Полный текст (1 424 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي خلاه لسيف الدولة وموضعه نصب بخلا الْمَعْنى يُرِيد من شدَّة مَا لاقوا فِي هَذِه الْغَزْوَة فِي كل نفس من نفوس الْجَيْش ملالة مَا خلا سيف الدولة فَإِنَّهُ لَا يفتر وَلَا يمل وَلَا يكسل وَكَذَلِكَ كل سيف فِي ذَلِك الْجَيْش قد فَلهُ الضَّرْب وأوهنه الجلاد وَهُوَ السَّيْف الَّذِي لَا ينبو عَن ضريبته وَلَا يضيق عَن جمل عَظمته
٣٧ - الْغَرِيب سميساط بلد من بِلَاد الرّوم والمطامير جمع مطمورة وَهِي حُفْرَة غائرة فِي الأَرْض والملا الفلاة والهجول جمع هجل وَهُوَ المطمئن من الأَرْض قَالَ أَبُو زبيد
(نَحِنُّ للظِّمْءِ مِمَّا قَدْ أَلَمَّ بِهَا ... بالهَجْلِ مِنْها كأصْوَاتِ الزَّنابِيرِ)
الْمَعْنى يُرِيد لما ورد الْخَبَر عَلَيْهِ بِخُرُوج الرّوم إِلَى بِلَاد الْمُسلمين فأتبعهم وأوقع بهم فَيَقُول وَدون سميساط الَّتِي حل فِيهَا جَيش سيف الدولة مَا اعْتَرَضَهُمْ من المطامير الَّتِي سلكوا بَينهَا والفلاة الَّتِي قطعُوا بعْدهَا وَمَا سلكوا بعد ذَلِك من الأودية المجهولة والهجول الْمُتَّصِلَة
٣٨ - الْغَرِيب مرعش حصن من حصون الرّوم ولبسن الدجى سرن فِي الظلام وَهُوَ من قَول ذِي الرمة
(فَلَمَّا لَبِسْنَ اللَّيْلَ ... الْبَيْت)
الْمَعْنى يُرِيد أَن سيف الدولة لما نزل بحصن الران ورد عَلَيْهِ الْخَبَر أَن الرّوم خَرجُوا إِلَى بِلَاد الْمُسلمين يقتلُون ويفسدون فَرجع إِلَيْهِم مسرعا فَقتل مِنْهُم خلقا كثيرا واسر قسطنطين بن دمستق وجرح إِيَّاه فِي وَجهه فَهَذَا معنى قَوْله وللروم خطب جليل بِمَا فعلوا فِي الْبِلَاد فَذكر أَن الْخَيل لبست الدجى فِي سَيرهَا إِلَى الْعَدو تسرع وتخب نحوهم وتوضع حَتَّى أَتَت أَرض مرعش وخطب الرّوم جليل فِي الْبِلَاد مستشنع ومخوف متوقع وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن الأَرْض الرّوم خطبا جَلِيلًا لِأَن الْوُصُول إِلَيْهَا صَعب لتعذر الطَّرِيق إِلَيْهَا ولشدة شَوْكَة أَهلهَا وَقد داسها سيف الدولة بحوافر خيله وذلل أَهلهَا
٣٩ - الْغَرِيب الفضول الزَّوَائِد الَّتِي لَا حَاجَة إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ جمع فضل وَقد أبدلته الْعَامَّة فَجَعَلته عبارَة عَن الدُّخُول فِيمَا لَا يَعْنِي الْإِنْسَان وَإِنَّمَا هُوَ تَشْبِيه لَهُ بِغَيْرِهِ وَنقل لَهُ عَن مَوْضِعه وَمِنْه قَول الرَّاعِي
стр. 842
(مِنْ نِعْمَةِ الرَّحَمنِ لامِن حِسلَتِس حليتي ... أّني أُعُدُّ لَهُ عَلَّى فُضُولاً)
الْمَعْنى يَقُول إِن الرّوم لما رَأَوْا سيف الدولة يقدم جَيْشه ويقود جمعه دروا أَن الْعَالمين بعده فضول زَائِدَة ونوافل سَاقِطَة وَأَنه يَسْتَغْنِي بِنَفسِهِ وَلَا يفْتَقر إِلَى جَيْشه
٤٠ - الْغَرِيب الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ وَهُوَ خطّ هجر تنْسب إِلَيْهِ الرماح الخطية والكليل الَّذِي لَا يقطع الْمَعْنى علمُوا أَن الرماح لَا تصل إِلَيْهِ وَأَن السيوف تكل عَنهُ إِمَّا لِأَنَّهَا تنْدَفع دونه لعزته ومنعته وَإِمَّا لِأَن هيبته تمنع الضَّارِب والطاعن وَهَذَا إِشَارَة إِلَى إحجام الضاربين والطاعنين واعتصامهم بالفرار مِنْهُ
٤١ - الْغَرِيب الحصان الْفَحْل من الْخَيل والجزيل الْكثير الْمَعْنى يُشِير إِلَى لحاق سيف الدولة بالروم وإيقاعه بهم فصيرهم موردا لصدر حصانه ونهبه لحد سَيْفه فَتى بأسه شَدِيد بَالغ كَمَا أَن إعطاءه كثير فبأسه يماثل جوده وإقدامه يشاكل فَضله
٤٢ - الْغَرِيب العلات الْعَوَائِق والدارعون جمع دارع وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الدرْع مثل لِأَبْنِ وتامر الْمَعْنى يَقُول جواد على الْعَوَائِق المعترضة بضروب مَاله كُله لَا يستأثر بِشَيْء من ذَلِك وَلَا وَلَا يدخره وَلَا يمسِكهُ وَلكنه ضنين بفرسانه بخيل شَدِيد الْبُخْل بِأَصْحَابِهِ وَقَالَ الواحدي إِن جعلنَا الدارعين من الْأَعْدَاء كَانَ الْمَعْنى أَنه يقتلهُمْ وَلَا يجود بهم عَلَيْهِم وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وبخله بالدارعين أَنه يقتلهُمْ بِنَفسِهِ أَو يسلبهم أَو يحميهم اصطناعا
٤٣ - الْغَرِيب الفل المنهزم والحزن مَا غلظ من الأَرْض وَهُوَ ضد السهل وَالْبيض جمع بَيْضَة وَهُوَ مَا ستر الرَّأْس من حَدِيد الْمَعْنى يُرِيد أَنه ودع قتلاهم عِنْد تَركهم وَتبع مهزميهم عِنْد هَرَبهمْ بِضَرْب شَدِيد وجلاد وَكيد يكسر الْبيض فِي رُءُوس الفرسان فَيجْعَل مَا علا مِنْهَا وارتفع كَالَّذي انخفض فَلَا تَدْفَعهُ الْبيض عَن الرُّءُوس فَكَأَن الْحزن مِنْهَا سهل لذَلِك الضَّرْب وطابق بَين التوديع والتشييع والحزن والسهل
стр. 843
- الْغَرِيب قسطنطين هُوَ ابْن الدمستق مقدم الرّوم والكبول جمع كبل وَهُوَ الْقَيْد الضخم كبلت الْأَسير وكبلته إِذا قيدته فَهُوَ مكبول ومكبل الْمَعْنى يَقُول على قلب ابْن الدمستق من ذَلِك الضَّرْب تعجب شاغل وروع غَالب وَإِن كَانَ مَشْغُولًا بالقيد وَذَلِكَ لَا يمنعهُ من التَّعَجُّب مِمَّا يرى من شجاعة سيف الدولة وَقَالَ الْخَطِيب لما أسر سيف الدولة قسطنطين أكْرمه وَأقَام عِنْده بحلب مُدَّة فَمَاتَ فَاغْتَمَّ لذَلِك سيف الدولة فَلَمَّا بلغ مَوته أَبَاهُ دخلت الرّوم الجيوش الَّتِي فِيهَا الْمُسلمُونَ وَقتلُوا جمَاعَة فَكَانَ سيف الدولة يعيب عَلَيْهِم ذَلِك لأَنهم ظنُّوا أَنه سقَاهُ وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا ظنُّوا
٤٥ - الْغَرِيب الدمستق هُوَ أَمِير الرّوم الْمَعْنى أَنه يهدده يَقُول لَعَلَّك يَوْمًا تعود إِلَى مواقعة سيف الدولة فيحيق بك الْهَلَاك الَّذِي استدفعته بفرارك فَرب هارب منا يَئُول إِلَيْهِ ويتخلص مِمَّا يُورِدهُ الْحِين فِيهِ الْمَعْنى قد يهرب الْإِنْسَان مِمَّا يعود إِلَيْهِ قَالَ ابْن وَكِيع وَهَذَا مِمَّا نقل من قَول ابْن الرُّومِي
(وَإذَا خَشِيتَ مِنَ الأُمُورِ مُقَدَّراً ... وَهَرَبْتَ مِنْهُ فَنَحْوَهُ تتوَجَّهُ)
