كتم وصف جودك ضَاقَ ذرعه لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يصف جودك وَيعلم عَجزه فيضيق ذرعه لأجل ذَلِك فمحاول وَصفه لَا يبلغهُ ومحاول كتمه لَا يُمكنهُ لما تبين لَهُ مِنْهُ
стр. 1082
- ١ الْغَرِيب النسيب نسب الرجل بِالْمَرْأَةِ ينْسب بِالْكَسْرِ إِذا شَبَّبَ بهَا والتشبيب هُوَ الْغَزل وَهُوَ أول مَا يعْمل الشَّاعِر ثمَّ يَأْتِي بعده بالمدح الْمَعْنى يَقُول من عَادَة الشُّعَرَاء تَقْدِيم النّسَب فِي أشعارهم فَأنْكر أَبُو الطّيب هَذِه الْعَادة وَقَالَ أكل فصيح يَقُول الشّعْر هُوَ متيم بالحب حَتَّى يبْدَأ بالنسيب فَلَيْسَ الْأَمر على هَذَا فَلَا تمّ هَذِه الْعَادة يَقُول مَا كل فصيح عاشق وَلَا كل شَاعِر سلف متيم وَلَكِن آخِرهم فِي ذَلِك يَتْلُو أَوَّلهمْ حَتَّى كَانَ مَا يتو اصفونه من الْحبّ قد جَعَلُوهُ فَاتِحَة الشّعْر فَإِذا كَانَ هَذَا فوَاللَّه
٢ - الْغَرِيب ابْن عبد الله هُوَ عَليّ بن عبد الله بن حمدَان سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول حبه أولى من حب غَيره فَإِنَّهُ إِذا جرى الذّكر الْجَمِيل كَانَ هُوَ أَولا وآخرا فَلَا يذكر إِلَّا هُوَ وَإِذا كَانَ بِهَذِهِ الصّفة كَانَ أولى بالحب من النِّسَاء اللَّاتِي يشبب بِهن الشُّعَرَاء
٣ - الْإِعْرَاب سكن الْيَاء من الغواني ضَرُورَة وَأَرَادَ بِعظم عَنْهُم فَحذف لعلم
стр. 1083
الْغَرِيب طمح ببصره طماحا وطموحا إِذا أبعد الْبَصَر بنظره والغواني جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن الزِّينَة الْمَعْنى يَقُول كنت متيما بِالنسَاء وحبهن قبل أَن أتعرض للأمور الْعَالِيَة فَلَمَّا قصدتها تركهن وَقَوله إِلَى منظر يَعْنِي معالي الْأُمُور هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَقَالَ وَرِوَايَته على هَذَا التَّفْسِير وَأعظم أَي أَنا أعظم عَنهُ فَحذف لتقدم ذكره الخ قَالَ يَعْنِي بن جني جعل نَفسه تعظم عَن الْمَعَالِي وَأنكر ابْن فورجة تَفْسِيره وَرِوَايَته وَقَالَ الْمَعْنى كنت أَرغب فِي النِّسَاء قبل التقائي بِسيف الدولة فَلَمَّا نظرت إِلَيْهِ نظرت إِلَى منظر يصغر منظر هن عَنهُ ويعظم هَذَا المنظر عَن منظر هن لِأَنَّهُ ملك وسلطان وَهن لَهو وغزل اه وتلخيص الْمَعْنى أَنه يَقُول أَطَعْت الغواني فِي التشبيب بِهن قبل أَن يطمح بَصرِي إِلَى مملكة هَذَا الممدوح الَّتِي يقل حسنهنَّ عِنْدهَا ويصغر شأنهن عِنْد شَأْنهَا
٤ - الْغَرِيب التطبيق أَن يُصِيب الْمفصل فِي الضَّرْب والتصميم النَّفاذ فِي الْأَمر وَالضَّرْب وَسيف مطبق وَهُوَ الَّذِي إِذا أصَاب الْمفصل قطعه وَكَانَ مَاضِيا فِي الضريبة الْمَعْنى يَقُول أَتَى الدَّهْر عَن عرض فذلله بالتطبيق والتصميم وَلما جعله سَيْفا وَصفه بالتطبيق والتصميم وَجعله مَاضِيا فِي عزمه وإرادته وَأَنه لَا يعسر عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُ
٥ - الْغَرِيب الميسم الْحسن قَالَ الراجز
(لَوْ قُلْتُ مَا فِي قَوْمها لمْ تَيْثَمِ ... يَفْضُلها فِي حَسَب وَمَيْسمِ)
