Полный текст (1 424 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
- الْإِعْرَاب وَلَا إِلَّا أَرَادَ وَلَا أرْضى إِلَّا فَحَذفهُ لدلَالَة الأول عَلَيْهِ وروى فليته لَا يتيمه على حذف إشباع الضَّمِير كَمَا أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(مُسْتَعْسِرُ الظَّهْرِ يَنْبُو عَنْ وَلِيَّته ... مَا حَجَّ رَبَّهُ فى الدُّنْيا وَلا اعْتَمَرَا)
وكما أنْشد أَيْضا
(فَمَا لَهُ مِنْ مَجْدٍ تَلِيدٍ وَمالَهُ ... )
الْمَعْنى يَقُول لَا أرْضى إِلَّا أَن أورد عَلَيْهِ فيصغى إِلَى مَا أوردهُ عَنْك من حسن الذّكر وأحكى مَا أسديته إِلَى من جليل الْفضل فليته عِنْد ذَلِك لَا يتيمه هَوَاك إعجابا بك وَبِمَا جمعه الله فِيك من الْفَضَائِل لِأَن الْإِحْسَان يستعبد الْإِنْسَان ويحبب صَاحبه إِلَى الْإِنْس والجان
٣٠ - الْغَرِيب الطَّرب خفَّة تغلب عِنْد شدَّة الْفَرح والحزن والعلا غايات الشّرف والرفعة والواحدة عليا الْمَعْنى يَقُول كم من إِنْسَان تطرب مسامعه إِذا سمع شعرى فِيك وَلَا يدرى أيعجب من حسن ثنائى فِيك أم من علوك يُرِيد أَن كِلَاهُمَا عجب لأنى أثبت فى شعرى من فضلك وأظهرت فِيهِ من مدحك مَا لَيْسَ يدْرِي عِنْد سَمَاعه لذَلِك أيعجب من علاك وَمَا تبلغه من الْجَلالَة والرفعة أم من ثنائى
٣١ - الْغَرِيب النشر الرَّائِحَة الطّيبَة والفهر الْحجر الذى يسحق بِهِ الطّيب والمداك للصلاية الَّتِى يداك عَلَيْهَا والدوك الدق والسحق الْمَعْنى يَقُول الثَّنَاء الطّيب وَهُوَ عرضك كَانَ بِمَنْزِلَة الطّيب وَهُوَ الذى يتضوع عِنْد مَا أضيفه لَك من مجدك وأذكره من ترادف فضلك أى نشر فضلك الذى هُوَ الْمسك فى كرم جوهره وعبق طيبه ومجده وَهُوَ ذَاك الْمسك ومداكه اللَّذَان يستخرجان حَقِيقَة فَضله ويخبران عَن جلالة قدره شعرى الذى يسير فى البدو والحضر ويتغنى بِهِ فى الْحُلُول وَالسّفر وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن الرومى
(وَما ازْدادَ فَضْلٌ فيكَ بالمَدْحِ شُهْرَةً ... بَلى كانَ مثلَ المِسْكِ صَادَفَ مِخْوَضا)
والمخوض الذى يُحَرك بِهِ الطّيب وَذَلِكَ لَا يزِيد الطّيب فضلا بل يظْهر رَائِحَته كَذَلِك الشّعْر يظْهر فَضَائِل الممدوح للنَّاس وَلَا يزِيدهُ فضلا
стр. 737
- الْمَعْنى لَا تحمد فهرى ومداكى وَلَا تحمد الشّعْر وَحسنه وَاحْمَدْ الْهمام الْبَاعِث لَهما المتفرد بِمَا أكمل لَهُ من الْفَضَائِل مِنْهُمَا الذى إِلَّا أضمره شاعره وأضافه إِلَى نَفسه وكنى عَنهُ وَلم يُصَرح باسمه علم أَنه يَعْنِيك وَلم يشك عِنْد ذَلِك من يسمعهُ أَنه فِيك وَهُوَ من قَول أَبى نواس
(وَإنْ جَرَتِ الألْفاظُ مِنَّا بِمِدْحَةٍ ... لغَيْرِكَ إنْسانا فأنْتَ الَّذى نَعْنِى)
٣٣ - الْإِعْرَاب الْأَغَر الْأَبْيَض ونصبه صفة لهماما الْغَرِيب الشَّمَائِل الطبائع وَالْخَلَائِق الْوَاحِدَة شمال الْمَعْنى يَقُول هُوَ أغر يعْنى عضد الدولة أى ذَا بهاء وجلالة وجمال وصباحة لَهُ شمائل أَبِيه الْمَعْرُوفَة ومذاهبه الجليلة الْمَعْلُومَة ثمَّ أقبل يخاطبه فَقَالَ غَدا يلقى بنوك بِتِلْكَ الشَّمَائِل أَبَاك ويحكونه بِتِلْكَ الْفَضَائِل ويحذون فى ذَلِك حذرك ويقتفون أثرك وهديك وَقَوله
(غَدا يلقى بنوك ... )
قَالَ الواحدى هُوَ إِشَارَة إِلَى أَنهم لم يبلغُوا رتبتك حَتَّى بشبهوك بل يشبهون أَبَاك وَكَانَ حَقه أَن يَقُول أباهم لَوْلَا مَا أَرَادَ أَن يفضله على أَبِيه فَجعل أَوْلَاده يشبهون أَبَاهُ وَلَا يشبهونه وَيجوز أَن يكون جَاءَ بالْكلَام من الْإِخْبَار وَمن الْإِخْبَار إِلَى المخاطبة على مَا جرت بِهِ الْعَادة فى كَلَام الْعَرَب أَن يخرجُوا من الْخطاب إِلَى الْإِخْبَار وَمن الْإِخْبَار إِلَى الْخطاب كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حَتَّى إِذا كُنْتُم فِي الْفلك وجرين بهم برِيح طيبَة﴾ وَمثله كثير
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول وفى الْأَحِبَّة من وجده صَحِيح لَا دَعْوَى وَمِنْهُم من يدعى الْمحبَّة وَلَيْسَ هُوَ من أَهلهَا وَلَيْسَ لدعواه حَقِيقَة أَو الْمَعْنى أَنه صَحِيح الود لَيْسَ كمن يدعى الوداد من غير حَقِيقَة أَو لست مِمَّن يدعى محبتك وَيظْهر غير ذَلِك لِأَن مَا اشْتهر فِيك من صَحِيح الْمَدْح يدل على أَنى صَحِيح الوداد غير مداج فى موالاتك
٣٦ - الْغَرِيب الذِّمَّة الْعَهْد وأذم الرجل لغيره إِذا عاهده على أَمر يلْزمه لَهُ والنوى الْبعد وَقَوله أولاكا لُغَة فى أُولَئِكَ الْمَعْنى قَالَ الواحدى روى ابْن جنى وَابْن فورجة نواى بالنُّون من الْبعد قَالَ ابْن جنى منعت مكرمات عينى أَن تجرى دموعها كَاذِبَة وَاخْتَارَ الْبعد عَنهُ وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد أَن مكرمات أَبى شُجَاع تذمر لعينى على أهلى الَّذين أقصدهم من نواى عَنْك يُرِيد أَنى ابدا أشتهى ملازمتك والبعد عَن أُولَئِكَ فيكُن الذمام إِذن على أَهله لعَينه وهم الخائفون من نوى أَبى الطّيب وَهَذَا كَمَا تَقول أَذمّ لهِنْد على عاشقها من الْوُصُول إِلَيْهَا مَا دَامَت بِالْبَصْرَةِ فَهُوَ لَا يصل إِلَيْهَا مَا دَامَت بِالْبَصْرَةِ قَالَ وَهَذَا كَلَامهمَا وَلم يظْهر معنى الْبَيْت ببيانهما وَمعنى أَذمّ لفُلَان على فلَان كَذَا إِذا مَنعه مِنْهُ كَمَا قَالَ
(وَهُمْ مِمَّنْ أَذَمَّ لَهُمْ عَلَيْه ... كَرِيمُ العِرْقِ والنَّسَبُ النُّضَارُ)
أى مَنعهم مِنْهُ يَقُول مكرماته منعت عينى وعقدت لَهَا عقدا على أهلى من فِرَاق عضد الدولة وَيكون على من صلَة أذمت وَمن روى ثواى بالثاء الْمُثَلَّثَة من الثوى وَهُوَ الْمقَام فَالْمَعْنى مكرماته أذمت لعينى من الْمقَام عَلَيْهِم يُرِيد عقدت لعينى عقدا يؤمنها من النّظر إِلَى أُولَئِكَ لأنى قصرتها على عضد الدولة فَلَا تنظر إِلَى سواهُ وعَلى من صلَة الثوى
стр. 738
- الْغَرِيب الركاب الْإِبِل المتحملة بالقوم والأسنة جمع سِنَان يُخَاطب الْبعد وَهُوَ من الاستعارات الملاح إِذْ جعل لَهُ حسا فَقَالَ تَنَح عَن أيدى هَذِه المطايا فَإِنَّهَا تقطعك كَقطع الأسنة الأحشاء فَإِن سعد عضد الدولة يكفيها وإقباله ينْهض بهَا فهى تقطعك كَقطع الأسنة
٣٨ - الْغَرِيب يَقُول أَذَى أذاة وَنَجَا ينجو نجاة وَهلك هَلَاكًا الْمَعْنى يَقُول كونى أَيهَا الطَّرِيق كَيفَ شِئْت فَلَا أبالى وَلَو كَانَ فِيك الْهَلَاك قيل إِن عضد الدولة قَالَ تطيرت عَلَيْهِ من تَركه النجَاة بَين الأذاة والهلاك
٣٩ - الْغَرِيب تشرين شهر من أشهر الْفرس وَهُوَ أول سنتهمْ تشرين الأول والثانى وكانون الأول والثانى وشباط وأذار ونيسان وإيار وحزيران وتموز وآب وأيلول والسماك كَوْكَب مَعْرُوف من كواكب الأنواء وَهُوَ يطلع بِالْغَدَاةِ لخمس خلون من تشرين الأول الْمَعْنى يَقُول لَو سرنا وفى تشرين خمس لَيَال لسبقت السماك بالطلوع // وَهَذَا مُبَالغَة // فى سرعَة السّير فَكَأَنَّهُ يَقُول إِذا أَخذ السماك فى الطُّلُوع وَأخذت فى السّير سبقته إِلَى أهلى بِالْكُوفَةِ وَذَلِكَ أَنه لِثِقَتِهِ بِمَا أحَاط بِهِ من سَعَادَة عضد الدولة فَلَو سرت وَقد انصرم من تشرين خمس لَيَال يرانى من أقصده وأحن إِلَيْهِ من أهلى من الْجَمَاعَة الْمُتَّصِلَة بنفسى قبل أَن يرَوا السماك الذى هُوَ فى هَذَا الْوَقْت يُشِير إِلَى سرعَة السّير
стр. 739
- الْغَرِيب فناخسر اسْم أعجمى وَهُوَ اسْم عضد الدولة والطعن الدراك المتتابع الْمَعْنى يَقُول سَعَادَة عضد الدولة وبركته ترد عَنى رماح الْأَعْدَاء وطعنها المتتابع
٤١ - الْغَرِيب السِّلَاح يجمع السَّيْف وَالرمْح والسهام وَالْغَالِب عَلَيْهِ التَّذْكِير وَرُبمَا أنث قَالَ الطرماح فى صفة ثَوْر وحشى طردته كلاب الصَّيْد
(يَهُزُّ سِلاحا لَمْ يَرِثْها كَلالَةً ... يَشُكُّ بِها مِنْها أُصُولَ المَغابِنِ)
وَالْأَكْثَر التَّذْكِير لِأَنَّهُ يجمع على أسلحة جمع تذكير كحمار وأحمرة ورداء وأردية وَصَلَاح شَاك بِمَعْنى شائك أى ذُو شَوْكَة كَقَوْلِهِم كَبْش صَاف على حذف الْعين وَمِنْه قَول مرحب
(قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أّنى مَرْحَبُ ... شاكُ السِّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ)
الْمَعْنى يَقُول لعضد الدولة رضاك عَنى بِمَنْزِلَة السِّلَاح الذى يخوف الْأَبْطَال
٤٢ - الْغَرِيب اعتاض تعوض والزور الْبَاطِل وَالْكذب الْمَعْنى يَقُول من الذى أعتاضه مِنْك إِذا فارقتك وأتخذه بَدَلا بعْدك إِذا باعدتك وَالنَّاس مَا خلاك زور لَا يحفل بهم وملوكهم بِالْإِضَافَة إِلَيْك سوقة لاحظ لَهُم فى الْإِمَارَة وَهُوَ مَنْقُول من قَول عمرَان بن حطَّان
(أنْكَرْتُ بَعْدَكَ مَنْ قد كُنتُ أعْرِفُهُ ... مَا النَّاسُ بَعْدَكَ يَا مِرْداسُ بالنَّاسِ)
٤٣ - قَالَ الواحدى أَنا فى الْخُرُوج من عنْدك وَقلة اللّّبْث فى أهلى كالسهم الذى يرْمى فى الْهَوَاء فَيذْهب وينقلب سَرِيعا قَالَ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لم يقل فى سرعَة الأوبة وَقلة اللّّبْث كَمَا قيل فى هَذَا الْبَيْت وَالْبَيْت مَدْخُول وَلم يعرف ابْن جنى وَجه فَسَاده وَهُوَ كل سهم يرْمى بِهِ فى هَوَاء لَا يعود إِلَّا إِذا مَا عولى بِهِ وَلم يذكر فى الْبَيْت أَنه أَرَادَ الْهَوَاء العالى قَالَ الْخَطِيب اخْتلف أهل النّظر فى هَذَا الْموضع فَقَالَ قوم إِن السهْم وَالْحجر إِذا رمى بِهِ صعد فبتناهى صُعُوده يكون لَهُ فى آخر ذَلِك لبثة مَا ثمَّ يتصوب منحدرا وَقَالَهُ آخَرُونَ لَا لبثة لَهُ هُنَاكَ وَإِنَّمَا أول وَقت انحداره عقيب آخر صُعُوده
стр. 740
- الْمَعْنى روى أَبُو الْفَتْح
(واصطفاك ... )
بِكَسْر الطَّاء وَبهَا قَرَأت الدِّيوَان قَالَ وَهُوَ من بَاب قصر الْمَمْدُود وَاسْتشْهدَ على قصره بأشعار وَقصر الْمَمْدُود كثير وَأنْشد أَبُو الْفَتْح
(وأنْتَ لَوْ باكَرْتَ مَشْمُولَةً ... صَفْراً كلَوْنِ الفَرَسِ الأشْقَرِ)
والاصطفاء والاصطفاء الاختبار وَمِنْه
(إنى اصطفيتك على النَّاس ... )
وَأنكر ابْن فورجة وَجَمَاعَة كسر الطَّاء وَقَالُوا لم يستحى من الله إِذا فَارق دَار الممدوح واختياره لَهُ بل لَا وَجه لحيائه فى فعله ذَاك إِذْ لَيْسَ من فَارقه وزهد فى اخْتِيَاره ارْتكب حوبا وَإِنَّمَا يستحى من الله إِذا فَارق دَار الممدوح وَالله قد اخْتَارَهُ على خلقه وكل من فَارقه يجب أَن يستحى من خالقه وَإِنَّمَا يَقُول أستحى من الله أَن أُفَارِقك وَقد اصطفاك ووكل إِلَيْك الأرزاق أَلا ترَاهُ كَيفَ بَين وَجه حيائه إِذا ذكر اصطفاءه لَهُ وَلَو لم يذكرهُ لَكَانَ لَا تخلص لَهُ من الْحيَاء إِذْ الْأَشْبَه أَن يكون اصطفاكا فعلا مَاضِيا وَقد ذكر مُحَمَّد ابْن سعيد أَن المتنبى قَالَ لم أقصر فى شعرى ممدودا إِلَّا موضعا وَاحِدًا وَهُوَ قولى
(خُذْ مِنْ ثَناىَ عَلَيْكَ مَا أسْطِيعُهُ ... لَا تُلْزِمَنّى فى الثَّناء الْوَاجِبا)
تمّ الْجُزْء الثانى من شرح ديوَان أَبى الطّيب المتنبى الْمَعْرُوف بالتبيان الْمَنْسُوب إِلَى أَبى الْبَقَاء عبد الله بن الْحُسَيْن العكبرى الضَّرِير ويليه الْجُزْء الثَّالِث وأوله حرف اللَّام
стр. 741
- ١ الْغَرِيب رويدك تمهل وجليل فعيل من الْجَلالَة وتأى ترفق وامكث وَهِي رِوَايَة ابْن جنى وروى غَيره تأن بالنُّون وَرِوَايَة ابْن جنى بهَا قَرَأت الدِّيوَان وَمَعْنَاهُ تحبس قَالَ الْكُمَيْت
(قِفْ بالدَيارِ وُقُوفَ زَائِرْ ... وَتأىَّ إنَّكَ غَيرُ صَاغِرُ)
