Полный текст (1 424 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله عَمت الْبر وَالْبَحْر فَهِيَ تعدو مَعَ الذئاب فِي الْبر وتعوم مَعَ الْحيتَان فِي المَاء فَهِيَ تَارَة تقطع الْبر وَتارَة تعوم فِي الْبَحْر وَالْمعْنَى لِكَثْرَة غَزَوَاته واتصال غاراته تقطع خيله الفلوات نَحْو أعاديه عسلا مَعَ الذئاب الَّتِي مستقرها الفلوات وتعبر الْأَنْهَار نحوهم عائمة مَعَ الْحيتَان الَّتِي موضعهَا المَاء
١٤ - الْإِعْرَاب الواد حذف الْيَاء وَاسْتغْنى بالكسرة عَنْهَا كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى الْكسَائي وَاد النَّمْل بِغَيْر يَاء فِي الْوَقْف وكقراءة ابْن عَامر والكوفيين يناد المناد بِغَيْر يَاء فِي الْحَالين الْغَرِيب كمن جمع كامن تَقول كمن كمونا إِذا اختفى وَمِنْه الكمين فِي الْحَرْب والعقبان جمع عِقَاب وَهُوَ طَائِر كَبِير من الْجَوَارِح والنيق أَعلَى الْجَبَل والحوم جمع حائم من حوام الطير وَهُوَ دورانها الْمَعْنى يَقُول خيله كمن مَعَ الغزلان فِي الأودية الَّتِي فِيهَا كناسها أَو تقتحم على الْأَعْدَاء رُءُوس الْجبَال مَعَ العقبان الَّتِي فِيهَا وكورها وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن سيف الدولة لقُوَّة عَزَائِمه ونفاذه فِي مقاصده قد اسْتَوَى عِنْد خيله وفرسان جَيْشه الْبر وَالْبَحْر والسهل والوعر فَلَا يبعد عَنهُ مطلب وَلَا يمْتَنع عَلَيْهِ مَوضِع
١٥ - الْغَرِيب الوشيج عروق القنا ثمَّ صَار اسْما لَهُ ولباتهن جمع لبه وَهِي مَا فَوق النَّحْر الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي فَإِنَّهُ للوشيج على رِوَايَة من فتح الطَّاء وَمن كسرهَا فَالضَّمِير لسيف الدولة أَي يكسر الرماح بخيله طاعنة وَفِي صُدُور خيل عدوه مطعونة الْمَعْنى يَقُول إِذا جلب النَّاس القنا على سَبِيل الْجمع لَهَا وَحملُوهَا على طَرِيق التزين بهَا فَإِن السَّيْف الدولة فِي نحور الْخَيل يكسرها وبوقائعه يفتها ويحطمها
١٦ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة باسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ القافية الْغَرِيب السّلم ضد الْحَرْب وَيذكر وَيُؤَنث والحجا الْعقل واللها العطايا الْوَاحِدَة لهاة والمعلم هُوَ الَّذِي يعلم نَفسه بعلامة عِنْد الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَيْهِ عرفت أَنه أهل لهَذِهِ الْأَشْيَاء مَوْصُوف بهَا يحارب إِذا رأى الْخَيْر فِي الْحَرْب ويسالم إِذا رأى السّلم خيرا من الْحَرْب وبعرف بِوَجْهِهِ أَنه عَاقل جواد مَحْمُود ماجد فَهُوَ معلم بِجَمَال نَفسه ووفور عقله وجلالة مجده وَإِجْمَاع النَّاس على حَمده وَأَن هَذِه الْجَلالَة شيمته فِي سلمه وحربه ومفرد بهَا من بَين أَبنَاء دهره
стр. 1087
- الْغَرِيب يوده يُحِبهُ وَيُقَال رجل منجم ونجام الْمَعْنى يَقُول من لَا يوده يقر بفضله وَلَا يَدْفَعهُ لبيانه وَمن لَا ينجم يقْضى لَهُ بالسعد وَلَا يُنكره لاتصاله فلظهوره ووضوحه لَا يُنكر فَضله ولظهور آثَار السَّعَادَة عَلَيْهِ يحكم لَهُ بالسعادة من لَا يعرف أَحْكَام النُّجُوم من السَّعَادَة والنحوسة وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الآخر
(والفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الأعْدَاءُ ... )
١٨ - الْغَرِيب عَاد وجرهم قبيلتان كَانُوا فِي أول الزَّمَان وانقرضوا الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح أَجَارَ على الْأَيَّام بكفه حوادثها وإنصافه مِنْهَا بانقاذه من مكارهها حَتَّى حسبت هَاتين القبيلتين ستطالبانه بِالرَّدِّ لَهما على طول الْعَهْد مَا انصرم عَلَيْهِمَا من تقادم الدَّهْر وَأَن سعادته إِذا قربت مَا كَانَ يبعد وسهلت مَا كَانَ يعسر فَمَا تمكن لَهُ من ذَلِك يُوجب عَلَيْهِ أَن يطْلب بِمَا لَا يُمكن فعله وَيسْأل مَا يمْتَنع مثله
١٩ - الْمَعْنى إِنَّمَا قَالَ للريح ضلالا لِأَنَّهَا آذتهم فِي طريقهم وَلما حَكَاهُ السَّيْل بالجود إدعاله قَالَ ابْن فورجة أَرَادَ الدُّعَاء على الرّيح لضررها وَالدُّعَاء للمطر لنفعه وَهَذَا مُطَابقَة من حَيْثُ الْمَعْنى
٢٠ - الْإِعْرَاب فيخبره نَصبه لِأَنَّهُ جَوَاب الِاسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْغَرِيب الوبل أَشد الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول هلا سَأَلَ الْمَطَر الَّذِي قصد أَن يصرفنا عَن وجهنا بسكبه واعترضنا فِي طريقنا بسيله كاشفا عَن أَمر سيف الدولة ومستفهما عَن حَاله فيخبره الْحَدِيد الَّذِي ثلمته وقائعه وكسرته بالجلادة كتائبه فيعلمه بِأَنَّهُ لَا ترد عَزَائِمه وَلَا تواجه بالاعتراض مطالبه وَهُوَ مِمَّن لَا يثنى بالحديد فَكيف بالمطر كَقَوْلِه
(فَأهْوَنُ مَا تَمُرُّ بهِ الوُحُولُ ... )
٢١ - الْغَرِيب بصوبه بِمَا يصوب بِهِ وَهُوَ المَاء وَفُلَان أَعلَى كَعْبًا من فلَان أرفع من صَاحبه قدرا وَأَصله فِي المصارعين لِأَن كَعْب الْغَالِب أَعلَى من كَعْب المغلوب ثمَّ اسْتعْمل فِي كَون الْإِنْسَان أرفع قدرا من صَاحبه وَإِن لم يكن ثمَّ صراع
стр. 1088
الْمَعْنى لما تلقاك السَّحَاب بالمطر استقبله من هُوَ أبين مِنْهُ شرفا وَأظْهر كرما يُرِيد لما اعترضك فِي طريقك سكبه تَلقاهُ مِنْك من يعلوه برفعته ويزري عَلَيْهِ بكرم رَاحَته
٢٢ - الْمَعْنى فباشر وَجها طالما بَاشر القنا فَلم تصبه مباشرتها وبل ثيابًا طالما بلها الدِّمَاء وَلم يثنه بللها فَكيف يهاب وَقع الْمَطَر من لَا يهاب وَقع الرماح ويتألم من المَاء من لَا يتألم من الدِّمَاء
٢٣ - الْغَرِيب تلاك تبعك وَالشَّام إقليم مَعْرُوف من غَزَّة إِلَى الْفُرَات طوله عشرُون يَوْمًا الْمَعْنى يَقُول أَنْت غيث حاذق بالصب والسكب فِي الْجُود فتبعك السَّحَاب ليتعلم مِنْك والغيث بعضه يتبع بَعْضًا وَأَنت فِي الْجُود وَهُوَ متعلم فَلهَذَا تبعك ليتعلم
٢٤ - الْغَرِيب جشمه كلفه جشمت الْأَمر بِالْكَسْرِ جشما وتجشمته تكلفته على مشقة وجشمته تجشما وأجشمته إِذا كلفته إِيَّاه وَمِنْه
(فَمَهْما تُجَشِّمْني فَإنّيَ جاشِمُ ... )
الْمَعْنى يَقُول زار مَعَك الْغَيْث قبر والدتك وكلفه الشوق مَا كلفك من الْمسير نَحْوهَا فَكَأَنَّهُ يشتاقها كَمَا تشتاقها أَنْت فأسعدك قَاضِيا لحقك وتبعك مُعظما لقدرك وَعلم أَن أمك تلْزم السحائب زيارتها ويحق عَلَيْهَا كرامتها
٢٥ - الْإِعْرَاب من نصب الذؤابة جعله كالضارب الرجل فأعمل اسْم الْفَاعِل وَمن جرها جعله كالحسن الْوَجْه الْغَرِيب الذؤابة الضفيرة من شعر الرَّأْس هَذَا هُوَ الأَصْل وسمى مَا سدل من الْعِمَامَة بذلك وَهَذَا مَا أَرَادَ أَبُو الطّيب الْمَعْنى يَقُول لما عرضت الْجَيْش وتصفحته كَانَ بهاؤه على عظم شَأْنه وتكاثر شجعانه على الْفَارِس المعتم بَين جمَاعَة المتجففين المرخى ذؤابة عمَامَته من بَين سَائِر المغتفرين وَهُوَ زِيّ أَمِير الْعَرَب فِي الْحَرْب وَأَشَارَ بذلك إِلَى سيف الدولة
٢٦ - الْغَرِيب التجافيف من كَلَام الْعَرَب الفصيح الْوَاحِد تجفاف وَهُوَ ضرب من السِّلَاح يلْبسهُ الرِّجَال وَالْخَيْل والطود الْجَبَل والأيهم الَّذِي لَا يَهْتَدِي بِهِ يُقَال برأيهم وفلاة يهماء
стр. 1089
الْمَعْنى أَنه جعل كَثْرَة التجافيف حوله بحرا مائجا وَجعل خيله الَّتِي تسير بِهَذِهِ التجافيف طودا وَالْمعْنَى أَن حوله من بريق الأسلحة ولمعان التجافيف مَا يشبه الْبَحْر بكثرته ويحكيه ببريق جملَته وَيُشِير بذلك إِلَى موكب من خيله
٢٧ - الْغَرِيب الأقتار جمع قتر وَهُوَ النَّاحِيَة من الأَرْض وَهِي مثل الأقطار وَهِي النواحي قتر وقطر والأشتات المتفرقة الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح يُحِيط خيله بالجبال وَهِي كالجبل فَكَأَن جَيْشه يؤلف بَينهَا لسعته وكثافته كَقَوْل النَّابِغَة
(تَغِببُ الشَّوَاهِق فِي جَيْشِهِ ... وَتَبْدُو صِغاراً إذَا لمْ تَغِبْ)
وَقَالَ الواحدي عَم الأَرْض بخيله ونظم بِعُمُومِهِ متفرق الْجبَال ونواحي الأَرْض وَقَالَ ابْن الإفليلى الأقتار الْغُبَار يُشِير إِلَى أَن هَذَا الْجَيْش يسحق الْجبَال بكثرته ويحطمها بعظمه فيستوى الرهج فِي السهل والوعر وَفِي الصلب والرخو ويشتمل العجاج على الْجبَال حَتَّى تصبر كَأَنَّهَا فِي ذَلِك العجاج منتظمة وَبِمَا عشيها من الْجَيْش مُتَّصِلَة كَقَوْل النَّابِغَة
(جَيْشٌ يَظَلُّ بِه الْفَضاء مُعَطَّلاً ... يَدَعُ الإكامَ كَأَّنهُنَّ صَحارِ)
٢٨ - الْإِعْرَاب وكل فَتى عطفه على قَوْله حواليه بَحر أَي وحواليه كل فَتى فَهُوَ ابْتِدَاء الْغَرِيب الأسنة جمع سِنَان وَهِي أَطْرَاف الرماح الْمَعْنى يُرِيد وَحَوله كل فَتى قد خدد بِهِ الْحَرْب ووسمه الطعْن وَالضَّرْب فَفِي جَبينه للسيوف آثَار مستطيلة تشبه السطر وللأسنة فِيهِ نكت مجتمعة تشبه الْعَجم وَأَشَارَ باعتماد الْجراح لوجههم إِلَى شجاعتهم وبأسهم وإقدامهم وَجعل ضرب السَّيْف كالسطر لطوله وَطعن الرماح إعجاما لذَلِك السطر وَهُوَ النقط وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(كَتَبْتَ أوْجُههُم مَشْقا وَنَمْنَمْةً ... ضَرْبا وَطَعْنا يَفُلُّ الهَامَ وَالصّلفا)
(كِتابَةً لَا تَنِي مَقْرُوءَة أبَداً ... وَما خَطَطْتَ بِها لاما وَلا ألفَا)
٢٩ - الْإِعْرَاب يُرِيد وَيفتح عَيْنَيْهِ وَهُوَ من بَاب علفتها تبنا وَمَاء بَارِدًا أَي سقيتها مَاء بَارِدًا وَيُرِيد يمد يَدَيْهِ مِنْهُ فَحذف للْعلم بِهِ الْغَرِيب المفاضة الدرْع الواسعة والضيغم الْأسد والتريكة الْبَيْضَة تَشْبِيها بالتريكة وَهِي بَيْضَة النعامة إِذا انفلقت وَخرج الْفرج فَتركت والأرقم ضرب من
стр. 1090
الْحَيَّات وَجمعه أراقم وَسمي بذلك لنقش على ظَهره الْمَعْنى يَقُول هَؤُلَاءِ الفتيان الَّذين حوله كلهم أَسد فِي شدته وأرقم فِي بسالته يمد فِي درعه يَدي أَسد قُوَّة وَشدَّة وَيفتح من تَحت تركته عينا أَرقم إقداما وشجاعة يُشِير إِلَى أَنهم شجعان لَا يقدرهم أحد
٣٠ - الْغَرِيب رايات جمع راية وَهِي الْعلم الَّذِي يكون مَعَ الْجَيْش لكل قوم علم يعْرفُونَ بِهِ والمسمم الَّذِي سقى السم وشعارها الْكَلَام الَّذِي يتَكَلَّم بِهِ وَقت الْحَرْب وَهُوَ كَلَام اصْطَلحُوا عَلَيْهِ وَأَرَادَ هَهُنَا بالشعار لبسهَا الْمَعْنى يُرِيد كأجناس الْخَيل جَمِيع مَا مَعهَا من الرَّايَات وَالسِّلَاح على اخْتِلَاف أجناسها من السود والشهب وَسَائِر الألوان كأجناسها فِي الْفضل وَالْكَرم أَجنَاس راياتها المؤيدة وشعارها المنصورة وَمَا لبسته من سلاحها الشاك وَحَمَلته من حديدها الصَّقِيل المحسن
٣١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أدبها وإليها وتفهم للخيل وَالضَّمِير فِي طرفه لِلْقِتَالِ وَقيل لفارسها وَإِن لم يجر لَهُ ذكر لِأَن الْخَيل لما ذكرت لابد لَهَا من رَاكب الْمَعْنى قَالَ الواحدى خيله مؤدبة بطول قوده إِيَّاهَا إِلَى الْقِتَال حَتَّى أَنَّهَا تفهم الْإِشَارَة إِلَيْهَا من بعيد وَقَالَ ابْن الإفليلى أدب هَذِه الْخَيل طول ممارستها الْقِتَال والتقلب فِي شَدَائِد الْحَرْب ففارسها يُشِير إِلَيْهَا من بِعَبْد فتفهم ويومئ إِلَيْهَا بِمَا يُرِيد فتفعل
٣٢ - الْغَرِيب الْوَحْي الصَّوْت الْخَفي الْمَعْنى يَقُول الْخَيل من أدبها وَكَثْرَة مَا لاقت من الحروب تجيبه بِفعل من غير أَن تسمع الصَّوْت ويسمعها بِالْإِشَارَةِ بطرفه من غير أَن يتَكَلَّم وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(هَلْ تَذكرِينَ إِذا الرّكابُ مُناخَةٌ ... بِرِحالِها لِوَدَاعِ أهْلِ الموْسِمِ)
(إذْ نَحْنُ تخبِرُنا الحَوَاجِبُ بَيْنَنا ... مَا فِي النُّفُوسِ وَنحنُ لمْ نَتَكَلَّمِ)
٣٣ - الْغَرِيب التجانف الْميل وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن خَافَ من موص جنفا﴾ أَي ميلًا وميا فارقين بَلْدَة من أَعمال ديار بكر وَلها رستاق كَبِير وَهِي صَغِيرَة الْمَعْنى يَقُول للممدوح تميل خيلك عَن ميافارقين لِأَن فِيهَا قبر والدته