٤٦ - الْغَرِيب المهجة الجريحة الدمستق والسائلة ابْنه الْمَعْنى يُرِيد أَن الدمستق ضرب فِي وَجهه فِي هَذِه الْوَقْعَة فَمضى هَارِبا واسر ابْنه فَجعل مهجته مجروحة وَإِن كَانَت الْجراحَة لَا تكون إِلَّا فِي الْبدن لِأَنَّهَا تسرى إِلَى الرّوح وَقَوله تسيل قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي أَن ابْنه يذوب فِي الْقَيْد هما وغما وَقَالَ الواحدي لَيْسَ قَول أبي الْفَتْح بِشَيْء وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يقتل فيسيل دَمه وَالْمعْنَى أَنه يُخَاطب الدمستق فَيَقُول أَنْت وابنك كالشيء الْوَاحِد ومهجتاكما كالمهجة المفردة وَإِن كنت نجوت بمهجتك بعد الْجرْح الَّذِي نالك وخزى الْفِرَار الَّذِي لحقك فقد تركت مهجتك الثَّانِيَة فِي قبض الْأسر سَائِلَة ولحقيقة الْهَلَاك مُبَاشرَة فَمَا أدْرك ابْنك فقد أدركك وَمَا لحقه فقد لحقك
٤٧ - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وتوبيخ وهاربا حَال من الْمُخَاطب الْغَرِيب الخطية منسوبة إِلَى الْخط مَوضِع بِالْيَمَامَةِ الْمَعْنى يَقُول للدمستق أتسلم ابْنك للرماح هَارِبا عَنهُ وتتركه فِي قَبْضَة الْأسر متبرئا مِنْهُ ويسكن إِلَيْك بعد هَذَا خَلِيل تألفه وتسر بعيش تستأنفه
стр. 844
- الْغَرِيب المرشة الطعنة الَّتِي يرش مِنْهَا الدَّم إرشاشا والرنة الصَّوْت بالبكاء والعويل الْبكاء الْمَعْنى يَقُول أَنْت عَاجز عَن نَفسك فَكيف لَك بنصر ابْنك وبوجهك من الْجِرَاحَات الَّتِي لحقتك والآلام الموجعة الَّتِي لازمتك مَا أنساك فَقده وَسَهل عَلَيْك أمره ونصيرك المداومة للرنين والملازمة للعويل
٤٩ - الْمَعْنى يَقُول أغركم احتفال جيوشكم وَكَثْرَة عددكم والجيوش لسيف الدولة كالغذاء الَّذِي يتقوت بِهِ ويتحكم فِي اسْتِعْمَاله فَهُوَ يشرب الجيوش ويأكلها ويتلفها ويهلكها وَالْأكل وَالشرب ذكرهمَا على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَهُوَ ينظر فِيهِ إِلَى قَول أبي نواس
(فإنْ يَكُ بَاقِي إفْكِ فِرْعَوْنَ فيكُم ... فإنَّ عَصَا مُوسَى بِكَفّ خَصِيبِ)
٥٠ - الْغَرِيب غذاه صَار لَهُ غذَاء وَالضَّمِير رَاجع إِلَى اللَّيْث والفيل مَعْرُوف وَهُوَ عَظِيم الْخلقَة الْمَعْنى هَذَا مثل ضربه للروم يَقُول إِن كُنْتُم أَكثر عددا فَإِن الظفر لَهُ دونكم فَلَا ينفعكم كثرتكم كالفيل مَعَ اللَّيْث فَإِن الْفِيل لَا يَنْفَعهُ عظمه إِذا صَار فريسة للأسد
٥١ - الْمَعْنى إِذا لم تدخلك الشجَاعَة فِي الطعْن لم يدْخلك فِيهِ العذل يَعْنِي أَن التحريك لَا يُحَرك الجبان وَالْمعْنَى إِذا لم تدخلك فِيهِ شجاعة هِيَ الطعْن وَبهَا يكون الْبَطْش وَالْفِعْل لم يدْخلك فِيهِ عاذل يعذلك على الْجُبْن ويستقسرك على قَبِيح الْفِعْل لِأَن الْخلق غَالب والطباع للْإنْسَان لَازِمَة
٥٢ - الْغَرِيب الصولة حَملَة الباطش وصال عَلَيْهِ إِذا استطال وصال عَلَيْهِ وثب صولا وصولة يُقَال رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة وَكَذَلِكَ الصيال والصيالة والفحلان يتصاولان أَي يتواثبان الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الْأَيَّام أَبْصرت وقائع سيف الدولة وبطشه فقد علمهَا من ذَلِك مَا لم تعلمه وكشف لَهَا مَا لم تعرفه ونهج لَهَا سَبِيل الصول وَالْقُدْرَة ونبهها على حقائق الْغَلَبَة مَعَ أَن هَذِه الْأَحْوَال إِلَى الْأَيَّام تنْسب وآثارها فِيهَا تمثل
стр. 845
- الْمَعْنى يَقُول فدتك مُلُوك تروم مشابهتك وَلم تسم سيوفا مواضي فتماثلك فِي اسْمك وتعادلك فِي قدرك فَإنَّك السَّيْف اسْما وَحَقِيقَة وتلقبا وَحدك ماضي الشفرتين صقيل الصفحتين
٥٤ - الْغَرِيب البوق هُوَ الَّذِي ينْفخ فِيهِ وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(زَمْرَ النَّصَارَى زَمَرَتْ فِي البُوقِ ... )
الْبَاطِل وَمِنْه قَول حسان بن ثَابت
(يَا قاتَلَ اللهُ قَوْما كانَ شأْنُهُمُ ... قَتْلَ الإمامِ الأمينِ المُسْلمِ الفُطنِ)
(مَا قَتَلُوهُ عَلى ذَنْبٍ أَلَّمَّ بِهِ ... إلَاّ الَّذي نطَقُوا بُوقا وَلَمْ يَكُنِ)
والطبل الَّذِي يضْرب بِهِ والطبل الْخلق وَمَا أدرى أَي الطبل هُوَ أَي أَي النَّاس هُوَ قَالَ لبيد
(سَتَعْلَمُونَ مَنْ خِيارُ الطَّبْلِ ... )
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح عَابَ عَلَيْهِ من لَا مخبرة لَهُ بِكَلَام الْعَرَب جمع بوق وَالْقِيَاس يعضده إِذْ لَهُ نَظَائِر كَثِيرَة مثل حمام وحمامات وسرادق وسرادقات وَجَوَاب وجوابات وَهُوَ كثير فِي جمع مَالا يعقل من الْمُذكر إِذْ لَا يُوجد لَهُ مِثَال الْقلَّة الْمَعْنى انك إِذا كنت سيف الدولة فغيرك من الْمُلُوك بِالْإِضَافَة إِلَيْك بِمَنْزِلَة البوق والطبل لَا يقومُونَ مقامك وعني بِبَعْض النَّاس سيف الدولة وَهُوَ الظَّاهِر من معنى الْبَيْت وَقَالَ أَبُو الْفضل الْعَرُوضِي أَرَادَ بالبوق والطبل الشُّعَرَاء الَّذِي يَشْعُرُونَ ذكره ويذكرون فِي أشعارهم غَزَوَاته فينتشر بهم ذكره فِي النَّاس كالبوق والطبل اللَّذين هما لإعلام النَّاس بِمَا يحدث
٥٥ - الْغَرِيب كَلَام مقول وَكلمَة مقولة الْمَعْنى يَقُول أَنا السَّابِق إِلَى مَا أبدعه فِي القَوْل الْهَادِي إِلَى مَا أغرب بِهِ من الشّعْر لَا أهتدي إِلَى ذَلِك بِمن سبقني بعمره وفاتني بتقدم عصره إِذْ كَانَ غَيْرِي من الْقَائِلين لَا يخرج عَمَّا قيل قبله وَلَا يُورد إِلَّا مَا قد قَالَه قبله غَيره وَالْمعْنَى أَنه لَا يخترع الْمعَانِي الَّتِي لم يسْبق إِلَيْهَا
стр. 846
- الْمَعْنى يَقُول وَمَا لكَلَام حاسدي من النَّاس فِيمَا أستريبه مِنْهُم ويتصل بِي عَنْهُم أصُول ثابته فِي الصدْق كَمَا أَن مَا لِلْقَائِلين بذلك أصُول ثَابِتَة فِي الْفضل فسقوطهم فِي أَقْوَالهم كسقوطهم فِي أَحْوَالهم وَهَذِه الْعبارَة وَإِن زَادَت على لَفظه فَهِيَ مفهومة من حَقِيقَة قَصده
٥٧ - الْمَعْنى يَقُول أعادي على فضلي وَعلمِي وتقدمي فِي الشّعْر وَذَلِكَ مِمَّا يُوجب الْحبّ لَا الْعَدَاوَة واسكن أَنا والأفكار تجول فِي وَلَا تسكن