الْمَعْنى يَقُول ترفق أَيهَا الْملك فِي رحيلك وتمهل فِي مسيرك وَاجعَل ذَلِك مِمَّا يعْتد بِهِ من نوالك وهباتك للمشتملين بنعمتك وَهَذِه القصيدة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر
٢ - الْإِعْرَاب نصب وجودك بإضمار فعل كَأَنَّهُ قَالَ أولنا جودك وَلَو فعلته قَلِيلا فنصب قَلِيلا على الْحَال أَو يكون التَّقْدِير ولوجدت جودا قَلِيلا وَأقَام الصّفة مقَام الْمَوْصُوف وَالْأَشْبَه أَن يكون قَلِيلا صفة لمصدر مَحْذُوف الْمَعْنى يَقُول جد جودك بالْمقَام وَلَو فعلته قَلِيلا وَلَيْسَ فِيمَا تعطيه قَلِيل لِأَن مَا كَانَ من جهتك فَهُوَ كثير وَهُوَ مَنْقُول من قَول أَشْجَع
(وُقُوفا بالمَطِيّ وَلَوْ قَلِيلاً ... وَهلْفِيما تَجُودُ بِهِ قَلِيلُ)
وكقول ابْن الطثرية
(وَليسَ قَلِيلاً نَظْرَةٌ إنْ نظَرْتُها ... إلَيكِ وكَلَاّ ليسَ مِنْكِ قَلِيلُ)
وكقول إِسْحَاق الْموصِلِي
(إنَّ مَا قَلَّ مِنكَ يكْثُرُ عِنْدِي ... وكَثِيرٌ مِمَّنْ تُحِبُّ القَلِيلُ)
وكقول إِسْحَاق أَيْضا
(وَحَسْبي قَليلٌ مِن جَزِيلِ عطائهِ ... وَهَلْ مِنْ أمِير المُؤْمِنِينَ قَلِيلُ)
وكقول الآخر
(وَإنَّ قَليلاً مِنكِ لَوْ تَبْذُلِينَهُ ... شِفاءٌ وَقُلٌّ لَيسَ مِنكِ قَليلُ)
стр. 742
- الْغَرِيب الكبت الخيبة وَأرى من الورى وَهُوَ إِصَابَة الرئة وَهِي دَاء فِي الْجوف الْمَعْنى يَقُول ترفق فِي رحيلك لأكبت بذلك حَاسِدًا يشبه وداعك وعدوا يشبه رحيلك فَشبه شَيْئَيْنِ بشيئين وَهَذَا من بَاب البديع وَالْمعْنَى أَنه يبغض الْحَاسِد والعدو كَمَا يبغض الْوَدَاع والرحيل وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(قَبُحْتَ وَزِدْتَ فَوْقَ القُبْحِ حَتَّى ... كأنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ مِنَ الوَدَاعِ)
٤ - الْغَرِيب تغلب قَبيلَة الممدوح وَهِي تغلب بن وَائِل والحيا الْمَطَر والقبيل الْعَشِيرَة وهم من ولد أَب وَاحِد الْمَعْنى يَقُول أقِم بِنَا حَتَّى يسكن الْمَطَر وَكَانَ قد عزم على الرحيل والمطر يسهل كَثْرَة فَأَشَارَ عَلَيْهِ بالْمقَام حَتَّى يسكن الْمَطَر ثمَّ قَالَ قد شككنا فِي كَثْرَة هَذَا الْمَطَر وَهُوَ لم يشك وَإِنَّمَا قَالَه على الْمُبَالغَة فِي وصف السَّحَاب لِكَثْرَة مطره فَقَالَ أبنو تغلب هَذَا السَّحَاب أم مطره قبيلكم لكثرته وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(فَقُلْتُ نَدَى السَّماءِ أمِ ابنُ وَهْبٍ ... تَجَلَّى نُورُهُ أمْ عاشَ وَهْبَ؟)
٥ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع فِي نكته على الدِّيوَان الْهَاء فِي لَهُ عَائِدَة على السَّحَاب والمفسرون بِخِلَاف مَا قَالَ الْمَعْنى يَقُول كنت أعيب من يعذل فِي السماح فَلَمَّا رَأَيْت إفراط سيف الدولة فِي السماح صرت أعذله هَذَا قَول الْجَمَاعَة وَالْمعْنَى من قَول الطَّائِي
(عَطاءٌ لَوِ اسْطاعَ الَّذي يسْتَميحهُ ... لأصْبحَ مِن دونِ الوَرَى وَهْوَ عاذِلُه)
وكقول البحتري
(إِلَى مُسْرِف فِي الْجُود لَو حاتما ... لَدَيْهِ لأضحى حَاتِم هُوَ عاذله)
٦ - الْغَرِيب النبو الِارْتفَاع وَمِنْه نبا السَّيْف عَن الضريبة إِذا رَجَعَ الْمَعْنى يَقُول إِنِّي لَا أَخَاف أَن تعجز عَن قطع طَرِيق لِأَنَّك سيف دولة الْإِسْلَام وَسيف الْإِسْلَام لَا يكون إِلَّا مَاضِيا صقيلا قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون رَجَعَ من الْخطاب إِلَى الْخَبَر كَأَنَّهُ قَالَ وَأَنت الْمَاضِي الصَّقِيل وَالْمعْنَى إِنِّي لم أَنْهَك عَن الرحيل فِي الْمَطَر لخوف أَن تعجز عَن الرحيل وصعوبة الطَّرِيق
стр. 743
- الْغَرِيب الشواة جلدَة الرَّأْس وَجَمعهَا شوى قَالَ الله تَعَالَى ﴿نزاعة للشوى﴾ وَقَرَأَ حَفْص بِالنّصب والغطريف السَّيِّد الْكَرِيم فِي قومه الْمَعْنى كل جلدَة رَأس سيد شرِيف تمنى أَن تكون طَرِيقا لسيرك لِأَنَّهُ كريم شرِيف فَلَا يستنكف سيد عَن وطئك جلدَة رَأسه وَإِنَّمَا يعد ذَلِك شرفا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(مَضَى طاهرَ الأثْوَابِ لمْ تَبْقَ بُقْعَةٌ ... غَدَاةَ ثَوَى إلَاّ اشْتَهَتْ أَنَّهَا قَبرُ)
٨ - الْإِعْرَاب من رفع مثل العمق ومملوء جعله ابْتِدَاء وخبرا وَمن خفض وَعَلِيهِ الْأَكْثَر جعله عطفا على قَوْله وَمَا أخْشَى نبوك عَن طَرِيق وَقيل العمق وَاد وخفضه بواو رب أَي رب مَكَان مثل العمق الْغَرِيب العمق وَاد عميق وَهُوَ الْفَج من الأَرْض وَجمعه أعماق ومجاريه جمع مجْرى الْمَعْنى يَقُول لَا أخْشَى عَلَيْك من نبوك عَن هَذَا الْوَادي وَلَو أَنه ملئ من دِمَاء وقائعك لمشت بك خيلك فِيهِ فَكيف أخْشَى عَلَيْك سيله
٩ - الْغَرِيب المنايا جمع منية وَهِي من أَسمَاء الْمَوْت والوحول جمع وَحل وَهُوَ مَا يبْقى فِي الأَرْض من سيل الْمَعْنى يَقُول إِذا تعود الْإِنْسَان أَن يَخُوض غَمَرَات الْمَوْت فأهون مَا يعانيه خوض المَاء والطين وَهُوَ يُشِير إِلَى أَن الوحل لَا يمنعهُ من السّفر وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم حَيْثُ يَقُول نفوس الْحَيَوَان أغراض لحوادث الزَّمن
١٠ - الْغَرِيب الْحُصُون جمع حصن وَهُوَ مَا تحصن بِهِ الْإِنْسَان والحزن ضد السهل وَهُوَ مَا خشن من الأَرْض وصعب الْمَعْنى يَقُول من أَطَاعَته الْحُصُون الممتنعة فافتتحتها والقلاع المستصعبة فملكها أطاعه لَا محَالة حزون الطّرق وسهولها وَتمكن لَهُ قريبها وبعيدها وَالْمعْنَى يُرِيد من أطاعه الصعب الشَّديد لم يصعب عَلَيْهِ شئ
стр. 744
- الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام تعجب وَقَوله تنشر يُقَال نشر الله الْمَوْتَى فنشروا وأنشرهم وَفِي الْكتاب الْعَزِيز ﴿وَانْظُر إِلَى الْعِظَام كَيفَ ننشرها﴾ من أنشره الله فِي قِرَاءَة ابْن كثير وَنَافِع وَأبي عَمْرو وَفِي قِرَاءَة أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر بالزاي الْمُعْجَمَة وَهُوَ من النشز وَهُوَ الِارْتفَاع الْغَرِيب خفرت الرجل خفرا وخفارة أجرته ومنعت عَنهُ يُقَال خفرته أخفره خفرا إِذا كنت لَهُ خفيرا مجيرا وخفرته تخفيرا وَأنْشد الْأَصْمَعِي للهذلي
(ولكنَّنِي جَمْرُ الغَضَى مِنْ وَرَائِهِ ... يُخَفِّرُني سَيْفي إذَا لَمْ أًخَفَّرِ)
وأخفرت الرجل إِذا غَدَرت بِهِ ونقضت عَهده وَيُقَال أَيْضا أخفرته إِذا بعثت مَعَه خفيرا وَالِاسْم الخفرة بِالضَّمِّ وهى الذِّمَّة والخمول السُّقُوط والخامل السَّاقِط الَّذِي لَا نباهة لَهُ وَقد خمل يخمل خمولا الْمَعْنى يَقُول أَنْت تجير من رمته اللَّيَالِي بصروفها وقصدته بخطوبها وتحبي كل من سقط ذكره وَدَفنه خموله فتجير ذَلِك بحمايتك وتحييه بكرامتك تضمه إِلَى إحسانك وتعمه بإنعامك قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا الْبَيْت مَنْقُول من قَول ابْن الرُّومِي
(نشَرْتُكَ مِن دفنِ الخُمولِ بقُدْرَة ... لِمَا هُوَ أدْهَى أوْ علِمْتَ وأنْكَرُ)
١٢ - الْغَرِيب الحسام السَّيْف الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول ندعوك سَيْفا وَالسيف يعْدم الْحَيَاة وَأَنت تعيدها وَهُوَ يتلفها وَأَنت تهبها فَكيف نسميك سَيْفا وفعلك ضد فعله وقدرك فَوق قدره وَالْمعْنَى أَن من قَتله الْفقر وأذله الزَّمَان حَتَّى أَمَاتَهُ موت الْفَقْرَة تعيشه بجودك
١٣ - الْإِعْرَاب نصب الْقطع لِأَنَّهُ اسْتثِْنَاء مقدم وَمثله قَول الْكُمَيْت
(وَمالي إلَاّ آلَ أحْمَدَ شِيعَةٌ ... وَماليَ إلَاّ مَذْهَبَ العَدْلِ مَذْهَبُ)
الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ للسيف فعل إِلَّا الْقطع وَأَنت فِيك الْوَصْل وَالْقطع تقطع الْأَعْدَاء وَتصل الْأَوْلِيَاء وَالْمعْنَى أَنَّك تصل مؤمليك وتقطع أعاديك وتبر قصادك وتحوط رعيتك فتشركه فِي أرفع أَحْوَاله وَهُوَ الْقطع وتنفرد دونه بأرفع أحوالك وَأجل أوصافك
стр. 745
- الْإِعْرَاب صبرا مصدر أَي اصبر صبرا الْمَعْنى يَقُول أَنْت الْفَارِس الثَّابِت النَّفس الرابط الجأش الدَّاعِي إِلَى الصَّبْر إِذا طاشت الْعُقُول وخرست الألسن فَلم تقدر الْأَبْطَال على الْكَلَام وَلَا الْخَيل على الصهيل وَالْمعْنَى أَنَّك تصبر الْأَبْطَال فِي الْحَرْب تَقول اصْبِرُوا على عض الْحَرْب
١٥ - الْغَرِيب الحيد الرُّجُوع وَالْقَصْد الاسْتقَامَة يُرِيد أَن الرمْح مُسْتَقِيم غير معوج الْمَعْنى يرجع عَنْك الرمْح مَعَ استقامته وَإِذا طعن بِهِ غَيْرك لم يرجع عَنهُ وَيقصر عَنْك فَلَا ينالك مَعَ طوله وَذَلِكَ لشجاعتك وشرفك كَأَن الجماد يعرفك فَلَا يقدم عَلَيْك وَالْمعْنَى أَن الْأَبْطَال تتحاماه فِي الحروب فَلَا تتعاطى مطاعنته وَلَا تتمثل مقاومته وَالْمعْنَى أَن الرمْح إِذا قصد إِلَيْك خذلته يَد الطاعن حَتَّى يرجع عَنْك وَإِذا طَال خذله الطاعن وإقدامه حَتَّى يقصر عَنْك
١٦ - الْمَعْنى لَا يَقُول لَو أَن للسنان لِسَانا ناطقا لقَالَ أَنا أحيد عَنْك وأقصر مَعَ حلولي عَن طعنك وَهُوَ من قَول الآخر
(إنَّ السِّنانَ وَصَدْرَ السَّيْفِ لوْ نَطَقا ... لَخَبَّرا عَنْكَ يَوْمَ الرَّوْعِ بالعَجَبِ)
وَقَالَ الحصني
(يُشْنِي عليكَ إِذا النُّفُوسُ تَطايَرَتْ ... حَدُّ المُهَنَّدِ والسَّنانُ اللَّهْذَمُ)
وَهَذَا مجَاز أَي لَو كَانَ متكلما لقَالَ وَأَصله قَول عنترة
(لوْ كانَ يعْلَمُ مَا المُحاوَرَةُ اشْتَكى ... وَلكانَ لوُ عَلِمَ الكَلامَ مُكَلِّمي)
١٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا جرت عَادَتهَا بإفناء أَهلهَا فَلَا يخلد فِيهَا أحد وَلَو أَنَّهَا خلدت أحدا لتزينها بِهِ وَمَا جمعه الله فِيهِ من الْفَضَائِل لَكُنْت ذَلِك المخلد وَحدك لعلو قدرك وجلالة أَمرك وَلَكِن الدُّنْيَا لَيْسَ لَهَا خَلِيل توافيه وَلَا أحد تتقيه وتصافيه لِأَن طبعها الْغدر وَهُوَ مَنْقُول من قَول عدي بن زيد
(فَلَوْ كانَ حَيٌّ فِي الحْيَاةِ مُخَلَّداً ... لَخُلِّدْتَ لَكِنُ ليسَ حَيٌّ بِخالِد)
وَمثله لمُحَمد بن يزِيد المهلبي
(لوْ خَلَّدَ اللهَ مخْلُوقا لِنَجْدَتِهِ ... لكانَ رَبَّكَ فِي الدُّنْيا مُخَلَّدَهُ)
стр. 746
- ١ الْغَرِيب المشرفية السيوف والعوالي الرماح والمنون الدَّهْر يذكر وَيُؤَنث وَقيل الْمنون الْمَوْت فَمن أَرَادَ بِهِ الدَّهْر ذكره وَمن أَرَادَ الْمنية أنثه الْمَعْنى يَقُول نَحن نعد السيوف والرماح أَي صوارم السيوف وعوالي الرماح لمنازلة الْأَعْدَاء ومدافعة الأقران وَالْمَوْت يخترم نفوسنا دون قتال أَو نزال لَا يمكننا حذارها وَلَا يتهيأ لنا دفاعها قَالَ ابْن وَكِيع عَجزه ينظر إِلَى قَول أَبى زرْعَة
(وَمَنْ لَا سِلاحَ لَهُ يُتَّقَى ... وَإنْ هًوَ قاتَلَ لَمْ يَغْلِبِ)
٢ - الْغَرِيب السوابق جمع سَابق وسابقة والمقربات من الْخَيل هِيَ الْكِرَام الَّتِي ترْبط لكرامتها على أَصْحَابهَا أَو لفرط الْحَاجة إِلَيْهَا والخبب عَدو لَا يستفرغ الْجهد الْمَعْنى يَقُول ونرتبط الْخُيُول الْكَرِيمَة الْعتاق وَمَعَ هَذَا لَا تنجينا وَلَا تعصمنا من طلب الدَّهْر لنا وخبب لياليه فِي آثارنا قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول عبد الله بن طَاهِر
(كأنَّنا فِي حُرُوبٍ مِنْ حَوَادِثِهِ ... فنَحنُ مِنْ بَينِ مَجْرُوحٍ ومطًعون)
