Полный текст (1 424 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
- ١ هَذِه القصيدة من الْبَسِيط والقافية من المتراكب الْغَرِيب الممالك جمع مملكة وَهِي سُلْطَان الْملك فِي رَعيته والأسل الرماح والقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول أَعلَى الممالك مَا جَاءَ قسرا وَغَلَبَة بالطعن لَا مَا جَاءَ عفوا وَالْمعْنَى أَعلَى الممالك رُتْبَة وأظهرها رفْعَة مَا بنى على الْحَرْب وَدفع عَنهُ بالطعن وَالضَّرْب وَأَشَارَ بالأسل إِلَى هَذِه الْعبارَة وَمَا يكون الطعْن عِنْد محبَّة مَالِكه والقتال عِنْد محبه إِلَّا كالقبل المستعذبة وَاللَّذَّات المغتنمة وَعجز الْبَيْت من قَول الطَّائِي
(يَسْتَعْدِبُونَ مَناياهُمْ كأنَّهُمُ ... لاييأَسُون مِنَ الدُّنيا إذَا قُتِلُوا)
стр. 772
وَمعنى بَيت من أبي الطّيب أَنهم يستعذبون ويستلذون الطعْن استلذاذ الْقبل وَكَانَ الْوَجْه أَن يَقُول عِنْد محبيه لِأَن الطعْن مصدر طعن إِلَّا أَنه جعله جمع طعنة وَكَانَ سَبَب قَول أبي الطّيب هَذِه القصيدة أَن أَحْمد هَذَا قصد الْموصل لقِتَال الْحسن ابْن عبد الله بن حمدَان أخي سيف الدولة فَسَار أَخُوهُ إِلَيْهِ إِلَى الْموصل لنصره فَلَمَّا أحس الديلمى بإقبال سيف الدولة صَالح أَخَاهُ الْحسن على أَن يبْعَث إِلَى السُّلْطَان من خراج الْموصل مَا جرت بِهِ عَادَته فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِك ورحل عَن الْموصل من غير قتال وَرجع إِلَى بَغْدَاد فَقَالَ أَبُو الطّيب هَذِه القصيدة وأنشدها فِي ذِي الْقعدَة من سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَثَلَاث مئة
٢ - الْإِعْرَاب نصب دهرا على الظّرْف وَرفع قبل لِأَنَّهُ مَبْنِيّ لما قطع عَن الْإِضَافَة بناه على الضَّم الْغَرِيب التقلقل ضد السّكُون وَهُوَ الْحَرَكَة العنيفة والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس مَأْخُوذ من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول السيوف لَا تقر فِي الممالك حَتَّى تتحرك زَمَانا فِي رُءُوس الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى إِنَّمَا تسكن سيوف فِي دولتها وتسكن فِي مملكتها حَتَّى تكون حركتها فِي ضرب رُءُوس المحالفين وتشتهر آثارها فِي قمع المعترضين فَحِينَئِذٍ تنوب رهبتها عَن استلالها وتغنى هيبتها عَن اسْتِعْمَالهَا وَأَشَارَ بذلك إِلَى انصراف الديلمي عَن الْموصل بِغَيْر حَرْب هَيْبَة لسيف الدولة وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(سأْجْهِد عَزْمي والمَطايا فإنَّنِي ... أرَى العَفْوَ لَا يُمْتاحُ إِلَّا من الجَهْدِ)
٣ - الْمَعْنى يَقُول مثل سيف الدولة إِذا طلب أمرا تقربه الرماح والمطايا وَالْمعْنَى يَقُول إِن الْأَمِير لما قصد الْموصل لدفع الديلمي عَنهُ قرب ذَلِك لَهُ طول رماحه فِي وقيعته وإسراع خيله وَإِبِله إِلَى عَادَته وتلخيصه إِذا أَرَادَ أمرا لم يعسر عَلَيْهِ
٤ - الْغَرِيب زحل من الْكَوَاكِب السَّبْعَة وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء السَّابِعَة الْمَعْنى يَقُول وقربها عَزمَة نَافِذَة بعثها مِنْهُ همة عالية يتواضع زحل عَنْهَا كتواضع الأَرْض عَن علو زحل
٥ - الْإِعْرَاب لملقى اللَّام لَام الْأَجَل أَي لأجل خُرُوجه عَن حلب
стр. 773
الْغَرِيب الأعاصير جمع إعصار وَهِي الرّيح تلتف بالغبار وَتَعْلُو مستطيله وَفِي الْمثل
(إنْ كُنْتَ رِيحا فَقَدْ لاقَيْتَ إعْصَاراً ... )
والمقتبل الَّذِي تناهى شبابه وَلَيْسَ عَلَيْهِ للكبر أثر وَقَالَ الواحدي المقتبل الَّذِي تقبله الْعُيُون وحلب مَدِينَة مَعْرُوفَة والفرات نهر كَبِير مَعْرُوف الْمَعْنى يَقُول إِن على الْفُرَات غبرات تثيرها كتائب سيف الدولة وَفِي حلب دَار مُسْتَقِرَّة وَحْشَة لملك قد عوده الله الظفر على أعدائه ولقاه النَّصْر فِي مقاصده مقتبلا فِي شبيبته متناهيا فِي قوته وَقَالَ الواحدي على الْفُرَات ريَاح فِيهَا غُبَار لمَكَان جَيش أَخِيك نَاصِر الدولة وَفِي حلب وَحْشَة لِأَنَّك بَعدت عَنْهَا وَيُرِيد بملقى النَّصْر سيف الدولة لِأَنَّهُ يلقى النَّصْر من حَيْثُ قصد
٦ - الْمَعْنى أَنه ينذر أعداءه بكتبه أَولا فَإِن لم يطيعوه قصدهم بجيشه فَجعل خيله بَدَلا من رسله يُرِيد أَن كتبه لَيست لاستصلاح وَلَا إعتاب إِنَّمَا هِيَ للإعلام بِأَنَّهُ مُتَوَجّه إِلَيْهِم وَالْمعْنَى أَنه لَا يحب الظفر اغتيالا لشجاعته وقوته فأسنته أبدا تالية لكتبه وَهُوَ من قَول مُسلم
(مَنْ كانَ يَخْتِلُ قِرْنا عِندَ مَوْقِفِهِ ... فإنَّ قِرْنَ عَلىّ غَيْرُ مُخْتَتَلِ)
وَمن قَول البحتري
(وَحتى اكْتَفَى بالرُّسْلٍ دُونَ الكَتائبِ ... )
٧ - الْغَرِيب الجزر الشَّاة الَّتِي أعدت للذبح وأجزرت الْقَوْم إِذا أعطيهم شَاة يذبحونا نعجة أَو كَبْشًا أَو عَنْزًا وَلَا يكون إِلَّا من الْغنم وَلَا يُقَال أجزرتهم نَاقَة لِأَنَّهَا قد تصلح لغير الذّبْح وجزر السبَاع اللَّحْم الَّذِي تَأْكُله وَيُقَال تركوهم جزرا بِالتَّحْرِيكِ إِذا قتلوهم الْمَعْنى يُرِيد أَنه يلقى الْمُلُوك إِذا خالفته فَلَا يلقى إِلَّا جزر سيوفه وَمَا أعدوه من سِلَاحهمْ وآلاتهم فَلَا يلقى إِلَّا غَنَائِم جيوشه لما عوده الله من الظفر والظهور عَلَيْهِم وإيقاعه بهم
٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي مهجته لسيف الدولة لِأَن الضَّمِير إِذا عَاد على الْخَلِيفَة كَانَ إزراء بالممدوح لِأَنَّهُ من جملَته الْغَرِيب الْهِنْدِيّ السَّيْف الْكَرِيم مَنْسُوب إِلَى الْحَدِيد الْهِنْدِيّ والخلل أغشية الإعماد وَاحِدهَا خلة وَهِي جُلُود أغشية الإعماد
стр. 774
الْمَعْنى يَقُول لما علم الْخَلِيفَة أَن سَيْفه الَّذِي يَسْطُو بِهِ صانه وَحفظه بالأبطال الَّذين أثبتهم فِي رسمه والحماة الَّذين اخْتَارَهُمْ لحفظه كَمَا يصان السَّيْف الْكَرِيم بالأغماد الَّتِي يَتَخَلَّل فِيهَا والجفون الَّتِي يحفظ بهَا وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الْخَلِيفَة شرفه بتلقيبه بِسيف الدولة
٩ - الْإِعْرَاب من روى الْفِعْل بِالنّصب أَرَادَ يفعل الْفِعْل وَيَقُول القَوْل لِأَن أسم الْفَاعِل يعْمل عمل الْفِعْل وَمن روى بِالْجَرِّ جعله مُضَافا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿والمقيمي الصَّلَاة﴾ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يفعل الْأَفْعَال بديعة غَرِيبَة مَا عرفهَا قبله أحد فيفعلها وبتركها على علم وَيَقُول من القَوْل مَا لم يُعلمهُ غَيره وَقَالَ الْخَطِيب أَفعَال سيف الدولة يَتْرُكهَا النَّاس لصعوبتها عَلَيْهِم وينطق بالحكمة الَّتِي لَا يصل إِلَيْهَا سواهُ وَقَوله ﴿لم يتْرك﴾ أَي لم يتْرك الْقَائِلُونَ طلبه وَلما لم يصلوا إِلَيْهِ كَانَ كَأَنَّهُ لم يقل وَقَالَ ابْن الأفليلي يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون لِشِدَّتِهِ وَعظم شَأْنه فِي حَقِيقَته وَيَقُول القَوْل الَّذِي عجز عَنهُ الْقَائِلُونَ قبله فَلم يقدروا على مثله وَلَا قصدُوا إِلَى تَركه وَقَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح كل أحد يطْلب معاليك إِلَّا أَنه لَا يُدْرِكهَا وَلَيْسَ هَذَا من معنى الْبَيْت فِي شَيْء وَلَكِن الْمَعْنى هُوَ يفعل مَا لم يَفْعَله أحد لصعوبته على من طلبه فَهُوَ أَتَى بِهِ بكرا وَيكون أَبَا عذرة ذَلِك الْفِعْل وَكَذَا قَالَ ابْن فورجة يفعل أفعالا مبتكرة تجتنب لشدتها وَيَقُول أقوالا لم تعرف فَلم تقل وَإِذا كَانَت لم تعرف لم تتْرك لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتْرك مَا يعرف مَوْضِعه قَالَ وَلم يصب فِي تَفْسِير المصراع الثَّانِي حر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول مَا لم يقلهُ أحد فِي بلاغته وجزالته وَلم يتْرك أَيْضا لِأَن كل بليغ يُرِيد أَن يَأْتِي بِمثلِهِ وَقَالَ ابْن القطاع يُرِيد أَنهم طلبُوا أَفعاله فَلم يدركوها وطلبوا أَقْوَاله فَلم يقدروا عَلَيْهَا فكأنهم لم يَفْعَلُوا وَلم يَقُولُوا حِين قصروا عَنْهَا وَالْمعْنَى أَنه يفعل الْفِعْل الَّذِي قصر عَنهُ الفاعلون وَيَقُول القَوْل الَّذِي قصر عَنهُ الْقَائِلُونَ قَالَ فَمن لم يفهم مَعْنَاهُ قَالَ قد نَاقض بقوله لم يتْرك وَلم يقل وَلَيْسَ كَذَلِك
١٠ - الْغَرِيب غاله يغوله إِذا انتقصه وَأَصله الإهلاك وَمِنْه الغول والطفل وَقت غرُوب الشَّمْس وَالظّهْر وَقت الظهيرة وَهُوَ عِنْد قيام الشَّمْس للزوال الْمَعْنى هُوَ الَّذِي يبْعَث الْجَيْش الشَّديد بأسه الْكثير عدده الَّذِي تذْهب عجاجته بضوء الشَّمْس وتطمس إشراقها حَتَّى تصير فِي وَقت الظهيرة على مثل حَالهَا عِنْد الْغُرُوب وَهَذَا إِشَارَة إِلَى كَثْرَة جَيْشه
стр. 775
- الْغَرِيب الجو الفضاء والمقل جمع مقلة الْمَعْنى يَقُول مَا بعد من الْهَوَاء أضيق بساطع هَذَا الْغُبَار مِمَّا قرب لِأَنَّهُ فِيهِ تَجْتَمِع جملَته وتتراقى كثرته وَمَا قرب فَإِنَّمَا يردهُ الشَّيْء بعد الشَّيْء فينجلي مِنْهُ وَلَا يجْتَمع وَعين الشَّمْس أحير الْعُيُون بقربها من مستقره ودنوها من مجتمعه وَالْمعْنَى الجو على سَعَة أرجائه أضيق شَيْء لقِيه سَاطِع هَذِه الْعَجَاجَة
١٢ - الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة ينَال أبعد من الشَّمْس وَهِي ترى ذَلِك فَمَا تقابله إِلَّا على خوف من أَن ينالها لَو قَصدهَا لِأَنَّهُ يرى أَنه مَنْصُور مظفر يدْرك مَا يَقْصِدهُ وَقَالَ ابْن الإفليلي يُرِيد أَن هَذَا العجاج بتتابعه واتصاله وترادفه يَعْلُو على الشَّمْس مَعَ ارْتِفَاع موضعهَا وَهِي ناظرة إِلَيْهِ غير مُسَاوِيَة فِي الْعُلُوّ لَهُ فنقابله وَجلة من ذَهَابه بنورها وتلاحظه مشفقة من استيلائه على ضوئها وَهَذَا كُله يُشِير إِلَى عظم الْجَيْش وكثرته
١٣ - الْغَرِيب ظَاهر الحزم جعل بعضه فَوق بعض كَمَا يظاهر الرجل بَين درعين وَأَصله المعاونة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن تظاهرا عَلَيْهِ﴾ والغيل جمع غيلَة وَهِي قتل الخديعة وَمِنْه قبل فلَان فلَانا غيلَة أَي اغتيالا وأصل الغيل الْهَلَاك الْمَعْنى يَقُول قد عرض السَّيْف دون مَا ينزل بِهِ وجرده فِيمَا يحدث عَلَيْهِ واستعان بالحزم فِي دفع الْهَلَاك عَن نَفسه وأقامه حاجزا بَينهمَا وَالْمعْنَى أَنه تحصن بحزمه كَمَا يتحصن بالدرع وَجعل حزمه كالدرع الواقية لَهُ وَقد لبس الحزم فَوق الدرْع فَجعله بَين النَّفس والهلاك
١٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكل صَادِق ظَنّه بِمَا يطويه النَّاس من أهل السهل والجبل دونه فَعلم مَا أسروه وانكشف لَهُ مَا أضمروه وَكَذَلِكَ الألمعي وَهُوَ الحاذق بالأمور يُصِيب بظنه حَتَّى كَأَنَّهُ مبصر لما غَابَ عَنهُ وَيعلم بتقديره حَتَّى كَأَنَّهُ شَاهد لما بعد مِنْهُ
١٥ - الْإِعْرَاب الْبُخْل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَم الْبَاء وَسُكُون الْخَاء
стр. 776
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يتَجَنَّب الْبُخْل كَمَا يتَجَنَّب الشجاع الْجُبْن ويتجنب الْجُبْن كَمَا يتَجَنَّب الْكَرِيم الْبُخْل قد جمع الشجَاعَة وَالْكَرم وَقَالَ أَبُو الْفضل لَيْسَ كَمَا ذهب إِلَيْهِ وَلكنه يَقُول الشجاع يعد الْبُخْل جبنا لِأَن الْبُخْل مَعْنَاهُ خوف الْفقر وَالْخَوْف جبن والشجاع لَا بجبن والجواد يعد الْجُبْن بخلا لِأَن معنى الْجُبْن وَحَقِيقَته الْبُخْل بِالروحِ والجواد لَا يبخل فَإِذا هُوَ شُجَاع غير بخيل وجواد غير جبان قَالَ وَقد أَخذه من قَول أبي تَمام
