← Адаб

Адаб · id 6908

شرح ديوان المتنبي المنسوب للعكبري

أبو البقاء العكبري

Полный текст (1 424 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عَنْهَا بِالْغسْلِ فَهَذِهِ الْخَيْمَة رَأَتْ لون وَجهه فِي لَوْنهَا وتلألأ حسنه فِي حسنها كنور الشَّمْس تشرق وَلَا يذهب بِغسْل ويضيء وَلَا يتَغَيَّر فاكتسب من نوره مَا صَارَت بِهِ موازية للشمس الَّتِي لَا يَزُول نورها ١٠ - الْغَرِيب الباذخ العالي وبذخ بِالْكَسْرِ وتبذخ أَي تكبر وَعلا والبواذخ من الْجبَال الشوامخ وبذل الْفَحْل اشْتَدَّ هديره بذخانا وَإنَّهُ لبذاخ الْمَعْنى يَقُول رَأَتْ أَن لَهَا شرفا عَالِيا إِذا سكنتها وَأَن جَمِيع الْخيام تخجل مِنْهَا إِذْ لم تبلغ محلهَا واستعار للخيام خجلا والخجل فِي بني آدم استرخاء يلْحق الْإِنْسَان عِنْد الْحيَاء وَهُوَ مَأْخُوذ من خجل الْوَادي إِذا طَال نبته والتف فَقَالَ هَذِه الْخَيْمَة إِذا نظرت الْخيام إِلَى عظم شرفها خجلت وَعلمت أَنَّهَا مفتضحة إِذا قيست بهَا ١١ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه الْخَيْمَة لَا تنكروا سُقُوطهَا لِأَنَّهَا غلب عَلَيْهَا الْفَرح فَلَا غرو أَن يصرعها طرب ويستخفها فَرح فَمن الْفَرح مَا يقتل لِشِدَّتِهِ وَمن الطَّرب مَا يضر بِزِيَادَتِهِ ١٢ - الْمَعْنى يَقُول لَو بلغ النَّاس الْعُقَلَاء مَا بلغته هَذِه الْخَيْمَة من الصيانة لَك والإتصال بك والإشمال عَلَيْك لخانتهم أَرجُلهم فَلم تحملهم وصرعهم فَرَحهمْ فَلم يمهلهم الْوُقُوف وَالْمعْنَى لم تحملهم قوائمهم هَيْبَة لَك كَمَا خانتها إطنابها وعمدها ١٣ - الْغَرِيب الإطناب جبال الْبناء والتطنيب مد الإطناب الْمَعْنى يَقُول لما أمرت بِهَذِهِ الْخَيْمَة أَن تنصب وتمد إطنابها شاع أَي ظهر فِي النَّاس بأنك لست راحلا لغزو الْعَدو لأمر وقفك عَن الرحيل وَعذر ثبطك عَن الْغَزْو ١٤ - الْغَرِيب التَّفْوِيض الْحَط وَرفع الإطناب لقلع الْخَيْمَة وَأَشَارَ من الْإِشَارَة لَا من المشورة فِي الرَّأْي فان قيل الْإِشَارَة إِنَّمَا تكون بِالْإِيمَاءِ بالجارحة وَالله تَعَالَى يرْتَفع عَن الْوَصْف بالجوارح قيل إِنَّمَا أَرَادَ بِالْإِشَارَةِ التَّنْبِيه أَي فنبهك بوقوعها على الرحيل الَّذِي أَعرَضت عَنهُ فالخيمة المشيرة إِلَيْهِ بالوقوع وَقَالَ الْآخرُونَ وَجه جَوَازه أَن يكون الله أَشَارَ إِلَيْهِ بجسم من الْأَجْسَام يحْتَمل الْحَرَكَة إِمَّا حَيّ وَإِمَّا موَات إِذْ لَا جارحه لَهُ تَعَالَى

стр. 807

الْمَعْنى يَقُول لم يرد الله حطها وَلَكِن كَانَ قلعهَا وسقوطها تَنْبِيها من الله تَعَالَى لَك بِمَا تَفْعَلهُ من الارتحال والتوجه إِلَى الْغَزْو لِأَن الْأَمر لَيْسَ على مَا يَقُول النَّاس فَجعل سُقُوط الْخَيْمَة كالإشارة إِلَى مَا تفعل وَأَرَادَ رشدك فِي النهوض الَّذِي أخرت أمره وَقَعَدت عَنهُ ١٥ - الْغَرِيب من همه أَي من إِرَادَته ورفل يرفل رفلا إِذا سحب أذياله وَمَشى وشمر رفله أَي ذيله ورفل بِكَسْر الْعين رفلا خرق فِي لبسته فَهُوَ رفل وَأنْشد الْأَصْمَعِي (فِي الرَّكْب وَشْوَاشٌ وَفِي الْحَيّ رَفِلْ ... ) وَامْرَأَة رفلة ترفل فِي مشيتهَا خرقا فَإِن لم تحسن الْمَشْي فِي ثِيَابهَا قيل رفلاء والرفل الأحمق الْمَعْنى يَقُول عرف الله النَّاس بتقويض الْخَيْمَة أَنه لم يخذلك بل يُرِيد إرشادك وَأَنَّك تمشي فِي نصر دينه فَجعل قلع الْخَيْمَة سَببا لمسيرك وعلامة على أَنه أَرَادَ لَك الارتحال فَأَنت فِي نَصره ترفل وَفِي تأييد دينه تحل وترتحل ١٦ - الْإِعْرَاب استفهم بِلَفْظ مَا لِأَنَّهُ اسْتِفْهَام تَصْغِير وتحقير يُرِيد مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الْغَرِيب العاندون جمع سَلامَة وَهُوَ جمع عاند وَعند يعند بِالْكَسْرِ عنودا أَي خَالف ورد الْحق وَهُوَ يعرفهُ فَهُوَ عنيد وعاند وأصل العاند الْبَعِير الَّذِي يجوز عَن الطَّرِيق ويعدل على الْقَصْد وَالْجمع عِنْد مثل رَاكِع وَركع وَأنْشد أَبُو عُبَيْدَة (إِذا رَكْبتُ فاجْعَلانِي وَسَطا ... إنِّي كَبيرٌ لَا أُطيقُ العُنَّدَا) وَجمع العنيد عِنْد كرغيف ورغف وعاند معاندة وعنادا الْمَعْنى يَقُول مَا هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاء الَّذين يميلون عَن الصدْق إِلَى الْكَذِب والحاسدون مَا هم وَمَا قَوْلهم لَا تَأْثِير لعداوتهم وحسدهم وَلَا لما يلقونه من الْأَقْوَال الكاذبة عِنْد تقويض الْخَيْمَة وَلَا لما أملوا وَمن روى اثلو بالثاء الْمُثَلَّثَة أَرَادَ مَا جمعُوا وَقَوله وَمَا قُولُوا قَالَ أَبُو الْفَتْح كرروا القَوْل وخاضوا وقولتني مَا لم أقل أَي نسبته إِلَى كَقَوْلِك موتت الْإِبِل أَي كثر مَوتهَا والتقويل الادعاء وَالْمعْنَى يَقُول مَا قدر العاندون والحاسدون علينا إِذا اقْترن ذَلِك بجلالة سلطانك واستطاف إِلَى علو مَكَانك ١٧ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي هم يطْلبُونَ رتبتك فَمن الَّذين أدركوا مِنْهُم شأوك وَوجه آخر هم يطْلبُونَ بكيدهم فَمن الَّذين أدركوه حَتَّى يطمعوا فِيك أه؟

стр. 808

وَالْمعْنَى هم مجتهدون فِي الطّلب فسلهم عَمَّن يقبل كذبهمْ وَيسمع إفكهم وَهل أُولَئِكَ إِلَّا طغام لَا يحفل بهم وهمج لَا يعرج عَلَيْهِم ١٨ - الْمَعْنى يَقُول هم يتمنون من الظُّهُور عَلَيْك بِحَسب مَا تبلغه شهواتهم ويعترضهم دون ذَلِك إقبال جدك وَتمكن سعدك وَمَا تكفل الله بِهِ من إعلاء أَمرك ١٩ - الْإِعْرَاب ملمومة عطف على الْمُبْتَدَأ فِي قَوْله جدك الْمقبل الْغَرِيب الملمومة الكتيبة الْمَجْمُوعَة وخمل الثَّوْب مَعْرُوف وَهُوَ مَا تدلى مِنْهُ الْمَعْنى يَقُول هَذِه الكتيبة الْمَجْمُوعَة لِبَاس فرسانها الدروع حَتَّى كَأَنَّهَا مِنْهَا فِي ثوب شَامِل ولباس سابغ إِلَّا أَن ذَلِك الثَّوْب مخمل بِالرِّمَاحِ الْبَادِيَة وَمَتنه متشعب بالقنا المتشاجرة فِيهِ وَالْمعْنَى أَن جيشك يمنعك من وصولهم إِلَى مَا يشتهون وروى ابْن الأفليلي وملمومة خفضا وَقَالَ وَرب ملمومة لَك لِبَاس أَهلهَا الْحَدِيد والزرد حلق الدروع ٢٠ - الْغَرِيب المفاجأة المسارعة والحين الْهَلَاك والقسطل الْغُبَار الْمَعْنى يَقُول يفاجئ بِهَذِهِ الكتيبة جَيْشًا هَلَاكه بهَا يُرِيد أَنَّهَا تسير لَيْلًا فتباكر جَيْشًا قد دنا حِينه وَهُوَ هَلَاكه فتهلكه لِأَنَّهُ لَا يشْعر بهَا وَتارَة تسير نَهَارا فتثير غبارا فينذر جَيْشًا آخر فيهرب وَقيل إِنَّهَا تحزن تسير فِي الْحزن فَلَا تثير غبارا وَتارَة تسهل تسير فِي السهل فتثير غبارا ٢١ - الْمَعْنى يَقُول جعلتك بِالْقَلْبِ عدَّة اعتدها وعصمة أعتقدها لِأَنَّك أرفع قدرا من أَن تتَنَاوَل بالجوارح وَإِنَّمَا تنَال بالفكر والاعتقاد فَأَنا أعتقد أَنَّك عدَّة لي فِيمَا أحتاج إِلَيْهِ لِأَنَّك لست من الْعدَد الَّذِي يعد بِالْيَدِ كالسيوف والأسلحة ٢٢ - الْغَرِيب المنصل بِضَم الصَّاد وَفتحهَا الْمَعْنى يَقُول لقد رفع الله دولة يُرِيد الْخلَافَة جعلتك سيفها وَأَنت ملك الْمُلُوك وجعلتك منصلها وَأَنت أَمِير الْأُمَرَاء فَهَذِهِ الدولة قد أسعدها الله ورفعها على سَائِر الدول

стр. 809

- الْغَرِيب المرهفات جمع مرهف وَهُوَ السَّيْف الرَّقِيق الْحَد والطيع الصِّنَاعَة والمقصل الْقَاطِع الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمتك السيوف بِزَمَان طبعها وسبقتك بِوَقْت صناعتها فَأَنت سبقتها بنفاد أَمرك وتقدمتها بمضاء عزمك وَقَالَ الواحدي قَالَ ابْن جني معنى الْبَيْت أَنَّك لإفراط قَطعك وظهوره على قطع جَمِيع السيوف كَأَنَّك أول من قطع إِذْ لم ير قبلك مثلك وَقَالَ غَيره يُرِيد أَن قطعهَا بسببك وَلَوْلَا قَطعك مَا قطعت وكلا الْقَوْلَيْنِ ضَعِيف وَالْمعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ المتنبي أَنَّك سبقتها بِالْقطعِ لِأَنَّك تقطع بِرَأْيِك وعقلك وحكمك مَا لَا يقطعهُ السَّيْف ٢٤ - الْغَرِيب جاد من الْجُود وَهُوَ الْكَرم الْمَعْنى يَقُول إِن تقدمك أجواد سلفت أعمارهم وتراخت مددهم فَأَنت تقدمتهم بِعُمُوم جودك وسبقتهم بسبوغ كرمك وَإِن تقدموك الزَّمَان فَأَنت تقدمتهم بِالْإِحْسَانِ ٢٥ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة الَّتِي قَرَأنَا بهَا الدِّيوَان على الشَّيْخَيْنِ أبي الْحرم مكي وَأبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم من ليثها جارا ومجرورا وَهُوَ مُتَعَلق بإسم الْفَاعِل الَّذِي هُوَ خبر الِابْتِدَاء وروى من ليثها بِالرَّفْع وَفتح مِيم من وَهُوَ عبارَة عَن الْأُم وَهُوَ خبر الِابْتِدَاء وَمَا بعده صلَة لَهُ الْغَرِيب المشبل الْأُنْثَى من السبَاع وَهِي ذَات أشبال والشبل ولد الْأسد الصَّغِير وَاللَّيْث من أَسمَاء الْأسد الْمَعْنى يَقُول كَيفَ تقصر عَن غَايَة من الْفضل ومنزلة من الْكَرم والبأس وَقد ولدك الْأسد فأمك أشبلت بك من أَبِيك الَّذِي هُوَ الْأسد وَضرب ذَلِك مثلا لشجاعته ومضائه كَأَن أَبَوَيْهِ سبعان وَقَالَ الواحدي روى ابْن دوست عَن غابة بِالْبَاء الْمُوَحدَة وَهِي تَصْحِيف إِنَّمَا يُقَال قصر عَن الْغَايَة إِذا لم يبلغهَا لَاعن الغابة ٢٦ - الْغَرِيب الورى الْخلق يُقَال مَا أدرى أَي الورى هُوَ أَي أَي الْخلق هُوَ قَالَ ذُو الرمة

стр. 810

(وكائنْ ذَعَرْنا مِنْ مَهاةٍ وَرَامحٍ ... بِلادُ الْوَرَى لَيْسَتْ لَهُ بِبِلادِ) وتنجل تَلد الْمَعْنى يَقُول لما وَلدتك أمك وَهِي الشَّمْس فِي رفعتها وَعظم قدرهَا وجلالة أمرهَا استعظم النَّاس أَن يلد مثلهَا وَمن سَار فِي عظم منزلهَا نَسْلًا فَكيف بك وأمك الشَّمْس جلالة ورفعة وَأَبُوك الْأسد صرامة وَشدَّة وَقَالَ الواحدي لما وَلدتك أمك كنت شمسا فِي رفْعَة الْمحل ونباهة الذّكر فَقَالَ النَّاس ألم تكن الشَّمْس لَا تولد فَكيف ولدت هَذِه الْمَرْأَة شمسا وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الأول (لَأُمٌّ لَكُمٍ نَجَلَتْ مالِكا ... مِنَ الشَّمْسِ لَوْ نَجَلَتْ أكْرَمُ) والنجل النَّسْل ونجله أَبوهُ وَلَده يُقَال قبح الله ناجليه أَي وَالِديهِ ٢٧ - الْغَرِيب نصب تَبًّا على الْمصدر يُقَال تب تَبًّا وَمن فِي مَوضِع جر عطفا على مَا قبله وَالْجُمْلَة لَا مَوضِع لَهَا صلته الْغَرِيب التب الْهَلَاك والخسار وَمِنْه ﴿تبت يدا أبي لَهب﴾ أَي هَلَكت وخسرت الْمَعْنى يَقُول ضلالا وخسارا لعبدة النُّجُوم الَّذين يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا عَاقِلَة وَالْمعْنَى أهلك الله أَصْحَاب النُّجُوم والمصدقين بهَا وعبيدها المعظمين لَهَا وَأبْعد الله الْقَائِلين إِنَّهَا عَاقِلَة مُمَيزَة وعالمة مُدبرَة ثمَّ بَين الْعلَّة بعد فَقَالَ ٢٨ - الْمَعْنى يَقُول من زعم أَن النُّجُوم عَاقِلَة وَقد عرفتك فَمَا بالها لَا تنزل إِلَى خدمتك وَهِي تراك ترَاهَا فَلم لَا تنزل خاضعة لَك وتنحط من أماكنها متواضعة عَنْك وَهِي فِي الْحَقِيقَة لَا تبلغ رُتْبَة فضلك وَلَا تقَارب جلالة قدرك فَلَو كَانَت تعقل كَمَا زعم قوم لنزلت حَتَّى تعلو عَلَيْهَا بِحَسب استحقاقك لعلمها أَن محلك فَوق محلهَا لَكِنَّهَا لَا تعقل ٢٩ - الْمَعْنى يَقُول لَو بتما وَمَوْضِع كل وَاحِد مِنْكُمَا على حسب فَضله ومكانه حَيْثُ يسْتَحق بِقَدرِهِ لبت فِي مَوَاضِع النُّجُوم وباتت فِي موضعك تعلوها وتسفل مِنْك وتسبقها وتتواضع عَنْك لشرف قدرك على قدرهَا ٣٠ - الْغَرِيب الْعباد أَكثر مَا تسْتَعْمل مُضَافَة إِلَى الله وَالْعَبِيد للنَّاس والعباد مُخْتَصّ بالخالق وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ شَاهدا لهَذَا (أتُوعِدُنِي بقَوْمِكَ يابنَحَجْل ... أشابات يَخالُونَ الْعِبَادَا) الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى مننت على عِبَادك بَان حللث بَينهم وَالْكَوَاكِب تَأمل ذَلِك فَلَا تقدر عَلَيْهِ وَهَذَا معنى بعيد وَتَأْويل فَاسد وَالَّذِي أَرَادَهُ أَبُو الطّيب أَعْطَيْت عبيدك يَعْنِي النَّاس جعلهم عبيدا لَهُ لِأَنَّهُ ملك مارجوه من عطائه ثمَّ دَعَا لَهُ بباقي الْبَيْت أَن يُكَافِئهُ الله بِمثل فعله فينيله مَا يؤمله هَذَا هُوَ الْمَعْنى فَأَما الْحُلُول بَين النَّاس فبعيداه وَالْمعْنَى أنلتهم مَا أَملوهُ من فضلك وحققت رجاءهم فِيمَا استدعوه من كرمك أنالك رَبك مَا تَأمله وأيدك على مَا تقصده وتكفل لَك بتقريب مَا تريده وَلما أطلق على النَّاس لفظ الْعُبُودِيَّة لَهُ عطف عَلَيْهِ من آخر الْبَيْت فَجعله مربوبا مثلهم حذقا مِنْهُ وصنعة