٣ - الْإِعْرَاب من اسْتِفْهَام وروى وصال بالتنكير الْمَعْنى يُرِيد أَن النُّفُوس مجبولة على حب الدُّنْيَا مَعَ التيقن بِسُرْعَة زَوَالهَا والتحقق من امْتنَاع وصالها وَأَن سرورها يعقبه الْحزن وحياتها يعقبها الْمَوْت وَالْمعْنَى يُرِيد من ذَا الَّذِي لم يعشق الدُّنْيَا فِي قديم الدَّهْر فَكل أحد يهواها وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى وصالها أَي إِلَى دوَام وصالها وَكثير من عشاقها واصلها وواصلته وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى دوَام الْوِصَال وَمن روى إِلَى وصال وَهُوَ الْخَوَارِزْمِيّ أَرَادَ إِلَى مواصاة
стр. 747
- الْمَعْنى يَقُول نصيب الْإِنْسَان من وصال حَبِيبه فِي حَيَاته كنصيبه من وصال خياله فِي مَنَامه بِاتِّفَاق الْأَمريْنِ فِي سرعَة انقطاعهما واشتباههما فِي عجلة زوالهما فَإِن الْحَالين كِلَاهُمَا يعْدم فَمَا ظَنك بِحَق يشبه الْبَاطِل ويقظة يشاكلها النّوم فَجعل الْعُمر كالمنام وَالْمَوْت كالانتباه وَأحسن مَا قيل فِي هَذَا الْمَعْنى قَول التهامي
(فالعَيْشُ نَوْمٌ والمَنِيَّةُ يَقْظَةٌ ... والمَرْءُ بَيْنَهُما خَيالٌ سارِي)
وَقَالَ الطَّائِي
(ثُمَّ انْقَضَتْ تلكَ السِّنُونَ وأهْلُها ... فكأنَّها وكأنَّهُم أحْلامُ)
وَقد أَكثر الشُّعَرَاء فِي هَذَا الْمَعْنى فَمِنْهُ مَا كَانَ عمر بن الْخطاب يتَمَثَّل بِهِ
(نُسَرُّ بِما يَفْنَى وَنفْرَحُ بالمُنَى ... كَمَا سُرَّ باللَّذاتِ فِي النَّوْمِ حالِمُ)
وَقَالَ الآخر
(وَإذا وَدِدْتَ أَبَا كُبَيْشةَ لم يَكُن ... إلَاّ كَلَمْحَةِ حالِمٍ بِخَيالِ)
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة
(فَكَمْ بادَ مِنْ مَعْشَرٍ أصْبَحُوا ... كأنَّهُمْ حُلُمٌ أوْ خَيالُ)
وَقَالَ ابْن طَبَاطَبَا
(فَنِلْتُ يَقْظانَ مِنْ ضِيافَتِهِ ... مَا نِلْتُهُ نَائِما مِنَ الطَّيْفِ)
٥ - الْغَرِيب الارزاء جمع رزء وهى المصيبات والغشاء مَا يعْطى الشَّيْء ويشمله الْمَعْنى يَقُول كثرت مصائب الدَّهْر عِنْدِي لتواليها عَليّ وَقد أَصَابَت قلبِي فجائعها حَتَّى صَار كَأَنَّهُ فِي غشاء من سِهَام الدَّهْر وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر قَصده بفجائعه ورماه بمصائبه وَاعْتمد فُؤَاده بسهامه وَأثبت فِيهِ نصاله قَالَ الشريف هبة الله بن الشجري الْعلوِي فِي أَمَالِيهِ هَذَا الْبَيْت من أحسن مَا قيل وَهُوَ من نَوَادِر أَبى الطّيب وَحكمه
٦ - الْغَرِيب النصال جمع نصل وَهُوَ الحديدة الَّتِي فِي السهْم الْمَعْنى يَقُول قد صرت إِذا رماني الدَّهْر بخطب من خطوبه وَصرف من صروفه لم يصل قلبِي لِأَنَّهَا لم تَجِد موضعا للإصابة وكنآ بنصال السهْم عَن اشتداد الخطوب وَأَن بَعْضهَا يكسر بَعْضًا فِي فُؤَاده لتزاحمها فِيهِ وتكاثرها عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن المصائب توالت عَليّ فهانت عِنْدِي وَالْإِنْسَان إِذا كثر عَلَيْهِ الشَّيْء إعتاده وَقَالَ ابْن وَكِيع لَا يَصح معنى هَذَا الْبَيْت إِلَّا أَن يكون يرْمى من جَنْبَيْهِ فَيبلغ نصل الْجَانِب الْأَيْمن نصل الْجَانِب الْأَيْسَر وَأما أَن يكون الرَّمْي من نَاحيَة وَاحِدَة فَلَا يَصح ذَلِك وَلَو قَالَ كَمَا قَالَ عمر بن الْمُبَارك لصَحَّ
(لَمْ يَنْتَظِرَنْ فَتَسْتَبِيكَ قُلُوبُ ... حَتَّى رَمَيْنَ فَرَشْقُهُنَّ مُصِيبُ)
(نُجْلٌ يُتَبِّعْنَ السَّهامَ بِمِثْلِها ... فَلَهُنَّ مِن تحتِ النُّدوبِ نُدُبُ)
فَهَذَا كَلَام يَصح مثله لِأَن الندوب الْقَدِيمَة يتبعن ندوبا حَدِيثَة وَمثله لأخي ذِي الرمة
(وَلْم يُنْسِى أوْ فَي المَصَائِبِ بَعْدَهُ ... وَلكنَّ نَكْءَ القُرْحِ بالقُرْحِ أوْجَعُ)
стр. 748
- الْإِعْرَاب قَوْله هان أضمر الْفَاعِل لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِ وَالتَّقْدِير وَهَان رمي الدَّهْر لدلَالَة قَوْله رماني الدَّهْر الْمَعْنى يَقُول لَا أحفل بمصائب الدَّهْر لِأَنَّهُ لَا ينفع الحذر وَلَا المبالاة وَهَذَا من قَول خِدَاش بن زُهَيْر
(وَبَعْدَ عُيَيْنَةَ الخَيْرِ بْنِ حِصْنٍ ... وَقَدْ بالَيْتُ حَتَّى مَا أُبالي)
وَهُوَ من أَبْيَات الحماسة
(وَقد جعلَتْ نفسِي على البَينِ تَنْطَوِي ... وَعَيْنِي عَلى فَقْدِ الحْبِيبِ تَنامُ)
(وَفارَقْتُ حَتَّى مَا أُبالي مِنَ النَّوَى ... وَإنْ بانَ جِيرَانٌ عَلَّي كِرَامُ)
وكقول الخريمي
(صَبْرتُ فَكانَ الصَّبْرُ خَيرَ شَجِيَّةٍ ... وَهَلْ جَزْعٌ أجْدَى عَلَّى فأجْزَعُ)
٨ - الْإِعْرَاب نصب طرا على الْحَال وَيجوز على الْمصدر وَقيل لبَعض الفصحاء كَيفَ أَصبَحت فَقَالَ أَحْمد الله إِلَيْك وَإِلَى طرة خلقه وروى ابْن جنى ميتَة بِفَتْح الْمِيم أَرَادَ ميتَة فَخفف وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿الأَرْض الْميتَة﴾ وَقد شددها نَافِع وخففها الْبَاقُونَ وَقد شدد الْبَاب كُله نَافِع وَحَمْزَة وَعلي وَحَفْص إِلَّا أَن نَافِعًا انْفَرد بِثَلَاثَة مَوَاضِع قَوْله ﴿أومن كَانَ مَيتا فأحييناه﴾ فِي الْأَنْعَام ﴿وَالْأَرْض الْميتَة﴾ فِي يس وفى الحجرات ﴿يَأْكُل لحم أَخِيه مَيتا﴾ فَشدد الثَّلَاثَة
стр. 749
الْغَرِيب الناعون جمع ناع وَأَصله رفع الصَّوْت وإظهاره بالمصيبة يُقَال نعاه نعيا ونعيانا بِالضَّمِّ والنعي على فعيل الناعي الَّذِي يَأْتِي بِخَبَر الْمَوْت قَالَ الْأَصْمَعِي وَأَصله أَن الْعَرَب كَانَت إِذا مَاتَ مِنْهَا ميت لَهُ شرف ركب فَارس فرسا وَجعل يسير فِي النَّاس وَيَقُول نعاء فلَانا أَي انعه وَأظْهر خبر وَفَاته وهى مَبْنِيَّة على الْكسر مثل دراك بِمَعْنى أدْرك ونزال بِمَعْنى انْزِلْ وفى الحَدِيث يَا نعاء وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(نعاءِ جُذَاما غيرَ مَوْتٍ وَلا قَتْلِ ... وَلَكِنْ فِرَاقا للدعائمِ والأصْلِ)
الْمَعْنى يَقُول هَذَا الناعي أول من نعى امْرَأَة ميتَة فِي شرفها ومفقودة فِي مثل منزلهَا يُرِيد لم يمت قبلهَا أجل مِنْهَا قَالَ ابْن فورجة الرِّوَايَة الصَّحِيحَة ميتَة بِكَسْر الْمِيم لِأَن الْميتَة بِفَتْح الْمِيم كثر اسْتِعْمَالهَا فِي الجيفة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وَلَا يُخَاطب أَبُو الطّيب سيف الدولة بِمثل هَذَا فِي أمه وَإِنَّمَا يُرِيد الْحَالة الَّتِي مَاتَت عَلَيْهَا وَقَالَ الواحدي لَا وَجه لما قَالَ لِأَن أَبَا الطّيب أَرَادَ أول الْأَمْوَات وَلم يرد أول الْأَحْوَال
٩ - الْغَرِيب خطر الشَّيْء ببالي يخْطر بِالضَّمِّ وخطر الرجل يخْطر بِالْكَسْرِ وَمَا أحسن قَول الحريري
(فَكَمْ أَخْطِرُ فِي بالِ ... وَلا أخْطُرُ فِي بالِ)
والبال الذِّهْن وَقيل الْقلب الْمَعْنى يَقُول لقد عظمت مصيبتها وَإِنَّهَا أنست المصائب وَبعثت من الْحزن مَا أفقد جميل الصَّبْر وَأوجب شَدِيد الْجزع حَتَّى كَأَن الْمَوْت قبلهَا لم يفجع بِنَفس وَلَا خطر ببال قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول البحتري
(وَلْم أرَ مِثلَ المَوْتِ حَقَّا كأنَّهُ ... إذَا مَا تَخطتْهُ الأمانِيُّ باطِلُ)
وَمن قَول مُحَمَّد بن وهيب
(نُرَاعُ لذِكْرِ المَوْتِ ساعَةَ ذِكْرِهِ ... وَنَعْتَرِضُ الدُّنْيا فَنَلْهُو وَنلْعَبُ)
(يَقِينٌ كَأنَّ الشِّكَّ أغْلَبُ أمْرِهِ ... عَليْهِ وَعِرْفانٌ إِلَى الجّهْلِ يُنْسَبُ)
وَالْمعْنَى بَينهمَا بعيد وَأما بَيت مُحَمَّد بن وهيب الأول فَهُوَ من قَول زين العابدين على ابْن الْحُسَيْن
(نُراعُ إذَا الجَنائِزُ وَاجَهَتْنا ... وَنَلْهُو حِينَ تَغْدُو رَائحاتِ)
(كَرَوْعَةِ ثَلَّةٍ لُمغارِ ذِئْبٍ ... فَلْمَّا غابَ عادَتْ رَاتِعاتِ)
стр. 750
- الْغَرِيب الحنوط طيب يسْتَعْمل فِي غسل الْمَيِّت وَالصَّلَاة الترحم وَالدُّعَاء الْمَعْنى يَقُول رَحْمَة الله ومغفرته ورضوانه على الْوَجْه الْجَمِيل وَجعل الْجمال كفنا لوجهها فَكَأَنَّهُ يَقُول رحم الله وَجههَا الْجَمِيل وَقَالَ ابْن الإفليلي رَحْمَة الله ورضوانه حنوط هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي غيبها الْجمال كَمَا غيبها الْكَفَن وسترها كَمَا سترهَا الْقَبْر فَكَانَت مستورة عَن أعين النَّاس وَقَالَ ابْن وَكِيع وَصفه أم الْملك بِالْوَجْهِ الْجَمِيل غير مُخْتَار وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول النميري
(تَحِياتٌ وَمَغُفِرَةٌ وَرَوْحٌ ... عَلى تِلْكَ المَحِلَّةِ والحْلُولِ)
١١ - الْغَرِيب اللَّحْد مَا كَانَ فِي جنب الْقَبْر والشق فِي وَسطه وَمِنْه قَوْله
اللَّحْد لنا والشق لغيرنا يُقَال اللَّحْد واللحد بِضَم اللَّام وَفتحهَا ولحدت الْقَبْر لحدا وألحدت لَهُ فَهُوَ ملحد وَأَصله الْعُدُول عَن الشَّيْء ولحد وألحد فِي دين الله حاد عَنهُ وَقَرَأَ حَمْزَة فِي الْأَعْرَاف والنحل والسجدة ﴿يلحدون﴾ بِفَتْح الْيَاء من لحد وَوَافَقَهُ عَليّ فِي النَّحْل وَقَرَأَ الْبَاقُونَ ﴿يلحدون﴾ من ألحد والصون السّتْر والخلال الْخِصَال وأحدها خلة وَالْمعْنَى يَقُول صَلَاة الله على المدفون قبل مَوته بالصون وَقبل أَن يدْفن فِي التُّرَاب بالعفة والستر وَكَانَ مَدْفُونا فِي كرم خصاله الجميلة وَالْمعْنَى أَنَّهَا كَانَت مستورة قبل أَن يَسْتُرهَا التُّرَاب وَكَانَ كرم خصالها يمْنَعهَا مِمَّا يقبح ذكره قبل أَن تحمل إِلَى اللَّحْد فَكَانَت دفينة فِي ستر الصيانة قبل ستر التُّرَاب
١٢ - الْإِعْرَاب ذَكرْنَاهُ مَرْفُوع بجديد رفع السَّبَب وَوضع الضَّمِير الْمُتَّصِل مَوضِع الضَّمِير الْمُنْفَصِل جَائِز فِي الِاخْتِيَار وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿أنلز مكموها﴾ وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(فقدْ جَعَلَتْ نَفْسِي تَطيبُ لضَغْمَةٍ ... لضَغْمِهِماها يَقْرَعُ العَظْمَ نابها)
الْمَعْنى يَقُول إِن شخصها فِي الأَرْض بَال وَذكرنَا إِيَّاه جَدِيد غير بَال وَالْمعْنَى أَنه يبْلى فِي الْقَبْر وَذكره جَدِيد بَاقٍ على الْأَيَّام وَمثله للمغريمى
(وَإنْ تَكُ للْبِلَى أمْسَيْتَ رَهْنا ... فَقَدْ أبْقَيْتَ مْجداً غَيرَ بالى)
стр. 751
- الْمَعْنى يَقُول إِنَّك قد مت فِي الْعِزّ والعفاف فموتك يتمناه من بَقِي من النِّسَاء وَمن مضى مِنْهُنَّ فَهَذَا الَّذِي يسلينا عَنْك لِأَنَّك حزت خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة
١٥ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّك مت وَلم ترى يَوْمًا تكرهينه فِي حياتك وعوفيت من خطوب الدَّهْر فَلم تلقى مَا ينغص عيشك حَتَّى تفرح الرّوح بِفِرَاق الْبدن فِي مثل تِلْكَ الْكَرَاهَة وَقد نقل من قَول مَحْمُود بن الْحسن
(وَهَوَّنَ مِنْ وَجْدِي وَلَيْسَ بِهَيَّنٍ ... سَلامَتُها بالمَوْتِ مِن جَرْعَةِ الشُّكُل)
١٦ - الْغَرِيب المسبطر الممتد وَيجمع رواق على أروقة الْمَعْنى يَقُول مت ورواق الْعِزّ ممتد عَلَيْك وعَلى ابْنك كَامِل الْملك وَالْمعْنَى أَنَّك لما مت كنت فِي عز مَمْدُود وسلطان كَامِل قَالَ الصاحب ذكره الاسبطرار فِي مرثية النِّسَاء من الخذلان الْبَين قَالَ ابْن فورجة وَلَا خذلان فِيمَا صَحَّ وَاسْتعْمل كثيرا وَمثله قَول عَمْرو بن معدي كرب
(جَدَاوِلُ زَرْعٍ خُلِّيَتْ وَاسْبَطَرَّتْ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي سَمِعت أَبَا بكر الشعراني خَادِم المتنبي يَقُول قدم علينا المتنبي وقرأنا عَلَيْهِ شعره فَأنْكر هَذِه اللَّفْظَة وَقَالَ مستظل قَالَ الْعَرُوضِي وَإِنَّمَا غَيره الصاحب وعابه عَلَيْهِ
١٧ - الْغَرِيب مثواك يُرِيد حفرتك والغوادي جمع غادية وَهِي السحابة تنشأ صباحا والغادي السَّحَاب يَغْدُو بمطره والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يَدْعُو لَهَا بسقيا تشبه عطاءها من سَحَاب يشبه نوالها وَالْمعْنَى أَن عطاءها كثير فَهُوَ غَايَة مَا يبلغهُ المتمني