стр. 1091
فَكَأَنَّهَا ترحم الْبَلدة لأجل بركَة والدتك وَلَو مَالَتْ عَلَيْهَا لداستها بحوافرها فَهِيَ كَأَنَّهَا ترق لَهَا راحمة فَلَا تميل عَلَيْهَا فَكَأَنَّهَا تعدل عَنْهَا مشفقة وتتجانب عَنْهَا مترحمة وَذَلِكَ لبركة من فِيهَا يُرِيد أم سيف الدولة
٣٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي زحمتها للبلدة وَكَذَلِكَ فِي درت أَي درت الْبَلدة وَرفع أَي بِالِابْتِدَاءِ وَمَا بعده الْخَبَر وَهُوَ اسْتِفْهَام ومفعول درت مَحْذُوف تَقْدِيره علمت ضعفها لِأَن أيا لَا يعْمل فِيهَا مَا قبلهَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿لنعلم أَي الحزبين أحصى﴾ فَرفع أَي بأحصى لِأَنَّهُ فعل مَاض على قَول بَعضهم وَالصَّحِيح أَن أيا فِي الْآيَة بِمَعْنى الَّذِي وأحصى اسْم وَقد حذف صدر الصِّلَة وَالتَّقْدِير هُوَ أحصى وَأي إِذا كَانَت بِمَعْنى الَّذِي وتمت صلتها أعربت وَإِذا حذف صدر الصِّلَة عَادَتْ إِلَى أَصْلهَا من الْبناء وَهِي مَنْصُوبَة الْموضع بتَعَلُّم وَأي فِي الْبَيْت مُبْتَدأ والضعيف خَبره والمهدم خبر ثَان وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع نصب بدرت فَهِيَ معلقَة عَن الْعَمَل وَأي فِي الْبَيْت اسْتِفْهَام وروى الواحدى وَغَيره سوريها فَالضَّمِير للبلدة وَرِوَايَة أبي الْفَتْح سورينا يُرِيد سور الْبناء وسور الْخَيل اسْتعَار للخيل سورا لِأَنَّهُ ذكرهَا مَعَ الْبَلدة وَجَمعهَا فِي الْمُزَاحمَة وَلما كَانَت الْبَلدة قَوِيَّة بالسور اسْتعَار لقُوَّة الْخَيل سورا الْغَرِيب المناكب جمع منْكب والزحام لَا يكون إِلَّا بالمناكب وَهِي الأكتاف وَدرت علمت تَقول دريته ودريت بِهِ دريا ودرية ودرية ودراية أَي علمت بِهِ قَالَ العجاج
(لَا هُمَّ لَا أدْرِي وَأنْتَ الدَّارِي ... )
الْمَعْنى يَقُول لَو زحمتها خيلك بمناكبها أَي لَو جرت بَينهمَا مزاحمة لعَلِمت الْبَلدة أَنَّهَا ضَعِيفَة وَأَنَّهَا لَا تقدر على مزاحمة الْخَيل لِأَن الْخَيل أقوى مِنْهَا فَلَو قصدتها لهدمت سورها فَكَانَت تعلم أَن سورها ضَعِيف لَا يقوى على دفع الْخَيل وَالْمعْنَى لَو زاحمتها الْخَيل بمناكبها وصادمتها بمواكبها لأيقنت أَن سورها مَعَ شدَّة قوته وشهرة منعته كَانَ يعجز عَن زحام هَذِه الْخَيل قَالَ أَبُو الْفَتْح من أعجب مَا جرى أَن أَبَا الطّيب أنْشد هَذِه القصيدة عصرا وَوَقع السُّور لَيْلًا
٣٥ - الْإِعْرَاب حرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَا قبله وَهُوَ قَوْله وكل فَتى وَمَا ذكر اعْتِرَاض بَينهمَا
стр. 1092
الْغَرِيب الطاوي الخميص الْجوف وَهُوَ الضامر رجل طيان وَامْرَأَة طيا وَهُوَ الضامر الْمَعْنى يَقُول هم خماص على خيل مضمرة أَي كل فَتى على طاو مُضْمر لَيْسَ لَهُ غذَاء وَلَا مشرب إِلَّا من لَحْمه وَدَمه فَهُوَ يزْدَاد كل يَوْم ضمورا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى كَأَنَّهُ يتغذى لحم نَفسه وَيشْرب دَمه فقد زَاد هزاله إِذْ لَيْسَ لَهُ مطعم وَلَا مشرب إِلَّا من جِسْمه وَوجه آخر وَهُوَ أَن يكون مطعمه ومشربه من لُحُوم أعدائه فَهُوَ مقتحم عَلَيْهِم وموغل فِي طَلَبهمْ ليدرك مأكله ومشربه وَهَذَا الْوَجْه أبلغ وأمدح وَالْقَوْل الأول يحسن قَالَ ابْن وَكِيع وَالْبَيْت مَأْخُوذ من قَول أَبى الشيص
(أكَلَ الوَجِيفُ لحُومَها وَلحُومَهُم ... فأتَوْكَ أنْقاضاً عَلى أنْقاضِ)
٣٦ - الْغَرِيب الحصان الذّكر من الْخَيل والدارع مَا عَلَيْهِ تجفاف ومتلثم على وَجهه مخطمة من حَدِيد الْمَعْنى يَقُول لهَذِهِ الْخَيل فِي الْحَرْب زِيّ فوارسها لِأَنَّهَا قد ألبست التجافيف صَوتا لَهَا فَكل فرس مِنْهَا ذُو درع وَذُو لثام بِمَا أرسل على وَجهه فَهَذِهِ الْخَيل بالدروع مُشْتَمِلَة وَفِي الجواشن ملتثمة وَاعْتذر بعد هَذَا للفوارس باحترازهم فَقَالَ
٣٧ - الْمَعْنى اعتذر للفوارس عِنْد تحصنهم فَقَالَ لم يَفْعَلُوا ذَلِك بخلا بنفوسهم لأَنهم شجعان لَا يخَافُونَ الْمَوْت وَلَا يبالون بِالْقَتْلِ إِلَّا أَنهم قابلوا شَرّ الْأَعْدَاء بِمثلِهِ وَهُوَ فعل الحازم اللبيب وَمن شهد الْحَرْب غير مستعد بِغَيْر سلَاح فَهُوَ أخرق وروى أَن كثيرا لما أنْشد عبد الْملك بن مَرْوَان
(عَلي ابنِ أَبى العاصِي دِلاصٌ حَصِينَةٌ ... أجادَ المُسدِّى سَرْدَها وَأذَالها)
فَقَالَ لَهُ عبد الْملك هلا مدحتني كَمَا مدح الْأَعْشَى صَاحبه فَقَالَ
(وَإذَا تَكُونُ كَتِيبَةٌ مَلْمُومَةٌ ... شَهْباءُ يَخْشَى الرَائِدُون نِهالَها)
(كُنْتَ المقَدَّمَ غَيرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بِالسَّيْفِ تَقْتُلُ مُعْلِما أبْطالَها)
فَقَالَ لَهُ كثير إِنَّه وصف صَاحبه بالحرق وَأَنا وصفتك بالحزم وَقَوله الشَّرّ بِالشَّرِّ الأول شَرّ الْأَعْدَاء وَالثَّانِي مَا عارضوهم بِمثلِهِ فَسَماهُ شرا للمقابلة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ وَجَزَاء سَيِّئَة سَيِّئَة مثلهَا﴾ فَالْأول جِنَايَة وَالثَّانِي قصاص
٣٨ - الْإِعْرَاب يجوز فِي مُسْتَقْبل حسب فتح السِّين وَكسرهَا وهما لُغَتَانِ فصيحتان
стр. 1093
وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة وَعبد الله بن عَامر وبيض الْهِنْد السيوف الْهِنْدِيَّة الْمَعْنى يَقُول أتحسب سيوف الْهِنْد مَعَ جلالتها ورفعتها ونفاذها وهيبتها أَنَّك مِنْهَا لمشاركتك لَهَا فِي الاسمية واللقب سَاءَ مَا ظنته وخاب سعيها فِيمَا توهمته وَالسُّيُوف بعض آلاتك تصرفها وَلَا تصرفك وتستعملها وَلَا تستعملك وَأَنَّك وَإِن سميت سَيْفا فَإنَّك أشرف من سيوف الْهِنْد وَأجل مِنْهَا شَأْنًا وَأعظم أصلا
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول إِذا نَحن سميناك سَيْفا فَحَذفهُ للْعلم بِهِ خلنا سُيُوفنَا تتكبر وتعجب تيها بمشاركتك لَهَا فِي الاسمية فَهِيَ تتبسم تيها وفخرا وَهَذَا الْبَيْت من نَوَادِر أبياته وَقد عابه من لَا يعرف مَعَاني الشّعْر وَقَالَ قد وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه حَيْثُ قَالَ تتبسم من التيه وَلَا يكون من التيه إِلَّا العبوس وَأَن يشمخ الْإِنْسَان بِنَفسِهِ وَهُوَ فعل التائه المتكبر وَإِنَّمَا يكون التبسم من المرح والفرح وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا والتبسم قد يكون من المعجب بِنَفسِهِ التائه على أقرانه استكثارا لما عِنْده واستقلالا لما عِنْد غَيره فَلَيْسَ يُنكر أَن يكون التبسم من الْإِعْجَاب فَكَأَن السيوف تبسمت إعجابا بِنَفسِهَا لمشاركة الممدوح لَهَا فِي التَّسْمِيَة فحقرت بذلك السِّلَاح والرماح وَهُوَ من قَول أبي نواس
(تَتِيه الشَّمْسُ وَالقَمَر المُنِيرُ ... إذَا قُلْنا كأنَّهما الأَميرُ)
٤٠ -، ٤١ الْغَرِيب الثَّنية الْجَبَل الصَّغِير وقيلى هِيَ الطَّرِيق فِي رَأس الْجَبَل الْإِعْرَاب اسْتعْمل الظّرْف اسْتِعْمَال الْأَسْمَاء فأعربه الْمَعْنى يَقُول لم نر ملكا يدعى بِدُونِ اسْمه وَقدره وبرضى بذلك وَمحله فَوق أَن يُسمى سَيْفا وَلَكِن النَّاس يجهلون قدره وَهُوَ يحلم عَنْهُم ويقصرون عَن حَقِيقَة وَصفه فيكرم ثمَّ قَالَ أخذت على أعدائك كل طَرِيق عيشهم فِيهَا فَلَيْسَ يعيشون لِأَنَّك فرفت بَينهم وَبَين أَرْوَاحهم بِالْقَتْلِ وَأَنت تُعْطِي من تشَاء وَتحرم لِأَنَّك ملك يُشِير بذلك إِلَى قُوَّة ملكه وَتمكن أمره فَأَنت تُعْطِي من أطاعك ورجاك وَتحرم من خالفك وعصاك عَالما بِمَا تَفْعَلهُ قَادِرًا على مَا تقصده فَأَنت مؤيد من الله
٤٢ - الْمَعْنى يَقُول لسنا نعلم قَتِيلا بحديد إِلَّا من سِلَاحك فِي وقعك ولسنا نعلم عَطاء يقْصد من غير هباتك ومكارمك فالموت من رماحك والرزق من عطائك وَهُوَ من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(فَما آفَةُ الآجالِ غَيرُكَ فِي الوَغَى ... وَما آفَةُ الأمْوَال غيرُ حبِائِكا)
стр. 1094
- ١ الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قلباه بِكَسْر الْهَاء وَضمّهَا وَهُوَ غير جَائِز عِنْد الْكُوفِيّين وَلَا يجوز إِلَّا فِي الضَّرُورَة وَالْوَجْه قَالَ أَبُو الْفَتْح الْكسر لالتقاء الساكنين الْألف وَالْهَاء وَمن ضمهَا شبهها بعصاه ورحاه والكوفيون ينشدون لبَعض الْأَعْرَاب
(وَقَدْ رَابَنِي قَوْلهُا يَا هَناهُ ... وَيحَكَ ألحْقْتَ شَرّا بِشَرٍّ)
وأنشدوا أَيْضا
(يَا رَبُّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أسَلْ)
والبصريون يَقُولُونَ يَا هَناه الْهَاء بدل من الْوَاو فِي هنوك وهنوات وَهِي بدل من لَام الْكَلِمَة وَلذَلِك جَازَ ضمهَا وَقَالَ أَبُو زيد فِي مرحباه إِنَّه شبهها بِحرف الْإِعْرَاب فَضمهَا هَذَا قَول الواحدى اخْتَصَرَهُ من كَلَام أبي الْفَتْح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ ينشده بِكَسْر الْهَاء وَضمّهَا وَهَذَا لَا يعرفهُ أَصْحَابنَا وَلَا يجيزون إِثْبَات الْهَاء فِي الْوَصْل سَاكِنة وَلَا متحركة لِأَنَّهَا إِنَّمَا تلْحق فِي الْوَقْف لبَيَان الْألف قبلهَا فَإِذا صيرت إِلَى الْوَصْل أسقطت عَنْهَا بِاللَّفْظِ بِمَا بعْدهَا تَقول فِي الْوَقْف وازيداه فَإِذا وصلت قلت وازيدا وعمراه فَإنَّك تحذفها فِي الْوَصْل وتثبتها فِي الْوَقْف فَإِن قَالَ قَائِل هلا أجريت الْهَاء فِي الْوَصْل على حد الْوَقْف كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ قَول رؤبة
(ضَخْمٌ يُحِبُّ الخلُقَ الأضْخَمَّا ... )
بتَشْديد الْمِيم لأَنهم إِذا وقفُوا على اسْم شَدَّدُوا آخِره إِذا كَانَ مَا قبله متحركا أَلا ترى أَن من يَقُول خَالِد فِي الْوَقْف بتَشْديد الدَّال إِذا وصل رده إِلَى التَّخْفِيف إِلَّا أَنه قد يجريه فِي الْوَصْل على حد مجْرَاه فِي الْوَقْف فَلذَلِك جَازَ للمتنبي أَن يلْحق الْهَاء فِي الْوَصْل كَمَا كَانَ يثبتها فِي الْوَقْف قيل فِي هَذَا أَمْرَانِ أَحدهمَا مَكْرُوه وَلآخر خطأ فَاحش أما الْمَكْرُوه
стр. 1095
فإثباتها فِي الْوَصْل على حد إِثْبَاتهَا فِي الْوَقْف ضَرُورَة مستقبحة للمحدث وسبيل مثلهَا أَن لَا يُقَاس عَلَيْهِ إِلَّا على استكراه وَأما الْخَطَأ فَإِن الَّذِي ذهب إِلَى هَذَا وَاحْتج بِهِ قد عدل عَن صوب التَّشْبِيه وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو من أَن تجْرِي الْكَلِمَة على حد الْوَقْف أَو على حد الْوَصْل فَإِن كَانَ على حد الْوَصْل وَهُوَ الْوَجْه لِأَنَّهُ لَيْسَ وَاقِفًا فسبيله أَن يحذف الْهَاء وصلا لما ذَكرْنَاهُ من استغنائه عَنْهَا فِي الْوَصْل بِمَا يتبع الْألف وَإِن كَانَ على حد الْوَقْف فقد خَالف ذَلِك بإثباتها متحركة بِالضَّمِّ أَو الْكسر فالهاء فِي الْوَقْف بِلَا خلاف سَاكِنة فَالَّذِي رام إِثْبَاتهَا متحركة لأعلى حد الْوَصْل أجراها فيحذفها وَلَا على حد الْوَقْف أجراها فيسكنها وَلَا تعلم منزلَة بَين الْوَصْل وَالْوَقْف يرجع إِلَيْهَا وتجري الْكَلِمَة عَلَيْهَا فَلهَذَا كَانَ إِثْبَات هَذِه الْهَاء متحركة خطأ عندنَا وَأما مَا رَوَاهُ الْكُوفِيُّونَ فشاذ عندنَا وَأما مَا ذكره فِي نوادره أَبُو زيد من أَنهم شبهوا الْهَاء بِحرف الْإِعْرَاب فَلَا وَجه لَهُ وَلَو كَانَت الْهَاء فِي قلباه مشبهة بِحرف الْإِعْرَاب لما جَازَ فتحهَا وَلَا ضمهَا ولوجب جرها بِإِضَافَة حر إِلَيْهَا وَمر حباه الَّذِي أنْشدهُ أَبُو زيد لَيْسَ مُضَافا إِلَيْهِ فَيجوز أَن يشبه بِحرف الْإِعْرَاب أنْتَهى كَلَامه وَإِنَّمَا أَرَادَ أَبُو الطّيب على لُغَة قومه وَكَانَ الأَصْل قلبِي فأبدل من الْيَاء آلفا طلبا للخفة وَالْعرب تفعل ذَلِك فِي النداء واستجلب هَاء السكت وأثبتها فِي الْوَصْل كَمَا تثبت فِي الْوَقْف وَالْعرب تفعل ذَلِك كَقِرَاءَة ابْن ذكْوَان فبهداهم اقتده هِيَ بِكَسْر الْهَاء وَإِثْبَات الْيَاء وصلا وكقراءة هِشَام بِكَسْر الْهَاء وَقد اسْتَوْفَيْنَا عِلّة ذَلِك فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة فِي شرح التَّذْكِرَة وحرك الْهَاء أَبُو الطّيب لسكونها وَسُكُون الْألف قبلهَا وللعرب فِي ذَلِك أَمْرَانِ مِنْهُم من حرك بِالضَّمِّ تَشْبِيها بهاء الضَّمِير وأنشدوا