٥٨ - الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الْمثل غير مَا يصطنعه الْحَاسِد فداوه بلطفك وَعلمه بِحِلْمِك وَأما وجع الحاسدين فَلَا طمع فِيهِ وَلَا سَبِيل للعلاج عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِذا حل فِي الْقلب المتخلق بِهِ ثَابت لَا يحول ودائم لَا يَزُول
٥٩ - الْمَعْنى يَقُول لَا تطمعن فِي صدق مَوَدَّة وخلوص محبَّة مِمَّن أتقن حسده وَإِن أظهرت ذَلِك والتزمته وأبديته واعتقدته وبذلت لَهُ مَعَ ذَلِك النّيل والمشاركة والحسد دَاء لَا يبرأ مِنْهُ وَخلق لَا ينْفَصل صَاحبه عَنهُ
٦٠ - الْمَعْنى يَقُول مخبرا عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ من الصَّبْر وَقلة الْجزع لحوادث الدَّهْر وَأَنا لنلقى الْحَوَادِث بأنفس صابرة وعزائم ثَابِتَة تستقل الرزايا الْكَثِيرَة وتحتقر الخطوب الجليلة
٦١ - الْمَعْنى يَقُول يهون أَن تصاب جسومنا فِي الْحَرْب وَأَن تتعرض للجراح وَالْقَتْل إِذا كَانَت أعراضنا وافرة وعقولنا سَالِمَة وَهَذَا من قَوْله الَّذِي لَا يُشَارك فِيهِ وَأَصله لحبيب
(لَا يأْسَفُونَ إذَا هُمُ سَمِنَتْ لَهُمْ ... أحْسابُهُمْ أنْ تَهْزُلَ الأعْمارُ)
٦٢ - الْإِعْرَاب نصب تيها وفخرا على الْمصدر وتغلب من رَفعه رَفعه على النداء الْمُفْرد وَجعل ابْنة وَائِل مَنْصُوبًا بالنداء الْمُضَاف وَمن نَصبه جعله مُضَافا إِلَى وَائِل وَابْنَة بَدَلا مِنْهُ وأنث تغلب لِأَنَّهَا قَبيلَة وهم رَهْط سيف الدولة وَبكر
стр. 847
وتغلب ابْنا وَائِل بن قاسط وَمن ولدهما الْجُمْهُور الْأَعْظَم من ربيعَة بن نزار الْمَعْنى يَقُول لتغلب افخري وتيهي على سَائِر الْعَرَب لِأَنَّك قَبيلَة سيف الدولة فَهُوَ قبيل خير الفاخرين وَأكْرم من تدفعين بِهِ الأكرمين
٦٣ - الْغَرِيب تغله تهلكه والغول المهلك والغول الْمنية الْمَعْنى يَقُول هُوَ يغتم إِذا مَاتَ عدوه حتف أَنفه وَلم يقْتله بِسَيْفِهِ وَرمحه مَعَ مَاله فِي ذَلِك من الْكِفَايَة وبلوغ الرَّغْبَة وَسُقُوط المئونة إِذا لم تغله أسنته وتحط بِهِ مقدرته وتهلكه وقائعه لِأَنَّهُ على يَقِين من الظفر بِهِ فَإِذا فَاتَهُ بِالْمَوْتِ سَاءَهُ ذَلِك وَظن أَنه شَيْء سبق إِلَيْهِ وَمنع من بُلُوغ المُرَاد فِيهِ
٤٦ - الْغَرِيب الْغلُول مَا أَخذ من الْمَغَانِم قبل الْقِسْمَة وَقَالَ أَبُو عبيد الْغلُول فِي الْمغنم خَاصَّة وَلَا نرَاهُ من الْخِيَانَة وَلَا من الحقد وَمِمَّا يبين ذَلِك أَنه يُقَال من الْخِيَانَة أغل يغل وَمن الحقد غل يغل بِالْكَسْرِ وَمن الْغلُول غل يغل بِالضَّمِّ وَقد جَاءَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لنَبِيّ أَن يغل﴾ فِي قِرَاءَة ابْن كثير وَأبي عَمْرو وَعَاصِم قَالَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَعْنى يخون فَهَذَا رد على قَول أبي عبيد وَفِي قِرَاءَة البَاقِينَ يغل بِفَتْح الْغَيْن مَبْنِيا للْمَفْعُول بِمَعْنى يخان وَبِمَعْنى يخون أَي ينْسب إِلَى الْغلُول الْمَعْنى يَقُول هُوَ شريك المنايا فَإِذا مَاتَ من أعدائه أحد حتف أَنفه فَإِن المنايا غَلَّته وَالْمعْنَى أَنه بِكَثْرَة مَا يحدثه من الْقَتْل ويتلفه من النُّفُوس فِي الحروب يُشَارك المنايا والنفوس لَهُ كالغنائم المختارة والأنهاب المتملكة فَكل ممات لَا يُشْرك المنايا فِيهِ يكون كالغلول الْمَأْخُوذَة على غير وَجههَا والأمور الْمَقْصُودَة على غير سَبيله يُشِير إِلَى كَثْرَة وقائعه واتصال ملاحمه
٦٥ - الْغَرِيب الدولات الظفر وَهِي أَيْضا من دولة السُّلْطَان وَهِي بِمَعْنى الْمصدر والدولة فِي الْحَرْب أَن تدال إِحْدَى الفئتين على الْأُخْرَى والجميع الدول والدولة بِالضَّمِّ فِي المَال وبالفتح فِي الْحَرْب وأدالنا الله من عدونا من الدولة والإدالة الْغَلَبَة يُقَال اللَّهُمَّ أدلني على فلَان وَانْصُرْنِي عَلَيْهِ ودالت الْأَيَّام أَي دارت الْمَعْنى يَقُول إِن تكن الدولات أقساما تسْتَحقّ وحظوظا تستوجب فَإِن أَحَق من دَانَتْ لَهُ دولته فملكت وأسعدنه فَانْفَرد بهَا من ورد الْمَوْت الزؤام وَهُوَ العاجل غير متهيب وأقدم عَلَيْهِ غير متوقع
٦٦ - الْغَرِيب الْبيض السيوف والكماة الشجعان والصليل امتداد الصَّوْت الْمَعْنى يَقُول الدولة تدول لمن وَطن نَفسه على الْقَتْل وَلم يمل إِلَى الدُّنْيَا بالنكوص عَن الْحَرْب وصبر على الْمَكْرُوه وَهُوَ يسمع صليل الْحَدِيد فِي رُءُوس الشجعان والأبطال تنجالد وكئوس الْمَوْت تتنازع وَأَحْكَام السيوف من الفرسان نَافِذَة وَأَصْوَاتهَا فِي رُءُوس الشجعان عالية
стр. 848
- ١ الْمَعْنى يَقُول لسيف الدولة إِن كنت تسْأَل عَن خير الْأَنَام فَخَيرهمْ أشهرهم بالفضائل وأقعدهم بالمكارم وَخير الْأَنَام أَكْثَرهم فضلا وَهَذِه الْقطعَة من الرجز والقافية من المتدارك
٢ - الْإِعْرَاب جعل وَائِل اسْما للقبيلة فَلم يصرفهُ كَقَوْل ذِي الإصبع
(وَممَّنْ وَلَدُوا عَامِرُ ... ذُو الطَّوْلِ وَذُو العَرْضِ)
جعله اسْما لقبيلة عَامر فَلم يصرفهُ ثمَّ قَالَ ذُو فَرجع إِلَى الْحَيّ وأوائل أَصله أواول فهمزت الْوَاو لوقوعها بعد ألف زَائِدَة وَكَذَا مَذْهَب النَّحْوِيين فِيمَا كَانَ كَذَلِك وَلَو سميت رجلا عودا أَو سُودًا لَقلت فِي الْجمع عوايد وسوايد وَإِن جمعت سيدا جمع التكسير همزت مَا بعد الْألف على رَأْي أهل الْبَصْرَة إِلَّا على رَأْي ابْن مسْعدَة فَإِنَّهُ لَا يرى الْهَمْز إِلَّا فِي أول بَابه الْغَرِيب وَائِل بن قاسط أَبُو بكر وتغلب رَهْط سيف الدولة الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لسيف الدولة من كنت مِنْهُم يَعْنِي من الْقَبِيلَة الْمَعْرُوفَة بوائل لَهُم الْفضل والرفعة وَفِيهِمْ الْعدَد والمنعة والطاعنين أَوَائِل فِي الْحَرْب والسابقين إِلَى الطعْن وَالضَّرْب وَمن روى هَذِه الرِّوَايَة جعل أَوَائِل حَالا وَمن روى بالتعريف جعله نعتا للطاعنين وَيجوز أَن يكون مفعول الطاعنين يَعْنِي الطاعنين الفرسان الْأَوَائِل الْمُتَقَدِّمين فِي الْحَرْب وهم الْأَبْطَال والسادات والمقدمون