стр. 811

- ١ الْغَرِيب الْإِجَابَة الإطاعة والتلبية الْإِقَامَة على الْإِجَابَة والركب الْقَوْم الراكبون على الْإِبِل وَهِي الْجمال لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَهِي مُؤَنّثَة لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين لَزِمَهَا التَّأْنِيث وَإِذا صغرتها أدخلت الْهَاء فَقلت أبيلة وغنيمة وَرُبمَا قَالُوا إبل بِسُكُون الْبَاء للتَّخْفِيف وَالْجمع آبال وَإِذا قَالُوا إبلان وغنمان فَإِنَّمَا يُرِيدُونَ قطعتين من الْإِبِل وَالْغنم والطلل مَا شخص من آثَار الديار الْمَعْنى يَقُول يَسْتَدْعِي الطلل دمعي بدثوره فَكنت أول من أَجَابَهُ بالبكاء من أَصْحَابِي وَقبل الْإِبِل وَالْمرَاد أَن الْإِبِل تعرف ذَلِك الطلل وتبكي عَلَيْهِ كَقَوْل التهامي (بَكضيْتُ فَبَكَيْت فنحت ناقَتِي فأجابَها ... صَهِيلُ جَوَادِي حينَ لاحَتْ دِيارُها) وَالْمعْنَى أَنه وقف على ديار محبوبة فشجاه مَا شَاهد من دروس رسومها وَتغَير طولهَا فاستدعى ذَلِك بكاءه فَأجَاب دمعه تِلْكَ الدعْوَة وأسعد على تِلْكَ النِّيَّة قبل أَن يُجيب ذَلِك بعض الركب بالتأسف وَبَعض الْإِبِل بالحنين إِلَى ديار الْأَحِبَّة كَمَا يصفونَ أنفسهم وَقد بَينه أَبُو الطّيب فِي قَوْله (اثْلثْ فإنَّا أيُّها الطَّلَلُ ... )

стр. 812

- الْغَرِيب يُقَال ظللت بِفَتْح اللَّام وَكسرهَا ظلولا إِذا ظلّ يَفْعَله بِالنَّهَارِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فظلتم تفكهون﴾ هُوَ من شواذ التَّخْفِيف وَالْأَصْل فظللتم وَأنْشد الْأَخْفَش (مَسْنا السمَّاءَ فَنِلْناها وَطالَهُمُ ... حَتَّى رأوْا أُحُداً يَهْوِى وَثهْلانا) وَالْأَصْل مسسنا أكفكفه أكفه ويسفح يجْرِي ويسيل وإصيحابي تَصْغِير عَظمَة الْمَعْنى يَقُول واصفا لانسكاب دمعه واستكفافه لَهُ ظللت أكفكفه ظلّ يسفح بَين مَا أبسطه لَهُم من الْعذر وَمَا يبدونه لي من العذل وَيجوز أَن يكون بَين أَصْحَابِي فَمنهمْ عاذر لي وَمِنْهُم عاذل لما رَأَوْا من عظم وجدي على الطلل ٣ - الْإِعْرَاب الْوَاو فِي قَوْله وَمَا وَاو الْحَال الْغَرِيب النَّوَى الْبعد والفراق الْمَعْنى يَقُول أَشْكُو الْفِرَاق وهم يتعجبون من بُكَائِي كَذَلِك كَانَت الدُّمُوع تجْرِي بِحَيْثُ لم يكن بيني وَبينهمْ بعد إِلَّا الْحجاب حِين لَا أَشْكُو سوى السّتْر الَّذِي بيني وَبينهمْ فِي حَال دنو الْمسَافَة حِين كَانَت تحجب بَيْننَا الكلل وَهِي جمع كلة وَهِي السّتْر وَالْمعْنَى أَنه يَقُول لأَصْحَابه لَا تعجبوا من بُكَائِي على فراقها فَلَقَد كنت أبْكِي فِي هجرها وَمَا أَشْكُو مَانِعا دون الكلل الَّتِي تضمها والستور الَّتِي تحجبها وَالدَّار وَاحِدَة والمنازل متجاورة فَكيف ظنكم بِي وَأَنا أَشْكُو النَّوَى الَّتِي تمنع مِنْهَا والبعد الَّذِي يؤيس عَنْهَا ٤ - الْغَرِيب الصبابة رقة الشوق الْمَعْنى قَالَ الواحدي إِن المشتاق الَّذِي لَا يأمل لِقَاء حَبِيبه أَشد حَالا مِمَّن يأمل لِأَنَّهُ إِذا كَانَ على أمل خفف التأميل تبريح اشتياقه قَالَ وَيجوز أَن يكون أخف حَالا لاستراحة إِلَى الْيَأْس وَالْأول أوجه هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى وَمَا صبَابَة مشتاق على أمل من لِقَاء حَبِيبه بِقرب الدَّار ودنو الْمحل كَصُبَابَةِ مشتاق لَا أمل لَهُ لتباعد محبوبة وتنائي دَاره وانتزاح مَحَله وَأَرَادَ كَصُبَابَةِ فَحذف للْعلم بِهِ ٥ - الْإِعْرَاب رد ضمير من على الْمَعْنى دون اللَّفْظ فَقَالَ زيارتها وَلَو رده على اللَّفْظ لقَالَ زيارته الْغَرِيب الْبيض السيوف والأسل الرماح والنحاف الإطراف بالهدية

стр. 813

الْمَعْنى يَقُول إِن هَذِه المحبوبة منيعة بِالسُّيُوفِ والرماح فَإِذا زار قَومهَا زائر لأَجلهَا كَانَت تحفته مِنْهُم السيوف والرماح فَدلَّ على تعذر زِيَارَة محبوبته لما بسيلها من المنعة رموضعها من التَّعَذُّر والرفعة ٦ - الْمَعْنى يَقُول هجر هَذِه المحبوبة أقتل لي من سرح من أراقبه وموقع مَا أحذره من الرَّقِيب فِي جنب مَا أشكوه من هجران الحبيب كموقع البلل عِنْد الغريق الَّذِي هُوَ أقل مَا يحذرهُ وأهون مَا يخافه ويتوقعه وَهَذَا من قَول بشار (كمُزِيلٍ رِجْلَيْهِ عَنْ بَلَلِ القَطْرِوما حَوْلهُ مِنَ الأرْضِ بَحْرُ ... ) وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ مَأْخُوذ من قَول عدي بن زيد (لَوْ بغَيرِ المَاء حَلْقِي شَرِقٌ ... كُنتُ كالغَصَّانِ بالمَاءِ اعْتصَاري) وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَإِنَّمَا نَقله من كَلَام الْحَكِيم من علم أَن الفناء مستول على كَونه هَانَتْ عَلَيْهِ المصائب ٧ - الْغَرِيب الْعَشِيرَة الْأَهْل والقرابة وَالْجمع عشائر وعشيرات وَقَرَأَ أَبُو بكر عَن عَاصِم فِي بَرَاءَة ﴿وعشيراتكم﴾ على الْجمع الْمَعْنى قَالَ الواحدي كَانَ حَقه أَن يَقُول مَا بَال فُؤَادِي لَا ينْتَقل عَن حبها وَبِكُل فؤاد من عشيرتها مَا بِي لِأَن التَّعَجُّب يُرِيد أَن يكون من فُؤَاده لمن أفئدتهم وَالْمعْنَى لم لَا ينْتَقل حبها عني وَلَا أسلوها إِذا كَانَ قَومهَا وعشيرتها يحبونها كَحبي يُشِير إِلَى أَنَّهَا محبوبة فِي قَومهَا منيعة فِيمَا بَينهم وَأَنه فِي يأس من الْوُصُول إِلَيْهَا واليأس من الشَّيْء يُوجب السلو عَنهُ كَمَا قَالُوا الْيَأْس إِحْدَى الراحتين وَأَنه مَعَ هَذَا الْيَأْس لَا ينْتَقل عَنهُ حبها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَجود مَا يتَأَوَّل فِي هَذَا أَن يَجْعَل الَّذِي يجده من الشوق كَأَنَّهُ شخص والشخص إِذا حصل فِي مَكَان لم يشغل غَيره فَإِذا صَحَّ ذَلِك صَحَّ إِنْكَاره لثبات وجده لِأَنَّهُ فِي أَمَاكِن كَثِيرَة والشخص لَا يشغل مكانين فإمَّا الْعرض فَلَا يشغل مَكَانا فَإِذا كَانَ فِي قلب وَاحِد جَازَ أَن يكون فِي قُلُوب كَثِيرَة وَالْمعْنَى يصفها بالْحسنِ وَأَنَّهَا معشوقة الدل كل قلب فِي عشيرتها بِهِ الَّذِي بِأبي الطّيب من حبها فَمَا بَال حبها فِي قلبه ثَابت ينْتَقل ومقيم لَا يرتحل يُرِيد أَن حب أَهلهَا لَهَا لبداعة حسنها غير حبه لَهَا وَأَن حبهم يتَغَيَّر وينتقل وحبه لَا يتَغَيَّر وَلَا ينْتَقل بل هُوَ ثَابت ٨ - الْمَعْنى يَقُول هِيَ بديعة فِي الْحسن وَأَن ألحاظها مطاعة فِي الألحاظ المعشوفة

стр. 814

وَأَنَّهَا فِي الحسان مالكة لَا تماثل ومقدمة لَا تشاكل وان لمقلتيها عَظِيم الْملك ورفيع الْمنزلَة وَالْقدر فَإِذا نظر إِنْسَان إِلَيْهَا فتنته حَتَّى يصير مُطيعًا لَهَا وَهِي تملك بحسنها كل الْقُلُوب قَالَ ابْن فورجة إِن الْعُيُون إِذا نظرت إِلَيْهَا لم تملك صرف ألحاظها عَنْهَا لِأَنَّهَا تصير عقلة لَهَا فَكَأَن عينيها مالكة الْعُيُون وَهُوَ معنى قَول أبي نواس (كُلَّ يَوْم يَسْترقُّ لَهَا ... حُسْنُها عَبْداً بِلا ثَمَن) ٩ - الْغَرِيب الخفرات النِّسَاء الحييات الْوَاحِدَة خفرة والآنسات الحسان الْوَاحِدَة آنسة الْمَعْنى إِذا كَانَ فِي حسن امْرَأَة تَقْصِير تشبهت بهَا فِي مشيها فَيجْبر حسن الْمَشْي تَقْصِير الْحسن حَتَّى تكون قد نَالَتْ الْحسن بالحيلة وَهَذَا قَول أبي الْفَتْح وَنَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَن النِّسَاء الحييات يتشبهن بهَا فِي مشيتهَا ويرين حكايتها فِي دلها فيكسبهن ذَلِك نيل الْحسن بالتحيل والوصول إِلَيْهِ بالتعمل ١٠ - الْغَرِيب الصاب شجر مر يعصر مِنْهُ مَاء مر قَالَ أَبُو ذُؤَيْب (إنّي أرِقْتُ فَبِت الليَّلَ مُشْتَجِراً ... كأنَّ عَيْنَيَّ فِيها الصَّابُ مَذْبُوح) الْمَعْنى يَقُول قد ذقت صعوبة أيامي وسهولتها ورفاهيتها فَمَا حصلت على صاب من مرها وَلَا عسل من حلوها لِأَن لذات الْأَيَّام ومكارهها منتقلة فانية ومستحيلة زائلة تتعاقب وَلَا تدوم وتنتقل وَلَا تقيم وَمَا كَانَ كَذَلِك فَلَيْسَ تقطع على استكراه مره وَلَا تحتم على استعذاب حلوه وَهُوَ مَنْقُول من قَول البحتري (وَمَنْ عَرَفَ الأيِّامَ لَمْ يَرَ خَفٍ ضَها ... نَعِيما ولْم يَعْدُدْ مَضَرَّتَها بَلْوَى) ١١ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قد ذهب قوم إِلَى أَنه الْمَعْنى أَنه شَابًّا فَلَمَّا ذهب الشَّبَاب رَآهُ فِي غَيره من النَّاس وَنَقله الواحدي وَقَالَ هُوَ كَقَوْل الآخر (مَن شابَ قَدْ ماتَ وَهْوَ حَيْ ... يمْشِي على الأرْضِ مَشْيَ هالِكْ) وَقَالَ ابْن فورجة أحسن مَا يحمل عَلَيْهِ الْبَدَل فِي هَذَا الْبَيْت الْوَلَد لِأَنَّهُ بدل الْإِنْسَان إِذْ كَانَ يشب أَوَان شيخوخة الْأَب وَإِذا مَاتَ وَرثهُ فَيكون بدله فِي مَاله وَالْمعْنَى يَقُول قد صَحِبت الشَّبَاب مَسْرُورا وَأرَانِي الرّوح يَد الْقُوَّة والجلادة

стр. 815

والنهضة فِي بدني ثمَّ صَحِبت الشيب مستكرها لصحبته فَأرَانِي الرّوح فِي بدلي بِتَغَيُّر أحوالي وعجزي عَن النهوض وَالْقِيَام بِسُرْعَة كَمَا كنت أَيَّام الشَّبَاب وصرت أستعين بغيري يساعدني على أحوالي وَكَأَنِّي بِهَذَا قد أَرَانِي الرّوح فِي بدلى يُرِيد الْقُوَّة والنشاط وَالَّذِي كنت افعله وحدي صرت أحتاج فِيهِ إِلَى مساعد وتلخيص الْمَعْنى أَن حَقِيقَة أُمُور الْإِنْسَان أَيَّام شبابه ثمَّ تتبدل بالانتقال إِلَى مشيبه وَكبره ١٢ - الْغَرِيب رجل عزهاة وعزهاءة وعزهي منون وَالْجمع عزاهي مثل سعلاة وسعالي وعزهون وَهُوَ الَّذِي لَا يطرب للهو وَيبعد عَنهُ والغزل الَّذِي يهوى محادثة النِّسَاء وَهُوَ صَاحب غزل وَقد غزل غزلا وَفِي الْمثل هُوَ أغزل من امْرِئ الْقَيْس الْمَعْنى يُرِيد أَنه أَتَى حبيبته لَيْلًا مرتديا بِسَيْفِهِ جعله مَوضِع الرِّدَاء وَالسيف لَا يُوصف بِهَذَيْنِ الوصفين فيريد أَنه صَاحب لَا يطرب للسماع وَلَا يحن للهو ١٣ - الْغَرِيب الترقوة الْعظم الَّذِي بَين الْمنْكب وَبَين ثغرة النَّحْر وَجمعه تراق قَالَ الله تَعَالَى ﴿كلا إِذا بلغت التراقي﴾ والقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول بَات السَّيْف بَين تراقينا وَنحن متعانقان وَلَا علم لَهُ بِمَا يجْرِي بَيْننَا من شكوى الْفِرَاق وَلَا غير ذَلِك مِمَّا يجْرِي بَين المحبين إِذا هما تعانقا وَيُشِير بِهَذَا إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ من الحذر والمخافة وَأَنه لم يخلع السَّيْف حِين عانق محبوبه وأنهما كَانَا يدفعانه عَنْهُمَا ١٤ - الْغَرِيب الردع أثر الطّيب وَبِه ردع من زعفران أَو دم أَي لطخ وَأثر وردعته بالشَّيْء فارتدع أَي لطخه بِهِ فتلطخ وَمِنْه قَول ابْن مقبل (يَخدِي بِها بازِلٌ فُتْلٌ مَرَافِقُهُ ... يجْرِي بديباجَتَيْهٍ الرَّشْحُ مُرْتَدعُ) والخلل وَاحِدهَا خلة بِالْكَسْرِ جُلُود منقوشة بِالذَّهَب وَغَيره يغشى بهَا أعماد السيوف وجفن السَّيْف غمده وذؤابة السَّيْف رَأس فائمه الْمَعْنى يَقُول يردع السَّيْف وَبِه اثر من طيبها ظَاهر على فائمه وجفنه وخلله وَالْمعْنَى أَنه لصق بِهَذِهِ المحبوبة حَتَّى لصق الطّيب الَّذِي طيبت بِهِ ١٥ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الَّتِي قَرَأنَا بهَا الدِّيوَان بِإِضَافَة سِنَان إِلَى أَصمّ بِغَيْر تَنْوِين

