Полный текст (1 424 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
- الْغَرِيب الانكماش الْجد فى الْأَمر وَكَذَلِكَ الإكماش وَرجل كميش جاد مَاض الْمَعْنى يَقُول مَا اشتاق أحد اشتياقى إِلَيْك وَلَا جد وَلَا أسْرع إِلَيْك
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول سرت لأخدمك وأكسب بخدمتى لَك المعالى وسواى سَار إِلَيْك يطْلب الْمَعيشَة بِمَا تعطيه وَهُوَ معنى قَول أَبى تَمام
(وَمَن خَدَمَ الأقْوَامَ يِبْغى نَوَالَهُمْ ... فإنِّى لم أخْدُمْكَ إلَاّ لإُخْدَما)
стр. 562
- ١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أرضه يعود على السَّمَاء وَذكرهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ السّقف أَو الْمَطَر وَيجوز أَن يعود على الممدوح جعل الأَرْض لَهُ يملكهَا ويتصرف فِيهَا بِأَمْر وَنهى هَذَا قَول أَبى الْفَتْح وَنَقله الواحدى وَزَاد فِيهِ يجوز أَن يكون جمع سماوة وكل جمع بَينه وَبَين مفرده الْهَاء جَازَ تذكيره وَحقه نَصبه بإضمار مَا فسره كَقِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَعبد الله بن عَامر ﴿وَالْقَمَر قدرناه﴾ وَمثله ﴿وَالذّئْبَ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدى وأخْشَى الرّياحَ والمَطَرَا﴾
الْمَعْنى يَقُول خلع الْأَمِير قد أحيتنا كَمَا يحيى الْقطر الأَرْض وَنحن لم نقص وَاجِب حَقه أى مَا يسْتَحقّهُ ويستوجبه وَإِنَّمَا قَالَ فعل الْمَطَر بِالْأَرْضِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن الْخلْع موشاة وفيهَا الرقوم وَهَذِه مَوْجُودَة فِيمَا تنْبت الأَرْض من فعل الْمَطَر من الأزهار والألوان
٢ - الْغَرِيب الْعرض النَّفس وَالنّسب الْمَعْنى يَقُول كَأَن هَذِه الْخلْع نسجها من أَلْفَاظه لصِحَّة أَلْفَاظه وسلامتها من السخافة والتحريف وَكَأن نقاءها من عرض الْأَمِير لِأَنَّهُ سَالم من الْعَيْب فَهُوَ لَا يعاب بشئ وَهَذَا مَنْقُول من قَول ابْن الرومى فى ثوب استهداه
(صَحِيحاً مِثْلَ رَائِكَ إنَّه ... والحَزْمَ فى قَرَنِ ... )
(نَقِياً مِثْلَ عِرْضِكَ إِن عِرْضَكَ غيرُ ذِى درَنِ ... )
٣ - الْغَرِيب المذيق هُوَ الممذوق أى الممزوج والمحض الْخَالِص من كل شئ الْمَعْنى يَقُول إِذا فوضت الْأَمر فى الْكَرم إِلَى الْكَرِيم وَلم تطلب مِنْهُ شَيْئا مقترحا عَلَيْهِ وَتركته إِلَى رَأْيه بلغت مَا تُرِيدُ وَبَان لَك صَحِيح الرأى من معيبه لِأَن صَحِيح الرأى لَا يحْتَاج إِلَى سُؤال بل يعْطى بطبيعة الْكَرم ومعيب الرأى لَا يعْطى حَتَّى يسْأَل مرَارًا وَفِيه نظر إِلَى قَول أَبى نواس
(وَإذَا وَصَلْتَ بعاقِلِ أمَلاً ... كانَتْ نَتِيجَةُ قَوْلِهِ فِعْلاُ)
وَإِلَى قَول مُحَمَّد بن الحسينى ١ فى جودة الرأى
(وكأنَّ رَوْنَقَ سَيفِهِ مِن وَجْهِهِ ... وكأنَّ حِدَّةَ سَيْفِهِ مِنْ رأيِهِ)
стр. 563
- ١ - الْغَرِيب الْبَأْس الشدَّة والسطوة والمحض الْخَالِص الْمَعْنى إِذا اعتل سيف الدولة الممدوح اعتلت لعلته الأَرْض وَمن عَلَيْهَا وَمن النَّاس وَالْقُوَّة وَالْكَرم الْخَالِص لِأَنَّهُ قوام كل شئ فَإِذا اعتل اعتل لَهُ كل شئ وَهُوَ مَنْقُول من قَول حبيب
(وَإِنْ يَجِدْ عِلَّةً نُغَمْ بِها ... حَتَّى تَرَانا نُعادُ فِى مَرَضهْ)
وللطائى
(إنَّا جَهِلْنا فخِلْناكَ اعْتَلَلْتَ وَلا ... وَاللهِ مَا اعْتَلَّ إِلَّا المُلكُ والأدَبُ)
وللطائى أَيْضا
(لَا تَعْتَلِلْ إنَما بالمَكْرُمات إذَا ... أنْتَ اعْتَلَلْتَ تُرَى الأوْجاعُ والعِلَلُ)
وَمثله لعلى بن الجهم
(وَإذَا رَابَكُمْ مِنَ الدهْرِ رَيْبٌ ... عَم مَا خَصَّكُمْ جَمِيعَ الأنامِ)
ولأبى هفان
(قالُوا اعْتَلَلْتَ فَقُلْتُ كَلَا ... إنَّمَا اعْتَلَّ العِبادُ)
(والدِّينُ والدُّنْيا لِعِلَّتِهِ ... وأظْلَمَتِ الْبِلادُ)
وَالْمُسلم بن الْوَلِيد
(نالَتْكَ يَا خَيْرَ الخَلائِقِ عِلَّةٌ ... يَفْدِيكَ مِنْ مَكْرُوهِها الثَّقَلانِ)
(فَبِكُلّ قَلْبٍ مِنْ شَكاتِكَ عِلَّةٌ ... مَوْصُوفَةُ الشَّكْوَى بِكُلّ لِسانِ)
٢ - الْمَعْنى يَقُول لَا أنتفع بِالنَّوْمِ إِذا كَانَ عليلا لِأَن النّوم يُفَارق عينى وَجعل للنوم اعتلالا مجَازًا واستعارة لِأَنَّهُ لما امْتنع من الْعين صَار اعتلالا لَهُ
٣ - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالشفاء والعافية وَيَقُول يشفيك الله الذى يشفى بجودك الْخلق يُرِيد أَنه سَبَب لأرزاق الْعباد جعلهَا الله على يَدَيْهِ فَهُوَ يشفيهم بجوده من ألم الْفقر وَجعله لكرمه بحرا كل بَحر بعضه لِكَثْرَة جوده
стр. 564
- ١ - الْمَعْنى يرْوى فى الجفون والرؤيا تسْتَعْمل فى الْمَنَام خَاصَّة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لقد صدق الله رَسُوله الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ و ﴿لَا تقصص رُؤْيَاك على إخْوَتك﴾ و ﴿إِن كُنْتُم للرؤيا تعبرون﴾ و ﴿وَأَن قد صدقت الرُّؤْيَا﴾ وَهَذَا كُله فى الْمَنَام وَلَو قَالَ ﴿لقياك﴾ لَكَانَ أحسن إِلَّا أَنه ذهب بالرؤيا إِلَى الرُّؤْيَة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَمَا جعلنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أريناك فَإِنَّهُ لم يرد بهَا رُؤْيا الْمَنَام وَإِنَّمَا أُرِيد الْيَقَظَة وَكَانَ ذَلِك لبلاء فى لَيْلَة الْإِسْرَاء وَالْمعْنَى أَن اللَّيْل يمضى ويجئ وفضلك ثَابت بَاقٍ ورؤيتك أحلى فى الْعُيُون من النّوم لِأَنَّك مَحْبُوب وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الرُّؤْيَا فى الْمَنَام وَأما فى الْعين فَلَا أعرفهَا وَإِن جَاءَت فهى شَاذَّة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(مَضَى اللَّيْلُ إلَاّ أنَّ لَيْلَى لَمْ يَمْضِ ... وأنَّ جُفُونى لَا تُرَوَّى مِنَ الغُمْضِ﴾
وعجزه من قَول ابْن الرومى
(وَلَطَعْمُ اكْتِحالَهٍ مِنْهُ بالزَّا ... ئِرِ أحْلَى فى عَيْنهِ مِنْ رُقادِ)
٢ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح فى الْكَلَام حذف تَقْدِيره أمدحك وَأثْنى عَلَيْك بِمَا طوقتنى بِهِ من نعمك فَحَذفهُ للدلالة عَلَيْهِ وَقَالَ الواحدى أنصرف عَنْك مَعَ أَنَّك قلدتنى نعْمَة شَهِيد بهَا بعضى على بعض فَمن نظر إِلَى اسْتدلَّ بنعمتك على وَالْمعْنَى أَن الْقلب إِن أنكر نِعْمَتك شهد الْجلد بِمَا عَلَيْهِ من الخلعة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لِسَانه يشْهد على سَائِر جسده وَهُوَ من قَول ابْن بسام الْكَاتِب
(وَقَدْ سَبَقَتْ مِنْهُ لى نِعْمَةٌ ... تَقِرُّ عَلىَّ وَإنْ لَمْ أُقِرْ)
٣ - الْمَعْنى جعله خير النَّاس ودعا لَهُ بِسَلام الله يَخُصُّهُ بِهِ وفى الْبَيْت مُطَابقَة حَسَنَة
стр. 565
- ١، ٢ - الْمَعْنى المشيع هُوَ سيف الدولة والمشيع يماك غُلَامه يَدْعُو لَهُ بِأَن لَا يعْدم مَوْلَاهُ ويماك هُوَ الْفَاعِل وَسيف الدولة هُوَ الْمَفْعُول وَهُوَ أمدح ودبلغ إِذا دَعَا للغلام أَن لَا يعْدم السَّيِّد فلولا السَّيِّد مَا ذكر الْغُلَام وَلَا عد فى النَّاس ثمَّ قَالَ لَيْت الرِّيَاح تصنع مَا تصنع أَنْت من نفع النَّاس وَدفع افتقارهم
٣ -، ٤ - الْإِعْرَاب ضرّ مصدر وَأَرَادَ يضررن ضرا أى بكرت الرِّيَاح ذَوَات ضرّ فَحذف الْمُضَاف الْغَرِيب السجسج الرّيح الطّيبَة الَّتِى لَا حر فِيهَا وَلَا برد والسجسج الَّتِى ذكرهَا النبى
فى الحَدِيث ريح الْجنَّة والزعزع الرّيح الشَّدِيدَة المؤذية الْمَعْنى يَقُول بكرت الرِّيَاح تضر النَّاس ضرا وَأَنت سهل تَنْفَع النَّاس فليت الرِّيَاح مثلك
٥ -، ٦ - الْغَرِيب النبع شجر صلب يتَّخذ مِنْهُ القسى والخروع نبت ضَعِيف وكل ضَعِيف لين فَهُوَ خروع وخريع والرياح الْأَرْبَع الْجنُوب وَالشمَال وَالصبَا وَالدبور الْمَعْنى يَقُول أَنْت وَاحِد تقوم مقَام الْأَرْبَع وَتَنْفَع النَّاس أَكثر من نفعهن وفيهن فتْنَة وأذى وَأَنت فِيك نفع وَأَنت أقوى الْمُلُوك بَأْسا وعددا وهم بِالْقِيَاسِ إِلَيْك ضعفاء كالخروع فى الْأَشْجَار وَضرب النبع والخروع مثلا وَفِيه نظر إِلَى قَول جرير
(ألم تَرَ أنَّ النَّبْعَ يَعْتُقُ عَودُهُ ... وَلا يَسْتَوِى وَالخِرْوَعُ المُتَقَصْفُ)
стр. 566
- ١ - الْإِعْرَاب النَّاس اسْم من أَسمَاء الجموع عبر عَنهُ بِإِشَارَة الْوَاحِد على اللَّفْظ لَا على الْمَعْنى وَلَو أَرَادَ الْمَعْنى لقَالَ هَؤُلَاءِ الْغَرِيب الخداع الْغرُور وَأَصله من خدع الضَّب فى حجره إِذا دخل فِيهِ وَمِنْه قَول شَاس بن نهارى العبدى
(أرِقْتُ فلَمْ تَخْدَعْ بعَيْنِىَ نَعْسَةٌ ... وَمَنْ يَلْقَ مَا لاقَيْتُ لابُدَّ يأْرَقُ)
وَالْخداع أَن يتَمَكَّن الْكَلَام الْبَاطِل فى قلب مستمعه فينخدع بِهِ وخدعته خدعا وخدعا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وخدع يخدع كسحر يسحر من الْأَفْعَال الَّتِى جَاءَت على فعل يفعل بِالْفَتْح وَالِاسْم الخديعة والخدعة الْمَعْنى لَا أعتقد فى هَؤُلَاءِ النَّاس الْخَيْر وَلَكِن غيرى مِمَّن يجهل أَمرهم يغتر بقَوْلهمْ فينخدع بِهِ لأَنهم إِذا قَاتلُوا جبنوا وانهزموا وَإِذا حدثوا أظهرُوا الشجَاعَة أى أَن شجاعتهم بالْقَوْل لَا بِالْفِعْلِ وَإِذا كَانُوا كَذَلِك فالجاهل يغتر بهم
٢ - الْإِعْرَاب روى أهل بالحركات الثلات فالرفع على الِابْتِدَاء أى هم أهل الحفيظة وَالنّصب على الذَّم لَهُم والجر على الْبَدَل من النَّاس الْغَرِيب الحفيظة الحمية والأنفة والغى الْفساد ويزع يكف وزعته أزعه وزعا كففته فاتزع هُوَ أى كف وأوزعته بالشئ أغريته بِهِ وأوزع بِهِ فَهُوَ موزع بِهِ أى مغرى بِهِ الْمَعْنى يَقُول هم أهل الحفيظة غير مجربين فَإِذا جربتهم لم ترهم كَذَلِك وفى تجربتهم مَا يكفك عَن مخالطتهم وَهَذَا يُشِير بِهِ إِلَى مَا ظهر من عجز أَصْحَاب سيف الدولة فى الْغُزَاة الَّتِى جبنوا فِيهَا وَقَالَ هم يظهرون الحمية وَالصَّبْر وَالْجَلد والإقدام ويتزينون بذلك مَا لم تقع التجربة لَهُم فَإِذا جربوا تركُوا
٣ - الْإِعْرَاب نفسى فى مَوضِع رفع عطفا على الْحَيَاة كَقَوْلِك مَا أَنْت وَزيد الْغَرِيب الطَّبْع الدنس يَقُول طبع الرجل بِالْكَسْرِ أَصله من طبع السَّيْف إِذا علاهُ الصدأ قَالَ أَبُو مُحَمَّد الراجز الفقعسى
(إنَّا إذَا قَلَّتْ طَخارِيرُ الْقَزَعْ ... وَصَدَرَ الشَّارِبُ مِنًها عَنْ جُرَعْ)
(نَفحَلُها الْبِيض الْقَلِيلاتِ الطَّبَعْ ١ ... )
الْمَعْنى يَقُول مَا لنفسى والحياة وَقد علمت أَن حَيَاة الْإِنْسَان على الْحَال الَّتِى يكرهها والطريقة الَّتِى لَا يستحسنها دناءة ودنس فعلام الْحِرْص على الْحَيَاة والركون إِلَيْهَا مَعَ هَذِه الْحَال فَلَا أُرِيد حَيَاة وَلَا أشتهيها إِذا كَانَت كَذَا وَفِيه نظر إِلَى قَول بَيت الحماسة قَول قطرى