(يَا مَرْحَباهُ بِحمارٍ أعْفَرَا ... )
وَمِنْهُم من يُحَرك بِالْكَسْرِ على مَا يُوجد كثيرا فِي الْكَلَام عِنْد التقاء الساكنين وأنشدوا
(يَا ربُّ يَا رَبَّاهُ إيَّاكَ أَسلْ ... عَفْرَاءَ يَا رَبَّاهُ منْ قَبْلِ الأجَلْ)
الْغَرِيب والشبم الْبَارِد والشبم الْبرد وَقد شبم بِالْكَسْرِ فَهُوَ شبم والشبم الَّذِي يجد الْبرد مَعَ الْجُوع قَالَ حميد بن ثَوْر
(بِعيْنيْ قَطامِيّ بِمَا فَوْقَ مَرْقَبٍ ... غَدَا شَبِما يَنْقَضُّ فَوْقَ الهَجارِسِ)
الْمَعْنى يَقُول واحر قلبِي واحتراقه واستحكام همه بِمن قلبه عَنى بَارِد لَا اعتناء لَهُ بِي وَلَا إقبال لَهُ على وَمن بجسمي وحالي من إعراضه سقم يُوجب ألمهما وشكاة تؤذن إختلالهما وَالْعرب تكنى بحرارة الْقلب عَن الاعتناء وببرده عَن الْإِعْرَاض وَالتّرْك وتلخيص الْمَعْنى قلبِي حَار من حبه وَقَلبه بَارِد من حبي وَأَنا عِنْده مختل الْحَال معتل الْجِسْم
стр. 1096
- الْغَرِيب أكتم مُبَالغَة فِي الكتمان وبرى جَسَدِي أنحله وأضناه الْمَعْنى يَقُول لأي شَيْء أُخْفِي حبه وغيري يظْهر أَنه يُحِبهُ وَهُوَ بِخِلَاف مَا يضمر وَأَنا مُضْمر من حبه مَا يزِيد مضمره على ظَاهره ومكتومه على شَاهده والأمم تشركني فِي ادِّعَاء ذَلِك بقلوب غير خَالِصَة ونيات غير صَادِقَة فينحل جسمي بقدمي فِي صدق وده وتأخري فِيمَا يخصني من فَضله
٣ - الْغَرِيب الْغرَّة الطلعة وَالْوَجْه الْحسن الْأَغَر الْمَعْنى يَقُول إِن حصلت الشّركَة فِي حبه فحظي وافر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا إِن كَانَ يجمعنا من آفَاق الْبِلَاد المتباعدة حب لغرته فليت أَنا نقتسم بره كَمَا نقتسم حبه وَالْآخر إِن كَانَ يجمعني وغيري أَن أكون أَنا وَهُوَ محبين لَهُ فليت حظي مِنْهُ مثل حظي من الْمحبَّة لَهُ كَقَوْلِك أَنا وَفُلَان تجمعنا الْكِتَابَة وَالْقِرَاءَة كِلَانَا من أَهلهَا وتلخيص الْمَعْنى إِن كَانَ يجمعنا حبه والكلف بمودته فليت أَنا نقتسم الْمنَازل عِنْده بِقدر مَا نَحن عَلَيْهِ من محبتنا الْخَالِصَة وَمَا نعتقده من مودتنا الصادقة فَلَا يبخس المخلص حَقه وَلَا يبْذل للمتصنع بره
٤ - الْمَعْنى يَقُول قد خدمته فِي حالتي السّلم وَالْحَرب وَالسُّيُوف دم أَي مخضبة بِالدَّمِ يُرِيد أَنه قد شهده فِي شَدَائِد الْحَرْب وَقد جربه فِي الضّيق وَالسعَة وامتحنه فِي الْأَمْن وَالْخَوْف فأعجبه كَيفَ تقلب وأحمده على أَي حَال تصرف
٥ - الْإِعْرَاب فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير وَكَانَ الشيم أحسن مَا فِي الْأَحْسَن الْغَرِيب الشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة تَقول شِيمَة زيد الْكَرم أَي خليقته وخلقه الْمَعْنى يَقُول لما بلوته فِي حالتيه كَانَ أحسن الْخلق وَكَانَت أخلاقه أحسن مَا فِيهِ فَكَانَ فِي جَمِيع أَحْوَاله أحسن خلق الله شَاهدا وَأكْرمهمْ ظَاهرا وَكَانَ أحسن من ذَلِك شيمه المختبرة وأخلاقه المستحسنة
٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي طيه الأول عَائِد على الظفر وَفِي الثَّانِي عَائِد عَليّ الأسف الْغَرِيب يممته قصدته والأسف الْحزن وَالظفر الْفَتْح والظهور على الْعَدو
стр. 1097
وَالنعَم جمع نعْمَة تَقول نعْمَة وَنعم وأنعم ونعمات الْمَعْنى يُرِيد أَنه اتبع بعض مُلُوك الرّوم ففاته يَقُول فَوت الْعَدو الَّذِي قصدته ففر عَنْك لاستحكام جزعه ظفر ظَاهر واستعلاء بَين وَإِن كَانَ ذَلِك الظفر فِي طيه مِنْك أَسف على مَا حرمته من إِدْرَاكه وَفِي طي ذَلِك الأسف نعم بهَا صرف الله عَنْك مُؤنَة الْحَرْب وَشدَّة معاناه اللِّقَاء وَحفظ عسكرك من الْجراح أَو قتل فَفِي هَذَا نعم من الله كَثِيرَة
٧ - الْغَرِيب المهابة شدَّة الْفَزع والبهم الْأَبْطَال الْوَاحِدَة بهمة وهم الَّذين تناهت شجاعتهم وَيُقَال للجيش بهمة وَمِنْه قَوْلهم فلَان فَارس بهمة الْمَعْنى يَقُول قد نَاب عَنْك خوف الْعَدو لَك فذعره وهزمه وصنعت لَك فِيهِ مهابتك وَبَلغت لَك مخافتك مَا لَا تَصنعهُ الشجعان
٨ - الْإِعْرَاب نصب يواريهم بِأَن وَمثله قِرَاءَة عَاصِم وَابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَامر وَحَسبُوا أَن لَا تكون فتْنَة بِنصب الْفِعْل وَقد بَيناهُ فِي كتَابنَا الموسوم بالروضة المزهرة يواريهم يسترهم ويكنهم وَالْعلم الْجَبَل الطَّوِيل الوعر المسلك وَمِنْه قَول الخنساء
(وَإنَّ صَخْراً لَتَأتَمَّ الهُدَاةُ بِهِ ... كَأنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأسِهِ نارُ)
الْمَعْنى يَقُول قد ألزمت نَفسك مَا لم يكن يلْزمهَا وكلفتها مَا لَا يحِق عَلَيْهَا من أَن عَدوك لَا يواريهم أَرض تشْتَمل عَلَيْهِم وَلَا يسترهم عَنْك جبل يحول بَيْنك وَبينهمْ وَهَذَا غَايَة التَّكَلُّف
٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه مَتى مَا هزم جَيْشًا حَملته همته الْعَالِيَة على اقتفاء آثَارهم وَهَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار يُرِيد كلما فر جَيش من جيوش الرّوم وَولى عَنْك هَارِبا تصرفت بك همتك فِي أَثَره فَلم يرضك انهزامهم دون أَن ينالهم الْقَتْل ويستحكم فيهم السَّيْف
١٠ - الْغَرِيب المعترك ملتقى الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول عَلَيْك أَن تهزمهم إِذا الْتَقَوْا مَعَك فِي الْحَرْب وَلَا عَار عَلَيْك إِذا مَا انْهَزمُوا فَتَحَصَّنُوا بالهرب وَلم تظفر بهم وَالْمعْنَى لَا عَار عَلَيْك أَن يَغْلِبهُمْ خوفك فيهزموا دون قتال ويفرقو دون لِقَاء إشفاقا مِنْك
стр. 1098
- الْغَرِيب تصافحت تلاقت بالصفاح وَهِي السيوف واللمم جمع لمة وَهِي الشّعْر إِذا ألم بالمنكب الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يحلو لَك ظفر تناله وأمل فِي عَدوك تبلغه إِلَّا أَن يكون ذَلِك بعد مصادمة وقتال ومجالدة ونزال وَبعد مصافحة سيوفك رُءُوسهم وتباشر سِلَاحك خيولهم فَهَذَا هُوَ الظفر الحلو عنْدك
١٢ - الْغَرِيب الْخِصَام الْمُخَاصمَة والخصم يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَهل أَتَاك نبأ الْخصم إِذْ تسوروا الْمِحْرَاب﴾ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة يَا أعدل النَّاس فِي أَحْكَامه وَأكْرمهمْ فِي أَفعاله إِلَّا فِي معاملتي فَإِنَّهُ يخرجني عَن عدله ويضيق على مَا قد بسط من فَضله فِيك خصامي وتعبي وَأَنت خصمي وحكمي فَأَنا أخاصمك إِلَى نَفسك وأستدعي عَلَيْك حكمك قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذِه شكوى مفرطة لِأَنَّهُ قَالَ فِي مَوضِع آخر
(وَما يُوجعُ الحرْمانُ منْ كَفّ حارِم ... كَمَا يُوجِعُ الحِرْمانُ من كفّ رَازِقِ)
وَإِذا كَانَ عدلا فِي النَّاس كلهم إِلَّا فِي مُعَامَلَته فقد وَصفه بأقبح الْجور وَقد وَصفه بِثَلَاثَة أَوْصَاف مُخْتَلفَة بقوله فِيك الْخِصَام أَي أَنْت الَّذِي تختصم فِيهِ وَأَنت الْخصم وَهُوَ غير مختصم فِيهِ وَأَنت الحكم وَلَيْسَ الحكم أحد الْخَصْمَيْنِ وَلَا بالشَّيْء الَّذِي يَقع فِيهِ الْخِصَام وَالْمعْنَى أَنْت الحكم لِأَنَّك ملك لَا أخاصمك إِلَى غَيْرك وَالْخِصَام وَقع فِيك
١٣ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن الْهَاء على أَي شَيْء تعود فَقَالَ على النظرات وَقد أجَاز مثله أَبُو الْحسن الْأَخْفَش فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهَا لَا تعمى الْأَبْصَار﴾ فَقَالَ الْهَاء رَاجِعَة إِلَى الْأَبْصَار وَغَيره من النَّحْوِيين يَقُول إِنَّهَا إِضْمَار على شريطة التَّفْسِير كَأَنَّهُ فسر الْهَاء بالنظرات الْغَرِيب الورم الانتفاخ فِي الْعُضْو من ألم يُصِيبهُ الْمَعْنى يُرِيد أَن نظراتك صَادِقَة إِذا نظرت إِلَى شَيْء عَرفته على مَا هُوَ عَلَيْهِ فَلَا تغلظ فِيمَا ترَاهُ وَلَا تحسب الورم شحما وَهَذَا مثل يُرِيد لَا تظن المتشاعر شَاعِرًا كَمَا يحْسب السقم صِحَة والورم سمنا وَقَالَ الْخَطِيب نظرات فِي مَوضِع نصب على التَّمْيِيز أَي من نظرات كَقَوْل الراجز
(كَمْ دُونَ لَيْلى فَلَوَاتٍ بِيدِ ... )
أَي من فلوات
стр. 1099
- الْمَعْنى يَقُول وَمَا ينْتَفع أَخُو الدُّنْيَا بنظره وَلَا يعود عَلَيْهِ فَائِدَة بصده إِذا اسْتَوَت عِنْده الصِّحَّة والسقم والأنوار وَالظُّلم وَالْمعْنَى يجب أَن تميز بيني وَبَين غَيْرِي مِمَّن لم يبلغ درجتي كَمَا تميز بَين النُّور والظلمة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم أرسطاطاليس اعْتِدَال الأمزجة وتساوي أَرْكَان الْإِنْسَان تفرق بَين الْأَشْيَاء وأضدادها
١٥ - الْمَعْنى يُرِيد أَن شعره سارا فِي آفَاق الْبِلَاد واشهر حَتَّى تحقق عِنْد الْأَعْمَى والأصم فَكَأَن الْأَعْمَى رَآهُ لتحققه عِنْده وَكَأن الْأَصَم سَمعه أَي أَنا الَّذِي شاع أدبي واستبان موضعي فَثَبت ذَلِك فِي الْعُقُول وَتمكن فِي الْقُلُوب وَرَآهُ من لَا يبصره وأسمعت كلماتي من لَا يسمع وَكَانَ المعري إِذا أنْشد هَذَا الْبَيْت قَالَ أَنا الْأَعْمَى
١٦ - الْإِعْرَاب ملْء جفوني هُوَ مَوضِع الْمصدر أَي أَنَام نوما ملْء جفوني كَقَوْلِك قعد القرفصاء أَي الْقعدَة الَّتِي هِيَ كَذَلِك وَالضَّمِير فِي شواردها للكلمات قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل أَن يُرَاد بالكلمات جمع كلمة الَّتِي هِيَ اللَّفْظَة الْوَاحِدَة وَهَذَا أَشد فِي الْمُبَالغَة من غَيره وَيجوز أَن يَعْنِي بالكلمات القصائد وهم يسمون القصيدة كلمة الْغَرِيب الشوارد النوافر من قَوْلهم شرد الْبَعِير إِذا نفر وَيُقَال فعلت ذَلِك من جراك أَي من أَجلك وَمن جلالك وَمن إجلالك وَمن جرائك مشددا وَمن جلك هَذِه اللُّغَات كلهَا فِي هَذَا الْحَرْف قَالَ الشَّاعِر
(رَسْمُ دَارٍ وََقَفْتُ فِي طَلَلِهْ ... كِدْتُ أقْضِي الحَياةَ مِنْ جَلَلِهْ)
وَقَالَ الْمَجْنُون
(أُغَفِّرُ مِنْ جَرَّاكِ خَدّي عَلى الثرَى ... )
وَقَالَ الرَّاعِي
(وَنحنُ قَتَلْنا مِنْ جَلالِكَ وَائِلًا ... وَنحنُ بَكَيْنا بِالسُّيُوفِ على عَمرِو)
وَقَالَ كثير
(حَنِيني إِلَى أسمَاءَ والخرْقُ بَيْنَنا ... وَإكْرِامي القَوْمَ العِدَا مِنْ جَلالِها)
ووحد الضَّمِير فِي يخْتَصم على لفظ الْخلق لَا مَعْنَاهُ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك﴾ على اللَّفْظ ﴿وَمِنْهُم من يَسْتَمِعُون﴾ على الْمَعْنى الْمَعْنى يَقُول أَنَام سَاكن الْقلب مُتَمَكن النّوم لَا أعجب بشوارد مَا أبدع
стр. 1100
وَلَا أحفل بنوادر مَا أنظم ويسهر الْخلق فِي تحفظ ذَلِك وتعلمه ويختصمون فِي تعرفه وتفهمه فأستقل مِنْهُ مَا يستكثرون وأغفل عَمَّا يغتنمون
١٧ - الْغَرِيب أصل الْفرس دق الْعُنُق وَمِنْه سمى الْأسد فِرَاسًا الْمَعْنى يَقُول رب جَاهِل خدعه تركي لَهُ فِي جَهله وضحكي مِنْهُ حَتَّى افترسته بعد زمَان فأهلكته فَأَنا أغضي عَن الْجَاهِل حَتَّى أهلكه فَرب جَاهِل اغْترَّ بمجاملتي ومسامحتي إِيَّاه وضحكي على جَهله حَتَّى سطوت بِهِ ففرسته وغضبت عَلَيْهِ فأهلكته
١٨ - الْغَرِيب النيوب جمع نَاب وَاللَّيْث الْأسد الْمَعْنى يَقُول إِذا كشر الْأسد عَن نابه فَلَيْسَ ذَلِك تبسما وَإِنَّمَا هُوَ قصد للافتراس وَهَذَا مثل ضربه يَعْنِي أَنه وَإِن أبدى بشره للجاهل فَلَيْسَ هُوَ رضَا عَنهُ فَإِن اللَّيْث إِذا كشر لَا تظنه مُتَبَسِّمًا وَإِن ذَلِك أقرب لبطشه وأدل على مَا يحذر من فعله فَكَذَلِك ضحكي للجاهل قَادَهُ إِلَى صرعته وَأَدَّاهُ إِلَى هَلَكته وَمعنى الْبَيْت من قَول الشَّاعِر
(لمَّا رَآني قَدْ نَزَلْتُ أُرِيدُهُ ... أبْدَي نَوَاجِذَهُ لِغَيْرِ تَبَسُّمِ)