стр. 816

وَرَوَاهُ جمَاعَة سِنَان بِالتَّنْوِينِ والأجود الْإِضَافَة وَإِذا نون يكون الْمَعْنى وَمن سِنَان أَصمّ كَعبه والكعب للرمح لَا للسنان وَإِذا جوزناه على الِاسْتِعَارَة كَانَ للرمح أشبه وَأَيْضًا فَإِن فِي السنان نونين وَإِذا نون صَار فِيهِ ثَلَاث نونات وَثَلَاث حُرُوف بِمَعْنى فِي كلمة ثقيل الْغَرِيب كعوب الرمْح العقد النَّاشِزَة من أنابيبه والأصم الكعب هُوَ الَّذِي تتصلب تِلْكَ الكعوب مِنْهُ وتكتنز وتتداخل وَلَا تَنْتَشِر وَبِذَلِك يعتدل الْمَعْنى كَأَنَّهُ فال ملغزا فِي السَّيْف ثمَّ أبان مُرَاده فَقَالَ لَا أكسب جميل الذّكر إِلَّا من مضرب هَذَا السَّيْف الَّذِي وَصفه وَمن سِنَان هَذَا الرمْح الَّذِي وَصفه وَالْمعْنَى أَنه لَا يكْتَسب الْمجد إِلَّا بإقدامه وببأسه ١٦ - الْمَعْنى أَعْطَانِي الْأَمِير هَذَا السَّيْف فِي جملَة مَا وهبه لي فزان بحسنه مَا وهب لي وكساني فِي جملَة مَا أَعْطَانِي من الثِّيَاب الدرْع يَعْنِي أَنه وهبه سَيْفا وَدِرْعًا فِي جملَة مَا وهبه لَهُ ١٧ - الْمَعْنى يَقُول من عَليّ وَهُوَ سيف الدولة بن عبد الله معرفتي بِحمْل الرمْح والطعن بِهِ لِأَنِّي لما صحبته احتذيت حذوه فِي الْحَرْب وامتثلت أَفعاله فِي الطعْن وَالضَّرْب ثمَّ قَالَ وَمن مثل سيف الدولة وَأَبِيهِ فِي شدَّة بأسهما وشهرة مجدهما يُرِيد لَا مثل لَهما ١٨ - الْغَرِيب الكواعب من النِّسَاء الَّتِي نبت ثديهن والجرد من الْخَيل الَّتِي يقصر شعر جلودها وَذَلِكَ من شَوَاهِد كرمها والسلاهب مِنْهَا الطوَال والقواضب من السيوف القواطع الْمَاضِيَة والعسالة من الرماح المنعطفة عِنْد هزها المضطربة والذبل الْيَابِسَة مِنْهَا الْمَعْنى يُرِيد أَنه يعْطى سائله الْجَوَارِي الشواب وَالْخَيْل الطوَال وَالسُّيُوف القواطع والرماح اللينة وَالْمعْنَى أَنه يعْطى الْجَوَارِي المصبيات بحسنهن والجرد المعجبات بعتقهن وفواضب السيوف وطوال الرماح وَفد أَشَارَ بوصفه بالإكثار من هَذِه الْأَوْصَاف إِلَى أَنه يستصحب كماة الفرسان وأعلام الشجعان فيعتمدهم فِي هباته بِمَا يوافقهم ويعضدهم بِمَا يشاكلهم ١٩ - الْمَعْنى يُرِيد أَن الممدوح لغرابة أَفعاله وانفراده بِالْفَضْلِ فِي جَمِيع أَحْوَاله وَمَا يُتَابِعه

стр. 817

من كَثْرَة وقائعه ويخلده من جليل مكارمه وظفره فِي جَمِيع مقاصده يحمل الزَّمَان من ذَلِك مَالا يطيقه ويكلفه مَالا يعهده فيضيق عَن فخامة قدره وَيقصر عَن جلالة مجده وَكَذَلِكَ تضيق الأَرْض عَمَّا يحملهَا من جيوشه ويسير فِيهَا من جموعه فقد مَلأ الزَّمَان بمكارمه ومجده وملأ السهل والجبل بكتائبه وَجمعه ٢٠ - الْغَرِيب الجذل الْفَرح بِالتَّحْرِيكِ وجذل بِالْكَسْرِ يجذل فَهُوَ جذلان وأجذله غَيره أَي أفرحه واجتذل ابتهج والوجل الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول نَحن من الاعتزال بِهِ والنصر فِي فَرح دَائِم وَالروم من التوقع لَهُ فِي خوف لَازم وَالْبر فِي شغل لتضايقه بجيشه وَالْبَحْر فِي خجل لتَقْصِيره عَن جوده ٢١ - الْغَرِيب تغلب هم قوم الممدوح وَكَذَلِكَ عدى قَبيلَة مَعْرُوفَة وَالْبخل وَالْبخل لُغَتَانِ فصيحتان وَقَرَأَ حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِفَتْح الْبَاء وَالْخَاء شَاهد هَذَا الْبَيْت الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة أَصله من هَذِه الْقَبِيلَة الَّتِي غلبت النَّاس بعزها والانقياد فِي الْجَاهِلِيَّة وَالْإِسْلَام لأمرها وَمَعَ أَنه مِنْهَا هُوَ من بني عدي أطواد فخرها ومعدن مجدها وَقد أحسن فِي هَذَا الْبَيْت بالمجانسة وَالْمعْنَى أَنهم غلبوا النَّاس نجدة وشجاعة وجودا ٢٢ - الْغَرِيب ابْن أبي الهيجاء كنية سيف الدولة وَأَبُو الهيجاء هُوَ عبد الله الْمُتَقَدّم والغي ضد الصَّوَاب والرشد وَأَرَادَ بِهِ هَاهُنَا فَسَاد الْكَلَام والخطل الْمنطق الْفَاسِد المضطرب وخطل بِالْكَسْرِ فِي كَلَامه خطلا وأخطل أفحش الْإِعْرَاب تنجده فِي مَوضِع الْحَال الْمَعْنى أَنه يُخَاطب نَفسه يَقُول الْمَدْح لهَذَا الممدوح تنجده وتعينه بأخبار الْجَاهِلِيَّة وَمَا سلف لَهُ من كريم الأولية غي بَين وخطل ظَاهر لِأَنَّهُ غَنِي عَن الشّرف بِغَيْرِهِ وحائز لغاية مَا يبلغهُ الْمَدْح بِنَفسِهِ والكرماء بجملتهم يقصرون عَن أفل مكارمه وَلَا يبلغون أيسر فضيلته وَهَذَا تَعْرِيض بِأبي الْعَبَّاس النامي لِأَنَّهُ مدح سيف الدولة بقصيدة ذكر فِيهَا آباءه الَّذين كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة فَرد عَلَيْهِ بقوله هَذَا وأكده بقوله الْبَيْت الَّذِي بعده ٢٣ - الْإِعْرَاب أَدخل مَا على من يعقل لِأَنَّهُ أَرَادَ السُّؤَال عَن صفته مَعَ الاحتقار بِشَأْنِهِ الْغَرِيب كُلَيْب هُوَ ابْن ربيعَة رَئِيس بني تغلب وسيدهم فِي الْجَاهِلِيَّة وَكَانَت الْعَرَب تضرب بِهِ الْمثل فِي الْعِزّ فَيَقُولُونَ أعز من كُلَيْب بن وَائِل

стр. 818

الْمَعْنى يَقُول لَيْت مَا مدح بِهِ من الشّعْر يَسْتَوْفِي بعض مناقبه وَيَأْتِي على ذكر مكارمه فَمَا كُلَيْب وَسَائِر الْمُلُوك الْأَوَّلين عِنْد مَا خلده من الْفَخر وأبقاه من المكارم على وَجه الدَّهْر ٢٤ - الْمَعْنى يُخَاطب نَفسه وَيَقُول امدحه بِمَا تشاهده من فَضله وتراه من مجده ودع عَنْك شَيْئا سَمِعت بِهِ وَلم تشهده وأخبرت عَنهُ وَلم تبصره ففضل سيف الدولة على الْمُلُوك كفضل الشَّمْس على سَائِر النُّجُوم وَفِيه مَا يُغني عَنْهُم وَهُوَ أكْرم مِنْهُم كَمَا أَن الشَّمْس تغنى عَن زحل وَهَذَا من قَول الْحَكِيم العيان شَاهد لنَفسِهِ والإخبار يدْخل عَلَيْهِ الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فَأولى مَا أَخذ مَا كَانَ دَلِيلا على نَفسه وَالْمعْنَى فِيمَا قرب مِنْك عوض عَمَّا بعد عَنْك لَا سِيمَا إِذا كَانَ الْقرب أفضل من الْبعد وَالْمعْنَى يَقُول قد وجدت فِي الممدوح وَمَا يبديه من فَضله ويتتابع من مجده مَكَانا لِلْقَوْلِ ومجالا وَاسِعًا للوصف فَإِن كنت ذَا لِسَان قَائِل فحسبك وصف فضائله وَذكر مَا خلده من مكارمه وَنسب القَوْل إِلَى اللِّسَان لِأَن القَوْل بِهِ يكون كَمَا جَاءَ فِي الْمثل يداك أوكتا وفوك نفخ فنسب الْفِعْل إِلَى الْجَوَارِح لِأَنَّهَا آلَات لَهُ ٢٦ - الْغَرِيب الْهمام هُوَ الشجاع ذُو الهمة الْعَالِيَة وخيرة تَأْنِيث خبر قَالَ الله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ خيرات حسان﴾ الْوَاحِدَة خيرة والدول جمع دولة الْمَعْنى يَقُول إِن هَذَا الْهمام الَّذِي يفخر بِهِ الفاخرون ويلهج بِذكرِهِ الذاكرون خير السيوف المسلولة بكف خيرة الدول الْمَعْلُومَة يَعْنِي دولة الْخلَافَة لِأَنَّهَا رَأس الْإِسْلَام وعموده وذروة سنامه ٢٧ - الْغَرِيب الْأَمَانِي جمع أُمْنِية الْمَعْنى يَقُول لَا تصل الْأَمَانِي إِلَى قلبه فتستميله وَلَا إِلَى لِسَانه فتجري عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يحْتَاج أَن يتَمَنَّى شَيْئا فَلَا يرى نفيسا إِلَّا وَله خير مِنْهُ أَو صَار لَهُ ذَلِك الشَّيْء فالأماني تقصر عَن بُلُوغ قدره وتصغر عِنْد جلالة أمره وتمسى صرعى دون إِدْرَاك مجده فَمَا يتَمَنَّى فِي الرّفْعَة أَكثر مِمَّا قد بلغه وَلَا يحاول فِي الْفضل مَا يزِيد على مَا يَفْعَله وَقد فسر بِهَذَا الْبَيْت مَا أغلقه البحتري بقوله (وَمُظَفَّرٌ بالمَجْدِ إدْرَاكاتُهُ ... فِي الْحَظّ زَائِدَةٌ عَلى أوْطارِهِ)

стр. 819

وَهُوَ ضد قَول عنترة (أَلا قاتَلَ اللهُ الطُّلُولَ البَوَالِيَا ... وَقَاتَلَ ذِكْرَاكَ السِّنِينَ الخَوَالِيا) (وقَوْلَكَ للشَّيْءِ الَّذِي لَا تَنالُهُ ... إذَا مَا حَلا فِي العَين ياليتَ ذالِيا) ٢٨ - الْغَرِيب السيفان يُرِيد سيف الدولة وَسيف الْحَدِيد والرهج الْغُبَار وأرهج الْغُبَار أثاره والرهوجة ضرب من السّير قَالَ العجاج (مَيَّاحَةٌ تَمِيحُ مَشْيا رَهْوَجا ... ) الْمَعْنى يَقُول إِذا اجْتمعَا فِي رهج حَرْب ومساجلة جلاد وَضرب فَانْظُر إِلَى تَقْصِير السَّيْف عَن فعله وتأخره عَمَّا يتَبَيَّن من فَضله ومخالفته لَهُ فِي خلقه وَفعله وزيادته عَلَيْهِ فِي غنائه وآثاره لِأَن السيوف فِي الْحَقِيقَة لَا تعْمل شَيْئا إِنَّمَا يعْمل الضَّارِب بهَا وَبَنُو آدم لَا يشبهون بِالسُّيُوفِ فِي الْخلق ثمَّ بَين الْفضل بَينهمَا ٢٩ - الْإِعْرَاب منصلتا حَال من سيف الْحَدِيد وَالْعَامِل فِيهِ أعد تَقْدِيره أعده سيف الدولة منصلتا وَيجوز أَن يكون حَالا من سيف الدولة وَهُوَ أوجه الْغَرِيب المنصلت المتجرد وَقيل الْمَاضِي وجرد السَّيْف من غمده وأصلته بِمَعْنى وضربه بِالسَّيْفِ صَلتا أَي ضربه وَهُوَ مصلت الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة معد لريب الدَّهْر منصلت على خطوبه متجرد لكف صروفه قد أعد السَّيْف المغمود لرأس البطل يضْربهُ بِهِ ويصرفه ويمضيه عَلَيْهِ ويستعمله ويتخذه آلَة يدبرها وبطش على حسب إِرَادَته بهَا فأبان أَن السَّيْف وَإِن وَافقه فِي الِاسْم فَهُوَ مقصر عَنهُ فِي حَقِيقَة الحكم ٣٠ - الْغَرِيب الكدري جنس من القطا وَهُوَ على ثَلَاثَة اضْرِب كدري وجوني وغطاط فالكدري الغبر الألوان الرقش الظُّهُور والبطون الصفر الحلوق الْقصار الأذناب وَهُوَ ألطف من الْجونِي والجوني سود الْبُطُون سود الأجنحة والقوادم قصار والغطاط غبر الظُّهُور والبطون والأبدان سود بطُون الأجنحة طوال الأرجل والأعناق لطاف لَا تَجْتَمِع أسرابا أَكثر مَا تكون ثَلَاثًا واثنين والحجل القبج وَاحِدهَا حجلة تكون فِي الْجبَال