(وَما للْمَرْءِ خَيْرٌ فِى حَياةٍ ... إذَا مَا عُدَّ مِنْ سَقَطِ المَتاعِ)
стр. 567
- الْغَرِيب المارن مقدم الْأنف وَهُوَ مالان مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل صَحِيح الْأنف بجميل وَقصد الْأنف لِأَن الْعَرَب تقصد الْأنف من بَين سَائِر الْأَعْضَاء فَيُقَال أرْغم الله أَنفه يَقُول لَيْسَ جمال الْوَجْه بسلامة ظَاهره فَأَنف الْعَزِيز يجتدع بِزَوَال الْعِزّ عَنهُ فَإِذا قطع عزه فَكَأَنَّهُ فى الْحَقِيقَة قد جدع أَنفه وَإِن كَانَ أَنفه صَحِيحا وَفِيه نظر إِلَى قَوْله الطائى
(ليسَ جَدْعُ الأُنوفِ عِنْدىَ جَدْعا ... إنَّ ذُلَّ النُّفُوسِ قَتْلٌ وَجَدْعُ)
٥ - الْإِعْرَاب جمع بَين الهمزتين وحققهما وَقد جمع بَينهمَا الْقُرَّاء وحققوهما فى مثل هَذَا إِذا كَانَتَا من كلمة وَاحِدَة وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَهِشَام عَن ابْن عَامر لم يحققهما إِذا كَانَتَا من كَلِمَتَيْنِ وحققهما الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر من طَرِيقه الْغَرِيب الانتجاع طلب الكلإ هَذَا أَصله ثمَّ صَار كل طلب انتجاعا الْمَعْنى يَقُول الشّرف وسعة الرزق يطلبان بِالسَّيْفِ فَلم أطلبهما بشئ آخر أى أترك أَن أحوز الْمجد بِالسَّيْفِ وأكسب المَال من طَرِيق الْحَرْب وأتناول ذَلِك بِالطَّلَبِ وأتكلف فِيهِ أَشد التَّعَب وأكون كمن طرح عَن كتفه مَا يطْلب وَترك فى غمده مَا ينتجعه
٦ - الْإِعْرَاب من روى مشرفة بِفَتْح الرَّاء جعله دُعَاء لَهَا وَمن روى بِالْكَسْرِ فَمَعْنَاه لَا كَانَت دَاء بل كَانَت دَوَاء الْمَعْنى السيوف لَا زَالَت مشرفة وأبدع فى حسن التَّجْنِيس وَقَوله دَوَاء كل كريم الخ أى إِمَّا أَن يملك بهَا أَو يقتل بهَا يَقُول إِمَّا أَن يصل بِالسُّيُوفِ إِلَى بغيته فَتكون كالدواء وَإِمَّا أَن يقتل بهَا دون مُرَاده فَتكون لَهُ كالوجع وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحترى
(وَعِنْدَ بُقْرَاطَ دَاءٌ لَوْ تَأمَّلَهُ ... قالَ الشِّفاءُ بِحَدّ البِيضِ والأسَلِ)
стр. 568
- الْغَرِيب وقرها ثبتها والدرب الْمضيق والمدخل إِلَى بِلَاد الْعَدو والأعطاف جمع عطف وَهُوَ الْجَانِب وَالدَّفْع أَن يدْفع شئ بعد شئ الْمَعْنى يُرِيد بِفَارِس الْخَيل سيف الدولة لِأَنَّهُ أظهر فى هَذِه الْوَقْعَة من جلده وثباته وَأَرَادَ جَيْشه الْهَزِيمَة فثبتهم فى مضيق من مضايق الرّوم وَيعرف هَذَا الْموضع بعقبة السّير وهى عِقَاب صعبة ضيقَة وَنزل سيف الدولة على نهر قريب مِنْهَا فَلَمَّا جنه اللَّيْل تسلل أَصْحَابه عَنهُ وبقى وحيدا فثبتهم وَوقر الرجل من الْوَقار يوقر وَوقر يقر إِذا ثَبت وَقد جَاءَ الْوَجْهَانِ فى قَوْله تَعَالَى ( ﴿وَقرن فِي بيوتكن﴾ فِيمَن كسر وَفتح فَفتح نَافِع وَعَاصِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَارس الْخَيل يُرِيد إِذا اجْتمعت الْخَيل مَوْصُوفَة بالفروسية كَانَ أفرسهم كَقَوْلِك شَاعِر الْقَوْم فَيحْتَمل أَن يَكُونُوا كلهم شعراء وَيجوز أَن يكون وَحده شَاعِرًا وَإِذا قلت هَذَا شَاعِر الرجلَيْن لم يخْتَص بِهِ الْوَصْف دون الآخر بل تعمهما الصّفة لِأَنَّهُ يجرى مجْرى أشعر الرجلَيْن فلابد من أَن يَكُونَا شاعرين وَلَا تَقول هَذَا غُلَام الرجلَيْن وَأَحَدهمَا الْغُلَام وَالْآخر صَاحبه كَمَا لَا تَقول شَاعِر الرجلَيْن وَأَحَدهمَا شَاعِر دون صَاحبه
٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى أوحدته للخيل وَكَذَا فى أغضبته وَهُوَ ضمير مَرْفُوع وَالضَّمِير الآخر لسيف الدولة وَهُوَ مفعول الْغَرِيب القذع الْفُحْش والسب وقذعت الرجل وأقذعته إِذا أسمعته كلَاما قبيحا الْمَعْنى يَقُول لما أفرده أَصْحَابه لم يقلق وَلم يفرق لشجاعته وَكَذَا لما أغضبوه لم يفحش عَلَيْهِم لِأَنَّهُ حَكِيم حَلِيم عِنْد غَضَبه وَهُوَ شُجَاع وَحده فَلَا يبالى بالجيش أَقَامَ مَعَه أَولا
٩ - الْغَرِيب الْجَيْش هُوَ الْعَسْكَر وَابْن أَبى الهيجاء هُوَ سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول الْمُلُوك كلهم عزهم ومنعتهم بجيشهم لِأَنَّهُ يمنعهُم من الْأَعْدَاء وَأَنت عز الْجَيْش بك فَإِذا لم تكن فيهم لَا يمتنعون عَن عدوهم فَأَنت عز وحصن لَهُم فى الْحَقِيقَة وَهُوَ // معنى حسن //
стр. 569
- الْإِعْرَاب السرع بِكَسْر السِّين مصدر سرع مثل ضخم ضخما الْغَرِيب المقانب جمع مقنب وَهُوَ زهاء الثلثمائة من الْخَيل والنهل الشّرْب الأول والشكيم جمع شكيمة وهى الحديدة الَّتِى تعرض فى اللجام الْمَعْنى يَقُول قاد الجيوش مسرعا إِلَى أَرض الْعَدو فخيله لَا تشرب إِلَّا الشربة الأولى وهى النهل على اللجم حَتَّى أَنهم لَا يتفرغون أَن يدعوا لجم الْخَيل لإسراعهم يُشِير إِلَى الْحَال الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا سيف الدولة من الِاجْتِهَاد فى لِقَاء الْعَدو فوصف أَن خيله كَانَت تشرب الشّرْب الأول واللجم فى أفواهها وَأدنى سَيرهَا الْإِسْرَاع وَهُوَ غَايَة الجرى يصف جده واجتهاده
١١ - الْغَرِيب يعتقى يُقَال عقاه واعتقاه بقلب عاقه واعتاقه إِلَى عقاه واعتقاه والرى ضد الظمأ والشبع ضد الْجُوع والمسرى مفعل من السرى الْمَعْنى يَقُول سَار مسرعا إِلَى الْعَدو لَا يعوقه بلد عَن قصد غَيره وَلَا يعتاقه حصن يَفْتَحهُ عَن حصن غَيره فَهُوَ كالموت يعم وَلَا يقنعة كَثْرَة من يفنيه فَهُوَ لَا يرْوى وَلَا يشْبع من إهلاك الْأَنْفس قَالَ ابْن وَكِيع اسْتِعَارَة لفظ الْأكل وَالشرب لمن يَأْكُل وَيشْرب أحسن من اسْتِعَارَة أَبى الطّيب إيَّاهُمَا للْمَوْت ثمَّ أنْشد قَول لَقِيط
(لَا حَرْثَ يَشْغَلهُمُ بلْ لَا يَرَوْنَ بِهِمْ ... مِنْ دُونِ بِيضِكُمُ رِيًّا وَلا شِبَعَا)
١٢ - الْغَرِيب خرشنة بلد من بِلَاد الرّوم وإقامته عَلَيْهَا لتشقى بهَا الرّوم وَمَا حوت من الصلبان وَالْبيع والصلبان جمع صَلِيب كرغيف ورغفان وَالْبيع جمع بيعَة وهى كنائس النَّصَارَى وَمِنْه
(لهدمت صوامع وَبيع ... )
والربض مَا حول الْمَدِينَة من الْعِمَارَة الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ يسْرع بخيله حَتَّى قَامَ نازلا على أرباض هَذَا الْموضع وَهُوَ فى وسط بِلَاد الرّوم فَحِينَئِذٍ شقيت الرّوم وَمَا تعبد وهجرت كنائسها
١٣ - الْإِعْرَاب أَقَامَ مَا لما يعقل للموافقة لما فى المصراع الثانى وَيجوز أَن يكون حمل مَا على الْمصدر يُرِيد للسبى نكاحهم وَالْقَتْل ولادتهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عطف على معمولين وَمَا فى مَوضِع رفع على الِابْتِدَاء على التفسيرين الْمَعْنى يَقُول لما نزل بِهَذِهِ الْبِلَاد أهلك أَهلهَا بسبى أَوْلَادهم الأصاغر وَنِسَائِهِمْ وَقتل أَوْلَادهم الأكابر وَنهب أَمْوَالهم وإحراق زُرُوعهمْ وَاللَّام فى قَوْله للسبى لَام الْعَاقِبَة كَقَوْلِه
(لِدوا للمَوْتِ وابنُوا للخَرابِ ... )
أى عاقبتهما إِلَى هَذَا وَقد زَاد على أَبى تَمام فى قَوْله
(لمْ تَبْقَ مُشْرِكَةٌ إلَاّ وَقدْ عِلِمَتْ ... إنْ لَمْ تَتُبْ أنهَّه للسَّبْىِ مَا تَلِدُ)
стр. 570
- الْإِعْرَاب مخلى لَهُ ومنصوبا حالان من سيف الدولة ومشهودا حَال من صارخة قَالَ أَبُو الْفَتْح وَالْأولَى أَن يُقَال مَنْصُوبَة ومشهودة إِلَّا أَن التَّذْكِير جَائِز على قَوْلك نصب المنابر وَشهد الْجمع وَنَقله الواحدى حرفا فحرفا الْغَرِيب المرج مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وصارخة مَدِينَة من مدائنهم وَالْجمع جمع جمعه كجمعات الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة بلغ النِّهَايَة فى إهلاك الرّوم حَتَّى نصبت لَهُ المنابر وَشهِدت الْجمع ببلادهم وَأقَام الْمُسلمُونَ بِأَرْض الرّوم فصاروا كالساكن بهَا قد اقتدروا على ملكهَا حَتَّى نصبوا المنابر وجمعوا الْجمع وَهَذَا غَايَة النكاية فى الْعَدو وَالروم لَا يقدرُونَ على الظُّهُور لما يجدونه من عَسْكَر سيف الدولة
١٥ - الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة قد أدام قتل الرّوم وقوت الطير بلجومهم فى وقائعه فَصَارَ يطْعمهَا من لُحُوم الْقَتْلَى حَتَّى تكَاد تقع على الْأَحْيَاء لتأكلهم وتكاد تقَارب وَذَلِكَ لِأَنَّهَا قد تعودت أكل الْأَجْسَام فَصَارَت بِالْعَادَةِ تعترض الْأَحْيَاء فى طرقها فتكاد تخطفهم
١٦ - الْغَرِيب الحواريون أَصْحَاب عِيسَى ﵇ وفى تسميتهم بِهَذَا الِاسْم أَقْوَال أَحدهَا أَنهم كَانُوا قصارين يبيضون الثِّيَاب وَمِنْه الْحور لبياض فى عيونهن والحواريات النِّسَاء قَالَ الشَّاعِر
(فَقُلْ للْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنا ... وَلا تَبْكِنا إلَاّ الكِلابُ النَّوَابِحُ)
وَمِنْه الْخبز الحوارى لبياضه وَقيل الحوارى هُوَ النَّاصِر وَكَانُوا أنصار عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ وَمِنْه قَوْله
" الزبير ابْن عمتى هُوَ حواريى من أمتى " وَقيل هم أصفياء الْأَنْبِيَاء وخاصتهم وأضافهم إِلَى النَّصَارَى لأَنهم كَانُوا يدعونَ شرعهم واتباعهم فِيمَا يشرعون لَهُم الْمَعْنى يَقُول لَو رأى سيف الدولة الحواريون وَرَأَوا عدله وإنصافه وَكَرمه مَعَ مَوضِع الحواريين واجتماعهم على الْحق لبنوا شَرِيعَة الرّوم على محبته وألزموا الرّوم الدُّخُول فى طَاعَته
стр. 571
- الْغَرِيب الدمستق هُوَ صَاحب جَيش الرّوم والقزع المتفرق من السَّحَاب وَاحِدهَا قزعة الْمَعْنى أَن كتائب سيف الدولة لما أَقبلت متتابعة نظرها الدمستق وَأَصْحَابه فظنوها قطع الغمائم وتحيروا فِيهَا فَلم يدروا مَا هى فَلَمَّا تحققها ذمّ عَيْنَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تحير حَتَّى أنكر حاسة بَصَره وَقَالَ هُوَ يشبه قَول البحترى
(فلمَّا الْتَقَى الجَمْعانِ لمْ تَجْتَمِعْ لَهُ ... يَدَاهُ وَلمْ يَثْبُتْ عَلى البِيضِ ناظِرهُ وَقَالَ ابْن فورجة رأى الْجَيْش الْعَظِيم فَظَنهُ قَلِيلا وَرَأى سَحَابَة متراكمة فظنها قطعا مُتَفَرِّقَة وَالْمعْنَى أَنه لما رأى الْأَمر بِخِلَاف مَا أَدْرَكته عَيناهُ ذمّ نظر عَيْنَيْهِ
١٨ - الْإِعْرَاب فِيهَا الضَّمِير لسود الْغَمَام وهى عَسْكَر سيف الدولة والكماة مُبْتَدأ وَالْجَار خَبره الْغَرِيب الكماة جمع كمى وَهُوَ الشجاع المتكمى فى سلاحه أى الْمُسْتَتر والجذع الذى أَتَى عَلَيْهِ حولان وَجمعه جذعان وجذاع والحولى الذى أَتَى عَلَيْهِ حول وَجمعه حوالى الْمَعْنى يُرِيد أَن صَغِيرهمْ كَبِيرهمْ عِنْد الْحَرْب وحولى خيلهم جذع يعظم أَمرهم وَأمر خيلهم