وَأَخذه حبيب فَقَالَ
(قَدْ قَلَصَتْ شَفَتاهُ مِنْ حَفِيظَتِهِ ... فَخِيْلَ مِنْ شِدة التَّعْبِيسِ مُبتِسما)
١٩ - الْمَعْنى يَقُول رب إِنْسَان طلب نَفسِي كَمَا طلبت نَفسه أدركتها على جواد ظَهره حرم لأمن رَاكِبه لِأَنَّهُ لَا يقدر عَلَيْهِ فَكَأَن فِي حرم يَقُول أدْركْت مِنْهُ مَا أَرَادَ أَن يدْرك مني من قَتْلَى فَقتلته وظفرت بِهِ وَوصف جَوَاده الْبَيْت بعده
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ صَحِيح الجري يصف اسْتِوَاء وَقع قوائمه وَصِحَّة جريه فَكَأَن رجلَيْهِ رجل وَاحِدَة لِأَنَّهُ يرفعها مَعًا ويضعهما مَعًا وَكَذَلِكَ اليدان وَهَذَا الجري يُسمى النقال والمناقلة وَفعله مَا تُرِيدُ الْكَفّ بِالسَّوْطِ وَالرجل بالاستحثاث فَهُوَ بجريه يُغْنِيك عَنْهُمَا وَقَالَ ابْن الإفليلى وَفعله فِي السرعة مَا تُرِيدُ الْقدَم الَّتِي بهَا يستعجل وَفِي المؤاتاة والموافقة مَا تُرِيدُ الْكَفّ الَّتِي بهَا يستوقف
стр. 1101
- الْغَرِيب المرهف السَّيْف الرَّقِيق الشفرتين والجحفلان الجيشان العظيمان وروى ابْن جني وَغَيره بَين الموجتين أَرَادَ موجتي الجيشين لِأَنَّهُمَا يموج بَعضهم فِي بعض الْمَعْنى يَقُول رب سيف رَقِيق الحدين سرت بِهِ بَين الجيشين العظيمين حَتَّى قتلت بِهِ وَالْمَوْت غَالب تلتطم أمواجه ويضطرب بحره واستعار الموج لكتائب الْحَرْب
٢٢ - الْغَرِيب الْبَيْدَاء الفلاة الْبَعِيدَة عَن المَاء والقرطاس الْكتاب فِيهِ الْكِتَابَة وَجمعه قَرَاطِيس يُقَال قرساطاس بِضَم الْقَاف وقرطس قَالَ أَبُو زيد فِي نوادره قَالَ مخش الْعقيلِيّ
(كَأنَّ بِحيْثُ اسْتَودَعَ الدَّارَ أهْلُها ... مَخطُّ زبور من دَوَاة وقرطس)
الْمَعْنى يصف شجاعته وجلادته وَأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَا تنكره وَهِي تعرفه لِأَنَّهُ من أَهلهَا يَقُول اللَّيْل يعرفنِي لِكَثْرَة سراي فِيهِ وَطول ادراعي لَهُ وَالْخَيْل تعرفنِي لتقدمي فِي فروسيتها والبيداء تعرفنِي بمداومتي لقطعها واستسهال لصعبها وَالْحَرب وَالضَّرْب يَشْهَدَانِ بحذقي بهما وتقدمي فيهمَا والقراطيس تشهد لي لإحاطتي بِمَا فِيهَا والقلم عَالم بإبداعي فِيمَا يُقَيِّدهُ وَقد سبقه أَبُو عبَادَة بِهَذَا فَقَالَ
(اطْلُبا ثَالِثا سوَاي فَإنّي ... رَابِعُ العِيسِ وَالدُّجَى وَالبِيدِ)
وَقد أَخذه أَبُو الْفضل الْهَمدَانِي بقوله
(إنْ شِئْتَ تعرفُ فِي الآدابِ مَنزِلَتي ... وَأنَّني قدْ عَداني الفَضْلُ والنِّعمُ)
(فالطِّرْفُ والقوْسُ وَالأوْهاقُ تشْهَدُ لي ... وَالَّسْيفُ وَالنرْدُ وَالشِّطرَنْجُ وَالقَلَمُ)
٢٣ - الْغَرِيب من روى القور بالراء وَضم الْقَاف فَهُوَ جمع قارة وَهِي الأكمة وَقيل هِيَ حرَّة وَهِي اللابة وَجَمعهَا لوب كأكمة وأكم قَالَ مَنْظُور بن مرْثَد الْأَسدي
(هلْ تعرِفُ الدَّارَ بأعْلى ذِي القُورْ ... قَدْ دَرَستْ غَيرَ رَمادٍ مَكْفُورْ)
وَمن روى بِفَتْح الْقَاف وبالزاي فَهُوَ القوز وَهُوَ الْكَثِيب الصَّغِير وَجمعه أفواز وقيزان وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة معمر لذِي الرمة
(إِلَى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوَازَ مُشْرِفٍ ... شِمالًا وَعَنْ أيمانِهِنََّ الفَوَارِسُ)
стр. 1102
الْمَعْنى يَقُول قد سَافَرت وحدي فَلَو كَانَت الْجبَال تتعجب من أحد لتعجبت مني لِكَثْرَة مَا تَلقانِي وحدي فصحبت الْوَحْش فِي الفلوات مُنْفَردا بقطعها مستأنسا بِصُحْبَة حيوانها حَتَّى تعجب مني سهلها وجبلها وقوزها وأكمها
٢٤ - الْمَعْنى يُرِيد يَا من يعز علينا مُفَارقَته بِمَا أسلف إِلَيْنَا من فَضله واستوفرناه من الْحَظ بِقُرْبِهِ وجداننا كل شَيْء طائل بعدكم عدم لَا نسر بِهِ ومحتقر لَا نبهج لَهُ يُرِيد لَا يخلفكم أحد
٢٥ - الْغَرِيب مَا أخلقه بِكَذَا وأقمنه وأجدره أولاه والأمم الْقَصْد وَهُوَ أَمر بَين أَمريْن لَا قريب وَلَا بعيد الْمَعْنى يَقُول مَا أخلقنا ببركم وتكرمتكم وإيثاركم لَو أَن أَمركُم فِي الِاعْتِقَاد لنا على نَحْو أمرنَا فِي الِاعْتِقَاد لكم وَمَا نَحن عَلَيْهِ من الثِّقَة بكم
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ مَا فعله الْحَاسِد لنا واختلقه الواشي بَيْننَا مرضيا لكم مستحسنا عنْدكُمْ فَمَا يتشكى الْجرْح إِذا أرضاكم مَعَ شدَّة وَجَعه وَلَا يكره مَعَ استحكام ألمه حرصا على موافقتكم وإسراعا إِلَى إرادتكم قَالَ الواحدى هَذَا من قَول مَنْصُور الْفَقِيه
(سُرِرْتُ بِهَجْرِكِ لمَّا عَلمْتُ ... أنْ لِقَلْبِكِ فِيهَ سُرُورَا)
(وَلَوْلا سُرورُكِ مَا سَرَّنِي ... وَلا كنْتُ يوْما عَلَيْهِ صَبُورَا)
(لأّني أرَى كُلّّ مَا ساءَني ... إذَا كانَ يُرْضِيكِ سَهْلًا يَسيرَا)
٢٧ - الْغَرِيب النَّهْي الْعُقُول والمعارف جمع معرفَة والذمم العهود وَاحِدهَا ذمَّة الْمَعْنى يَقُول بَيْننَا معرفَة لَو رعيتم تِلْكَ الْمعرفَة وَإِنَّمَا ذكر لِأَن الْمعرفَة مصدر فَيجوز تذكيره على نِيَّة الْمصدر يَقُول إِن لم يجمعنا الْحبّ فقد جمعتنَا الْمعرفَة وَأهل الْعقل يراعون حق الْمعرفَة والمعارف عِنْدهم عهود وذمم لَا يضيعونها فبيننا وَسَائِل الْمعرفَة وَلنَا إِلَيْكُم شوافع المحالفة إِن أَحْسَنْتُم المراعاة والمعارف عِنْد أمثالكم من ذَوي الْعُقُول الراجحة والأحلام الوافرة ذمم لَا يضيع حفظهَا
стр. 1103
- الْمَعْنى يَقُول أَنْتُم تطلبون لنا عَيْبا فيعجزكم وجوده وَهَذَا تعنيف لسيف الدولة على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ يطْلبُونَ لنا عَيْبا تغضبون بِهِ عينا وتصغون إِلَى الطاعن مِنْهُم علينا فِيمَا ينْقل إِلَيْكُم وَلَا يمكنكم ذَلِك وَيكرهُ الله مَا تأتون من ذَلِك ويسخطه ويكرهه الْكَرم الَّذِي يلزمكم الْإِنْصَاف وَالْعدْل وَيُوجب عَلَيْكُم الْمُحَافظَة وَالْعقل
٢٩ - الْإِعْرَاب ذان إِشَارَة إِلَى الْعَيْب وَالنُّقْصَان الْغَرِيب الثريا مَعْرُوفَة هِيَ أنجم مجتمعة والهرم الْكبر وَالْعجز الْمَعْنى أَنا بعيد عَن الْعَيْب والنقيصة كبعد الثريا من الشيب وَالْكبر فَكَمَا لَا يلْحقهَا الشيب والهرم فَأَنا كَذَلِك لَا يلحقني الْعَيْب وَالنُّقْصَان فَمَا أبعد الْعَيْب وَالنُّقْصَان عَن شرفي ورفعته وعرضي وسلامته
٣٠ - الْغَرِيب الْغَمَام السَّحَاب وَالصَّوَاعِق جمع صَاعِقَة وَهِي قِطْعَة من نَار تسْقط بأثر الرَّعْد الشَّديد وَيُقَال صَاعِقَة وصاقعة والديم جمع دِيمَة وَهِي مطر يَدُوم مَعَ سُكُون الْمَعْنى يُشِير إِلَى الممدوح معنفا لَهُ على إصغائه إِلَى الطاعنين عَلَيْهِ أَي لَيْت هَذَا الْملك الَّذِي يشبه الْغَمَام بجوده ويخلفه بعقله الَّذِي عِنْدِي صواعقه يُرِيد مَا يلْحقهُ من الْأَذَى مِمَّن حوله يزِيل تِلْكَ الصَّوَاعِق إِلَى الحاسدين فيشاركونني فِي بؤسه كَمَا يشاركونني فِي فَضله وَالْمعْنَى لبته أَزَال الشَّرّ الَّذِي عِنْدِي إِلَى من عِنْده النَّفْع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(فَلَوْ شاءَ هَذَا الدَّهْرُ أقْصرَ شَرَّهُ ... كَمَا قَصُرَتْ عَنَّا لهُاهُ وَنائلُهُ)
وَمثله لِابْنِ الرُّومِي
(أعِنْدِيَ تَنْقَضُّ الصَّوَاعقُ منْكُما ... وَعِنْدَ ذَوي الكُفرِ الحيا وَالثرَى الجعْدُ)
وللبحتري
(سَيْلُهُ يَقْصِدُ العِدَى وَتُجاهي ... خُلْفُ إيماضِ بَرْقهِ وجُمُودُهْ)
وَأَخذه السّري الْموصِلِي فَقَالَ
(وَأنا الفِدَاءُ لمَنْ مخَيِلَةُ بَرْقِهِ ... حَظِّي وَحظُّ سوَايَ مِنْ أنْوَائِهِ)
وألفاظ السّري وسبكه أحسن من الْجَمَاعَة
стр. 1104
- الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والوخد والرسم ضَرْبَان من السّير والوخادة من الْإِبِل الَّتِي تسير بالوخد واحدتها واخدة والرسم الَّتِي تسير بالرسيم واحدتها رسوم وراسم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح النَّوَى هُنَا النِّيَّة أَو الْمنزلَة مَا بَين المرحلتين يُرِيد تَقْتَضِي مراحل شدادا لَا ترْتَفع وَقَالَ الواحدى يكلفني الْبعد عَنْكُم قطع كل مرحلة لَا تقوم بقطعها الْإِبِل المسرعة وَالْمعْنَى أرى النَّوَى الَّتِي أريدها والرحلة الَّتِي أعتقدها تقتضيني تجشم كل مرحلة وافية لَا تستبد بهَا الْإِبِل لبعد منالها وَلَا تطيقها لشدَّة أهوالها
٣٢ - الْإِعْرَاب ليحدثن اللَّام لَام جَوَاب الْقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط فَإِنَّهُمَا إِذا اجْتمعَا كَانَ الْجَواب للقسم وَترك جَوَاب الشَّرْط وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل﴾ وَفِي الْكتاب الْعَزِيز مثل هَذَا كثير الْغَرِيب ضمير جبل على يَمِين طَالب مصر من الشَّام وَهُوَ قريب من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن قصدت مصر ليحدثن لمن ودعتهم نَدم على مفارقتي لَهُم وأسف على رحيلي عَنْهُم يُشِير بذلك إِلَى سيف الدولة أَنه ينْدَم على فِرَاقه فَكَانَ كَمَا قَالَ
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول إِذا سرت عَن قوم وهم قادرون على إكرامك بارتباطك حَتَّى لَا تحْتَاج إِلَى مفارقتهم فهم المختارون للارتحال يُشِير بِهَذَا إِلَى إِقَامَة عذره فِي فراقهم أَي أَنْتُم تختارون الْفِرَاق إِذْ ألجأتموني إِلَيْهِ قَالَ الْخَطِيب إِن الرجل إِذا فَارق أُنَاسًا وَقد ظنُّوا أَنه غير مفارق لَهُم أسفوا لَهُ فكأنهم راحلون وَقَالَ ابْن القطاع رحلت عَن الْمَكَان انْتَقَلت ورحلت غَيْرِي نقلته وسفرته وَمَعْنَاهُ إِذا ترحلت عَن قوم قَادِرين على أَن لَا يفارقوك فالراحلون عَنْك هم وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب نَفسه وَيُشِير إِلَى سيف الدولة حَتَّى لَا يذمه فِي رحلته قَائِما فِي ذَلِك عَن نَفسه بحجته أَي إِذا رَحل الراحل عَن قوم وهم قادرون على إزاحة علته بإسعاف رغبته وأغفلوه حَتَّى ترحل عَنْهُم وَانْقطع بالزوال مِنْهُم فهم الَّذين رحلوه وأزعجوه وأخرجوه وَهُوَ مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم من لم يردك لنَفسِهِ فَهُوَ النائي عَنْك وَإِن تَبَاعَدت أَنْت عَنهُ وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(وَمَا القفر بالبيد القواء بل الَّتِي ... نبت بِي وفيهَا ساكنوها هِيَ القفر)
стр. 1105
الْغَرِيب يصم يعيب والوصم الْعَيْب وَجمعه وَصَوْم والوصم الصدع فِي الْعود من غير بينونة والرخم جمع رخمة وَهُوَ طَائِر أبقع يشبه النسْر فِي الْخلقَة يُقَال لَهُ الأنوق قَالَ الْأَعْشَى
(يَا رَخَما قاظَ عَلى مَسْلُوبِ ... يُعْجلُ كَفَّ الخارِىِء المُطيبِ)
الْمَعْنى يَقُول شَرّ الْبِلَاد بِلَاد لَا يُوجد فِيهَا من يؤنس بوده ويسكن إِلَى كريم فعله وَشر مَا كَسبه الْإِنْسَان مَا عابه وأذله يُرِيد أَن هبات سيف الدولة وَإِن كثرت مَعَ جلالتها وسعتها لَا تعادل تَقْصِيره فِي حَقه وإيثاره لحساده وَشر مَا قنصه الصَّائِد وظفر بِهِ قنص يشركهُ فِيهِ البزاة الشهب مَعَ رفعتها والرخم مَعَ سقاطتها ودناءتها وَضَعتهَا يُشِير بذلك إِلَى أَن مَا وهبه من بره وَأظْهر عَلَيْهِ من إحسانه وفضله شَاركهُ فِيهِ من حساده أهل الغباوة ونازعه فِيهِ أهل الْعَجز والجهالة وَالْمعْنَى إِذا تساويت أَنا وَمن لَا قدر لَهُ فِي أَخذ عطائك فَأَي فضل لي عَلَيْهِ وَمَا كَانَ من الْفَائِدَة كَذَا فَلَا أفرح بِهِ
٣٦ - الْغَرِيب زعنفة بِكَسْر الزَّاي وَجمعه زعانف وهم اللئام السقاط من النَّاس وَهُوَ مَأْخُوذ من زعنفة الْأَدِيم وَهُوَ مَا سقط من زوائده الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة بِأَيّ لفظ تَقول الشّعْر أراذل النَّاس لَا عرب وَلَا عجم يُرِيد لَيست لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم فليسوا شَيْئا وَقَالَ الواحدى يَقُول هَؤُلَاءِ الخساس اللئام من الشُّعَرَاء بِأَيّ لفظ يَقُولُونَ الشّعْر وَلَيْسَت لَهُم فصاحة الْعَرَب وَلَا تَسْلِيم الْعَجم والفصاحة للْعَرَب فليسوا شَيْئا وصحف بَعضهم فَقَالَ يخور من خوار الثور وَهُوَ صَحِيح فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ تصحيفا من حَيْثُ الرِّوَايَة وَهُوَ كَمَا يروي أَن رجلا قَرَأَ على حَمَّاد الرِّوَايَة شعر عنترة