الْمَعْنى يَقُول حكمه جَائِز حَتَّى على الشَّمْس وَظهر حسنه حَتَّى على الْبَدْر أَي ظهر أَنه أحسن مِنْهُ قَالَ الواحدى قَالَ الْعَرُوضِي إِن جَازَ أَخذ الميسم من الوسامة فَأَخذه من الوسم أولى ليَكُون الْمَعْنى مُوَافقا للمصراع الأول يُرِيد أَن كل شَيْء موسم بَان أَنه لَهُ وَتَحْت قهره حَتَّى الْبَدْر وَأَشَارَ بالميسم إِلَى مَا فِي وَجهه من السوَاد الَّذِي هُوَ كأثر المحو قَالَ ابْن الإفليلى أَرَادَ الْبَدْر وَالشَّمْس وَالْعرب تفعل مثل ذَلِك تذكر وَاحِدًا وتريد ضِدّه أَو صَاحبه
٦ - الْغَرِيب العدا جمع عَدو والحليف الصاحب وَهُوَ الَّذِي يحالف الْقَوْم ليمنعوه من عدوه على رِوَايَة من روى بِالْحَاء الْمُهْملَة وَلَيْسَت بِشَيْء وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة بِالْحَاء
стр. 1084
الْمُعْجَمَة وَهُوَ جمع خَليفَة تَقول خَليفَة وخلفاء وخلائف جَاءُوا بِهِ على الأَصْل مثل كَرِيمَة وكرائم وَقَالُوا خلفاء مَعَ أَن فِيهِ الْهَاء وفعيلة بِالْهَاءِ لَا تجمع على فعلاء لِأَنَّهُ لَا يَقع إِلَّا على مُذَكّر فجمعوه على إِسْقَاط الْهَاء فَصَارَ مثل ظريف وظرفاء الْمَعْنى يُشِير بِهَذَا إِلَى أَن تصرف أعَاد بِهِ فِي الْبِلَاد بأَمْره فَإِن أعرض عَنْهُم اسْتَمْتعُوا بِالْبَقَاءِ فِيهَا وَإِن عزلهم سلمُوا إِلَيْهِ بِالْخرُوجِ فَجعل أعاديه من الرّوم وَغَيرهم خلفاءه فِي بِلَادهمْ وعماله فِي قواعدهم فهم عاجزون عَن التَّعَرُّض لحربه
٧ - الْغَرِيب المشرفية السيوف تنْسب إِلَى مَوضِع تطبع فِيهِ السيوف وَهِي المشارف وَالْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والعرمرم الْكثير الْمَعْنى يَقُول لَا يُرْسل إِلَى أحد رَسُولا إِلَّا الْجَيْش الْكثير وَلَا كتابا إِلَّا بِالسَّيْفِ وَلَا يَسْتَدْعِي مِنْهُم حَاجَة برَسُول وَلَا كتاب لَكِن يبْعَث إِلَيْهِم الْجَيْش يَعْنِي من اقتداره عَلَيْهِم لَا كتب يبعثها وَلَا رسل يوجهها نحوهم غير جيوشه فهم يتصرفون على حكمه عاجزون عَن الْمُخَالفَة لأَمره وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(السَّيْفُ أصْدَقُ أنْباءً مِنَ الكُتُبِ ... فِي حدّهِ الحَدُّ بَينَ الجدّ وَاللعِبِ)
٨ - الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَن عَظِيم ملكه وَمَا ظهر من عُمُوم فَضله لم يخل من نَصره أحد لَهُ يَد يبطش بهَا لوقوف جَمِيع النَّاس عِنْد أمره ووقوعهم تَحت طَاعَته وَلم يخل من شكره أحد لَهُ فَم ينْطق بِهِ لما شملهم من إحسانه وأحاط بهم من إنعامه فَبين بِهَذَا أَن طَاعَة الْجَمِيع لَهُ طَاعَة وداد ومحبة لَا طَاعَة استكراه وَغَلَبَة