٣ - الْغَرِيب الألفات فِي العواذلا والقبائلا والأوائلا على الرِّوَايَة الثَّانِيَة للإطلاق كَمَا قَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر وَأَبُو بكر عَن عَاصِم بِإِثْبَات الألفات وَقفا ووصلا فِي قَوْله الظنونا والرسولا والسبيلا فِي سُورَة الْأَحْزَاب وَقَرَأَ بحذفهن فِي الْوَقْف والوصل أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَقَرَأَ بحذفهن فِي الْوَصْل خَاصَّة ابْن كثير وَحَفْص وَالْكسَائِيّ الْمَعْنى يَقُول أَنْت من الْقَوْم الَّذين يعد لون من عذلهم على الْكَرم ويتفضلون بأوفر وَقد فضلوا الْقَبَائِل بِفَضْلِك وانفردوا بالمكارم بِمَا كسبتهم من مجدك
стр. 849
- ١ الْإِعْرَاب فِي الْكَلَام تَقْدِيم وَتَأْخِير يُرِيد هَذِه الرسائل دروع وَاللَّام مُتَعَلقَة بِمَحْذُوف الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح يشاغل لَفْظَة غَرِيبَة إِلَّا أَن الْعَامَّة ابتذلها فَلَو تجنبها كَانَ أَجود وَقَوله ملك قيل هُوَ مخفف من ملك يُقَال ملك ومليك وَملك وَالْجمع مُلُوك وأملاك وَالِاسْم الْملك والموضع مملكة والرسائل جمع رِسَالَة الْمَعْنى يُخَاطب سيف الدولة يَقُول رسائل ملك الرّوم دروع تَمنعهُ وحصون تكتنفه لِأَنَّهُ يرد بهَا جيوشك عَن أرضه ويشغل بهَا عزأئمك عَن نَفسه ثمَّ فَسرهَا بعد بقوله
٢ - الْغَرِيب الزرد مَعْرُوف والضافي الكثيف السابغ والفضائل جمع فَضِيلَة الْمَعْنى يَقُول هِيَ عَلَيْهِ كالزرد الَّذِي يَشْمَلهُ وَالسِّلَاح الَّذِي يعصمه وَلَكِن أَلْفَاظ تِلْكَ الرسائل فَضَائِل لَك وثناء مخلد عَلَيْك لِأَنَّهَا خضوع منع يرْتَفع بِهِ قدرك واستسلام إِلَيْك يجل مَعَه أَمرك وَالْمعْنَى أَنه يخْطب مِنْك الصُّلْح لخوفه ورهبته لَك
٣ - الْغَرِيب القساطل جمع قسطلي وَهُوَ الْغُبَار الَّذِي يثيره الْخَيل بحوافرها الْمَعْنى يَقُول كَيفَ اهْتَدَى إِلَيْك هَذَا الرَّسُول وَأَنِّي لَهُ بالهداية فِي أرضه والتحق لطريق يسلكه فِي قَصده وَمَا سكنت فِي تِلْكَ الْبِلَاد عجاجات خيلك وَلَا فترت فِيهَا قساطل جيشك
стр. 850
- الْغَرِيب الْجِيَاد جمع جواد وَقد بَيناهُ فِيمَا تقدم والمناهل جمع منهل وَهِي الْمِيَاه الَّتِي يكون فِيهَا النهل وَهُوَ أول الشّرْب والمنازل الَّتِي تكون فِي المفاوز وفيهَا المَاء تسمى مناهل اسْتِعَارَة يُشِير إِلَى قرب عَهده بغزو الرّوم وَسَفك دِمَائِهِمْ فَقَالَ وعَلى أَي مياه فِي بِلَادهمْ كَانَ ينزل وَمن أَيهَا كَانَ يسْقِي وَيشْرب وَهِي بِمَا سفكت من الدِّمَاء ممتزجة وَبِمَا عممتها من ذَلِك جيفة متغيرة
٥ - الْغَرِيب الذعر الْفَزع وتنقد تتقطع والمفاصل جمع مفصل وَهُوَ الْعُضْو الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يكَاد يتبرأ بعضه من بعض لإقدامه على الْوُصُول إِلَيْك هَيْبَة لَك وتتقطع مفاصله بالارتعاد خوفًا مِنْك وَكَذَا نَقله الواحدي وَالْمعْنَى أَتَاك هَذَا الرَّسُول متخاضعا لهيبتك متضائلا لجلالة قدرك قد صَبر رَأسه بَين مَنْكِبَيْه كَفعل المتخوف للْقَتْل حَتَّى كَأَن عُنُقه لتماثله وُقُوع السَّيْف عَلَيْهِ يكَاد يجْحَد رَأسه ويكاد يغشيه خَوفه وتكاد مفاصله يقطعهَا ذعره هَيْبَة لَك وفرقا مِنْك
٦ - الْإِعْرَاب من روى تَقْوِيم بِالنّصب جعله مصدرا وَيكون الضَّمِير فِي يقوم للرسول وَمن رَفعه جعله فَاعِلا الْغَرِيب السماطان الصفان والأفاكل جمع أفكل وَهِي الرعدة الَّتِي تعرض عِنْد الْفَزع الْمَعْنى يَقُول إِذا عوجت الرعدة مشيته وَلم تَسْتَقِر نَفسه بِهِ قومته لصفوف الماثلة وَالْجَمَاعَات الْقَائِمَة
٧ - الْغَرِيب سمك يُرِيد السَّيْف والخل الْخَلِيل وَيُقَال للسيف خَلِيل وخل الْمَعْنى أَنه كَانَ ينظر بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ إِلَيْك وبالأخرى إِلَى السَّيْف وَالْمعْنَى قاسمك نظره سميك الَّذِي تأنس بِقُرْبِهِ وتألفه فَمَا يزايلك وتصحبه فَمَا يفارقك فَأَرَادَ أَن رَسُول الرّوم ملكه من هَيْبَة سيف الدولة مَا ملكه من هَيْبَة سَيْفه واستعظم من أمره كَالَّذي استعظم من أَمر سَيْفه فأجال لَحْظَة متهيبا للحالين مُتَعَجِّبا من الْأَمريْنِ ثمَّ ذكر صفة الْمُقَاسَمَة
стр. 851
الْغَرِيب الهائل المفزع الْمَعْنى أَنه ابصر مِنْك بِعُمُوم جودك الرزق المحيي فأطمعه وَأبْصر مِنْك لِكَثْرَة فتكك بِهِ الْمَوْت الهائل فلاحظك بَين الْيَأْس والطمع وَقسم عَيْنَيْهِ بَين التَّأَمُّل والطمع
٩ - الْغَرِيب المتضائل المنقبض المخفي شخصه فرقا والكمي الشجاع المكمي شخصه فِي الْحَدِيد الْمَعْنى أَنه قبل الترب قبل تقبيله كم سيف الدولة وخضع فِيهِ قبل خضوعه لَهُ والكماة من أبطال رجالك وقُوف متضائلون والروساء من خدامك مثول متهيبون
١٠ - الْغَرِيب الْهمام الْملك الرفيع الهمة الْمَعْنى يَقُول أسعد مشتاق بنيل مَا أمله أظفر طَالب ببلوغ مَا حاوله ملك رفيع الهمة وصل إِلَى تَقْبِيل كمك وَرَئِيس جليل الرُّتْبَة خضع فتشرف بقربك
١١ - الْغَرِيب المذاكى من الْخَيل الَّتِي كملت أسنانها الْوَاحِدَة مذك والذوابل من الرماح الْيَابِسَة العوالي الْمَعْنى يَقُول كمك مَكَان تمناه الشفاه وتتنافس فِيهِ الأفواه وَدون الْوُصُول إِلَيْهِ والتشرف بالانكباب عَلَيْهِ خُيُول جيشك الْعَالِيَة ورماحك الذابلة فَهُوَ مُتَعَذر الْوُصُول إِلَيْهِ لِكَثْرَة مَا دونه من الْخَيل والرماح
١٢ - الْمَعْنى يَقُول مَا أوصله إِلَى مَا بذلت لَهُ من سلمك وشرفته بِهِ من تَقْبِيل كمك كرامته عَلَيْك ومنزلته الرفيعة عنْدك وَلكنه سَأَلَك وَأَنت لَا تخيب سَائِلك وأملك وَأَنت لَا تضيع آملك
١٣ - الْإِعْرَاب نصب أكبر بِفعل مُضْمر تَفْسِيره مَا بعده وَقَالَ قوم هُوَ فِي مَوضِع جر بإضمار رب وَبعثت بِهِ حكى أَبُو عَليّ الْفَارِسِي
стр. 852