стр. 820

الْمَعْنى إِن القطا من طير السهل والقبج من طير الْجَبَل فَالْمَعْنى إِن الْعَرَب بلادها المفاوز وَالروم بلادها الْجبَال يَقُول إِن أعداءه يعتصمون مِنْهُ بِمَا غمض من الرمال وَبعد من المهامه والقفار وَهُنَاكَ يسْتَقرّ القطا ويأمن ويسكن وَكَذَلِكَ الرّوم تعتصم مِنْهُ بالأوعار وقنن الْجبَال وَتلك مَوَاضِع الحجل ومساكنها وَأَشَارَ بذلك إِلَى مُسْتَقر الطَّائِفَتَيْنِ ٣١ - الْغَرِيب الأجبال جمع جبل والمعقل الْمَكَان المنيع الَّذِي لَا يقدر عَلَيْهِ والوعول شِيَاه الْجَبَل الْوَاحِد وعل الْمَعْنى يَقُول وَكَيف يُنجى الْفِرَار إِلَى الأجبال من أَسد ويروى من ملك أَي من أَسد شَدِيد بأسه أَو ملك نَافِذ أمره تسهل سعادته للنعام التوقل فِي معاقل الأوعال حَتَّى كَأَنَّهَا رمال مبسوطه وسهول مَوْصُولَة فَدلَّ على أَن سيف الدولة فِي قُوَّة سعده وَتمكن أمره لَا يفوتهُ من طلبه وَلَا يمْنَع عَلَيْهِ من قَصده وَقَالَ ابْن القطاع شبه سيف الدولة بالأسد وخيله بالنعام وَالْجِبَال موقع الأوعال يُرِيد أَن خيله تصعد إِلَى أعالي الْجبَال شبهها بهَا فِي سرعَة الْعَدو وَطول السباق وَفِي هَذَا إراب لَا يُوجد مثله وَقَالَ أَبُو الْفَتْح تمسى النعام بِالسِّين الْمُهْملَة وَقَالَ قد أخرج النعام من الْبر إِلَى الِاعْتِصَام برءوس الْجبَال والنعام تكون فِي السهولة والأوعال فِي الْجبَال فَلَا يَجْتَمِعَانِ لتضاد موضعهما وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي بالنعام خيله العراب لِأَنَّهَا من نتاج البدو وَقد صَارَت تمشي بِسيف الدولة فِي الْجبَال لطلب الرّوم وقتالهم واستنزال من اعْتصمَ بالجبال مِنْهُم ٢٣ - الْغَرِيب الدروب المسالك الَّتِي تكون فِي الْجَبَل الحاجزة بَين بِلَاد الرّوم وبلاده الْمُسلمين وخرشنة مَدِينَة من مدن الرّوم والروع الْخَوْف والفزع الْمَعْنى يُرِيد أَنه نغلغل فِي بِلَاد الرّوم حَتَّى خلف خرشنة وَرَاءه وفارقها بالانصراف عَنْهَا والروع الَّذِي بِأَهْلِهَا لم يفارقهم لأَنهم كَانُوا يحذرون سطوته وَلَا يأمنون كرته ٣ - الْغَرِيب الْحلم بِالضَّمِّ مَا يرَاهُ النَّائِم تَقول مِنْهُ حلم بِالْفَتْح واحتلم وَتقول حلمت بِكَذَا وحلمته أَيْضا قَالَ الأخطل (فحَلَمْتُها وَبَنُورُ فَيْدَةَ دُوَنها ... لَا يَبْعُدَنَّ خَيالُهَا المَحْلُومُ)

стр. 821

والحلم بِالْكَسْرِ الأناة تَقول مِنْهُ حلم الرجل بِالضَّمِّ وتحلم تكلّف الْحلم قَالَ حَاتِم الطَّائِي (تَحلَّمْ عَن الأدْنَينَ وَاسْتَبْق وُدَّهُمْ ... وَلَنْ تَسْتَطيعَ الحِلْمَ حَتَّى تَحَلَّما) وحلم الْأَدِيم بِالْكَسْرِ قَالَ الْوَلِيد بن عقبَة بن أبي معيط (فإنَّكَ والكِتابَ إِلَى عَلَى ... كَدَابِغَةٍ وَقَدْ حَلِمَ الأديمُ) والعذراء الْجَارِيَة الْبكر الشَّابَّة الْمَعْنى يُرِيد أَن الَّذِي استكن فِي قُلُوبهم من الْخَوْف لَا يفارقهم فِي حَال الْيَقَظَة وَالنَّوْم فَكلما حلمت عذراء من خرائدهم ومحجوبة من كرائمهم فَإِنَّمَا تحلم بِالسَّبْيِ الَّذِي تحذر وُقُوعه والجمل الَّذِي تتَوَقَّع ركُوبه وَالْجمال إِنَّمَا يحمل عَلَيْهَا الْعَرَب وَلَا تعرفها الرّوم فَأَشَارَ بذلك إِلَى أَن كَثْرَة مَا اجتلبه سيف الدولة على الْجمال من سَبْيهمْ ذعرت محجبات نِسَائِهِم فاشتغلت بذلك نفوسهن وَمثله لَهُنَّ أحلامهن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى مَا لحقهن من الْخَوْف وَكَثْرَة إستماعهن لذَلِك ٣٤ - الْغَرِيب الجزي جمع جِزْيَة كسدرة وَسدر وَهُوَ مَا يُعْطِيهِ أهل الذِّمَّة ليدفعوا بِهِ عَن أنفسهم ويحفظوا بِهِ دِمَاءَهُمْ قَالَ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطوا الْجِزْيَة عَن يَد وهم صاغرون﴾ الْمَعْنى يُخَاطب سيف الدولة وَيَقُول إِن كنت ترْضى من الرّوم بجزيتهم وَتقبل مَا يبذلون لَك من طاعتهم بَادرُوا فِي ذَلِك إِلَى أَمرك وَاحْتَملُوا على رَأْيك وَأَنِّي لَهُم بِهَذِهِ الحظوة وَالْبُلُوغ إِلَى تِلْكَ الرُّتْبَة مَعَ مَا أحَاط بهم من الْقَتْل واتصل بهم من السَّبي وَذَلِكَ غَايَة أمانيهم كالأعور يتَمَنَّى الْحول لِأَنَّهُ خير من العور والجزية خير لَهُم من الْقَتْل ٣٥ - الْغَرِيب الانتحال الادعاء والمنتحل من الْمجد وَالشعر مَا أدعى على غير حَقِيقَة الْمَعْنى يَقُول قلت لمجدك وشعري وَقد صَدرا عني وعنك وسارا فِي الْآفَاق إنتما صادقان لَا دَعْوَى عندكما وَالْمعْنَى مَا خلدته فِي شعري من مجدك وقيدت ذكره فِي مدحك قد تيقنت أَنَّهُمَا يسيران مسير الشَّمْس ويبقيان بَقَاء الدَّهْر وَذكر تَمام الْمَعْنى فِي الْبَيْت الثَّانِي ٣٦ - الْمَعْنى يَقُول لمجده ولشعره إنتما سائران شرقا وغربا فتحملا رسالتي إِلَى من أحببنا مشاركته فِي حَالنَا ومطالعته بجملة أمرنَا وكونا أكْرم الْمُرْسلين ثمَّ قَالَ الْبَيْت بعده

стр. 822

- الْغَرِيب الخول جمع خائل وَهُوَ الْخَادِم من قَوْلهم رجل خَال مَال وخائل مَال إِذا كَانَ حسن الْقيام عَلَيْهِ وخولي مَال أَيْضا وخلت المَال أخوله إِذا حفضته وخوله الله الشَّيْء إِذا ملكه إِيَّاه الْمَعْنى يَقُول عرفاهم أَنِّي متقلب فِي إنعام سيف الدولة مغمور بمكارمه متصرف فِي فواضله أقلب الطّرف بَين الْخَيل المسومة والحاشية المكرمة المنعمة وَهُوَ مَنْقُول من قَول الآخر (وَقد سارَ شِعْرِي فيكَ شَرْقا ومَغْرِبا ... كَجُودِكَ لَّما سارَ فِي الشَّرْقِ والغَرْبِ) ٣٨ - الْمَعْنى يَقُول ياأيها المحسن بطبعه المشكور من جهتي بِمَا حَملَنِي من فَضله فالشكر من قبل إحسانه ورفده لَا من قبلي فِيمَا أهديه من مدحه كَأَنَّهُ يَنْفِي الْمِنَّة عَنهُ بشكره ٣٩ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي روى ابْن جني إِلَّا بعد معرفتي وَقَالَ مَا لَحِقَنِي السَّهْو والتفريط إِلَّا بعد سُكُون نَفسِي إِلَى فضلك وحلمك وَقَالَ ابْن فورجة أَقَامَ النّوم مقَام السَّهْو والغفلة يَقُول مَا نمت عَمَّا وَجب عَليّ من صِيَانة مدحك عَن خلطه بالعتاب إِلَّا لِثِقَتِي باحتمالك وسكوني إِلَى جزالة رَأْيك قَالَ هَذَا كَلَامه وَكِلَاهُمَا قد بعد عَن الصَّوَاب وَالْمعْنَى إِنَّمَا أَخَذَنِي النّوم مَعَ عتبك لِثِقَتِي بِحِلْمِك وَلُزُوم التَّوْفِيق لرأيك وَعلمِي أَنَّك لَا تعجل عَليّ وَلَا ترهقني عُقُوبَة وَأَرَادَ النّوم الْحَقِيقِيّ لَا السَّهْو والتفريط كَمَا ذكره أَلا يرى أَنه قَالَ إِلَّا فَوق معرفتي فَجعل الْمعرفَة بِمَنْزِلَة الحشية الَّتِي ينَام فَوْقهَا وَقَوله يُؤْتى من الزلل أَي أَنْت موفق فِي كل مَا تَفْعَلهُ لَا تَأتي الزلل وَالْمعْنَى إِلَّا فَوق مَا كنت أتيقنه من معرفتي بِأَن رَأْيك لَا يستنزله الساعون ببغيتهم وَلَا يحلونه بكذبهم وكنى بِالنَّوْمِ عَن سُكُون نَفسه وبتمهيده بِمَعْرِِفَة رَأْي سيف الدولة عَن حسن ظَنّه ٤٠ - الْغَرِيب أمره بأَرْبعَة عشر أمرا فِي بَيت وَاحِد أقل من الْإِقَالَة وأقلته من عثرته وأقلته من البيع عِنْد النَّدَم فِيهِ أنل من الإنالة نلته وأنلته أقطع من الإقطاع أقطعته أَرض كَذَا احْمِلْ من قَوْلهم حَملته على فرس وَمِنْه حَدِيث عمر بن الْخطاب حملت على فرس فِي سَبِيل الله تَعَالَى وَقَوله عل من الْعُلُوّ والرفعة وسل من السلو

стр. 823

وَأعد من الْإِعَادَة وزد من الزِّيَادَة وهش من قَوْله هششت إِلَى كَذَا وَهُوَ التهلل نَحْو الشَّيْء وبش من البشاشة وَهِي الطلاقة بششت بِالرجلِ أبش تفضل من الإفضال أدن من الدنو سر من السرُور صل من الصِّلَة وَهِي الْعَطِيَّة الْمَعْنى يَقُول أقل من استنهضك من عثرته وأنل من اسْتَعَانَ بِفَضْلِك على قلته وَفَقره وأقطع الضّيَاع من أملك وقصدك واحمل على سوابق الْخَيل من استحملك وعل قدر من اعتلق بك وسل عَن كل ذِي هم همه بِمَا تجدده من برك وتسبغه من فضلك وَأعد ذَلِك وأدمه وجدده وزد فِي غدك على مَا تفضلت بِهِ فِي يَوْمك وهش ورحب بِمن قصدك وَأظْهر البشاشة لمن اعتمدك وَدم على مَا عهد من تفضلك وأدن الْوَافِد عَلَيْك وسره بمتابعة إحسانك وصل الْجَمِيع بتطولك وإنعامك فَوَقع سيف الدولة تَحت أقل أقلناك وَتَحْت أنل يحمل إِلَيْك من الدَّرَاهِم مَا تحب وَتَحْت أقطع أقطعناك ضَيْعَة كَذَا وَكَذَا بِبَاب حلب وَتَحْت احْمِلْ نحمل إِلَيْك الْفرس الْفُلَانِيَّة وَتَحْت عل قد فعلنَا وَتَحْت سل قد فعلنَا فاسل وَتَحْت أعد أعدناك إِلَى حالك وَتَحْت زد يُزَاد كَذَا وَكَذَا وَتَحْت تفضل قد فعلنَا وَتَحْت أدن أدنيناك وَتَحْت سر قد سررناك قَالَ أَبُو الْفَتْح قَالَ أَبُو الطّيب إِنَّمَا أردْت من التسرية فَأمر لَهُ بِجَارِيَة وَتَحْت صل قد فعلنَا وَكَانَ بجضرة سيف الدولة شيخ يضْحك مِنْهُ يُقَال لَهُ المعقلى حسد المتنبي على مَا أعطَاهُ سيف الدولة فَقَالَ يَا مولَايَ هلا قلت لَهُ لما قَالَ هش بش هئ هئ تحكى الضحك لِأَنَّك قد وَقعت لَهُ بِمَا أَرَادَ فَهَلا ضحِكت فَضَحِك سيف الدولة مِنْهُ وَقَالَ اذْهَبْ يَا مَلْعُون وَقد حذا فِي هَذَا حَذْو أبي العميثل بقوله (يَا مَنْ يؤَمِّلُ أنْ تَكونَ خِلالُهُ ... كَخِلالِ عَبْدِ اللهِ أنْصِتْ وَاسمَع) (اصْدُقْ وَعِفَّ وَبَرَّ وَانْصُرْ وَاحْتَمِل ... وَاحْلُمْ وكافِ وَدارِ وَاصْبِرْ وَاشْجَعِ) ويروى وابذل واشجع وَالْأَصْل فِيهِ قَول امْرِئ الْقَيْس (أفادَ وَجادَ وَسادَ وَزَادَ ... وَذَادَ وَقادَ وَعادَ وأفْضَلْ) ٤١ - الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ مَا أحدثه الواشون من عتبك وأوجبوه من موجدتك مَحْمُود الْعَاقِبَة مشكور الخاتمة يُفْضِي إِلَى السَّعَادَة بِحسن رَأْيك وَتعقب الخصو بكرم اختصاصك فَرب عِلّة انقادت بعد شدَّة وَكَانَت سَبَب السَّلامَة وَالصِّحَّة وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم قد يفْسد الْعُضْو لصلاح الْأَعْضَاء كالكي والفصد اللَّذين يفسدان الْأَعْضَاء لصلاح غَيرهمَا وَقد نَقله من قَول الآخر (لَعَلَّ سَبَّا يُفِيدُ حُبَّا ... فالشَّرُّ للْخّيْرِ قَدْ يَجُرُّ) وَقَرِيب مِنْهُ قَول ابْن الرُّومِي

стр. 824

(أحمَدِ اللهَ إذْ رُزِقْتَ هِجاءً ... هُوَ بَعْدَ الخُمولِ نَوَّهَ باسمِك) (قَدْ تذَكَّرْتُ مُوبِقاتِ ذُنُوبِي ... فَرَجَوْتُ الخلاصَ مِنْها بشَتْمكَ) ٤٢ - الْمَعْنى يَقُول لَا سَمِعت وَلَا سمع غَيْرِي بِملك مثلك ومقتدر قبلك بلغ مبلغك فِي رفع الْكَذِب عَن رجل يمْتَحن بِهِ ورد السوء عَن مطَالب يحنق عَلَيْهِ وَلَا يسمع فِي تحريشه على من يُحَرِّش عَلَيْهِ وَقَوله عَن رجل يَعْنِي المغتاب وَلم يقل عَن إِنْسَان وَلَا عَن مغتار لأجل القافية وَجَاء عذبا من أحسن الْكَلَام وَقد بَينه فِيمَا بعد بقوله الْبَيْت بعده ٤٣ - الْغَرِيب التكحل هُوَ الاكتحال والتحسن للعين وَهُوَ مَا يتكلفه لَهَا والكحل هُوَ الَّذِي يكون خلقَة فِي الْعين رجل أكحل بَين الْكحل وَهُوَ الَّذِي يَعْلُو جفون عَيْنَيْهِ سَواد مثل الْكحل من غير اكتحال وَعين كحيلة وَامْرَأَة كحلاء الْمَعْنى يُرِيد أَن حلمه حلم طبع عَلَيْهِ فَهُوَ لَا يتكلفه كالكحل الَّذِي يكون فِي الْعين من غير تكلّف فقد طبعت عَلَيْهِ فَمَا تتكلفه وخصصت بِهِ فَمَا تتكسبه وحسر الْكحل غير حسن التكحل وحلم الطَّبْع غير حلم التَّكَلُّف وَهَذَا من قَول الْحَكِيم مباينة الْمُتَكَلف المطبوع كمباينة الْحق الْبَاطِل ٤٤ - الْغَرِيب ثناه رده وَصَرفه والعارض السَّحَاب قَالَ الله تَعَالَى ﴿قَالُوا هَذَا عَارض مُمْطِرنَا﴾ والهطل الْكثير الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول لَا يصرفك كَلَام النَّاس فِي إِفْسَاد مَا بَيْننَا كَمَا لَا يقدرُونَ أَن يصرفوك عَن الْكَرم وَمن يقدر على هَذَا إِلَّا كمن يقدر أَن يرد صوب السَّحَاب الممطر فَالَّذِي يصرفك عَن جودك كَالَّذي يرد السَّحَاب لِأَن جودك أغزر من فيض السَّحَاب ٤٥ - الْغَرِيب المذل الفترة والضجر ومذلت أمذل بِالضَّمِّ مذلا أَي قلقت وَأَصله من إفشاء السِّرّ وَهُوَ أَن لَا يقدر على ضبط مَا عِنْده لقلقه بِهِ من مَال أَو سر قَالَ الْأسود بن يعفر (وَلَقَدْ أرُوحُ عَلى الثِّجارِ مُرَجَّلاً ... مَذِلاً بِمَالي لَيَّنا أجْيادِي) الْمَعْنى يَقُول أَنْت جواد بِلَا من ينقص جودك وَلَا كذب يُعَارض فضلك وَلَا مطل يُنَازع بذلك وَلَا عدَّة وَلَا تَأْخِير وَلَا فَتْرَة وضجر