(فإذَا رأيْتَ أَبَا يَزيدٍ فِي نَدّى ... وَوَغّى وَمُبْديَ غارَةٍ وَمُعيداً)
(يَقْرِى مُرَجِّيَه حُشاشَةَ مالِهِ ... وَشَبا الأسِنَّةِ ثَغْرَةً وَوَرِيداً)
(أيْقَنْتَ أنَّ مِنَ السَّماحِ شَجاعَةً ... تُدمي وأنَّ مِنَ الشَّجاعَةِ جوداً)
وَهَذَا الَّذِي ذكره أَبُو الْفضل من قَول حبيب فَلَقَد بَين حبيب وَفسّر وأجمل أَبُو الطّيب وَاخْتصرَ وَقَالَ ابْن الأفليلي يُرِيد أَنه الشجاع المتناهي الشجَاعَة فالبخل عِنْده بَاب من الْجُبْن لِأَن من سمح بِنَفسِهِ لم يبخل بكرام مَاله وَهُوَ الْجواد المتناهي الْجُود والجود بِالنَّفسِ غَايَة الْجُود وَمن جاد بِنَفسِهِ لم يجبن عَن عدوه وَمن كَانَ كَذَلِك فالجبن عِنْده بَاب من الْبُخْل فَدلَّ على أَن الشجَاعَة والجود من طَرِيق وَاحِد وَهَذَا مَنْقُول من قَول الآخر
(إِلَى جَوَادٍ يَعُدُّ الجُبنَ مِنْ بَخَلٍ ... وَباسِلٍ بُخْلُهُ يَعْتدُّهُ جُبُنا)
(يَلقى العُفاةَ بِما يَرْجونَ مِنْ أمَلٍ ... قَبْلَ السُّؤَالِ وَلا يَبْغي بِه ثَمَنا)
وَقد بَين مُسلم أَن الشجَاعَة جود بِالنَّفسِ فِي قَوْله
(يَجُودُ بالنَّفْسِ إذَ ضَنَّ البَخيلُ بهَا ... والجُودُ بالنَّفْسِ أقصَى غايةِ الْجُود)
١٦ - الْغَرِيب يعود أَي يرجع والإغذاذ الْإِسْرَاع فِي السّير والمغاذ من الْإِبِل العيوف يعاف المَاء الْمَعْنى يَقُول هُوَ يفتح الْفتُوح الْعَظِيمَة فَلَا يفخر بهَا ويسرع إِلَيْهَا وَلَا يحتفل لَهَا اسْتِقْلَالا لعظم مَا يَفْعَله وارتفاعا عَن نهب من يَقْصِدهُ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح فَإِن قيل كَيفَ يكون مغذا غير محتفل فَالْمَعْنى أَنه غير محتفل عِنْد نَفسه وَإِن كَانَ محتفلاً عِنْد غَيره لِأَن كَبِير الْأَشْيَاء عِنْد غَيره صَغِير عِنْده وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا فحرفا
١٧ - الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة قد قرنه الله بالنصر وأمده من عوض بِمَا لَا يمنعهُ
стр. 777
الدَّهْر مَعَه من بغيته وَلَا يجير عَلَيْهِ من اعْتقد لَهُ مَعْصِيَته وَلَا يحصن الدرْع مِنْهُ مهجة من خَالفه وَلَا يعصمه من الْهَلَاك إِذا أَرَادَهُ
١٨ - الْغَرِيب الْحلَل جمع حلَّة وَقَالَ أَبُو عبيد الْحلَل برود الْيمن والحلة إِزَار ورداء أَو لَا يُسمى حلَّة حَتَّى يكون ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يَقُول إِذا خلعت عَلَيْهِ حلَّة من شعري وألبسته ثوبا من مدحي وجدت تِلْكَ الْحلَّة قد تزينت بفضله وَذَاكَ الْمَدْح متشرفا بِقَدرِهِ فَهُوَ يرفع الشّعْر فَوق رفعته لَهُ ويزين الْمَدْح أَكثر من تزينه بِهِ وَالْمعْنَى أَن عرضه أحسن من الْحلَل وَأَن الْمَدْح يتزين بِهِ وَهُوَ مَنْقُول من قَول اللطائي
(وَلْم أمْدَحْكَ تَفْخِيما لشِعْرِي ... وَلَكِنِّي مَدَحْتُ بِكَ المَدِيحا)
وروى ابْن جنى فِي بعض رواياته جعلت بَدَلا من خلعت وَفِيه نظر إِلَى قَول الْحَكِيم إِذا تجردت الطَّائِف من الشكوك كست الصُّورَة رونقا والرونق الْحسن
١٩ - الْغَرِيب الغبي الْجَاهِل غَنِي يغبى غبا وغباوة والجعل دويبة مَعْرُوفَة تأوى فِي النَّجَاسَات الْمَعْنى يَقُول إِذا أنْشد شعري بعد على فهم الْجَاهِل وَأثر ذَلِك فِي نَفسه وانكشف لَهُ قدر تَقْصِيره واستضر بِحسن قولي وبديع شعري كَمَا يستضر الْجعل برياح الْورْد الَّتِي تؤذيه وتقتله لمضادته لَهَا وَالْمعْنَى إِنَّمَا يعرف شعري وجودته وجوهره من هُوَ صَحِيح الْفِكر وَإِن كَانَ ضد ذَلِك إِنَّمَا نَالَ مِنْهُ كَمَا ينَال الْجعل من الْورْد إِن كَانَ مستلذا فِي الْحَقِيقَة فَشبه شعره بالورد وحاسده بالجعل وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْأَلْفَاظ المنطقية مضرَّة بذوي الْجَهْل لنبو إحساسهم عَنْهَا
٢٠ - الْغَرِيب تَقول زيد خير الرِّجَال وَهِنْد خيرة النِّسَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ خيرات﴾ قيل هُوَ جمع خير وَقيل بل هُوَ جمع خيرة والدول جمع دولة الْمَعْنى يَقُول لقد رَأَتْ كل عين من جمالك مَا بهرها وَمن جلالك مَا ملأها وجربت خيرة الدول أَي أفضل الدول مِنْك أفضل السيوف
٢١ - الْمَعْنى يَقُول لَا تمل من حَرْب وَلَا تزل فِي رَأْي يَقُول مَا تكشف الْأَعْدَاء مِنْك بطول ممارستها مللا فِي حربها وَلَا أبدت الآراء مِنْك زللا مَعَ تزاحمها
стр. 778
- الْمَعْنى يَقُول كم رجال بِلَا أَرض لكثرتهم وازدحامهم عَلَيْهَا فقد ضَاقَتْ بهم أفنيتهم حَتَّى أخليت أَرضهم مِنْهُم فَصَارَت قفرا بِلَا رجل وَالْمعْنَى كم جمع جمعه الْأَعْدَاء لَك تغيب الأَرْض من كَثْرَة رِجَاله وتخفى عَن الْأَبْصَار بتزاحم جموعه حَتَّى كَأَنَّهُمْ رجال بِلَا أَرض قَتلتهمْ فَتركت جموعهم أَرضًا بِلَا رجل وَفِيه نظر لِكَثْرَة الْجَيْش إِلَى قَول حبيب فِي صفة الْجَيْش
(مَلأَ المَلا عُصَبا فَكادَ بأنْ يُرَى ... لَا خَلْفَ فِيْهِ وَلا لَهُ قُدَّامُ)
٢٣ - الْغَرِيب الطّرف الْفرس الْكَرِيم والثمل والثامل بِمَعْنى وَهُوَ السَّكْرَان وثمل ثملا إِذا أَخذ فِيهِ الشَّرَاب فَهُوَ ثمل الْمَعْنى يَقُول مَا زَالَ فرسك يَخُوض فِي دِمَائِهِمْ ويعثر بالقتلى حَتَّى مَشى بك مَشى السَّكْرَان متعثرا يُرِيد أَن حَرَكَة الدَّم بكثرته أمالته عَن سنَن جريه فَمشى مَشى السَّكْرَان وَالْمعْنَى أَن فرسك مازال يطَأ فِي دِمَائِهِمْ ويقتحم معركتهم حَتَّى أزلقته الدِّمَاء بكثرتها فَمشى مشي السَّكْرَان الَّذِي لَا يثبت بِنَفسِهِ وَلَا يطمئن فِي مَشْيه
٢٤ - الْغَرِيب الجذل الْفرج وجذل بِالْكَسْرِ يجذل فَهُوَ جذلان وأجذله غَيره أَي أفرحه واجتذل أَي ابتهج الْإِعْرَاب يرْوى الناظرين على التَّثْنِيَة ويروى بِفَتْح النُّون لجَماعَة النظار إِلَيْهِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَهُ تحكم عَيناهُ فِيمَا تريانه وَله يحكم قلبه فِي الجذل وَهُوَ الْفَرح وَقَالَ الْخَطِيب يَعْنِي بالناظرين ناظري الممدوح فِيمَا يرَاهُ وَحكم الْقلب الْفَرح فَإِذا تمنى قلبه شَيْئا وصل إِلَيْهِ وَمن روى الناظرين يُرِيد أَنهم المنجمون وَله معنى وَلَا يَنْبَغِي أَن يعدل عَن الأول لِأَن قَوْله حكم الْقلب يشْهد أَن الناظرين عينا الممدوح وَقَالَ ابْن الأفليلي وَله حكم ناظريه أَن لَا يريهما الله إِلَّا مَا يسره وَحكم نَفسه أَلا يعرفهُ الله إِلَّا مَا يفرحها من نصر وظفر بالأعداء وَقَالَ الواحدي الحكم هَاهُنَا اسْم للْمَفْعُول لَا للْفِعْل فَإِن النَّاس مسنتوون فِي أَفعَال نواظرهم وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَحْكُوم بِهِ يَقُول مَا حكم بِهِ ناظرك اسْتِحْسَانًا فَهُوَ لَك لَا يعارضك فِيهِ مَانع وَكَذَلِكَ الحكم فِيمَا يسره
стр. 779
- الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالتوفيق مُقيما وراحلا أَي أَنْت موفق مَسْعُود فِيمَا تَفْعَلهُ إِن أَقمت أَو ارتحلت وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى ارتحال الديلمي عَن الْموصل وَقَالَ إِن الَّذِي فعله الله لَك من الْمُوَادَعَة الَّتِي اخْتَارَهَا محاربك قد جعل لَك فِيهِ السَّعَادَة وَقرن لَك بِهِ الْخيرَة
٢٦ - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وقلب الْوَاو يَاء هُنَا شَاذ فِي الْقيَاس دون الِاسْتِعْمَال وَيُقَال خيل جِيَاد وأجاويد وأخلاقك عاداتك وخصالك الْمَعْنى يَقُول عاود الْحَرْب ودع السّلم على مَا كنت عَلَيْهِ فِي الأول وَأجر خيلك على مَا كنت مجريها من قتل الْأَعْدَاء وَالسير إِلَيْهِم وَالْمعْنَى قَاتل الْأَعْدَاء وَلَا تهادنهم وَذَلِكَ أَن سيف الدولة كَانَ قد ترك الْحَرْب مُدَّة فَقَالَ لَهُ أجر خيلك على مَا كنت مجريها أَولا من غَزْو الرّوم وحماية الثغور فقد كفك الله مَا كنت تحذره على أَخِيك من الديلمي وَخذ بِنَفْسِك فِيمَا تقدم من أخلاقك وشغر من مذاهبك واعدل عَن السّلم إِلَى الْحَرْب وَعَن الدعة إِلَى الْجِهَاد
٢٧ - الْغَرِيب الاحجة جمع حجاج وَهُوَ الْغَار الَّذِي فِيهِ الْعين والفوارس جمع فَارس والعسالة الرماح الطوَال الَّتِي تهتز والذبل جمع ذابل وَهُوَ الْيَابِس وَعسل الرمْح يعسل عسلانا إِذا اضْطربَ الْمَعْنى يَقُول إِن خيلك تنظر من عُيُون قد أدْمى حجاجها قرع الرماح الطَّوِيلَة المضطربة لَهَا حِين الطراد وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا حضه عَلَيْهِ من غَزْو الرّوم وحماية الثغور وَإِن خيلك قد ألفت ذَلِك
٢٨ - الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بِهَذَا الدُّعَاء وَهُوَ فِي غَايَة الْحسن وَالْمعْنَى لَا وصلت بهَا إِلَّا إِلَى مَا تَأمله من ظفر وغنيمة وَلَا هجمت بهَا إِلَّا على عَدو تظفر بِهِ وتسبى جريمة وَهَذَا من أحسن الدُّعَاء وأبلغه وأخصره وأحكمه وأتمه
стр. 780
- ١ الْمَعْنى يَقُول بِنَا مِنْك أَي من حزنك وَالْغَم عَلَيْك فَحذف الْمُضَاف كَقَوْل زُهَيْر بن أبي سلمى
(أمِنْ أُمّ أوْفَي دِمِنَةٌ لْم تَكَلَّمِ ... )
أَرَادَ أَمن دمن أم أوفي دمنة وَالْمعْنَى بِنَا مِنْك وَنحن فَوق الرمل يُرِيد الأَرْض مَا بك وَأَنت تحتهَا يُرِيد إِنَّا أموات حزنا عَلَيْك ونبلى كَمَا أَنْت ميت تحتهَا تبلى وَفسّر المصراع الأول بِالثَّانِي فَقَالَ الْحزن يهزل ويبلى كَمَا يبْلى الْمَوْت وَقد نَقله من قَول يَعْقُوب بن الرّبيع يرثى جَارِيَة لَهُ تسمى ملكا
(يَا مَلْكُ إِن كُنتِ تحتَ الأرْضِ بالِيَةً ... فإنَّنِي فَوْقَها بالٍ مِنَ الْحَزَنِ)
٢ - الْغَرِيب الْحمام الْمَوْت والثكل فقد الحبيب الْعَزِيز الْمَعْنى يَقُول كَأَنَّك أَبْصرت الَّذِي أبقاه من الْحزن عَلَيْك وأقاسيه من الوجد بك وَعلمت أَن الدُّنْيَا مجبولة على فقد الْأَحِبَّة وإعدام الأعزة فآثرت الْمَوْت على الثكل واخترت الْمَوْت على الْحزن وَقَوله وقزله وَخِفته يدل على تَعْظِيم مَا هُوَ فِيهِ وترجيحه على الْمَوْت
٣ - الْغَرِيب الغانيات جمع غانية وَهِي الَّتِي غنيت بحسنها عَن التحسين وَقيل هِيَ الَّتِي غنيت بزوجها قَالَ جميل
(أُحِبُّ الأَيامَى إذَا بُشَيْنَةُ أيّمُ ... وأحْبَبْتُ لَمَّا أنْ غَنِيْتِ الغَوَانيا)
وَالْعين النجلاء الواسعة الْحَسَنَة وَالْجمع نجل الْمَعْنى يَقُول تركت خدود الغانيات من نوادبك والمنعمات والمنعمات من بواكيك وفوقها جموع مسفوحة عَلَيْك منهملة بمصابك كَأَنَّهَا تذيب الْحسن بفيضها وَوجه إذابة الدمع أَنه يفْسد الْعين بِكَثْرَة الْبكاء كَقَوْل الآخر
(أليسَ يَضرُّ العَينَ أنْ يَكثُرَ البُكا ... ويُمْتَعَ عَنْها نَوْمُها وَهُجودُها)
стр. 781
وَقَالَ تذيب وَلم يقل تزيل لِأَن الدمع لما كَانَ يذهب بالْحسنِ شَيْئا فَشَيْئًا كَانَ اسْتِعَارَة الإذابة لمثله أحسن وَأَيْضًا لما كَانَ الذوب فِي معنى السيلان وَالْجمع سَائل كَانَ كَأَن الْحسن سَالَ مَعَه وَقيل إِن الْحسن عرض لَا يقبل الإذابة فَقَالَ إِن الدُّمُوع تذيب مَالا يقبل الإذابة فَمَا ظَنك بِمَا يقبلهَا كَيفَ لَا تذيبه
٤ - الْغَرِيب الجثل الشّعْر الْكثير الملتف الْمَعْنى يَقُول هَذِه الدُّمُوع تصل إِلَى الأَرْض سُودًا لَا متزاجها بالمسك وَحده لِأَن الْجَوَارِي لَا يكتحلن إِلَّا بِهِ وَقد استعملن الْمسك قبل الْمُصِيبَة فَيبقى فِي شعورهن وَهَذِه الدُّمُوع قطرت وَهِي حمر لَا متزاجها بِالدَّمِ ثمَّ غلب عَلَيْهَا سَواد الْمسك فَصَارَت سُودًا وقطرت على الشّعْر لِأَنَّهُنَّ نشرن الشُّعُور وفيهَا مسك فمرت الدُّمُوع بهَا فاسودت من مسكها وَقد نَقله من قَول أبي نواس
(وَقدْ غَلَبَتْها عَبْرَةٌ فَدُمُوعُها ... على خَدَها حُمْرٌ وَفِي نَحْرِها صُفْرُ)