(إذْ نَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ ... )
فَقَالَ إِذْ تستنبك فأبدل من الْبَاء نونا فَضَحِك حَمَّاد وَقَالَ أَحْسَنت لَا أرويه بعد الْيَوْم إِلَّا كَمَا قَرَأت
стр. 1106
- الْغَرِيب المقة الْمحبَّة والود والكلم لَا يكون أقل من ثَلَاث كَلِمَات وَالْكَلَام قد يَقع على الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لِأَنَّك لَو قلت لرجل من ضربك فَقَالَ زيد لَكَانَ متكلما فَالْكَلَام يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير فَالْكَلَام مَا أَفَادَ وَإِن بِكَلِمَة والكلم جمع كلمة كنبقة ونبق وثفنة وثفن وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا بَاب علم مَا الْكَلم من الْعَرَبيَّة وَلم يقل الْكَلَام لأته أَرَادَ أَن يُفَسر ثَلَاثَة أَشْيَاء الِاسْم وَالْفِعْل والحرف فجَاء بِمَا لَا يكون إِلَّا جمعا وَترك مَا يُمكن أَن يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب﴾ وَقَالَ كثير
(وَإني لَذُو كَلْمٍ عَلى كَلِمِ العِدَى ... )
وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿يُرِيدُونَ أَن يبدلوا كَلَام الله﴾ وَتَمِيم تَقول فِي كلمة كَلمه بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام مثل كبد وكبد وكبد وورق وورق وورق الْمَعْنى يَقُول هَذَا الَّذِي أَتَاك من الشّعْر عتاب مني إِلَيْك وَهُوَ محبَّة لِأَن العتاب يجْرِي بَين المحبين وَهُوَ در حسن نظمه وَلَفظه إِلَّا أَنه كَلِمَات وَالْمعْنَى هَذَا عتابك وَهُوَ وَإِن أمضك وأزعجك محبَّة خَالِصَة ومودة صَادِقَة فباطنه غير ظَاهره كَمَا أَنه قد ضمن الدّرّ لحسنه وَإِن كَانَ كلما معهودا فِي ظَاهر لَفظه وَلما أنْشد هَذِه القصيدة وَانْصَرف كَانَ فِي الْمجْلس رجل يعاديه فَكتب إِلَى أبي العشائر على لِسَان سيف الدولة كتابا إِلَى أنطاكية يشْرَح لَهُ فِيهِ ذكر القصيدة وأغراه بِهِ فَوجه أَبُو العشائر عشرَة من غلمانه فوقفوا قَرِيبا من بَاب سيف الدولة فِي اللَّيْل وأنفذوا إِلَيْهِ رَسُولا على لِسَان سيف الدولة فَلَمَّا قرب مِنْهُم ضرب رجل مِنْهُم بِيَدِهِ إِلَى عنان فرسه فسل أَبُو الطّيب السَّيْف فَوَثَبَ عَلَيْهِ الرجل وَتَقَدَّمت فرسه بِهِ فَعبر قنطرة كَانَت بَين يَدَيْهِ وَأصَاب أحدهم فرسه بِسَهْم فانتزعه واستقلت الْفرس بِهِ وتباعد بهم ليقطعهم من مدد إِن كَانَ لَهُم وَرجع إِلَيْهِم بعد أَن فني نشابهم فَضرب أحدهم بِالسَّيْفِ فَقطع الْوتر وَبَعض الْقوس وأسرع السَّيْف فِي ذراعه فوقفوا على صَاحبهمْ الْمَجْرُوح وَسَار وتركهم فَلَمَّا يئسوا مِنْهُ قَالَ أحدهم نَحن غلْمَان أَبى العشائر فَحِينَئِذٍ قَالَ
(وَمُنْتَسِبٍ عِنْدِي إِلَى مَنْ أحِبُّهُ ... وَللنَّبْلِ حوْلي مِنْ يَدَيْهِ حَفِيف)
وَقد تقدم شرحها فِي حرف الْفَاء
стр. 1107
- ١ الْإِعْرَاب زَالَ خبر وَلَيْسَ هُوَ دُعَاء فَلَيْسَ كَقَوْلِك غفر الله لَك فِي عرض كلامك أَلا ترَاهُ خاطبه بعد زَوَال مَا كَانَ يجده وَصدر الْبَيْت خبر فَكَذَلِك عَجزه الْمَعْنى يَقُول الْمجد عوفي بعافيتك وَالْكَرم صَحَّ بصحتك وَزَالَ الْأَلَم إِلَى أعدائك الَّذين تَأَخّر عَنْهُم غزوك وأغمد دونهم سَيْفك وَهُوَ من قَول حبيب
(سلِمْتَ فإنْ كانتْ لكَ الدَّعْوَةُ اسمَها ... وَكانَ الَّذي يَحْظىَ بإنْجاحِها المجْدُ)
٢ - الْغَرِيب الغارات جمع غَارة والديم جمع دِيمَة وَهِي الْمَطَر الدَّائِم مَعَ سُكُون وابتهجت فرحت واستبشرت الْمَعْنى يَقُول صحت الغارات بِتمَام صحتك وانتظمت الجيوش بانتظام قوتك وابتهجت بذلك المكارم وأشرق حسنها وانهلت الديم واتصل نَفعهَا وَكَانَت الأمطار مُنْقَطِعَة فَلَمَّا عوفي صَادف اتصالها عافيته
٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الشَّمْس مَرضت لمرضه حزنا عَلَيْهِ فَعظم الْأَمر فِي علته كعادة الشُّعَرَاء وَيُرِيد أَن الشَّمْس فقدت نورها أَيَّام مَرضه فَكَانَ فقد ذَلِك كاسفا لَهَا فَقَالَ رَاجع الشَّمْس بصحتك وعاودها بِزَوَال علتك نور كَانَ فَقده كالسقم فِي جسمها أَو النُّقْصَان المضر بحسنها
٤ - الْغَرِيب الْعَارِض مَا يَلِي الناب من دَاخل الْفَم وَيُقَال هُوَ الناب الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة لَاحَ لي ببشرك وبدا لي بتبسمك برق لامع وَنور سَاطِع لَا يسْقط الْغَيْث إِلَّا فِي أَثَره وَلَا يُوجد إِلَّا فِي مَوْضِعه يُشِير إِلَى الْعَطاء الَّذِي يَتْلُو بشره وَيُرِيد أَنه إِذا تَبَسم أعْطى مَاله فَيصير ذَلِك الْمَكَان كَأَن الْغَيْث قد نزل بِهِ لِأَنَّهُ أخصب بجوده
стр. 1108
- الْغَرِيب تَقول سميته وأسميته وسميته والمخدوم الَّذِي يَخْدمه غَيره والخدم جمع خَادِم الْمَعْنى يَقُول هُوَ يُسمى بِالسَّيْفِ وَالسيف لَا يُشبههُ ويوصف بِهِ وَهُوَ لَا يعدله وَكَيف يشْتَبه المخدوم وَالْخَادِم ويعدم الْملك بِمن هُوَ بأَمْره وطاعته قَائِم
٦ - الْغَرِيب المحتد الأَصْل من قَوْلهم حتد بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ عَرَبِيّ الأَصْل فالعرب تخْتَص بالفخر بِهِ إِذْ هُوَ مِنْهُم وحصلت الشّركَة للعجم مَعَ الْعَرَب فِي إحسانه وعطائه وَهُوَ من قَول البحتري
(غَدا قَسْمهُ عَدْلًا فَفِيكُمْ نَوَالُهُ ... وَفي سِرّ نَبهانِ بنِ عَمرٍ ومآثِرُهُ)
٧ - الْغَرِيب الآلاء النعم الْوَاحِدَة إِلَى وَمِنْه قَول الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وُجُوه يَوْمئِذٍ ناضرة إِلَى رَبهَا ناظرة﴾ قَالَ نعْمَة رَبهَا الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَت الْأُمَم مُشْتَركَة فِي إنعامه وَأَن نصرته خَالِصَة لدين الْإِسْلَام لَا ينصر غَيره من الْأَدْيَان أَي جعل الله نصرته خَالِصَة لِلْإِسْلَامِ وَإِن كَانَ قد شَمل الْأُمَم بِالْفَضْلِ وَالْإِحْسَان
٨ - الْمَعْنى يَقُول مَا أخصك فِي التهنئة بعافيتك مُنْفَردا بل سَلامَة النَّاس مَوْصُولَة بسلامتك وكفاية الله لَهُم متمكنة بكفايتك وَقَالَ سلمُوا على معنى كل لَا على لَفظهَا وَقد جَاءَ فِي الْكتاب الْعَزِيز على لفظ كل وعَلى مَعْنَاهَا فَأَما على لَفظهَا فَقَوله تَعَالَى ﴿وَكلهمْ آتيه﴾ وَأما على مَعْنَاهَا فَقَوله تَعَالَى ﴿وكل أَتَوْهُ داخرين﴾ وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وعَلى ﴿أَتَوْهُ﴾ مَقْصُورا وَالْمعْنَى من قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(لَوْ عَلمَ النَّاسُ كَيْفَ أنتَ لهمْ ... ماتَ إذَا مَا ألمِتَ أكْثرُهُمْ)
стр. 1109
- ١ الْمَعْنى يَقُول قد سمعنَا مَا رَأَيْت فِي النّوم وَأَعْطَيْنَاك بدرة وَهِي عشرَة آلَاف دِرْهَم وأجزلنا لَك الصِّلَة فِي الْمَنَام
٢ - الْغَرِيب النوال الْعَطاء والانتباه من النّوم هُوَ الْيَقَظَة الْمَعْنى يَقُول كَانَ سؤالك فِي النّوم مثل الْعَطاء الَّذِي أعطيناك فانتبهت بِلَا شَيْء وَكَذَلِكَ نَحن كَانَ نوالنا على نَحْو مدحك وجودنا على سَبِيل قَوْلك يُشِير إِلَى تسفيه رَأْيه وتخطئة فعله إِذْ لم يَجْعَل مدحه لسيف الدولة غَرضا يَقْصِدهُ وأمرا وَاجِبا يعتمده
٣ - الْمَعْنى يزري عَلَيْهِ بِمَا فعل فَقَالَ كنت فِي الَّذِي رَأَيْته نَائِما فَهَل كنت وَقت الْكِتَابَة نَائِما أَيْضا اللَّفْظ كَانَ رديئا والخط رديئا
٤ - الْغَرِيب لَا بِمَعْنى لَيْسَ كبيت الْكتاب
(فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لَا بَرَاحُ ... )
الْمَعْنى يَقُول أَيهَا المشتكي الْفقر فِي نَومه والمتوجع للإقلال فِي حلمه والإقلال يطرد النّوم والإعدام يبطل الْحلم كَيفَ قدرت على النّوم مَعَ الْعَدَم
٥ - الْمَعْنى افْتَحْ عَيْنَيْك وَصحح قَوْلك وَلَا تخدع بالأحلام نَفسك وميز مَا يُخَاطب بِهِ سيف الإِمَام يُرِيد الْخَلِيفَة وَلَا تخاطبه بِمَا تخاطب بِهِ سَائِر النَّاس
٦ - الْإِعْرَاب يجوز أَن يكون الَّذِي فِي مَوضِع جر على الْبَدَل من سيف الإِمَام وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع على خبر الِابْتِدَاء وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع نصب على الْمَدْح الْمَعْنى يُرِيد الَّذِي لَا يغنى عَنهُ أحد وَلَا يكون مِنْهُ بدل لجلالة قدره وَلَا يحمى عَلَيْهِ فِيمَا يَطْلُبهُ أحد فَلَا يُغني عَنهُ أحد لعُمُوم فَضله وَلَا يكون مِنْهُ بدل لجلالة قدره وَلَا يحتمي عَلَيْهِ مَا طلبه لسعة مقدرته وَلَا يمْتَنع دونه لنفوذ أمره فِيهِ
٧ - الْغَرِيب الآخاء جمع أَخ كالآباء جمع أَب الْمَعْنى يَقُول كل كرام بنى الدُّنْيَا آخاؤه لأَنهم يوافقونه فِي رَأْيه ويشابهونه فِي فعله لكنه المبرز فيهم والمقدم عَلَيْهِم لِأَنَّهُ كريم كريمهم والمحتوى على جَمِيع فعالهم فَهُوَ أكْرمهم وأفضلهم وأشرفهم
стр. 1110
- ١ الْغَرِيب العزائم جمع عَزِيمَة وَهِي مَا يعزم الْإِنْسَان عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول عَزِيمَة الرجل على مِقْدَاره وَكَذَلِكَ مكارمه فَمن كَانَ كَبِير الهمة قوي الْعَزْم عظم الْأَمر الَّذِي يعزم عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ المكارم إِنَّمَا تكون على قدر أَهلهَا فَمن كَانَ أكْرم كَانَ مَا يَأْتِيهِ من المكارم أعظم وَالْمعْنَى أَن الرِّجَال قوالب الْأَحْوَال إِذا صغروا صغرت وَإِذا كبروا كَبرت فعلى قدر أهل الْعَزْم من الْمُلُوك وَمَا يكونُونَ عَلَيْهِ من نَفاذ الْأَمر وتظاهر الْعُلُوّ والرفعة تكون عزائمهم وعَلى قدر الْكِرَام فِي مَنَازِلهمْ واستبانة فضائلهم تكون مكارمهم فِي جلالتها وأفعالها فِي قوتها وفخامتها وَهَكَذَا كَقَوْل عبد الله ابْن طَاهِر
(إنَّ الفُتُوحَ عَلى قَدْرِ المُلوك وَهِمْمَاتِ ... الوُلاةِ وَأقْدَامِ المقاديِرِ)
وَكَانَ سَبَب هَذِه القصيدة أَن سيف الدولة سَار نَحْو ثغر الْحَدث وَكَانَ أَهلهَا قد سلموها بالأمان إِلَى الدمستق فَنزل بهَا سيف الدولة فِي جُمَادَى الْآخِرَة سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وثلاثمائة فَبَدَأَ فِي يَوْمه فحط الأساس وحفر أَوله بِيَدِهِ ابْتِغَاء مَا عِنْد الله تَعَالَى فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة نازله ابْن الفقاس دمستق النَّصْرَانِيَّة فِي خمسين ألف فَارس وراجل من جموع
стр. 1111
الرّوم والأرمن والبلغر والصقلب وَوَقعت الْوَقْعَة يَوْم الِاثْنَيْنِ سلخ جُمَادَى الْآخِرَة وَأَن سيف الدولة حمل بِنَفسِهِ فِي نَحْو من خَمْسمِائَة من غلمانه فقصد موكبه فَهَزَمَهُ وأظفر الله بِهِ وَقتل ثَلَاثَة آلَاف من مقاتلته وَأسر خلقا كثيرا فَقتل بَعضهم واستبقى الْبَعْض وَأسر تودس الْأَعْوَر بطرِيق سمندو وَهُوَ صهر الدمستق على ابْنَته وَأسر ابْن الدمستق وَأقَام على الْحَدث إِلَى أَن بناها وَوضع بِيَدِهِ آخر شرافة مِنْهَا يَوْم الثُّلَاثَاء آخر ثَالِث عشرَة لَيْلَة خلت من رَجَب وَفِي هَذَا الْيَوْم أنْشد أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة لسيف الدولة بِالْحَدَثِ
٢ - الْمَعْنى يَقُول صغَار الْأُمُور عَظِيمَة فِي عين الصَّغِير الْقدر وعظامها صَغِيرَة فِي عين الْعَظِيم الْقدر يُشِير بذلك إِلَى شرف سيف الدولة وَمَا فعل فِي الْوَقْعَة الَّتِي ذكرنَا من نَفاذ عزمه وجلالة قدره وَالْهَاء فِي صغارها للعزائم أَو المكارم قَالَ أَبُو الْفَتْح وَيحْتَمل أَن يرجع إِلَى الْجَمِيع