بعثت بِهِ لُغَة وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يُقَال بعثت بِهِ إِنَّمَا يُقَال بعثته قَالَ الله تَعَالَى ﴿ثمَّ بعثناهم﴾ و ﴿يَوْم يَبْعَثهُم الله جَمِيعًا﴾ وَقَالَ الْخَطِيب يكون أكبر مُبْتَدأ وَمَا بعده خَبرا عَنهُ الْغَرِيب الجحافل جمع جحفل وَهُوَ الْجمع الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول وأكبر من هَذَا الرَّسُول همة وَأَرْفَع مِنْهُ منزلَة ورتبة بعثت بِهِ إِلَيْك طوائف الرّوم الَّذين يطْلبُونَ سلمك ويتوقعون سطوتك وحربك واستنظرته أَي انتظرته جيوشك للقدوم بجوابك واستعلام حَقِيقَة رَأْيك وَقَالَ الواحدي أعداؤك الرّوم استعظمت همة هَذَا الرَّسُول الَّذِي بعثت بِهِ إِلَيْك يَعْنِي أَنه كَانَ عَظِيم الهمة حَيْثُ حَملته همته على أَن يَأْتِيك وعساكرهم طلبُوا مِنْهُ أَن ينظرها ويمهلها ويؤخرها
١٤ - الْمَعْنى يَقُول أقبل إِلَيْك من أَصْحَابه وَهُوَ رَسُول لَهُم مُعظم لَهُم وَعَاد إِلَيْهِم يزري بهم لما تبين لَهُ من جلالك وعظيم شَأْنك وتيقنه من ضعف الْمُرْسلين لَك عَن مقاومتهم لَك وَمَا لَهُم من الْحَظ فِي الخضوع لَك حِين رأى جنودك وَكَثْرَة عددك
١٥ - الْغَرِيب طبع السَّيْف صناعته على هَيئته الْمَعْنى يَقُول تحير فِي سيف من سيوف الله ربيعَة هَذِه الْقَبِيلَة أَصله وَالله صانعه وحافظه وَرَافِع قدره وَالْمجد يظْهر حسنه ثمَّ أكد مَا قدمه من تفضيله على السَّيْف
١٦ - الْمَعْنى يَقُول المقلة لَا تحصل لَونه لِأَنَّهَا لَا تستوفيه بِالنّظرِ هَيْبَة لَهُ وَلَا تجس الأنامل حَده كَمَا تجس حد السَّيْف لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ سَيْفا فِي الْحَقِيقَة وَقَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول الأول
(إذَا أبْصَرَتْنِي أعْرَضَتْ عَنّي ... كأنَّ الشَّمْسَ مِنْ قِبَلِي تَدُورُ)
١٧ - الْمَعْنى يَقُول إِذا عَايَنت الرُّسُل جلالتك وشاهدت مهابتك تصاغرت عِنْدهَا أَنْفسهَا وهانت عَلَيْهَا رسائلها واستقلت الْمُلُوك الْمُرْسلين لَهَا وَعلمت أَن السَّعَادَة فِي التَّسْلِيم لأمرك وَحَقِيقَة التَّوْفِيق فِي التَّمَسُّك بحبلك وَهُوَ من قَول البحتري
(لَحَظْوكَ أوَّلَ لَحْظَة فاسْتَصْغَرُوا ... مَنْ كانَ يُعْظَمُ عندَهمْ وَيُبَجَّلُ)
стр. 853
- الْغَرِيب الطوائل الأحقاد وَاحِدهَا طائلة وَبينهمْ طائلة أَي عَدَاوَة وترة الْمَعْنى يَقُول رجا الرّوم من سيف الدولة فِي إجَابَته إِلَى الصُّلْح الَّذِي رغبوه مِمَّن يُرْجَى بمسئلته نوافل الْخَيْر وترتهن بِطَاعَتِهِ ضروب الْفضل وَلَا يَرْجُو من عَصَاهُ أَن يدال عَلَيْهِ فَيَأْخذهُ بعداوته ويظفر بادراك ترته لِأَن سعادته تمنع مِنْهُ وإقباله ييئس الْأَعْدَاء مِنْهُ وَالْمعْنَى أَنهم رجوا عَفْو من كل الفواضل عِنْده وَلَا يُرْجَى أَنه يدْرك لَدَيْهِ ثأر وَالْمعْنَى يَقُول إِن كَانَ خوف الْقَتْل سَاق الرّوم متخيرين لما رغبوه من السّلم فقد فعلوا بِأَنْفسِهِم بِمَا أظهروه من الذلة وأبدوه من الخضوع والاستكانة مَا هُوَ كَالْقَتْلِ فِي شدته وَلَا يفعل الْقَتْل أَكثر مِنْهُ فِي حَقِيقَته ثمَّ فسر ذَلِك بقوله الْبَيْت بعده
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول أبدوا من مخافتك مَا يزِيد على الْقَتْل وجاءوك طائعين حَتَّى لَا تحْتَاج فِي أسرهم إِلَى السلَاسِل وَفِي الْمثل الحذر أَشد من الوقيعة
٢١ - الْغَرِيب الجداول جمع جدول وَهُوَ النَّهر الصَّغِير الْمَعْنى يَقُول أرى كل ملك مصيره إِلَى الخضوع لَك وَغَايَة أمله أَن يعتلق بك فَلَا ملك إِلَّا هُوَ وَاقع تَحت ملكك وَلَا رَئِيس إِلَّا وَهُوَ متصرف على حسب أَمرك كَأَنَّك فِي مصير الْمُلُوك وتزاحمها لديك الْبَحْر الَّذِي إِلَيْهِ تئول الجداول الْجَارِيَة وَفِيه مُسْتَقر الْأَنْهَار السائلة
٢٢ - الْغَرِيب السحائب جمع سَحَابَة والطل الْمَطَر الضَّعِيف والوابل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يَقُول أَنْت والمتشبهون بك من الْمُلُوك إِذا ساجلوك فِي جودك وتشبهوا بك فِي فعلك فأمطروا وأمطرت وفعلوا وَفعلت فطل عطائك يسْتَغْرق وابلهم وَالْمعْنَى كثيرهم قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَيْك
٢٣ - الْإِعْرَاب رفع كريم على حذف الْمُبْتَدَأ يُرِيد أَنْت كريم الْغَرِيب لقحت الْحَرْب اشتدت واللاقح من النوق الَّتِي بَدَأَ الْجمل بهَا
стр. 854
الْمَعْنى يُرِيد أَنه جواد كريم مَا يسئل شَيْئا إِلَّا أعطَاهُ فَيَقُول أَنْت كريم لَا يبخل على من استوهبه وَلَا يمْنَع من سَأَلَهُ فَلَو سُئِلَ فِي أحْوج مَا يكون إِلَيْهِ شَيْئا لوهبه
٢٤ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَا تعط النَّاس شعري فينسخوا مَعَانِيه وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ ستر مدائحه وأجود الشّعْر مَا كَانَ فِي النَّاس وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء يُرِيد لَا تعط النَّاس شعري فتجعلهم فِي طبقتي فَتَقول أَنْت مثل فلَان وَالْمعْنَى لَا تحوجني إِلَى مدح غَيْرك
٢٥ - الْإِعْرَاب هَذَا اسْتِفْهَام تعجب وإنكار الْغَرِيب الضبن مَا تَحت الْإِبِط إِلَى الخاصرة وَهُوَ الحضن الْمَعْنى يُرِيد أَنه فِي كل يَوْم يمرس فِي شويعر ضَعِيف فِي صناعته قصير فِي مَعْرفَته يباريني فِي الْقُوَّة وَهُوَ لَا قُوَّة لَهُ ضَعِيف ويطاولني وَهُوَ قصير لَا بسطة لَهُ وَهَذَا إِشَارَة إِلَى استحقاره ذَلِك الشويعر حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يحملهُ تَحت حضنه لقدر ثمَّ إِنَّه مَعَ قصوره يضاهيه
٢٦ - الْغَرِيب الْهزْل ضد الْجد وهزل يهزل قَالَ الْكُمَيْت
(أرَانا عَلى حُبّ الْحَياةِ وَطُولِهَا ... تَجدُّ بِنا فِي كُلّ يَوْمِ وَنْهزِلُ)
الْمَعْنى يَقُول يعدل عَنهُ لساني فَلَا يكلمهُ وَلَا أهاجيه لِأَنِّي لَا أرَاهُ أَهلا لذَلِك وقلبي يضْحك مِنْهُ ولساني سَاكِت عَنهُ وَالْمعْنَى إِذا نطقت فلساني معرض عَنهُ عَادل عَن مخاطبته وقلبي ضَاحِك مِنْهُ هازل بجهالته وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الَّذين كَانُوا ينازعونه الشّعْر عِنْد سيف الدولة