يُرِيد أَنَّهَا اخْتلطت بالطيب وَفِيه زعفران وَأَشَارَ إِلَى أَن بوَاكِيهِ فِي النعم والرفعة مَعَ مَا هن بسبيله من حر الْمُصِيبَة
٥ - الْغَرِيب الأسى الْحزن والطفل الصَّغِير الْمَعْنى يَقُول إِن كنت فِي قبر قد تضمنك ولحد قد سترك فَإِن مثالك فِي الْقلب سَاكن ومحلك فِي الحشى لطيف وَإِن تَكُ طفْلا فِي سنك وصغيرا فِيمَا انصرم من عمرك فَإِن الرزء بك لَيْسَ بالصغير والحزن عَلَيْك لَيْسَ باليسير وَقد نَقله من قَول الآخر
(إنْ تَكُنْ مُتَّ صَغِيراً ... فالأَسَى غَيْرُ صَغِيرِ)
وَمن قَول حبيب
(لَهَا مَنْزِلٌ تَحْتَ الثَّرى وَعَهِدْتُها ... لَهَا مَنْزِلٌ بَينَ الجَوَانِحِ والقَلْبِ)
٦ - الْغَرِيب المخيلة: الحسابة الَّتِي يتَأَكَّد الرَّجَاء فِي مطرها، وَالدّلَالَة بالشئ الصَّادِق مخيلة، وَأَرَادَ بالمخيلة هَا هُنَا: الفراسة الْمَعْنى: يَقُول مثلك لَا يبكي عَلَيْهِ بِقدر سنه لِأَنَّك لم تبلغ مبلغ الرِّجَال فَيُوجب فرط الْبكاء عَلَيْك وَلَكِنَّك يبكى عَلَيْك على قدر أصلك لِأَنَّك من أصل كَبِير
стр. 782
ويبكى عَلَيْك على قدر الفراسة فِيك لأَنا نتفرس فِيك الْملك فَلهَذَا يكثر الْبكاء عَلَيْك لِأَنَّك جدير بالبكاء عَلَيْك لشرف أصلك
٧ - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح الَّذِي وَقَالَ أَرَادَ الَّذين فَحذف النُّون تَخْفِيفًا لطول الِاسْم وَقَالَ هُوَ مَوضِع خفض نعت للْقَوْم قَالَ وَيجوز أَن يكون ابْتِدَاء وَمن رماحهم صلَة ونداهم خبر الْمُبْتَدَأ وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع الْحَال لِأَن الْجمل تكون أحوالا من المعارف وصفات للنكرات الْمَعْنى أَلَسْت يُخَاطب الْمَيِّت من الْقَوْم الَّذين كرمهم من سِلَاحهمْ ونداهم من رماحهم وَالْبخل من قتلاهم فهم يسطون على الْأَعْدَاء بِمَا يرهبونهم بِهِ من الْفضل ويتملكونهم بِمَا يسمعُونَ فيهم من الْأَنْعَام والجود واستعار للبخل مهجة وَالْمعْنَى مَأْخُوذ من قَول الطَّائِي
(فإنْ أزَماتُ الدَّهْرِ حَلَّتْ بِمَعْشَرٍ ... أُرِيقَتْ دِماءُ المَحْلِ فِيها فطُلَّتِ)
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ابْن الرُّومِي
(وَما فِي الأرْضِ أسْمَحُ مِنْ شُجاعِ ... وَإنْ أعْطَى القَلِيلَ مِنَ النَّوَالِ)
(وَذَاكَ لأَنَّهُ يُعْطِيكَ مِمَّا ... تُفِيءُ عَلَيْهِ أطْرافُ العَوَاليَ)
٨ - الْغَرِيب الأعطاف جمع عطف وَهُوَ الْجَانِب من رَأسه إِلَى وركه الْمَعْنى يَقُول مَوْلُود هَؤُلَاءِ الْقَوْم كَغَيْرِهِ من الصّبيان لَا ينْطق لِأَن الصَّبِي لَا لَا يقدر على الْمنطق لصغره وَلَكِن الْفضل والجود والشجاعة تتفرس فِيهِ فَكَأَنَّهُ نَاطِق لظُهُوره فِيهِ فالفضل فِي أعطافه وشمائله يقوم مقَام النُّطْق وَالْمعْنَى مولودهم إِذا منعته من الْكَلَام الطفولية نطقت السِّيَادَة من أعطافه منطق فضل وَشهِدت لَهُ مخايل الْكَرم شَهَادَة عدل ويروى منطق الْفَصْل بالصَّاد الْمُهْملَة يُرِيد قَوْلهم أما بعد فِي صدر الْكَلَام ويروى صمت بِالْفَتْح وَالضَّم فِي الصَّاد مصدران
٩ - الْغَرِيب العلياء من ضم قصر وَمن مد فتح الْعين والمصاب والمصيبة مصدران وَقيل بل الْمصدر الْمُصَاب والشغل بِضَم الْغَيْن وسكونها لُغَتَانِ فصيحتان قَرَأَ بِسُكُون الْغَيْن ابْن كثير وَنَافِع وَابْن عَمْرو الْمَعْنى يَقُول الْكَرم يسليهم عَن مصابهم وَيُوجب لَهُم الصَّبْر فِي فجائعهم ويشغلهم كسب الثَّنَاء عَن الشّغل بِغَيْرِهِ وَأَرَادَ بِغَيْرِهِ فَحَذفهُ لدلَالَة الْمَعْنى عَلَيْهِ
стр. 783
وَالْمعْنَى معاليهم تذْهب عَنْهُم حزن الْمُصِيبَة لِأَن الْجزع من أَخْلَاق اللئام وَمن علت همته علا قدره وَلم يجزع لما أَصَابَهُ بل يسْتَقلّ بكسب المحامد عَن كل شغل لِأَن كسب الثَّنَاء يشغلهم عَن غَيره
١٠ - الْإِعْرَاب رفع أقل على خبر الِابْتِدَاء أَي هم أقل وَقَوله وأقدم يُرِيد وَأَشد إقداما وَإِنَّمَا أَخذه من قدم يقدم وَهُوَ رَاجع إِلَى معنى الْإِقْدَام لِأَن الْإِقْدَام على الشَّيْء قرب مِنْهُ وَهُوَ مَوْجُود فِي الْقدوم وَقد قَالَ حسان بن ثَابت
(كِلْتاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فعاطِني ... بزُجاجَةٍ أرْخاهَما للْمَفْصَلِ)
أَرَادَ أَشد إرخاء وَقد قَالَ ذُو الرمة
(بأضْيَعَ مِنْ عَيْنَيْكَ للدَّمْعِ كُلَّما ... تَوَهَّمْتَ رَبْعا أوْ تذكَّرتَ مَنزِلاً)
الْغَرِيب الرزايا جمع رزية وَهِي مَا يرزأ بِهِ الْإِنْسَان موت وَغَيره والجحفل الْعَسْكَر الْعَظِيم والنبل جمع نبلة وَهِي السِّهَام الْمَعْنى يَقُول إِن رَهْط سيف الدولة أقل بالرزايا مبالاة من الرماح المتوقعة وأقعد بَين الجيشين المتقابلين من السِّهَام الْمُرْسلَة وَالْمعْنَى لَا يبالون بِمَا يصيبهم كَمَا لَا يُبَالِي بهَا من لَا يعرفهَا وَقَوله من القنا لِأَنَّهُ جماد لَا يعرف الرزايا فشبههم لجراءة أنفسهم وجلدهم على الرزايا إِذا طرقهم بِالرِّمَاحِ والسهام الَّتِي تصيب وَلَا تصاب وتهاب وَلَا تهاب
١١ - الْإِعْرَاب نصيب عزاءك بِفعل مُضْمر تَقْدِيره تعز عزاءك وَقيل على الإغراء الزم عزاءك والمقتدي بِهِ فِي مَوضِع نصب نعتا للعزاء وَالضَّمِير فِي بِهِ للعزاء الْغَرِيب النصل حَدِيدَة السَّيْف الْمَعْنى يَقُول الزم عزاءك الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ النَّاس فَأَنت الأسوة فِي غَيْرك والأوحد فِي فضلك وَأَنت سيف والشدائد إِنَّمَا تلقي السَّيْف يكشفها بحدته وَينفذ فِيهَا بصرامته وَهُوَ يلقى شدَّة الْحَدِيد من الدروع والجواشن وَالْمعْنَى اصبر وَلَا تجزع فَأَنت تعلم النَّاس الصَّبْر
١٢ - الْإِعْرَاب رفع مُقيم على خبر الِابْتِدَاء يُرِيد أَنْت مُقيم وَيجوز أَن يكون نعتا لنصل
стр. 784
الْغَرِيب الهيجاء تمد وتقصر وَهِي من أَسمَاء الْحَرْب والصوارم جمع صارم وَهُوَ السَّيْف الْمَعْنى يُرِيد أَنْت مُقيم فِي كل منزل من منَازِل الْحَرْب تأنس بهَا وَلَا تستوحش لَهَا حَتَّى كَأَن صوارمها أهلك وأسلحتها رهطك تنصرك وَلَا تخذلك وتظفرك وَلَا يظفر بك فكأنك إِذا كنت بَين السيوف كنت فِي أهلك وَهُوَ من قَول الطَّائِي
(لِتَعْلَمَ أنَّ الغُرَّ مِنْ آلِ مُصْعَبٍ ... غَداةَ الوَغَى آلُ الوَغى وأقارِبُهْ)
وَمثل قَوْله أَيْضا قَالَ ابْن وَكِيع
(حَنَّ إِلَى المَوْتِ حَتَّى ظَنَّ جاهِلُهُ ... بأنَّهُ حَنَّ مُشْتاقا إِلَى الوَطَنِ)
١٣ - الْغَرِيب أصل الْعبْرَة تردد الْبكاء فِي الصَّدْر وَتردد الدُّمُوع فِي الْعين وَامْرَأَة عَابِر بِغَيْر هَاء إِذا تهيأت للبكاء الْمَعْنى يَقُول لم أر أحدا لَا يُطِيع دمعه الْحزن سواهُ وَإنَّهُ أثبت النَّاس عقلا إِذا أذهب الْخَوْف عقول الرِّجَال عِنْد الْحَرْب يُشِير بذلك إِلَى استسهاله لأمرها واستقلاله بحملها وَالْمعْنَى أَنه صابر عِنْد الشدائد ثَبت فِي الحروب
١٤ - الْغَرِيب السَّلِيل الْوَلَد وَالْأُنْثَى سليلة قَالَت هِنْد بنت النُّعْمَان
(وَما هِنْدٌ إِلَّا مُهْرَةٌ عَرَبِيَّةٌ ... سَلِيلة أفْراسٍ تَجَلَّلَها نَغْلُ)
والنغل الخسيس من النَّاس وَالدَّوَاب وَرَوَاهُ الْجَوْهَرِي بغل بالغين قَالَ عبد الله بن بَرى فِيمَا أَخذ عَلَيْهِ هُوَ تَصْحِيف لِأَن الْبَغْل لانسل لَهُ والفوارس جمع فَارس وَالرجل جمع راجل يُقَال رجل وراجل ورجلة ورجالة وَرِجَال وَرِجَال ورجالي وأراجل وأراجيل وَقَوله تَعَالَى ﴿فرجالا أَو ركبانا﴾ جمع راجل الْمَعْنى يَقُول مُتَعَجِّبا بأَمْره ومنبها على جلالة قدره إِن الْمَوْت حتم من الله على جَمِيع خلقه تخَالفه المنايا فتخترم نفس ابْنه وتخون عَهده فِي وَلَده وتنصره فِي حربه وَتُطِيعهُ عِنْد مواقعته لعَدوه وَفِي هَذَا شَاهد على أَن الْمَوْت لَا يدْفع بِقُوَّة وَلَا يمْتَنع مِنْهُ برفعة وَفِيه نظر إِلَى قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(أَلْم تَعْجَبْ لَهُ أنَّ المَنايا ... فَتَكْنَ بِهِ وَهُنَّ لهُ جُنُودُ)
١٥ - الْغَرِيب الْحَوَادِث جمع حَادِثَة وَهِي مَا يحدث الدَّهْر على الْإِنْسَان والفرند جَوْهَر السَّيْف وماؤه ويبدو يظْهر
стр. 785
الْمَعْنى يَقُول إِن الْحَوَادِث لَا تذْهب بصبره وَلَا تخل بجلده وَلكنهَا تبقى ذَلِك وتظهره كَمَا يُبْدِي فرند السَّيْف صقله وَيظْهر بجلاله فَضله وَالْمعْنَى أَنه إِذا ابتلى بالحوادث ظهر صبره وَهُوَ مَنْقُول من قَول الطَّائِي
(بالقَتلَ أظْهَرَ صَقْلَ سَيفٍ أثُرَهُ ... فَبَدَا وَهَذَّبَتِ القُلوبَ هُمومُها)
١٦ - الْمَعْنى يَقُول من كَانَ ذَا نفس وَذَا طبيعة كطبيعتك وكريمتك فَفِي جلالته مَا يُغني نَفسه عَن كل حميم يفقده وَفِي كرم نَفسه مَا يسليه عَن كل مُهِمّ يطرقه لِأَنَّهُ يعرف أَن الْإِنْسَان لَا يَخْلُو عَن الْحَوَادِث وَمن عرف هَذَا وَطن نَفسه على فقد الْأَحِبَّة
١٧ - الْمَعْنى يَقُول مثل الْمَوْت وإتلافه الْأَرْوَاح كالسارق الَّذِي لَا يُمكن الاحتراس مِنْهُ لدقة شخصه كَذَلِك الْمَوْت لَا يدْرِي كَيفَ يَأْتِي وَلَا كَيفَ يسرق الْأَرْوَاح عَن الأجساد وَالْمعْنَى يُرِيد أَن الْمَوْت كسارق خَفِي شخصه شَدِيد أمره يصول دون كف يظهرها وَيسْعَى دون رجل ينقلها وَذَلِكَ أَشد لبطشه وأسرع لسعيه
١٨ - الْغَرِيب الشبل ولد السَّبع الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى ضرب هَذَا مثلا لقِيَام سيف الدولة بجليل الْأُمُور وَهُوَ مَعَ ذَلِك لَا يدْفع الْمَوْت عَن وَلَده وَالْمعْنَى أَنه يعجز عَن المخاتلة من لَا يعجز عَن المبارزة فَدلَّ بِهَذَا على أَن حوادث الدَّهْر لَا يمْتَنع مِنْهَا بِقُوَّة وَلَا بِدفع محتومها بِشدَّة يرد الْأسد الْجَيْش عَن ابْنه ويسلمه لأدنى النَّمْل عِنْد وِلَادَته فيحميه من الْعَظِيم الْكثير ويسلمه إِلَى الحقير الْيَسِير وَيُقَال إِن النَّمْل إِذا اجْتمع على ولد الْأسد أكله وأهلكه
١٩ - الْإِعْرَاب وليد خبر ابْتِدَاء مَحْذُوف تَقْدِيره المفدي بنفسي وليد وَيجوز رَفعه على مالم يسم فَاعله تَقْدِيره يفدى بنفسي وليد وَهَذَا خبر فِيهِ معنى التَّمَنِّي الْغَرِيب التطريق بِالْحملِ هُوَ أَن يخرج من الْوَلَد بعضه وَيبقى بعضه فِي الرَّحِم وطرقت النَّاقة بِوَلَدِهَا إِذا نشب فِي رَحمهَا وناقة مطرقة وَكَذَلِكَ الْمَرْأَة وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة لأوس بن حجر
(لَهَا صَرْخَةٌ ثُمَّ إسْكاتَةٌ ... كمَا طَرَّقَتْ بِنفاسٍ بِكُرْ)
стр. 786
الْمَعْنى يَقُول بنفسي هَذَا الْمَوْلُود الَّذِي صَار بعد حمل الْأُم إِيَّاه إِلَى بطن أم يُرِيد الأَرْض لَا يعسر عَلَيْهَا خُرُوج من ضمته قَالَ الواحدي وَإِنَّمَا قَالَ لَا تطرق لِأَنَّهَا جماد لَا يُوصف بالتطريق وَإِن كَانَت تسمى أما إِمَّا نَكُون الْأَمْوَات فِي بَطنهَا وَإِمَّا لِأَن الله تَعَالَى قَادر على إِخْرَاج الْمَوْتَى من بَطنهَا بِسُرْعَة وسهولة كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة فَإِذا هم بالساهرة﴾ وَفسّر قوم هَذَا الْبَيْت بالضد وَقَالُوا معنى لَا تطرق لَا تخرج الْوَلَد من بَطنهَا والتطريق إِظْهَار الطَّرِيق من قَوْلهم طرق طرق أَي خل الطَّرِيق وَقَالُوا إِن المتنبي كَانَ لَا يَقُول بِالْبَعْثِ وَلَيْسَ كَمَا قَالُوا انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى إِلَى بطن أم يُرِيد أَن الأَرْض مِنْهَا مبدأ جَمِيع الْخَلَائق لقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وفيهَا نعيدكم﴾ فَلَمَّا كَانَ مِنْهَا بَنو آدم جعلت لَهُم أما