٣ - الْغَرِيب الخضارم جمع خضرم وَهُوَ الْعَظِيم الْكَبِير من كل شَيْء وَمن روى البحور الخضارم فَهُوَ غلط وَالصَّحِيح الجيوش الْمَعْنى يُكَلف جَيْشه مَا فِي همته من الْغَزَوَات والغارات وَلَا يتَحَمَّل ذَلِك الجيوش الْكَثِيرَة لِأَن مَا فِي همته لَيْسَ فِي طَاقَة الْبشر تحمله وَالْمعْنَى يُكَلف جَيْشه اسْتِيفَاء مَا تبلغه همته وتنعقد عَلَيْهِ نِيَّته والجيوش العظمية تعجز عَن ذَلِك وَلَا تُدْرِكهُ وتقصر عَنهُ وَلَا تلْحقهُ
٤ - الْغَرِيب الضراغم جمع ضرغام وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يُرِيد سيف الدولة أَن يكون النَّاس مثله فِي الشجَاعَة وَذَلِكَ شَيْء لَا يَدعِيهِ الْأسد والأسد لَا تَدعِي أَنَّهَا مثله فِي الشجَاعَة وَالْمعْنَى يطْلب أَصْحَابه وَأَتْبَاعه بِمَا عِنْده من الْبَأْس والنجدة والإقدام والشدة وَذَلِكَ مَا لَا تُطِيقهُ الْأسود العادية وَلَا تدعيه الضراغم الباسلة
٥ - الْغَرِيب القشاعم النسور الطويلات الْعُمر وَمِنْه سميت الْمنية أم قشعم لطول عمرها والملا وَجه الأَرْض والأحداث الشَّابَّة وَاحِدهَا حدث وَهُوَ الشَّاب الْإِعْرَاب نسور بدل من أتم الطير وَقيل هُوَ عطف بَيَان وأحداثها والقشاعم عطف بَيَان
стр. 1112
الْمَعْنى يَقُول يفْدي أطول الطير عمرا سلَاح سيف الدولة وَبَين هَذَا الصِّنْف فَقَالَ أحداثها وقشاعمها أَي أصاغرها وأكابرها وَإِنَّمَا يفْدِيه لَو جود الجثث فِي وقائعه والاستبشار بِكَثْرَة ملاحمه
٦ - الْغَرِيب المخالب جمع مخلب وَهُوَ الظفر لسباع الطير والقوائم جمع قَائِم وَهُوَ قَائِم السَّيْف الْمَعْنى يَقُول مَا ضرّ الْأَحْدَاث من النسور يَعْنِي الْفِرَاخ والقشاعم وَهِي المسنة الَّتِي ضعفت عَن طلب الرزق وَخص هذَيْن النَّوْعَيْنِ لعجزها عَن طلب الْقُوت يَقُول لَيْسَ يضرهما أَن لَا يكون لَهما مخالب قَوِيَّة مفترسة بعد أَن خلقت أسياف سيف الدولة فَإِنَّهَا تقوم بكفاية قوتها قَالَ الواحدى وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى وَمَا ضرها لَو خلقت بِغَيْر مخالب كَمَا تَقول مَا ضرّ النَّهَار ظلمته مَعَ حضورك وَلَيْسَ النَّهَار بمظلم لكنك تُرِيدُ مَا ضره لَو خلق مظلما وَالْمعْنَى مَا يَضرهَا أَن تخلق بِغَيْر مخالب تستعملها فِيمَا تَأْكُله وتصرفها فِيمَا تنشبه لِأَن سيوفه تبلغها فِي ذَلِك مَا ترغبه وَتفعل لَهَا مَا تريده وتطلبه وَقد ذكر الطير فِي مَوَاضِع فَأحْسن وَجَاء بِمَا لم يسْبق إِلَيْهِ بقوله
(وَيُطْمِعُ الطَّير فيهمْ طُولُ أكْلهم ... حَتَّى تَكادَ عَلى أحيْائِهمْ تَقَع)
وَمن مستحسن قَوْله فِي وصف الْجَيْش
(وَذِي لجَبٍ لاذُو الجَناحِ أمامَهُ ... بِناجٍ وَلا الوَحْشُ المُثارُ بِسالِمِ)
(تَمُرُّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَهْيَ ضَعِيفَةٌ ... تُطالِعُهُ مِنْ بَينِ رُؤُسٍ القَشاعِمِ)
وَقد ذكر الطير جمَاعَة ذَكَرْنَاهُمْ قبل هَذَا وَقد أَخذ معنى أبي الطّيب أَبُو نصر بن نباتة بقوله
(وَبَوْماكَ يَوْمٌ لِلعُفاةِ مُذَلَّلٌ ... وَيَوْمٌ إِلَى الأعْدَاءِ مِنْكَ عَصَبْصَبُ)
(إذَا حَوَّمَتْ فَوْقَ الرّماحِ نُسُورُهُ ... أطارَ إلَيْها الضَّرْبُ مَا تَترَقَّبُ)
وَله أَيْضا
(وَإنَّكَ لَا تَنْفَكُّ تَحتَ عَجاجَةٍ ... تُقَطَّعُ فِيها المشْرِفِيَّةُ بالطُّلَي)
إذَا يَئِسَتْ عقْبانُها مِنْ خَصِيَلِةٍ ... رَفَعْتَ إلَيها الدَّارِعينَ عَلى القُلَي)
الخصيلة كل عصبَة فِيهَا لحم غليظ والطلي الْأَعْنَاق
٧ - الْإِعْرَاب أَي ابْتِدَاء والغمائم الْخَبَر وَتعلم مَكْفُوفَة عَن الْعَمَل
стр. 1113
الْغَرِيب الْحَدث هِيَ القلعة الَّتِي بناها وَهِي فِي بِلَاد الرّوم وَعَلَيْهَا كَانَت الْوَقْعَة وسماها حَمْرَاء لِأَنَّهُ بناها بحجارة حمر وَقيل سَمَّاهَا حَمْرَاء لِكَثْرَة مَا أجْرى عِنْدهَا من الدِّمَاء الْمَعْنى يَقُول هَل تعرف القلعة لَوْنهَا لِأَنَّهُ غير لَوْنهَا إِمَّا بِالْحِجَارَةِ وَإِمَّا بالدماء وَهل تعلم أَي السَّاقَيْن سَقَاهَا الغمائم أم الجماجم وَترك ذكر الجماجم اكْتِفَاء بِذكر الغمائم وَهِي السحائب وَاحِدهَا غمامة وكقول الْهُذلِيّ
(دَعاني إليْها القَلْبُ إنّي لأمْرِهِ ... مُطِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها)
أَرَادَ أرشد أم غي فَحذف اكْتِفَاء برشد وَقد بَين أَبُو الطّيب الْمَعْنى فِي الْبَيْت الثَّانِي بقوله
٨ - الْغَرِيب الغر ذَوَات الْبَرْق والجماجم جمع جمجمة الْمَعْنى يَقُول سَقَاهَا الْغَمَام قبل نزُول سيف الدولة بهَا وجادها قبل حُلُوله فِيهَا فَلَمَّا حلهَا أوقع فِيهَا بالروم الَّذين حاولوا مَنعه من بنيانها فقتلتهم جيوشه وفلقت هامهم سيوفه فسفك فِيهَا من دِمَائِهِمْ مَا ماثل الْمَطَر الَّذِي جاد بهَا والسحاب فِي كثرته وقاومه فِي جملَته
٩ - الْمَعْنى يَقُول بنى سيف الدولة القلعة وأذل الرّوم بالإيقاع بهم وقهرهم بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِم بعد أَن تقارع القنا فِي حربهم وتلاطم موج الْمَوْت فِي منازلتهم
١٠ - الْغَرِيب الجثث جمع جثة وَهِي الْجَسَد والتمائم العوذ وَاحِدهَا تَمِيمَة الْمَعْنى جعل الِاضْطِرَاب بالفتنة فِيهَا جنونا لَهَا وَذَلِكَ أَن الرّوم كَانُوا يقصدونها ويحاربون أَهلهَا فَلَا تزَال الْفِتْنَة بهَا قَائِمَة فَلَمَّا قتل سيف الدولة الرّوم وعلق الْقَتْلَى على حيطانها سكنت الْفِتْنَة وَسلم أَهلهَا فَجعل جثث الْقَتْلَى كالتمائم عَلَيْهَا حَيْثُ أذهبت مَا بهَا من الْجُنُون وَهُوَ إسكان الْفِتْنَة فَكَأَن الْفِتْنَة كَانَت جنونا فسكن سيف الدولة تِلْكَ المخافة وأذهبت تِلْكَ المهابة وَترك حولهَا من جثث الرّوم مَا قَامَ لَهَا مقَام التمائم وأمنها من جَمِيع المحاذر وَقد لَاذَ بقول حبيب
(تكادُ عَطاياهُ يُجَنُّ جُنُوُنها ... إذَا لمْ يُعَوّذْها بِنَغْمَةِ طَالِبِ)
قَالَ أَبُو الطّيب مَا رد على أحد شَيْئا فقبلته إِلَّا سيف الدولة فَإِنِّي أنشدته وَمن جيف الْقَتْلَى فَقَالَ لي مَه قل من جثث الْقَتْلَى فَقبلت وَقلت كَمَا قَالَ لي
стр. 1114
- الْغَرِيب الطريدة المطرودة وفعيل بِمَعْنى مفعول كثير فِي الْكَلَام نَحْو قَتِيل وأسير والخطى الرماح وأصل الرغم أَن يلتصق الْأنف بِالتُّرَابِ الْمَعْنى جعلهَا طريدة الدَّهْر بِأَن سلط عَلَيْهَا الرّوم حَتَّى أخربوها فَأَعَادَ بناءها سيف الدولة وردهَا على أهل الْإِسْلَام برغم الدَّهْر حِين خَالفه فِيمَا قصد فَهُوَ يُخَاطب سيف الدولة بقوله كَانَت هَذِه الْمَدِينَة طريدة دهر أخرجهَا الدَّهْر عَن مدن الْإِسْلَام وأزعجها من بَينهم لعدم الْعمرَان فرددتها على الْإِسْلَام بتعميرك لَهَا واغتصبتها من الرّوم بدفعهم عَنْهَا وغالبت الدَّهْر الَّذِي ساعدهم عَلَيْهَا فغلبته وقارعته دونهَا فأرغمته
١٢ - الْغَرِيب تفيت تفعل من الْفَوْت والغوا رم جمع غارمة الْمَعْنى قَالَ الواحدى اللَّيَالِي إِذا أخذت شَيْئا ذهبت بِهِ فَإِن أخذت مِنْك غرمت لِأَنَّك تلزمها الغرامة قَالَ وَيجوز أَن يكون تفيت مُخَاطبَة على رِوَايَة من روى أَخَذته بِالتَّاءِ يَقُول إِذا سلبت اللَّيَالِي شَيْئا أفته عَلَيْهَا فَلم تقدر على اسْتِرْدَاده وَهِي إِذا أخذت مِنْك شَيْئا غرمت يَعْنِي أَنْت أقوى من الدَّهْر فَإِنَّهُ لَا يقدر على مخالفتك وَهَذَا من قَول الآخر
(فَما أدْرَكَ السَّاعُونَ فِبنا بوِتْرِهِمْ ... وَلا فاتَنا مِنْ سِائرِ النَّاس وَاترِ)
وكقول الطرماح
(إنْ نأْخُذَ النَّاسَ لَا تُدْرَكْ أخيذَتُنا ... أوْ نَطَّلِبْ نَتَعَدَّ الحَقَّ فِي الطَّلَبِ)
وَقَالَ الْخَطِيب وَابْن القطاع كِلَاهُمَا اشْتَركَا فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى قَالَا من رَوَاهُ بالنُّون أفسد الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع قَالَ لي شَيْخي مُحَمَّد بن الْبَراء التَّمِيمِي قَالَ لي صَالح بن رشد قَرَأت على المتنبي أحذنه بالنُّون فَقَالَ صحفت يَا أَبَا عَليّ قلت وَكَيف قلت فَقَالَ قلت أَخَذته بِالتَّاءِ لِأَنِّي لَو قلت بالنُّون لأفسدت الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب ونقضت قولي فِي آخر الْبَيْت وَذَلِكَ أَن تفيت يتَعَدَّى إِلَى مفعولين فَإِذا جعلت اللَّيَالِي فَاعله ونصبت كل شَيْء لم يكن مفعول ثَان ففسد الْإِعْرَاب وَإِذا قلت بِالتَّاءِ جعلت اللَّيَالِي مَفْعُولا أول وكل شَيْء ثَانِيًا وَأما فَسَاد الْمَعْنى فَلَو جعلت اللَّيَالِي الفاعلة لجعلتها تفيت كل شَيْء وَلَا تغرمه ثمَّ نقضته بِقَوْلِي وَهن لما يَأْخُذن مِنْك غوارم وَإِنَّمَا الْمَعْنى تفيت يَا سيف الدولة اللَّيَالِي كل شَيْء أَخَذته مِنْهَا فَلَا تغرمه لَهَا وَهن غوارم لَك مَا يَأْخُذن فصح الْمَعْنى
١٣ - الْغَرِيب الْفِعْل الْمُضَارع مَا كَانَ فِيهِ إِحْدَى الزَّوَائِد الْأَرْبَع الْألف للمتكلم
стр. 1115
وَالنُّون للْجَمَاعَة وَالْيَاء للْغَائِب وَالتَّاء للمخاطب وَالْمَرْأَة الغائبة والنحويون يسمون الْمُسْتَقْبل الْمُضَارع وَهُوَ يصلح للْحَال والاستقبال حَتَّى تدخل عَلَيْهِ سَوف أَو السِّين فَيصير للمستقبل خَاصَّة وَأَرَادَ أَبُو الطّيب هُنَا الِاسْتِقْبَال ليَصِح لَهُ الْمَعْنى لِأَن الْفِعْل الْحَاضِر لَا يجوز أَن يَنْوِي ويتوقع وَلَا يُؤمر بِهِ والجوازم حُرُوف الْجَزْم وَهِي لم وَلما وَمهما وحروف الشَّرْط فَهَذِهِ الْحُرُوف إِذا دخلت على الْفِعْل الصَّحِيح سكنته وَإِذا دخلت على المعتل حذفت حرف الْعلَّة مِنْهُ وَالْبَيْت بناه على التورية الْمَعْنى يَقُول إِذا نَوَيْت أمرا تَفْعَلهُ فَكَانَ ذَلِك فعلا مُسْتَقْبلا غير مَاض مضى ذَلِك الْفِعْل الَّذِي نويته قبل أَن يجْزم ذَلِك الْفِعْل يُرِيد مَا أسعده الله بِهِ وأظهره لَهُ من سعده فِي قَصده فَإِذا كَانَ مَا ينويه فعلا مُسْتَقْبلا وَلَفظ الْمُسْتَقْبل يَقع على الدَّائِم الَّذِي لم يَنْقَطِع وعَلى الْمُتَأَخر الَّذِي لم يَقع صَار ذَلِك الْفِعْل مَاضِيا بِوُقُوعِهِ مِنْهُ ومتصرفا بتمكنه مِنْهُ قبل أَن تلْحقهُ الجوازم فتثبته فِيمَا لم يجب وَتدْخل عَلَيْهِ فتخلصه فِيمَا لم يَقع قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول حبيب
(خَرْقاءُ يَلْعَبُ بالعُقُولِ حَبابُها ... كَتلاعبِ الأفْعالِ بِالأسماءِ)
١٤ - الْغَرِيب الروس فرقة تنضم إِلَى الرّوم والأساس مَا يَبْنِي عَلَيْهِ يُقَال أس الْحَائِط وأساسه وَجمع الأس آساس وَقد قَالُوا أسس بِالْفَتْح فِي أساس وَفِي جمع أساس أسس بِالضَّمِّ كقذال وقذل وَفِي جمع أس إساس كعس وعساس وَفِي جمع الأسس آساس كسبب وَأَسْبَاب واسست الْبناء تأسيسا والدعائم جمع دعامة وَهِي عماد الْبَيْت وكل شَيْء يسْتَند إِلَيْهِ ويتقوى بِهِ فَهُوَ دعامة وَمِنْه سمي السَّنَد الدعامة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ يرجون هدمها وَهِي موسسة بطعنك مدعومة بشجاعتك وجيشك فالطعن لَهَا كالأساس والجيش لَهَا كالدعائم فَكيف يرومون هدمها وَقد أسستها بالطعن الَّذِي أعملته فيهم وأدعمتها بِالْقَتْلِ الَّذِي سلطته عَلَيْهِم فَكيف يرومون هدمها وَهَذِه صُورَة بنيتها وَكَيف يحاولون إخلاءها وَهَذِه حَقِيقَة منعتها
١٥ - الْمَعْنى يَقُول حاكموها يَعْنِي القلعة وَكَانُوا ظالمين لَهَا وَكَانَت مظلومة فَلَمَّا حكمت السيوف قتلت الظَّالِم وأبقت الْمَظْلُوم فأهلكت الرّوم وجدد بِنَاء القلعة وَالروم خصمين وَالْحَرب حاكمة فحكمت الْحَرْب للقلعة بالسلامة وللروم بِالْهَلَاكِ فَمَا عاشوا مَعَ مَا حاولوه من الظُّلم لَهَا وَلَا مَاتَ ذكر القلعة مَعَ مَا أرادوه من الخراب لَهَا بل نصر الله فِيهَا سيف الدولة فَهزمَ جيوشهم وأظهره عَلَيْهِم فَفرق جموعهم
стр. 1116
- الْمَعْنى يَقُول إِنَّهُم اجترموا على نُفُوسهم وخيولهم ولبسوا الْحَدِيد وألبس خيولهم التجافيف حَتَّى صَارَت لَا تبين قَوَائِمهَا فَصَارَت كَأَنَّهَا لَا قَوَائِم لَهَا والقوائم هُنَا قَوَائِم الْخَيل وَفِي أول القصيدة
(وَقَدْ خْلِقَتْ أسيْافُهُ وَالقَوَائمُ ... )