١٩ - الْغَرِيب اللقان مَوضِع بِبِلَاد الرّوم وآلس نهر هُنَاكَ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تَسْتَقِر فَتَشرب إِنَّمَا تختلس المَاء اختلاسا بمواصلة السّير قَالَ وَيجوز أَن يكون شربت المَاء قَلِيلا لعلمها بِمَا يعقب سَيرهَا من شدَّة الركض وَكَذَا يفعل كرام الْخَيل قَالَ الواحدى لَيْسَ الْمَعْنى على مَا قَالَه وَإِنَّمَا يصف مواصلتها السّير يُرِيد أَنَّهَا شربت المَاء من آلس وَبَلغت اللقان قبل أَن بلعت مَا شربته من آلس فماء هَذَا النَّهر حلوقها وَقد وصل إِلَى مناخرها تُرَاب هَذَا الْموضع وَبَينهمَا بعد ومسافة وَقَالَ ابْن الإفليلى وصلت اللقان وحناجرها لم تَجف من مَاء النَّهَار يُشِير إِلَى ركض الْخَيل وَشدَّة إسراعها فى غاراتها // وَهَذَا مُبَالغَة //
стр. 572
- الْمَعْنى يَقُول كَأَن خيله تتلقى الرّوم لتدخل فيهم والطعن يفتح من أجوافها مَا يسع الْخَيل قَالَ ابْن الإفليلى لتسلك أَجْسَادهم وتتخذها طرقا وَطعن فوارسها يفتح مَا يسعهم ويخرق مَا يضيق بهم وَلَيْسَ هَذَا الإفراط بِأَعْجَب من قَول النَّابِغَة
(تَقُدُّ السَّلُوقَّى المُضَاعَفَ نَسْجُهُ ... وَتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ)
وَمعنى الْبَيْت من قَول قيس بن الخطيم من أَبْيَات الحماسة
(مَلَكْتُ بِها كَفِّى فأَنْهَرْتُ فَتْقَها ... يَرَى قائِمٌ مِنْ خَلْفِها مَا وَرَاءَها)
٢١ - الْمَعْنى يَقُول خَلِيل سيف الدولة يهدى نواظرها فى وقائعه وظلمة الْغُبَار اتقاد الأسنة الَّتِى تشبه المصابيح لضيائها فى رُءُوس القنا الَّتِى تشبه الشمع فى إشراقها وَهَذَا من تَشْبِيه شَيْئَيْنِ بشيئين وَذَلِكَ غَايَة الإبداع وَلما اسْتعَار للأسنة نَارا جعل القنا شمعا وَهَذَا فى غَايَة الْحسن قَالَ ابْن وَكِيع ينظر فِيهِ إِلَى قَول النميرى
(لَيْلٌ مِنَ النَّقْعِ لَا شَمْسٌ وَلا قَمَرٌ ... إلَاّ جَبِينُكَ والمَذْرُوبةُ الشُّرُعُ)
وَقد أحسن فِيهِ البحترى بقوله
(مَدَّ لَيْلاً مِنَ العَجاج فَمَا يَمْشُونَ فِيه إلَاّ بضَوْءِ السُّيُّوف ... ِ)
٢٢ - الْغَرِيب القر الْبرد وطفح يطفح إِذا ذهب يعدو والمقورة الضامرة والمزع السريعة ومزع الظبى يمزع إِذا مر سَرِيعا وَكَذَلِكَ الْفرس وطافحة حَال من الْخَيل الْمَعْنى يَقُول قبل هجوم الْبرد تأتيهم خيل سيف الدولة فتعدو عَلَيْهِم وتطؤهم بحوافرها وَكَانَ لَهُ كل سنة غزوتان غَزْوَة فى الرّبيع وغزوة فى الخريف وروى ابْن جنى السِّهَام جمع سهم وَقَالَ قبل أَن يصل إِلَيْهِم سِهَام الرُّمَاة وَقبل أَن يَفروا تهجم عَلَيْهِم هَذِه الْخَيل الضامرة فروى الفر بِالْفَاءِ وَقَالَ سَأَلته عَنهُ فَقَالَ هَذِه الْخَيل طفحت عَلَيْهِم وَقد صَارَت أقرب إِلَى نُفُوسهم من السِّهَام وَمن أَن يَفروا يصف سرعَة الْخَيل وَأَنَّهَا قد ركبتهم وَغَشِيَتْهُمْ وروى وَغَيره
(دون السِّهَام ... )
بِفَتْح السِّين وَهُوَ حر السمُوم وَقد سهم الرجل على مَا لم يسم فَاعله إِذا أَصَابَهُ السمُوم والسهام بِالضَّمِّ الضمور والتغير
стр. 573
- الْغَرِيب العلج الرجل من كفار الْعَجم وَالْجمع علوج وأعلاج والأظمى الرمْح قَالَ بشر
(وفِى نَحْرِهِ أظْمَى كأنَّ كُعُوبَهُ ... نَوَى القَسْب عَرَّاصُ المَهَزَّة أسمَرُ الْمَعْنى يَقُول إِذا اسْتَغَاثَ العلج بعلج حَال بَينهمَا رمح أظمى يفرق بَين الضلع وَأُخْتهَا فَكيف تفريقه بَين العلجين
٢٤ - الْإِعْرَاب أجل وأمضى ابتداءان ومنكتف ومنصرع خبران الْغَرِيب الفقاس قَالَ ابْن جنى هُوَ الدمستق كَأَنَّهُ لقبه قَالَ الواحدى هُوَ جده وَقَالَ ابْن الإفليلى هُوَ رَئِيس جَيش الرّوم الْمَعْنى يَقُول إِن فَاتَ الدمستق الرماح بهربه إِذْ هرب وَأسر من أَصْحَابه نَيف وَخَمْسُونَ رجلا فأجل مِنْهُ قدرا مأسور فى الْقَيْد وَالْحَدِيد لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى أسر وأمضى مِنْهُ فى الشجَاعَة منصرع مقتول لِأَنَّهُ قَاتل حَتَّى قتل وَلم ينهزم والدمستق وَإِن كَانَ حَيا أعجز مِمَّن كَانَ قتل وَإِن كَانَ أفلت فَهُوَ أذلّ مِمَّن أسر
٢٥ - الْغَرِيب شفار الْبيض حد السيوف وشفار جمع شفرة وهى حد السَّيْف الْمَعْنى يَقُول وَمَا نجا من حد السيوف منفلت أَنْجَاهُ فراره وَعَصَمَهُ من الْقَتْل هربه فَهُوَ لَا يَأْمَن لشدَّة فزعه وَمن كَانَت هَذِه حَاله فحياته موت ونجاته هلك فَهُوَ ينظر إِلَى قَول حبيب
(إنْ يَنْجُ منكَ أَبُو نَصْرٍ فَعَنْ قَدَرٍ ... تَنْجو الرّجالُ وَلكِنْ سَلْه كيفَ نَجا)
٢٦ - الْغَرِيب المختبل الذاهل المضطرب والممتقع الْمُتَغَيّر اللَّوْن الْمَعْنى يَقُول لما صَار فى مأمنه دهرا عَاشَ فَاسد الْعقل ذاهلا لشدَّة مَا لحقه من الْفَزع فَهُوَ يشرب الْخمر ولونه لَا يرجع لاستيلاء الصُّفْرَة عَلَيْهِ فَلَا يرد الْخمر لَونه عَلَيْهِ مَعَ مداومة شربهَا
٢٧ - الْغَرِيب الحشاشة النَّفس والبطريق الْفَارِس من الرّوم والباترات السيوف والأمين أَرَادَ بِهِ هَهُنَا الْقَيْد والورع أَصله الْكَفّ عَن الْمَحَارِم الْمَعْنى يَقُول يَقُول كم من نفس فَارس قد ضمنهَا للسيوف الْقَيْد أى كم من فَارس لم يبْق مِنْهُ إِلَّا رمقه قد قيد وأسره فَهُوَ فى ضَمَان الْقَيْد للسيف إِذا دعت الْحَاجة إِلَى قَتله وَقَوله
(أَمِين مَاله ورع ... )
// من أحسن الْكَلَام // لِأَن الْأمين هُوَ الذى يؤتمن على الْأَشْيَاء فَلَا بُد لَهُ من ورع
стр. 574
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فى يُقَاتل ويطرد للأمين وَهُوَ الْقَيْد وَالضَّمِير الْمَفْعُول فى يطْلب للخطو وَالضَّمِير فى عَنهُ للمقيد المأسور الْمَعْنى يَقُول إِذا أَرَادَ المشى مَنعه الْقَيْد وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه الِاضْطِجَاع فَإِذا رام المشى قَاتله بتضييقه يُرِيد أوجعهُ بالضيق على سَاقيه فَكَأَنَّهُ يقاتله وَإِذا أَرَادَ النّوم مَنعه فَكَأَنَّهُ يطرده عَنهُ وَفِيه نظر إِلَى قَول الحكمى
(إِذا قامَ أعْيَتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ ... لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الْفِناءِ قَصِيرُ)
٢٩ - الْغَرِيب لَا تنفك أى لَا تَبْرَح وَلَا تَزُول الْمَعْنى يَقُول إِن المنايا ينتظرن أمره فَإِذا أمرهَا بشئ فعلته فهى إِن كفها ولت وَإِن أرسلها لسيوفه سطت وفى ظَاهره لَفظه مَا يدل على هَذَا وَمثله قَول بكر ابْن النطاح
(كأنَّ المَنايا لَيسَ يَجْرِينَ فىِ الوَغَى ... إذَا الْتَقَتِ الأَبْطالُ إلَاّ بِرأيِهِ)
وَمثله لمُسلم
(كَأَن المَنايا عالِمَاتٌ بأمْرِهِ ... إذَا خَطَرَتْ أرْماحُهُ وَمناصِلُهْ)
٣٠ - الْغَرِيب الْمُسلمين بِفَتْح اللَّام من أسره الْمُشْركُونَ من الْمُسلمين وقتلوه الْمَعْنى قل للدمستق إِن الَّذين أسرتم خانوا الْأَمِير سيف الدولة وعصوه فجازاهم الله بِمَا صَنَعُوا أَنكُمْ ظفرتم بهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة لما قتل من قتل وَأسر من أسر سَار عَن ذَلِك الْموضع وبقى فِيهِ قوم من الْمُسلمين يجهزون على من بقى فِيهِ رَمق من الْقَتْلَى وَمِنْهُم من أَخذه النّوم فَجَاءَهُمْ الْعَدو بعد مسير سيف الدولة وأخذوهم وقتلوهم
٣١ - الْمَعْنى يَقُول وجدْتُم هَؤُلَاءِ الَّذين ظفرتم بهم نياما فى قَتْلَاكُمْ كَأَنَّهُمْ مفجوعون بقتلاكم لما كَانُوا بَينهم قد تلطخوا بدمائهم
стр. 575
- الْغَرِيب ضعفى جمع ضَعِيف ونزعت عَن الشئ رغبت عَنهُ وأعرضت الْمَعْنى يُرِيد إِن الَّذين تخلفوا حَتَّى أدركتموهم ضِعَاف الْعَسْكَر إِن هموا بعدوهم لم يعارضهم لضعفهم وَقد حَقَّقَهُ فِيمَا بعده بقوله
(لَا تحسبوا ... )
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبوا هَؤُلَاءِ الَّذين أسرتم كَانَ فيهم رَمق بل أموات من الضعْف وَالْمَيِّت لَا يَأْكُلهُ إِلَّا الضبع فَأنْتم لخستكم ودناءة أَنفسكُم قتلتم هَؤُلَاءِ الْقَوْم الضُّعَفَاء وَقد عَابَ عَلَيْهِ ابْن وَكِيع هَذَا الْبَيْت وَقَالَ كَيفَ أطلق على الضبع هَذَا وَأَنَّهَا تَأْكُل الْميتَة كَأَنَّهُ لم يقْرَأ كتاب الوحوش وَلم يسمع وصفهَا فى أشعار الْعَرَب لِأَن الضبع تخنق عشرا من الْغم حَتَّى تَأْخُذ وَاحِدَة وَهِي من أَخبث السباغ على الْغنم قَالَ الزاجر يَدْعُو على غنم رجل
(سَلِّطْ على أُولَئِكَ الأَغْنامِ ... سَمَيْذَعاً مُعاوِدَ الإقْدَامِ)
(أوْ جَيْئَلاً ظَلَّتْ بِذَاتِ هامِ ... تَلُفَّها مُدَلَمِّسَ الظّلامِ)
(لَفَّ العَجُوزِ بَرَدَ الثُّمامِ ... )
وَقَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(مَا كلّ من قد أسرتم كَانَ ذَا رَمَق ... )
لَكَانَ أوضح وَأحسن
٣٤ - الْغَرِيب الْعقب جمع عقبَة وفرادى جمع فَرد وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى﴾ وَأسد جمع أَسد وَيجمع أَيْضا على أَسد بِضَمَّتَيْنِ وأسود وآساد الْمَعْنى يَقُول هلا وقفتم فى هَذَا الْموضع وَقد صعدت إِلَيْكُم رجال يتصاعدون إِلَى الْحَرْب أفرادا لَا يقف بَعضهم إِلَى بعض شجاعة وإقداما وثقة لشدتهم وَمثل بَيت الحماسة قَول العنبرى
(قَوْمٌ إذَا الشَّرُّ أبْدَى ناجِذَيهِ لَهُمْ ... طارُوا إلَيْهِ زَرَافاتٍ وَوُجْدَان)
٣٥ - الْمَعْنى يُرِيد هلا صَبَرْتُمْ لِأَن هلا للتحضيض ولابد لَهَا من الْفِعْل مظْهرا أَو مضمرا وَمِنْه بَين الْإِيضَاح قَول جرير
(تَعُدُّونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكُمْ ... بَنِى ضَوْطَرَى لَوْلا الكَمِىَّ المُقَنَّعا)
أى هلا عددتم الكمى الْمقنع الْغَرِيب روى ابْن جنى بفتاها أى بفارسها وروى غَيره بقناها يُرِيد رماحها وأوقع الْخَبَر عَن الْخَيل وَالْمرَاد أَصْحَاب الْخَيل ويدع مُسْتَقْبل فعل ترك اسْتِعْمَاله الْغَرِيب السلهبة الطَّوِيلَة من الْخَيل الْمَعْنى يُرِيد وصف الْحَال الَّتِى كَانَت فى الزَّمَان الماضى وَأَن الرماح شقَّتْ عَسْكَر أهل الرّوم أَو فرسانها يشقون الصُّفُوف بالطعن
стр. 576
- الْإِعْرَاب قَالَ الواحدى رِوَايَة كل من قَرَأَ الدِّيوَان
(الْجنُود بكم ... )
بِالْبَاء وَالصَّحِيح فى الْمَعْنى لكم بِاللَّامِ لِأَنَّهُ يُقَال عرضت فلَانا لكذا فتعرض لَهُ وَيجوز أَن يكون بكم من صلَة معنى التَّعْرِيض لَا من لَفظه وَمَعْنَاهُ إِنَّمَا ابتلى الله الْجنُود بكم يعْنى سيف الدولة يَقُول إِنَّمَا خذلهم الله وجعلهم لكم عرضة الْغَرِيب الفسل الدنئ الْعَاجِز من الرِّجَال فسل فسالة وفسولة الْمَعْنى يُرِيد إِن الله عرض لكم الْجنُود الَّذين انْقَطَعُوا وتخلفوا عَن عَسْكَر سيف الدولة وهم الأوباش ليجرد الله عَسْكَر الْإِسْلَام من الأوباش فَيرجع إِلَيْكُم غازيا بالأبطال وذوى النجدة لَيْسَ فيهم دنئ وَلَا ضَعِيف