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول على سَبِيل الْمثل أتعب من ناداك يُرِيد أتعب حاسديك بندائه لَك من كنت مرتفعا عَن مجاوبته وأشدهم تعذبا بك من كنت متنزها عَن مخاطبته وأغيظ أعدائك عَلَيْك من لَا يشاكلك وَأكْرمهمْ إِلَيْك من كنت لَا تماثله وَهَذَا من قَول الْحَكِيم لَيْسَ التنائي بمباعدة الْأَجْسَام
٢٨ - الْغَرِيب الطِّبّ الْعَادة والديدن وَمِنْه بَيت الْكتاب
(فَمَا إنْ طِبُّنا جُبْنٌ وَلَكنْ ... مَنايانا وَدَوْلَةُ آخَرِينا)
стр. 855
وَالْمعْنَى يَقُول لَيْسَ الْكبر عادتي غير أنني أبْغض الْجَاهِل الَّذِي يتَكَلَّف وَيرى أَنه عَاقل وَالْمعْنَى بغضي إيَّاهُم يَمْنعنِي كَلَامهم لَا التكبر فَمَا أعرض عَنْهُم مداويا بالتيه لحسدهم وَلَا مُعَارضا بِالْكبرِ لسفههم وَلَكِنِّي أبْغض تعاقلهم مَعَ جهلهم وَمَا يتعاطون من التَّمام مَعَ نقصهم وَمن كَانَت هَذِه حَاله فَأَنا أبغضه وَمن كَانَ على هَذِه السَّبِيل فَأَنا أكرهه وَهَذَا من كَلَام الْحَكِيم حَيْثُ قَالَ إِن الْحَكِيم تريه الْحِكْمَة أَن فَوق علمه علما فَهُوَ يتواضع لتِلْك الزِّيَادَة وَالْجَاهِل يظنّ أَنه قد تناهى فَيسْقط بجهله وتمقته النُّفُوس وَهَذَا من قَول الطرماح
(لَقَدْ زَادَنِي حُبّاً لِنَفْسِيَ أنَّنِي ... بَغيضٌ إِلَى كلّ أمْرِئٍ غَيرِ طائِلِ)
(إِذا مَا رآنِي قَطَّعَ الطَّرْفَ بَيْنَهُ ... وَبَيْنِي كفِعْلِ العارِفِ المُتَجاهلِ)
٢٩ - الْمَعْنى يَقُول أكبر مَا أترفع بِهِ مَا أضمره من الثِّقَة بك وأنفس مَال أدخره مَا أعتقده من التأميل لَك وَإِنَّمَا أتيه بجميل آرائك وأستغني بجزيل عطائك
٣٠ - الْغَرِيب القرم السَّيِّد وَأَصله الْبَعِير المكرم الَّذِي لَا يحمل عَلَيْهِ وَلَا يذلل وَلَكِن يكون للفحلة وَقد اقترمته فَهُوَ مقرم الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ لسيف الدولة انتباها يتَأَمَّل بِهِ مغالطة هَؤُلَاءِ الْمُقَصِّرِينَ فِي أشعارهم فيحى بذلك التَّأَمُّل مَا أهْدى إِلَيْهِ وَيهْلك مَعَه مَا يتزينون بِهِ من الْإِفْك وَالْبَاطِل
٣١ - الْغَرِيب الغوازي من الْغَزْو جمع غَازِيَة والقواتل من الْقَتْل جمع قاتلة والقوافي جمع قافية وَمرَاده بهَا هَاهُنَا الأبيات الَّتِي فِيهَا القوافي وَالْبَيْت قافية وَالْقَصِيدَة قافية الْمَعْنى يَقُول لما مدحته بنشر فضائله فَكَأَنِّي رميت بِتِلْكَ القوافي الَّتِي ذكرت فِيهَا فضائله أعداءه فقتلتهم غيظا وحسدا وَجعلهَا قواتل غوازي لما قتلت أعداءه بالغيظ والحسد وَجعلهَا سالمات لِأَنَّهَا تصيب وَلَا تصاب وَالْمعْنَى أَنه يَقُول رميت عداهُ بِمَا قيدته من مدحه وَمَا خلدته من مكارمه وفضله فهن الغوازي السالمات فِي غزوهن القاتلات للأعداء لِأَنَّهُنَّ يسرعن بالنصر دون تكلّف ويقتلن من اعتمدنه بِغَيْر تكلّف وتخوف
стр. 856
- الْغَرِيب الثواكل جمع ثاكل وَهِي الَّتِي فقدت وَلَدهَا الْمَعْنى يُرِيد أَن النُّجُوم وَإِن قيل إِنَّهَا خالدة يَعْنِي بَاقِيَة لَو حاربته لقتلها وأفناها وَالْمعْنَى زَعَمُوا أَن النُّجُوم خوالد إِلَى أَن تفنى بجملتها وتنتقص باقتراب السَّاعَة مِنْهَا وَلَو حاربته لانقلبت أحوالها بسعده وأزالها بإقبال جده وَأَشَارَ بِنوح الثواكل إِلَى ذَلِك
٣٣ - الْإِعْرَاب نصب وألطفها عطفا على أدناها لِأَنَّهُ فِي مَوضِع نصب خبر كَانَ وَقيل مَا هُنَا للتعجب الْمَعْنى يَقُول مَا كَانَ أدناها لَهُ لَو قَصدهَا وألطفها لَو حاول تنَاولهَا وَالْمعْنَى أَن سعده يقرب لَهُ مَالا يقرب مثله ويبلغه مَا لم يبلغهُ أحد قبله وَهَذَا من إفراط الشُّعَرَاء الَّذين يستجيزون فِيهِ الْكَذِب بِمَا يحاولونه من بُلُوغ غايات الْمَدْح ويرومونه من اسْتِيفَاء أرفع منَازِل الْوَصْف وَقَالَ الواحدي فِي جَمِيع النّسخ وألطفها برد الْكِنَايَة إِلَى النُّجُوم وَلَا معنى لذَلِك وَالصَّحِيح أَن ترد الْكِنَايَة إِلَى الممدوح فَتَقول وألطفه أَي وَمَا ألطفه لَو تنَاول النُّجُوم بِمَعْنى مَا أحذقه وأرفقه بذلك التَّنَاوُل من قَوْلهم فلَان لطيف بِهَذَا الْأَمر أَي رَفِيق بِهِ يَعْنِي أَنه يُحسنهُ وَهُوَ لَيْسَ فِيهِ بأخرق
٣٤ - الْإِعْرَاب القنابل الْجَمَاعَات من الْخَيل وَاحِدهَا قنبلة وَهِي خَمْسُونَ من الْخَيل وَقَالَ الْجَوْهَرِي مَا بَين الثَّلَاثِينَ إِلَى الْأَرْبَعين وَكَذَلِكَ القنبلة من النَّاس الْمَعْنى يُرِيد أَنه قريب عَلَيْهِ كل بعيد على غَيره وَالْمعْنَى إِذا قاد جَيْشه وَنفذ نَحْو الْعَدو خيله ولثمته كتائبه بِمَا تثيره من العجاج وَمَا يتبعهُ من الرهج فَكل مَا يبعد على غَيره قريب عَلَيْهِ مرامه وَغير بعيد مِنْهُ تنَاوله
٣٥ - الْإِعْرَاب من رفع وقتا جعله اسْم لَيْسَ وشاغل نعتا لَهُ وَالْخَبَر فِي الْجَار وَالْمَجْرُور وَعَن الْجُود مُتَعَلق باسم الْفَاعِل وَمن نَصبه جعله ظرفا وَجعل شاغلا اسْم لَيْسَ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يدبر الْمَشَارِق والمغارب والدواني والقواصي وَلَيْسَ يشْغلهُ مَعَ ذَلِك فِي وَقت من الدَّهْر شاغل عَن جوده وَلَا يعوقه عائق عَمَّا يبذله من فَضله وَالْمعْنَى لَا يغْفل عَن الْجُود وَإِن عظم شغله كَقَوْل البحتري
стр. 857
(تَبِيتُ عَلى شُغْلٍ وَلَيْسَ بضَائِرٍ ... لِمَجْدِكَ يَوْما أنْ تَبِيتَ عَلى شُغْلِ)
وَقَالَ الواحدي تهوس ابْن فورجة فِي هَذَا الْبَيْت فروى وقتا بِالرَّفْع قَالَ وَفِيه معنى لطيف لَيْسَ يُؤَدِّيه اللَّفْظ إِذا نصب وَالْوَقْت وَذَلِكَ أَنه يُرِيد لهَذِهِ الْكَفّ الشرق والغرب وَمَا يحويانه وَلَيْسَ لَهَا وَقت يشغلها عَن الْمجد وكف لَا تملأ الشرق والغرب كَانَ بِأَن تملأ مَا هُوَ أَحْقَر مِنْهُمَا أولى قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالَه بَاطِل محَال لَا يَقُوله إِلَّا غمر جَاهِل وَالْوَجْه النصب لِأَنَّهُ ظرف لشاغل
٣٦ - الْغَرِيب الغوائل جمع غائلة وَهِي الداهية الْمهْلكَة الْإِعْرَاب حَربًا حَال أَي مُحَاربًا وَفُلَان حَرْب لفُلَان أَي كَانَ معاديا لَهُ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه يساعده جده وَمَا مكنه الله من أمره وَيتبع من هرب عَنهُ من الرِّجَال مَا يُريدهُ سيف الدولة بِهِ ويعترضه مَا يَعْتَقِدهُ لَهُ فَمن فر عَنهُ فِي حريَّة أَدْرَكته فِي مأمنه غوائل حتفه وَالْمعْنَى الَّذين يهربون مِنْهُ تتبعهم همته فيهلكون بِسَبَب من الْأَسْبَاب