١٨ - الْغَرِيب الساحي القاشر وَمِنْه سميت المسحاة والحفش شدَّة الوقع وحفشت السَّمَاء حفشا إِذا جَاءَت بالمطر وحفشت الأودية سَالَتْ والأجداث الْقُبُور
стр. 752
وأحدها جدث والمخالي جمع مخلاة وَهُوَ وعَاء يَجْعَل فِيهِ التِّبْن وَالشعِير للدابة الْمَعْنى يَدْعُو لقبرها بالسقيا ويصف السَّحَاب بِشدَّة الْمَطَر وَقع على الأَرْض كوقع أَيدي الْخَيل إِذا أَبْصرت العليق فِي المخالي فَإِنَّهَا تحفر بقوائمها لشدَّة مَا تدق الأَرْض حرصا على الْأكل قَالَ أَبُو الْفَتْح الْغَرَض من الد للقبور بالغيث الإنبات وَمَا يَدْعُو النَّاس إِلَى الْحُلُول وَالْإِقَامَة وَهَذَا مَذْهَب الْعَرَب أَلا ترى إِلَى قَول النَّابِغَة
(وَلا زَالَ قَبرٌ بَينَ بُصْرَى وَجاسمٍ ... عَلَيْه مِنَ الوَسْمِيّ سَحّ وَوَابِلُ)
(فَيُنْبِتُ حَوْذانا وَعَوْفا مُنَوِّراً ... سأُتْبِعُهُ مِنْ خَير مَا قالَ قائِلُ)
وَكلما اشْتَدَّ الْمَطَر كَانَ أجم لنباته وأمرع وَقد عَابَ عَلَيْهِ قوم قَوْله كأيدي الْخَيل أَبْصرت المخالي وَقَالُوا هُوَ من الْكَلَام الْبَارِد ودعاؤه بالسقيا قد أكثرت الشُّعَرَاء فِيهِ قَالَ ابْن المعتز
(يَا غَيْثُ سَقِّ مُحَمَداً ... جُوداً عًلًيْهِ كمَا فَعَل)
وَقَالَ الحصني
(سَقَى جَدَثا بعَرْصَةِسُرّ مَرّا ... سَحابٌ ماؤُهُ سَحَ سَكوبُ)
(رَضِينا أنْ يَصُوبَ لَهُ سُحَابٌ ... كَمَا كانَتْ أنامِلُهُ تَصُوبُ)
وَقَالَ الآخر
(سَقَى جَدَثا ثَوَيْتَ بِهِ مُلِثّ ... كَبَعْضِ نَدَاك مُنْسَرَحٌ هَطولُ)
١٩ - الْإِعْرَاب الْوَجْه أَن يَقُول خَالِيا بنصبه على الْحَال كَمَا تَقول عهدي بك شجاعا وشربي السويق ملتوتا وَلكنه أسْكنهُ على قَول من قَالَ رَأَيْت قَاضِي الْمَعْنى يَقُول لم أر مجدا خَالِيا مِنْك أَيَّام حياتك فَأَنا بعد موتك أسائل عَنْك كل مجد وَجعل الْمجد كَأَنَّهُ ربعهَا يسْأَله عَنْهَا يَقُول أَنا أطلب أخبارك من كل مجد لِأَنَّك كنت مُلَازمَة لَهُ وَقَالَ قوم فِي إِعْرَاب قَوْله خَال هُوَ نعت لمجد فَيكون الْمَعْنى لَيْسَ عهد بمجد خَال مِنْك وعَلى هَذَا لَيْسَ فِيهِ ضَرُورَة
٢٠ - الْغَرِيب الْعَافِي السَّائِل والبكا يمد وَيقصر الْمَعْنى يَقُول إِذا مر السَّائِل بِقَبْر هَذِه الْميتَة يذكر مَا كَانَ يَشْمَلهُ مِنْهَا أذهله الْبكاء والحزن عَن الطّلب وشغله الْبكاء عَن السُّؤَال وَقد نَقله من قَول البحتري
(فلمْ يَدْرِ رَسْمُ الدَّار كَيْفَ يُحيبُنا ... وَلا نحنُ مِن فَرْطِ البُكا كيفَ نَسألُ)
стр. 753
- الْغَرِيب الجدوى الْعَطاء والإفضال الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا أَن الْمَوْت حَال بَينهَا وَبَين الْعَطاء لكَانَتْ تُعْطِي السَّائِل قبل السُّؤَال كعادتها فِي الْحَيَاة يُرِيد وَمَا أعلمك وأعرفك بالإفضال عَلَيْهِ
٢٢ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يقسم عَلَيْهَا بحياتها وَيَقُول هَل سلوت عَن النوال وحبه فَإِن قلبِي وَإِن بَعدت عَن أَرْضك غير سَالَ عَن نوالك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَجَمَاعَة هَذَا مِمَّا وَضعه فِي غير مَوْضِعه وَلَا يجوز أَن يرثى بِمثل هَذَا وَالْمعْنَى هَل سلوت عَن الْحَيَاة فَإِنِّي غير سَالَ عَن الْحزن عَلَيْك أذكرك وَإِن كنت بعيد عَن أَرْضك وأندبك وَإِن كنت منزحا عَن موضعك
٢٣ - الْغَرِيب النعامي الْجنُوب وَهِي الرّيح الْقبلية وَالشمَال الرّيح الَّتِي تهب من نَاحيَة القطب الْمَعْنى يَقُول نزلت على كراهتنا بنزولك فِي مَكَان لَا يصيبك فِيهِ طيب الرِّيَاح بَعدت فِيهِ أَو بِهِ فَحذف للْعلم بِهِ كَقَوْلِه تعلى ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس﴾ أَي فِيهِ
٢٤ - الْغَرِيب الخزامي نبت طيب الرّيح والطلال جمع طل وَهُوَ الْمَطَر الصغار والأنداء جمع ندى الْمَعْنى يَقُول قد حجب عَنْك طيب الرّيح والرائحة وندى الأمطار لِأَن المقبور لَا يصل الَّذِي ذكر إِلَيْهِ فَذكر أَن الرِّيَاح مَعَ شدَّة هبوبها قصرت أَن تدركك مَعَ سرعَة مسيرها فَدلَّ على أَنَّهَا فِي بطن الأَرْض وَأَشَارَ بِأَحْسَن إِشَارَة إِلَى اللَّحْد ثمَّ أكد ذَلِك بِأَن قَالَ تحجب عَنْك ريح الرياض العبقة وَيمْنَع مِنْك أنداء طلالها الْمُوَافقَة وَأَشَارَ بالخزامي والأنداء إِلَى الرياض
٢٥ - الْغَرِيب المنبت الْمُنْقَطع الْمَعْنى يَقُول كل سَاكن بِهَذِهِ الدَّار وَهِي الْمقْبرَة غَرِيب بعيد عَن أَهله وعشيرته وَطَالَ هجرهم إِيَّاه وَانْقطع وصاله عَنْهُم وَهُوَ من قَول أبي عَطاء
(فإنَّكَ لْم تَبْعَدْ عَلى مُتَعَهِّدٍ ... بَلى كُلُّ من تحتَ التُّرابِ بَعيدُ)
وَمثله لإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي
(تَبَدَّلَ دَاراٌ غَيرَ دَارِي وَجِيرَةً ... سِوَايَ وأحْداثُ الزَّمانِ تَنُوبُ)
(أقامَ بِها مُسْتَوْطِنا غَيرَ أنَّهُ ... عَلى طُولِ أيَّامِ المُقامِ غَرِيبُ)
٢٦ - الْأَعْرَاب حصان خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف الْغَرِيب الحصان العفيفة المالكة لنَفسهَا الْمَعْنى يَقُول هِيَ امْرَأَة عفيفة مثل مَاء المزن فِي النَّقَاء وَالطَّهَارَة كاتمة السِّرّ صَادِقَة فِي القَوْل
٢٧ - الْغَرِيب النطاسي الحاذق فِي الْأُمُور والشكايا وأحدها شكوى الْمَعْنى يُرِيد بواحدها ابْنهَا الَّذِي هُوَ وَاحِد النَّاس وفردهم يمرضها ويزيل علتها طَبِيب الامراض يَعْنِي فِي مَرضهَا وَابْنهَا طَبِيب الْمَعَالِي يُرِيد انه الْعَالم بأدواء الْمَعَالِي فيزيلها عَنْهَا حَتَّى تصح معاليه فَلَا يكون فِيهَا نقص وَالْمعْنَى يُرِيد أَن هَذِه لشرفها فِي قَومهَا قد ولدت طَبِيب الْمَعَالِي وَوَاحِد الْفَضَائِل
٢٨ - الْغَرِيب الثغر ثغر الْعَدو وَهُوَ الْموضع الَّذِي بِقرب الْعَدو والأسل الرماح الْمَعْنى يَقُول إِذا ذكرُوا لَهُ عِلّة بثغر شفت من دائها أسنته وَأمنت مخافتها سيوفه وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِقَدرِهِ وَلَا يعتصم مِنْهُ بِمَنْعه وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الاخيلية
(إذَا هَبَطَ الحْجَّاج أرْضّا مَرِيضَةً ... تَتَبَّعَ أقْصَى دائها فَشَفاها)
(شَفاها مِنَ الدَّاءِ العُضَالِ الَّذي بهَا ... عُلامٌ إذَا هَزَّ القَناةَ شَقاها)
وَقَالَ أَبُو تَمام
(وَقَدْ نُكِسَ الثَّغْرُ فابْعَثْ لَهُ ... صُدورً القَنا فِي ابْتِغاءِ الدَّوَاءِ)
٢٩ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّهَا كَانَت مستورة قبل ستر الْقَبْر وَلَيْسَت من اللواتي يعد لَهَا الْقَبْر سترا فَإِنَّهَا كَانَت محجوبة والحجال هُوَ مَا يستر النِّسَاء وَهُوَ الخدر وَهُوَ جمع حجلة وَهُوَ بَيت صَغِير فِي جَوف الْبَيْت
стр. 754
- الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْمَرْأَة لَيست من السوقة تتبع جنازتها باعة وتجار يَنْفضونَ نعَالهمْ من التُّرَاب إِذا رجعُوا وَإِنَّمَا كَانَت ملكة جليلة الْقدر والجنازة بِالْفَتْح وَالْكَسْر وَاحِد وَقيل بِالْفَتْح النعش إِذا كَانَ الْمَيِّت فِيهِ وبالكسر النعش
٣١ - الْغَرِيب قَوْله حوليها يَعْنِي حولهَا تَقول حولك وحوليك وحواليك وحوالك بِمَعْنى وَاحِد والمرو حِجَارَة بيض براقة يكون فِيهَا النَّار والزف صغَار الريش والرئال جمع رأل وَهُوَ ولد النعام الْمَعْنى يَقُول لشرفها وَشرف وَلَدهَا مَشى الْأُمَرَاء حول جنازتها حُفَاة يطئون الْحِجَارَة فَكَأَنَّهَا عِنْدهم لشدَّة الْحزن ريش النعام فَلم يحسوا بخشونة الأَرْض تَحت أَقْدَامهم لما فِي نُفُوسهم من الْحزن قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول ابْن الرُّومِي
(لَوْ أفْرَشُوها الجَنْدَلَ المُضَرَّسا ... تحْتَ الجُنُوب حسِبْتَهُ السُّنْدُسا)
٣٢ - النقس المداد وَهُوَ السوَاد والغوالي جمع غَالِيَة وَهُوَ نوع من الطّيب وأصل النقس المداد قَالَ بعض الْعَرَب فِي وصف كَاتب
(قِرْطاسُهُ مِنَ البَياضِ شَمْسُ ... وَنِقْسُهُ لَيْلٌ عَلَيْهِ يَرْسو)
الْمَعْنى يَقُول جواري هَذِه المفقودة خرجن من الْخُدُور وَكن مخبآت لَا تراهن الشَّمْس فأبرزت لأجل مَوتهَا وجعلن السوَاد على وجوههن مَكَان الطّيب وَهُوَ مَنْقُول من قَول ابْن المعتز
(قَدْ كانَتِ الأبْكارُ بِيضاً فاغْتَدَتُ ... سُوداً لِفَقْدِكَ أوْجُهُ الأبْكارِ)
(وَهَتَكْنَ أسْتارَ الحْيَاءِ وَطالَمَا ... سُترَتْ مَحَاسِنُهُنَّ بالأسْتار)
(وَظَهَرْنَ لِلأَبْصَارِ بَعْدَ تَسَتُّرِ ... بالحُجْبِ دُونَ لَوَاحِظِ الأبْصَارِ)
وَقد أحسن الْقَائِل الْمَعْنى
(قدْ كُنَّ يَخْبَأْنَ الوُجُوهُ تَسَتُّراً ... فلَان حِينَ بَدَوْنَ لنُّظَّارِ)
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول أتهن الْمُصِيبَة على غَفلَة فبيناهن يبْكين دلالا بكين حزنا
стр. 755
فاختلط الدمعان فهن يبدين الدَّلال مَعَ الْحزن والذلة مَعَ الْحسن وَهَذَا من أبدع الْمعَانِي وَلَو لم يكن لَهُ فِي ديوانه إِلَّا هَذَا لكفاه
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول لَو أَن نسَاء الْعَالم كهذه المفقودة فِي الْكَمَال والعفاف لفضلن على الرِّجَال قَالَ ابْن وَكِيع ينظر إِلَى قَول عَليّ بن الجهم
(إذَا مَا عُدَّ مِثْلُكُمُ رِجالاً ... فَمَا فَضْلُ الرِّجال عَلى النِّساءِ)
٣٥ - الْإِعْرَاب من روى عيب وفخر بِالرَّفْع جعل مَا تميمية وَمن نصبهما جعلهَا حجازية وَهِي بِمَعْنى لَيْسَ وَجَاء الْقُرْآن بالحجازية فِي قَوْله ﴿مَا هَذَا بشرا﴾ وَفِي قَوْله ﴿مَا هن أمهاتهم﴾ فِي قِرَاءَة الْجَمَاعَة وَقَرَأَ الْأَعْمَش عَن عَاصِم بِالرَّفْع الْمَعْنى يَقُول رب تَأْنِيث يقصر التَّذْكِير عَنهُ وَلَا يبلغ مبلغه وَلَا ينَال مَوْضِعه ثمَّ بَين ذَلِك بِأَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَالْفضل لَهَا وَالْقَمَر مُذَكّر وَلَيْسَ يعدل بهَا احْتج لتفضيل الْمَرْأَة على الرجل بِحجَّة لم يسْبق إِلَيْهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ أَن الشَّمْس مُؤَنّثَة وَهِي النُّور الَّذِي يزْعم بعض النَّاس أَنَّهَا تنير فِي السَّمَاء كَمَا تنير فِي الأَرْض وَوصف الْهلَال بالتذكير وَهُوَ كثير التنقل ويصيبه المحاق فَجعل ذَلِك كالنقص فِيهِ وَمثله للْآخر
(والشَّمْسُ لَيْسَ بضَائِرٍ تَأْنِيثُها ... وَتَزيدُ بالنُّور المُنِير عَلى القَمَرْ)
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول أعظم المفقودين فجعة وأجلهم مُصِيبَة من فقد مِثَاله قبل فَقده وَعدم نَظِيره قبل مَوته والمفقودة كَذَلِك لِأَنَّهَا لم يماثلها أحد فِي فضائلها مُدَّة حَيَاتهَا فعظمت الفجعة بهَا عِنْد مماتها فَإِن من وجد لَهُ نَظِير يتسلى عَنهُ
٣٧ - الْغَرِيب يُرِيد الْأَوَائِل وَلكنه قلب وَهُوَ كثير فِي أشعارهم أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(تَكادُ أوَالِيها تَفَرَّى جُلُودُها ... وَيَكْتَحِلُ التَّالي بَمُورٍ وَحاصِبِ)
الْمَعْنى ندفن الْأَمْوَات ونمشي على رُؤْسهمْ بعد مَوْتهمْ وَالْمعْنَى أَن الْإِنْسَان مطبوع على المساوة مجبول على الْأَعْرَاض عَن الرزية والحي يدْفن الْمَيِّت وَالْآخر يطَأ قبر الأول فَلَا يَنْفَكّ من فقد وَدفن وَلَا يعْتَبر بِمن يدْفن بل يمشي على قُبُورهم وَهُوَ من قَول قس بن سَاعِدَة
стр. 756
(وَيخْلُفُ قَوْمٌ خِلافا لِقَوْمٍ ... وَيَنْطِقُ لِلأَوَّل الأوَّلُ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول النَّابِغَة