٣٧ - الْمَعْنى يَقُول كل غَزْوَة بعد هَذِه الْغَزْوَة تكون لَهُ لَا عَلَيْهِ لِأَن الأوباش من عسكره والضعفاء قد قتلوا فَلم يبْق إِلَّا الْأَبْطَال وَهُوَ أَمِير الْغُزَاة وسيدهم وهم أَتْبَاعه
٣٨ - الْغَرِيب تبتدع أى تفعل الشئ من نَفسك بديهة واختراعا من غير تَعْلِيم والابتداع هُوَ الصَّنْعَة من غير تَعْلِيم وَمِنْه ﴿بديع السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾
الْمَعْنى يَقُول غَيْرك من الْمُلُوك يفعل مَا كَانَ يَفْعَله غَيره من حسن وقبيح وَأَنت مبتدئ فِيمَا تفعل لم يسْبق إِلَيْهِ أحد فأفعالك أبكار وَالْمعْنَى أَن الْكِرَام يقتفون آثَار غَيرهم ويتعلمون مِمَّن كَانَ قبلهم وَأَنت تسبق الْكِرَام إِلَى الْأَفْعَال وتخلق أى تصنع مَا تُرِيدُ وَلَو صَحَّ لَهُ أَن يَقُول تقتفى أثار الْكِرَام لَكَانَ أبين فى صناع الشّعْر
٣٩ - الْغَرِيب يشينك يعيبك الضَّرع الضَّعِيف وَالْأُنْثَى الضرعة الْمَعْنى يَقُول وَهل يشينك وَقت أقدمت فِيهِ وأحجم أَصْحَابك وكررت وَعجز أَصْحَابك فَإِن فضلك وَبَان نقصهم وَمن قتل من أَصْحَابك وَأسر من ضعفائهم لَا يعيبك ذَلِك إِذا كنت أَنْت الْفَارِس الشجاع وفى نظم هَذَا الْبَيْت عيب عِنْد الحذاق بصناعة الشّعْر لِأَنَّهُ كَانَ ينبغى لَهُ أَن يَقُول فى صدر الْبَيْت
(كنت حازمه ... )
لما قَالَ فى الْعَجز
(الْعَاجِز الضَّرع ... )
لِأَن ضد الحازم الْعَاجِز أَو يَقُول فارسه وجبانه
стр. 577
- الْمَعْنى يَقُول من بلغ وَحل فى الْفَضَائِل محلك واشتهر بالشجاعة اشتهارك فتواضعت الشَّمْس عَن مَوْضِعه وَقصر محتدها عَن محتده فَلم يبْق لَهُ فى الشّرف غَايَة يبلغهَا فترفعه وَلَا للعيب سَبِيل إِلَيْهِ فيضعه أى لم يكن للنِّهَايَة مَحل يرْتَفع إِلَيْهِ فَلَا يرْتَفع بنصرة أحد وَلَا يتضع بخذلانه لِأَن قدره فَوق كل قدر وشجاعته فَوق كل شجاعة وَفِيه نظر إِلَى قَول زُهَيْر
(لوْ كانَ يقعُدُ فوْق الشَّمسِ مِنْ كَرَمٍ ... قَوْمٌ بآبائهِ أوْ مَجْدِهِمْ قَعَدُوا)
وفى عَجزه نظر إِلَى قَول أَبى دلف
(فَمَا تَرْفَعُنِى حالٌ ... وَلا تَخْفِضُنِى حالُ ... )
٤١ - الْغَرِيب الْكر الْإِقْدَام فى الْحَرْب مُدَّة بعد أُخْرَى والأعقاب جمع عقبَة والشيع الأشياع وهم جمع شيعَة يُقَال شيع وشيعة وأشياع وَمن شيعَة الإِمَام على ﵇ قَالَ الْكُمَيْت
(وَما لِىَ إِلَّا آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَما لِىَ إلَاّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبْ)
الْمَعْنى يَقُول إِذا أفرده أَصْحَابه فى هَذَا الْيَوْم لم تسلمه شجاعته وإقدامه فى الْأَعْدَاء بل امْتنع بإقدامه وَكره على أعدائه وَقيل الأعقاب جمع عقب بِمَعْنى الآخر وَمثله للطائى
(مَا غابَ عَنْهُ مِنَ الإِقْدَامِ أشْرَفُهُ ... فِى الرَّوْعِ إنْ غابَتِ الأنْصَارُ والشِّيَعُ)
٤٢ - الْغَرِيب الدنئ الخسيس وَهُوَ مَهْمُوز قَالَ أَبُو الْفَتْح قلت لَهُ عِنْد الْقِرَاءَة عَلَيْهِ أأهمزه قَالَ لَا تهمزه فَقلت لَهُ هُوَ من بَاب المهموز فَقَالَ أَلا ترى الْإِجْمَاع على قَوْله تَعَالَى ﴿أتستبدلون الى هُوَ أدنى بالذى هُوَ خير﴾ بترك الْهمزَة وَقَالَ الشَّاعِر عبيد الله بن الْحر
(وَما أَنا بالدَّانِى فآتِى دَنِيَّةً ... وَلَكِنَّنِى يُزْرِى بِىَ الدَّهْرُ عامِرُ)
فجَاء بِهِ غير مَهْمُوز وطمع مصدر وَقَالَ أَبُو زيد رجل طمع وَقوم طماعى وطمعاء وطمعون وأطماع الْمَعْنى يَقُول ليتهم يُعْطون الشُّعَرَاء على أقدارهم فى الِاسْتِحْقَاق بفضلهم وعلهم فَلَو كَانُوا هَكَذَا مَا طمع فى عطائهم خسيس وَهُوَ تَعْرِيض بِأَنَّهُ يسويه مَعَ غَيره مِمَّن لَا يماثله فى الْفضل
стр. 578
- الْغَرِيب حبيك الْبيض أى الطرائق الَّتِى فى السيوف وَأَصله فى السَّمَاء وَإِنَّمَا هُوَ فى السَّيْف اسْتِعَارَة الْوَاحِدَة حبيكة الْمَعْنى يَقُول رضيت من الشُّعَرَاء بِالنّظرِ إِلَى قتالك وَالِاسْتِمَاع إِلَى قراعك لَا غير من غير أَن يباشروا الْقِتَال وَأَنا أباشر الْقِتَال وأضرب مَعَك بِالسَّيْفِ دون غيرى مِمَّن يصحبك من الشُّعَرَاء
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول من لم يصدقك بقوله فقد غشك فَإِنَّهُ يظْهر لَك الشجَاعَة والجبن عِنْده وَيظْهر لَك الْجلد والضعف حَقِيقَته فَهُوَ يتعاطى مَا لَيْسَ عِنْده وَأَرَادَ أَن يفرد الْمَنْفَعَة بِالصّدقِ ليَصِح معنى الْبَيْت قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(من كَانَ مِنْك بِغَيْر الصدْق ... )
لسلم من الِاعْتِرَاض وَقَالَ الواحدى معنى الْبَيْت يَقُول من لم يصدقك فقد غشك وَالْمعْنَى إنى قد صدقتك فِيمَا ذكرت لأنى لَو لم أصدقك كنت قد غششتك قَالَ وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى إِن من غشك بتخلفه عَنْك فقد أباحك أَن تغشه فى معاملتك إِيَّاه وَجعل مَا يَفْعَله سيف الدولة غشا لِأَنَّهُ جَزَاء الْغِشّ وَقَوله على هَذَا
(بِغَيْر الصدْق ... )
أى بِغَيْر صدق الله اللِّقَاء يعْنى بِالنّظرِ وَالسَّمَاع وَهُنَاكَ معنى آخر وَهُوَ أَنه يَقُول لَهُ لقد غشك من انتفاعك مِنْهُ بِغَيْر الصدْق يعْنى الشّعْر الذى أحْسنه أكذبه دون الْحَرْب هَذَا كَلَامه
٤٥ - الْغَرِيب المصطاف والمرتبع الْمنزل فى الصَّيف وَالربيع الْمَعْنى يَقُول الدَّهْر معتذر إِلَيْك مِمَّا غدر بك فى قتل الرّوم الضُّعَفَاء من أَصْحَابك وَالسيف منتظر كسرتك عَلَيْهِم فيشفيك مِنْهُم وأرضهم لَك منزل صيفا وربيعا وصدره من قَول الطائى
(عَضْبا إذَا سَلَّهُ فِى وَجْهِ نائِبَةٍ ... جاءَتْ إلَيْهِ صُرُوفُ الدَّهْرِ تعتَذِرُ)
وعجزه من قَول الطائى أَيْضا
(وأقَمْتَ فِيها وَادِعا مُتَمَهِّلاً ... حَتَّى ظَنَنَّا أنَّها لَكَ دَارُ)
٤٦ - الْغَرِيب نصران ونصرانى وَاحِد ونصرانية تأنيثه وهم قوم منتسبون إِلَى ناصرة قيل هى مَدِينَة وَقيل هى مَوضِع والأعصم الوعل الذى فى إِحْدَى يَدَيْهِ بَيَاض وفى رجلَيْهِ والصدع الوعل بَين الوعلين لَا بالمسن وَلَا بالصغير الْمَعْنى يَقُول النَّصَارَى اعتصامهم بجبالهم وهى لَا تعصمهم وَلَا تحميهم وَلَو أَن أوعالها تنصرت واحتمت بهَا مِنْهُ لم تحمها وَلم تمنعها مِنْهُ
стр. 579
- الْغَرِيب الامتصاع والمماصعة شدَّة القراع بِالسُّيُوفِ وبلوتك اخبترتك وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿هُنَالك تبلو كل نفس مَا أسلفت﴾ أى تختبر فى قِرَاءَة من قَرَأَ بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَقَرَأَ حَمْزَة والكسائى تتلو بتاءين من التِّلَاوَة الْمَعْنى يَقُول لم أمدحك على إقدامك وثبوتك فى الْحَرْب إِلَّا بعد الاختبار والتجربة عِنْد الْقِتَال للأبطال وَالْمعْنَى مَا بلغت حَقِيقَة وصفك مَعَ مَا شاهدته من ثباتك والأهوال الَّتِى جمعتنى مَعَك حَتَّى بلوتك والأبطال تجالد بِالسُّيُوفِ
٤٨ - الْغَرِيب الْخرق الطيش والخفة وَقيل الدهش من الْخَوْف أَو الْحيَاء والزمع رعدة تعترى الشجاع من الْغَضَب الْمَعْنى يُرِيد أَن الظَّن يُخطئ فقد يرى من بِهِ دهش وخفة شجاعا وَقد يرى من تعتريه رعدة من غضب جَبَانًا وَأَنا قد تحققت من أَمرك بالتجربة فَإِذا مدحتك بعد اختبارى فَلَا أخطئ وَلَا أكذب
٤٩ - الْإِعْرَاب رفع كل على الِابْتِدَاء والسبع الْخَبَر وأضمر فى لَيْسَ اسْما تَقْدِيره الشَّأْن والابتداء وَخَبره فى مَوضِع خبر لَيْسَ وَقد جَاءَ من الْعَرَب مثله تَقول لَيْسَ خلق الله مثله فتضمر الشَّأْن والقصة وَلَوْلَا ذَلِك لما ولى لَيْسَ وهى فعل آخر وَهُوَ خلق لِأَن الْأَفْعَال لَا يلى بَعْضهَا بَعْضًا وَقد ذكر مثل هَذَا سِيبَوَيْهٍ فى كِتَابه وأنشدوا الحميد الأرقط
(فأصْبَحُوا والنَّوَى عالى مُعَرَّسِهِمْ ... وَلَيْسَ كُلَّ النَّوَى تُلْقِى المَساكِينُ)
فنصب كل بتلقى وأضمر اسْم لَيْسَ فِيهَا الْغَرِيب المخلب للطير وَالسِّبَاع بِمَنْزِلَة الظفر للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ كل من يحمل السِّلَاح شجاعا وَلَا كل ذى مخلب سبعا يفترس بِهِ بل يُوجد ذَوَات مخالب والسبع يفضلها وَكَذَا سيف الدولة يتزيون بشكله ويشاركونه فى لبس السِّلَاح وَلَكنهُمْ يقصرون عَن فعله وَعَما يبلغ بالسلاج من الْبَطْش
стр. 580
- ١ - الْإِعْرَاب حشاشة نفس ابْتِدَاء الظاعنين يرْوى على الْجمع يُرِيد النَّفس والأحباب الْمَعْنى يَقُول بَقِيَّة نفس ودعتنى وفارقتنى يَوْم فارفتنى الْأَحِبَّة فَذَهَبت الْبَقِيَّة والحبيب فَبَقيت حائرا لَا أدرى أى المرتحلين أودع النَّفس أم الْأَحِبَّة وَكِلَاهُمَا مرتحل وَهُوَ من قَول بشار
(حَدَا بَعْضُهُمْ ذَاتَ اليَمِينِ وَبَعْضُهُمْ ... شِمالاً وَقَلْبِى بَيْنَهُمْ مَتَوَزّعُ)
٢ - الْغَرِيب الآماق جمع مؤق وَهُوَ طرف الْعين الذى يلى الْأنف والسم يُرِيد بِهِ الِاسْم وَفِيه لُغَات بالحركات الثَّلَاث فى السِّين وَتَخْفِيف الْمِيم الْمَعْنى لما أشاروا إِلَيْنَا بِالسَّلَامِ جدنا بأنفس تسيل من الجفون تسمى دموعا وهى أَرْوَاحنَا سَالَتْ من عيوننا فى صُورَة الدمع وَمثل هَذَا
(خَلِيلَىَّ لَا دَمْعاُ بَكَيْتُ وَإنَّمَا ... هِىَ الرُّوحُ مِنْ عَيْنِى تَسِيلُ عَلى خدّى)
وَمثله لبشار
(ولَيسَ الَّذِي يَجْرِى مِنَ العَيْنِ ماؤُها ... وَلَكِنَّها رُوحِى تَذُوبُ فَتَقْطُرُ)
وَقَالَ الديك
(ليسَ ذَا الدَّمْعُ دَمْعُ عَيْنِى وَلَكِنْ ... هِىَ نَفْسِى تُذِيبُها أنْفاسِى)
وَلابْن دُرَيْد
(لَا تَحْسَبُوا دَمْعِى تَحَدَّرَ إنَّها ... رُوحِى جَرَتْ فِى دَمْعِىَ المُتَحَدّرِ)
٣ - الْإِعْرَاب ترتع فِيهِ ضمير الْمخبر عَنهُ وأفرد الْخَبَر لِأَن الْعَينَيْنِ وهما عضوان مشتركان فى فعل وَاحِد مَعَ انفاقهما فى التَّسْمِيَة يجرى عَلَيْهِمَا مَا يجرى على أَحدهمَا أَلا ترى أَن كل وَاحِدَة من الْعَينَيْنِ لَا تكَاد تنفر بِالرُّؤْيَةِ دون الْأُخْرَى فاشتراكهما فى النّظر كاشتراك الْأُذُنَيْنِ فى السّمع والقدمين فى المشى وَقد اسْتعْمل هَذَا الْبَاب على أَرْبَعَة أوجه أَحدهَا على الْحَقِيقَة فى الْخَبَر والمخبر عَنهُ فَتَقول عيناى رأتاه وأذناى سمعتاه والثانى أَن تخبر عَن اثْنَيْنِ وَتفرد الْخَبَر كبيت أَبى الطّيب فَتَقول عيناى رَأَتْهُ وَالثَّالِث أَن تخبر عَن اثْنَيْنِ بِوَاحِد وَتفرد الْخَبَر فَتَقول عينى راته وأذنى سمعته وَالرَّابِع أَن تعبر عَن اثْنَيْنِ بِوَاحِد وتثنى الْخَبَر حملا على الْمَعْنى فَتَقول عينى رأتاه وأذنى سمعتاه كَقَوْل الشَّاعِر
(أذا ذَكَرَتْ عَيْنِى الزَّمَان الَّذِى مَضَى ... بِصَحْرَاءِ فَلْجٍ ظَلَّتا تَكِفانِ)