٩ - الْغَرِيب الدِّينَار أَصله دنار بِالتَّشْدِيدِ فأبدل من أحد حرفي تضيعفه يَاء لِئَلَّا يلتبس بالمصادر الَّتِي تَجِيء على فعال كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا﴾ إِلَّا أَن يكون بِالْهَاءِ فَيخرج عَن أَصله كالدنامه والصنارة والمنبر أَصله من نبرت الشَّيْء رفعته ونبرة الْمَعْنى رفع صَوته عَن خفض الْمَعْنى يَقُول عَمت مَمْلَكَته الدُّنْيَا فَلم يخل مِنْبَر إِلَّا واسْمه مَذْكُور فِيهِ لِأَن الْبِلَاد تَحت ولَايَته يخْطب على منابرها بِلُزُوم طَاعَته وَلم يخل دِينَار وَلَا دِرْهَم من اسْمه لِأَن دنانيرها ودراهمها مَضْرُوبَة باسمه مسكوكة بِذكرِهِ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى عظم مَمْلَكَته وَأَن الْآفَاق تَحت ولَايَته مطيعة لأَمره وَنَهْيه
стр. 1085
- الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ستر الْغُبَار نور الشَّمْس فأظلم مَا بَين الشجاعين قبصره ثَابت لم يمنعهُ الظلام صِحَة النّظر قَالَ وَيجوز أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا قد وَقع فِي أَمر عَظِيم وَمن شَأْن النَّاس أَن يَقُولُوا أظلمت الدُّنْيَا بيني وَبَين فلَان إِذا كَلمه بكلمه يشق عَلَيْهِ وَإِن لم يكن ثمَّ ظلام انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَنه شَدِيد الضَّرْب رابط الجأش إِذا التقى الشجاعان وضاق مَا بَينهمَا بتجلد الْأَبْطَال وتقارب مَا بَين الأقران وَأَنه بَصِير إِذا أظلم مَا بَين الشجاعين بتمثل الْمَوْت لَهما وتيقن الْمنية عِنْدهمَا فهنالك يثبت نظره لقُوَّة نَفسه وَلَا يشخص بَصَره لتمكن بأسه وَهَذَا مُبَالغَة فِي الشجَاعَة
١١ - الْغَرِيب نُجُوم الْقَذْف هِيَ الَّتِي تقذف بهَا الشَّيَاطِين قَالَ الله تَعَالَى ﴿ويقذفون من كل جَانب دحورا﴾ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى خيله تبارى تِلْكَ النُّجُوم الَّتِي تنقض فِي السرعة وَجعلهَا نجوما لِأَنَّهَا تتلألأ فِي الظلام ببريق الْحَدِيد وَأَنَّهَا تستغرق الأَرْض بسيرها فَهِيَ تسير فِي الأَرْض كَمَا تسير الْكَوَاكِب فِي السَّمَاء انْتهى كَلَامهمَا والورد الْفرس الْأَحْمَر والأدهم مَعْرُوف وَالْمعْنَى أَن خيله سريعة السّير كسرعة النُّجُوم وفيهن الْورْد والأدهم
١٢ - الْغَرِيب الْقَصْد قطع الرماح إِذا انْكَسَرت الْوَاحِدَة قصدة والمران الرماح سميت بذلك لمرانتها أَي للينها الْمَعْنى يَقُول خيله يطأن من الْأَبْطَال الْأَعْدَاء من لَا حملنه وَمَا تكسر من الرماح الَّتِي لَا تقوم بعد كسرهَا وَالْمعْنَى أَن خيله يطأن من الْأَبْطَال المقتولين فِي وقائعه من لَا جعلهَا الله أَن تحمله بِأَن يصير فِي رِجَاله ويئول إِلَى آماله ويطأن فِي تِلْكَ الوقائع من قطع الرماح مَا تقوس فَلَا يُمكن تقويمه وتكسر فَلَا يحاول تعديله وَهُوَ من قَول الْحصين بن الْحمام المرى
(يَطَأْنَ مِنْ القَتْلَى وَمَنْ قِصَدِ القَنا ... خياراً فَما يَجرِينَ إلَاّ تَجشمُّا)
١٣ - الْغَرِيب السيدان جمع سيد وَهُوَ الذِّئْب وَهُوَ مِمَّا جَاءَ على فعل وفعلان نَحْو قنو وقنوان وَالْعَسَل جمع عاسل من عسلان الذِّئْب وَهُوَ الْإِسْرَاع والنينان جمع نون وَهُوَ الْحُوت وَنون ونينان كحوت وحيتان وعوم جمع عائم وَهُوَ السابح كصائم وَصَوْم
стр. 1086
الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله عَمت الْبر وَالْبَحْر فَهِيَ تعدو مَعَ الذئاب فِي الْبر وتعوم مَعَ الْحيتَان فِي المَاء فَهِيَ تَارَة تقطع الْبر وَتارَة تعوم فِي الْبَحْر وَالْمعْنَى لِكَثْرَة غَزَوَاته واتصال غاراته تقطع خيله الفلوات نَحْو أعاديه عسلا مَعَ الذئاب الَّتِي مستقرها الفلوات وتعبر الْأَنْهَار نحوهم عائمة مَعَ الْحيتَان الَّتِي موضعهَا المَاء
١٤ - الْإِعْرَاب الواد حذف الْيَاء وَاسْتغْنى بالكسرة عَنْهَا كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى الْكسَائي وَاد النَّمْل بِغَيْر يَاء فِي الْوَقْف وكقراءة ابْن عَامر والكوفيين يناد المناد بِغَيْر يَاء فِي الْحَالين الْغَرِيب كمن جمع كامن تَقول كمن كمونا إِذا اختفى وَمِنْه الكمين فِي الْحَرْب والعقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير من الْجَوَارِح والنيق أَعلَى الْجَبَل والحوم جمع حائم من حوام الطير وَهُوَ دورانها الْمَعْنى يَقُول خيله كمن مَعَ الغزلان فِي الأودية الَّتِي فِيهَا كناسها أَو تقتحم على الْأَعْدَاء رُءُوس الْجبَال مَعَ العقبان الَّتِي فِيهَا وكورها وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن سيف الدولة لقُوَّة عَزَائِمه ونفاذه فِي مقاصده قد اسْتَوَى عِنْد خيله وفرسان جَيْشه الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر فَلَا يبعد عَنهُ مطلب وَلَا يمْتَنع عَلَيْهِ مَوضِع
١٥ - الْغَرِيب الوشيج عروق القنا ثمَّ صَار اسْما لَهُ ولباتهن جمع لبه وَهِي مَا فَوق النَّحْر الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي فَإِنَّهُ للوشيج على رِوَايَة من فتح الطَّاء وَمن كسرهَا فَالضَّمِير لسيف الدولة أَي يكسر الرماح بخيله طاعنة وَفِي صُدُور خيل عدوه مطعونة الْمَعْنى يَقُول إِذا جلب النَّاس القنا على سَبِيل الْجمع لَهَا وَحملُوهَا على طَرِيق التزين بهَا فَإِن السَّيْف الدولة فِي نحور الْخَيل يكسرها وبوقائعه يفتها ويحطمها
١٦ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة باسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ القافية الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَيذكر وَيُؤَنث والحجا الْعقل واللها العطايا الْوَاحِدَة لهاة والمعلم هُوَ الَّذِي يعلم نَفسه بعلامة عِنْد الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَيْهِ عرفت أَنه أهل لهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْصُوف بهَا يحارب إِذا رأى الْخَيْر فِي الْحَرْب ويسالم إِذا رأى السّلم خيرا من الْحَرْب وبعرف بِوَجْهِهِ أَنه عَاقل جواد مَحْمُود ماجد فَهُوَ معلم بِجَمَال نَفسه ووفور عقله وجلالة مجده وَإِجْمَاع النَّاس على حَمده وَأَن هَذِه الْجَلالَة شيمته فِي سلمه وحربه ومفرد بهَا من بَين أَبنَاء دهره
стр. 1087
- الْغَرِيب يوده يُحِبهُ وَيُقَال رجل منجم ونجام الْمَعْنى يَقُول من لَا يوده يقر بفضله وَلَا يَدْفَعهُ لبيانه وَمن لَا ينجم يقْضى لَهُ بالسعد وَلَا يُنكره لاتصاله فلظهوره ووضوحه لَا يُنكر فَضله ولظهور آثَار السَّعَادَة عَلَيْهِ يحكم لَهُ بالسعادة من لَا يعرف أَحْكَام النُّجُوم من السَّعَادَة والنحوسة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر
(والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ ... )
١٨ - الْغَرِيب عَاد وجرهم قبيلتان كَانُوا فِي أول الزَّمَان وانقرضوا الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح أَجَارَ على الْأَيَّام بكفه حوادثها وإنصافه مِنْهَا بانقاذه من مكارهها حَتَّى حسبت هَاتين القبيلتين ستطالبانه بِالرَّدِّ لَهما على طول الْعَهْد مَا انصرم عَلَيْهِمَا من تقادم الدَّهْر وَأَن سعادته إِذا قربت مَا كَانَ يبعد وسهلت مَا كَانَ يعسر فَمَا تمكن لَهُ من ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ أَن يطْلب بِمَا لَا يُمكن فعله وَيسْأل مَا يمْتَنع مثله
١٩ - الْمَعْنى إِنَّمَا قَالَ للريح ضلالا لِأَنَّهَا آذتهم فِي طريقهم وَلما حَكَاهُ السَّيْل بالجود إدعاله قَالَ ابْن فورجة أَرَادَ الدُّعَاء على الرّيح لضررها وَالدُّعَاء للمطر لنفعه وَهَذَا مُطَابقَة من حَيْثُ الْمَعْنى
٢٠ - الْإِعْرَاب فيخبره نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْغَرِيب الوبل أَشد الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول هلا سَأَلَ الْمَطَر الَّذِي قصد أَن يصرفنا عَن وجهنا بسكبه واعترضنا فِي طريقنا بسيله كاشفا عَن أَمر سيف الدولة ومستفهما عَن حَاله فيخبره الْحَدِيد الَّذِي ثلمته وقائعه وكسرته بالجلادة كتائبه فيعلمه بِأَنَّهُ لَا ترد عَزَائِمه وَلَا تواجه بالاعتراض مطالبه وَهُوَ مِمَّن لَا يثنى بالحديد فَكيف بالمطر كَقَوْلِه
(فَأهْوَنُ مَا تَمُرُّ بهِ الوُحُولُ ... )
٢١ - الْغَرِيب بصوبه بِمَا يصوب بِهِ وَهُوَ المَاء وَفُلَان أَعلَى كَعْبًا من فلَان أرفع من صَاحبه قدرا وَأَصله فِي المصارعين لِأَن كَعْب الْغَالِب أَعلَى من كَعْب المغلوب ثمَّ اسْتعْمل فِي كَون الْإِنْسَان أرفع قدرا من صَاحبه وَإِن لم يكن ثمَّ صراع
стр. 1088
الْمَعْنى لما تلقاك السَّحَاب بالمطر استقبله من هُوَ أبين مِنْهُ شرفا وَأظْهر كرما يُرِيد لما اعترضك فِي طريقك سكبه تَلقاهُ مِنْك من يعلوه برفعته ويزري عَلَيْهِ بكرم رَاحَته
٢٢ - الْمَعْنى فباشر وَجها طالما بَاشر القنا فَلم تصبه مباشرتها وبل ثيابًا طالما بلها الدِّمَاء وَلم يثنه بللها فَكيف يهاب وَقع الْمَطَر من لَا يهاب وَقع الرماح ويتألم من المَاء من لَا يتألم من الدِّمَاء
٢٣ - الْغَرِيب تلاك تبعك وَالشَّام إقليم مَعْرُوف من غَزَّة إِلَى الْفُرَات طوله عشرُون يَوْمًا الْمَعْنى يَقُول أَنْت غيث حاذق بالصب والسكب فِي الْجُود فتبعك السَّحَاب ليتعلم مِنْك والغيث بعضه يتبع بَعْضًا وَأَنت فِي الْجُود وَهُوَ متعلم فَلهَذَا تبعك ليتعلم
٢٤ - الْغَرِيب جشمه كلفه جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته تجشما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَمِنْه
(فَمَهْما تُجَشِّمْني فَإنّيَ جاشِمُ ... )