(حَسْبُ الخَلِيلَينِ أنَّ الأرْضَ بينهُما ... هَذَا عَلَيها وَهَذَا تَحٍ تَها بالي)
٣٨ - الْغَرِيب الجنادل جمع جندلة وَهِي الْحِجَارَة والرمال جمع رمل الْمَعْنى يَقُول كم عين كَانَت لعزتها وشرفها تقبل نَوَاحِيهَا فَصَارَت تَحت الأَرْض مكحولة بِالْحِجَارَةِ والرمل
٣٩ - الْغَرِيب المغضى الصابر عَن قدرَة والخطب الْأَمر الْعَظِيم وأصل الإغضاء إطباق الجفون بَعْضهَا على بعض الْمَعْنى يَقُول كم من إِنْسَان قد أغضى للْمَوْت وَكَانَ لَا يغضي للخطوب الشَّدِيدَة وَكم من بَال لَو رأى فِي جِسْمه هزالًا كَانَ يشْتَغل بِهِ ويفكر فِي أمره وَالْمعْنَى كم من إِنْسَان كَانَ يحذر الضير ويتوقعه نزل بِهِ الْمَوْت وأبلاه قبل مَا كَانَ يحذرهُ وَهُوَ ينظر إِلَى قَول البحتري يرثي غُلَاما لَهُ
(وأصْفَحُ لِلْبِلَى عَنْ ضَوْءِ وَجْهٍ ... غَنِيتُ يَرُوعُنِي فِيهِ الشُّحُوبُ)
٤٠ - الْغَرِيب استنجد من النجدة وَهِي الْإِعَانَة أَي اسْتَعِنْ الْمَعْنى يَقُول يَا سيف الدولة اسْتَعِنْ بِالصبرِ فَأَنت أَهله وَأثبت من الْجبَال فَلَا يُوجد مثلك فِي رزانتك وركانتك للجبال
٤١ - الْغَرِيب السجال الْحَرْب الَّتِي يتداول فِيهَا الْغَلَبَة وَذَلِكَ أدعى إِلَى شدتها وَهِي أَن تكون مرّة على هَؤُلَاءِ وَمرَّة على هَؤُلَاءِ وَمِنْه قَول أبي سُفْيَان لهرقل حِين سَأَلَهُ عَن رَسُول الله ﷺ كَيفَ انتم فِي حربه فَقَالَ الْحَرْب بَيْننَا سِجَال الْمَعْنى يَقُول أَنْت أهل العزاء لِأَن العزاء مِنْك يتَعَلَّم والجدير بِالصبرِ لِأَن الصَّبْر إِلَيْك ينْسب وَبِك يَقْتَدِي فِي الْإِقْدَام على الْمَوْت والنفاذ فِي غَمَرَات الْمَوْت والاستقلال بشدائدها وَمثله لديك الْجِنّ
(نَحْنُ نُعَزّيكَ وَمِنْكَ الهُدَى ... مُسْتَخْرَجٌ والنُّورُ مُسْتَقْبَلُ)
стр. 757
- يَقُول تتلون حالات الزَّمَان عَلَيْك فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء والشدة والرخاء وحالك وَاحِدَة لَا تخْتَلف فِي كرم نَفسك ونفاذ عزمك وَمَا يتكفل الله بِهِ من جميل الْعَاقِبَة لَك وَفِيه نظر إِلَى قَول الآخر
(لَا أُمْسِكُ المَالَ إلَاّ رَيْثَ أُتْلِفُهُ ... وَلا يُغَيّرِني حالٌ إِلَى حَال)
٤٣ - الْغَرِيب غيضت نقصت وَمِنْه وغيض المَاء تَقول غاض المَاء وغضته والجموم الْكثير تَقول بِئْر جموم إِذا كَانَ كثير المَاء وَفرس جموم كثير الجري والعلل هُوَ الشّرْب الثَّانِي بعد النهل والدخال أَن يدْخل بعير قد شرب بَين بَعِيرَيْنِ لم يشربا لِيَزْدَادَ شربا والغرائب جمع غَرِيبَة وَهِي الَّتِي ترد على الْحَوْض وَلَيْسَت لأهل الْحَوْض الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا وَهُوَ دُعَاء لَهُ بدوام عطائه يُرِيد لَا أعدم الله العفاة جزيل عطائك وتتابع إحسانك لِأَنَّك بَحر يتدفق مَعَ كَثْرَة الواردين لَهُ وَيزِيد مَعَ ترادف الشارعين فِيهِ وينال مِنْهُ الْغَرِيب القاصد كَمَا ينَال الْقَرِيب القاطن قَالَ الواحدي روى الْأُسْتَاذ أَبُو بكر الفرائت والدجال وَقَالَ هُوَ جمع فرات يُرِيد أَنهَار الْفُرَات المتشعبة مِنْهُ والدجال جمع دجلة وَيُرِيد بعللها مَا يُصِيبهَا من النُّقْصَان وَهَذَا تَصْحِيف وَالصَّحِيح الرِّوَايَة الأولى
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول بَيَان فضلك على الْمُلُوك كبيان فضل الاسْتقَامَة على الْمحَال وَالْمعْنَى أَنْت تفضلهم كفضل الْمُسْتَقيم على المعوج
٤٥ - الْمَعْنى يَقُول إِن فضلت النَّاس وَأَنت من جُمْلَتهمْ فقد يفضل بعض الشَّيْء الْكل جملَة كالمسك وَهُوَ بعض دم الغزال يفضله فضلا كثيرا وَالْمعْنَى إِن فاق الْأَنَام وَهُوَ مُهِمّ وفضلهم مَعَ مشاركته فِي الْجِنْس لَهُم فآلك من دم الغزلان فِي أَصله وَسَائِر دم الْحَيَوَان يقصر عَنهُ وَرب وَاحِد قد بذ أمة وَبَعض قد فَاتَ جملَة قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْحسن مُحَمَّد بن أَحْمد الشَّاعِر كَانَ سيف الدولة يسر بِمن يحفظ شعر أبي الطّيب فَأَنْشَدته يَوْمًا
(رأيْتُكَ فِي الذَِّينَ أرَى مُلُوكا ... )
فَقلت وَكَانَ أَبُو الطّيب حَاضرا هَذَا الْبَيْت وَالَّذِي يتلوه لم يسْبق إِلَيْهِ فَقَالَ سيف الدولة كَذَا حَدثنِي الثِّقَة أَن أَبَا الْفضل مُحَمَّد بن الْحُسَيْن قَالَ كَمَا قلت فأعجب المتنبي واهتز فَأَرَدْت أَن أحركه فَقلت إِلَّا أَن فِيهِ عَيْبا فِي الصَّنْعَة فَالْتَفت المتنبي الْتِفَات حنق وَقَالَ مَا هُوَ قلت قَوْلك مُسْتَقِيم فِي محَال والمحال لَيْسَ من ضد الاسْتقَامَة بل ضدها الاعوجاج فَقَالَ الْأَمِير هَب القصيدة جيمية فَكيف تعْمل فِي تَغْيِير قافية الْبَيْت الثَّانِي فَقلت عجلا كرد الطّرف
(فإنَّ البَيْضَ بَعْضُ دَمِ الدَّجاجِ ... )
فَضَحِك ثمَّ ضرب بِيَدِهِ الأَرْض وَقَالَ حسن مَعَ هَذِه السرعة إِلَّا أَنه يصلح أَن يُبَاع فِي سوق الطير لَا مِمَّا يمدح بِهِ أمثالنا يَا أَبَا الْحسن
стр. 758
- ١ الْإِعْرَاب إِلَى من حُرُوف الْجَرّ دخلت على مَا الاستفهامية فبينت بِنَاء كلمة وَاحِدَة وَسَقَطت الْألف من مَا اسْتِخْفَافًا واعتداد بإلى الموصولة بهَا وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فِي بِمَ وفيم وَعم وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِك بِمَا الخبرية وَمن الْعَرَب من يقف على مثل هَذَا بِالْهَاءِ فَيَقُولُونَ إلامه وَعَمه وفيمه ولمه وَقد قَرَأَ البزي عَن ابْن كثير فِي هَذَا كُله بِالْهَاءِ فِي الوفق وَإِنَّمَا دعاهم إِلَى حذف الْألف من هَذَا كَثْرَة الِاسْتِعْمَال الْغَرِيب طماعية مصدر بِمَعْنى الطمع كالكراهية وَالْعَلَانِيَة الْمَعْنى يَقُول إِلَى مَتى يطْمع العاذل فِي استماعي كَلَامه وَالْحب يَقع اضطرارا لَا اخْتِيَارا والعاقل لَا يَقع فِي شرك الْحبّ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا معنى للوم فِيهِ لِأَن الْمُحب مغلوب على أمره فَلَا فَائِدَة فِي لومه وَقد نَقله من قَول السَّلمَانِي
(وَما مِنْ فَتَى فِي النَّاسِ يُحْمَدُ عقله ... فَيُوجَدُ إلَاّ وَهْوَ فِي الحَبِّ أحمَقُ)
وَهَذَا الْبَيْت ظَاهره أَن معنى عَجزه غير مُتَعَلق بِمَعْنى صَدره وَأَيْنَ قَوْله فِي ظَاهره وَلَا رَأْي فِي الْحبّ من قَوْله إلام طماعية وَفِي تعلقه بِهِ وُجُوه أَحدهَا يُرِيد إلام يطْمع عذلي فِي إصغائي إِلَى قَوْله والعاقل إِذا أحب لم يبْق لَهُ مَعَ الْحبّ رَأْي يصغى بِهِ إِلَى قَول نَاصح فعذله غير مجد نفعا وَالثَّانِي أَن الْعَاقِل لَا يرتثي فِي الْحبّ فَيَقَع اخْتِيَارا وَإِنَّمَا يَقع فِيهِ اضطرارا فَلَا معنى لعذله وَالثَّالِث أَن الْعَاقِل لَيْسَ من رَأْيه أَن يورط نَفسه فِي الْحبّ وَإِنَّمَا ذَلِك فِي فعل الْجَاهِل وعذل الْجَاهِل أضيع من سراج فِي الشَّمْس وَكَيف يطْمع فِي نزوعه
стр. 759
- الْغَرِيب الطباع والطبيعة بِمَعْنى وَاحِد وَهِي الخليقة الْمَعْنى يَقُول العاذل يُرِيد من قلبِي أَن يسلاكم وَقد جرى حبكم فِيهِ مجْرى الطبيعة وَحل فِيهِ مَحل الخليقة والطبيعة لَا تنقاد لناقلها وَلَا تتأتى لمخالفها وَهَذَا كَقَوْل الْعَبَّاس ابْن الْأَحْنَف
(لَا تحْسَبِيني عَنْكُمُ مُقَصِّراً ... إنّي عَلى حُبِّكِ مَطْبُوعُ)
وَأَصله من قَول حَاتِم
(وَلا مَا تَرَوْنَ اليَوْمَ إلَاّ طَبائِعا ... فكيفَ بَتر كي يَا ابنَ أُمَّ الطَّبائِعا)
قَالَ ابْن القطاع قد أفسد هَذَا الْبَيْت سَائِر الروَاة فَرَوَوْه وتأبى بِالتَّاءِ وَهُوَ غلط لَا يجوز قَالَ قَالَ لي شَيْخي أَخْبرنِي أَبُو عَليّ بن رشدين قَالَ لما قَرَأت هَذَا الْبَيْت قرأته بِالتَّاءِ فَقَالَ لم أقل هَكَذَا إِلَّا أَن الطَّبْع والطباع والطبيعة وَاحِد والطبع مصدر لَا يثنى وَلَا يجمع والطبيعة مُؤَنّثَة وَجَمعهَا طبائع والطباع وَاحِد مُذَكّر وَجمعه طبع ككتاب وَكتب وَلَيْسَ الطباع جمعا لطبع وَهَذَا الْبَيْت من كَلَام الْحَكِيم قَالَ الْحَكِيم نقل الطباع من رَدِيء الأطماع شَدِيد الِامْتِنَاع
٣ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يعشق تحول جِسْمه يأنس باتصال سقمه ويعشق كل تاحل لمشابهته إِيَّاه فِي حَاله وَالْمعْنَى أعشق نحولي لِأَن عشقكم أدّى إِلَيْهِ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَفِيه معنى قَول أبي الشيص
(أجِدُ المَلامَةَ فِي هَوَاكِ لَذِيذَةً ... حُبَّا لذِكْرِكِ فَلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ)
وَهُوَ معنى قَول الآخر
(أُحِبُّ لِحُبِّها السُّودانَ حَتَّى ... أُحِبُّ لأجْلِها سُودَ الكِلابِ)
٤ - الْمَعْنى يَقُول أحبكم وَأحب حبكم حَتَّى لَو ذهب الْحبّ عني لبكيت على فراقكم فَلَو فارقتموني وَلم أبك على فراقكم سلوا عَنْكُم بَكَيْت على مَا فَاتَ وَزَالَ من حبي لكم استغباطا لذَلِك فِيكُم واستعذابا لما أَلْقَاهُ بكم وَقَوله وَلَو زلتم وتعقبيبه فِي آخر الْبَيْت بالزائل من أَبْوَاب البديع فِي الشّعْر يعرف بالضدين
стр. 760
- الْغَرِيب المسلك السابل الطَّرِيق الجادة الْمَعْنى يَقُول أينكر خدي مَا أسيل عَلَيْهِ من الدمع وَهُوَ يسكن من ذَلِك إِلَى حَال قد عرفهَا وَعَادَة قد ألفها وَيجْرِي مِنْهُ فِي طَرِيق مسلوك وسبيل معمور لَا يُنكر خدي دموعي
٦ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ دمعي بِأول دمع جرى على فقد الْأَحِبَّة وَلَيْسَ حزني بِأول حزن على مفارق بل هَذَا الَّذِي لَا أعرف غَيره وَلَا أود فَقده
٧ - الْمَعْنى يَقُول السلو حَظّ اللائم لَا حظي وَعِنْدِي من الشوق شغل شاغل يشغلني عَن اسْتِمَاع اللوم لِأَنِّي قد وهبت اللائم السلو الَّذِي يدعوني إِلَيْهِ والخلو الَّذِي يحضني عَلَيْهِ وَبت من الشوق فِيمَا يشغلني عَن لومه ومزهدني فِي عذله
٨ - الْغَرِيب الثاكل الْمَرْأَة الَّتِي تفقد وَلَدهَا يُقَال ثَكْلَى وثاكل وثكول الْمَعْنى يَقُول الجفون كَأَنَّهَا شقَّتْ على مقلتي شبه قلَّة التقاء جفونه على مقلته واشتغاله بِمَا يذريه من عبرته بِثِيَاب مشقوقة على ثاكل موجعة ووالهة مفجعة وَشبه مقلتيه فِي حزنهما بِتِلْكَ الثاكل فِي وجدهَا وتبعيد السهر لما بَين جفونها بتشقيق الثاكل الثِّيَاب حداد وَهَذَا مِمَّا شبه فِيهِ شَيْئَانِ بشيئين وَهُوَ من أرفع وُجُوه البديع وَقد أَخذه الْوَزير أَبُو مُحَمَّد المهلبي فَقَالَ
(تَصَارَمَتِ الأجْفانُ لَمَّا صَرَمْنَِي ... فَمَا تَلْتَقِي إلَاّ عَلى عَبرَةٍ تَجْرِي)
٩ - الْغَرِيب أَبُو وَائِل هُوَ تغلب بن دَاوُد وَهُوَ ابْن عَم سيف الدولة الْمَعْنى أَنه خرج إِلَى وصف أبي وَائِل بِأَحْسَن خُرُوج فَقَالَ لَو كنت أَسِيرًا فِي غير الْحبّ ومغلوبا فِي غير سَبِيل الْعِشْق لاحتلت بحيلة أبي وَائِل وضمنت مَالا كَمَا ضمن مَالا حَتَّى أَنْفك من الْأسر
١٠ - الْغَرِيب النضار الذَّهَب القنا الذابل الرقَاق الْمَعْنى يَقُول ضمن لَهُم الذَّهَب ثمَّ أَعْطَاهُم الرماح يُشِير إِلَى جَيش سيف الدولة فَإِنَّهُ أَتَاهُم سرا فَقتل الْخَارِجِي واستنقذه بِغَيْر مَال
стр. 761
- الْغَرِيب الباسل الشجاع القوى وَالْخَيْل المجنوبة الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا فرسَان وَإِنَّمَا تجنب للْحَاجة إِلَيْهَا فَلَا تركب إِلَّا فِي وَقت الْحَرْب لكرمها الْمَعْنى يَقُول أَعْطَاهُم مَا تمنوا وطلبوا وَوَعدهمْ أَن يَقُود لَهُم الْخَيل فِي فدائه فَجَاءَت الْخَيل بالفرسان الشجعان لمحاربة الْخَارِجِي