٣٧ - الْمَعْنى يُرِيد لعُمُوم نائله فِي الأَرْض فَأَيْنَ فر الْحَاسِد فِي عطائه استقبله حَيْثُ كَانَ من الْبِلَاد وَالْمعْنَى من فر من إحسانه وَأظْهر مشاركته واعتقد مجانبته تَلقاهُ من سيف الدولة حَيْثُمَا سَار عَطاء يَشْمَلهُ وإنعام يعمه إِشَارَة إِلَى أَن جوده يَشْمَل الْحَاسِد والولى ويعم المحسن وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(وَإذا سَرَحْتَ الطَّرْفَ حَوْلَ قِبابِهِ ... لِمْ تَلْقَ إلَاّ نِعْمَةً وَحَسُودَا)
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول لَا يرى جليل إحسانه وكامل إفضاله وَإِن بلغ فِيهِ أبعد غاياته كَامِلا حَتَّى يكون شَامِلًا فِي ذَاته عَاما فِي حَقِيقَته وَالْمعْنَى حَتَّى يَشْمَل النَّاس جمعيا
٣٩ - الْغَرِيب العرباء الْقَدِيمَة الْمَحْض الَّتِي لم يشبها هجين وهب الْخَالِصَة الْعرُوبَة ورازت جربت واختبرت والحلاحل السَّيِّد الشجاع الرئيس وَالْجمع الحلاحل بِالْفَتْح
стр. 858
الْمَعْنى يَقُول إِذا الْعَرَب العرباء الصرحاء والجلة مِنْهُم الكرماء جربوا أنفسهم وتحققوا أَمرهم علمُوا أَنَّك سيدهم جودا ونجدة وملكهم إقداما ورفعة
٤٠ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي أَطَاعَتك وَفِي أرواحها وَفِي تصرفت رَاجع إِلَى الْعَرَب العرباء الْغَرِيب الْقَبَائِل جمع قَبيلَة وَهِي كالبطن والعمارة وَالْعشيرَة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَي فِي بذل أَرْوَاحهم أَي هم لَك مطيعون وَلَو أَمرتهم ببذل الْأَرْوَاح وَمعنى الْتفت عَلَيْك الْقَبَائِل أحاطت بك من حَيْثُ النّسَب وَهُوَ كَقَوْلِه
(يَهُزُّ الجَيْشَ حَوْلَكَ جانِبَيْهِ ... كمَا نَفَضَتْ جَناحَيْها العُقابُ)
قَالَ وَيجوز لإحداق أنسابها بنسبك فَأَنت وسيط فيهم وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَنهم انضموا إِلَيْك وَأَحَاطُوا بك طَاعَة لَك وَالْمعْنَى أَنهم أطاعوك فِي بذل أَرْوَاحهم وتصرفوا على أَمرك فِي إيرادهم وإصدارهم وَاجْتمعت قبائلهم على نصرتك ودانوا أَجْمَعِينَ بالخضوع لطاعتك
٤١ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي لَهُ عَائِد إِلَى القنا الْغَرِيب النكت الوخز والأنابيب جمع أنبوب وَهِي الْعقْدَة النَّاشِزَة فِي القنا والعوامل جمع عَامل وَهُوَ صدر الرمْح وَهُوَ مَا يَلِي السنان وَهُوَ دون الثَّعْلَب وَقيل سمي بذلك لِأَنَّهُ يعْمل بِهِ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح قَرَأت عَلَيْهِ ينكت بِالْيَاءِ فَقَالَ بِالتَّاءِ أَي تنكت الأنابيب فَلذَلِك أنثت وَالْمعْنَى أَصْحَابك وَإِن كَانُوا أعوانا لَك فَأَنت تولى الْحَرْب بِنَفْسِك وَتقدم إِلَيْهَا كتقدم السنان وَقَالَ الواحدي هَذَا مثل يُرِيد أَن الطعْن إِنَّمَا يَتَأَتَّى بِالرُّمْحِ كُله وَإِذا لم يعاون بعض الرمْح بَعْضًا لم يحصل الطعْن وَلَكِن العوامل هِيَ الَّتِي تصيب الْإِنْسَان لِأَن السنان فِيهَا فَكَذَلِك الْقَبَائِل كلهم مدد لَك وَالْعَمَل مِنْك فَأَنت فيهم كالعامل من الرمْح وَهَذَا من قوم بشار
(خُلِقُوا سادَةً فَكانُوا سَوَاءً ... كَكُعوبِ القَناةِ تَحْتَ السِّنانِ)
قَالَ وكما قَالَ البحتري
(كالرمْحِ فِيهِ بِضْعَ عَشْرَةَ فَقْرَة ... مُنْقادةً تَحْتَ السِّنانِ الأصْيَدِ)
وَالْمعْنَى أَنه يخاطبه وَيَقُول لَهُ مؤكدا لما ذكره من التحاق الْعَرَب بِهِ وانقيادها لأَمره
стр. 859
كل أنابيب الرمْح مِمَّا تمده وتعينه وتؤيده وَلَكِن الْعَامِل مِنْهَا بِهِ يكون الطعْن وصرع الفرسان فَجعل مَوْضِعه من الْعَرَب وَإِن كَانُوا مدَدا لَهُ مَوضِع الْعَامِل من الرمْح الَّذِي بِهِ يكون الطعْن وَإِلَيْهِ ينْسب الْفِعْل من دون سَائِر الأنابيب
٤٢ - الْغَرِيب الشَّمَائِل جمع شمال وَهِي الطباع والأخلاق وَفُلَان حسن الشَّمَائِل وَذَلِكَ أَنه يشْتَمل على مَا يحمد عَلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يَجْعَل الْأَخْلَاق مُشْتَمِلَة عَلَيْهِ وَالنَّاس يستعملون الشَّمَائِل فِي حسن الْخلق وَالْقدر الْمَعْنى إِن لم تطعك النَّاس خوفًا من طعنك أطاعوك حبا لشمائلك يُرِيد أَن كرمك وَحسن أخلاقك أدعى إِلَى طَاعَتك من الطعان والقتال وَقَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم تطعك النَّاس رهبة أطاعوك محبَّة وَالْمعْنَى يُرِيد لَو لم يقتض الطعْن فِي الْحَرْب انقياد أعدائك لَك وخضوعهم لأمرك وحاولوا مدافعتك بأبلغ جهدهمْ وراموا ذَلِك بِظَاهِر فعلهم لاقتضت انقيادهم لَك شمائلك ولقصرت على ذَلِك طبائعهم لِأَن جبلتهم توجب خضوعهم لطاعتك وأنفسهم تلزمهم الِاعْتِرَاف لرياستك
٤٣ - الْغَرِيب المناصل جمع منصل وَهُوَ السَّيْف يُرِيد من لم تعلمه نَفسه الذل لَك وترشده سعادته إِلَّا الاعتلاق بك عَلمته ذَلِك سيوفك وأجبرته عَلَيْهِ جيوشك وكتائبك فَمن لم يطعك بالاعتراف وَالرَّغْبَة أطاعك بالاقتدار وَالْغَلَبَة
стр. 860
- ١ الْمَعْنى يَقُول إِن يكن صَبر من طرقه الدَّهْر بمصيبة وعرضته الْأَيَّام لرزية فضلا فِيهِ وتماما مِنْهُ فَكُن فِي ذَلِك افضل الأفضلين وأعزهم وَأكْرم الأكرمين وأجلهم لزِيَادَة فضلك على فَضلهمْ فَلْيَكُن صبرك زَائِدا على صبرهم
٢ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح فَوق الأولى نِدَاء مُضَاف إِلَى أَن تعزى وَالثَّانيَِة ظرف وَقَالَ الْخَطِيب يحْتَمل وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يكون حذف المنادى وَمثله كثير فِي الشّعْر وَغَيره أَي أَنْت يَا سيف الدولة وَالثَّانِي أَن يكون فَوق نعتا لَهُ وَقد أخرجه من بَاب الظروف إِلَى الْأَسْمَاء وَهُوَ أحسن فعلى الْوَجْه الأول فَوق الأولى وَالثَّانيَِة ظرفان وعَلى الْوَجْه الثَّانِي الأولى اسْم وَالثَّانيَِة ظرف وَنصب عقلا على التَّمْيِيز الْمَعْنى يَقُول أَنْت يَا أَيهَا الْجَلِيل مُرْتَفع عَن أَن تعزى بِمن فقدت من الأحباب وأصبت من الألاف فَوق الَّذِي يعزيك عقلا وَمَعْرِفَة ورأيا وتجربة فَكيف يحضك على الصَّبْر من لَا يماثلك فِي درايتك ويندبك إِلَى التجلد من لَا يصل إِلَى معرفتك وإحاطتك فَأَنت غَنِي بمعرفتك بأحوال الدَّهْر عَن التَّعْزِيَة