٢٠ - الْإِعْرَاب لَا يُقَال وعدته بِالْخَيرِ وَلَا يكون الْبَاء إِلَّا مَعَ أوعدته بِالشَّرِّ وَكَانَ الْوَجْه وعد السحابة للروى كَمَا تَقول عجبت من ضرب زيد لعَمْرو الْغَرِيب الروى المَاء الْكثير وَالْغلَّة الْعَطش وَمَاء روى ورواء كثير وَمَاء رواء بِالْفَتْح وَالْمدّ وروى بِالْكَسْرِ وَالْقصر الْمَعْنى يَقُول بدا هَذَا الْوَلِيد وشواهد الْكَرم بادية عَلَيْهِ ومخايله ظَاهِرَة فِيهِ فوعد من فَضله بِمثل مَا يعد السَّحَاب من ويله ثمَّ صد باخترام الْمَوْت فأبقى بِأَنْفُسِنَا مثل غلَّة الْبَلَد الْمحل إِذا منع من السَّحَاب الممطر
٢١ - الْغَرِيب الْخَيل الْعتاق الْكِرَام والركاب مَا يكون فِي سرج الدَّابَّة الْمَعْنى يَقُول مدت الْخَيل الْكِرَام عيونها إِلَيْهِ وتنافست عتاقها فِيهِ وارتقبت أَن يصير من السن إِلَى حَال يتعوض فِيهَا بالركاب من النَّعْل وبركوب الْخَيل عَن الْمَشْي
٢٢ - الْغَرِيب جَاشَتْ الْقدر إِذا غلت وهاجت والضروس الشَّدِيدَة العض الْمَعْنى يَقُول إِن الْأَعْدَاء خافوه وَهُوَ صبي فَكَأَن الْحَرْب قَامَت على سَاق وَقَوله وَمَا تغلى تَنْبِيه على أَن الْحَرْب قَامَت معنى لَا صُورَة وَالْمعْنَى هُوَ الْخَوْف وروى تغلى يُرِيد الْحَرْب وروى بِالْيَاءِ يُرِيد الطِّفْل وروى تفلى بِالْفَاءِ من فليت رَأسه بِالسَّيْفِ وروى تفلى بِالْقَافِ يُرِيد لم تبلغ حد البغض
стр. 787
وَالْمعْنَى أَن الصَّبِي هُوَ فِي المهد ارتاع لَهُ جَيش الْأَعْدَاء واستعار للحرب جَاشَتْ من الغليان للقدر لِأَن الْحَرْب إِذا قَامَت على سَاق تغلى بالْكلَام
٢٣ - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ الْغَرِيب الْفِطَام الفصال عَن الثدي وَهُوَ منع الصَّبِي من الرَّضَاع والتوارب لُغَة فِي التُّرَاب وَفِيه لُغَات تُرَاب وتوارب وتورب وتيرب وترب وتربة وترباء وتيراب وتريب وَجمع التُّرَاب أتربة وتربان والترباء الأَرْض نَفسهَا الْمَعْنى يَقُول أيفطمه التُّرَاب باشتماله عَلَيْهِ قبل بُلُوغه إِلَى أكل الطَّعَام وَيَأْكُل جِسْمه بإبلائه قبل بُلُوغه سنّ الْأكل وَهُوَ من قَول السّلمِيّ
(فَطَمَتْكَ المَنُونُ قَبْلَ الفِطامِ ... وَاحْتَوَاكَ النُقْصَانُ قَبْلَ التَّمامِ)
٢٤ - الْإِعْرَاب أَرَادَ قبل أَن يرى فحذفها وأعملها على رِوَايَة من روى وَيسمع بِالنّصب وَهُوَ مذْهبه لِأَنَّهُ كُوفِي وَقد ذكرنَا حجنا وَحجَّة أهل الْبَصْرَة فِي مَوَاضِع من هَذَا الْكتاب وَأَرَادَ من جوده مَا رَأَيْته من جودك فَحذف للْعلم بِهِ الْمَعْنى قبل أَن يرى من كرم جوده مَا رَأَيْته وَيشْهد من كثرته مَا شهدته وَيسمع من العذل فِيهِ كَالَّذي سَمِعت ويعرض عَنهُ كَمَا أَعرَضت وَدلّ بِكَثْرَة العذل على قلَّة إصغائه إِلَيْهِ
٢٥ - الْإِعْرَاب من روى فِي الْبَيْت وَقبل يرى وَيسمع بِالنّصب يكون يمسى فِي مَوضِع نصب إِلَّا أَنه سكنها ضَرُورَة الْغَرِيب السّلم المسالمة وَالسّلم الصُّلْح يذكر وَيُؤَنث وَيفتح وَيكسر وَقَرَأَ الحرميان وَعلي بن حَمْزَة ادخُلُوا فِي السّلم كَافَّة بِفَتْح السِّين وَقيل مَعْنَاهُ الْإِسْلَام وَالسّلم لُغَة فِي السَّلَام قَالَ الشَّاعِر
(وَقَفْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ... فَما كَانَ إلَاّ وَمْؤُها بالحَوَاجِبِ)
والوغى الْحَرْب والمليك وَالْملك وَاحِد قَالَ الله تَعَالَى ﴿عِنْد مليك مقتدر﴾ الْمَعْنى يُرِيد قبل أَن يلقى كَالَّذي تَلقاهُ من عَظِيم سلطانك وارتفاع شَأْنك فِي السّلم وجلالة قدرك وشهود ظفرك فِي الْحَرْب وَيصير ملكا لَا يماثل فِي حَالَة ملكه وسلطان لَا يعْتَرض أمره
стр. 788
- الْمَعْنى أَنه طابق بَين الْأَطْرَاف والأوساط وَالْولَايَة والعزل وَالْمعْنَى توليه رماحه قَوَاعِد الْبِلَاد ووسائط الأَرْض بتغلبه عَلَيْهَا وتمنعه أَطْرَاف الرماح رهبة الْأَعْدَاء لَهَا من أَن يعْزل وَالْمعْنَى أَنه يتولاها قسرا لَا من جِهَة غَيره فيعزل عَنْهَا
٢٧ - الْغَرِيب الموهب الْعَطاء والجزل الْكثير الْمَعْنى يَقُول نبكي على مَوتَانا ونحزن لَهُم ونكثر الأسف لفراقهم وَنحن نتيقن أَنهم لَا يفوتهُمْ من الدُّنْيَا مَا يرغب فِي مثله وَلَا يمْنَعُونَ مِنْهَا مَا يجب أَن يتنافس فِي نيله لِأَن الدُّنْيَا بجملتها غرور وتمتع من بَقِي فِيهَا بصحبتها يسير وَالْمعْنَى أَن من فَارق الدُّنْيَا لم يفته بفراقها شَيْء لَهُ قدر
٢٨ - الْمَعْنى إِذا مَا تَأَمَّلت تصاريف الزَّمَان وتدبرت الدَّهْر وخطوبه تيقنت أَن مَا حتم على الْإِنْسَان من الْمَوْت كَالَّذي يتوقعه من الْقَتْل لِأَن الْأَمريْنِ متساويان فِي مكروههما متماثلان فِيمَا يُشَاهد من عدم الْحَيَاة لَهما فَمَا ظَنك بِشَيْء يكون آخر مصيره إِلَى أكره مَا يحذر من أُمُوره وَهَذَا يُوجب الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَيَدْعُو إِلَى الْإِعْرَاض عَنْهَا وَقلة الأسف عَلَيْهَا وَهُوَ مَنْقُول من قَول عنترة
(فاقْنَيْ حَياءَكِ لَا أَبَا لَكِ وَاعْلَمي ... أَني امْرُؤٌ سأَمُوتُ إنْ لَمْ أُقْتَل)
وَمثله للْآخر
(إذَا بَلَّ مِنْ دَاءٍ بِهِ ظِنَّ أنَّهُ ... نَجا وَبِهِ الدَّاءُ الَّذي هُوَ قاتِلُهْ)
وَقَالَ البحتري
(رأى بعضُهُمْ بَعْضاً عَلى الحُبّ أسْوَةً ... فماتُوا وَموْتُ الحبَ ضَرْبٌ مِن القَتْلِ)
يُرِيد أَن قتل الْحبّ إيَّاهُم كَقَتل السَّيْف
٢٩ - الْغَرِيب التعلة التعلل والحسناء يُرِيد الْمَرْأَة الْحَسَنَة الْمَعْنى يَقُول السرُور بِالْوَلَدِ المحبوب لَا يَدُوم وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيل إِلَى وَقت وَكَذَلِكَ إِذا خلت الْحَسْنَاء مَعَ محبها أدّى ذَلِك إِلَى تأذيه بهَا إِمَّا لِأَنَّهُ يشْتَغل قلبه عَمَّا سواهَا
стр. 789
أَو لغير ذَلِك من المضار الَّتِي تلْحق مواصل الغواني وَهَذَا كُله تَسْلِيَة لَهُ عَن وَلَده هَذَا قَول أبي الْفَتْح وَقَالَ ابْن فورجة إِنَّمَا الْمَعْنى أَنه نَهَاهُ عَن الْخلْوَة بامرأته لِئَلَّا تَلد فَقَالَ خلوتك بامرأتك أَذَى لَك فِي الْحَقِيقَة لِأَنَّهَا تجلب لَك ولدا تغم من أَجله وتتأذى بتربيته وَلَعَلَّ الْعَاقِبَة إِلَى الثكل
٣٠ - الْغَرِيب الْحَلْوَاء مَعْرُوفَة وَهِي تسْتَعْمل لكل مَا يستحلى الْمَعْنى يَقُول جربت حلاوة الْأَوْلَاد وَقت صباي فَوجدت الْأَمر على مَا قلته وَيجوز أَن يكون على الصِّبَا رَاجعا إِلَى الْبَنِينَ أَي على صبا الْبَنِينَ قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى يَقُول لست أسليك إِلَّا عَمَّا قد فجعت بِهِ فَرَأَيْت الصَّبْر عَلَيْهِ أحزم من الأسى عَلَيْهِ وَهَذَا بعيد لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم هَذَا الْبَيْت مَا يدل على مَا قَالَه إِنَّمَا نقدم مَا ذَكرْنَاهُ انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى يُرِيد ذقت حلاوتهم فِي حَال صبوتي وعرفتهم حَقِيقَة الْمعرفَة ثمَّ لحظتهم بِعَين التيقن بعد تجربتي لأمرهم وإحاطتي بعلمهم فَلَا تَظنن أَن ذممتهم عَن غير معرفَة وزهدت فيهم دون تجربة
٣١ - الْغَرِيب الْأَزْمَان جمع زمن وزمان وَيجمع على أزمنة وأزمن ولقيته ذَات الزمين تُرِيدُ بذلك تراخي الْوَقْت الْمَعْنى يُرِيد أَنه وكد مَا قدمه من إحاطته بالأمور وَمَا حث عَلَيْهِ من الزّهْد فِي الدُّنْيَا وَقلة الأسف على الْوَلَد أَي مَا تسع الْأَزْمَان مَا أعلمهُ من أمرهَا واتيقنه من شدَّة نكدها يُرِيد أَنَّهَا تضيق عَن علمه وتعجز عَن الاشتمال عَلَيْهِ وَأَن الْأَيَّام لَا تحسن أَن تكْتب مَا أمليه وتضبط مَا أعده وَالْمعْنَى أَن الْأَيَّام الَّتِي تَأتي بالحوادث لَا تحسن أَن تكْتب مَا أمليه من الْحِكْمَة وَالْكَلَام النَّادِر فَكيف تعلمه
٣٢ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الدَّهْر مَذْمُوم أمره شَدِيد مكره فَلَا تؤمل عِنْده حَيَاة وَلَا هُوَ مِمَّن يشتاق فِيهِ إِلَى نسل لِأَن مآل الْحَيَاة فِيهِ إِلَى الْمَوْت ومآل النَّسْل إِلَى الْقَبْر بعد طول الشّغل وَالنّصب ومعاناة الكد وللطلب وَمَا كَانَ كَذَلِك فالسرور يسير بِوُجُودِهِ والحزن غير وَاجِب عِنْد فَقده وَقَالَ الواحدي لِأَن الْوَلَد إِذا عَاشَ بعد لَقِي من مكاره الدَّهْر مَا ينغص عَلَيْهِ عيشه ويسأم مَعَه الْحَيَاة وَلِأَنَّهُ أَيْضا لَا يبْقى الْوَلَد بل يفجع بِهِ الْوَالِد
стр. 790
- ١ الْغَرِيب الْحلم النّوم والزيال المزايلة والزوال يُقَال زَالَ الشَّيْء زوالا وزالت الْخَيل بفرسانها زوالا وزيالا فقلبت الْوَاو يَاء للكسرة الَّتِي قبلهَا الْإِعْرَاب لَا بِمَعْنى لَيْسَ وَيجوز أَن تكون على وَجههَا وهم يستعملون لَا فعل مَوضِع لم يفعل وَمِنْه ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ يُرِيد لم يصدق وَلم يصل والضميران فِي المصراع الأول والضميران فِي المصراع الثَّانِي الْجمع للحبيب وَإِن لم يجر لَهُ ذكر للْعلم بِهِ عِنْد السَّامع الْمَعْنى قَالَ الواحدي يصف شدَّة هجر الحبيب وَأَنه لَا يَأْتِيهِ فِي النّوم أَيْضا وهم إِذا وصفو الخيال بالامتناع من الزِّيَارَة فِي النّوم أَرَادوا بِهِ شدَّة هجر الحبيب كَقَوْل حبيب
(صَدَّتْ وعَلَّمَتِ الصُدُودَ خَيالَها ... )
وَلَا يتَصَوَّر تَعْلِيم الخيال للصدود وَلَكنهُمْ كَمَا يصفونَ الحبيب بِشدَّة الهجر يجْعَلُونَ هجر الخيال نوعا من صدوده يَقُول لم يزره الحبيب فِي النّوم يُرِيد أَن مُوجب رُؤْيَة الخيال فِي النّوم اسْتِدَامَة ذكر الْوَدَاع والفراق وَلَوْلَا أَنِّي أطلت تذكر وداعه ومفارقته وواصلت الْفِكر فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا لما جَاءَنِي خياله وَالْمعْنَى تذكري فِي الْيَقَظَة الْوَدَاع والفراق أَرَانِي خياله وَلَو غفلت عَن ذكره لم أره فِي النّوم وَالْمعْنَى أَن مُوجب رُؤْيَة الخيال اسْتِدَامَة ذكر الْوَدَاع والفراق وجود الْحلم بالحبيب وجوده بمثاله وَجعل ذَلِك أَبُو الطّيب شَيْئَيْنِ ظنا مِنْهُ أَنه يرى الحبيب فِي النّوم وَيرى خياله ورؤية الحبيب فِي النّوم رُؤْيَة خياله لَا رُؤْيَة شخصه بِعَيْنِه وَهَذَا كَلَام مَنْقُول من كَلَام أبي الْفَتْح وَالْمعْنَى أَن الأحلام لم تكن فِي قدرتها أَن تجود بِمن أحبه فتقر بِهِ وَلَا بِمَا يُشبههُ فتمثله لَوْلَا مَا يَدْعُو إِلَى ذَلِك من التَّذَكُّر بوداعه عِنْد فرقته وزياله عِنْد رحيله وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(نَمْ فَمَا زَارَكَ الخَيالُ وَلَكِنَّكَ ... بالفِكْرِ زُرْتَ طَيْفَ الخَيالِ)
٢ - الْإِعْرَاب رفع الْمَنَام بِفِعْلِهِ وَالتَّقْدِير الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله وَنصب خيال لِأَنَّهُ خبر كَانَ وَلَيْسَ هُوَ مفعول إِعَادَته وَأقَام الْمصدر مقَام الْمَفْعُول لِأَنَّهُ يُرِيد بِالْإِعَادَةِ الشَّيْء الْمعَاد كوقوع الْخلق موقع الْمَخْلُوق
стр. 791
الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول إِن الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله فأراناه فِي النّوم كَانَ ذَلِك الَّذِي أرانا خيال خياله يَعْنِي أَنا كُنَّا نصور لأنفسنا فِي الْيَقَظَة خياله فَالَّذِي رَأَيْنَاهُ فِي النّوم كَانَ خيال ذَلِك الَّذِي يتَصَوَّر لنا فَهُوَ خيال الخيال وَهَذَا الْبَيْت تَأْكِيد لما قبله من أَنه يداوم على ذكر الحبيب وَذكر حَال الْفِرَاق والوداع وَابْن جنى يَقُول إِنَّمَا رَأينَا الْآن فِي النّوم شَيْئا كَمَا رَأَيْنَاهُ فِي النّوم قبل فَصَارَ مَا رؤى ثَانِيًا خيال مَا رَأَيْنَاهُ أَولا وَالَّذِي رؤى أَولا هُوَ خياله فَصَارَ الثَّانِي خيال الخيال وَهَذَا كَلَامه وَهُوَ بَاطِل لِأَنَّهُ إِذا رَآهُ ثَالِثا صَار خيال خيال خياله، وَكَذَا فِي الرَّابِع وَهَذَا لَا يَنْقَطِع وَقَوله المعيد لنا الْمَنَام خياله يجوز أَنه يُرِيد بِهِ الِابْتِدَاء فَسَماهُ إِعَادَة وَإِن لم يحلم بِهِ قبل وَالْعود قد يُطلق على الِابْتِدَاء وَمِنْه قَول الآخر