١٢ - الْمَعْنى يَقُول كُنَّا بعد أسره فِي ظلمَة فَلَمَّا عَاد إِلَيْنَا كَانَ كمعاودة الْقَمَر بعد أفوله وَوَائِل مُشْتَقّ من وأل إِذا نجا وَوَائِل منون فَلَا يظنّ أَن الْبَيْت مصرع
١٣ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لما دعَاك إِلَى استنقاذه أَجَبْته وَلَو سكت لم تقعد عَنهُ فكم سَاكِت وَهُوَ بعيد عَنْك لست تقعد عَنهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قَائِل لَك يَسْأَلك حَاجته وَالْمعْنَى أَنه دعَاك على بعد مَحَله فأجبته على انزاح مستقره وَرب سَاكِت لبعده عَنْك كالمخاطب لَك لما يُوجِبهُ كرمك من اهتمامك بِشَأْنِهِ واعتنائك بأَمْره
١٤ - الْغَرِيب الجحفل الْجَيْش وَرجل جحفل أَي عَظِيم الْقدر والجحفلة لذوات الحوافر كالشفة للْإنْسَان الْمَعْنى يَقُول فلبيته إِذْ دعَاك بِنَفسِهِ فِي جَيش عَظِيم ضمنُوا لَهُ استنقاده وتكفلوا لَهُ برده إِلَى مَكَانَهُ ضَامِن يفك أسره كافل بتعجيل نَصره
١٥ - الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار والعارض السَّحَاب والوابل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يُرِيد أَن خيل سيف الدولة خرجت من الْغُبَار فِيمَا يشبه السَّحَاب وَمن الْعرق الَّذِي أوجبه الركض فِيمَا يشبه الْمَطَر الشَّديد وَهَذَا من بديع الْكَلَام
١٦ - الْغَرِيب الصَّفَا الصخر والسياط جمع سَوط والماحل الَّذِي لم يمطر الْمَعْنى يَقُول لما نشفت الْخَيل من الْعرق لقِيت السِّيَاط من جلودها بِمثل الْحجر الأملس الَّذِي يكون فِي الْبَلَد الممحل وَهُوَ أبلغ فِي يبسه وَهَذَا من بديع الْكَلَام يُسمى التتميم
стр. 762
- الْغَرِيب الشفون النّظر شفنته اشفته شفونا إِذا نظرت إِلَيْهِ بمؤخر عَيْنك فَأَنا شافن وشفون قَالَ الْقطَامِي
(يُسارِقْنَ الكَلامَ إلَّى لَمَّا ... حَسِسْنَ حِذَارَ مُرْتَقِب شَفُون)
ِ الْمَعْنى يُرِيد أَنهم لم ينزلُوا عَن ظُهُورهَا خمس لَيَال حَتَّى بلغُوا أَبَا وَائِل يَقُول نظرت الْخَيل إِلَى أبي وَائِل الْمَطْلُوب قبل النّظر إِلَى نَازل عَن ظُهُورهَا هَذَا قَول أبي الْفَتْح قَالَ سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ لي هَذَا وَالْمعْنَى أَن فرسَان هَذِه الجيل لم يفتروا فِي الركض حَتَّى أوقعوا بالقوم الَّذين أَسرُّوا أَبَا وَائِل
١٨ - الْغَرِيب الْبري التُّرَاب قَالَ مدرك بن حُصَيْن
(بفِيكَ مِنْ سارٍ إِلَى القَوْمِ البَرَي ... )
والبرية مِنْهُ لأَنهم من التُّرَاب فَهُوَ على هَذَا غير مَهْمُوز تَقول براه الله يبروه بروا أَي خلقه وَقيل الْبَريَّة الْخلق وَأَصله الْهَمْز وَالْجمع البرايا والبريات وَقَرَأَ البريئة بِالْهَمْزَةِ نَافِع وَابْن ذكْوَان الْمَعْنى يَقُول دَانَتْ فاعلت من الدنو أَي أَن قَوَائِمهَا ساخت فِي التُّرَاب إِلَى مرافقها ثِقَة بَان الدَّم الَّذِي يجريه ركابهَا سيغسلها ويزيل عَنْهَا التُّرَاب وَقَالَ الْخَطِيب مددن أَيْدِيهنَّ فِي الجري حَتَّى دَانَتْ التُّرَاب وأذعن أَن الدَّم سيغسله عَنْهُن
١٩ - الْغَرِيب الكاذة لحم مُؤخر الْفَخْذ والبائل الَّذِي يتفحج ليبول والمستغير الَّذِي يطْلب الْغَارة الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه الْخَيل لشدَّة الْعَدو تتفحج لكرمها ونشاطها فَلم تَحْتك كاذتاها وَلَا تدانت عراقيبها وَهَذَا يحدث على الْخَيل الْكِرَام عِنْد الركض الشَّديد بل كَانَ مَا بَين كاذتي المغير مِنْهَا كَالَّذي يكون بَين كاذتي البائل لم تستحل عَن خلقهَا وَلَا اضْطَرَبَتْ فِي شئ من أمرهَا قَالَ الواحدي يُرِيد أَنه يعرق فِي عدوه حَتَّى يسيل الْعرق بَين رجلَيْهِ قَالَ وَذكر فِي معنى هَذَا الْبَيْت أَن المنهزم يَبُول فرقا وَهَذَا لَا يَصح لِأَن المستغير لَا يكون مُنْهَزِمًا
стр. 763
- الْغَرِيب الردينية الرماح نسبت إِلَى ردينة امْرَأَة كَانَت تقوم الرماح والمصبوحة الْفرس الَّتِي تسقى اللَّبن صباحا لكرامتها على أَهلهَا والشائل النَّاقة الَّتِي ابْتَدَأَ حملهَا فخف لَبنهَا قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا فَقلت لَهُ الشائل لَا لبن لَهَا وَإِنَّمَا الَّتِي لَهَا بَقِيَّة من لبن يُقَال لَهَا الشائله بِالْهَاءِ فَقَالَ أردْت الْهَاء وحذفتها كَقَوْل كثير بن عبد الرَّحْمَن
(لَعَمْرِي لَئِنْ أُمُّ الْحَكيمِ تَرحَّلَتْ ... وأخْلَتْ لِخَيْماتِ العُذَيْبِ ظِلالها)
أَرَادَ العذيبة فَحذف الْهَاء وكقول أبي طَالب
(وَحَيْثُ يُنِيخُ الأشْعَرُونَ كأنَّهُمْ ... لِمُفْضَي سُيولٍ مِنْ إسافٍ وَنائلِ)
أَرَادَ نائلة وهما صمان فَحذف الْهَاء الْمَعْنى يَقُول إِن خيل سيف الدولة بعد جهدها فِي الطّلب وعرقها فِي الركض لقِيت مَعَ الْخَارِجِي أَشد مَا يلقاه الْأَعْرَاب الَّذين يطعنون بِالرِّمَاحِ وتعدو بهم كرائم الْخَيل الَّتِي تسقى اللَّبن عِنْد قلته وَالْحَاجة إِلَيْهِ وَذَلِكَ أَن النوق إِذا شالت قل لَبنهَا واحتيج إِلَيْهِ فَهُوَ يؤثرون بِهِ الْخَيل لكرمها وَقَالَ ابْن القطاع حذف الْهَاء لإِقَامَة الْوَزْن والشائلة الَّتِي مر عَلَيْهَا من وَقت نتاجها سَبْعَة أشهر فخف لَبنهَا وَجَمعهَا شول والشائل بِلَا هَاء الَّتِي تشول بذنبها وَلَا لبن لَهَا وَجَمعهَا شول
٢١ - الْغَرِيب الإِمَام هُوَ الْخَارِجِي الْمَعْنى يَقُول وَلَقِيت هَذِه الْخَيل جَيش إِمَام إِمَامَته بَاطِلَة قَالَ أَبُو الْفَتْح قد صَحَّ أَن إِمَامَته بَاطِلَة لَا شكّ فِيهَا قَالَ الواحدي بل مَعْنَاهُ أَن إِمَامَته صَحِيحَة فِي الْبَاطِل يُرِيد أَن أَصْحَابه سلمُوا لَهُ الْإِمَامَة فَهُوَ إِمَام المبطلين ورد على أبي الْفَتْح قَوْله قَالَ الْخَطِيب يَقُول إِنَّه ركب جملا وَأَشَارَ إِلَى أَصْحَابه يحثهم على الْقِتَال وَأعْرض عَن ركُوب الْخَيل لتيقنه أَن أَصْحَابهَا يهْلكُونَ دونه وَأَن الْغَلَبَة لَهُ
٢٢ - الْغَرِيب ينحزن ينفعلن من الانحياز يَنْضَم بَعْضهَا إِلَى بعض والعاسل الَّذِي يجمع الْعَسَل من بيُوت النَّحْل الْمَعْنى يَقُول أَقبلت خبل الْخَارِجِي تنفر وتهرب من جَيش سيف الدولة نفور النَّحْل عَن العاسل
стр. 764
- الْمَعْنى يَقُول لما ظَهرت لأَصْحَاب الْخَارِجِي رَأَتْ أسدها جمع أَسد وهم شجعانها وَيجوز أَن تكون الْهَاء فِي أسدها للأصحاب وَيجوز أَن تكون للخيل وَالْمعْنَى رَأَتْ أَسد أَصْحَابه أسدا تأكلها وتفنيها كَمَا كَانَت هِيَ تَأْكُل غَيرهَا وَالْمعْنَى كنت أَشْجَع مِنْهُم
٢٤ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا الضَّرْب وَإِن كَانَ لإفراطه جورا فَهُوَ فِي الْحَقِيقَة عدل لِأَن قل مثلهم عدل وقربة إِلَى الله تَعَالَى وَفِي مَعْنَاهُ لحبيب
(أنْ لَسْتَ نِعْمَ الجارُ للسُّنَنِ الأُلَي ... إلَاّ إذَا مَا كُنْتَ بِئْسَ الجارُ)
يُرِيد للْكفَّار وَقَالَ الْعَرُوضِي الْمَعْنى إِن جَار فِي الضَّرْب فقد عَم بِالْقَتْلِ فعدله أَنه لم ينفلت مِنْهُ أحد إِلَّا أَصَابَهُ من ذَلِك الضَّرْب وَإِن أفرط فِيهِ حَتَّى يصور جائرا فَلهُ فيهم قسْمَة الْعَادِل فِي الْقسم لِأَنَّهُ قطع مَا أصَاب فَجعله نِصْفَيْنِ فَصَارَ الضَّرْب كَأَنَّهُ يقسم بِالسَّوِيَّةِ والإنصاف وَالْمعْنَى انك بدوت لَهُم بِضَرْب عَم جَمَاعَتهمْ وَشَمل جُمْلَتهمْ أبلغ فيهم إبلاغ الجائر وأفرط إفراط المسرف وَسوى بَينهم تسويه الْعَادِل وَقد طابق بَين الْعدْل والجور
٢٥ - الْغَرِيب الشذان المتفرقون والحافل الَّتِي حفل ضرْعهَا وامتلأ لَبَنًا الْمَعْنى يَقُول وبدوت لَهُم بطعن لَا يتَخَلَّص مِنْهُ شَاذ وَلَا نافر بلَى يَجْتَمعُونَ فِيهِ اجْتِمَاع اللَّبن الْكثير فِي الضَّرع وَالْمعْنَى جمع متفرقهم بشدته وحصرهم بمخافته كجمع الضَّرع درته
٢٦ - الْمَعْنى يَقُول إِذا نظرت إِلَى فَارس من الْأَعْدَاء لم يقدر أَن يذهب عَنْك بل يضعف خوفًا مِنْك وهيبة وَلَا يقدر أَن يذهب ذهَاب الراجل وَقَالَ الْخَطِيب إِذا نظرت إِلَى الْفَارِس وَهُوَ أقدر على الْفِرَار من الراجل تحير فَلم يقدر أَن يذهب ذهَاب الْوَاحِد من الرجالة
٢٧ - الْغَرِيب اللحى جمع لحية والناصل الَّذِي قد ذهب خضابه وَهُوَ فَاعل بِمَعْنى مفعول كَقَوْلِهِم نَاقَة ضَارب للَّتِي ضربهَا الْفَحْل وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿عيشة راضية﴾ أَي مرضية
стр. 765
الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة خضب لحاهم بدمائهم غير أَنه لَا يُعِيد الخضاب على من نصل خضابه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الناصل الْمَضْرُوب بالنصل يُرِيد إِذا ضرب إنْسَانا بِسَيْفِهِ لم يبْق فِيهِ مَا يحْتَاج إِلَى إِعَادَة الضَّرْبَة أَي أَن هَذَا الْفَتى لَا يقْصد بخضابه التزيين وَإِنَّمَا يقْصد بِهِ الإهلاك فَلَيْسَ يحفل إِذا أهلك النَّفس بِمَا أَخطَأ فِي خضابه من الشّعْر وَهُوَ من قَول طرفَة
(حُسامٌ إذَا مَا قُمْتُ مُنْتَضِيا لَهُ ... كَفى العَوْدَ منهُ البَدءُ ليسَ بِمِعْضَدِ)
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ مستغن بقوته عَمَّن ينصره فَلَا يستغيث إِلَى نَاصِر وَلَا يستكين من خذل خاذل لِأَنَّهُ وَحده يُغني عَن جَيش بشجاعته
٢٩ - الْغَرِيب الوزع الْكَفّ والطرف الْفرس الْكَرِيم والهائل الْأَمر الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول لَا يكف فرسه عَن مقدم أَو إقدام يَعْنِي أَنه لَا يخَاف شَيْئا لجراءته وإقدامه وَلَا يهوله شئ فَيرد طرفه عَنهُ وَقد جانس بَين الطّرف والطرف
٣٠ - الْغَرِيب التبل الثأر والترة وَلم يشأه لم يفته والماطل الَّذِي يمطل بِالدّينِ وَلم يسهل عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّيه الْمَعْنى يَقُول إِذا طلب ثأرا لم يفته وَإِن كَانَ مُمْتَنعا أمره متعذرا مَوْضِعه وَقَوله وَإِن كَانَ دينا ضربه مثلا وَالْمعْنَى أَنه يدْرك الثأر وَإِن بعد الْعَهْد
٣١ - الْغَرِيب أَتَاكُم بِمَعْنى جَاءَكُم وَهُوَ مَقْصُور والممدود بِمَعْنى أَعْطَاكُم وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَلَا تفرحوا بِمَا أَتَاكُم بِالْقصرِ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَاءَكُم الْمَعْنى أَنه يُرِيد الِاسْتِهْزَاء بهم والتوبيخ لَهُم وَالْمعْنَى خُذُوا مَا جَاءَكُم بِهِ من ضَمَان أبي وَائِل فالغنيمة فِيمَا عجل لكم وَمَا تَأَخّر لَعَلَّه لَا يصل إِلَيْكُم وَالْمعْنَى يُرِيد مَا جَاءَكُم بِهِ من هَذِه الْوَقْعَة
стр. 766
- الْغَرِيب حمص بَلْدَة صَغِيرَة بِالشَّام على ثَلَاث مراحل من دمشق الْمَعْنى يَقُول إِن كُنْتُم قد استقللتم مَا جَاءَكُم بِهِ فِي هَذَا الْعَام من الْقَتْل والأسر والسبي فعودوا إِلَى حمص من الْعَام الْقَابِل فَإِنَّهُ يعود لكم بِمثل هَذِه الْوَقْعَة
٣٣ - الْمَعْنى يَقُول إِن أعجبكم مَا فعل بكم فعودوا فَإِن الحسام الَّذِي خصبه من دمائكم فِي يَد من قتلكم وَهُوَ فِي يَد من قتل جماعتكم وأذل عزكم وأذهب نخوتكم
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد يجود على السَّائِل بِمثل ضَمَان أبي وَائِل الَّذِي لم تدركوه وَالْمعْنَى أَنه يجود على سائله بِمثل الَّذِي رمتموه من الضَّمَان فأعجزكم ويسمح لقاصده بِمثل الَّذِي حاولتموه فأهلككم وَلَو سألتموه لعمكم فَضله وَلَو قصدتموه لشملكم عَفوه