الْغَرِيب ترتع تلهو وتلعب وتنعم وإبل رتاع جمع راتع وأرتع الْغَيْث أنبت مَا ترتع فِيهِ الْإِبِل وَقوم مرتعون والموضع مرتع وَيُقَال خرجنَا نرتع وَنَلْعَب أى ننعم ونلهو وَقَرَأَ نَافِع والكوفيون
(يَرْتَعْ ويَلْعَبْ ... )
بِالْيَاءِ فيهمَا وَكسر الحرميان الْعين من يرتع جعلاه من الرعى الْمَعْنى يَقُول الحشا وَهُوَ مَا فى دَاخل الْجوف وَالْمرَاد الْفُؤَاد فى جمر شَدِيد التوقد لأجل توديعهم وفراقهم وعيناى ترتعان فى رياض الْحسن من وَجه الحبيب وَهُوَ من قَول عبد الله بن الدمينة
(غَدَتْ مُقْلَتِى فِى جَنَّةٍ مِنْ جَمالِهَا ... وَقَلْبِى غَدَا مِنْ هَجْرِها فى جَهَنَّم)
وَأَخذه الطائى فَقَالَ
(أفِى الحَقّ أنْ يُضْحىِ بقَلْبِى مَأْتَمٌ ... مِن الشَّوْق والبَلْوَى وعيْنِى فى عُرْسِ)
وَأَخذه الرضى فَقَالَ
(فالقَلْبُ فى مأْتَمٍ والعَيْنُ فى عُرُسِ ... )
وَنَقله أَبُو الْحسن التهامى عَن الْغَزل فَقَالَ
(إنّى لأَرْحَمُ حاسِدِىَّ لِعِلْمِ مَا ... ضَمَّتْ ضَمائِرُهُمْ مِنَ الأوْغارِ ١)
(نظَرُوا صَنِيعَ اللهِ بى فَعُيُونُهُمْ ... فى جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ فى نارِ)
ولخالد الْكَاتِب
(قالُوا نَرَاكَ سَقِيماً ... فَقُلْتُ مِنْ مُقْلَتَيْهِ)
(فِى النَّارِ قَلْبِى وَعَيْنِى ... فِى الرَّوْضِ مِنْ وَجْنَتَيْهِ)
وَلآخر
(وكانَ طَرْفِى مِنْهُ فِى جَنَّةٍ ... وكانَ فِى قَلْبِى مِنهُ نارُ)
стр. 581
- الْغَرِيب أوشكت قاربت والوشيك الْقَرِيب السَّرِيع الْمَعْنى يَقُول قد حملنَا من الْفِرَاق مَا لَو كلفته الْجبَال لقاربت أَن تتصدع وَهَذَا من قَول البحترى
(وأكْتُمُ مَا بى مِنْ هَوَاكِ وَلوْ يُرَى ... عَلى جَبَلٍ صَلْدٍ إِذن لَتَقَطَّعا)
وَلآخر
(صَبرْتُ على مَا لَوْ تَحَمَّلَ بَعْضَهُ ... جِبالُ شَرَوْرَى أوْشَكَتْ تَتصَدَّعُ)
وَلآخر
(وَلَوْ أنَّ الجِبال فَقَدْنَ إلْفا ... َلأََوْشكَ جامِدٌ مِنْها يَذُوبُ)
стр. 582
- الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف تَقْدِيره أفديها بِمَا بَين جنبى يُرِيد روحه وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد هى مُطَالبَة بتلاف روحى الَّتِى بَين جنبى الْغَرِيب الدياجى جمع ديجوج وَالْقِيَاس دياجيج إِلَّا أَنهم خففوا الْكَلِمَة بِحَذْف الْجِيم الْأَخِيرَة كمكوك ومكاك والخلى الخالى من الْهوى والهم وهجع نوم والهجوع النّوم لَيْلًا والتهجاع النومة الْخَفِيفَة قَالَ أَبُو قيس بن الأسلت
(قَدْ حَصَّتِ البَيْضَةُ رأسِى فَمَا ... أطْعَمُ نَوْما غَيْرَ نَهْجاعِ)
والهجعة النومة الْخَفِيفَة أَيْضا الْمَعْنى يَقُول بِمَا بَين جنبى يُرِيد نَفسه وَمِنْه قَوْله ﵊
(أعدى عَدو لَك الَّتِى بَين جنبيك ... )
يُرِيد النَّفس أى أفدى بنفسى الحبيبة الَّتِى خَاضَ طيفها إِلَى فَقطع الظلمَة حَتَّى وافانى والخليون من الْمحبَّة نوم فَإِن قيل فقد كَانَ هُوَ نَائِما حَتَّى رأى طيفها قُلْنَا يجوز أَن تكون غلبته نومَة خَفِيفَة فَرَأى طيفها لِأَنَّهُ إِذا كَانَ فى الْيَقَظَة لَا يَخْلُو قلبه من ذكرهَا وخيالها فَلَمَّا غلبته النعسة رَآهَا وَأَرَادَ بهجع أَنهم نوم كل اللَّيْل فهم لَا يعْقلُونَ وَلَا هم مزعج من الْمحبَّة يمنعهُم الْمَنَام كَمَا يمنعهُ فَلم يبْق فى الْكَلَام تضَاد لِأَن بَين نومهم ونومه فرقا كَبِيرا
٦ - الْإِعْرَاب زَائِرًا جال وَقَالَ الربعى هُوَ مفعول أَتَت وَهُوَ // حسن // إِذا أمكن أَن يكون المتنبى زَائِرًا لَا مزورا لِأَنَّهُ الذى يأتى بالطيف لشدَّة تفكره فى الْيَقَظَة حَتَّى إِنَّه إِذا أغفى يرى الطيف فَكَأَنَّهُ هُوَ الزائر وَقَالَ الواحدى قيل هُوَ من الزئير وَقيل هُوَ نعت لمَحْذُوف أى أَتَت خيالا زَائِرًا وَذكره لِأَنَّهُ أَرَادَ الطيف الْغَرِيب خامره خالطه ولصق بِهِ يتضوع يفوح وَقيل يتفرق الْمَعْنى يَقُول زارت وهى لم تتعطر بِطيب وَلَا لصق بهَا وكالمسك أى يفوح من ثِيَابهَا كالمسك لِأَنَّهَا طيبَة الرَّائِحَة طبعا لَا تطبعا وَهُوَ مَنْقُول من قَول امْرِئ الْقَيْس
(ألَمْ تَرَيانِى كُلَّما جِئْتُ طارِقا ... وَجَدْتُ بِها طِيبا وَإنْ لَمْ تَطَيَّبِ)
أى لِأَن طيبها خلقَة فِيهَا لَا تتكلفه
стр. 583
- الْغَرِيب أعظمته إعظاما واستعظمته أكبرته واستكبرته والتاع احْتَرَقَ وَمِنْه لوعة الْحبّ واللوعة الحرقة الْمَعْنى يُرِيد أَنه استعظم خيالها لما رَآهَا فنفى نَومه عَنهُ وَاحْتَرَقَ فُؤَاده لفقد رؤيتها والضميران المؤنثان فى لَهَا وَبهَا يعودان على الحبيبة لِأَنَّهُ لما رأى خيالها والخيال هِيَ أنث على الْمَعْنى ٩ - الْأَعْرَاب يُرِيد ماكان أطولها فَحذف لإِقَامَة الْوَزْن وَمثله قَول الْحصين ابْن حمام
(وَجاءَتْ جِحاشٌ قَضَّها بقَضِيضِها ... وَجمْعُ عَوَالٍ مَا أدَقَّ وألأَمَا)
يُرِيد مَا أدقهم وألأمهم الْغَرِيب الأفاعى جمع أَفْعَى وَهُوَ الْعَظِيم من الْحَيَّات الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ أطولها من لَيْلَة وهى الَّتِى فارقنى خيالها فِيهَا فتجرعت من مراراتها مَا يكون السم بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ عذَابا // وَهَذَا مُبَالغَة //
١٠ - الْمَعْنى الزم الطَّاعَة والانقياد فى الْقرب والبعد وَارْضَ وَسلم لفعلها فَهَذَا من عَلامَة الْحبّ وَقد أكثرت الشُّعَرَاء من هَذَا الْمَعْنى فَمِنْهُ قَول أَبى نواس
(سنة العشاق وَاحِدَة ... فَإِذا أَحْبَبْت فاستكن) وَقَوله
(كُنْ إذَا أحْبَبْتَ عَبْداً ... لِلَّذِى تَهْوَى مُطِيعاَ)
(لَنْ تَنالَ الوَصْلَ حَتَّى ... تُلْزِمَ النَّفْسَ الخُضُوعا)
وَقد يُقَارِبه قَول البحترى
(وَتَذَلَّلْتُ خاضِعا لِمَلِيكِى ... وَقَلِيلٌ مِنْ عاشِقٍ أنْ يَذِلَاّ)
وَلَقَد أحسن الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف بقوله
(تَحَمَّلُ عَظِيمَ الذَّنْبِ مِمَّنْ تَحِبُّهُ ... وَإنْ كُنْتَ مَظْلُوما فَقُلْ أَنا ظالِمُ)
(فإنَّكَ إنْ لم تَحْمِلِ الذَّنْبَ فِى الهَوَى ... يُفارِقْكَ مَنْ نَهْوَى وأنفُكَ رَاغِمُ)
стр. 584
- الْإِعْرَاب من روى
(ثوب مجد ... )
بِالرَّفْع جعله عطفا على قَوْله
(فَمَا عاشق ... )
وَمن نَصبه جعله إِضَافَة مُنْفَصِلَة الْغَرِيب اللؤم الذَّم وَالْبخل ومرقع رَوَاهُ ابْن جنى بِالْفِعْلِ الْمَعْنى يَقُول الْمجد خلص لَهُ لَا لغيره من الذَّم وَالْعَيْب ومجد غَيره مشوب بلؤم
١٢ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح حابى بِمَعْنى حبا مَأْخُوذ من الحباء وَهُوَ الْعَطِيَّة وَاسم الله مَرْفُوع بِهِ وَالْجُمْلَة الَّتِى هى يعْطى فَاعله خبر إِن وَاسم إِن الذى وخولف فى هَذَا فَقيل معنى حابى بارى تَقول حابيت زيدا إِذا باريته مثل باهيته فى الْعَطاء وَلَيْسَ بِمَعْرُوف أَن معنى حابيته بِكَذَا حبوته بِهِ قَالَ الشريف هبة الله بن مُحَمَّد بن على بن مُحَمَّد الشجرى فعلى هَذَا يكون فَاعل حابى مضمرا فِيهِ يعود على الذى وَاسم الله مُرْتَفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره الْجُمْلَة تَقْدِيره إِن الذى حابى بِهِ جديلة فى الحباء الله يعْطى بِهِ من يَشَاء ومفعول يمْنَع مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ مفعول يعْطى وَكَذَلِكَ مفعول يَشَاء الْمَذْكُور والمحذوفان تقديرهما يعْطى لله بِهِ من يَشَاء أَن يُعْطِيهِ وَيمْنَع من يَشَاء أَن يمنعهُ والضميران يعودان للممدوح الْغَرِيب أصل حابى فَاعل وَلَا يكون إِلَّا من اثْنَيْنِ إِلَّا فى أحرف يسيرَة طارقت النَّعْل وعاقبت اللص وَعَافَاهُ الله وَقَاتلهمْ الله وَأَبُو الْفَتْح ذهب بهَا مَذْهَب هَذِه الأحرف وَقَالَ حابى بِمَعْنى حبا كَمَا فى قَول أشج يمدح جَعْفَر بن يحيى حِين ولاه الرشيد خُرَاسَان
(إنَّ خَراسانَ وَقدْ أصْبَحَتْ ... تَرْفَعُ مِنْ ذى الهِمَّةِ الشَّانا)
(لَم يَحْبُ هارُونُ بِها جَعْفَراً ... وإنَّمَا حابَى خُرَاسانا)
وَقد جَاءَ حابى بِمَعْنى بارى فى قَول سُبْرَة بن عَمْرو الفقعسى
(نُحابِى بِها أكْفاءَنا ونُهينُها ... وَنَشْرَبُ فِى أثَماَنِها وَنُقامِرُ)
وَقد جَاءَ أحابى بِمَعْنى أخص فى قَول زهاد
(أُحابِى بِهِ مَيْتا بِنَخْلٍ وأبْتَغى ... أخالَكَ بالقَوْلِ الذى أنْتَ قائِلُهْ)
يُرِيد أخص بِهَذَا الشّعْر مَيتا وجديلة بن خَارِجَة بن سعد الْعَشِيرَة بن مذْحج وفى مُضر جديلة وَهُوَ ابْن غدوان بن عَمْرو بن قيس بن عيلان بن مُضر وفى ربيعَة جديلة وَهُوَ أَسد بن ربيعَة ابْن نزار الْمَعْنى قَالَ الواحدى الذى حابى بِهِ الله جديلة أى أَعْطَاهُم هَذَا الممدوح وَجعله مِنْهُم فَهُوَ الذى يعْطى بِهِ من يَشَاء وَيمْنَع من يَشَاء لِأَنَّهُ ملك قد فوض الله إِلَيْهِ أَمر الْخلق فى النَّفْع والضر وَهَذَا كَلَامه وَقَالَ فَقَوله
(بِهِ الله ... الخ ... )
خبر إِن
стр. 585
- الْإِعْرَاب بذى كرم بدل من قَوْله
(بِهِ الله ... )
و (ذمَّة ... )
مَنْصُوب على التميز أوفى صفة مَحْذُوف تَقْدِيره على رَأس رجل أَو فى الْمَعْنى يَقُول مَا مر يَوْم وَلَا طلعت شمس على رجل أَو فى بِالذِّمةِ من هَذَا الممدوح إِشَارَة إِلَى أَنه أَكثر النَّاس وَفَاء وَأكْرمهمْ عهدا وَمثله
(مَلِكٌ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ عَلى ... مِثْلِهِ أوْسَعَ شَيْئا وأعَمّ)
١٤ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح قَوْله
(لدنة ... )
فِيهِ قبح وشناعة وَلَيْسَ هُوَ مَعْرُوفا فى كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَ يشدد إِلَّا إِذا كَانَ فِيهِ نون أُخْرَى نَحْو لدنى ولدنَا هَذَا كَلَامه وَقد يحْتَج لأبى الطّيب فَيُقَال شبه بعض النَّحْوِيين بَعْضهَا بِبَعْض فَكَمَا يُقَال لدنى يُقَال لَدنه بِحمْل أحد الضميرين على الآخر وَإِن لم يكن فى الْهَاء مَا يُوجب الْإِدْغَام من زِيَادَة نون قبلهَا كَمَا قَالُوا يعد فحذفوا الْوَاو لوقوعها بَين يَاء وكسرة ثمَّ قَالُوا أعد ونعد وتعد فحذفوا الْفَاء أَيْضا وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُوجب حذفهَا وَيجوز أَن يكون ثقل النُّون ضَرُورَة كَمَا قَالُوا فى الْقطن الْقطن وفى الْجُبْن الْجُبْن وَأنْشد أَبُو زيد
(مِثْل الحِمارِ زَادَ فِى سَلْكَنْ ٢ ... )
فَزَاد نونا شَدِيدَة وَأنْشد
(إنَّ شكْلى وَإنَّ شَكلَكِ شَتَّى ... فالْزَمى الخُصَّ وَاخفِضِى تبْيَضِضِّى)
فَزَاد ضادا وَقَالَ سحيم
(وَما قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مَيْسَنا ... نَ مَعْجِبَةٌ نَظَراً وَاتِّصَافا)
أَرَادَ ميسَان فاضطر فَزَاد نونا وَقَالَ العبدى
(وَجاشَتْ مِنْ جِبالِ الصُّغْد نَفْسىِ ... وَجاشَتْ مِنْ جِبالِ خُوَارَزْمِ)