стр. 825

وَالْمعْنَى أَنه إِذا كثر معروفه كتمه وَلم يبح بِهِ لِأَن الأَصْل فِي المذل النزوح بالسر فنفى ذَلِك عَنهُ وَهُوَ من أحسن الْكَلَام ٤٦ - الْغَرِيب السنور لبوس من قد كالدرع قَالَ لبيد يرثي قَتَادَة بن الْجَعْد الْحَنَفِيّ (وَجاءُوا بِهِ فِي هَوْدَجٍ وَوَرَاءَ هُ ... كَتائبُ خُضْرٌ فِي نَسيجٍ السَّنَوَّرِ) والسنور وَاحِد وَلَيْسَ هُوَ جمعا وَسميت بِهِ دروع الْحَدِيد والأشلاء جمع شلو وَهُوَ الْعُضْو من أَعْضَاء اللَّحْم وَفِي الحَدِيث ائتنى بشلوها الْأَيْمن وأشلاء الْإِنْسَان أعضاؤه بعد البلى والتفرق وَبَنُو فلَان أشلاء فِي بني فلَان أَي بقايا فيهم والقلل جمع قلَّة وَهِي أَعلَى الرَّأْس من قلَّة الْجَبَل الْمَعْنى يَقُول أَنْت الشجاع عِنْد اشتداد الْقِتَال وتجالد الْأَبْطَال وَسُقُوط الْقَتْلَى عَن خيولهم وانفصالهم عَن سِلَاحهمْ وَالْخَيْل لَا تطَأ حِينَئِذٍ إِلَّا أشلاءهم ورءوسهم وسلاحهم وأجسادهم فَأَنت شُجَاع هُنَاكَ ٤٧ - الْإِعْرَاب مقارعة حَال من القنا وَقَالَ الواحدي هُوَ مفعول وَلَيْسَ بمصدر وَالْحَال أَجود الْغَرِيب الجدل والجدال والمجادلة هُوَ مَا يدْفع بِهِ أحد المتجادلين حجَّة صَاحبه وَهُوَ شدَّة الْخُصُومَة وجدل الرجل صَاحبه أَلْقَاهُ بالجدالة وَهِي الأَرْض وَمِنْه قَول الراجز (قَدْ أرْكَبُ الآلَةَ بَعْدَ الآلَهْ ... وأتْرَكُ الْعاجِزَ بالجَدَالَهْ) الْمَعْنى يُرِيد أَنْت الشجاع الْمَعْرُوف إِذا رد بعض القنا بَعْضًا بتخالف الطعان وتقارع الأقران حَتَّى كَأَنَّهُ من شدَّة تِلْكَ الْمُعَارضَة واتصال تِلْكَ المقاومة فِي جدل لَا يقْلع وخصام لَا يَنْقَطِع ٤٨ - الْغَرِيب عرض اعْتِرَاض وَنظرت إِلَيْهِ عَن عرض وَعرض مثل عسر وعسر أَي من جَانب وناحية وَخَرجُوا يضْربُونَ النَّاس عَن عرض أَعنِي عَن شقّ وناحية الْمَعْنى يَدْعُو لَهُ بالنصر ضَارِبًا أعداءه كَيْفَمَا وجدهم مُقْبِلين ومدبرين ينصر عَاجل فِي أجل مستأخر وَالْمعْنَى لَا زلت تضرب أعداءك مُعْتَرضًا لَهُم مقدما عَلَيْهِم مكنوفا بنصر مَعْصُوما بِأَجل يستأخرك وَهَذَا من قَول بَعضهم وَقد سُئِلَ فِي أَي شَيْء تحب أَن تلقى عَدوك قَالَ فِي اجل مستأخر

стр. 826

- ١ أَن من الأون وَهُوَ الرِّفْق ١ - الْغَرِيب أمره فِي هَذَا الْبَيْت بأَرْبعَة وَعشْرين أمرا زَاد على الْبَيْت الأول عشرَة عش من الْعَيْش وابق من الْبَقَاء وَاسم من السمو وسد من السِّيَادَة وَقد من قَود الْخَيل وجد من الْجُود وَمر من الْأَمر وَأَنه من النهى ور من الورى وَهُوَ دَاء فِي الْجوف يُقَال وَرَاه الله وف من الْوَفَاء واسر من سرى يسري ونل من النّيل وَهُوَ الْعَطاء وغظ من الغيظ وارم من الرمى وصب من صاب السهْم الهدف يُصِيبهُ صيبا واحم من الحماية واغز من الْغَزْو واسب من السَّبي ورع من الروع وَهُوَ الإفزاع وزع من وزعته إِذا كففته ود من الدِّيَة ول من الْولَايَة واثن من ثنيته ونل من نلته أنوله إِذا أَعْطيته وروى ابْن جنى بل من الوابل وَهُوَ أَشد الْمَطَر يُقَال وبلت السَّمَاء فَهِيَ وابلة وَالْأَرْض موبولة ومأبولة الْمَعْنى يَقُول عش فِي نعْمَة سَالِمَة حَتَّى تفني أعداءك وابق فِي عز مؤبد جتى تحي أولياءك وَاسم أَي اعْل على كل الْمُلُوك بالقهر وَالْغَلَبَة وسد أهل زَمَانك بِالْكَرمِ وَالْفضل والشجاعة وَقد الْجَيْش إِلَى أعدائك وجد بِعَطَائِك على أوليائك وَمر مسموعا أَمرك وانه عبر مُخَالف نهيك ورأعداءك بظهورك عَلَيْهِم أَي اصب رئاتهم بإيجاعك لَهُم وف لأوليائك بإحسانك إِلَيْهِم وبنعمك عَلَيْهِم واسر إِلَى أعدائك بجيوشك لتستأصلهم ونل مَا تبغيه بسعدك وإقدامك وتأييدك لِأَنَّك مؤيد بالنصر وغظ بظهورك من يحسدك وارم ببأسك من يخالفك وصف من تعتمده برميك واحم ذمارك بهيبتك وببأسك واسب بجيوشك حَرِيم أعدائك ورع بمخافتك أَمنهم وزع أَي كف بوقائعك مسلطهم ود احْمِلْ الدِّيات متفضلا على تبعك وجشمك ول الْأَمْصَار مشكورا فِي ولايتك واثن الْأَعْدَاء عَنْهَا بحمايتك ونل عفاتك بجدودك وأمطر عَلَيْهِم سحائب فضلك وعَلى الرِّوَايَة الْأُخْرَى نولهم مَا يطْلبُونَ من عطائك الجزيل ٢ - الْمَعْنى يَقُول كل دُعَاء دَعوته لَك مَضْمُون مَعْهُود مَعْلُوم وَلَو سكت عَنهُ لَكُنْت قد كفيت لِأَنِّي إِنَّمَا أَدْعُو الله بِشَيْء قد فعله وأعمل الرَّغْبَة إِلَيْهِ فِيمَا قد مكنه وَهَذَا الْبَيْت من الضَّرْب الطَّوِيل والقافية من المتدارك وَمَا جمع أحد قبله من الْأَلْفَاظ مَا جمع فِي هَذَا الْبَيْت وَجمع ديك الْجِنّ فِي مصراع بَيت أَربع استفهامات فِي قَوْله (أنَّي ولِمْ وَعَلامَ ذَاكَ وَفِيما ... ) وَقد قَالَ البحتري أَيْضا (بِمَهْ وَفِيمَ الجَفاءُ مِنْكَ بَدَا ... أوْ مِمَّ أوْ عَمَّ عَلامَ لَمِهْ)

стр. 827

- ١ هَذِه الْقطعَة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر الْإِعْرَاب شَدِيد خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره أَنْت شَدِيد وترنج رَفعه بِالِابْتِدَاءِ تَقْدِيره بَين يَديك أَو فِي مجلسك ترنج الْغَرِيب اللُّغَة الفصيحة أترج وأترجة واحده وَمِنْه الحَدِيث وَمثل الْمُؤمن الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآن كالأترجة رِيحهَا طيب وطعمها طيب وَحكى أَبُو زيد ترنج وترنجة وَقَالَ ابْن فورجة شَدِيد الْبعد من شرب الشُّمُول ترنج الْهِنْد لديك فَحذف لديك واتى بِهِ فِي الْبَيْت الثَّانِي دَالا على حذفه والظروف كثيرا مَا تضمر وَأَرَادَ من شرب النَّاس الشُّمُول عَلَيْهِ وعَلى رُؤْيَته وَهُوَ من بَاب إِضَافَة الْمصدر إِلَى الْمَفْعُول كَقَوْلِك أعجبني دق هَذَا الثَّوْب كَذَلِك تَقول ترنج الْهِنْد بعيد من شرب النَّاس الشُّمُول عَلَيْهِ والشمول من أَسمَاء الْخمر وَقيل هِيَ الْبَارِدَة الَّتِي هبت عَلَيْهَا ريح الشمَال وَقيل هِيَ الَّتِي تَشْمَل الْقَوْم بريحها الْمَعْنى يَقُول ترنج الْهِنْد وطلع النخيل شَدِيد بعدهمَا عَن محلك من شرب الْخمر وَإِن كَانَ غَيْرك يتخذها لذَلِك لِأَن هَذِه الْحَال غير مظنونة بك وَإِنَّمَا استحضارك لَهما وَلما يشاكلهما من الرياحين استمتاعا بِحسن ذَلِك لَا مُخَالفَة فِيهِ إِلَى مَا يكره واستجازة لما لَا يحسن وكل شَيْء طيب حسن يحضر مجلسك الْكَرِيم

стр. 828

- الْمَعْنى يُرِيد أَنه يُؤَيّد مَا قَالَ أَولا وَلَكِن استحضارك للترنج والطلع لِأَنَّهُمَا طيبان وكل طيب فِي حضرتك وَغير مَعْدُوم فِيمَا يَقع عَلَيْهِ مشاهدتك مِمَّا دق إِلَى مَا جلّ يُرِيد مَا كَانَ صَغِيرا وَمَا كَانَ كَبِيرا الْغَرِيب ممتحن مَكَان يمْتَحن فِيهِ الفوارس وهم جمع فَارس الْمَعْنى يَقُول وعندك ميدان السباق فِي النّظم والنثر والتباري فِي الفصاحة وَالشعر وممتحن الْخَيل وفرسانها بالتسايف والتجاول والطرد والتساجل هَذَا الَّذِي يعمر بِهِ مجلسك وحضرتك وتنزع إِلَيْهِ همتك ورغبتك زعم بعض الروَاة أَن ابْن خالويه أنكر عَلَيْهِ ترنج وَقَالَ الْمَعْرُوف أترج فاستشهد أَبُو الطّيب بِرِوَايَة أبي زيد أَنَّهُمَا مقولان ٤ - الْغَرِيب الْأَصِيل من كل شَيْء الثَّابِت وَالْقَوْل والقيل بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ مِمَّا جَاءَ مثل فعل وَفعل وقلبت الْوَاو فِي قيل يَاء للكسرة الَّتِي قبلهَا الْمَعْنى يُرِيد أَن الَّذِي آتى بِهِ من كَلَام الْعَرَب الثَّابِت فِي العرباء الْقَدِيمَة وَقَوله بِقدر مَا عَايَنت أَي على حسب مَا شاهدت وَإِنَّمَا بيّنت الشّعْر على العيان فأغناني عَن أَن أَقُول أَنْت شَدِيد الْبعد عَن شرب الشُّمُول وَفِي مجلسك ترنج الْهِنْد وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا لَهُ لم لَا قلت (بَعِيدٌ أنْتَ مِنْ شُربِ الشَّمُول ... عَلى النَّارَنْجِ أوْ طَلْعِ النَّخِيلِ) (لِشُغْلِكَ بالمَعالي والْعَوَالي ... وكَسْبِ الْحَمْدِ والذّكْرِ الجَميلِ) (وَقَدْحِ خَوَاطِرِ العُلَماءِ فَحْصاً ... ومُمْتَحَنِ الفَوَارِسِ والخُيُولِ) ٥ - الْغَرِيب البعول جمع بعل وَهُوَ زوج الْمَرْأَة الْمَعْنى فعارضه كَلَام سَاقِط وإنكار ضَعِيف فَوَقع ذَلِك الضعْف من قوته وَذَلِكَ السُّقُوط من رفعته موقع النِّسَاء من البعول والرعية من الْملك الْجَلِيل لِأَنِّي قد أتيت بِكَلَام لَا يُنكر صَوَابه وَلَا تدفع صِحَّته وَفِيه نظر إِلَى قَول أبي النَّجْم (إنّي وكُلُّ شاعِرٍ مِنَ البَشَرْ ... شَيْطانُهُ أُنْثَى وَشَيْطانِي ذَكَر) ٦ - الْإِعْرَاب رفع مَأْمُون على الْبَدَل من السَّيْف وَهَذَا مُبْتَدأ والدر نعت لَهُ ومأمون خَبره الْغَرِيب التشظي التكسر والتشقق الْوَاحِدَة شظية والفلول جمع فل وَهُوَ مَا يلْحق السَّيْف من الضَّرْب بِهِ الْمَعْنى يُشِير إِلَى شعره بِأَنَّهُ الدّرّ الَّذِي لَا يخَاف تشظيه وَلَا يُمكن الِاعْتِرَاض فِيهِ والدر إِذا طَال عَلَيْهِ الْأَبَد لابد لَهُ من التَّغَيُّر إِلَّا هَذَا الدّرّ فَإِنَّهُ يزِيد حسنا على مر الْأَيَّام وَأَنت السَّيْف الَّذِي لَا يخْشَى عَلَيْهِ وَقد أَمن فِيهِ الانفلال وَلَا يخَاف نبوه وَلَا تثلم حَده ٧ - الْمَعْنى يَقُول إِذا احْتَاجَ أحد إِلَى أَن يعلم النَّهَار بِدَلِيل يدل عَلَيْهِ لم يَصح فِي فهمه شَيْء الْمَعْنى إِذا لم يَصح مَا أنظمه وَيفهم مَا أوردهُ فَكَأَنَّهُ لم يعرف النَّهَار وَأنكر وجوده لِأَنَّهُ كالنهار الَّذِي لَا تطلب الْأَدِلَّة عَلَيْهِ وَلَا يُمكن أحد الْمُخَالفَة فِيهِ وَهَذَا كَقَوْلِهِم من شكّ فِي المشاهدات فَلَيْسَ بكامل الْعقل

стр. 829

- ١ هَذِه الْقطعَة من المتقارب والقافية من المتدارك الْغَرِيب العفاة جمع عاف وَهُوَ الَّذِي يطْلب الْمَعْرُوف الْمَعْنى إِنَّك أَعْطَيْت عفاتك مَا أَملوهُ من جودك وزرت أعداءك بِمَا حذروه من شدَّة بأسك فانصرمت فِي يَديك أعمارهم وَقربت بزيارتك لَهُم آجالهم وَالْمعْنَى أَنَّك تُعْطى المؤمل مَا أمله وتقرب لِلْعَدو أَجله ٢ - الْغَرِيب الأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد والليوث جمع لَيْث وَهُوَ الْأسد الْمَعْنى يَقُول وَأَقْبَلت الرّوم يُرِيد رَسُول ملك الرّوم وَمن مَعَه تمشي إِلَيْك بَين الْأسد المقتولة وأشبالها المغنومة ٣ - الْمَعْنى يَقُول إِذا رَأَتْ الْمُلُوك الْأسد بَين يَديك مقتولة وأشبالها مغنومة فَأَيْنَ تَفِر مُلُوك الرّوم بأطفالها هربا من بأسك وَهُوَ مَنْقُول من قَول مَحْمُود بن الْحُسَيْن (وَمَنْ كانَت الأُسْدُ مِنْ صَيْدِهِ ... فَلَنْ يُفْلِتَ الدَّهْرَ مِنْهُ أحَدْ)