٣٥ - الْغَرِيب الكتيبة الْجَمَاعَة من الْخَيل وَالْعَامِل صدر الرمْح والزهو الْكبر وَالْفَخْر الْمَعْنى يَقُول هُوَ قُدَّام جَيْشه الَّذِي يفتخرون بِهِ بمَكَان السنان من الرمْح يُرِيد انه يتقدمهم كَمَا يتَقَدَّم السنان الرمْح وَالْإِمَام هُوَ قُدَّام الشَّيْء والوراء من الأضداد يكون بِمَعْنى خلف وَبِمَعْنى قُدَّام قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ ملك﴾ يَعْنِي قدامهم
٣٦ - الْغَرِيب البازل من الْإِبِل الَّذِي قد ظهر نابه وجمل بازل وناقة بازل بِلَفْظ وَاحِد وَهُوَ الَّذِي فطر نابه فِي السّنة التَّاسِعَة وبزل يبزل بزولا وَرُبمَا بزل فِي السّنة الثَّامِنَة وَالْجمع بزل وبزل وبوازل الْمَعْنى يَقُول أعجب من هَذَا الْخَارِجِي الَّذِي ركب حملا وَيُشِير بكمه يأمل الظفر وَالظفر لَا يَأْتِي بتحريك الْكمّ وركوب الْجمل
٣٧ - الْغَرِيب الْفرس الْحَائِل الَّذِي لم تحمل وَالْجمع حول وَإِذا حَالَتْ الْفرس أَو النَّاقة فَهُوَ أَشد لَهَا والماضي السَّيْف الْمَعْنى يَقُول هَل أوحى الله إِلَيْهِ أَلا تلق جَيش سيف الدولة بِسيف على فرس قوي يُرِيد الله أمره أَلا يَأْخُذ للحرب آلتها ويتأهب فِيهَا بأهبتها وَأَن لَا يلقى الْحَرْب
стр. 767
بِسيف مَاض على فرس كريم حَائِل قيل إِن الْخَارِجِي كَانَ يَقُول لَا آتى إِلَّا بِمَا يَأْمُرنِي الله بِهِ فَكَانَ يَدعِي النُّبُوَّة
٣٨ - الْغَرِيب غناك أَي سَمِعت صَوت رنته والكاهل أَعلَى مُجْتَمع الْكَتِفَيْنِ الْإِعْرَاب إِذا مَا ضربت صفة لقَوْله بماض الْمَعْنى يَقُول هَذَا السَّيْف إِذا ضربت بِهِ رَأس أحد بَرى رَأسه وَوصل إِلَى عظم الْكَاهِل فَجعل ذَلِك الصَّوْت كالغناء وَهُوَ من قَول النمر بن تولب
(تَظَلُّ تَحْفِرُ عَنْهُ إنْ ضَرَبْتَ بِه ... بُعْدَ الذّرَاعَينِ والسَّاقَينِ وَالْهَادِي)
وَمثله لأبي نواس
(إذّا قامَ غَنَّتْهُ عَلى السَّاقِ حِلْيَةٌ ... لَهَا خَطْوُهُ وَسْطَ الفِناءِ قَصِيرُ)
وَقد نظر إِلَى قَول مزرد
(مِنَ المُلْسِ هِنْديّ مَتى يَعْلُ حَدُّهُ ... ذُرَا البَيْضِ لمْ تَسْلَمْ عليهِ الكوَاهلُ)
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ الْخَارِجِي بِأول من دَعَتْهُ همته إِلَى مَالا يَنَالهُ يُرِيد أَنه طمع فِي الْإِمَارَة وَالْولَايَة وَالْمعْنَى لَيْسَ هُوَ بِأول من هم بِمَا يمْتَنع عَلَيْهِ ورام مَا لَا يجد سَبِيلا إِلَيْهِ
٤٠ - الْغَرِيب اللج العميق من الْبَحْر والموج جمع موجة والساحل جَانب الْبَحْر الْمَعْنى يَقُول إِن هَذَا الْخَارِجِي فِيمَا يتعاطاه من مقاومة جَيش سيف الدولة وعجزه عَن أقلهَا وَمَا رامه من التَّعَرُّض لشدَّة عَزَائِمه وهلاكه بأيسرها كمن يُرِيد أَن يَخُوض لجة الْبَحْر ويضعف عَن الْوُقُوف فِي شطه وَيُرِيد اقتحام معظمه والموج يغمره فِي ساحله وَالْمعْنَى أَنه يتَعَرَّض للصعب الْكَبِير وَهُوَ يعجز عَن السهل الحقير قَالَ أَبُو الْفَتْح يشمر للج يُرِيد تمويهه على الْأَعْرَاب واستغواءه إيَّاهُم وادعاءه فيهم النُّبُوَّة قَالَ وَيَعْنِي بالموج عَسْكَر سيف الدولة قَالَ ابْن فورجة أَي تمويه فِي أَن يشمر هَذَا الرجل عَن سَاقه لحوض اللجة وَالَّذِي أَرَادَ أَبُو الطّيب أَنه يدبر فِي ملاقاة مُعظم الْعَسْكَر والتوغل فِيهِ حَتَّى يصل إِلَى سيف الدولة وَيَأْخُذ الأهبة لذَلِك فَهُوَ كالمشمر عَن سَاقه لخوض مَاء وَقد غمره الموج فِي ساحله يُرِيد أَنه قد غرق فِي أَطْرَاف عسكره وَغلب بأوائله فَذهب تَدْبيره بَاطِلا
стр. 768
قَالَ الواحدي وَلقَوْل ابْن جنى وَجه حسن لم يقف عَلَيْهِ ابْن فورجة يَقُول إِن الْخَارِجِي كَانَ قد طمع فِي بَيْضَة الْإِسْلَام حَيْثُ ادّعى النُّبُوَّة فَجعل اللج لَهَا مثلا وَجعل سيف الدولة وَهُوَ قِطْعَة من عساكرنا وَوَاحِد من أمرائنا كالساحل وَقد غرق وَهُوَ فِي السَّاحِل فَكيف يصل إِلَى اللجة
٤١ - الْغَرِيب الْفَاصِل الْقَاطِع ويروي الْفَاضِل بالضاد وَالْفَاء وَهُوَ من صفة سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول أما للخلافة من يشفق على سيفها أَو يمنعهُ من الحروب فِي الْقِتَال شَفَقَة عَلَيْهِ من أَن تصيبه آفَة فَتبقى الْخلَافَة وَلَا سيف لَهَا وَهَذَا سيفها الَّذِي بَان فَضله وارتضى سَعْيه
٤٢ - الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة فَيحْتَاج إِلَى ضَارب وحامل وَإِنَّمَا هُوَ سيف الدولة المحامي عَنْهَا فَهُوَ يقطع الْأَعْدَاء من غير أَن يضْرب بِهِ ويسري إلَيْهِنَّ بِلَا حَامِل الْمَعْنى إِذا افْتقر السَّيْف إِلَى من يضْرب بِهِ كَانَ مُنْفَردا بِفِعْلِهِ وَإِذا التجأ إِلَى من يحملهُ كَانَ مكتفيا بِنَفسِهِ
٤٣ - الْغَرِيب النقا الْكَثِيب من الرمل والجماجم جمع جمجمة والناخل فَاعل من نخل ينخل الْمَعْنى يَقُول تركت جماجم أَصْحَاب الْخَارِجِي وَقد فَارَقت أجسامها فِي الرمل لما أوقعت بهَا من الضَّرْب حَتَّى اخْتلطت بالرمل فَلم يتَخَلَّص لناخلها وَالْمعْنَى دست رُءُوسهم بحوافر الْخَيل حَتَّى لَو نخل الرمل الَّذِي قَتلتهمْ بِهِ لم يحصل من رُءُوسهم شَيْء
٤٤ - الْمَعْنى يَقُول لَو قدرت السبَاع على النُّطْق لأثنت بِمَا شملها من إحسانك بِكَثْرَة الْقَتْلَى فكأنك بِمَا أوليتها من لُحُوم الْقَتْلَى أنبت لَهَا ربيعا وَهَذَا ترشيح للاستعارة بِأَن السبَاع لَا تَأْكُل الْحَشِيش وَلما اسْتعَار الرّبيع اسْتعَار النبت لَهُ وَالْمعْنَى أنبت من أَجْسَادهم ربيع السبَاع فأخصبت فِي لحومها إخصاب السَّائِمَة فِي ربيعها فأثنت بِمَا عَمها من فضلك وشملها من إحسانك وَهَذَا الْبَيْت من أحسن الْكَلَام وَهُوَ مَبْنِيّ على الِاسْتِعَارَة وَمثله قَوْله
(وكانَ بِها مِثْلُ الجُنُونِ فأصْبَحَتْ ... وَمِنْ جُثَثِ القَتْلَى عَليها تَمائِمُ)
стр. 769
- الْغَرِيب حلب مَدِينَة بِالشَّام مَعْرُوفَة كَانَت من ولَايَة سيف الدولة والحلى فِيهِ ثَلَاث لُغَات بِضَم الْحَاء وَكسر اللَّام وَتَشْديد الْبَاء وَبهَا قَرَأَ أَكثر السَّبْعَة وبكسر الْحَاء وَاللَّام وَالتَّشْدِيد وَبهَا قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ وبفتح الْحَاء وَسُكُون اللَّام وَبهَا قَرَأَ يَعْقُوب وَالْحسن والعاطل الَّذِي لَا حلى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول عدت إِلَى حلب مستقرك ظافرا فحليت بعد العطل بعودتك وأنست بعد الوحشة بأوبتك وَالْمعْنَى أَن زِينَة حلب بك
٤٦ - الْغَرِيب الناعل ذُو النَّعْلَيْنِ كَمَا أَن الدراع ذُو الدرْع وَفِي الْمثل أطرى فَإنَّك ناعلة أَي خذي أطرار الطَّرِيق وخشونته فَإنَّك ذَات نَعْلَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مَا فعلته وَأَنت غير متأهب لَهُ يعجز عَنهُ متأهب وَالْمعْنَى أَن هَذَا الْأَمر الْعَظِيم الَّذِي أَدْرَكته غير حافل بِهِ يعجز عَنهُ غَيْرك إِذا اجْتهد فِيهِ غَايَة الِاجْتِهَاد وكي بالحافي عَن المسترسل وبالناعل عَن الْمُجْتَهد المتأهب للأمور
٤٧ - الْغَرِيب الشية الْعَلامَة تكون من غير اللَّوْن وَهُوَ خلط لون بلون والأبلق من كل لون الَّذِي فِيهِ سَواد وَبَيَاض والجائل الَّذِي يجول بَين الصفين الْمَعْنى يَقُول كم لَك من خبر شَائِع فِي النَّاس بفتوحك وظفرك فَهُوَ مشهر إشهار الأبلق الَّذِي يجول فِي الْخَيل فَلَا يخفي مَكَانَهُ وَالْمعْنَى كم لَك من خبر شَائِع ذكره وَمن فعل جليل قدره وَقد شهره كرمك كَمَا شهر الأبلق الجائل شيته وَتبين علامته وَضرب هَذَا مثلا
٤٨ - الْغَرِيب الردي الْمَوْت والواغل الدَّاخِل على الْقَوْم فِي شرابهم من غير أَن يدعى والوارش الَّذِي يدْخل على الْقَوْم فِي طعامهم قَالَ امْرُؤ الْقَيْس
(فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْما مِنَ اللهِ وَلا وَاغِلِ)
وَقَالَ أَبُو عَمْرو الوغل الشَّرَاب الَّذِي يشربه الواغل وَأنْشد قَول عَمْرو بن قميئة
(إنْ أكُ مِسْكِيراً فَلا أشْرَبُ الْوَغْلَ ... وَلا يَسْلَمُ مِنِّي البَعيِرْ)
الْمَعْنى يَقُول وَكم لَك من يَوْم أَقمت فِيهِ سوق الْحَرْب وتنازع بنوه شراب الردى
стр. 770
وتعاطوا كؤوس الْمَوْت فأبغض حُضُوره الواغل فِيهِ وَتكره شدته الصالي بِهِ وَهَذَا من بَاب الِاسْتِعَارَة
٤٩ - الْغَرِيب العناة جمع عان وهم الأسرى والعفاة جمع عاف وهم السؤل والعناة يُرِيد بهم الأسرى وَمِنْه الحَدِيث اسْتَوْصُوا بِالنسَاء خيرا فَإِنَّهُنَّ عوان عنْدكُمْ لِأَن الْمَرْأَة أسيرة فِي يَد الرجل وَيُقَال للخمر عانية لِأَنَّهَا كالأسير فِي المدن إِذا خففت الْيَاء فَإِذا شددتها نسبتها إِلَى عانة بَلْدَة على الْفُرَات بِالْقربِ من رحبة مَالك بن طوق الْمَعْنى أَنْت عادتك هَذِه الْأَشْيَاء تفك الأسرى من أسرهم وتغنى السَّائِلين عَن مَسْأَلَة غَيْرك وَتَعْفُو عَن كل مذنب وَالْمعْنَى بفك الأسرى ببأسك وتغنى السُّؤَال بكرمك وَتغْفر للجاهلين بِحِلْمِك
٥٠ - الْإِعْرَاب معطيكه الْكَاف وَالْهَاء فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وهما مفعولان فِي الْمَعْنى وَتَقْدِيره معطيك إِيَّاه الْغَرِيب الْأَجَل وَقت لَهُ أجل مَحْدُود وَالْأَجَل فِي غير هَذَا من قَوْلهم أجل الشَّرّ إِذا جَرّه وجناه قَالَ خَوات بن جُبَير
(وأهْلِ خِباءٍ صَالحٍ كنْتُ بَينهمْ ... قَدِ احْتَرَبُوا فِي عاجِلٍ أَنا آجِلُهْ)
يُرِيد جَانِبه وَبعده قَالَ
(فأقْبَلْتُ فِي الساعيِينَ أسألُ عَنْهُمُ ... سُؤَالكَ بالشَّيءِ الَّذِي أنتَ جاهِلُه)
وَمَعْنَاهُ أَنه مر بصبية يتضاربون فاستعانه بَعضهم على بعض فَضرب صَبيا مِنْهُم فَمَاتَ ثمَّ جَاءَ إِلَى أهل الْمَقْتُول يسألهم عَن الْخَبَر كَأَنَّهُ جَاهِل بِهِ الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِأَن يهنئه الله بالنصر الَّذِي أعطَاهُ وَأَن يرضى سَعْيه فِي الْآخِرَة فعمه فِي هَذَا الدُّعَاء بِخَير الدَّاريْنِ وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وَالْمعْنَى فهناك الله مَا منحك من نَصره وزادك فِيمَا آتاك من فَضله وَوصل مَا وهب لَك من ذَلِك فِي العاجل بِمَا يرضيه من سعيك فِي الْأَجَل
٥١ - الْغَرِيب المومس والمومسة الْمَرْأَة الْفَاجِرَة والحابل الصَّائِد ذُو الحبالة وَهِي الشّرك والكفة بِالْكَسْرِ كل مستدير وبالضم كل مستطيل وبالفتح الْمرة الْوَاحِدَة من كففته وَقَوْلهمْ لَقيته كفة كفة بِفَتْح الْكَاف أَي استقبلته مُوَاجهَة وهما اسمان جعلا وَاحِدًا وتبينا على الْفَتْح مثل خَمْسَة عشر قَالَ الْأَزْهَرِي وَيُقَال فِي كفة الْمِيزَان بِالْفَتْح وجمعهما كفف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الدُّنْيَا وَهِي الْمشَار إِلَيْهَا بِالدَّار فاجرة خوانة لأصحابها هِيَ كل يَوْم عِنْد وَاحِد وَهِي أخدع من حبالة الصَّائِد وَالْمعْنَى أَنَّهَا أَهْون من الْفَاجِرَة الَّتِي تخلف من وثق بهَا وأخدع من الحبالة الَّتِي تصرع من اطْمَأَن إِلَيْهَا
٥٢ - الْغَرِيب الطائل مَا كَانَ لَهُ قدر وَهُوَ اسْم فَاعل من طَال الشَّيْء إِذا علاهُ وَمِنْه الطول بِفَتْح الطَّاء الْمَعْنى يَقُول الرِّجَال قد تفانوا على حبها وَلم يحصلوا من أمرهَا على طائل لِأَنَّهَا تَأْخُذ مَا تعطيه وتهدم مَا تبينه وتمر بعد حلاوتها وتعوج بعد استقامتها فَمن عرفهَا رفضها وَمن قدرهَا هجرها قَالَ ابْن الشجري الشريف هبة الله الْحسنى مَا عمل فِي ذمّ الدُّنْيَا مثل هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَصدق فِي قَوْله وَبَلغنِي أَن رَسُول الإفرنج دخل على الْملك النَّاصِر صَلَاح الدّين يُوسُف بن أَيُّوب فَذكر هذَيْن الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ وَحقّ ديني مَا فِي الْإِنْجِيل موعظة أبلغ من هَذِه الموعظة