أَرَادَ خوارزم فغيرها وَقَالَ الجرجانى لما كَانَت الْهَاء خَفِيفَة وَالنُّون سَاكِنة وَكَانَ من حَقّهَا أَن تتبين عِنْد حُرُوف الْحلق حسن تشديدها لتظهر ظهورا شافيا فَهَذِهِ عِلّة وقرينة تحْتَمل للشاعر تَغْيِير الْكَلَام عِنْدهَا وَالنُّون أقرب الْحُرُوف إِلَى حرفى الْعلَّة الْوَاو وَالْيَاء لِأَنَّهَا تُدْغَم فيهمَا وتبدل مِنْهَا الْألف فى الْوَقْف إِذا كَانَت خَفِيفَة نَحْو يَا حرسى اضربا عُنُقه وَجعلت إعرابا فى الْأَفْعَال الْخَمْسَة نَحْو يفْعَلَانِ وَأَخَوَاتهَا كَمَا جعلت إعرابا فى التَّثْنِيَة وَالْجمع وتحذف إِذا كَانَت سَاكِنة لالتقاء الساكنين فى نَحْو اضْرِب الْغُلَام بِفَتْح الْبَاء فَلَمَّا حلت هَذَا الْمحل احتملت مَا تحتمله من الزِّيَادَة وحروف الْعلَّة أوسع الْحُرُوف تَصرفا وَلِهَذَا أَجَازُوا زِيَادَة الْيَاء فى الصياريف فى قَوْله
(تَنْفِى يَداها الحَصَى فِى كُلّ هاجِرَةٍ ... نَفْىَ الدرَاهِيمِ تَنْقادُ الصَّيارِيفِ)
وَزِيَادَة الْوَاو فى قَوْله
(مِنْ حَيْثُ مَا سَلَكُوا أدْنُوا فَأنْظُورُ ... )
يُرِيد فَأنْظر وَزِيَادَة الْألف فى منتزاح من قَوْله
(وأنْتَ مِنَ الغَوَائِلِ حِينَ تَرْمى ... وَمِنْ ذَمِّ الرّجال بِمُنْتَزَاحِ)
يُرِيد بمنتزح وَقد ذكرنَا لهَذَا التَّشْدِيد كل وَجه سديد كَمَا ذكرنَا الْعلَّة فى إدغام النُّون فى الْجِيم فى قِرَاءَة عبد الله بن عَامر وأبى بكر بن عَيَّاش فى كتَابنَا الموسوم الرَّوْضَة المزهرة فى شرح كتاب التَّذْكِرَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح اسْتعْمل لدن بِغَيْر من وَهُوَ قَلِيل وَلَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعهَا كَمَا جَاءَ فى الْقُرْآن ﴿من لدنى و (من لَدنه﴾ ﴿وَمن لدن حَكِيم عليم﴾ وَقد غَابَ عَن أَبى الْفَتْح قَول الشَّاعِر فِيمَا أنْشدهُ يَعْقُوب
(فإنَّ الكُثْرَ أعْيانِى قَدِيما ... وَلمْ أُقْتِرْ لَدُنْ أّنى غُلامُ)
وَقَول الآخر
(ومَا زِلْتُ مِن لَيْلَى لَدُنْ أنْ عَرَفْتُها ... لَكالهَائمِ المُقْصَى بِكُلّ مُرَادِ)
وَقَول القطامى
(صَرِيعُ غَوَانٍ رَاقَهُنَّ وَرُقنَهْ ... لَدْنْ شَبَّ حَتَّى شابَ سُودُ الذَّوَائِبِ)
وَقَول الْأَعْشَى
стр. 586
(أرَانِىَ لَدُنْ أنْ غابَ قَوْمى كأنَّمَا ... يَرَانِى فِيهِمْ طالِبُ الحَقّ أرْنَبا)
الْغَرِيب مَا تسنى أى لَا تزَال وَقَالَ الواحدى هُوَ من الونى وَهُوَ الضعْف فَوَضعه مَوضِع لَا تزَال لِأَنَّهَا إِذا لم تفتر عَن الْقطع يكون الْمَعْنى لَا تزَال تتقطع الْمَعْنى يَقُول أَرْحَام الشّعْر تتصل عِنْده يُرِيد أَنه يقبل الشّعْر ويثيب عَلَيْهِ فَيحصل بَينه وَبَين الشّعْر صلَة كصلة الرَّحِم وَيجوز أَنه يمدح بأشعار كَثِيرَة فتجتمع عِنْده فيتصل بَعْضهَا بِبَعْض كَمَا تتصل الْأَرْحَام وفى انْقِطَاع أَرْحَام الْأَمْوَال وَجْهَان أَحدهمَا انقطاعها عَنهُ بتفريقه فَيصير كَأَنَّهُ قد قطع أرحامها وَالْآخر أَنَّهَا لَا تَجْتَمِع كَذَا نَقله الواحدى
стр. 587
- الْإِعْرَاب ألف مُبْتَدأ وَأَقل مُبْتَدأ ثَان وَبَعضه مُبْتَدأ ثَالِث وَهُوَ مُضَاف إِلَى ضمير الْأَقَل والرأى خبر عَنهُ وَأجْمع توكيد وَيجوز أَن يكون رَأْيه ابْتِدَاء وَألف جُزْء خَبره مقدما عَلَيْهِ وترتيب الْكَلَام فَتى رَأْيه ألف جُزْء أقل من هَذِه الْأَجْزَاء الْألف بعضه أى بعض الْأَقَل الرأى الذى فى أيدى النَّاس وَقَالَ الواحدى مثل هَذَا قَوْلك زيد أَبوهُ قَائِم الْمَعْنى يَقُول هَذَا الممدوح لَهُ الرأى الذى لَا يُشَارِكهُ فِيهِ أحد فَلهُ من الرأى ألف جُزْء وَأَقل جُزْء مِنْهَا بعضه الذى فى أيدى النَّاس كلهم فَالنَّاس يدبرون أَمْوَالهم بِأَقَلّ بعض رَأْيه وَفِيه نظر إِلَى قَول الطائى
(لَوْ تَراَهُ يَا أَبَا الحَسَنِ ... قَمَراً أوْفَى علَى غُصُنِ)
(كُلُّ جْزْءٍ مِنْ مَحَاسِنِهِ ... فِيهِ أجْزَاءٌ مِنَ الفِتَنِ)
١٦ - الْإِعْرَاب غمام بدل من فَتى أَو هُوَ فى مَوضِع رفع خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف أى هُوَ فَتى وخلبا خبر لَا كَأَنَّهُ قَالَ لَيْسَ هُوَ مقشعا وَلَيْسَ الْبَرْق فِيهِ خلبا الْغَرِيب أقشع أقلع وتفرق والممطر الماطر مطرَت السَّحَاب وأمطرت وَقيل الإمطار فى الْعَذَاب وَكَذَا جَاءَ فى الْكتاب الْعَزِيز كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَأمْطر علينا حِجَارَة من السَّمَاء وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ وَلَيْسَ فى الْقُرْآن لفظ الْمَطَر الذى هُوَ المَاء والغيث إِلَّا فى سُورَة النِّسَاء وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا جنَاح عَلَيْكُم إِن كَانَ بكم أَذَى من مطر﴾ وأقشعت السَّمَاء وتقشعت وانقشعت إِذا تفرق السَّحَاب وَذهب والحلب الذى لَا مطر فِيهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ غمام ممطر علينا بالأموال دَائِما فَلَا يقطع عطاءه عَنَّا وَلَيْسَ هُوَ كالغمام الذى يمطر مرّة وينقشع أُخْرَى وَإِذا رجوناه بلغنَا مِنْهُ اوفى مَا نرجو وَإِذا وعد أنْجز الْوَعْد وَضرب الْغَمَام والبرق مثلا وَلما جعله غماما جعل لَهُ الْمَطَر وَجعل برقه صَادِقا بموعوده وَهَذَا عكس قَول البحترى
(عَلِمْتُكَ إنْ مَنَّيْتَ مَنَّيْتَ مَوْعِداً ... جَهاما وَإنْ أبْرَقْتَ أبْرَقْتَ خُلَّبا)
стр. 588
- الْغَرِيب الْحَاج جمع حَاجَة وَيُقَال حَاجَة وحوج وحاجات وحاج وحوائج على غير قِيَاس كَأَنَّهُ جمع حائجة وَكَانَ الأصمعى يُنكره وَيَقُول هُوَ مولد وَإِنَّمَا أنكرهُ لِخُرُوجِهِ عَن الْقيَاس وَإِلَّا فَهُوَ كثير فى كَلَام الْعَرَب أنشدوا
(نَهارُ المَرْءِ أمْثَلُ حِينَ تُقْضَى ... حَوَائجُهُ مِنَ اللَّيْلِ الطَّوِيلِ)
والحوجاء الْحَاجة قَالَ قيس بن رِفَاعَة
(مَنْ كانَ فِى نَفْسِهِ حَوْجاءُ يَطْلُبُها ... عِنْدِى فإنّى لَهُ رَهْنٌ بأصْحارِ)
والمشفع الذى تقضى الْحَاجة بِشَفَاعَتِهِ الْمَعْنى يَقُول إِذا سُئِلَ حَاجَة شفعت نَفسه إِلَى نَفسه فى قَضَائهَا وحسبك بِمن يكون وَهُوَ مسئول شَفِيعًا إِلَى نَفسه وَمثله للخريمى
(شَفَعَتْ مَكارِمُهُ لَهُمْ فَكَفَتْهُمُ ... جُهْدَ السُّؤَالِ وَلُطْفَ قَوْلِ المَادِحِ)
وَمِنْه قَول حبيب
(طَوَى شِيمَا كانَتْ تَرُوحُ وَتَغْتَدِى ... وَسائِلَ مَنْ أعْيَتْ عَلَيْهِ وَسائلُهْ)
وَهَذَا الْمَعْنى كثير قَالَ الحطيئة
(وَذَاكَ امْرُؤٌ إنْ تَأْتِهِ فِى نَفِيسَةٍ ... إِلَى مالِهِ لَا تَأْتِهِ بشَفِيعِ)
ولأبى الْعَتَاهِيَة
(فَياجُودَ مُوسَى ناجِ مُوسَى بِحاجَتِى ... فَمَا لى سِوَى مُوسَى إلَيْهِ شَفيعُ)
وَلابْن الرومى
(أَبَا الصَّقْرِ مَنْ يَشْفَعْ إلَيْكَ بِشافِعٍ ... فَمَا لى سِوَى شِعْرِى وجُودِكَ شافِعُ)
стр. 589
- الْغَرِيب خبت النَّار سكن لهبها والبنان الْأَصَابِع والأسمر يُرِيد الْقَلَم وَجعله أصلع لملاسته كالرأس الأصلع الذى لَا نبت فِيهِ الْمَعْنى يَقُول كل نَار حَرْب من غير يَده وقلمه فهى مطفأة لَا تطول مدَّتهَا وَيرد أَن الْحَرْب إِذا أضرمها هُوَ فَإِنَّهَا لَا تنطفئ لقُوَّة عزمه وتسديد رَأْيه وَشدَّة نَفسه وعلو همته
١٩ - الْإِعْرَاب نحيف نعت الأسمر الْغَرِيب الشوى الْأَطْرَاف اليدان وَالرجلَانِ وَالرَّأْس والشوى جمع شواه وهى جلدَة الرَّأْس وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿نزاعة للشوى﴾ وَقَرَأَ حَفْص ﴿نزاعة للشوى﴾ نصبا على الْحَال وَكَيف دَقِيق وَأم الرَّأْس أَصله وَقيل وَسطه الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقَلَم دَقِيق خلقته وَهُوَ يعدو على رَأسه فَإِذا كل أى حفى من الْكِتَابَة قطع راسه بالقط فيقوى عدوه أى يحسن الْخط بِهِ بعد القط والقلم يعبر عَن ضمير الْكَاتِب وَقد قيل الْقَلَم أنف الضَّمِير إِذا رعف كشف أسراره وَأَبَان آثاره وَهَذَا مَنْقُول من قَول العقيلى
(فإنْ تَخَوَّفْتَ مِنْ حَفاهُ فَخُذْ ... سَيْفَكَ فاضْرِبْ قَفا مُقَلَّدِهِ)
(فإنَّهُ إنْ قَطَعْتَ أجْوَدَهُ ... عادَ نَشِيطا بِقَطْعِ أجْوَدِهِ)
٢٠ - الْغَرِيب يمج يقذف الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقذف الظلام يُرِيد المداد فى نَهَار يُرِيد القرطاس وَلسَانه طرفه المحدد وَيفهم عَمَّن قَالَ أَي يعبر عَن الْكَاتِب وَلم يسمع مِنْهُ لفظا أى إِن هَذَا الْقَلَم يعبر عَمَّا يُريدهُ الْكَاتِب من غير سَماع مِنْهُ وَهَذَا مَنْقُول من قَول حبيب
(أحَدُّ اللَّفْظِ يَنْطِقُ عَنْ سِوَاهُ ... فَيُفْهِمُ وَهْوَ لَيْسَ بِذى سَماعِ)
وَمثله
(إِذا عَلِقَتْ يُمْناهُ ظَهْرَ ابْنِ حامِلٍ ... وأرْسَلَ لَيْلاً فِى نَهارٍ مُكوَّرَا)
٢١ - الْإِعْرَاب ضريبة تَمْيِيز الْغَرِيب الحسام من الحسم وَهُوَ الْقطع والضريبة الْمَضْرُوب كالرمية اسْم للرمى الْمَعْنى يَقُول إِن الْقَلَم أفضل من السَّيْف لِأَن الْمَضْرُوب بِالسَّيْفِ قد ينجو إِن نبا عَن الْمَضْرُوب وَعصى الضَّارِب والمضروب بالقلم لَا ينجو إِذا كتب بالقلم قَتله فالقلم أطوع من السَّيْف لصَاحبه لِأَنَّهُ لَا يرجع عَن مُرَاد الْكَاتِب بِهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(لَعَمْرُكَ مَا السَّيْفُ سَيْفُ الكَمِىَّ ... بأنْفَذَ مِنْ قَلَمِ الْكاتِبِ)
قَالَ الواحدى كَانَ حَقه أَن يَقُول ذُبَاب الحسام لكنه أَقَامَ النكرَة مقَام الْمعرفَة من غير ضَرُورَة كَقَوْلِه أعق من ضَب وَهَذَا تكلّف لَا حَاجَة لنا إِلَيْهِ لِأَن الْمعرفَة والنكرة فِيهِ سيان
стр. 590
- الْغَرِيب البراعات جمع براعة وهى الْكَمَال فى الفصاحة الْمَعْنى يَقُول كل لَفْظَة يتَلَفَّظ بهَا أصل من أصُول البراعة وهى كَمَال الفصاحة وَالنَّاس يبنون كَلَامهم عَلَيْهَا وَأَرَادَ تَجِد كل لَفْظَة من قَوْله فَحذف للْعلم بِهِ
٢٣ - الْإِعْرَاب الْبَاء مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف وهى فى مَوضِع رفع صفة لأسمر وأجرى أسمر مجْرى الْأَسْمَاء أَو صفة للقلم الذى أسمر صفته وَالْأول أولى وفصيح نعت لقَوْله فى الْبَيْت الْمُقدم
(أسمر عُرْيَان ... )
وَمثله قَول ابْن الرومى
(خِرْقٌ يَعُمُّ وَلا يُخَصُّ بِفَضْلِهِ ... كالغَيْثِ فِى الإِطْباقِ كُلَّ مَكانِ)
٢٤ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة المَاء بِالرَّفْع وهى فَاعل يفنى قَالَ ابْن القطاع يفنى المَاء بِالنّصب أى يَتَّخِذهُ فنَاء يُقَال فنيت الْمَكَان وبالمكان إِذا أَقمت بِهِ والفعلان على رِوَايَة ابْن القطاع من يشتق ويفنى للحوت والضفدع الْغَرِيب الضفدع الفصيح بِكَسْر الضَّاد وَفتح الدَّال وَقد جَاءَ بِكَسْرِهَا وَهُوَ دويبة من دَوَاب المَاء مَعْرُوف والحوت مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بَحر جوده كبحر المَاء الذى يغوص فِيهِ الْحُوت والضفدع حَتَّى يبلغَا قَعْره وَإِنَّمَا هُوَ بَحر لَا نَفاذ لَهُ وَلَا يبلغ منتهاه يُرِيد أَنه لَا يَنْقَطِع جوده