الْمَعْنى يَقُول زار مَعَك الْغَيْث قبر والدتك وكلفه الشوق مَا كلفك من الْمسير نَحْوهَا فَكَأَنَّهُ يشتاقها كَمَا تشتاقها أَنْت فأسعدك قَاضِيا لحقك وتبعك مُعظما لقدرك وَعلم أَن أمك تلْزم السحائب زيارتها ويحق عَلَيْهَا كرامتها
٢٥ - الْإِعْرَاب من نصب الذؤابة جعله كالضارب الرجل فأعمل اسْم الْفَاعِل وَمن جرها جعله كالحسن الْوَجْه الْغَرِيب الذؤابة الضفيرة من شعر الرَّأْس هَذَا هُوَ الأَصْل وسمى مَا سدل من الْعِمَامَة بذلك وَهَذَا مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب الْمَعْنى يَقُول لما عرضت الْجَيْش وتصفحته كَانَ بهاؤه على عظم شَأْنه وتكاثر شجعانه على الْفَارِس المعتم بَين جمَاعَة المتجففين المرخى ذؤابة عمَامَته من بَين سَائِر المغتفرين وَهُوَ زِيّ أَمِير الْعَرَب فِي الْحَرْب وَأَشَارَ بذلك إِلَى سيف الدولة
٢٦ - الْغَرِيب التجافيف من كَلَام الْعَرَب الفصيح الْوَاحِد تجفاف وَهُوَ ضرب من السِّلَاح يلْبسهُ الرِّجَال وَالْخَيْل والطود الْجَبَل والأيهم الَّذِي لَا يَهْتَدِي بِهِ يُقَال برأيهم وفلاة يهماء
стр. 1089
الْمَعْنى أَنه جعل كَثْرَة التجافيف حوله بحرا مائجا وَجعل خيله الَّتِي تسير بِهَذِهِ التجافيف طودا وَالْمعْنَى أَن حوله من بريق الأسلحة ولمعان التجافيف مَا يشبه الْبَحْر بكثرته ويحكيه ببريق جملَته وَيُشِير بذلك إِلَى موكب من خيله
٢٧ - الْغَرِيب الأقتار جمع قتر وَهُوَ النَّاحِيَة من الأَرْض وَهِي مثل الأقطار وَهِي النواحي قتر وقطر والأشتات المتفرقة الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح يُحِيط خيله بالجبال وَهِي كالجبل فَكَأَن جَيْشه يؤلف بَينهَا لسعته وكثافته كَقَوْل النَّابِغَة
(تَغِببُ الشَّوَاهِق فِي جَيْشِهِ ... وَتَبْدُو صِغاراً إذَا لمْ تَغِبْ)
وَقَالَ الواحدي عَم الأَرْض بخيله ونظم بِعُمُومِهِ متفرق الْجبَال ونواحي الأَرْض وَقَالَ ابْن الإفليلى الأقتار الْغُبَار يُشِير إِلَى أَن هَذَا الْجَيْش يسحق الْجبَال بكثرته ويحطمها بعظمه فيستوى الرهج فِي السهل والوعر وَفِي الصلب والرخو ويشتمل العجاج على الْجبَال حَتَّى تصبر كَأَنَّهَا فِي ذَلِك العجاج منتظمة وَبِمَا عشيها من الْجَيْش مُتَّصِلَة كَقَوْل النَّابِغَة
(جَيْشٌ يَظَلُّ بِه الْفَضاء مُعَطَّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كَأَّنهُنَّ صَحارِ)
٢٨ - الْإِعْرَاب وكل فَتى عطفه على قَوْله حواليه بَحر أَي وحواليه كل فَتى فَهُوَ ابْتِدَاء الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهِي أَطْرَاف الرماح الْمَعْنى يُرِيد وَحَوله كل فَتى قد خدد بِهِ الْحَرْب ووسمه الطعْن وَالضَّرْب فَفِي جَبينه للسيوف آثَار مستطيلة تشبه السطر وللأسنة فِيهِ نكت مجتمعة تشبه الْعَجم وَأَشَارَ باعتماد الْجراح لوجههم إِلَى شجاعتهم وبأسهم وإقدامهم وَجعل ضرب السَّيْف كالسطر لطوله وَطعن الرماح إعجاما لذَلِك السطر وَهُوَ النقط وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(كَتَبْتَ أوْجُههُم مَشْقا وَنَمْنَمْةً ... ضَرْبا وَطَعْنا يَفُلُّ الهَامَ وَالصّلفا)