стр. 771
- ١ هَذِه القصيدة من الْبَسِيط والقافية من المتراكب الْغَرِيب الممالك جمع مملكة وَهِي سُلْطَان الْملك فِي رَعيته والأسل الرماح والقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول أَعلَى الممالك مَا جَاءَ قسرا وَغَلَبَة بالطعن لَا مَا جَاءَ عفوا وَالْمعْنَى أَعلَى الممالك رُتْبَة وأظهرها رفْعَة مَا بنى على الْحَرْب وَدفع عَنهُ بالطعن وَالضَّرْب وَأَشَارَ بالأسل إِلَى هَذِه الْعبارَة وَمَا يكون الطعْن عِنْد محبَّة مَالِكه والقتال عِنْد محبه إِلَّا كالقبل المستعذبة وَاللَّذَّات المغتنمة وَعجز الْبَيْت من قَول الطَّائِي
(يَسْتَعْدِبُونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمُ ... لاييأَسُون مِنَ الدُّنيا إذَا قُتِلُوا)
стр. 772
وَمعنى بَيت من أبي الطّيب أَنهم يستعذبون ويستلذون الطعْن استلذاذ الْقبل وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول عِنْد محبيه لِأَن الطعْن مصدر طعن إِلَّا أَنه جعله جمع طعنة وَكَانَ سَبَب قَول أبي الطّيب هَذِه القصيدة أَن أَحْمد هَذَا قصد الْموصل لقِتَال الْحسن ابْن عبد الله بن حمدَان أخي سيف الدولة فَسَار أَخُوهُ إِلَيْهِ إِلَى الْموصل لنصره فَلَمَّا أحس الديلمى بإقبال سيف الدولة صَالح أَخَاهُ الْحسن على أَن يبْعَث إِلَى السُّلْطَان من خراج الْموصل مَا جرت بِهِ عَادَته فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ورحل عَن الْموصل من غير قتال وَرجع إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة وأنشدها فِي ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة
٢ - الْإِعْرَاب نصب دهرا على الظّرْف وَرفع قبل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ لما قطع عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم الْغَرِيب التقلقل ضد السّكُون وَهُوَ الْحَرَكَة العنيفة والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس مَأْخُوذ من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا تقر فِي الممالك حَتَّى تتحرك زَمَانا فِي رُءُوس الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى إِنَّمَا تسكن سيوف فِي دولتها وتسكن فِي مملكتها حَتَّى تكون حركتها فِي ضرب رُءُوس المحالفين وتشتهر آثارها فِي قمع المعترضين فَحِينَئِذٍ تنوب رهبتها عَن استلالها وتغنى هيبتها عَن اسْتِعْمَالهَا وَأَشَارَ بذلك إِلَى انصراف الديلمي عَن الْموصل بِغَيْر حَرْب هَيْبَة لسيف الدولة وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(سأْجْهِد عَزْمي والمَطايا فإنَّنِي ... أرَى العَفْوَ لَا يُمْتاحُ إِلَّا من الجَهْدِ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول مثل سيف الدولة إِذا طلب أمرا تقربه الرماح والمطايا وَالْمعْنَى يَقُول إِن الْأَمِير لما قصد الْموصل لدفع الديلمي عَنهُ قرب ذَلِك لَهُ طول رماحه فِي وقيعته وإسراع خيله وَإِبِله إِلَى عَادَته وتلخيصه إِذا أَرَادَ أمرا لم يعسر عَلَيْهِ
٤ - الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة الْمَعْنى يَقُول وقربها عَزمَة نَافِذَة بعثها مِنْهُ همة عالية يتواضع زحل عَنْهَا كتواضع الأَرْض عَن علو زحل
٥ - الْإِعْرَاب لملقى اللَّام لَام الْأَجَل أَي لأجل خُرُوجه عَن حلب
стр. 773
الْغَرِيب الأعاصير جمع إعصار وَهِي الرّيح تلتف بالغبار وَتَعْلُو مستطيله وَفِي الْمثل
(إنْ كُنْتَ رِيحا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصَاراً ... )
والمقتبل الَّذِي تناهى شبابه وَلَيْسَ عَلَيْهِ للكبر أثر وَقَالَ الواحدي المقتبل الَّذِي تقبله الْعُيُون وحلب مَدِينَة مَعْرُوفَة والفرات نهر كَبِير مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول إِن على الْفُرَات غبرات تثيرها كتائب سيف الدولة وَفِي حلب دَار مُسْتَقِرَّة وَحْشَة لملك قد عوده الله الظفر على أعدائه ولقاه النَّصْر فِي مقاصده مقتبلا فِي شبيبته متناهيا فِي قوته وَقَالَ الواحدي على الْفُرَات ريَاح فِيهَا غُبَار لمَكَان جَيش أَخِيك نَاصِر الدولة وَفِي حلب وَحْشَة لِأَنَّك بَعدت عَنْهَا وَيُرِيد بملقى النَّصْر سيف الدولة لِأَنَّهُ يلقى النَّصْر من حَيْثُ قصد
٦ - الْمَعْنى أَنه ينذر أعداءه بكتبه أَولا فَإِن لم يطيعوه قصدهم بجيشه فَجعل خيله بَدَلا من رسله يُرِيد أَن كتبه لَيست لاستصلاح وَلَا إعتاب إِنَّمَا هِيَ للإعلام بِأَنَّهُ مُتَوَجّه إِلَيْهِم وَالْمعْنَى أَنه لَا يحب الظفر اغتيالا لشجاعته وقوته فأسنته أبدا تالية لكتبه وَهُوَ من قَول مُسلم
(مَنْ كانَ يَخْتِلُ قِرْنا عِندَ مَوْقِفِهِ ... فإنَّ قِرْنَ عَلىّ غَيْرُ مُخْتَتَلِ)
وَمن قَول البحتري
(وَحتى اكْتَفَى بالرُّسْلٍ دُونَ الكَتائبِ ... )
٧ - الْغَرِيب الجزر الشَّاة الَّتِي أعدت للذبح وأجزرت الْقَوْم إِذا أعطيهم شَاة يذبحونا نعجة أَو كَبْشًا أَو عَنْزًا وَلَا يكون إِلَّا من الْغنم وَلَا يُقَال أجزرتهم نَاقَة لِأَنَّهَا قد تصلح لغير الذّبْح وجزر السبَاع اللَّحْم الَّذِي تَأْكُله وَيُقَال تركوهم جزرا بِالتَّحْرِيكِ إِذا قتلوهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقى الْمُلُوك إِذا خالفته فَلَا يلقى إِلَّا جزر سيوفه وَمَا أعدوه من سِلَاحهمْ وآلاتهم فَلَا يلقى إِلَّا غَنَائِم جيوشه لما عوده الله من الظفر والظهور عَلَيْهِم وإيقاعه بهم
٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مهجته لسيف الدولة لِأَن الضَّمِير إِذا عَاد على الْخَلِيفَة كَانَ إزراء بالممدوح لِأَنَّهُ من جملَته الْغَرِيب الْهِنْدِيّ السَّيْف الْكَرِيم مَنْسُوب إِلَى الْحَدِيد الْهِنْدِيّ والخلل أغشية الإعماد وَاحِدهَا خلة وَهِي جُلُود أغشية الإعماد
стр. 774
الْمَعْنى يَقُول لما علم الْخَلِيفَة أَن سَيْفه الَّذِي يَسْطُو بِهِ صانه وَحفظه بالأبطال الَّذين أثبتهم فِي رسمه والحماة الَّذين اخْتَارَهُمْ لحفظه كَمَا يصان السَّيْف الْكَرِيم بالأغماد الَّتِي يَتَخَلَّل فِيهَا والجفون الَّتِي يحفظ بهَا وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْخَلِيفَة شرفه بتلقيبه بِسيف الدولة
٩ - الْإِعْرَاب من روى الْفِعْل بِالنّصب أَرَادَ يفعل الْفِعْل وَيَقُول القَوْل لِأَن أسم الْفَاعِل يعْمل عمل الْفِعْل وَمن روى بِالْجَرِّ جعله مُضَافا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والمقيمي الصَّلَاة﴾ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يفعل الْأَفْعَال بديعة غَرِيبَة مَا عرفهَا قبله أحد فيفعلها وبتركها على علم وَيَقُول من القَوْل مَا لم يُعلمهُ غَيره وَقَالَ الْخَطِيب أَفعَال سيف الدولة يَتْرُكهَا النَّاس لصعوبتها عَلَيْهِم وينطق بالحكمة الَّتِي لَا يصل إِلَيْهَا سواهُ وَقَوله ﴿لم يتْرك﴾ أَي لم يتْرك الْقَائِلُونَ طلبه وَلما لم يصلوا إِلَيْهِ كَانَ كَأَنَّهُ لم يقل وَقَالَ ابْن الأفليلي يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون لِشِدَّتِهِ وَعظم شَأْنه فِي حَقِيقَته وَيَقُول القَوْل الَّذِي عجز عَنهُ الْقَائِلُونَ قبله فَلم يقدروا على مثله وَلَا قصدُوا إِلَى تَركه وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح كل أحد يطْلب معاليك إِلَّا أَنه لَا يُدْرِكهَا وَلَيْسَ هَذَا من معنى الْبَيْت فِي شَيْء وَلَكِن الْمَعْنى هُوَ يفعل مَا لم يَفْعَله أحد لصعوبته على من طلبه فَهُوَ أَتَى بِهِ بكرا وَيكون أَبَا عذرة ذَلِك الْفِعْل وَكَذَا قَالَ ابْن فورجة يفعل أفعالا مبتكرة تجتنب لشدتها وَيَقُول أقوالا لم تعرف فَلم تقل وَإِذا كَانَت لم تعرف لم تتْرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتْرك مَا يعرف مَوْضِعه قَالَ وَلم يصب فِي تَفْسِير المصراع الثَّانِي حر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول مَا لم يقلهُ أحد فِي بلاغته وجزالته وَلم يتْرك أَيْضا لِأَن كل بليغ يُرِيد أَن يَأْتِي بِمثلِهِ وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم طلبُوا أَفعاله فَلم يدركوها وطلبوا أَقْوَاله فَلم يقدروا عَلَيْهَا فكأنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقُولُوا حِين قصروا عَنْهَا وَالْمعْنَى أَنه يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون وَيَقُول القَوْل الَّذِي قصر عَنهُ الْقَائِلُونَ قَالَ فَمن لم يفهم مَعْنَاهُ قَالَ قد نَاقض بقوله لم يتْرك وَلم يقل وَلَيْسَ كَذَلِك
١٠ - الْغَرِيب غاله يغوله إِذا انتقصه وَأَصله الإهلاك وَمِنْه الغول والطفل وَقت غرُوب الشَّمْس وَالظّهْر وَقت الظهيرة وَهُوَ عِنْد قيام الشَّمْس للزوال الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يبْعَث الْجَيْش الشَّديد بأسه الْكثير عدده الَّذِي تذْهب عجاجته بضوء الشَّمْس وتطمس إشراقها حَتَّى تصير فِي وَقت الظهيرة على مثل حَالهَا عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة جَيْشه
стр. 775
- الْغَرِيب الجو الفضاء والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول مَا بعد من الْهَوَاء أضيق بساطع هَذَا الْغُبَار مِمَّا قرب لِأَنَّهُ فِيهِ تَجْتَمِع جملَته وتتراقى كثرته وَمَا قرب فَإِنَّمَا يردهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء فينجلي مِنْهُ وَلَا يجْتَمع وَعين الشَّمْس أحير الْعُيُون بقربها من مستقره ودنوها من مجتمعه وَالْمعْنَى الجو على سَعَة أرجائه أضيق شَيْء لقِيه سَاطِع هَذِه الْعَجَاجَة
١٢ - الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة ينَال أبعد من الشَّمْس وَهِي ترى ذَلِك فَمَا تقابله إِلَّا على خوف من أَن ينالها لَو قَصدهَا لِأَنَّهُ يرى أَنه مَنْصُور مظفر يدْرك مَا يَقْصِدهُ وَقَالَ ابْن الإفليلي يُرِيد أَن هَذَا العجاج بتتابعه واتصاله وترادفه يَعْلُو على الشَّمْس مَعَ ارْتِفَاع موضعهَا وَهِي ناظرة إِلَيْهِ غير مُسَاوِيَة فِي الْعُلُوّ لَهُ فنقابله وَجلة من ذَهَابه بنورها وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها وَهَذَا كُله يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وكثرته
١٣ - الْغَرِيب ظَاهر الحزم جعل بعضه فَوق بعض كَمَا يظاهر الرجل بَين درعين وَأَصله المعاونة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ والغيل جمع غيلَة وَهِي قتل الخديعة وَمِنْه قبل فلَان فلَانا غيلَة أَي اغتيالا وأصل الغيل الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول قد عرض السَّيْف دون مَا ينزل بِهِ وجرده فِيمَا يحدث عَلَيْهِ واستعان بالحزم فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه وأقامه حاجزا بَينهمَا وَالْمعْنَى أَنه تحصن بحزمه كَمَا يتحصن بالدرع وَجعل حزمه كالدرع الواقية لَهُ وَقد لبس الحزم فَوق الدرْع فَجعله بَين النَّفس والهلاك
١٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكل صَادِق ظَنّه بِمَا يطويه النَّاس من أهل السهل والجبل دونه فَعلم مَا أسروه وانكشف لَهُ مَا أضمروه وَكَذَلِكَ الألمعي وَهُوَ الحاذق بالأمور يُصِيب بظنه حَتَّى كَأَنَّهُ مبصر لما غَابَ عَنهُ وَيعلم بتقديره حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد لما بعد مِنْهُ
١٥ - الْإِعْرَاب الْبُخْل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الْخَاء
следующие страницы →