(وَماءٌ كَلَوْنِ الزَّيْتِ قَدْ عادَ آجِنا ... )
يُرِيد صَار آجنا وَيجوز أَن يُرِيد الْإِعَادَة على حَقِيقَتهَا وَقَوله كَانَت إِعَادَته أَي وَقعت وحصلت وَلَا يحْتَاج فِي الْكَوْن إِذا كَانَ بِمَعْنى الْوُقُوع إِلَى الْخَبَر وَنصب خياله بِالْإِعَادَةِ لَا بِخَبَر كَانَ انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى أَن الَّذِي أعَاد لنا الْمَنَام خياله كَانَت تِلْكَ الْإِعَادَة لخفة وقعتها وتقاصر مدَّتهَا من ذَلِك الخيال كالخيال الَّذِي لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا شِفَاء للعاشق بِهِ
٣ - الْمَعْنى أَنه وصف حَاله عِنْد زِيَارَة الطيف لَهُ وَمَا قرب لَهُ بذلك من الْبعيد وَأمكنهُ من العسير فَقَالَ إِنَّه بَات يتَنَاوَل المدام من كف محبوبه وَذَلِكَ المحبوب لَا يخْطر بِبَالِهِ رُؤْيَته لَهُ لتباعده عَنهُ وَلَا يتوهمها لانفصاله بالمسافة المتراخية مِنْهُ والشاعر يَجْعَل مَا يرَاهُ فِي النّوم كَأَنَّهُ يرَاهُ فِي الْيَقَظَة وَمثله للبحتري
(أُردُّ دُونَكِ يَقْظانا وَيأْذَنُ لي ... عليكِ سُكْرُ الكَرَى إِن جِئتُ وَسْنانا)
وَمن قَول قيس بن الخطيم
(مَا تَمْنَعي يَقْظَي فَقَدْ تُؤْتِينَهُ ... فِي النَّوْم غَيْرَ مُصَرَّدٍ مَحْسُوبِ)
وللبحتري أَيْضا
(جَذْلانَ يسْمَحُ فِي الكَرَى بعِناقِهِ ... وَيَضِنُّ فِي غَيرِ الكَرَى بسَلامِهِ)
وَلأبي نواس
(إذَا الْتَقَى فِي النَّوْمِ طَيْفانا ... عادَا إِلَى الْكرَى الْوَصْل كَما كَانَا)
(يَا قُرَّةَ العَينِ فَمَا بالُنا ... نَشُقَى وَيَلْتَذُّ خَيالانا)
(لَوْ شِئْتِ إذْ أحْسِنْتِ لي نَائِما ... أتْمَمْتِ إحْسَانَكِ يَقْظانا)
стр. 792
- الْغَرِيب الْجيد الْعُنُق الْمَعْنى شبه مَا فِي قلادته من الدّرّ بالكواكب وخلخاله بِعَين الشَّمْس يُرِيد لمعان خلخاله وَذكر أَنه يجنى الْكَوَاكِب من تِلْكَ القلائد بتناوله لَهَا وينال عين الشَّمْس من تِلْكَ الخلاخل بلمسه إِيَّاهَا فأحرز قصبات التَّشْبِيه فِيمَا شبه بِهِ مِمَّا لَا زِيَادَة عَلَيْهِ فِي حسن النّظر وَأَشَارَ إِلَى المعانقة وَالْمُلَامَسَة بِأَحْسَن إِشَارَة وَعبر عَنْهَا بِأَحْسَن عبارَة فَجعل مد يَده إِلَى تِلْكَ الفرائد جنيا للكواكب وَإِلَى الخلخال نيلا لعين الشَّمْس قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون التَّشْبِيه فِي الْبعد لَا فِي الصُّورَة أَي مَا كُنَّا نظن أَن نرَاهُ فَلَمَّا رَأَيْنَاهُ صَبرنَا نرى بقلائده الْكَوَاكِب وبخلخاله الشَّمْس وَالْمعْنَى أَنه رأى فِي الْمَنَام مَا لم يصل إِلَيْهِ فِي الْيَقَظَة
٥ - الْإِعْرَاب اسْتعْمل الْهَاء الْأَصْلِيَّة فِي الواله وصلا وَهِي لَام الْكَلِمَة وَهِي جَائِزَة الْغَرِيب الوله التحير وَهُوَ ذهَاب الْعقل بِشدَّة الْحبّ ويروى ظن الْفُؤَاد بالظاء الْمُعْجَمَة وَالنُّون يُرِيد فِي ظَنِّي وفكري ويروى طي الْفُؤَاد وَهُوَ ضد النشر ويروى ظن الْفُؤَاد وَلَيْسَ بِشَيْء الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما ذكر قبل ارتحلتم عَن مرأى الْعين الَّتِي قرحت بِكَثْرَة الْبكاء لبينكم وسكنتم ظن الْفُؤَاد الواله بحبكم المشغول بذكركم الْمَقْصُور على مثلكُمْ فالقلب لَا يَخْلُو من ذكراكم وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر
(فقُلْتُ لَمْ تَبْعُدْ نَوَى غائِبٍ ... غابَ عَنِ العَينِ إِلَى القَلْبِ)
وَمن قَول ابْن المعتز
(إنَّا عَلى الْبِعادِ والتَّفَرُّقِ ... لَنَلْتَقِي بالذّكرِ إنْ لَمْ نلْتَقِ)
وَمن قَول الآخر
(لَئِنْ بَعُدَتْ عني لَقَدْ سَكَنَتْ قَلبي ... مشِيَّانَ عِنْدِي غايَةُ البُعْدِ والقُرْبِ)
٦ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْقلب استدناكم بفكره فالدنو من قبله وسمحتم بالزيارة لِكَثْرَة فكره فِيكُم فَكَانَ السماح على الْحَقِيقَة مِنْهُ لَا مِنْكُم فلوخلا الْقلب مِنْكُم لم يحصل هَذَا الدنو والضميران فِي عِنْده وَمَاله للقلب أَو للعاشق وَلما ذكر السماح ذكر مَعَه المَال لتجانس الصَّنْعَة وأجراه على طَرِيق الِاسْتِعَارَة
стр. 793
- الْغَرِيب الطيف الخيال يُقَال طيف وطائف وَقَرَأَ الْقُرَّاء بهما فَقَرَأَ ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَالْكسَائِيّ طيف بِغَيْر ألف وَالْبَاقُونَ بِأَلف وَيُقَال طَاف الخيال يطِيف طيفا ومطافا قَالَ كَعْب بن زُهَيْر
(أنَّي ألَّم بِكَ الخَيالُ يَطِيفُ ... وَمَطافُهُ لَكَ ذِكْرَةٌ وَشُعُوفُ)
الْمَعْنى يَقُول هُوَ يبغض طيف محبوبه مَعَ كلفه بِهِ ويكرهه مَعَ ارتياحه لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ يهجره فِي زمن الْوَصْل وَلَا يطرقه مَعَ التئام الشمل فَيَقُول رؤيتي الطيف عنوان الهجر قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا يُسمى الإكذاب لِأَنَّهُ قَالَ فِي الأول لَا الْحلم جاد بِهِ فَزعم أَن النّوم لَا يصل إِلَى أَن يرِيه الخيال ثمَّ ذكر أَنه يبغض طيفه وَقَالَ الواحدي كَانَ من حَقه أَن يَقُول إِذْ كَانَ يواصلني زمَان الهجر لِأَن هجران الطيف زمَان الْوِصَال لَا يُوجب بغضا لَهُ إِذْ لَا حَاجَة بِهِ إِلَى طيف أَيَّام الْوِصَال وَلكنه قلب الْكَلَام على معنى أَن هجرانه زمَان الْوِصَال يُوجب وصاله زمَان الهجران
٨ - الْإِعْرَاب نصب مثل بِفعل مُضْمر تَقْدِيره أبغضه مثل وَيجوز أَن يكون بيهجرنا أَي يهجرنا مثل هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي حدثت من ترحال الحبيب وَالْمعْنَى لما فَارَقت من أحبه حدثت هَذِه الْأَشْيَاء بفرقته وعدمته فشكوتهن بعد رحيله وَكَذَلِكَ الطيف إِنَّمَا زار زمن الهجر وطرق عِنْد امْتنَاع الْوَصْل
٩ - الْغَرِيب استقدت اقتصصت وَهُوَ استفعلت من الْقود وَالْأَصْل فِيهِ أَن الرجل إِذا قتل الآخر يُقَاد الْقَاتِل إِلَى أهل الْمَقْتُول فَرُبمَا قَتَلُوهُ وَرُبمَا عفوا عَنهُ والبلبال الهموم والحزن الْمَعْنى يُرِيد قدرت من الْهوى على مَا أردْت فعففت عَنهُ واقتصصت بذلك من الْهوى وَجَعَلته جَزَاء لفعله وَالْمعْنَى إِن كَانَ الْهوى قد لَحِقَنِي مِنْهُ حزن وهموم فقد استقدت مِنْهُ وأذقته من عفتي مَا هُوَ جَزَاء لَهُ قَالَ أَبُو الْفَتْح يحْتَمل هُنَا وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون الْعرض فَيكون هَذَا من مُبَالغَة الشّعْر الَّتِي لَيست لَهَا حَقِيقَة وَالْآخر أَن يُرِيد الْمَرْأَة الَّتِي شَبَّبَ بهَا فَيكون على حذف الْمُضَاف أَي ذَات الْهوى وَالْمعْنَى أذقته من الأسف بالعفة الَّتِي سهلت على خلابه كَمَا أذاقني
стр. 794
- الْغَرِيب الإستجفال الْهَرَب بعجلة وَسُرْعَة والضرغام من أَسمَاء الْأسد وكنى بالساعة عَن قصر الْمدَّة والأشبال وَاحِدهَا شبْل وَهُوَ ولد الْأسد الْمَعْنى يَقُول أَعدَدْت لافتتاح كل أَرض فَحذف الْمُضَاف للْعلم بِهِ وقتا صعبا يضْطَر الْأسد فِيهِ إِلَى ترك أَوْلَاده والهرب عَنْهَا خوفًا على نَفسه تحمله لشدتها على الْفِرَار عَن أَوْلَاده
١١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للساعة الْمَذْكُورَة وَيجوز أَن يكون للْأَرْض الْغَرِيب الأجوال النواحي الْوَاحِد جول الْمَعْنى أَنه وصف السَّاعَة فَقَالَ إِن وُجُوه الْأَبْطَال الَّذين لَا ينكصون يلقى بَعْضهَا بَعْضًا وَبَينهَا ضرب شَدِيد وجلاد وَكيد يكثر فِيهِ الْمَوْت ويجول فِي نواحيه وجانس بقوله نجول وأجواله لِأَن حُرُوف يجول والأجوال وَاحِد وَالْمعْنَى فِي الْكَلِمَتَيْنِ مُخْتَلف وَهَذَا فِي الْكَلَام هُوَ التَّجْنِيس
١٢ - الْغَرِيب السلاف هُوَ أول مَا يجْرِي من مَاء الْعِنَب من غير عصر وَهُوَ أَجود وَهُوَ أصفر وَهُوَ سلاف وسلافة الجريال صبغ أَحْمَر وَمَا اشتدت حمرته من الْخمر يُسمى جريالا على المشابهة الْمَعْنى يَقُول يُرِيد أَنه خبأ من الْكَلَام أسهله وأفضله وَمَا هُوَ فِيهِ كالسلاف فِي ضروب الْخمر وَأظْهر فِيهِ مَالا يدْفع فَضله وَلَا يُنكر حسنه كالجريال فِي أَنْوَاعهَا إِلَّا أَن الَّذِي أظهره دون الَّذِي كتمه وَالْمعْنَى أَنه يُشِير بِهَذَا إِلَى قدرته على الْكَلَام وإحاطته بِهِ وَقَوله وسقيت من نادمت أَي لم أخرج إِلَيْهِ مُخْتَار شعري وكلامي
١٣ - الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد على السماع لَا على الْقيَاس الْمَعْنى يَقُول إِذا بعد سهل الْكَلَام على أهل الْإِحْسَان وصعب انقياده لَهُم لصعوبة المقامات الَّتِي توجب ذَلِك برزت هُنَاكَ غير مقصر فِي غوامض القَوْل وَلَا متعثر فِي بَدَائِع الشّعْر وكني بالسهل عَمَّا قرب من الْكَلَام وبالجياد عَن أهل الْإِحْسَان فاستعار هَذِه الألقاب أحسن اسْتِعَارَة وَأَشَارَ إِلَى إحسانه أبدع إِشَارَة وَهَذَا من بديع الْكَلَام وَالْمعْنَى إِذا لم يقدروا على السهل الْمُسْتَعْمل كنت قَادِرًا على الْغَرِيب المهمل فَجعل الْجِيَاد مثلا للبلغاء
стр. 795
- الْإِعْرَاب الضمائر تعود على العراء الْغَرِيب العراء الأَرْض الفضاء الواسعة وَقيل ظهر الأَرْض وَقيل لَهُ عراء لِأَنَّهُ لَا شجر فِيهِ كَأَنَّهُ عرى مِنْهُ والناعج الْأَبْيَض الْكَرِيم من الْإِبِل والنعج ضرب من سير الْإِبِل والمعتاد من الْعَادة والمجتاب الْقَاطِع وَهُوَ الَّذِي يقطع الأَرْض بالسير والمغتال الَّذِي يَسْتَوْفِي غَايَته الْمَعْنى يَقُول إِنَّه قد اقتدر على القفر العراء بجمل مُعْتَاد السّير فِيهِ مستضلع للْقطع لَهُ مُسْتَقل ببلوغ غَايَته فَحكم فِي القفر بركوب هَذَا الْجمل الْمَوْصُوف المغتال المهلك يُرِيد الَّذِي أفناه بالسير
١٥ - الْغَرِيب الْمطِي جمع مَطِيَّة والجموم من الْخَيل كلما ذهب مِنْهُ جرى جَاءَهُ جرى آخر قَالَ النمر بن تولب
(جَمُومُ الشَّدَ شائِلَةُ الذُّناتي ... تخالُ بَياضَ غُرَّتِها سِرَاجا)
وَأَصله جم المَاء يجم جموما إِذا كثر وكللت من الْمَشْي أكل كلالا وكلالة وَكَذَلِكَ الْبَعِير إِذا أعيا وكل السَّيْف وَالرمْح والطرف وَاللِّسَان يكل كلة وكلا وَسيف كليل الْحَد وَرجل كليل اللِّسَان وكليل الطّرف الْمَعْنى يَقُول هَذَا الناعج يسْبق عَدو الْإِبِل مَاشِيا وَيزِيد عَلَيْهَا عِنْد كَثْرَة جريها إِذا كَانَ كالا فَمَا ظَنك بِهِ إِذا تَسَاوَت بِهِ الْحَال وَذهب عَنهُ الكلال وَالْمعْنَى إِذا كَانَ مُقَيّدا يسْبق الْإِبِل مُطلقَة فَتَصِير وَرَاءه
١٦ - الْغَرِيب تراع تفزع والمتجفل المسرع والعقال حَبل يشد بِهِ يَد الْجمل إِلَى عضده الْمَعْنى يَقُول تراع الْمطِي حول هَذَا الْجمل وَكلهَا لاعقال عَلَيْهَا وَهُوَ مَعْقُول بَينهَا فتفر مسرعة وتصد مولية ويفر هَذَا الْجمل لفرارها فيفوتها مسرعة بعقاله وَهِي مُطلقَة ويتقدمها برباطه وَهِي مجتهده
١٧ - الْغَرِيب أخفافه جمع خف وَهُوَ خف الْبَعِير والمراح النشاط والإرقال ضرب من السّير وَهُوَ الخبب وَقد أرقل الْبَعِير وناقة مرقل ومرقال إِذا كَانَت كَثِيرَة الإرقال
стр. 796
الْمَعْنى يَقُول بسيره أبلغ مَا أطلب من النجاح فالنجاح فِي قوائمه وَهُوَ نشيط الْعَدو فالنشاط فِي إرقاله فاقتران الظفر بسيره والفوز وَالْغِبْطَة بِسَفَرِهِ
١٨ - الْغَرِيب خيس أجمة الْأسد والريبال الْأسد الْمَعْنى يُرِيد أَنه صَار مشاركا للخلافة فِي سيف الدولة يُرِيد أَنه سَيْفه كَمَا هُوَ سيف دولة هَاشم ووصلت إِلَى أَسد الْملك بشق الخيس إِلَيْهِ وَالْمعْنَى أَن نظام أَمْرِي من عطاياه كَمَا أَن نظام دولة هَاشم من رَأْيه وَالْمعْنَى أَنِّي شركت دولة هَاشم فِي رئيسها أَو سيفها أخترته لقصدي كَمَا اخْتَارَهُ الْخَلِيفَة لنَفسِهِ ووصلت إِلَى دَار سُلْطَانه ورفيع مَكَانَهُ