стр. 830

- ١ هَذِه الْقطعَة من الوافر والقافية من الْمُتَوَاتر الْغَرِيب النزال الْحَرْب الْمَعْنى يَقُول وصفت لنا سِلَاحا لم نره لِأَنَّهُ رفع قبل دُخُوله عَلَيْهِ فكأنك وصفت الْحَرْب بوصفه وأخبرت عَنهُ بِذكرِهِ لِأَن مثل ذَلِك الْمَوْصُوف لَا يعد إِلَّا للنزال وَلَا يختبر إِلَّا فِي الْقِتَال لِأَنَّهُ إِذا وصف السيوف وبريقها كَأَنَّهُ وصف الْقِتَال وَنصب سِلَاحا على إِعْمَال الْفِعْل الأول على مذْهبه فِي إِعْمَال الْفِعْل الأول وَمثله لذِي الرمة (وَلْم أمْدَحْ لأُرْضِيَهُ بِشعْرِي ... لَئِيما أنْ يَكُونَ أصَابَ مَالا) ٢ - الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وَهِي المغفر من الْحَدِيد يكون على الرَّأْس الْمَعْنى يَقُول وَذكرت أَن الْبيض صف على دروع فشوق من سَمعه إِلَى الْحَرْب وهيجه على الطعْن وَالضَّرْب ٣ - الْإِعْرَاب تا بِمَعْنى هَذِه وتا نعت للنار وَهِي فِي مَوضِع نصب كَمَا تَقول

стр. 831

ضربت زيدا هَذَا فَهَذَا نعت لزيد أَي هَذَا الْمشَار إِلَيْهِ وَلَو جعل بَدَلا لجَاز وتا إِشَارَة للمؤنث الْحَاضِر كَمَا يشار بذا إِلَى الْمُذكر الْحَاضِر الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة لَو أطفأت نارك أَعنِي السراج أَو الْقَنَادِيل أَو الشمع أَي مَا تستضيء بِهِ فِي ليلك لأغناك لمعان السِّلَاح عَنهُ ولأضاء لَك بريقه حَتَّى لقرأ مَا خطّ فِي الصُّحُف فِي الدياجى الْمظْلمَة والليالي المسودة الحالكة ٤ - الْإِعْرَاب استحسنت أَرَادَ استحسنته فَحذف الْهَاء للْعلم بِهِ وَالْمَفْعُول كثيرا مَا يحذف وانشد سِيبَوَيْهٍ (فأَقْبَلْتُ زَحْفا عَلى الرُّكْبَتَينِ ... فَثَوْبٌ لَبِسْتُ وَثَوْبٌ أجُرُّ) أَرَادَ لبسته وأجره فَحذف المفعولين لدلَالَة الْكَلَام عَلَيْهِمَا الْمَعْنى يَقُول إِن استحسنت هَذَا السِّلَاح وَهُوَ على بِسَاط فَأحْسن مَا يكون إِذا لبسه الرِّجَال وَأظْهر فَضله الْقِتَال ٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير الأول للرِّجَال وَالثَّانِي للسلاح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح التَّأْنِيث للدروع والتذكير للبيض وَقَوله وَإِن بِهِ زَاد إِن الثَّانِيَة توكيدا تَقْدِيره وَإِن بهَا وَبِه لنقصا وَمثله للحطيئة (قالَتْ أُمامَةُ لَا تَجْزَعْ فَقُلْتُ لَهَا ... إنَّ العَزَاء وَإنَّ الصَّبْرَ قَدْ غُلِبا) وَيجوز أَن يكون حذف اسْم إِن الأولى وَاسْتغْنى بِالثَّانِيَةِ كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ وانشد سِيبَوَيْهٍ (نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِمَا ... عِنْدَكَ رَاضٍ والرأْيُ مُخْتَلِفُ) أَرَادَ نَحن راضون وَأَنت رَاض وَكَذَلِكَ ﴿وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه﴾ الْمَعْنى يُرِيد بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاح نقص وكمالها بك وَأَنت للرِّجَال نِهَايَة الْكَمَال الَّذِي يكمل الْفَخر الَّذِي بِهِ يتَحَمَّل ٦ - الْغَرِيب الدمستق مقدم الفرنجة الْمَعْنى لَو نظر الدمستق ذَلِك السِّلَاح ولاحظ جانبيه وأشرف عَلَيْهِ بمشاهدته لَهُ لأفزعه إفزاعا يقلب الرَّأْي فِي التَّخَلُّص مِنْهُ وَيعْمل الْحِيَل فِي الْفِرَار عَنهُ

стр. 832

- ١ هَذِه الْقطعَة من الطَّوِيل والقافية من الْمُتَوَاتر وَيذكر فِي هَذِه القصيدة وقْعَة الْغَرِيب شكول جمع شكل وشكل الشَّيْء مثله وَجمع الْقلَّة أشكال وأتى هَاهُنَا بِجمع الْكَثْرَة لِأَنَّهُ أبلغ فِي شكوى الْحَال والظاعنين جمع ظاعن وَهُوَ المرتحل الْمَعْنى يَقُول ليَالِي بعد الظاعنين من أَحبَّنِي متشاكلة فِي طولهَا متشابهة فِي تعذبي بهَا وليل العاشقين يطول عَلَيْهِم بِمَا يقاسونه من السهر وَمَا يَتَجَدَّد لَهُم فِيهِ من الْفِكر وَاللَّيْل يطول بقصر بِحَسب الْفُصُول الْأَرْبَعَة وليله طَوِيل لبعد الحبيب عَنهُ وَامْتِنَاع النّوم مِنْهُ قَالَ الواحدي يجوز أَن تكون مشاكلتها من حَيْثُ أَنه لَا يجد رواحا فِيهَا وَلَا نوما يَقُول لَا يتَغَيَّر حَالي فِي ليَالِي بعدهمْ وَلَا ينقص غرامي ووجدي بالحبيب وَهُوَ ضد قَول الآخر (إذَا مَا شِئْتَ أنْ تَسْلُو حَبِيبا ... فأكْثِرْ دُونَهُ عَدَدَ اللَّيالي) ٢ - الْمَعْنى يَقُول هَذِه اللَّيَالِي يبن لي بدر السَّمَاء الَّذِي لَا أريده ويظهرنه وَلَا يسترنه ومخفين الْبَدْر الَّذِي لَا أحد إِلَيْهِ سَبِيلا ٣ - الْإِعْرَاب نصب سلوة على الْمصدر يُرِيد مَا سلوتهم سلوة وَقيل بِإِسْقَاط حرف الْجَرّ يُرِيد عَن سلوة وَقيل مفعول لَهُ الْمَعْنى يَقُول لَيْسَ بقائي بعدهمْ لسلوة عَنْهُم وَلَا لخلو عَن ذكرهم وَلَكِنِّي حمول للنائبات صبور على الخطوب الموجعات وَهُوَ كَقَوْل أبي خرَاش الْهُذلِيّ (فَلا تَحْسَبِي أَنِّي تَناسَيْتُ عَهْدَكمْ ... وَلَكِنَّ صَبْرِي يَا أُمَيْمَ جَمِيلُ) ٤ - الْمَعْنى يَقُول وَإِن رحيلا وَاحِدًا غير مضاعف ومفردا غير مردد حَال بيني وَبينهمْ وأيأسني من قربهم وَفِي الْمَوْت الَّذِي أباشره لفقدهم وأشرف عَلَيْهِ من بعدهمْ رحيل يشفع رحيلهم ويعاد يُضَاعف بعادهم وَلَا دَار أبعد من الْقَبْر وَلَا سَبَب أقطع من الْمَوْت

стр. 833

- الْغَرِيب الرّوح نسيم الرّيح الشرقية الَّتِي تَأتي من وَرَاء الْقبْلَة الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى إِذا كُنْتُم تؤثرون شم الرّوح فِي الدُّنْيَا وملاقاة نسيمها فَلَا زلت رَوْضَة وقبولا انجذابا إِلَى هواكم ومصيرا إِلَى مَا تؤثرونه وَيكون سَبَب الدنو مِنْكُم أَرَادَ وَلَا بَرحت وروضة وقبولا فَجعل الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة للقافية وَمن فسر هَذَا التَّفْسِير فقد فَضَح نَفسه وغر غَيره وَقَالَ ابْن فورجة الرّوح يؤثره من يأوي إِلَى هم وينطوي على شوق فَأَما الْأَحِبَّة وَإِن كَانَ إِيثَار الرّوح طبعا من النَّاس فَإِنَّهُم لَا يوصفون بِطَلَب الرّوح وشم النسيم والتعرض لبرد الرّيح والتشفي بنسيم الْهَوَاء وَأَيْضًا فَمَا الْحَاجة إِلَى أَن يكون الِاسْم نكرَة وَالْخَبَر معرفَة وَلَيْسَ هَذَا من أَخَوَات كَانَ وَإِنَّمَا هِيَ من برح فلَان من مَكَانَهُ أَي فَارقه يَقُول إِذا لم يكن لي من فراقكم رَاحَة إِلَّا التعلل بالنسيم وَطلب روح الْهَوَاء وتشممي لطيبه بروائحكم وَمَا كَانَ ينالني أَيَّام اللَّهْو والفرح بقربكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يَسُوق إِلَى رَوَائِح تِلْكَ الرَّوْضَة وَهَذَا من قَول البحتري (يُذَكِّرُنا رَيَّا الأَخِبَّةِ كُلَّما ... تَنَفَّسَ فِي جُنْحٍ مِنَ اللَّيْلِ بارِدِ) وَأَصله من قَول الأول (إذَا هَبَّ عُلْوِيُّ الرّياحِ وَجَدْتُنِي ... كأنّي لِعُلْوِيّ الرّياحِ نَسِيبُ) وَالْمعْنَى إِذا كَانَ شم الرّوح أدنى إِلَيْكُم لِأَنَّهَا تذكرني روائحكم وَطيب أَيَّام وصالكم فَلَا فارقتني رَوْضَة أستنشق رائحتها وريح قبُول أتنسم بهَا لأَكُون أبدا على ذكركُمْ انْتهى كَلَامه وَقَالَ ابْن القطاع برح هُنَا بِمَعْنى زَالَ يَقُول إِذا بعدتم وَلَا أصل إِلَيْكُم إِلَّا بشم الرّوح الَّذِي يشبه رَائِحَة نسيمكم فَلَا فارقتني رَوْضَة وَقبُول يأتيني برائحتكم وَقد دَعَا لنَفسِهِ بِالْحَيَاةِ فَإِنَّهُ مَا دَامَ حَيا جَاءَتْهُ الرِّيَاح بروائح أحبته لِأَن قبله (وَفِي المَوْتِ مِنْ بَعْدِ الرَّحِيلِ رَحِيلُ ... ) وَقَالَ ابْن الإفليلي إِذا كَانَ شم الرّوح أقرب الْأَشْيَاء مِنْكُم وأنفذها بالدنو إِلَيْكُم وتيقنت أَن الرياض فِي تبدلكم مَنَازِلكُمْ والمياه الَّتِي تقاربها مواردكم لما يُوجب لكم علو الْحَال من الْحُلُول فِي كرائم الأَرْض فَلَا برحتي رَوْضَة تذكرني مَنَازِلكُمْ وَقبُول أتنسم مِنْهُ ريح أفقكم وَأَشَارَ بِذكر الْقبُول إِلَى أَن رحْلَة أحبته إِلَى جِهَة الشرق وَقَالَ ابْن وَكِيع هَذَا مَأْخُوذ من قَول البحتري (إذَا خَطَرَتْ رِياحٌ جانِبَيْها ... كمَا خَطَرَتْ عَلى الرَّوْضِ القَبُولُ)

стр. 834

وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَلَيْسَ فِي الْبَيْت سوى ذكر الرَّوْض وَالْقَبُول ٦ - الْإِعْرَاب نصب تذكرا على الْحَال أَي متذكرا فَأَقَامَ الْمصدر مقَام اسْم الْفَاعِل أَي شَرْقي بِالْمَاءِ متذكرا لكذا وَكَذَا أَي فِي هَذِه الْحَال كَقَوْلِك أَخطب مَا يكون الْأَمِير قَائِما أَي فِي حَال قِيَامه وَقَالَ الْخَطِيب نَصبه على الْمصدر وَيجوز أَن يكون مَفْعُولا من أَجله أَي لتذكري وَيجوز رَفعه على أَنه خبر شَرْقي الْغَرِيب الشرق الاختناق بِالْمَاءِ أَو بالريق أَو بِالنَّفسِ الْمَعْنى يَقُول وَمَا أشرق بِالْمَاءِ إِلَّا لعلمي أَن أهل الحبيب الراحلين بِهِ وَقَومه الحافظين لَهُ يعتمدون مَاء ينزلون بِهِ ويستقرون بمنهل يحلونه فيهيج لي المَاء تذكر حُلُوله وأغص بِهِ أسفا على رحيله لِأَنِّي أذكر ذَلِك المَاء الَّذِي هم نزُول بِهِ فَلَا يسوغ لي المَاء ٧ - الْمَعْنى يُرِيد وصف مَوضِع من يُحِبهُ من الرّفْعَة وَمَا هُوَ بسبيله من الْعِزّ والمنعة فَقَالَ يحرم هَذَا المَاء الَّذِي يردهُ لمع أسنة قومه المحتلين بِهِ وَامْتِنَاع جهتهم واحتداد شوكتهم فَلَيْسَ لظمآن وُصُول إِلَيْهِ وَلَا لوارد طمع فِيهِ وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن محبوبه مَمْنُوع مِنْهُ على الْقرب والبعد فَلَا يقدر على زيارته ٨ - الْغَرِيب الدَّلِيل مَا يسْتَدلّ بِهِ وَالدَّلِيل الدَّال ودله يدله دلَالَة وَدلَالَة ودلولة وَالْفَتْح أفْصح وَأنْشد أَبُو عبيد (إنَّي امْرُؤٌ بالطُّرْقِ ذُو دَلالاتِ ... ) الْمَعْنى أَنه استطال ليله فَقَالَ مشتكيا لسهره وَمَا هُوَ عَلَيْهِ من شدَّة كمده أما فِي النُّجُوم وَغَيرهَا مِمَّا يعرف بِهِ أَوْقَات اللَّيْل دَلِيل يدلني على ضوء الصَّباح وتدانيه وانصرام اللَّيْل وتقاضيه ٩ - الْإِعْرَاب نصب فتظهر لِأَنَّهُ جَوَاب اسْتِفْهَام بِالْفَاءِ الْمَعْنى أَنه خَاطب محبوبته فَقَالَ ألم ير هَذَا اللَّيْل الْجَلِيل خطبه الْمُتَّصِل طوله عَيْنَيْك كَمَا رأيتهما وَيشْهد مَا شهدته من سحرهما فيقل مِنْهُ مَا كثر وَيقصر مِنْهُ مَا طَال ويرق لمن سحرتاه ويلقى من الضعْف والنحول مَا أَلْقَاهُ فينجلي عني

стр. 835

- الْغَرِيب درب الْقلَّة مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والكمد الْحزن الْمَعْنى يَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع الْفجْر لقية على حَال من الْبَهْجَة وسبيل من الْغِبْطَة شفت حزني بتطاول اللَّيْل وأظهرتني عَلَيْهِ بِالْخرُوجِ عَنهُ وَهُوَ كالقتيل الَّذِي نقضت مدَّته وَسَقَطت عَمَّن يحذرهُ مُؤْنَته قَالَ أَبُو الْفَتْح سَأَلته عَن مَعْنَاهُ فَقَالَ وافينا الْقلَّة وَقت السحر فَكَأَنِّي لقِيت بهَا الْفجْر ثمَّ سرنا صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم إِلَى الْعَصْر أَرْبَعِينَ ميلًا وشننا الغارات وغنمنا وشفيت كمدى لانحسار اللَّيْل عني وَاللَّيْل قَتِيل فِي ذَلِك الْموضع فَكَأَن النَّهَار لما أشرق بضوئه على اللَّيْل قَتله وظفر بِهِ وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى بَعضهم فكشفه بقوله (وَلَّما رأيتُ الصًّبحَ قَدْ سَلَّ سَيْفَهُ ... وَوَلَّى انْهِزَاما لَيْلُهُ وكَوَاكِبُهُ) (وَلاحَ احْمِرارٌ قُلْتُ قَدْ ذُبِحَ الدُّجَى ... وَهَذا دَمٌ قدْ ضَمَّخَ الأرْضَ ساكِبُهْ) الْإِعْرَاب نصب يَوْمًا عطفا على مَعْمُول لقِيت الْمَعْنى يُخَاطب محبوبته وَيَقُول لقِيت بِهَذَا الْموضع يَوْمًا على هَذِه اللَّيْلَة تناهت بهجته وراق منظره حَتَّى كَأَن حسنه عَلامَة توجهينها وَكَأن الشَّمْس فِيهِ رَسُول مِنْك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لما ثار الْغُبَار ستر الشَّمْس فَكَأَنَّهَا رَسُول من محبوبته مستخف وَهَذَا الْمَعْنى من أحسن الْكَلَام قَالَ وَفِي مَعْنَاهُ قَول الآخر (إذَا طَلَعَتْ شَمْسُ النَّهارِ فإنَّها ... أمارَةُ تَسْلِيمي عَلَيْكِ فَسلِّمي) ١٢ - الْغَرِيب آثَار افتعل من الثأر وَأَصله الْهَمْز والذحول جمع ذحل وَهُوَ الحقد والعداوة الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن جنى لَوْلَا سيف الدولة مَا وصلت إِلَى درب الْقلَّة حَتَّى شفيت نَفسِي من اللَّيْل بملاقاة الْفجْر قَالَ ابْن فورجة هَذِه الأبيات من محَاسِن هَذِه القصيدة وَإِذا توبع فِيهَا أَبُو الْفَتْح ضَاعَت وَبَطلَت أفترى أَبَا الطّيب لَوْلَا سيف الدولة لما أصبح ليله وَلما لقى الْفجْر وَلَو لم يصل إِلَى درب الْقلَّة لما شفي عشقه فَأَي قائدة للعاشق فِي الْوُصُول إِلَى درب الْقلَّة وَقد خلط أَبُو الطّيب فِي هَذِه الأبيات تشبيبا بتقريظ وغرضه أَن يصف يَوْم ظفر سيف الدولة بالْحسنِ وَالطّيب وَيذكر سوء صَنِيع اللَّيْل عِنْده فِيمَا مضى وَأَرَادَ بقوله وَاللَّيْل فِيهِ قَتِيل