فالقوائم قَوَائِم السيوف فَلهَذَا لم يكن فِي هَذِه القصيدة إيطاء وَلَو كَانَتَا بِمَعْنى لجَاز لِأَن الأول معرفَة وَهَذِه نكرَة والسرى سير اللَّيْل والجياد الْخَيل
١٧ - الْغَرِيب الْبيض السيوف الْمَعْنى جعل الرّوم يبرقون لِكَثْرَة مَا عَلَيْهِم من الْحَدِيد والبريق اللمعان وَلم يفرق بَين سيوفهم وَبينهمْ لِأَن على رُءُوسهم الْبيض والمغافر وثيابهم الدروع فهم كالسيوف وَقد فسره بقوله من مثلهَا أَي مثل السيوف يُرِيد من الْحَدِيد وَأَشَارَ بِهَذَا الْوَصْف أغْنى كَثْرَة سلَاح هَذَا الْجَيْش إِلَى قوته وَبِمَا ذكره من هَذِه الْهَيْئَة إِلَى شدته وَسمعت بَعضهم وَكَانَ شَيخا يقْرَأ عَلَيْهِ هَذَا الدِّيوَان يَقُول أَخطَأ أَبُو الطّيب كَيفَ ذكر العمائم والعمائم للْعَرَب وَلَيْسَت للروم فَكيف جعلهَا للروم فَضَحكت من قَوْله وَقلت لَهُ الضَّمِير فِي مثلهَا إِلَى أَيْن يعود أَلَيْسَ إِلَى الْبيض وَهِي السيوف فَلم يدر مَا قلت
١٨ - الْغَرِيب الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم لَهُ الميمنة والميسرة وَالْقلب والجناحان والزحف التَّقَدُّم والجوزاء أنجم مَعْرُوفَة والزمازم جمع زمزمة وَهِي صَوت لَا يفهم لتداخله الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْجَيْش لكثرته قد عَم الشرق والغرب وَبلغ صوتهم الجوزاء وخصها بِالذكر من سَائِر البروج لِأَنَّهَا على صُورَة الْإِنْسَان هَذَا قَول الواحدى وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو كَانَ لَهَا أذن سَمِعت بهَا وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْجَيْش لعظم أمره وَكَثْرَة أَهله قد مَلأ مَا بَين الشرق والغرب وَفِي أذن الجوزاء من أصوات أَهله زمازم لَا تفسر وأخلاط لَا تبين وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْأَصْوَات تبلغ السَّمَاء بكثرتها وتقطع أبعد المسافات بشدتها وَلم نسْمع فِي وصف جَيش مثل هَذَا وَمثل قَول الطَّائِي
(مَلأ المَلا عُصَبا فَكادَ بِأنْ يُرَى ... لَا خَلْفَ فيِهِ وَلا لَهُ قُدَّام)
стр. 1117
- الْغَرِيب اللسن اللُّغَة وَاللِّسَان أَيْضا وَقد قَرَأَ أَبُو السمال الْعَدْوى ﴿وَمَا أرسلنَا من رَسُول إِلَّا بلسن قومه﴾ أَي بَلغهُمْ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَة الْمَشْهُورَة بلغتهم والحداث جمع حَادث وَهُوَ بِمَعْنى متحدث قَالَ سُوَيْد بن أبي كَاهِل
(يُسْمعُ الحُدَّاثَ قَوْلاً حَسَنا ... لَوْ أرَادُوا غَيرَهُ لمْ يَسْتَطعْ)
والتراجم جمع ترجمان وَقد نطقت الْعَرَب فَقَالُوا ترجمان وَالْجمع التراجم مثل زعفران وزعافر وصحصحان وصحاصح وترجمان بِفَتْح التَّاء وَضمّهَا إتباعا لضم الْجِيم قَالَ الراجز
(فَهُنَّ يَلْغَطْنَ بِهِ إلْغاطا ... كالترْجُمان لِفيَ الأنْباطا)
الْمَعْنى يَقُول تجمع فِي هَذَا الْجَيْش جَمِيع أهل اللُّغَات من الْأُمَم الْمُخْتَلفَة والطوائف المفترقة فَمَا يتفاهم الحداث مِنْهُم إِلَّا بتراجم تتكلف لَهُم وتفاسير تسْتَعْمل بَينهم وكل هَذَا يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وَمَا قد جمع فِيهِ من الْمُقَاتلَة
٢٠ - الْغَرِيب يُرِيد بالغش الضُّعَفَاء من الرِّجَال والصارم السِّلَاح الْقَاطِع والضبارم الْأسد الشَّديد الغليظ الْمَعْنى يتعجب من ذَلِك الْوَقْت الَّذِي قَامَت الْحَرْب فِيهِ بَين سيف الدولة وَالروم يَقُول مَا كَانَ مغشوشا هلك وتلاشى كَأَنَّهُ ذاب بِنَار الْحَرْب وَذكر النَّار لِأَن تأنيثها غير حَقِيقِيّ أَو أَرَادَ لهبها فَلم يبْق إِلَّا سيف قَاطع أَو رجل شَدِيد الْحلق شُجَاع وَالْمعْنَى أَن هَذِه الْحَرْب أدهبت تمويه الفرسان وذوبت نارها غشهم وبينت أَمرهم فَلم يبْق من السيوف إِلَّا الْقَاطِع وَلَا من الرِّجَال إِلَّا الضبارم
٢١ - الْمَعْنى يَقُول تكسر من السيوف مَا لم يكن مَاضِيا يقطع الدروع والرماح وَذهب الْجُبَنَاء الَّذين لَا يُقَاتلُون يُرِيد تكسر السَّيْف الَّذِي لَا يقطع الدرْع والرماح لِأَنَّهُ كل وَعجز على رِوَايَة من روى تقطع وَهِي رِوَايَة الْخَطِيب وفر من الفرسان من لَا يقدر على المصادمة وَمن روى فَقطع بِالْفَاءِ أَرَادَ الْوَقْت يَعْنِي أَن الْوَقْت كَانَ صعبا لم يبْق فِيهِ إِلَّا الْخَاص من الرِّجَال والأسلحة قَالَ ابْن القطاع تقطع كل سيف لَا يقطع الدرْع وَالرمْح أَي كل سيف كهام لَا يقطع وَقَوله تقطع أَي تفرق وتمزق
стр. 1118
كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فتقطعوا أَمرهم بَينهم﴾ أَي تفَرقُوا وتمزقوا فَلم يبْق إِلَّا مَاض صارم أَو أَسد ضبارم
٢٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدى سَمِعت الشَّيْخ أَبَا معمر الْفضل بن إِسْمَاعِيل القَاضِي يَقُول سَمِعت أَبَا الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز يَقُول لم أنْشد المتنبي هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي بعده أنكر عَلَيْهِ سيف الدولة تطبيق عجزي الْبَيْتَيْنِ على صدريهم وَقَالَ لَهُ يَنْبَغِي أَن تطبق عجز الأول على الثَّانِي وَعجز الثَّانِي على الأول ثمَّ قَالَ لَهُ وَأَنت فِي هَذَا مثل امْرِئ الْقَيْس فِي قَوْله
(كَأنّي لمْ أرْكَبْ جَوَاداً لِلَذَّةٍ ... وَلمْ أتَبَطَّنْ كاعِبا ذَاتَ خَلْخال)
(وَلمْ أسْبإِ الزّقَّ الرَّوِيَّ وَلمْ أقُلْ ... لخَيْليْ كُرّى كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ)
قَالَ وَوجه الْكَلَام فِي الْبَيْتَيْنِ على مَا قَالَه أهل الْعلم بالشعر أَن يكون عجز الأول على الثَّانِي وَالثَّانِي على الأول ليستقيم الْكَلَام فَيكون ركُوب الْخَيل مَعَ الْأَمر للخيل بالكر وسبء الْخمر مَعَ تبطن الكاعب فَقَالَ لَهُ أَبُو الطّيب أدام الله عز مَوْلَانَا إِن صَحَّ أَن الَّذِي استدرك هَذَا على امْرِئ الْقَيْس أعلم مِنْهُ بالشعر فقد أَخطَأ امْرُؤ الْقَيْس وأخطأت أَنا ومولانا يعرف أَن الْبَزَّاز لَا يعرف الثَّوْب معرفَة الحائك لِأَن الْبَزَّاز يعرف جملَته والحائك يعرف جملَته وتفصيله لِأَنَّهُ أخرجه من الغزلية إِلَى الثوبية وَإِنَّمَا قرن امْرُؤ الْقَيْس لَذَّة النِّسَاء بلذة الرّكُوب للصَّيْد وَقرن السماحة فِي شِرَاء الْخمر للأضياف بالشجاعة فِي منازلة الْأَعْدَاء وَأَنا لما ذكرت الْمَوْت فِي أول الْبَيْت أتبعته بِذكر الردى ليجانسه وَلما كَانَ وَجهه المنهزم لَا يَخْلُو من أَن يكون عبوسا وعينه من أَن تكون باكية قلت ووجهك وضاح لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنى فأعجب سيف الدولة وَوَصله بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَلَيْسَ الْملك والشجاعة فِي شَيْء من صناعَة الشّعْر وَلَا يُمكن أَن يكون فِي ملاءمة الْعَجز الصَّدْر مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ لِأَن قَوْله كَأَنَّك فِي جفن الردى هُوَ معنى قَوْله وقفت فَلَا معدل لهَذَا الْعَجز عَن هَذَا الصَّدْر لِأَن النَّائِم إِذا طبق جفْنه أحَاط بِمَا تَحْتَهُ فَكَأَن الْمَوْت قد أظلهُ من كل مَكَان كَمَا يحدق الجفن بِمَا يتضمنه من جَمِيع جهاتها فَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْمَوْت وَقَوله تمر بك الْأَبْطَال هُوَ النِّهَايَة فِي التطابق للمكان الَّذِي تكلم فِيهِ الْأَبْطَال فتكلح وتعبس وَقَوله ووجهك وضاح لاحتقار الْأَمر الْعَظِيم انهى كَلَامهمَا يَقُول وقفت غبر متهيب وأقدمت غير متوقع الْمَوْت وَهُوَ لَا شكّ فِيهِ عِنْد من وقف موقفك وَتقدم تقدمك كَأَنَّك من الردى فِي أنكر موَاضعه وَهُوَ معرض عَنْك فِيمَا تتكلفه من شَدَائِد وَأَشَارَ بجفن الردى إِلَى عَظِيم مَا اقتحم وَجعله نَائِما لسلامته من الْهَلَاك لِأَنَّهُ لم يبصره وغفل عَنهُ بِالنَّوْمِ فَسلم وَلم يهْلك
стр. 1119
- الْغَرِيب كلمى جرحى وَهُوَ جمع كليم وهزيمة مهزومة وَهُوَ من بَاب فعيل بِمَعْنى مفعول والوضاح الْوَاضِح الْمَعْنى يَقُول تمر بك الْجَرْحى من الْأَبْطَال منهزمين وكلمى مستسلمين وَذَلِكَ لَا يثنى عزمك وَلَا يضعف نَفسك بل كنت حِينَئِذٍ وضاحا غير متخوف وبساما غير متضجر واثقا من الله بنصره متيقنا بِمَا وصلك بِهِ من جميل صنعه وَهُوَ من قَول مُسلم ابْن الْوَلِيد
(يَفْترُّ عِنْد اقْتِرابِ الحَرْبِ مُبْتَسِمِاً ... إذَا تَغَيرَ وَجْهُ الفارِسِ البَطَلِ)
٢٤ - الْغَرِيب النهى جمع نهية وَهِي الْعقل الْمَعْنى قَالَ الواحدى يَقُول مَا فِيك من الفطانة يتَجَاوَز حد الْعقل لِأَنَّهُ يدْرك الْعقل مَا تُدْرِكهُ أَنْت وَمَا فِيك من الشجَاعَة قد تجَاوز الْحَد إِلَى مَا تَقوله النَّاس فِيك من أَنَّك عَالم بِالْغَيْبِ لِأَنَّك كدت أَن تعرف مَا تصير إِلَيْهِ من الظفر فَلَا تحذر الْمَوْت لعلمك أَن الْعَاقِبَة لَك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فِي آخِره بعض التنافر لأوله لِأَن الشجَاعَة لَا تذكر مَعَ علم الْغَيْب وَلَوْلَا أَنه ذكر الْعقل لَكَانَ أَشد تباينا لِأَن الْعَاقِل عَارِف بأعقاب الْأُمُور وَلَو كَانَ مَوضِع الشجَاعَة الفطانة لَكَانَ أليق بِعلم الْغَيْب إِلَّا أَنه كَانَ فِي ذكر الْحَرْب وَكَانَت الشجَاعَة من أَلْفَاظ وصفهَا وَيجوز أَن يكون ذكر الشجَاعَة مَعَ علم الْغَيْب أَنه كَانَ قد عرف مَا يصير إِلَيْهِ فشجع وَلم يحذر الْمَوْت انهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَنَّك أظهرت من إقدامك وعزمك وسماحتك بمهجتك مَا صدق قَول قوم فِيك إِنَّك تعلم الْغَيْب يُرِيد غيب مآل أَمرك فِي الظفر فَلم تحفل بِشدَّة الْحَرْب وتيقنت مَا ختم الله لَك بِهِ من التأييد فأمنت مخاوف الْقَتْل فَحِينَئِذٍ كنت وضاحا بساما عِنْد شدَّة الْحَرْب
٢٥ - الْغَرِيب الجناحان جانبا الْعَسْكَر من جناحي الطَّائِر والخوافي أَربع ريشات تتلو أَرْبعا قبلهَا من جناحي الطَّائِر والقوادم أَربع ريشات فِي أول جناحي الطَّائِر وَعَلَيْهَا معوله فِي طيرانه وَأَرَادَ بالجناحين الميمنة والميسرة وهما جانبا الْعَسْكَر وَلما سَمَّاهَا جناحين جعل رجالهما خوافي وقوادم والجناح يشْتَمل على القوادم والخوافي الْمَعْنى يَقُول لففت جناحي الْعَسْكَر على الْقلب فأهلكت الْجَمِيع بقتلك أَوَّلهمْ وَآخرهمْ يُرِيد أَنَّك ضممت جناحي جَيش الرّوم ضمة مُنكرَة وشددت فِي الْجَيْش شدَّة صَادِقَة قتلت بهَا مِنْهُم من كَانَت مَنْزِلَته فِي إنهاض الْخَمِيس منزلَة الخوافي والقوادم من
стр. 1120
الجناحين والأوائل والأواخر من هذَيْن العضدين واستعار الجناحين وَجعل الخوافي والقوادم فرسَان الْجَيْش وَلَقَد أحسن فِي هَذَا غَايَة الْإِحْسَان وَقَالَ قوم فِي الْجنَاح عشرُون ريشة أَربع قوادم وَأَرْبع مناكب وَأَرْبع خواف وَأَرْبع أباهر وَأَرْبع كلي
٢٦ - الْغَرِيب الهامات جمع هَامة وَهِي الرُّءُوس واللبات النحور وَاحِدهَا لبة وطابق بَين غَائِب وقادم قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا ضربت عدوا فَحصل سَيْفك فِي رَأسه لم تَعْتَد ذَلِك نصرا وَلَا ظفرا وَإِذا فلق رَأسه وَصَارَ إِلَى اللبة يكون نصرا وَلَا يرضيك مَا دونه وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا عَنى سرعَة النَّصْر وَأَنه لم يلبث إِلَّا قدر وُصُول السَّيْف الْمَضْرُوب بِهِ من الهامة إِلَى اللبة كَمَا تَقول نازلت الْعَدو والنصر غَائِب وضربتهم بِالسَّيْفِ وَقد قدم النَّصْر وَالْمعْنَى كسرت الجناحين والقوادم والخوافي بِضَرْب فلق رُءُوس الرّوم وَبلغ لباتهم وتمكنت سيوفك فيهم وجيشهم مهزوم وجمعهم مغلوب والنصر الْغَائِب قد قدم والظهور قد انتظم والتأم وَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن هزيمَة الرّوم لم تكن إِلَّا مجالدة وَغَلَبَة وظفر سيف الدولة لم يكن إِلَّا بعد مقاومة