٢٥ - الْإِعْرَاب أبحر هُوَ اسْتِفْهَام مَعْنَاهُ الْإِنْكَار الْغَرِيب المعتفون السائلون عفاه واعتفاه إِذا أَتَاهُ سَائِلًا والزعاق الشَّديد الملوحة الْمَعْنى قَالَ الواحدى يُرِيد أَن يفضل الممدوح على الْبَحْر يَقُول لَيْسَ بَحر يضر من ورده بِالْغَرَقِ وَهُوَ مر الطّعْم لَا يُمكن شربه كبحر ينفع الواردين بالعطاء وَلَا يضرهم وَلَو قَالَ ينفع وَلَا يضر لَكَانَ حسنا حَتَّى لَا يتَوَهَّم نفى الضّر والنفع جَمِيعًا لكنه قدم لَا يضر لإِثْبَات القافية قَالَ ابْن جنى وَهَذَا فِيهِ قبح لِأَن الْمَشْهُور عِنْدهم أَن ينْسب الممدوح إِلَى الْمَنْفَعَة للأولياء والضر للأعداء كَقَوْل الشَّاعِر
(وَلكِنْ فَتى الفِتْيانِ مَنْ رَاحَ وَاغْتَدى ... لِضُرّ عَدُوّ أوْ لِنَفْعِ صَديقِ)
وكقول الآخر
(إذَا أنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَّإنَما ... يُرَجَّى الْفَتى كَيْما يَضُرَّ وَيَنْفَعا)
وَقَالَ أَبُو على بن فورجة أَبُو الطّيب قَالَ
(أبحر يضرّ المعتفين ... )
فخصص فِي المصراع الأول فَعلم من لَفظه أَنه أَرَادَ كبحر لَا يضر المعتفين لِأَنَّهُ خصص فى أول الْكَلَام وَلَا يكون آخر الْكَلَام خَارِجا عَن أَوله قَالَ الواحدى وَهُوَ على مَا قَالَ
стр. 591
- الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة فى الدَّقِيق بلام التَّعْرِيف وَهُوَ // حسن // فى الْإِضَافَة كالجميل الْوَجْه والطويل الذيل لِأَن الدَّقِيق نعت لمَحْذُوف تَقْدِيره يتيه الرجل الدَّقِيق الْفِكر أَلا ترَاهُ يَقُول وَهُوَ مصقع وَهُوَ نعت للرجل لَا للفكر وَمن رَوَاهُ دَقِيق الْفِكر جعله نعتا للفكر تَقْدِيره يتيه الدَّقِيق من الأفكار وَالْأول أبلغ فى الْمَعْنى الْغَرِيب الْغَوْر الْمُنْتَهى والقعر وَالضَّمِير للبحر والتيار الموج والمصقع الفصيح البليغ لِأَنَّهُ يَأْخُذ فى كل صقع من الْكَلَام والدقيق الْفِكر الْفَهم الذى يدق فكره وخاطره إِذا تفكر الْمَعْنى أَن هَذَا الممدوح بَحر عميق القعر لَا يصل أحد إِلَى قَعْره فيتيه فى صِفَاته الواصفون وَلَا يبلغون النِّهَايَة وَلَا يصفونه بقول فصيح
٢٧ - الْغَرِيب القيل هُوَ الْملك من مُلُوك حمير وَجمعه أقيال ومنبج بلد بِقرب الْفُرَات من أَرض الشَّام والسماكان الرمْح والأعزل وتوضع من الإيضاع وَهُوَ السّير السَّرِيع الْمَعْنى يَقُول أَنْت ملك لمنبج وهمتك تسرع فَوق النُّجُوم وَهُوَ من قَول العطوى
(إنْ كنْتُ أصْبَحْتُ لابِسا سَمَلاً ... فَهِمَّتِى فَوْقَ هامَةِ المَلِكِ)
وللتنوخى
(وَرُبَّ نَفْسٍ مَسْكُها مَا بَيْنَنا ... وَهَمُّها فَوْقَ السَّماكِ والسُّها)
стр. 592
- الْإِعْرَاب عجيبا خبر لَيْسَ وَاسْمهَا أَن وصفك وَتقدم الْخَبَر فى مثل هَذَا هُوَ الصَّوَاب لِأَن أَن مُبْتَدأ وَتقدم خَبَرهَا تَقول تَقول فى الدَّار أَنَّك قَائِم وأليس اسْتِفْهَام تَقْرِير وَمِنْه قَول جرير
(ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأنْدَى العالَمِينَ بُطُونَ رَاح)
الْغَرِيب ظلعت الدَّابَّة إِذا عرجت من يَدهَا أَو رجلهَا ودابة ظالع عرجاء بالظاء ودابة ضليع بالضاد سَمِينَة الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ من الْعجب أَنى مَعَ جودة خاطرى وبلاغتى أعجز عَن وصفك وَلَا يبلغ ظنى معاليك فإنى لَا أدْركهَا لكثرتها
٢٩ - الْإِعْرَاب رفع صدرك استئنافا وَهُوَ مبتدأوالظرف ومعموله الْخَبَر الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ من الْعجب أَنَّك فى ثوب وَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله أَن وصفك أى وصدرك فيكما أى فى الثَّوْب وفى جسدك وَأَنه أوسع من وَجه الأَرْض وَمثله لِابْنِ الرومى
(كَضمِيرِ الْفُؤَادِ يَلْتَهِمُ الدُّنْيا ... وَتحْوِيهِ دَفَّتا حَيْزُومِ)
وَمثله لِابْنِ المعتصم فى مرثية
(يَا وَاسعَ المَعْرُوفِ هَلْ وَسِعَ الثَّرَى ... فِى الأرْضِ صَدْرَكَ وَهْوَ مِنْها أوْسَعُ)
ولأبى تَمام
(وَرُحْبَ صَدْرٍ لوَ أنَّ الأرْضَ وَاسِعةٌ ... كَوُسْعِهِ لَمْ يَضِقْ عَنْ أهْلِهِ بَلَدُ)
٣٠ - الْإِعْرَاب من روى وقلبك بِالرَّفْع جعله ابْتِدَاء وَمن نَصبه عطفه على اسْم إِن فِيمَا قبله الْمَعْنى يَقُول قَلْبك قد أحاطت بِهِ الدُّنْيَا وَهُوَ فِيهَا من جملَة مَا فِيهَا وَلَو دخلت الدُّنْيَا بالإنس وَالْجِنّ لضلت فِيهِ وَلم تدر كَيفَ ترجع مِنْهُ وَالضَّمِير فى درت للدنيا
стр. 593
- ٣١ - الْإِعْرَاب غَيْرك مَنْصُوب لِأَنَّهُ تقدم على الْمُسْتَثْنى كَقَوْل الْكُمَيْت
(فَمَا لىَ إلَاّ آلَ أحمَدَ شِيعَةٌ ... وَمالَى إلَاّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبُ)
وكما تَقول مَا فى الدَّار غير الْحَارِث أحد الْغَرِيب السَّمْح الذى يسمح بِمَالِه فَلَا يبخل على أحد الْمَعْنى يُرِيد أَن كل جواد سواك بَاطِل بِالْإِضَافَة إِلَيْك وكل مديح مدح بِهِ غَيْرك فَهُوَ ضائع لِأَنَّهُ فِيمَن لَا يستوجبه وَلَا يسْتَحقّهُ بِحَال من الْأَحْوَال وَهُوَ من قَول ابْن الرومى
(وكلُّ مَدِيحٍ لَمْ يَكُنْ فىِ ابْنِ صاعِدٍ ... وَلا فِى أبِيهِ صَاعِدٍ فَهْوَ هابِطُ)
١ - الْغَرِيب الهجوع النّوم الْمَعْنى يُرِيد أَن شوقى نفى عَنى لذيذ الْمَنَام وَلما فَارق الحبيب أَقَامَ الشوق فى قلبى لَيْسَ لَهُ عَنى انْتِقَال
٢ - الْغَرِيب الصراة نهر يَأْخُذ من الْفُرَات فينسكب فى دجلة بَينه وَبَين بَغْدَاد يَوْم وَآخره عِنْد بَاب الْبَصْرَة وَمحله بِبَغْدَاد بالجانب الغربى وَغلط فى تَفْسِيره الواحدى فَقَالَ هُوَ نهر يتشعب من الْفُرَات فَيصير إِلَى الْموصل ثمَّ إِلَى الشَّام ورقرق المَاء إِذا صبه وَكَذَا الدمع الْمَعْنى يُرِيد أَن حَبِيبه على نهر الصراة مُقيم فَلهَذَا قَالَ أَو مَا وجدْتُم ملوحة لِأَن دمع الْحزن ملح ودمع الْفَرح حُلْو كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح
٣ - الْمَعْنى قَالَ ابو الْفَتْح كنت أكره الْوَدَاع فَلَمَّا تطاول الْبَين أسفت أى حزنت على التوديع لما يَصْحَبهُ من النّظر والشكوى والبث قَالَ الواحدى لم أزل أحذر من وداعك خوف الْفِرَاق وَأَنا أشتاق الْآن إِلَى التوديع وأتأسف عَلَيْهِ لأنى لقيتك عِنْد الْوَدَاع فأتمنى ذَلِك لألقاك
стр. 594
- ٤ - الْإِعْرَاب أتبعته وتبعته قَالَ الْأَخْفَش هُوَ بِمَعْنى كَمَا تَقول ردفته وأردفته وَقَالَ غَيره تبِعت الْقَوْم إِذا مشيت خَلفهم أَو مروا بك فمضيت مَعَهم وَكَذَا أتبعتهم وَهُوَ من بَاب افتعلت وأتبعت الْقَوْم على أفعلت إِذا كَانُوا قد سبقوك فلحقتهم وأتبعت أَيْضا غيرى يُقَال أتبعته الشئ فَتَبِعَهُ وَاخْتلف الْقُرَّاء فى قَوْله تَعَالَى ﴿فأتبع سَببا﴾ فَقَرَأَ الثَّلَاثَة الْكُوفِيُّونَ وَابْن عَامر بِقطع الْألف وَالتَّخْفِيف وقرأه الْبَاقُونَ بالوصل وَالتَّشْدِيد الْمَعْنى يَقُول أتبعته أى جعلته تعابا لأنفاسى الَّتِى تنفست بهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَأَن أنفاسى أتبعت العزاء مشيعة لَهُ فهى مُتَّصِلَة دائمة وَقَالَ برحلتى أى مَعَ ارتحالى كَمَا تَقول سرت بمسيرك أى مَعَك أى فَكَمَا لَا ترجع إِلَى أنفاسى لَا يرجع إِلَى صبرى فَمَعْنَاه ارتحل الصَّبْر عَنى بارتحالكم
١ - الْإِعْرَاب ربوعا نصب على التَّمْيِيز يُرِيد من ربوع الْغَرِيب الملث الدَّائِم الْمُقِيم والربوع جمع ربع يُقَال ربع وربوع وَربَاع وَأَرْبع والنقيع المنقع الْمَعْنى يَقُول يَا سحابا دَائِم الْقطر أعطش هَذِه الربوع وَإِن لم تعطشها فاسقها السم النقيع فى المَاء وَإِنَّمَا دَعَا عَلَيْهَا لِأَنَّهُ لما وقف بهَا وسألها لم تجبه وَلم تبك من رَحل عَنْهَا وَقَالَ ابْن وَكِيع لم يسْبق أَبَا الطّيب أحد فى الدُّعَاء على الديار بالسم وَلَو قَالَ حِجَارَة أَو صواعق لَكَانَ أشبه إِلَّا أَن جَرِيرًا قَالَ بعد مَا اسْتَأْنف لَهَا ذَنبا
(سُقِيتِ دَمَ الحَيَّاتِ مَا ذَنْبُ زَائِراً ... يُلِمُّ فَيُعْطَى نائِلاً أنْ يُكَلَّمَا)
وَالْعرب من عَادَتهَا أَن تَدْعُو بالسقيا للديار كَقَوْل الآخر
(يَا مَنْرِلاً ضَنَّ بالسَّلامِ ... سُقِيتَ صَوْبا مِنَ الغَمامِ)
(مَا تَرَكَ المُزْنُ مِنْكَ إلَاّ ... مَا تَرَكَ السُّقْمُ مِنْ عِظامى)
стр. 595
- الْإِعْرَاب أضَاف إِلَى الضَّمِير وَالْأَصْل المتديرين فِيهَا أى متخذيها دَارا الْغَرِيب تذرى أى تلقى دموعا الْمَعْنى يَقُول إِذا سَأَلتهَا لَا تدرى مَا تَقول لِأَنَّهَا جماد لَا تبكى على من كَانَ بهَا فهى لَا تساعدنى على الْبكاء وَلَا ترد لى لجواب
٣ - الْغَرِيب أصل اللحاء القشر وَمِنْه لحوت الْعود إِذا قشرته ثمَّ صَار يسْتَعْمل فى الدُّعَاء والخود الْمَرْأَة الناعمة وَالْجمع خود وشموع اللعوب المزاحة الْمَعْنى يَقُول لحا الله الدَّار يَدْعُو عَلَيْهَا إِلَّا ماضيها وَهُوَ اسْتثِْنَاء من غير الْجِنْس وَقَالَ الواحدى يجوز أَن يكون جِنْسا لِأَن زمَان اللَّهْو والخود ربع الْإِنْس فاستثناه مِنْهُ لاشْتِمَاله عَلَيْهِ فَدَعَا على الدَّار إِلَّا مَا كَانَ لَهُ بهَا من زمن الْإِنْس وَوصل الْجَارِيَة الناعمة المحبوبة قَالَ ابْن وَكِيع مَا ضياها يوجبان لَهَا الدُّعَاء بالسقيا كَقَوْل البحترى
(فاذَا مَا السَّحابُ كانَ رُكاما ... فَسَقَى بالرَّبابِ دارَ الرَّبابِ)
٤ - الْغَرِيب الرداح ضخمة العجيزة قَالَ العديل
(رَداحُ التَّوَالى إِذا أدْبَرَتْ ... هَضِيمُ الْحَشَى شَخْتَهُ الْمُلْتَزم)
وَمِنْه كَتِيبَة رداح أى ثَقيلَة السّير لكثرتها والرداح الْجَفْنَة الْعَظِيمَة قَالَ أُميَّة بن أَبى الصَّلْت
(إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلاءٍ ... لُبابَ الْبُرّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ)
الْمَعْنى يَقُول هى منعمة ممنعة لَا يقدر عَلَيْهَا أحد وكلامها عذب إِذا سَمعتهَا الطير تتكلف الْوُقُوع إِلَيْهَا لعذوبة كَلَامهَا وَهَذَا مثل قَول كثير
(وأدْنَيْتِنى حَتَّى إِذا مَا مَلَكْتِنى ... بقَوْلٍ يُحِلُّ العُصْم سَهَلْ الأباطِحِ)
وَمثله للْآخر وَهُوَ كثير
(بعَيْنَينِ نَجْلاوَيْنِ لوْ رَقْرَقَتُهما ... لِنوءَ الثُّرَياَّ لاسْتَهَلَّ سَحَابها)
أَخذه ابْن دُرَيْد فى مقصورته وَبعده أَبُو الطّيب فَقَالَ ابْن دُرَيْد
(لَوْ ناجَتِ الأعْصَمَ لَا نْحَطَّ لَهَا ... طَوْعَ الْقِيادِ منْ شَمارِيخِ الذُّرى)
стр. 596