стр. 836

حمرَة الشَّفق فَكَأَنَّهُ دم فَلَمَّا لقِيه كَذَلِك شمت بِهِ لطول مَا قاسى من همه وَجعل حسن الْيَوْم وَهُوَ ظفر سيف الدولة بسروره بِهِ كالعلامة الَّتِي جَاءَت من المحبوبة وَالشَّمْس كرسولها لشدَّة الجدل بطلوعها ثمَّ ادّعى أَن سيف الدولة قتل اللَّيْل وأثار لأبي الطّيب على مَا جرت بِهِ الْعَادة من نِسْبَة الغرائب إِلَى الممدوحين وَإِن كَانَت من الْمحَال بدل عَلَيْهِ قَوْله الْبَيْت بعده ١٣ - الْغَرِيب تروق تعجب وتهول تفزع الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة يَأْتِي بِكُل غَرِيبَة فِي مجده وَبِكُل نادرة فِي كرمه فيروق ذَلِك ويعجب ويهول ويفزع ويسلى من شهده عَمَّا سواهُ وينسيه مَا لقِيه وقاساه ١٤ - الْغَرِيب الدَّرْب الْمدْخل إِلَى أَرض الْعَدو والجرد القصيرة شعر الْجلد وَهُوَ من شَوَاهِد الْكَرم لَهَا والجياد جمع جيد على غير قِيَاس وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ الْمَعْنى يَقُول قَامَت لَهُم الْخُيُول مقَام السِّهَام فِي السرعة والمضاء وَلم يعلمُوا أَن خيلا تسرع إِلَيْهِم إسراع السِّهَام وَالْمعْنَى أَنه رمى درب الرّوم مقدما عَلَيْهِم وغاديا إِلَيْهِم بكتائب بكتائب خيله ومواكب جَيْشه فَصَارَت كالسهام مسرعة ونفذت منافذها وَلم تعلم الرّوم قبل ذَلِك أَن من الْخَيل مَا يفعل فعل هَذِه وَلَا أَن مِنْهَا مَا يسير مثل هَذَا السّير فِي الْإِسْرَاع ١٥ - الْإِعْرَاب شوائل حَال من الجرد وَالضَّمِير فِي تَحْتَهُ يعود على القنا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَا يمْتَنع أَن يرجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الشوائل الَّتِي ترفع أذنابها عِنْد الجري وَهُوَ دَلِيل على قوتها والمرح لعب يتبعهُ النشاط وَقد مرح بِالْكَسْرِ فَهُوَ مرح ومريح بِالتَّشْدِيدِ مثل سكير وأمرحه غَيره وَالِاسْم المراح بِكَسْر الْمِيم الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح شبه القنا مَعَ الْخَيل بأذناب العقارب إِذا شالت بهَا والتشوال بِمَنْزِلَة التمساء يُرَاد بِهِ الْمُبَالغَة وَالْكَثْرَة وَكَذَا نَقله الواحدي حرفا حرفا وَالْمعْنَى أَنه يُشِير إِلَى سرعَة سَيرهَا وَكَثْرَة جريها ورفعها الأذناب فِي ذَلِك الجري وَهُوَ دَلِيل على كرمها وَقُوَّة ظهرهَا والتشوال أَكثر مَا يكون فِي الْخَيل عِنْد الجري ثمَّ دلّ على نشاطها بمراحها وعَلى عزة أَنْفسهَا بصهيلها وَقَالَ ابْن وَكِيع وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول كثير (وَهُمْ يَضْرِبونَ الصَّفَّ حَتَّى تَبَيَّنُوا ... وَهُمْ يَرْجِعُونَ الخَيْلَ جْمَّا قُرُوُنها) وَلَيْسَ فِيهِ من معنى المتنبي شَيْء وَلَا يلم بِهِ أبدا

стр. 837

- الْغَرِيب حران بَلْدَة من بِلَاد الجزيرة بِالْقربِ من الرقة والتلبية الْإِجَابَة والنصول جمع نصل وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول وَمَا هِيَ يُرِيد هَذِه الْغَزْوَة الَّتِي رمى بهَا أَرض الْعَدو إِلَّا خطرة عرضت لسيف الدولة يُشِير إِلَى أَنَّهَا كَانَت مَعَ جلالتها وعظمتها عَن بديهة وفعلها مَعَ احتفالها عَن غير روية فلبتها القنا والنصول واقترن بهَا الصنع الْجَمِيل ١٧ - الْغَرِيب الْهمام الْملك ذُو الهمة وهم أَرَادَ فعل الْأَمر والهموم الإرادات والأرعن الْجَيْش الْكثير الفضول لَهُ رعون كرعون الْجبَال وَهِي أنف الْجبَال الْمَعْنى هُوَ همام إِذا بِأَمْر فعله وَمَا أَرَادَهُ أنفذه بِجَيْش حافل وَجمع غَالب يقدمهُ إِلَى الْأَعْدَاء ويقصدهم بِهِ فِيهِ حتفهم وهلاكهم ويطؤهم الْمَوْت اثقل وَطْأَة ويصرعهم أَشد صرعة ١٨ - الْإِعْرَاب وخيل عطف على قَوْله بأرعن أَي وبخيل وَأَرَادَ نقِيل فِيهَا فَحذف لدلَالَة الأولى على الثَّانِيَة الْغَرِيب براها أهزلها وأضعفها والتعريس نزُول الركب آخر اللَّيْل للاستراحة والقائلة مَعْرُوفَة وَهُوَ النُّزُول فِي الهاجرة الْمَعْنى يَقُول وبخيل تضمنها ذَلِك الْجَيْش براها لما يحملهَا من الركض ويكلفها من السّير فِي بِلَاد يفتحها إِلَى الْعَدو وَلَا تقيل فِيهَا وتسير وَلَا تستريح ١٩ - الْغَرِيب دلوك وصنجة بلدان من بِلَاد الرّوم والطود الْجَبَل والرعيل الْجَمَاعَة من النَّاس وَالْخَيْل وَقيل الرَّعْلَة والرعيل الْقطعَة من الْخَيل وَالْجمع رعال قَالَ طرفَة (ذُلُقٌ فِي غارَةٍ مَسْفُوحةٍ ... كَرِعالِ الطَّيْرِ أسْرابا تَمُرْ) واسترعل خرج فِي أول الرعيل الْمَعْنى يُرِيد أَنه لما بلغ هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ انتشرت جيوشه وبدت لَهُ فِي كل جبل راية ماثلة يتلوها جمَاعَة ناهضة ٢٠ - الْمَعْنى يَقُول سلك هَذَا الْجَيْش إِلَى الرّوم على طرق فحرف الْجَرّ يتَعَلَّق بِمَحْذُوف أَي سلك إِلَى الرّوم على طرق كَانَت ممتنعة لَا تسلك ومجهولة لَا تعرف فَكَانَت مُرْتَفعَة على

стр. 838

الطّرق مشرفة على سَائِر السبل وَفِي ذكرهَا عِنْد النَّاس خمول لجهلهم بهَا وَقلة سلوكهم لَهَا وَلها رفْعَة على الطّرق لِأَنَّهَا فِي رُءُوس الْجبَال ٢١ - الْإِعْرَاب نصب قباحا صفة لمغيرة الْمَعْنى يَقُول فجأتهم هَذِه الْخَيل فَلم يشعروا بهَا إِلَّا مُغيرَة عَلَيْهِم قباحا أَعينهم لسوء فعلهَا بهم وَهِي مَعَ ذَلِك جميلَة فِي خلقهَا متناهية فِي حسنها ٢٢ - الْإِعْرَاب سحائب نَصبه على الْبَدَل من قباح قَالَه أَبُو الْفَتْح وَيجوز على الْبَدَل من ضمير رأوها الْمَعْنى جعل خيله كالسحائب لما فِيهَا من بريق الأسلحة وأصوات الفرسان وَجعل مطرها الْحَدِيد لِأَنَّهَا تنصب عَلَيْهِم بِالسُّيُوفِ والأسنة وَلما جعل الْحَدِيد مَطَرا جعل الْمَكَان الَّذِي يَقع بِهِ مغسولا بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يَعْنِي بالسحاب الْغُبَار الثائر وَيكون فِي الْكَلَام حذف أَي رَأَوْا وَالْمعْنَى أَنه وصف خيله بِالْكَثْرَةِ فَقَالَ سحائب تمطر الْحَدِيد عَلَيْهِم وتعمل السِّلَاح فيهم فَكل مَكَان تغسله السيوف بِمَا تسفكه من الدِّمَاء وتغشاه بِمَا تحدثه من الْقَتْل ٢٣ - الْغَرِيب الانتحاب الْبكاء وعرقة مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والثاكلات جمع ثاكل وَهِي الَّتِي فقدت ولدا أَو بعلا أَو أَبَا أَو أَخا الْمَعْنى الْجَوَارِي اللَّاتِي سبين من الرّوم بِهَذَا الْموضع يبْكين بعولهن مفجعات قد شققْنَ جُيُوبهنَّ وفرقن شعورهن وثيابهن فَعَادَت جُيُوبهنَّ لسعتها ذيولا تسحب ٢٤ - الْغَرِيب موزار مَوضِع بِبِلَاد الرّوم والقفول الرُّجُوع وَمِنْه الحَدِيث كَانَ إِذا قفل من غَزْو وقفل يقفل بِالضَّمِّ والقافلة الرّفْقَة الراجعة من السّفر الْمَعْنى لما عَادَتْ خيل سيف الدولة ظَنّهَا الرّوم قافلة منصرفة بموزار وَلَيْسَ لَهَا قفول إِلَّا الدُّخُول إِلَيْهِم والاقتحام عَلَيْهِم فَكَانَ عودتها إِلَى موزار بِخِلَاف مَا ظنوه وَبِغير مَا احتسبوه ٢٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي كَأَنَّهُ يعود على الْمصدر والنجيع الدَّم الضَّارِب إِلَى السوَاد وَقَالَ الْأَصْمَعِي هُوَ دم الْجوف خَاصَّة وَالْكَفِيل الضَّامِن

стр. 839

الْمَعْنى يَقُول خاضت هَذِه الْخَيل بموزار الدَّم الَّذِي سفكت من الرّوم خوضا كَأَنَّهُ يكفل بِظَاهِر الْغَلَبَة فِيهِ واقتران النَّصْر بِهِ مَا خاضته بعد ذَلِك من دِمَائِهِمْ وهزمته من جيوشهم لِأَن من رأى ذَلِك الْخَوْض علم أَنه لَا يتَعَذَّر عَلَيْهَا خوض دم غَيره ٢٦ - الْغَرِيب الطلول مَا بقى من أثار الديار الْمَعْنى يُرِيد أَن هَذِه الْخَيل تسير مَعَ النيرَان الَّتِي تضرمها فِي ديار الرّوم فِي كل مَسْلَك أَهله صرعى بِالْقَتْلِ ومنازله طلول بالخراب يُشِير إِلَى مَا أحدثته هَذِه الْخَيل فِي بِلَاد الرّوم من إحراق شجرهم وَهدم دِيَارهمْ وَكَثْرَة الْقَتْل فيهم ٢٧ - الْغَرِيب ملطية مَدِينَة مَعْرُوفَة من بِلَاد الرّوم وَغَيرهَا لِأَنَّهَا أَعْجَمِيَّة وَالِاسْم الأعجمي إِذا وَقع إِلَى الْعَرَب غيرته وَسكن الطَّاء لإِقَامَة الْوَزْن والثكول الَّتِي تفقد أَوْلَادهَا الْمَعْنى يَقُول كرت هَذِه الْخَيل فمرت فِي دِمَاء أهل ملطية فَأخْبر عَن الْبَلَد كَمَا يخبر عَن أَهله كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿واسأل الْقرْيَة﴾ أَي أهل الْقرْيَة يُرِيد أَنَّهَا خاضت فِي دِمَائِهِمْ الَّتِي سفكت وَجعلهَا أما لأَهْلهَا وهم كالبنين لَهَا وَقد فقدتهم حِين قتلوا ٢٨ - الْغَرِيب قباقب اسْم نهر بِبَلَد الرّوم الْمَعْنى يَقُول أضعفت هَذِه الْخَيل هَذَا النَّهر عِنْد عبوره بِشدَّة تزاحمها فِيهِ وَكَثْرَة ترادفها عَلَيْهِ فأضحى مَاؤُهُ كالعليل السَّاقِط الْقُوَّة فَجعلت جري مَائه ضَعِيفا وَالْمعْنَى أضعفت الْخَيل المَاء الَّذِي كلفت قطعه ٢٩ - الْمَعْنى يَقُول لما عبرت الْخَيل الْفُرَات راعته كَثْرَة الْخَيل أَي ذعرته وأخافته وأفزعته حَتَّى كَأَنَّمَا يخر عَلَيْهِ من جماعات الرِّجَال سيول طارقة وأمواج بَحر متلاطمة واستعار للفرات قلبا ٣٠ - الْغَرِيب السابح الْفرس الَّذِي يمد يَدَيْهِ وَعمرَة المَاء مجتمعه ومعظمه والمسيل مجْرى مَاء الْمَطَر الْمَعْنى يَقُول يطارد موج هَذَا النَّهر كل سابح من الْخَيل سَوَاء عِنْده الغمرة والمسيل وَالْكثير والقليل يُشِير إِلَى مَا على هَذِه الْخَيل من شدَّة الْأَمر وَمَا بلغته من قُوَّة الْخلق

стр. 840

- الْغَرِيب التليل الْعُنُق الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفرس إِذا سبح فِي المَاء لم يظْهر مِنْهُ إِلَّا الرَّأْس والعنق وَالْمعْنَى ترى ذَلِك السابح فِي الْفُرَات لِكَثْرَة مَائه وَتعذر خوضه قد استتر جِسْمه وخفى أَكْثَره حَتَّى كَأَن المَاء مر بِنَفسِهِ إِلَّا الْقَلِيل وَهُوَ الرَّأْس والعنق ٣٢ - الْغَرِيب هنزيط وسمنين موضعان فِي بِلَاد الرّوم والظبا جمع ظبة وَهِي السيوف الْمَعْنى يَقُول فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ للسيوف والرماح بديل مِمَّن قتلته وَالْمعْنَى أَن وقائع هَذِه الْخَيل فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ مُتَّصِلَة على الرّوم فَكلما غمرتهم مِنْهَا طَائِفَة أفنتهم هَذِه الْخَيل بوقائعها فيهم وإعارتها عَلَيْهِم ٣٣ - الْغَرِيب الْغرَر جمع غرَّة وَهِي الَّتِي تكون فِي وَجه الْفرس والحجول بَيَاض يكون فِي قَوَائِمهَا الْمَعْنى طلعت هَذِه الْخَيل بِهَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ من الرّوم طلعة قد ٩ عرفُوا مثلهَا وعهدوا مَا يشبهها بجلالتها وعظمتها وشهرتها وَلها غرر لَا تخفي بهَا وحجول لَا تستتر مَعهَا ٣٤ - الْغَرِيب الشم الطوَال المرتفعة الْعَالِيَة الْمَعْنى يَقُول تمل الْحُصُون المستعلية مداومتنا لقتالها وملازمتنا لحصارها فيسهل لنا الظفر بهَا وَلَا تمْتَنع عَمَّا نحاوله من هدمها وتصبح كالزائلة بِتَغَيُّر بنيتها واستحالة هنيئتها ٣٥ - الْغَرِيب حصن الران حصن من حصون الرّوم ورزحي تعبة كليلة والرزاح من الْإِبِل الْهَالِك هزالًا وَقد رزحت النَّاقة ترزح رزوحا ورزاحا سَقَطت من الأعباء هزالًا ورزحتها أَنا ترزيحا وإبل رزحي ورزاحي ومرازيح ورزح الْمَعْنى يَقُول باتت خيل سيف الدولة فِي هَذَا الْموضع تعبة بِمَا لاقته من سفرها وَمَا عاينته من شدَّة تعبها وَقد خضع ملك الرّوم وَقَومه لسيف الدولة فذل عزيزهم ودان منيعهم واعترف بعبوديته كَبِيرهمْ وصغيرهم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح اعتذر لَهَا فَقَالَ لم يلْحقهَا ذَاك لِضعْفِهَا وَلَكِن الْأَمِير كلفها من همته صعبا فذلت لَهُ وَإِن كَانَت عزيزة قَوِيَّة