٢٧ - الْغَرِيب الردينيات الرماح المنسوبة إِلَى ردينة امْرَأَة بِالْيَمَامَةِ هِيَ وَزوجهَا يعملان الرماح والشتم السب وَالِاسْم الشتيمة شتم فَهُوَ شاتم الْمَعْنى تركت الرماح فِي الْقِتَال وازدريتها لِأَنَّهَا سلَاح الْجُبَنَاء وَسلَاح الشجعان السَّيْف لمقاربة مَا بَين الْفَرِيقَيْنِ فِي الْقِتَال وَلما اخْتَرْت السَّيْف على الرمْح عير الرمْح لِأَنَّهُ يطعن من بعيد وَالسيف من قريب فَكَأَنَّهُ يشتمه بالضعف وَقلة الْغناء وَالْمعْنَى أَنَّك طرحت الرماح واستقللت فعلهَا وَعدلت إِلَى السيوف عَالما بفضلها واعتمدتها لخبرتك بأمرها فَكَأَنَّهَا شتمت الرماح بتصغيرها لشأنها وإهانتها تسخطا لفعلها
٢٨ - الْغَرِيب الْبيض السيوف والخفاف المرهفة والصوارم القواطع الْمَعْنى يَقُول من ارتقب النَّصْر الْجَلِيل وحاوله وَطلب الْفَتْح الْمُبين فَإِنَّمَا مَفَاتِيح ذَلِك السيوف الصارمة الْخفاف الْمَاضِيَة
٢٩ - الْغَرِيب الأحيدب جبل والنثر التَّفْرِيق الْمَعْنى يَقُول فرقتهم على هَذَا الْجَبَل مقتولين ونثرتهم نثر الدَّرَاهِم على الْعَرُوس فتفرقت مصَارِعهمْ على هَذَا الْجَبَل كَمَا تتفرق مواقع الدَّرَاهِم إِذا نثرت وَهَذَا من محَاسِن
стр. 1121
أبي الطّيب وَقد أَشَارَ إِلَى أَن سيف الدولة تحكم فِي الرّوم قتلا وأسرا ونثر جيشهم فَوق هَذَا الْجَبَل نثرا
٣٠ - الْغَرِيب وكر الطَّائِر مَوضِع مبيته وَالْجمع وكور والذرا رُءُوس الْجبَال الْمَعْنى يُرِيد أَنه يتبعهُم فِي رُءُوس الْجبَال حَيْثُ تكون وكور الطير فيقتلهم هُنَاكَ فتكثر للطير المطاعم عِنْد بيوتها أَي إِذا أخذُوا عَلَيْك دربا صعدت إِلَيْهِم رُءُوس الْجبَال فتقتلهم هُنَالك فتكثر المطاعم حول الوكور هَذَا كَلَام أَبى الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَقَالَ غَيره تدوس بك الْخَيل فِي آثَار الرّوم وكور الطير فِي رُءُوس الْجبَال وقنن الأوعار وَقد كثرت الجثث من الْقَتْلَى حول الوكور بِكَثْرَة من قتلته هُنَالك فرسانك وَمن أهلكه من الرّوم جيشك وغلمانك وَأَشَارَ بذلك إِلَى كَثْرَة الجثث حول وكور الطير مَعَ انتزاح موَاضعهَا وَامْتِنَاع أماكنها إِلَى مَا كَانَ الرّوم عَلَيْهِ من شدَّة الْهَرَب وَمَا كَانَ أَصْحَاب سيف الدولة عَلَيْهِ من قُوَّة الطّلب وَأَنَّهُمْ قتلوهم فِي رُءُوس الْجبَال وأدركوهم فِي أبعد غايات الأوعار
٣١ - الْغَرِيب الفتخ إناث العقبان واحدتها فتخاء وَسميت بذلك لطول جناحها وَلينه فِي الطيران والفتخ لين المفاصل والأمهات جمع أم فِيمَا لَا يعقل وَقد جَاءَ فِيهِ أُمَّهَات حملا على من يعقل وَالْعتاق كرام الْخَيل والصلادم جمع صلدم وَهِي الْفرس الشَّدِيدَة والصلبة القوية الْمَعْنى يَقُول ظنت فراخ العقبان لما صعدت خيلك إِلَيْهَا أَنَّهَا أماتها لِأَن خيلك كالعقبان شدَّة وَسُرْعَة وضمرا وَقَالَ ابْن الإفليلي تظن فراخ العقبان لِكَثْرَة مَا صيرت حول وكورها من جثث الْقَتْلَى أَنَّك زرتها بأماتها فأمددتها بمطاعمها وأقواتها وَإِنَّمَا فعل ذَلِك صلادم خيلك وَكَثْرَة كتائب جيشك
٣٢ - الْغَرِيب الصَّعِيد وَجه الأَرْض والأراقم الْحَيَّات الْمَعْنى يَقُول إِذا زلقت الْخَيل فِي صعودها الْجبَال جَعلتهَا تمشي على بطونها فِي الصَّعِيد يصف صعوبة ترقيها إِلَى الْجبَال أَي إِذا زلقت لصعوبة مَا تحاوله مشيتهَا على بطونها مُكْرَهَة وأنهضتها على تِلْكَ الْحَال مسرعة كَمَا تتمشى الأراقم فِي الصَّعِيد على بطونها وتسير فِيهِ متمكنة فِي مسيرها
٣٣ - الْغَرِيب الدمستق صَاحب جَيش الرّوم وَقد مر تَفْسِيره فِي مَوَاضِع وَجمعه
стр. 1122
دماسقة على زِيَادَة التَّاء الْمَعْنى يَقُول أكل يَوْم يقدم عَلَيْك ثمَّ يفر فيلوم قَفاهُ وَجهه على إقدامه فَيَقُول لم أقدمت حَتَّى عرضتني للضرب بهزيمتك وَذَلِكَ أَن إقدامه سَبَب هزيمته وَقَفاهُ من الضَّرْب لائم وَجهه وَأَصْحَابه غير مستشكرين لفعله
٣٤ - الْغَرِيب اللَّيْث الْأسد وَالْجمع الليوث يذوقه يجربه ويختبره وذاق أَي جرب الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ حازما لكفاه مَا يعرفهُ ويسمعه من أخبارك ويشاهده من شجاعتك أَي أَنه يسمع خبرك ويأتيك مُقَاتِلًا ثمَّ ينهزم وَلَو انهزم من غير قتال لَكَانَ أحزم
٣٥ - الْإِعْرَاب جمع فعلة فعلات بِفَتْح الْعين فِي الصَّحِيح وَإِنَّمَا أسكن الْمِيم من حملات ضَرُورَة الْغَرِيب الصهر أهل بَيت الْمَرْأَة عَن الْخَلِيل وَمن الْعَرَب من يَجْعَل الصهر من الأحماء والأختان جَمِيعًا يُقَال صاهرت إِلَيْهِم إِذا تزوجت فيهم وأصهرت بهم إِذا اتَّصَلت بهم وتحرمت بجوار أَو نسب أَو تزوج عَن ابْن الْأَعرَابِي وَأنْشد لزهير
(قَوْدُ الجِيادِ وَصْهارُ المُلُوكِ وَصَبْرٌ ... فِي مَوَطِنَ لَوْ كانُوا بِها سَئِموا)
والغواشم الغواصب الْمَعْنى يَقُول حملاتك عَلَيْهِم الَّتِي تغشمهم وتدقهم وتكسرهم قد فجعتهم بأقاربه فَهَلا اعتبربهم حَتَّى لَا يقدم يُرِيد أَن حملات سيف الدولة فجعت الدمستق بِابْنِهِ وأصهاره وَهُوَ لَا يرتدع بحملاته الغوا شم للأقران العواصب لأنفس الفرسان فَمَا للدمستق لَا يكفه عَن التَّعَرُّض لَهُ مَا أسلف سيف الدولة من الْإِيقَاع
٣٦ - الْغَرِيب الظبا جمع ظبة وَهِي حد السَّيْف والمعاصم جمع معصم وَهُوَ الزند الْمَعْنى يُرِيد أَنه يشْكر أَصْحَابه لِأَن السيوف اشتغلت بهم عَنهُ فشكرهم كَأَنَّهُمْ وقوه السيوف برءوسهم وأيديهم حَتَّى انهزم وَفَاتَ السيوف
٣٧ - الْغَرِيب المشرفية السيوف نسبت إِلَى مشارف وَهِي قرى من أَرض الْعَرَب تَدْنُو إِلَى الرِّيف يُقَال سيف مشرفي وَلَا يُقَال مشارفي لِأَن الْجمع لَا ينْسب إِلَيْهِ إِذا كَانَ على هَذَا الْوَزْن فَلَا يُقَال مهالبي وَلَا جعافري وَلَا مغافري الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا يفهم أصواتها أحد لِأَن أصواتها أعاجم غير مفهومة
стр. 1123
والدمستق يفهم صَوتهَا فِي أَصْحَابه لِأَنَّهُ يسْتَدلّ بذلك على قَتلهمْ فَهُوَ فهم من الطَّرِيق الاعتياد لَا من طَرِيق السماع يَعْنِي إِذا سمع صليلها علم أَنهم مقتولون
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مسرور بِمَا أَخَذته من أَصْحَابه وأمتعته حَيْثُ كَانَت الْفِدَاء لَهُ إِذْ نجا هُوَ واشتغل الْعَسْكَر بِأخذ هَذِه الْأَشْيَاء وَلَيْسَ يفرح جهلا بحالته وَإِنَّمَا يفرح بسلامته حَيْثُ نجا مِنْك سالما بِرُوحِهِ وَأمن من غنيمته ففاتك بِنَفسِهِ وطلبته فَلم تنله بحتفه فَهُوَ وَإِن نجا بِرَأْسِهِ غَانِم وَإِن كَانَ مغنوما فالمسلوب إِذا نجا مِنْك بسلبه فَهُوَ غَانِم سَالم وَهَذَا مثل قَول بسطَام بن قيس فِي الْمثل السَّلامَة إِحْدَى الغنيمتين
٣٩ - الْإِعْرَاب رفع هازم خبر لَكِن والتوحيد الْخَبَر الأول كَقَوْلِك حُلْو حامض وَيجوز أَن يكون خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أَي أَنْت هازم الْمَعْنى يَقُول لست فِي هزمك الدمستق ملكا مثله وَلَكِنَّك الْإِسْلَام هزم الشّرك وَلَيْسَ بَينهمَا قِيَاس فِي الْفضل يُرِيد أَنَّك سيف الْإِسْلَام ومقيم أود الْإِيمَان وَملك الرّوم الَّذِي واجهك عماد أهل الْكفْر وَعَلِيهِ مدَار الْأَمر فهزيمتك لَهُ هزيمَة التَّوْحِيد للشرك وظهورك عَلَيْهِ ظُهُور أهل الْحق على أهل الْإِفْك
٤٠ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بِهِ لمليك وَهُوَ لُغَة فِي ملك وَلَو كَانَ بدل الْهَاء كَاف كَانَ أَجود حَتَّى يكون مُخَاطبا الْغَرِيب مُضر وَرَبِيعَة ابْنا نزار بن معد بن عدنان وَرَبِيعَة رَهْط سيف الدولة والعواصم قلاع وحصون من أَعمال حلب وَقيل هِيَ من الْفُرَات إِلَى حمص الْمَعْنى يَقُول تفتخر بِهَذَا الْملك الْعَرَب كلهَا لَا يخص ربيعَة قومه وتفتخر بِهِ الدُّنْيَا كلهَا لَا الشَّام وَحدهَا فَكل النَّاس يفتخرون بِهِ وَإِن بعد نسبهم عَن نسبه والبلاد تَفْخَر بِهِ وَإِن بعد أَكْثَرهَا عَن بَلَده
٤١ - الْمَعْنى يُرِيد بالدر شعره يُرِيد أَن الْمعَانِي لَك وَاللَّفْظ لي فَأَنت تعطيه وَأَنا ناظمه لِأَنِّي أصف مكارمك فِيهِ وأقيد فضائلك بِهِ وَهُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(وَدُونَكَ مِنْ أقاوِيلي مَديِحا ... غَدَا لكَ دُرُّهُ وَلى النِّظامُ)
стр. 1124
- الْغَرِيب تعدو أَي تجْرِي وتسرع والوغى الْحَرْب الْمَعْنى يُرِيد أَنِّي أركب خيلك الَّتِي تهبني فَهِيَ تعدو بِي فِي الْحَرْب فلست مذءوما فِي أَخذهَا لِأَنِّي شَاكر أياديك وناشر ذكرك وَلست نَادِما على مَا أَعْطَيْتنِي لقيامي بِحَق مَا أوليتني
٤٣ - الْإِعْرَاب على مُتَعَلق بِمَا قبله من قَوْله نادم أَي لست نَادِما على كل طيار الْغَرِيب الغماغم جمع غمغمة وَهِي الصَّوْت الْمُخْتَلف وَهِي أصوات الْأَبْطَال فِي الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول لست نَادِما على كل فرس طيار وَيجوز أَن يكون على مُتَعَلقا بِمَحْذُوف كَأَنَّهُ قَالَ أقصد الوغى على كل طيار يطير بِرجلِهِ أَي يجْرِي فِي سرعَة الطير إِذا سمع صَوت الْأَبْطَال فِي الْحَرْب وَفِيه نظر إِلَى قَول ابْن المعتز
(وَليلٍ كَكُحلِ العَينِ خضْتُ ظلامَهُ ... بأزَرق لمَّاعٍ وَأخْضَرَ صارِمِ)
(وَطَيَّارَةٍ بِالرجْلِ خَوْفا كَأنَّما ... تُصافحُ رُضَّاضَ الحَصَى بِالجَماجِمِ)
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول أَنْت السَّيْف الَّذِي لَا ينبوه حد وَلَا يتضمنه غمد وَلَا فِيهِ لمبصره رِيبَة وَلَا تعتصم مِنْهُ جثة لِأَن مقاصده مَوْصُولَة بالنصرومساعيه مكنوفة بجميل الصنع
٤٥ - الْمَعْنى تهنأ هَذِه الْأَشْيَاء بسلامتك لِأَنَّك قوامها فَضرب الْهَام أَنْت أحذق النَّاس بِهِ وَالْمجد أَنْت أكسب النَّاس والعلا أَنْت جَامع شملها وراجي مكارمك الَّتِي لَا تمطل بفضلها وَالْإِسْلَام لِأَنَّك أعززت دَعوته وأبلجت على الْإِشْرَاك حجَّته بأنك سَالم أَي منسأ عمرك متبوع أَمرك
٤٦ - الْمَعْنى لم اسْتِفْهَام إِنْكَار أَي لم لَا يحفظك مَا دمت تفلق هام العدا فَالله لاشك يحفظك لِأَنَّك سَيْفه بك يصول على أعدائه
стр. 1125
- ١ الْغَرِيب أراع أفزع والهمام الْملك الْعَظِيم الهمة والغمام السَّحَاب وسح أمطر الْإِعْرَاب كَذَا فِي وضع نصب صفة مصدر مَحْذُوف أَي روعا كَذَا مثل هَذَا الْمَعْنى يَقُول هَل رَاع ملك جَمِيع الْمُلُوك وَكَذَا أَي كَمَا أرى من روعك إيَّاهُم وَهل تقاطرت الرُّسُل على ملك كَمَا تقاطرت عَلَيْك وَجعل توالي الرُّسُل إِلَيْهِ كسح الْغَمَام وَهَذَا تعجب يُرِيد هَل رَاع ملك قبل هَذَا كل الْمُلُوك حَتَّى خضعوا لَهُ واستجاروا بِهِ وَتَتَابَعَتْ رسلهم عَلَيْهِ حَتَّى كَأَن غماما أمطرهم بِحَضْرَتِهِ
٢ - الْغَرِيب دَانَتْ أطاعت الْمَعْنى يَقُول دَانَتْ الدُّنْيَا لأَمره وَبلغ ابعد غاياتها بعفوه وَالْأَيَّام قَائِمَة فِيمَا يبتغيه مجتهدة فِيمَا يحاوله وينويه لَا يسْعَى فِي تَحْصِيل مُرَاد وَالْأَيَّام تسْعَى فِي تَحْصِيل مَا يُريدهُ
٣ - الْغَرِيب اللمام الزِّيَارَة القليلة وَمِنْه قَول جرير
(بِنَفْسِيَ مَنْ تَجَنُّبُهُ عَزِيزٌ ... عَلىَّ وَمَنْ زِيارَتُهُ لمام)
الْمَعْنى يَقُول إِذا غزاهم كفاهم أدنى نزُول مِنْهُ لَو اكْتفى هُوَ بذلك لكنه لَا يَكْتَفِي حَتَّى يبلغ أقاصي بِلَادهمْ
٤ - الْمَعْنى يَقُول الزَّمَان يتبعهُ من أحسن إِلَيْهِ من النَّاس أحسن إِلَيْهِ الزَّمَان وَمن أَسَاءَ إِلَيْهِ أَسَاءَ إِلَيْهِ الزَّمَان فالزمان فِي النَّاس يتبع خطوه وَلَا يُخَالف أمره وَحكمه حَتَّى كَأَن لكل زمَان فِي يَدَيْهِ زماما يملكهُ بِهِ وخطاما يذلله يُشِير إِلَى قُوَّة سعده وإقبال جده
٥ - الْإِعْرَاب لَيْسَ هُنَا تحْتَمل أَمريْن أَحدهمَا أَن يكون استعملها اسْتِعْمَال مَا كَقَوْل الْعَرَب لَيْسَ الطّيب إِلَّا الْمسك فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَالثَّانِي أَن يكون فِي لَيْسَ ضمير وَحذف تَاء التَّأْنِيث ضَرُورَة والأجود أَن تكون بِمَعْنى مَا فتخلو من الضَّمِير لِأَنَّهُ إِذا جعلهَا فعلا مَاضِيا فَالْوَاجِب أَن يَقُول لَيست تنام
следующие страницы →