- الْغَرِيب الأرداف جمع ردف وهى العجيزة والوحاشان قلادتان تتوشح بهما الْمَرْأَة ترسل إِحْدَاهمَا على الْجنب الْأَيْمن وَالْأُخْرَى على الْأَيْسَر والشسوع الْبعيد الْمَعْنى يَقُول أردافها عَظِيمَة شاخصة عَن بدنهَا تمنع ثوبها وترفعه فَلَا يلاصق جَسدهَا حَتَّى يكون بَعيدا عَن قلائدها وَالْمعْنَى أَن أردافها تمنع الثَّوْب عَن أَن يلاصق بدنهَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول بعض الكلابيين
(أبَتِ الغَلائِلُ أنْ تَمَسَّ إذَا مَشَتْ ... مِنْها البُطُونَ وأنْ تَمَسَّ ظُهُورَها)
٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى لَهُ للثوب ونزوعا صفة للارتجاج الْغَرِيب ماست مشت متبخترة والارتجاج الِاضْطِرَاب وَالْحَرَكَة الْمَعْنى يَقُول إِذا تبخترت ارتج بدنهَا واضطرب حَتَّى يكَاد ينْزع عَنْهَا ثوبها لَوْلَا سواعدها يُرِيد أَن الكمين فى الساعدين يمنعان عَنْهَا نزع الثَّوْب لِكَثْرَة ارتجاجها وحركتها وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَوْلا التَّمَنْطُقُ والسِّوَارُ مَعا ... والْحَجْلُ والدُّمْلُوجُ فِى الْعَضُدِ)
(لَتَزَايَلَتْ مِنْ كُلّ ناحِيَةٍ ... لَكِنْ جُعِلْنَ لَهَا عَلى عَمْدٍ)
٧ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فى تتألم للْمَرْأَة فى الْمَوْضِعَيْنِ الْغَرِيب الدرز مَوضِع الْخياطَة المكفوفة من الثَّوْب والتألم التوجع والعضب السَّيْف وَجمعه عضوب والصنيع الْمُحكم الصقال والصنعة الْمَعْنى يُرِيد أَنَّهَا رقيقَة ناعمة يوجعها درز الْقَمِيص كَمَا يوجعها السَّيْف لرقة بَشرَتهَا فَإِذا نَالَ جسمها مَوضِع الْخياطَة آلمها وأوجعها وَقد قيل فى مثل هَذَا إِن سَابُور لما حصر صَاحب الْحصن بعثت إِلَيْهِ بنت صَاحب الْحصن وَكَانَت من أجمل النِّسَاء إِن عاهدتنى أَنَّك تتَزَوَّج بى أسلمت إِلَيْك المفاتيح فعاهدها على ذَلِك فَسَكِرَ أَبوهَا لَيْلَة ونام فَدفعت المفاتيح إِلَى سَابُور فَأخذ الْمَدِينَة وَتزَوج بهَا فَبينا هى مَعَه ذَات لَيْلَة على فرَاش الْحَرِير تألمت وتوجعت وقلقت فَدَعَا بالشمع وَنظر إِلَى مضجعها فَرَأى ورقة ورد على الْفراش قد نَالَتْ جسمها فأثرت فِيهِ فقلقت لذَلِك فَقَالَ لَهَا مَا كَانَ يغذيك بِهِ أَبوك فَقَالَت لَهُ لب الْبر بالعسل وَالْخمر فَقَالَ وَكَانَ جَزَاؤُهُ مِنْك مَا جازيته فَأَخذهَا وَشد ضفائرها إِلَى أَذْنَاب الْخَيل وَلم يزل يطرد الْخَيل حَتَّى قطعتها قطعا
стр. 597
- الْمَعْنى يَقُول ذِرَاعا هَذِه الْمَرْأَة عدوان لدملجيها لعظمهما وغلظهما يكادان يقصمان الدملجين لامتلائهما فَإِذا نَامَتْ عِنْد أحد يظنّ أَن زندها لسمنه هُوَ الضجيع لَهُ لَا هى
٩ - الْإِعْرَاب يضئ لَازم لَا يتَعَدَّى والبدر مَنْصُوب بِالْمَصْدَرِ الْمُضَاف أى بِأَن يمْنَع الْبَدْر من الطُّلُوع الْمَعْنى يَقُول نقابها يشرق ضياؤها من تَحْتَهُ كَمَا يشرق الْبَدْر تَحت الْغَيْم الرَّقِيق شبه النقاب على وَجههَا بالغيم الرَّقِيق على الْبَدْر وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الدمينة
(مُبَرْقَعَةٌ كالشَّمْسِ تَحْتَ سَحابَةٍ ... وكالبَدْرِ فِى جَنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلم)
وَأَخذه التهامى وَأحسن فِيهِ بقوله
(قَوْمٌ إذَا لَبِسُوا الدُّرُوعَ تَخالُهَا ... سُحُبا مُزَرَّرَةً عَلى أقْمارِ)
وَقَالَ بشار
(بَدا لَكَ ضَوْءُ مَا احْتَجَبْتَ عَلَيْهِ ... بُدُوَّ الشَّمْسِ مِنْ خَلَلِ الغَمامِ)
١٠ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع خضوعا تَمْيِيز تَقْدِيره بِأَكْثَرَ خضوعا الْمَعْنى خضوعى فى قولى أَكثر من تدللها على كثرته
١١ - الْمَعْنى يَقُول إحْيَاء النُّفُوس مِمَّا يتَقرَّب بِهِ إِلَى الله تَعَالَى وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يخَاف مِنْهُ وَمعنى إِذا وصلتنى كنت قد أحييتنى وإحياء النَّفس طَاعَة لله تَعَالَى وَالله لَا يعْصى بِالطَّاعَةِ وَمثله لآخر
(مَا حَرَامٌ إحْياءُ نَفْسٍ وَلَكِنْ ... قَتْلُ نَفْسٍ بغيرِ نَفْسٍ حَرَامُ)
١٢ - الْغَرِيب الْخُلُو الخالى من هم الْمحبَّة والمستهام الهائم الذَّاهِب الْعقل والخليع الذى قد خلع العذار وتظاهر بالانتهاك فى الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول قد أصبح يحبك كل خَال من الْهوى محبا لَك مستهاما والمستور الذى كَانَ يخفى الْهوى انهتك وَافْتَضَحَ بمحبتك قَالَ ابْن وَكِيع لَو قَالَ
(غَدَا بِكِ كُلُّ خِلْوٍ فِى اشْتِغالٍ ... وأصْبَحَ كُلُّ ذِى نَسْلٍ خَلِيعا)
لَكَانَ أحسن فى الصَّنْعَة
стр. 598
- الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح إِلَى أَن يَقُولُوا فَحذف أَن وأعملها وَهَذَا على مَذْهَبنَا وَقَالَ الواحدى حَتَّى يَقُولُوا وَقد علق زَوَال حبه بِمَا لَا يجوز وجوده وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك الْغَرِيب ثبير جبل عَظِيم مَعْرُوف بالحجاز وَقد ذكره الشُّعَرَاء فى أشعارهم الْمَعْنى يَقُول أحبك إِلَى أَن يَقُولُوا جر النَّمْل ثبيرا أَو أخيف ابْن إِبْرَاهِيم وَهَذَا مُسْتَحِيل وَالْمعْنَى لَا أَزَال أحبك لِأَن الْجَبَل لَا يجره النَّمْل والممدوح لَا يرتاع
١٤ - الْغَرِيب الصيت الذّكر الْحسن والسرايا جمع سَرِيَّة الْمَعْنى يَقُول هُوَ كثير الغارات وسراياه مبثوثة فى الْآفَاق فَإِذا ذكر اسْمه للطفل شَاب وَهُوَ من قَول المهدى
(أَلا شَغَلَتنا عَنكَ بالدَّارِ كَبَّةٌ ... يَشِيبُ لَهَا قَبْل الفِطامِ وَلِيدُها)
١٥ - الْغَرِيب الدهى وَالْمَكْر إخفاء السوء والخشوع الذل الْمَعْنى يَقُول هُوَ يخفى مكره وَهُوَ يغض الطّرف حَتَّى يرى أَنه خاشع وَلَيْسَ بخاشع وَلَيْسَ فى هَذَا الْبَيْت مدح لِأَنَّهُ قَالَ يغض طرفه مكرا ودهاء وَإِنَّمَا الْمَدْح فى قَول الفرزدق
(يُغْضِى من مهابته ... فَمَا يكلم إِلَّا حِين يبتسم ... ) وَقَول ابْن الرُّومِي فِي هَذَا جيد
(ساه وَما يَتَّقى فىِ الرأىِ سَقطَتَهُ ... داهٍ وَما يَنطَوِى مِنهُ عَلى رَيبِ)
(فَدَهْيُهُ للدَّوَاهى الرُّبدِ يَدْرَؤُها ... وَسِهوُهُ عَنْ عُيوبِ النَّاسِ والعَيْبِ)
د
١٦ - الْغَرِيب قدك حَسبك وَكَفاك والمذيع الْمظهر الْمَعْنى يَقُول إِن سَأَلته جَمِيع مَاله كَفاك كالمذيع إِن سَأَلته عَن سر أفشاه وَلم يَكْتُمهُ فَهُوَ كَذَلِك يعطيك مَا يملكهُ وَلَا يبخل بِهِ
стр. 599
- الْمَعْنى يَقُول لاستلذاذه الْعَطاء يرى قبولك عطاءه منا عَلَيْهِ وَإِن لم يَبْتَدِئ بالعطاء قبل المسئلة فَهُوَ عِنْده مَكْرُوه فظيع وَضرب هَذَا مثلا وَمثله لحبيب
(يُعْطِى وَيَشْكُرُ مَنْ يأْتِيهِ يَسأَلُهُ ... فَشُكْرُهُ عِوَضٌ وَمالُهُ هَدَرُ)
١٨ - الْمَعْنى هَذَا الْكَلَام لَهُ سَبَب وَذَلِكَ أَن هَذَا الممدوح جَاءَهُ حمل فِيهِ ذهب ودراهم ففرش نطوعا وَجعلهَا عَلَيْهِ فَاعْتَذر المتنبى لَهُ وَقَالَ لَيْسَ لكرامته فرشها وَإِنَّمَا هُوَ إهانة ليهينه فى الْعَطاء والتفرقة على القصاد وَمَا فعل هَذَا ليحفظه من الضّيَاع ويدخره وَإِنَّمَا يحفظه ليفرقه على السُّؤَال والقصاد ثمَّ احْتج لهَذَا بقوله
(إِذا ضرب ... )
وَهُوَ قريب من قَول ابى الجهم
(وَلا يَجْمَعُ الأمْوَالَ إلَاّ لِبَذْلِهَا ... كمَا لَا يُساقُ الهَدْىُ إلَاّ إِلَى النَّحْرِ)
١٩ - الْمَعْنى يَقُول مَا بسط الأنطاع كَرَامَة لِلْمَالِ وَإِنَّمَا بسطها للتفرقة وَكَذَلِكَ إِذا ضرب الرّقاب وَمد الأنطاع فَلَيْسَ لكرامتهم وَلَكِن ليصان الْمجْلس من الدَّم والنطوع جمع نطع وَيجمع أَيْضا على أنطاع وَيُقَال نطع بِفَتْح النُّون والطاء وبكسر النُّون وَفتح الطَّاء وبفتح النُّون وَسُكُون الطَّاء وَكسر النُّون وَسُكُون الطَّاء
٢٠ - الْغَرِيب القريع الْفَحْل الْكَرِيم وَهُوَ هُنَا السَّيِّد الشريف الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ يهب إِلَّا المَال الْكثير وَلَيْسَ يقتل إِلَّا الشريف الْعَظِيم وَهُوَ من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(حذارِ مِنْ أسَدٍ ضِرْغامَةٍ شَرِسٍ ... لَا يُولِغُ السَّيْفَ إلَاّ هامةَ البْطَلِ)
وَبَيت المتنبى أمدح لِأَنَّهُ ذكر فِيهِ الْكَرم وَالْهِبَة
٢١ - الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف والصمصامة السَّيْف والقطيع السَّوْط يقطع من جُلُود الْإِبِل والتعب مفعول ثَان وَالْمعْنَى يَقُول قد أَقَامَ سَيْفه فى التَّأْدِيب مقَام سَوْطه وَالسيف يغنى السَّوْط عَن التَّعَب // وَهَذَا مُبَالغَة // فى وَصفه بِشدَّة الْبَأْس على المذنبين
стр. 600
- الْمَعْنى يَقُول الممدوح واسْمه على مَا يمْنَع أحدا مَا يأتى لمبارزته وَلَكِن يمنعهُ الرُّجُوع سالما لشجاعته وفروسيته فَمَا يبارزه أحد فَيرجع عَنهُ سالما
٢٣ - الْغَرِيب المفدى الذى تفديه النَّاس بِأَنْفسِهِم لما يرَوْنَ من شجاعته وَشدَّة بأسه الْمَعْنى يَقُول هُوَ يقتل البطل الْكَرِيم عِنْد قَوْله ويسلبه درعه ويكسوه بدله دِمَاء
٢٤ - الْغَرِيب إِذا اعوج أى انحنى وَذَلِكَ أَن الرمْح إِذا طعن بِهِ اعوج والتوى وَقَوله جَازَ إِلَى ضلوعهم يُرِيد نفذ من هَذِه كَأَنَّهُ شقّ الضلع من الْجَانِبَيْنِ قَالَ الواحدى قَالَ المتنبى كنت قلت وأشْبَهَ فِى ضُلُوعِهمِ الضُّلُوعا ... )
ثمَّ أنشدت بَيْتا لبَعض المولدين مثله فرغبت عَن قَوْله أشبه الْبَيْت للبحترى وَهُوَ
(فى مأْزِقٍ ضَنْكٍ تَخالُ بِهِ الْقَنَا ... بينَ الضُّلُوعِ إذَا انْحَنَيْنَ ضُلُوعا)
٢٥ - الْمَعْنى يَقُول لشدَّة الطعْن اندقت الرماح فى الأكباد فَكَأَن الأكباد أدْركْت بذلك مِنْهَا ثارا // وَهُوَ معنى حسن //
٢٦ - الْإِعْرَاب فحد الْفِعْل عَامل فى الظّرْف وَهُوَ قَوْله
(إِذا اعوج ... )
وَالتَّقْدِير إِذا اعوج القنا وَجَاز الطعْن إِلَى الضلوع ونالت الأكباد فحد عَنهُ وثنى الخيلين لإِرَادَة الجمعين الْغَرِيب الخبعثنة من أَوْصَاف الْأسد وَهُوَ الشَّديد والشجيع الشجاع الْمَعْنى إِذا التقى الْجَمْعَانِ فحد عَنهُ وتباعد وَإِن كنت قوى الْقلب كالأسد وَيُقَال إِن الخبعثنة النمر وَهُوَ أوقح السبَاع
٢٧ - الْإِعْرَاب أَرَادَ أَن ترمقه فَحذف وَرفع الْفِعْل وَلَو نَصبه على مذْهبه لَكَانَ جَائِزا وبعيدا حَال أى فى حَال بعْدك عَنهُ وَيجوز على إِسْقَاط الْخَافِض أى من بعيد الْمَعْنى إِن استجرأت أى صرت جريئا وقدرت على النّظر إِلَيْهِ فى الْحَرْب من بعيد فقد قدرت على شئ عَظِيم لم يقدر عَلَيْهِ أحد وَهُوَ من قَول الطائى
(أمَّا وَقَدْ عِشْتَ يَوْما بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ... فافْخَرْ فإنَّكَ أنْتَ الفارِسُ النَّجِدُ)
следующие страницы →