١٩ - الْإِعْرَاب من روى خَوفه فالمصدر مُضَاف إِلَى الْمَفْعُول وَمن روى خوفها فالمصدر مُضَاف إِلَى الْفَاعِل لِأَن الفريسة هِيَ الخائفة الْغَرِيب الليوث جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يُرِيد أَن الْأسد إِذا افترس فريسة ذعرها وأفزعها وَهَذَا مَعَ أَنه يقتل أعداءه بحياته لَا ينفرون عَنهُ لكماله وجماله وَيُرِيد أَنه حرم الليوث كَمَاله لِأَنَّهُ يشركها ببأسه ويفوتها بحسنه وجماله فَهِيَ منسوبة إِلَى الْقبْح وَهُوَ لحسنه ينسى فريسته خَوفه بِجَمَال وَجهه ويشغلها ببهائه عَمَّا تتوقعه من بأسه
٢٠ - الْغَرِيب الآكال جمع أكل وَأكل بِالضَّمِّ وبضمتين الْمَعْنى يَقُول إِنَّه لِشِدَّتِهِ وارتفاع رتبته تتواضع الْأُمَرَاء حول سَرِيره وتعتصم بالخضوع لَهُ ويظهرون لَهُ الْمحبَّة وَلَيْسَت من أشكاله وتتودده وَهِي من آكاله أَي من أرزاقه وأقواته يَعْنِي أَنه مَحْبُوب إِلَى كل أحد
٢١ - الْغَرِيب البشاشة الاستبشار والنوال الْعَطاء الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُمِيت بهيبته قبل أَن يُقَاتل ويبش للسَّائِل قبل أَن يُعْطِيهِ وَيُعْطِيه قبل أَن يسْأَله
٢٢ - الْغَرِيب مقبلها أَولهَا وَهُوَ مَا يسْتَقْبل مِنْهَا الْمَعْنى أَنه ضرب هَذَا مثلا مؤكدا لما قبله أَي هُوَ غير مُحْتَاج إِلَى محرك لَهُ فِي السؤدد
стр. 797
وَالْفضل كَمَا أَن الرِّيَاح إِذا رَأَيْتهَا مقبلة إِلَيْك لم تحتج إِلَى استعجالها لسرعتها فَكَأَنَّهَا جدواه قَالَ أَبُو الْفَتْح جَارِيَته فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ هَذَا وَالرِّوَايَة الصَّحِيحَة مقبلها بِفَتْح الْبَاء يُرِيد إقبالها
٢٣ - الْغَرِيب الإفضال الْعَطاء وَهُوَ أَن يفضل عَلَيْهِم من جوده الْمَعْنى يَقُول أعْطى واقتدر فَعم بفضله واقتدر على الْمُلُوك المترفعين عَن تقبل الْعَطاء فَمن عَلَيْهِم بعفوه وَكَانَ صفحة عَنْهُم من أوفر الْعَطاء عِنْدهم فتساوى الْمُلُوك والسوقة فِيمَا شملهم من الْعَطاء وتماثلوا فِيمَا أحَاط بهم من الْإِحْسَان وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(عَمَّتْ صَنائِعُهُ البَرِيَّة كُلَّها ... فَعَدا المُقِلُّ على الغَنِيّ المُكْثِرِ)
٢٤ - الْمَعْنى يَقُول أغْنى النَّاس مِمَّا يعطيهم فهم لَا يسألونه مُتَابعَة وَالْمعْنَى إِذا أغْنى كرمه عَن مسئلته وابتداؤه للعطاء عَن تحريكه وَإِلَى ذَلِك وَأَعَادَهُ وواصله من غير أَن تطلب الْإِعَادَة
٢٥ - الْغَرِيب الجدوى الْعَطِيَّة والإقلال مصدر الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ أردْت إفراطه فِي الْجُود حَتَّى كَأَنَّهُ يطْلب أَن يكون مقلا كسائله فَهُوَ يفرط فِي إِعْطَائِهِ طلبا للإقلال فَكَأَنَّهُ لِكَثْرَة إِعْطَائِهِ يحْسد على الْفقر والقلة حَتَّى يصير فَقِيرا
٢٦ - الْغَرِيب الهمة والهموم وَاحِد الْمَعْنى يَقُول همته بلغت أقْصَى من مغارب النُّجُوم وتطلع من مشارقها وَهِي دون مَا ناله بهمته يُرِيد أَن النُّجُوم تغرب ومطالعها أقرب من مبلغ همته وإرادته وَالْمعْنَى أَن النُّجُوم مَعَ ارْتِفَاع موَاضعهَا وانتزاح مغاربها ومطالعها تغرب مقصرة عَمَّا تبلغه همته وتطلع متواضعة عَمَّا يُدْرِكهُ تنَاوله وَقَالَ الواحدي يُرِيد ان الممدوح أبعد من مطلع الشَّمْس لَا يَنَالهُ أعداؤه وَلَا يبلغون إِلَيْهِ وَلَا يبلغون مناله
стр. 798
- الْغَرِيب الْجد الْحَظ والآل أَصله أهل فأبدل من الْهَاء همزَة فَاجْتمع همزتان فأبدل من الثَّانِيَة ألف وَخص بِهِ الْأَكْثَر فالأكثر نَحْو آل مُوسَى وَآل إِبْرَاهِيم وَآل مُحَمَّد الْمَعْنى يَقُول جدد الله لَهُ كل يَوْم سَعَادَة تزيد من أعدائه فِي أوليائه الَّذين يوالونه بالمحبة وَالْمعْنَى الله يمده فِي كل يَوْم بكرامة وسعادة يجدد مَاله ويظفره بِمن ناوأه ويظهره على من عَادَاهُ ويجعلهم بعد الْعَدَاوَة أَتبَاع أمره وأنصارا لحزبه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يدْخل أعداءه فِي صَحبه إِمَّا رَغْبَة وَإِمَّا رهبة
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول لَو لم يكن يقتل أعداءه بِسَيْفِهِ مَاتُوا هم بِقُوَّة جده وإقباله فَكَانَ سيف إقباله يقتلهُمْ واستعار للإقبال جثة يجْرِي عَلَيْهَا دِمَاؤُهُمْ وَالْمعْنَى لَو لم يُهْلِكهُمْ بوقائعه وتجري مهجاتهم على سيوفه لتكفل لَهُ بذلك إقبال جده وَمَا أظهر الله من تمكنه وسعده
٢٩ - الْغَرِيب العرمرم الْجَيْش الْكثير والأقتال الْأَعْدَاء وَاحِدهَا قتل بِكَسْر الْقَاف وَالْجمع أقتال قَالَ عبيد الله بن قيس الرقيات
(وَاغْتِرابي عَنْ عامِرِ بْنِ لُؤِيّ ... فِي بِلادٍ كَثِيرَة الأقْتَالِ)
اصل العرمرم فعلعل من العرام وَهُوَ الشدَّة والانفصام الْكسر من غير انْفِصَال والانقصام بِالْقَافِ الْبَائِن الْمُنْفَصِل وفصمته فانقصم فال ذُو الرمة
(كأنَّهُ دُمْلُجٌ مِنْ فِضَّة نَبَهٌ ... فِي مَلْعَبٍ مِن جواري الحَيّ مَقصُومُ)
هَذَا يشبه غزالا بدملج فَقَالَ كَأَنَّهُ دملج مقصوم يُرِيد لتثنيه وانحنائه إِذا نَام الْمَعْنى يَقُول لمثل سيف الدولة جمعت الجيوش أَنْفسهَا وسلمت طاعتها إعظاما لقدره واعترافا بفضله وبمثله من أهل الحزامة والمتقدمين فِي الرياسة انفصمت عرا أعدائه وانحل عقدهم ونبا حَدهمْ
٣٠ - الْغَرِيب الوغى الْحَرْب والسربال الثَّوْب وَالْجمع سرابيل قَالَ الله تَعَالَى ﴿سرابيلهم من قطران﴾ وسربلته فتسربل﴾ الْمَعْنى يُرِيد أَنه ظهر على الْأَعْدَاء فَقَتلهُمْ وَبلغ مُرَاده مِنْهُم وَلم يتْركُوا عَلَيْهِ
стр. 799
للحرب أثرا يظهرونه وَشَاهدا يتكلفه لاستغنائه عَن ذَلِك ببلوغ الهمة والبغية إِلَّا مَا فِي ثَوْبه من الدِّمَاء الَّتِي سفكتها مِنْهُم صوارمه وأجرتها قوائمه قَالَ ابْن الأفليلي هَذَا بَاب من البديع يعرف بِالِاسْتِثْنَاءِ
٣١ - الْغَرِيب المباهي المشاكل والمضاهي والأشكال جمع شكل وَهُوَ الشّبَه الْمَعْنى يَقُول للقمر لَا تسمع الْكَذِب وَلَا تكذبن على نَفسك فَإنَّك لست تشاكله هُوَ أبهى مِنْك وَأحسن وأضوأ وأنور وَله فِي الْبَأْس وَالْكَرم رُتْبَة لَا تبلغها ومنازل لَا تستحقها فلست مِمَّن يشاكله ويضاهيه ويساويه وَجعل الْقَمَر مباهيا لوجهه لِأَنَّهُ بحسنه وزيادته كل لَيْلَة كَأَنَّمَا يباهي وَجهه
٣٢ - الْغَرِيب طما الْبَحْر طموا إِذا ارْتَفع يطمو ويطمي طميا فَهُوَ طام وَمِنْه طمت الْمَرْأَة بزوجها إِذا ارْتَفَعت وطما يطمي مثل طم يطم إِذا مر مسرعا الْمَعْنى قل للبحر إِذا ارْتَفع دع مَا تظهره فكرم الممدوح يغمرك ومواهبه تحقرك وَأَنت عَاجز عَن رتبته ومقصر عَن جلالته ورفعته وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري
(قدْ قُلْتُ للْغَيْثِ الرُّكامِ وَلَجَّ فِي ... إبْرَاقِهِ وألَحَّ فِي إرْعادِهِ)
(لَا تَعْرِضَنَّ لِجَعْفَرٍ مُتَشَبها ... بنَدَى يَديْه فلسْتَ مِن أنْدَادِهِ)
٣٣ - الْإِعْرَاب نصب الجدود بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ تَقول ورثت زيدا مَالا أَي من زيد وَتقول ورثت أُمِّي مَالا تُرِيدُ من أُمِّي فَتسقط حرف الْجَرّ وتعمل الْفِعْل وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ
(وَرِثْتُ أبي أخْلاقَهُ عاجِلَ القِرَى ... وَعَبْط المَهارِي كُومُها وشَنُونُها)
وَلَا فِي معنى غير وَالضَّمِير فِي أَفعاله يعود على الابْن الْغَرِيب رَأْي بِمَعْنى رَضِي وَاخْتَارَ كَقَوْلِك رأى فلَان كَذَا أَي رضيه وَفُلَان يرى كَذَا مَعْنَاهُ يرضاه وَيُشِير بِهِ الْمَعْنى يَقُول وهب مَا ورث من المَال والمآثر فوهب المَال للعفاة والمفاخر لِقَوْمِهِ لِأَنَّهُ لَا يرى الافتخار إِلَّا بِفِعْلِهِ وَأَنه رأى أَفعَال آبَائِهِ لَا ترفعه وَلَا تَنْفَعهُ حَتَّى يفعل مثلهَا وَالْمعْنَى أَن سيف الدولة لسعة فَضله وَعُمُوم جوده وهب الَّذِي وَرثهُ من جدوده اسْتغْنَاء بِكَسْبِهِ وَلم يقنع بِمَا خَلفه آباؤه من الْمجد وأسلفوه من الْجُود دون أَن يتلوهم
стр. 800
بِفِعْلِهِ ويماثلهم بفضله وَرَأى أَن أَفعَال الْآبَاء لَا تشرف الابْن حَتَّى تشرفه أَفعاله وترفعه أَحْوَاله وَمثله قَول اللَّيْثِيّ
(لَسْنا وإنْ أحْسابُنا كَرُمَتْ ... يَوْما عَلى الأحْساب نَتَّكِلُ)
وَمثله قَول الآخر
(وَإِذا افْتَخَرْتَ بأعْظُمِ مقْبُورَة ... فالنَّاسُ بَينَ مُكَذّبٍ وَمُصَدّقِ)
(فأقمْ لنفسِكَ فِي اكتِسابكَ شاهِداً ... بحَدِيثِ مَجْدٍ للْحَدِيثِ مُحَقَّقِ)
وَأَخذه الرضى الموسوي فَقَالَ
(فَخَرْتُ بنَفسِي لَا بقَوْمي مُوَفِّراً ... عَلى ناقِصِي قَوْمي مآثِرَ أُسْرَتي)
٣٤ - الْغَرِيب التراث المَال الْمَوْرُوث قَالَ الله تَعَالَى ﴿وتأكلون التراث أكلا لما﴾ وأصل التَّاء فِيهِ وَاو وَالْمِيرَاث أَصله موراث فَانْقَلَبت الْوَاو يَاء لكسرة مَا قبلهَا الْمَعْنى يَقُول فِي مَا وَرثهُ من أَمْوَالهم سوى الْعلَا لِأَنَّهُ شحيح بهَا أَن يُعْطِيهَا أحدا فَالْمَال يفنى بالإعطاء والمعالي لَا تفنى وَذكرهَا بَاقٍ مَعَ الْأَيَّام وَالْمعْنَى حَتَّى إِذا أفنى تراثه واستوعب طارفه وتالده وَلم يبْق من ذَلِك إِلَّا الْعلَا الَّتِي خلدها والمكارم الَّتِي شيدها طلب المَال مغالبة فقصد الْأَعْدَاء بطول رماحه وَاسْتعْمل فيهم صوارم سيوفه
٣٥ - الْغَرِيب الأرعن الْجَيْش الْعَظِيم المضطرب مَأْخُوذ من رعن الْجَبَل وَهُوَ أَنفه الْمُتَقَدّم وَالْجمع رعون ورعان وَمِنْه سميت الْبَصْرَة رعناء قَالَ أَبُو دُرَيْد وَأنْشد للفرزدق
(لوْلا ابنُ عُتْبَةَ عَمرٌ ووالرَّجاءُ لَهُ ... مَا كانَتِ البصْرَةُ الرَّعْناءُ لي وَطَنا)
الْمَعْنى وَقصد الْعَدو بأرعن أَي بِجَيْش عَظِيم قد لبس فَوق مَا عَلَيْهِ من الْحَدِيد دروعا من العجاج وجر من أذياله الضَّمِير يحْتَمل أَن يكون للعجاج وللحديد وَالْمعْنَى يَقُول قصد أعداءه بِجَيْش عَظِيم لَهُ رعون وفضول يلبس مَا يثيره من العجاج فَوق مَا يلبس فرسانه من السِّلَاح ويجر أذياله لكثرته ووفوره ويسحبها إِلَى الْعَدو فِي مسيره
٣٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي نقعه يعود على الْجَيْش وَعنهُ وإجلاله الضميران يعودان أَيْضا على الْجَيْش وَيجوز أَن يعودا على سيف الدولة وَهُوَ أمدح الْغَرِيب قذى القذى مَا يدْخل فِي الْعين فيمنعها النّظر والنفع الْغُبَار
стр. 801
وغض الطّرف كَسره وخفضه والإجلال مصدر أَجله الْمَعْنى يُرِيد أَن النَّهَار وَهُوَ عين الشَّمْس غطاها الْغُبَار فَصَارَ كالقذى فِيهَا أَو كَأَن النَّهَار خفض طرفه إجلالا لَهُ وَالْمعْنَى أَن العجاج غلب ضوء الشَّمْس وغطاه بتكاثفه فَكَأَنَّهُ قذى بالغبار أَو خفض طرفه إجلالا للممدوح الْمُخْتَار
٣٧ - الْغَرِيب الْقلب قلب الْجَيْش وَهُوَ وَسطه وَكَذَا يَمِينه وشماله مَا يكون من الْجمع فيهمَا الْمَعْنى يَقُول الْجَيْش فِي الْحَقِيقَة جيشك وكل جَيش سواهُ فَلَيْسَ بِجَيْش وَهُوَ جيشك يمتثل أَمرك ويتصرف على رَأْيك وَأَنت فِي الْحَقِيقَة جَيْشه لِأَنَّهُ يتشجع بشجاعتك وَيقدم بإقدامك وتهابه الشجعان من أَجلك فَهَذِهِ حَاله فِي قلبه وَيَمِينه وشماله وَإِذا امْتنع الْمُلُوك بجيوشهم فَأَنت تمنع جيشك وَإِذا احتموا بجموعهم فَأَنت تحمى جمعك