(كِتابَةً لَا تَنِي مَقْرُوءَة أبَداً ... وَما خَطَطْتَ بِها لاما وَلا ألفَا)
٢٩ - الْإِعْرَاب يُرِيد وَيفتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ من بَاب علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي سقيتها مَاء بَارِدًا وَيُرِيد يمد يَدَيْهِ مِنْهُ فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب المفاضة الدرْع الواسعة والضيغم الْأسد والتريكة الْبَيْضَة تَشْبِيها بالتريكة وَهِي بَيْضَة النعامة إِذا انفلقت وَخرج الْفرج فَتركت والأرقم ضرب من
стр. 1090
الْحَيَّات وَجمعه أراقم وَسمي بذلك لنقش على ظَهره الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الفتيان الَّذين حوله كلهم أَسد فِي شدته وأرقم فِي بسالته يمد فِي درعه يَدي أَسد قُوَّة وَشدَّة وَيفتح من تَحت تركته عينا أَرقم إقداما وشجاعة يُشِير إِلَى أَنهم شجعان لَا يقدرهم أحد
٣٠ - الْغَرِيب رايات جمع راية وَهِي الْعلم الَّذِي يكون مَعَ الْجَيْش لكل قوم علم يعْرفُونَ بِهِ والمسمم الَّذِي سقى السم وشعارها الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ وَقت الْحَرْب وَهُوَ كَلَام اصْطَلحُوا عَلَيْهِ وَأَرَادَ هَهُنَا بالشعار لبسهَا الْمَعْنى يُرِيد كأجناس الْخَيل جَمِيع مَا مَعهَا من الرَّايَات وَالسِّلَاح على اخْتِلَاف أجناسها من السود والشهب وَسَائِر الألوان كأجناسها فِي الْفضل وَالْكَرم أَجنَاس راياتها المؤيدة وشعارها المنصورة وَمَا لبسته من سلاحها الشاك وَحَمَلته من حديدها الصَّقِيل المحسن
٣١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أدبها وإليها وتفهم للخيل وَالضَّمِير فِي طرفه لِلْقِتَالِ وَقيل لفارسها وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَن الْخَيل لما ذكرت لابد لَهَا من رَاكب الْمَعْنى قَالَ الواحدى خيله مؤدبة بطول قوده إِيَّاهَا إِلَى الْقِتَال حَتَّى أَنَّهَا تفهم الْإِشَارَة إِلَيْهَا من بعيد وَقَالَ ابْن الإفليلى أدب هَذِه الْخَيل طول ممارستها الْقِتَال والتقلب فِي شَدَائِد الْحَرْب ففارسها يُشِير إِلَيْهَا من بِعَبْد فتفهم ويومئ إِلَيْهَا بِمَا يُرِيد فتفعل
٣٢ - الْغَرِيب الْوَحْي الصَّوْت الْخَفي الْمَعْنى يَقُول الْخَيل من أدبها وَكَثْرَة مَا لاقت من الحروب تجيبه بِفعل من غير أَن تسمع الصَّوْت ويسمعها بِالْإِشَارَةِ بطرفه من غير أَن يتَكَلَّم وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(هَلْ تَذكرِينَ إِذا الرّكابُ مُناخَةٌ ... بِرِحالِها لِوَدَاعِ أهْلِ الموْسِمِ)
(إذْ نَحْنُ تخبِرُنا الحَوَاجِبُ بَيْنَنا ... مَا فِي النُّفُوسِ وَنحنُ لمْ نَتَكَلَّمِ)
٣٣ - الْغَرِيب التجانف الْميل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا﴾ أَي ميلًا وميا فارقين بَلْدَة من أَعمال ديار بكر وَلها رستاق كَبِير وَهِي صَغِيرَة الْمَعْنى يَقُول للممدوح تميل خيلك عَن ميافارقين لِأَن فِيهَا قبر والدته
следующие страницы →