стр. 841

- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي خلاه لسيف الدولة وموضعه نصب بخلا الْمَعْنى يُرِيد من شدَّة مَا لاقوا فِي هَذِه الْغَزْوَة فِي كل نفس من نفوس الْجَيْش ملالة مَا خلا سيف الدولة فَإِنَّهُ لَا يفتر وَلَا يمل وَلَا يكسل وَكَذَلِكَ كل سيف فِي ذَلِك الْجَيْش قد فَلهُ الضَّرْب وأوهنه الجلاد وَهُوَ السَّيْف الَّذِي لَا ينبو عَن ضريبته وَلَا يضيق عَن جمل عَظمته ٣٧ - الْغَرِيب سميساط بلد من بِلَاد الرّوم والمطامير جمع مطمورة وَهِي حُفْرَة غائرة فِي الأَرْض والملا الفلاة والهجول جمع هجل وَهُوَ المطمئن من الأَرْض قَالَ أَبُو زبيد (نَحِنُّ للظِّمْءِ مِمَّا قَدْ أَلَمَّ بِهَا ... بالهَجْلِ مِنْها كأصْوَاتِ الزَّنابِيرِ) الْمَعْنى يُرِيد لما ورد الْخَبَر عَلَيْهِ بِخُرُوج الرّوم إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فأتبعهم وأوقع بهم فَيَقُول وَدون سميساط الَّتِي حل فِيهَا جَيش سيف الدولة مَا اعْتَرَضَهُمْ من المطامير الَّتِي سلكوا بَينهَا والفلاة الَّتِي قطعُوا بعْدهَا وَمَا سلكوا بعد ذَلِك من الأودية المجهولة والهجول الْمُتَّصِلَة ٣٨ - الْغَرِيب مرعش حصن من حصون الرّوم ولبسن الدجى سرن فِي الظلام وَهُوَ من قَول ذِي الرمة (فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ... الْبَيْت) الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما نزل بحصن الران ورد عَلَيْهِ الْخَبَر أَن الرّوم خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين يقتلُون ويفسدون فَرجع إِلَيْهِم مسرعا فَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا واسر قسطنطين بن دمستق وجرح إِيَّاه فِي وَجهه فَهَذَا معنى قَوْله وللروم خطب جليل بِمَا فعلوا فِي الْبِلَاد فَذكر أَن الْخَيل لبست الدجى فِي سَيرهَا إِلَى الْعَدو تسرع وتخب نحوهم وتوضع حَتَّى أَتَت أَرض مرعش وخطب الرّوم جليل فِي الْبِلَاد مستشنع ومخوف متوقع وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن الأَرْض الرّوم خطبا جَلِيلًا لِأَن الْوُصُول إِلَيْهَا صَعب لتعذر الطَّرِيق إِلَيْهَا ولشدة شَوْكَة أَهلهَا وَقد داسها سيف الدولة بحوافر خيله وذلل أَهلهَا ٣٩ - الْغَرِيب الفضول الزَّوَائِد الَّتِي لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ جمع فضل وَقد أبدلته الْعَامَّة فَجَعَلته عبارَة عَن الدُّخُول فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيه لَهُ بِغَيْرِهِ وَنقل لَهُ عَن مَوْضِعه وَمِنْه قَول الرَّاعِي

стр. 842

(مِنْ نِعْمَةِ الرَّحَمنِ لامِن حِسلَتِس حليتي ... أّني أُعُدُّ لَهُ عَلَّى فُضُولاً) الْمَعْنى يَقُول إِن الرّوم لما رَأَوْا سيف الدولة يقدم جَيْشه ويقود جمعه دروا أَن الْعَالمين بعده فضول زَائِدَة ونوافل سَاقِطَة وَأَنه يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَلَا يفْتَقر إِلَى جَيْشه ٤٠ - الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وَهُوَ خطّ هجر تنْسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والكليل الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى علمُوا أَن الرماح لَا تصل إِلَيْهِ وَأَن السيوف تكل عَنهُ إِمَّا لِأَنَّهَا تنْدَفع دونه لعزته ومنعته وَإِمَّا لِأَن هيبته تمنع الضَّارِب والطاعن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى إحجام الضاربين والطاعنين واعتصامهم بالفرار مِنْهُ ٤١ - الْغَرِيب الحصان الْفَحْل من الْخَيل والجزيل الْكثير الْمَعْنى يُشِير إِلَى لحاق سيف الدولة بالروم وإيقاعه بهم فصيرهم موردا لصدر حصانه ونهبه لحد سَيْفه فَتى بأسه شَدِيد بَالغ كَمَا أَن إعطاءه كثير فبأسه يماثل جوده وإقدامه يشاكل فَضله ٤٢ - الْغَرِيب العلات الْعَوَائِق والدارعون جمع دارع وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدرْع مثل لِأَبْنِ وتامر الْمَعْنى يَقُول جواد على الْعَوَائِق المعترضة بضروب مَاله كُله لَا يستأثر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا وَلَا يدخره وَلَا يمسِكهُ وَلكنه ضنين بفرسانه بخيل شَدِيد الْبُخْل بِأَصْحَابِهِ وَقَالَ الواحدي إِن جعلنَا الدارعين من الْأَعْدَاء كَانَ الْمَعْنى أَنه يقتلهُمْ وَلَا يجود بهم عَلَيْهِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وبخله بالدارعين أَنه يقتلهُمْ بِنَفسِهِ أَو يسلبهم أَو يحميهم اصطناعا ٤٣ - الْغَرِيب الفل المنهزم والحزن مَا غلظ من الأَرْض وَهُوَ ضد السهل وَالْبيض جمع بَيْضَة وَهُوَ مَا ستر الرَّأْس من حَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَنه ودع قتلاهم عِنْد تَركهم وَتبع مهزميهم عِنْد هَرَبهمْ بِضَرْب شَدِيد وجلاد وَكيد يكسر الْبيض فِي رُءُوس الفرسان فَيجْعَل مَا علا مِنْهَا وارتفع كَالَّذي انخفض فَلَا تَدْفَعهُ الْبيض عَن الرُّءُوس فَكَأَن الْحزن مِنْهَا سهل لذَلِك الضَّرْب وطابق بَين التوديع والتشييع والحزن والسهل

стр. 843

- الْغَرِيب قسطنطين هُوَ ابْن الدمستق مقدم الرّوم والكبول جمع كبل وَهُوَ الْقَيْد الضخم كبلت الْأَسير وكبلته إِذا قيدته فَهُوَ مكبول ومكبل الْمَعْنى يَقُول على قلب ابْن الدمستق من ذَلِك الضَّرْب تعجب شاغل وروع غَالب وَإِن كَانَ مَشْغُولًا بالقيد وَذَلِكَ لَا يمنعهُ من التَّعَجُّب مِمَّا يرى من شجاعة سيف الدولة وَقَالَ الْخَطِيب لما أسر سيف الدولة قسطنطين أكْرمه وَأقَام عِنْده بحلب مُدَّة فَمَاتَ فَاغْتَمَّ لذَلِك سيف الدولة فَلَمَّا بلغ مَوته أَبَاهُ دخلت الرّوم الجيوش الَّتِي فِيهَا الْمُسلمُونَ وَقتلُوا جمَاعَة فَكَانَ سيف الدولة يعيب عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم ظنُّوا أَنه سقَاهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظنُّوا ٤٥ - الْغَرِيب الدمستق هُوَ أَمِير الرّوم الْمَعْنى أَنه يهدده يَقُول لَعَلَّك يَوْمًا تعود إِلَى مواقعة سيف الدولة فيحيق بك الْهَلَاك الَّذِي استدفعته بفرارك فَرب هارب منا يَئُول إِلَيْهِ ويتخلص مِمَّا يُورِدهُ الْحِين فِيهِ الْمَعْنى قد يهرب الْإِنْسَان مِمَّا يعود إِلَيْهِ قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مِمَّا نقل من قَول ابْن الرُّومِي (وَإذَا خَشِيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّراً ... وَهَرَبْتَ مِنْهُ فَنَحْوَهُ تتوَجَّهُ) ٤٦ - الْغَرِيب المهجة الجريحة الدمستق والسائلة ابْنه الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ضرب فِي وَجهه فِي هَذِه الْوَقْعَة فَمضى هَارِبا واسر ابْنه فَجعل مهجته مجروحة وَإِن كَانَت الْجراحَة لَا تكون إِلَّا فِي الْبدن لِأَنَّهَا تسرى إِلَى الرّوح وَقَوله تسيل قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي أَن ابْنه يذوب فِي الْقَيْد هما وغما وَقَالَ الواحدي لَيْسَ قَول أبي الْفَتْح بِشَيْء وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يقتل فيسيل دَمه وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب الدمستق فَيَقُول أَنْت وابنك كالشيء الْوَاحِد ومهجتاكما كالمهجة المفردة وَإِن كنت نجوت بمهجتك بعد الْجرْح الَّذِي نالك وخزى الْفِرَار الَّذِي لحقك فقد تركت مهجتك الثَّانِيَة فِي قبض الْأسر سَائِلَة ولحقيقة الْهَلَاك مُبَاشرَة فَمَا أدْرك ابْنك فقد أدركك وَمَا لحقه فقد لحقك ٤٧ - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ وهاربا حَال من الْمُخَاطب الْغَرِيب الخطية منسوبة إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول للدمستق أتسلم ابْنك للرماح هَارِبا عَنهُ وتتركه فِي قَبْضَة الْأسر متبرئا مِنْهُ ويسكن إِلَيْك بعد هَذَا خَلِيل تألفه وتسر بعيش تستأنفه

стр. 844

- الْغَرِيب المرشة الطعنة الَّتِي يرش مِنْهَا الدَّم إرشاشا والرنة الصَّوْت بالبكاء والعويل الْبكاء الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَاجز عَن نَفسك فَكيف لَك بنصر ابْنك وبوجهك من الْجِرَاحَات الَّتِي لحقتك والآلام الموجعة الَّتِي لازمتك مَا أنساك فَقده وَسَهل عَلَيْك أمره ونصيرك المداومة للرنين والملازمة للعويل ٤٩ - الْمَعْنى يَقُول أغركم احتفال جيوشكم وَكَثْرَة عددكم والجيوش لسيف الدولة كالغذاء الَّذِي يتقوت بِهِ ويتحكم فِي اسْتِعْمَاله فَهُوَ يشرب الجيوش ويأكلها ويتلفها ويهلكها وَالْأكل وَالشرب ذكرهمَا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَهُوَ ينظر فِيهِ إِلَى قَول أبي نواس (فإنْ يَكُ بَاقِي إفْكِ فِرْعَوْنَ فيكُم ... فإنَّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيبِ) ٥٠ - الْغَرِيب غذاه صَار لَهُ غذَاء وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيْث والفيل مَعْرُوف وَهُوَ عَظِيم الْخلقَة الْمَعْنى هَذَا مثل ضربه للروم يَقُول إِن كُنْتُم أَكثر عددا فَإِن الظفر لَهُ دونكم فَلَا ينفعكم كثرتكم كالفيل مَعَ اللَّيْث فَإِن الْفِيل لَا يَنْفَعهُ عظمه إِذا صَار فريسة للأسد ٥١ - الْمَعْنى إِذا لم تدخلك الشجَاعَة فِي الطعْن لم يدْخلك فِيهِ العذل يَعْنِي أَن التحريك لَا يُحَرك الجبان وَالْمعْنَى إِذا لم تدخلك فِيهِ شجاعة هِيَ الطعْن وَبهَا يكون الْبَطْش وَالْفِعْل لم يدْخلك فِيهِ عاذل يعذلك على الْجُبْن ويستقسرك على قَبِيح الْفِعْل لِأَن الْخلق غَالب والطباع للْإنْسَان لَازِمَة ٥٢ - الْغَرِيب الصولة حَملَة الباطش وصال عَلَيْهِ إِذا استطال وصال عَلَيْهِ وثب صولا وصولة يُقَال رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة وَكَذَلِكَ الصيال والصيالة والفحلان يتصاولان أَي يتواثبان الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الْأَيَّام أَبْصرت وقائع سيف الدولة وبطشه فقد علمهَا من ذَلِك مَا لم تعلمه وكشف لَهَا مَا لم تعرفه ونهج لَهَا سَبِيل الصول وَالْقُدْرَة ونبهها على حقائق الْغَلَبَة مَعَ أَن هَذِه الْأَحْوَال إِلَى الْأَيَّام تنْسب وآثارها فِيهَا تمثل

стр. 845

- الْمَعْنى يَقُول فدتك مُلُوك تروم مشابهتك وَلم تسم سيوفا مواضي فتماثلك فِي اسْمك وتعادلك فِي قدرك فَإنَّك السَّيْف اسْما وَحَقِيقَة وتلقبا وَحدك ماضي الشفرتين صقيل الصفحتين ٥٤ - الْغَرِيب البوق هُوَ الَّذِي ينْفخ فِيهِ وَأنْشد الْأَصْمَعِي (زَمْرَ النَّصَارَى زَمَرَتْ فِي البُوقِ ... ) الْبَاطِل وَمِنْه قَول حسان بن ثَابت (يَا قاتَلَ اللهُ قَوْما كانَ شأْنُهُمُ ... قَتْلَ الإمامِ الأمينِ المُسْلمِ الفُطنِ) (مَا قَتَلُوهُ عَلى ذَنْبٍ أَلَّمَّ بِهِ ... إلَاّ الَّذي نطَقُوا بُوقا وَلَمْ يَكُنِ) والطبل الَّذِي يضْرب بِهِ والطبل الْخلق وَمَا أدرى أَي الطبل هُوَ أَي أَي النَّاس هُوَ قَالَ لبيد (سَتَعْلَمُونَ مَنْ خِيارُ الطَّبْلِ ... ) وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عَابَ عَلَيْهِ من لَا مخبرة لَهُ بِكَلَام الْعَرَب جمع بوق وَالْقِيَاس يعضده إِذْ لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة مثل حمام وحمامات وسرادق وسرادقات وَجَوَاب وجوابات وَهُوَ كثير فِي جمع مَالا يعقل من الْمُذكر إِذْ لَا يُوجد لَهُ مِثَال الْقلَّة الْمَعْنى انك إِذا كنت سيف الدولة فغيرك من الْمُلُوك بِالْإِضَافَة إِلَيْك بِمَنْزِلَة البوق والطبل لَا يقومُونَ مقامك وعني بِبَعْض النَّاس سيف الدولة وَهُوَ الظَّاهِر من معنى الْبَيْت وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي أَرَادَ بالبوق والطبل الشُّعَرَاء الَّذِي يَشْعُرُونَ ذكره ويذكرون فِي أشعارهم غَزَوَاته فينتشر بهم ذكره فِي النَّاس كالبوق والطبل اللَّذين هما لإعلام النَّاس بِمَا يحدث ٥٥ - الْغَرِيب كَلَام مقول وَكلمَة مقولة الْمَعْنى يَقُول أَنا السَّابِق إِلَى مَا أبدعه فِي القَوْل الْهَادِي إِلَى مَا أغرب بِهِ من الشّعْر لَا أهتدي إِلَى ذَلِك بِمن سبقني بعمره وفاتني بتقدم عصره إِذْ كَانَ غَيْرِي من الْقَائِلين لَا يخرج عَمَّا قيل قبله وَلَا يُورد إِلَّا مَا قد قَالَه قبله غَيره وَالْمعْنَى أَنه لَا يخترع الْمعَانِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا
следующие страницы →