٣٨ - الْإِعْرَاب الضميران فِي فرسانه وأبطاله يعودان على الْجَيْش الْمَعْنى يُرِيد بِهَذَا أَنه يُفَسر مَا قَالَ أَولا فَيَقُول أَنْت جَيْشه ترد الطعان المر قبلهم وتسبق إِلَى مبارزة الْأَبْطَال دونهم فتصلى حره فَأَنت فِي نَفسك وَحدهَا جَيش وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(لوْ لمْ يَقُدْ جَحْفلاً يوْمَ الوَغَى لغَداً ... مِنْ نَفْسِهِ وَحْدَها فِي جَحْفَلٍ لَجِبِ)
٣٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الْمُلُوك سواك يطْلبُونَ عَسْكَرهمْ وجنودهم ليدفعوا عَنْهُم ويجمعونهم على أعدائهم ليسلموا وَأَنت تُرِيدُ رجالك أَن يبقوا ويسلموا وتدافع عَنْهُم وَهَذَا غَايَة الْكَرم والشجاعة وَقد بنى الْبَيْت على حِكَايَة تذكر عَن سيف الدولة مَعَ الإخشيد وَذَلِكَ أَنه جمع جَيْشًا عَظِيما وأتى إِلَيْهِ ليتغلب فَوجه إِلَيْهِ سيف الدولة يَقُول لَهُ قد جمعت هَذَا الْجَيْش وَجئْت إِلَى بلادي ابرز إِلَى وَلَا تقتل النَّاس بيني وَبَيْنك فأينا غلب أَخذ الْبِلَاد وَملك أَهلهَا فَوجه إِلَى سيف الدولة يَقُول مَا رَأَيْت أعجب مِنْك إِنَّمَا جمعت هَذَا الْجَيْش الْعَظِيم لأقي بِهِ نَفسِي أفتريد أَن أبارزك إِن هَذَا لجهل وَقد روى مثل هَذَا عَن عَليّ ﵇ أَنه بعث إِلَى مُعَاوِيَة وهما بصفين قد فنى النَّاس بيني وَبَيْنك فابرز إِلَى فأينا قتل صَاحبه ملك النَّاس فَقَالَ عَمْرو لمعاوية قد قَالَ لَك حَقًا وأتاك بالإنصاف فَقَالَ مُعَاوِيَة لعَمْرو أعلمت أَن عليا برز إِلَيْهِ أحد فَرجع سالما وَالله لَا برز إِلَيْهِ سواك فَحَمله حَتَّى برز إِلَى عَليّ فَلَمَّا تقاربا كشف عَن سوأته فَتَركه عَليّ وَرجع إِلَى أَصْحَابه بِغَيْر قتال فأنشدوا فِي الْمَعْنى
(وَلا خَيَر فِي دَفْعِ الرَّدَى بِمَذَلَّةٍ ... كَمَا رَدَّها يَوْما بسَوْءتِهِ عَمْرُو)
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول دون حلاوة الظفر وَلَذَّة بُلُوغ الأمل مرَارَة من الْغرَر ومشقة من الْخطر لَا تتجاوز تِلْكَ المرارة إِلَّا بمقارعة أهوال الزَّمَان وشدتها والتعرض لمحنها وصعوبتها وَضرب هَذَا مثلا لما قدمه وَقَوله على أهواله يتَضَمَّن معنى الرّكُوب وَالْمعْنَى تركب إِلَى الْحَلَاوَة أهوال الزَّمَان للوصول إِلَيْهَا كَمَا يُقَال لَا تَنْقَطِع الفلاة إِلَّا على الْإِبِل وَلَا يتَوَصَّل إِلَى حلاوة الزَّمَان إِلَّا بعد ذوق مرارته
٤١ - الْغَرِيب جاوزها قطعهَا وَعلي هُوَ سيف الدولة إسمه عَليّ والمنصل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول لهَذَا انْفَرد عَليّ وَحده بِجَوَاز تِلْكَ المرارة وسعى بِسَيْفِهِ إِلَى تِلْكَ الصعوبة وَقدر بِسَيْفِهِ على اتِّصَاله إِلَى بُلُوغ آماله فَإِذا طلب شَيْئا أدْركهُ
стр. 802
- ١ الْغَرِيب السَّيْف الأول سيف الدولة وَالثَّانِي الْحَدِيد الْمَعْنى يَقُول هَذَا الْملك الَّذِي يُسمى بِالسَّيْفِ يبلغ كل مَا يُريدهُ ويؤمله وينويه ويعتقده فَلَا يفعل السَّيْف فِي ذَلِك فعله وَلَا يفعل فِي إِدْرَاكه شأوه لِأَنَّهُ أعظم من السَّيْف فعلا
٢ - الْغَرِيب المهمه الْمَفَازَة الْبَعِيدَة وَالْجمع المهامه عَم الشَّيْء يعم عُمُوما شَمل وطاله علاهُ الْمَعْنى إِذا سَار فِي الأَرْض السهلة عَمها بجُنُوده وَإِن سَار فِي الْجَبَل علاهُ فَصَارَ فَوْقه وَلَيْسَت هَذِه الصّفة من أَعمال السَّيْف
٣ - الْغَرِيب نلتنا من النّيل وَهُوَ الْعَطاء يُقَال نَالَ ينول إِذا أعْطى وأناله ينيله إنالة إِذا أعطَاهُ وثمر مَاله إِذا أحسن الْقيام عَلَيْهِ وَأَصله فِي الشّجر الَّذِي يُثمر الْمَعْنى يَقُول أَنْت بِمَا نلتنا بِهِ من فعلك وتابعته لدينا من بذلك مَالك تثمر مَالك بِمَالك وتحوط ملكك بملكك لأننا لَك فِي وقوعنا تَحت أَمرك وَمَا يُحِيط بِنَا من ملكك كَالْمَالِ الَّذِي تحويه وتضبطه وتحوزه وتملكه
٤ - الْغَرِيب الضيغم الْأسد ويرشح الترشيح التغذية وَهُوَ أَن ترشح الْأُم وَلَدهَا بِاللَّبنِ الْقَلِيل تَجْعَلهُ فِي فِيهِ شَيْئا بعد شَيْء إِلَى أَن يقوى على المص وَفُلَان يرشح للوزارة أَي يربى لَهَا ورشحت الظبية وَلَدهَا إِذا عَلمته الْمَشْي وَهُوَ راشح قَالَ
(كأنَّ فِي جانِبَيْهِ جِلَّهً نُتِجَتْ ... فِي آخِرِ الصَّيْفِ قَدْ هَمَّتْ بإرْشاحِ)
الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِيمَا سبقتنا إِلَيْهِ من مقارعة الْأَبْطَال وَمَا تنفرد بِهِ دُوننَا من منازلة الأقران أَسد ينهج لأشباله مَا يَفْعَله ويضربها على مَا يَأْتِيهِ ويمتثله وَالْمعْنَى أَنْت تضرينا على الْحَرْب وتعودنا الْقِتَال كَمَا يرشح الْأسد أشباله للْفرس
стр. 803
- ١ الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وَالْمعْنَى أينفع فِي سُقُوطهَا عذل العذل فَحذف الْمُضَاف وروى الْخَوَارِزْمِيّ أيقدح وَهِي رِوَايَة جَيِّدَة فَلَا يقدر فِيهَا مَحْذُوف الْغَرِيب العذل جمع عاذلة يُقَال عذل وعواذل والعاذل اللائم والعذل اسْم الْعرق الَّذِي يسيل مِنْهُ دم الِاسْتِحَاضَة وَشَمل الشَّيْء غطاه وَعَمه الْمَعْنى يَقُول لَا ينفع فِي هَذِه الْخَيْمَة أَن تعذل على سُقُوطهَا فعذرها بَين والموجب لفعلها ظَاهر وَكَيف لَهَا أَن تَشْمَل من يَشْمَل الدَّهْر بسلطانه وَيُجِير عَلَيْهِ بإحسانه وَلَو قَالَ من دهره لَكَانَ أحسن من إِضَافَة الدَّهْر إِلَيْهَا وَمعنى يَشْمَل يُحِيط بِهِ ويحويه وَقَوله يَشْمَل من دهرها بِمَعْنى أَن الْخَيْمَة تحيط بِمن يُحِيط بالدهر يَعْنِي علم كل شَيْء فَلَا يحدث الدَّهْر شَيْئا لَا يُعلمهُ وَمن كَانَ بِهَذَا الْمحل لَا يعلوه شَيْء
стр. 804
- الْإِعْرَاب الَّذِي فِي مَوضِع نصب مَعَ صلته وَمَا بِمَعْنى الَّذِي وَهُوَ فِي مَوضِع رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره محَال الْغَرِيب زحل اسْم نجم مَعْرُوف وَهُوَ من السَّبْعَة المدبرات وَيُقَال هُوَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة وَيُقَال فِي الْخَامِسَة وَالسَّادِسَة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تعلو هَذِه الخيمه من تَحْتَهُ زحل فِي علو الْقدر والنباهة ومحال مَا تسأله الْخَيْمَة من ثُبُوتهَا فَوْقه وَمن ضم التَّاء وَهِي روايتنا وَعَلِيهِ الْأَكْثَر أَرَادَ مَا تسْأَل الْخَيْمَة من ذَلِك وَالْمعْنَى وَكَيف تعلو من يتواضع زحل عَن رفعته وَيقصر دون بُلُوغ مَنْزِلَته فمحال مَا تسأله وممتنع مَا تحمله
٣ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع مَا بِمَعْنى الَّذِي وَالضَّمِير فِي خَاتمه لسيف الدولة وَالتَّقْدِير لم لَا تلوم لائمها وَسيف الدولة الَّذِي فص خَاتمه يذبل تحتهَا فَحذف الْخَبَر وَقَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن هَذَا الْبَيْت فَقَالَ مَا بِمَعْنى لَيْسَ وَالتَّقْدِير لم لَا تلوم الْخَيْمَة من لامها على أَنه لَيْسَ فص خَاتمه يذبل فَالضَّمِير على هَذَا القَوْل رَاجع على اللائم الْغَرِيب يذبل جبل مَعْرُوف والخاتم بِكَسْر التَّاء وَفتحهَا: لُغَتَانِ فصيحتان، وَقَرَأَ عَاصِم (وَخَاتم النبين) بتح التَّاء وَيُقَال خَاتم وَخَاتم وخيتام وخاتام وَالْجمع خَوَاتِيم الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع لم لَا تلوم لائمها على سُقُوطهَا وَتقول لَهُ لم لَا يكون فص خاتمك يذبل فَإِنَّهُ يَقُول لَهَا عِنْد ذَلِك لَا يُمكن خيمة وَلَا يَصح لَهَا أَن تشْتَمل على سيف الدولة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح إِن جَازَ أَن تلام هَذِه الْخَيْمَة على عجزها عَن علوها الممدوح وَهُوَ غير مُمكن لعلوه عَنْهَا فَلم لَا نلوم من لامها على أَنه لَيْسَ فص خَاتمه يذبل وَهُوَ مُسْتَحِيل فِي أَن يكون فص خَاتم إِنْسَان يذبل لِأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا فِي طاقته فَكَذَا هَذِه الْخَيْمَة لَا تقدر أَن تعلو الممدوح لقصورها عَنهُ وَقَالَ ابْن الأفليلي لم لَا تلوم من لامها وَتقول لَهُ إِن الرئيس تهيبته وأعجزني الأشمال عَلَيْهِ يقصر يذبل مَعَ عَظمته عَن فص خَاتمه ويخف عِنْد رزانته ويقل عِنْد جلالته فَكيف أُطِيق الاشتمال عَليّ من هَذِه حَاله
٤ - الْغَرِيب الأرجاء النواحي الْوَاحِد رجا والتثنية رجوان والجحفل الْجَيْش الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة كل قطر مِنْهَا يسع جحفلا وَلكنهَا تضيق جَمِيعهَا بشخصك إجلالا لَك وإعظاما لَك أَن تعلوك
стр. 805
- الْغَرِيب الذبل الْيَابِسَة الدقيقة الطَّوِيلَة وَإِنَّمَا خص الذبل لِأَنَّهَا لَا تذبل حَتَّى تطول الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة تقصر مادمت فِي جوفها مكبرة للأشمال عَلَيْك وتضطرب مستعظمة للاستعلاء فَوْقك وَذَلِكَ لجلالتك لَا لصغرها وقصرها ولهيبتك لَا لتطأطئها وَهِي من علوها تركز فِيهَا القنا الذبل
٦ - الْغَرِيب الرَّاحَة وسط الْكَفّ والأنمل جمع أُنْمُلَة وَهُوَ من الجموع الَّتِي بَينهَا وَبَين مفردها الْهَاء الْمَعْنى يَقُول باسطا لعذر الْخَيْمَة فِي سُقُوطهَا وَكَيف تقوم مُشْتَمِلَة على من الْبحار كالأنمل لراحته يغمرها بأيسر جوده وَيزِيد عَلَيْهَا بِأَقَلّ بذله
٧ - الْمَعْنى يَقُول فليتك أَيهَا الرئيس فرقت وقارك وقسمته وشاركت فِيهِ وحملت الأَرْض مَا تحمله وكلفتها مَا تبلغه فَلَو فرقت وقارك لَكَانَ يخص الْخَيْمَة مِنْهُ مَا يوقرها ويثبتها عَن السُّقُوط
٨ - الْمَعْنى يَقُول لَو فرقته صَار الْأَنَام وهم الحلائق كلهم سادة وَفضل لَك مَا تسود بِهِ النَّاس فتسود مَا يفضل مَعَك جَمَاعَتهمْ وتستحق مَعَه رياستهم وَالْمعْنَى أَنه يصف رزانة حلمه وَكَثْرَة وقاره فَلَو فرقه لكفى النَّاس وَفضل مَعَه مَا يسودهم بِهِ وَفضل فِيهِ لُغَات أفضلهَا فضل بِفَتْح الْعين مَاضِيا وَمثله دخل يدْخل وبكسر الْعين مَاضِيا كحذر يحذر وَفِيه لُغَة أُخْرَى مركبة مِنْهُمَا بِكَسْر الْعين مَاضِيا وبالضم مُسْتَقْبلا وَهُوَ شَاذ لَا نَظِير لَهُ قَالَ سِيبَوَيْهٍ هَذَا عِنْد أَصْحَابنَا إِنَّمَا يحيء على لغتين قَالَ وَكَذَلِكَ نعم ينعم ومت تَمُوت وكدت تكود
٩ - الْغَرِيب اصل الغزالة ارْتِفَاع الشَّمْس وَهُوَ وَقت سميت الشَّمْس بِهِ وغزالة الضُّحَى أَولهَا وَمِنْه قَول ذِي الرمة
(فأشْرَفْتُ الغَزَالَةَ رأسَ حُزْوَى ... أُرَاقِبُهُمْ وَما أغْنَى قِبالا)
نصب الغزالة على الظّرْف وَقيل الغزالة الشَّمْس سميت بذلك لِأَن حبالها كالغزل الَّذِي تغزله الْمَرْأَة الْمَعْنى يَقُول لون الممدوح ونوره لَا يلْحقهُ تَغْيِير كلون الشَّمْس الَّذِي لَا يَزُول
стр. 806
عَنْهَا بِالْغسْلِ فَهَذِهِ الْخَيْمَة رَأَتْ لون وَجهه فِي لَوْنهَا وتلألأ حسنه فِي حسنها كنور الشَّمْس تشرق وَلَا يذهب بِغسْل ويضيء وَلَا يتَغَيَّر فاكتسب من نوره مَا صَارَت بِهِ موازية للشمس الَّتِي لَا يَزُول نورها
١٠ - الْغَرِيب الباذخ العالي وبذخ بِالْكَسْرِ وتبذخ أَي تكبر وَعلا والبواذخ من الْجبَال الشوامخ وبذل الْفَحْل اشْتَدَّ هديره بذخانا وَإنَّهُ لبذاخ الْمَعْنى يَقُول رَأَتْ أَن لَهَا شرفا عَالِيا إِذا سكنتها وَأَن جَمِيع الْخيام تخجل مِنْهَا إِذْ لم تبلغ محلهَا واستعار للخيام خجلا والخجل فِي بني آدم استرخاء يلْحق الْإِنْسَان عِنْد الْحيَاء وَهُوَ مَأْخُوذ من خجل الْوَادي إِذا طَال نبته والتف فَقَالَ هَذِه الْخَيْمَة إِذا نظرت الْخيام إِلَى عظم شرفها خجلت وَعلمت أَنَّهَا مفتضحة إِذا قيست بهَا
١١ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة لَا تنكروا سُقُوطهَا لِأَنَّهَا غلب عَلَيْهَا الْفَرح فَلَا غرو أَن يصرعها طرب ويستخفها فَرح فَمن الْفَرح مَا يقتل لِشِدَّتِهِ وَمن الطَّرب مَا يضر بِزِيَادَتِهِ
١٢ - الْمَعْنى يَقُول لَو بلغ النَّاس الْعُقَلَاء مَا بلغته هَذِه الْخَيْمَة من الصيانة لَك والإتصال بك والإشمال عَلَيْك لخانتهم أَرجُلهم فَلم تحملهم وصرعهم فَرَحهمْ فَلم يمهلهم الْوُقُوف وَالْمعْنَى لم تحملهم قوائمهم هَيْبَة لَك كَمَا خانتها إطنابها وعمدها
١٣ - الْغَرِيب الإطناب جبال الْبناء والتطنيب مد الإطناب الْمَعْنى يَقُول لما أمرت بِهَذِهِ الْخَيْمَة أَن تنصب وتمد إطنابها شاع أَي ظهر فِي النَّاس بأنك لست راحلا لغزو الْعَدو لأمر وقفك عَن الرحيل وَعذر ثبطك عَن الْغَزْو
١٤ - الْغَرِيب التَّفْوِيض الْحَط وَرفع الإطناب لقلع الْخَيْمَة وَأَشَارَ من الْإِشَارَة لَا من المشورة فِي الرَّأْي فان قيل الْإِشَارَة إِنَّمَا تكون بِالْإِيمَاءِ بالجارحة وَالله تَعَالَى يرْتَفع عَن الْوَصْف بالجوارح قيل إِنَّمَا أَرَادَ بِالْإِشَارَةِ التَّنْبِيه أَي فنبهك بوقوعها على الرحيل الَّذِي أَعرَضت عَنهُ فالخيمة المشيرة إِلَيْهِ بالوقوع وَقَالَ الْآخرُونَ وَجه جَوَازه أَن يكون الله أَشَارَ إِلَيْهِ بجسم من الْأَجْسَام يحْتَمل الْحَرَكَة إِمَّا حَيّ وَإِمَّا موَات إِذْ لَا جارحه لَهُ تَعَالَى
стр. 807
الْمَعْنى يَقُول لم يرد الله حطها وَلَكِن كَانَ قلعهَا وسقوطها تَنْبِيها من الله تَعَالَى لَك بِمَا تَفْعَلهُ من الارتحال والتوجه إِلَى الْغَزْو لِأَن الْأَمر لَيْسَ على مَا يَقُول النَّاس فَجعل سُقُوط الْخَيْمَة كالإشارة إِلَى مَا تفعل وَأَرَادَ رشدك فِي النهوض الَّذِي أخرت أمره وَقَعَدت عَنهُ
١٥ - الْغَرِيب من همه أَي من إِرَادَته ورفل يرفل رفلا إِذا سحب أذياله وَمَشى وشمر رفله أَي ذيله ورفل بِكَسْر الْعين رفلا خرق فِي لبسته فَهُوَ رفل وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(فِي الرَّكْب وَشْوَاشٌ وَفِي الْحَيّ رَفِلْ ... )
وَامْرَأَة رفلة ترفل فِي مشيتهَا خرقا فَإِن لم تحسن الْمَشْي فِي ثِيَابهَا قيل رفلاء والرفل الأحمق الْمَعْنى يَقُول عرف الله النَّاس بتقويض الْخَيْمَة أَنه لم يخذلك بل يُرِيد إرشادك وَأَنَّك تمشي فِي نصر دينه فَجعل قلع الْخَيْمَة سَببا لمسيرك وعلامة على أَنه أَرَادَ لَك الارتحال فَأَنت فِي نَصره ترفل وَفِي تأييد دينه تحل وترتحل
١٦ - الْإِعْرَاب استفهم بِلَفْظ مَا لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام تَصْغِير وتحقير يُرِيد مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الْغَرِيب العاندون جمع سَلامَة وَهُوَ جمع عاند وَعند يعند بِالْكَسْرِ عنودا أَي خَالف ورد الْحق وَهُوَ يعرفهُ فَهُوَ عنيد وعاند وأصل العاند الْبَعِير الَّذِي يجوز عَن الطَّرِيق ويعدل على الْقَصْد وَالْجمع عِنْد مثل رَاكِع وَركع وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة
(إِذا رَكْبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنِّي كَبيرٌ لَا أُطيقُ العُنَّدَا)
وَجمع العنيد عِنْد كرغيف ورغف وعاند معاندة وعنادا الْمَعْنى يَقُول مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الَّذين يميلون عَن الصدْق إِلَى الْكَذِب والحاسدون مَا هم وَمَا قَوْلهم لَا تَأْثِير لعداوتهم وحسدهم وَلَا لما يلقونه من الْأَقْوَال الكاذبة عِنْد تقويض الْخَيْمَة وَلَا لما أملوا وَمن روى اثلو بالثاء الْمُثَلَّثَة أَرَادَ مَا جمعُوا وَقَوله وَمَا قُولُوا قَالَ أَبُو الْفَتْح كرروا القَوْل وخاضوا وقولتني مَا لم أقل أَي نسبته إِلَى كَقَوْلِك موتت الْإِبِل أَي كثر مَوتهَا والتقويل الادعاء وَالْمعْنَى يَقُول مَا قدر العاندون والحاسدون علينا إِذا اقْترن ذَلِك بجلالة سلطانك واستطاف إِلَى علو مَكَانك
١٧ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هم يطْلبُونَ رتبتك فَمن الَّذين أدركوا مِنْهُم شأوك وَوجه آخر هم يطْلبُونَ بكيدهم فَمن الَّذين أدركوه حَتَّى يطمعوا فِيك أه؟
стр. 808
وَالْمعْنَى هم مجتهدون فِي الطّلب فسلهم عَمَّن يقبل كذبهمْ وَيسمع إفكهم وَهل أُولَئِكَ إِلَّا طغام لَا يحفل بهم وهمج لَا يعرج عَلَيْهِم
١٨ - الْمَعْنى يَقُول هم يتمنون من الظُّهُور عَلَيْك بِحَسب مَا تبلغه شهواتهم ويعترضهم دون ذَلِك إقبال جدك وَتمكن سعدك وَمَا تكفل الله بِهِ من إعلاء أَمرك
١٩ - الْإِعْرَاب ملمومة عطف على الْمُبْتَدَأ فِي قَوْله جدك الْمقبل الْغَرِيب الملمومة الكتيبة الْمَجْمُوعَة وخمل الثَّوْب مَعْرُوف وَهُوَ مَا تدلى مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الكتيبة الْمَجْمُوعَة لِبَاس فرسانها الدروع حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْهَا فِي ثوب شَامِل ولباس سابغ إِلَّا أَن ذَلِك الثَّوْب مخمل بِالرِّمَاحِ الْبَادِيَة وَمَتنه متشعب بالقنا المتشاجرة فِيهِ وَالْمعْنَى أَن جيشك يمنعك من وصولهم إِلَى مَا يشتهون وروى ابْن الأفليلي وملمومة خفضا وَقَالَ وَرب ملمومة لَك لِبَاس أَهلهَا الْحَدِيد والزرد حلق الدروع
٢٠ - الْغَرِيب المفاجأة المسارعة والحين الْهَلَاك والقسطل الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول يفاجئ بِهَذِهِ الكتيبة جَيْشًا هَلَاكه بهَا يُرِيد أَنَّهَا تسير لَيْلًا فتباكر جَيْشًا قد دنا حِينه وَهُوَ هَلَاكه فتهلكه لِأَنَّهُ لَا يشْعر بهَا وَتارَة تسير نَهَارا فتثير غبارا فينذر جَيْشًا آخر فيهرب وَقيل إِنَّهَا تحزن تسير فِي الْحزن فَلَا تثير غبارا وَتارَة تسهل تسير فِي السهل فتثير غبارا
٢١ - الْمَعْنى يَقُول جعلتك بِالْقَلْبِ عدَّة اعتدها وعصمة أعتقدها لِأَنَّك أرفع قدرا من أَن تتَنَاوَل بالجوارح وَإِنَّمَا تنَال بالفكر والاعتقاد فَأَنا أعتقد أَنَّك عدَّة لي فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ لِأَنَّك لست من الْعدَد الَّذِي يعد بِالْيَدِ كالسيوف والأسلحة
٢٢ - الْغَرِيب المنصل بِضَم الصَّاد وَفتحهَا الْمَعْنى يَقُول لقد رفع الله دولة يُرِيد الْخلَافَة جعلتك سيفها وَأَنت ملك الْمُلُوك وجعلتك منصلها وَأَنت أَمِير الْأُمَرَاء فَهَذِهِ الدولة قد أسعدها الله ورفعها على سَائِر الدول
стр. 809
- الْغَرِيب المرهفات جمع مرهف وَهُوَ السَّيْف الرَّقِيق الْحَد والطيع الصِّنَاعَة والمقصل الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمتك السيوف بِزَمَان طبعها وسبقتك بِوَقْت صناعتها فَأَنت سبقتها بنفاد أَمرك وتقدمتها بمضاء عزمك وَقَالَ الواحدي قَالَ ابْن جني معنى الْبَيْت أَنَّك لإفراط قَطعك وظهوره على قطع جَمِيع السيوف كَأَنَّك أول من قطع إِذْ لم ير قبلك مثلك وَقَالَ غَيره يُرِيد أَن قطعهَا بسببك وَلَوْلَا قَطعك مَا قطعت وكلا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيف وَالْمعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ المتنبي أَنَّك سبقتها بِالْقطعِ لِأَنَّك تقطع بِرَأْيِك وعقلك وحكمك مَا لَا يقطعهُ السَّيْف
٢٤ - الْغَرِيب جاد من الْجُود وَهُوَ الْكَرم الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم وتراخت مددهم فَأَنت تقدمتهم بِعُمُوم جودك وسبقتهم بسبوغ كرمك وَإِن تقدموك الزَّمَان فَأَنت تقدمتهم بِالْإِحْسَانِ
٢٥ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الَّتِي قَرَأنَا بهَا الدِّيوَان على الشَّيْخَيْنِ أبي الْحرم مكي وَأبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم من ليثها جارا ومجرورا وَهُوَ مُتَعَلق بإسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ خبر الِابْتِدَاء وروى من ليثها بِالرَّفْع وَفتح مِيم من وَهُوَ عبارَة عَن الْأُم وَهُوَ خبر الِابْتِدَاء وَمَا بعده صلَة لَهُ الْغَرِيب المشبل الْأُنْثَى من السبَاع وَهِي ذَات أشبال والشبل ولد الْأسد الصَّغِير وَاللَّيْث من أَسمَاء الْأسد الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تقصر عَن غَايَة من الْفضل ومنزلة من الْكَرم والبأس وَقد ولدك الْأسد فأمك أشبلت بك من أَبِيك الَّذِي هُوَ الْأسد وَضرب ذَلِك مثلا لشجاعته ومضائه كَأَن أَبَوَيْهِ سبعان وَقَالَ الواحدي روى ابْن دوست عَن غابة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي تَصْحِيف إِنَّمَا يُقَال قصر عَن الْغَايَة إِذا لم يبلغهَا لَاعن الغابة
٢٦ - الْغَرِيب الورى الْخلق يُقَال مَا أدرى أَي الورى هُوَ أَي أَي الْخلق هُوَ قَالَ ذُو الرمة
стр. 810
(وكائنْ ذَعَرْنا مِنْ مَهاةٍ وَرَامحٍ ... بِلادُ الْوَرَى لَيْسَتْ لَهُ بِبِلادِ)
وتنجل تَلد الْمَعْنى يَقُول لما وَلدتك أمك وَهِي الشَّمْس فِي رفعتها وَعظم قدرهَا وجلالة أمرهَا استعظم النَّاس أَن يلد مثلهَا وَمن سَار فِي عظم منزلهَا نَسْلًا فَكيف بك وأمك الشَّمْس جلالة ورفعة وَأَبُوك الْأسد صرامة وَشدَّة وَقَالَ الواحدي لما وَلدتك أمك كنت شمسا فِي رفْعَة الْمحل ونباهة الذّكر فَقَالَ النَّاس ألم تكن الشَّمْس لَا تولد فَكيف ولدت هَذِه الْمَرْأَة شمسا وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول
(لَأُمٌّ لَكُمٍ نَجَلَتْ مالِكا ... مِنَ الشَّمْسِ لَوْ نَجَلَتْ أكْرَمُ)
والنجل النَّسْل ونجله أَبوهُ وَلَده يُقَال قبح الله ناجليه أَي وَالِديهِ
٢٧ - الْغَرِيب نصب تَبًّا على الْمصدر يُقَال تب تَبًّا وَمن فِي مَوضِع جر عطفا على مَا قبله وَالْجُمْلَة لَا مَوضِع لَهَا صلته الْغَرِيب التب الْهَلَاك والخسار وَمِنْه ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ أَي هَلَكت وخسرت الْمَعْنى يَقُول ضلالا وخسارا لعبدة النُّجُوم الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا عَاقِلَة وَالْمعْنَى أهلك الله أَصْحَاب النُّجُوم والمصدقين بهَا وعبيدها المعظمين لَهَا وَأبْعد الله الْقَائِلين إِنَّهَا عَاقِلَة مُمَيزَة وعالمة مُدبرَة ثمَّ بَين الْعلَّة بعد فَقَالَ
٢٨ - الْمَعْنى يَقُول من زعم أَن النُّجُوم عَاقِلَة وَقد عرفتك فَمَا بالها لَا تنزل إِلَى خدمتك وَهِي تراك ترَاهَا فَلم لَا تنزل خاضعة لَك وتنحط من أماكنها متواضعة عَنْك وَهِي فِي الْحَقِيقَة لَا تبلغ رُتْبَة فضلك وَلَا تقَارب جلالة قدرك فَلَو كَانَت تعقل كَمَا زعم قوم لنزلت حَتَّى تعلو عَلَيْهَا بِحَسب استحقاقك لعلمها أَن محلك فَوق محلهَا لَكِنَّهَا لَا تعقل
٢٩ - الْمَعْنى يَقُول لَو بتما وَمَوْضِع كل وَاحِد مِنْكُمَا على حسب فَضله ومكانه حَيْثُ يسْتَحق بِقَدرِهِ لبت فِي مَوَاضِع النُّجُوم وباتت فِي موضعك تعلوها وتسفل مِنْك وتسبقها وتتواضع عَنْك لشرف قدرك على قدرهَا
٣٠ - الْغَرِيب الْعباد أَكثر مَا تسْتَعْمل مُضَافَة إِلَى الله وَالْعَبِيد للنَّاس والعباد مُخْتَصّ بالخالق وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شَاهدا لهَذَا
(أتُوعِدُنِي بقَوْمِكَ يابنَحَجْل ... أشابات يَخالُونَ الْعِبَادَا)
الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى مننت على عِبَادك بَان حللث بَينهم وَالْكَوَاكِب تَأمل ذَلِك فَلَا تقدر عَلَيْهِ وَهَذَا معنى بعيد وَتَأْويل فَاسد وَالَّذِي أَرَادَهُ أَبُو الطّيب أَعْطَيْت عبيدك يَعْنِي النَّاس جعلهم عبيدا لَهُ لِأَنَّهُ ملك مارجوه من عطائه ثمَّ دَعَا لَهُ بباقي الْبَيْت أَن يُكَافِئهُ الله بِمثل فعله فينيله مَا يؤمله هَذَا هُوَ الْمَعْنى فَأَما الْحُلُول بَين النَّاس فبعيداه وَالْمعْنَى أنلتهم مَا أَملوهُ من فضلك وحققت رجاءهم فِيمَا استدعوه من كرمك أنالك رَبك مَا تَأمله وأيدك على مَا تقصده وتكفل لَك بتقريب مَا تريده وَلما أطلق على النَّاس لفظ الْعُبُودِيَّة لَهُ عطف عَلَيْهِ من آخر الْبَيْت فَجعله مربوبا مثلهم حذقا مِنْهُ وصنعة
следующие страницы →