٣ - الْإِعْرَاب نصب قبل على الظّرْف وَجعله نكرَة كَمَا تَقول جَاءَ أَولا إِذا لم تعرفه وَتقول جئْتُك قبلا وبعدا مثل جئْتُك أَولا وأخرا وقرى فِي الشواذ لله الْأَمر من قبل وَمن بعد بِالتَّنْوِينِ والخفض وكقول الآخر
(فَساغَ لي الشَّرابُ وكُنْتُ قَبْلاً ... أكادُ أَغَصُّ بالمَاء القَرَاح)
وَقد جَاءَت بعد مَضْمُومَة منونة وَهُوَ شَاذ كَقَوْل العداء
(ونحنُ قَتَلْنا الأًسْدَ خَفيًّةٍ ... فَمَا شَرِبَتْ بَعْدٌ على لَذَّةٍ حَمْراً)
الْمَعْنى يَقُول المعزى لَك إِنَّمَا يَهْتَدِي بألفاظك ويخاطبك بِمَا تعلمه من قَوْلك
стр. 861
فقدرك مُرْتَفع عَن التَّعْزِيَة فَإِن حقائق الْأُمُور مستفادة مِنْك وجواهر الْكَلَام مأثورة عَنْك إِنَّمَا يقابلك بِمَا أَنْت أعلم بِهِ ويذكرك بِمَا أَنْت أحفظ لَهُ فَهُوَ كمن جلب إِلَى هجر القطيعاء وَإِلَى الْفُرَات المَاء وَإِلَى الْبَدْر الضياء
٤ - الْغَرِيب الْحزن ضد السهل وَهُوَ مَا خشن من الأَرْض وارتفع والخطوب طوارق الْأَيَّام وَفِي الْبَيْت طباقان المر والحلو والحزن والسهل الْمَعْنى يَقُول قد خبرت طوارق الدَّهْر بمعرفتك وَعرفت حلوها ومرها بتجربتك وسرت فِي الْأَيَّام مَالِكًا صعبها تسلك مِنْهَا مَا صَعب وَسَهل وتعاني مَا بعد وَقرب ناهضا بِنَفْسِك مكتفيا بعلمك
٥ - الْغَرِيب قتل الشَّيْء علما بُلُوغ غَايَة مَعْرفَته الْمَعْنى يُرِيد أَنْت عرفت الزَّمَان وأحواله وصروفه معرفَة تَامَّة فَلَا يَأْتِي بِشَيْء لم تعرفه وَلَا يفعل جَدِيدا لم تره فقد قتلته علما بأَمْره وإحاطة بِوُجُوه تصرفه فَمَا يسمعك قولا تستغربه وَلَا يجد ذَلِك فعلا تهيبه وَلَا يطرقك إِلَّا بِمَا قد عَرفته وأحطت بأمثاله وجربته وأجرى هَذَا كُله على سَبِيل الِاسْتِعَارَة وَمن بديع الْكَلَام
٦ - الْغَرِيب الذعر الْفَزع وَالْخَوْف الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة إِذا حزنت على هَالك إِنَّمَا تحزن حفاظا مِنْك لمودة وصحبة ووفاء عهد وَالْوَفَاء والحفاظ مِمَّا يَدْعُو إِلَيْهِ الْعقل وَغَيْرك يحزن خوفًا من ألم الْفِرَاق وجهلا من غير مَعْرفَته بِالسَّبَبِ الْمُوجب الْحزن قَالَ وَأما تَفْسِير الْعقل والذعر فَلم يصب فِيهِ وَالْوَجْه أَن يُقَال المُرَاد بِالْعقلِ الِاعْتِبَار بِمن مضى فَإِن الْعَاقِل إِنَّمَا يحزن بِالْمَيتِ اعْتِبَارا بِهِ وعلما أَنه عَن قريب يتبعهُ وحزن غير الْعَاقِل إِنَّمَا يكون خوفًا من الْمَوْت وَهُوَ جهل لِأَنَّهُ ميت لَا محَالة وَإِن حزن انْتهى كَلَامه وَالْمعْنَى إِنَّمَا تحزن على من تصاب بِهِ من أحبتك حفظا لذمتهم ورعاية لحرمتهم وإنصافا وعقلا ووفاء وكرما وَأرَاهُ فِي غَيْرك خوفًا وجزعا وجهلا الْغَرِيب الإلف السّكُون إِلَى الشئ وَالْغِبْطَة بِهِ ألفت الشَّيْء إلفا وألفة ويجره وروى ابْن جنى بِالتَّاءِ وَقَالَ تسحبه
стр. 862
وَقَالَ الْخَطِيب بِالْيَاءِ أَي يسحب إِلَيْك الْحزن الْمَعْنى يَقُول لَك إلْف يجر إِلَيْك الْحزن وَالْوَفَاء من كرم الأَصْل وَإِن الْكَرِيم أُلُوف وَإِذا كَانَ ألوفا حزن على فِرَاق من يألفه وَالْمعْنَى لَك إلْف لكرم صحبتك يجر الْحزن إِلَيْك مِمَّن تفقده من أحبتك وَيُوجب الإشفاق مِنْك على مواصلك وَكَذَلِكَ الأَصْل إِذا كَانَ كَرِيمًا كأصلك مُتَمَكنًا فِي مثل نِصَاب شرفك كَانَ أصلا لكريم المواصلة والمؤالفة وباعثا على مشكور العاملة فمنزلتك من الشّرف تضمن الْفضل عَنْك ومحلك من الْكَرم يُوجب حسن المؤالفة وَالرِّوَايَة الجيدة بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاة تحتهَا
٨ - الْإِعْرَاب قَوْله وَلَكِن هُوَ على سَبِيل الأستثناء كَمَا تَقول زيد شرِيف غير أَنه سخى فَهُوَ مَعْرُوف فِي كَلَام الْعَرَب الْمَعْنى لَك وَفَاء نشأت فِيهِ فَلَا تعرف غير الْوَفَاء للأحباب وَالْمعْنَى ويجر عَلَيْك الْحزن بالمفقودة وَفَاء ورثته من آبَائِك وعشيرتك كَانَت فِيهِ نشأتك وَنبت عَلَيْهِ فِي سالف مدتك وَلم يزل أهلك أهل الْوَفَاء وَالْكَرم وأرباب الفواضل وَالنعَم فَأَنت من الْإِنْصَاف على وراثة سالفة وَمن الْوَفَاء وَالْكَرم على أولية متقادمة
٩ - الْإِعْرَاب نصب عينا على التَّمْيِيز كَقَوْلِك إِن احسن النَّاس وَجها لزيد وروى الْجَمَاعَة غير أبي الْفَتْح عونا وَهِي أحسن من رِوَايَة أبي الْفَتْح وبرواية أبي الْفَتْح قَرَأت على شَيْخي أبي الْحرم بالموصل وبالروايتين قَرَأت على شَيْخي أبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم الْغَرِيب الرِّعَايَة حسن الْمُحَافظَة والاستهلال الانسكاب الْمَعْنى يَقُول إِن خير الدُّمُوع لدمع سَببه رِعَايَة الْعَهْد وَهُوَ عون على الْحزن وَذَلِكَ أَن الدمع يُخَفف برح الوجد كَمَا قَالَ ذُو الرمة
(لعلَّ انْحِدَارَ الدَّمع يُعْقِبُ رَاحَةً ... مِنَ الوَجْدِ أوْ تُشْفَى لِدَاء بَلابِلُ)
وَالْمعْنَى إِن خير الدُّمُوع الْجَارِيَة وَأَرْفَع الْعُيُون الباكية دمع بعتت الرِّعَايَة عَلَيْهِ وَأَشَارَ الْوَفَاء وَالْكَرم إِلَيْهِ فانحدر وانسكب وتصبب
١٠ - الْغَرِيب صل الْحَدِيد يصل إِذا صَوت والصليل امتداد الصَّوْت وصلصلة اللجام صَوته وَيُرِيد إِذا استكره ضرب الْحَدِيد وَفِيه نظر إِلَى قَول لبيد
(أحْكَمُ الجِنْثَّى منْ عَوْرَاتِها ... كُلُّ حِرْباءٍ إذَا أُكْرِهَ صَلّ)
стр. 863
الْمَعْنى يَقُول أَيْن هَذِه الرقة الَّتِي نشهدها والشفقة الَّتِي نبصرها مِنْك عِنْد تقلدك الْحَرْب واقتحامك فِي شدائدها ونفاك فِي مضايقها حِين يستكره الْحَدِيد فِي رُءُوس الرِّجَال وَيكثر صليله بتجالد الْأَبْطَال وَهُوَ من قَول البحتري
(لِمْ يكُنْ قَلْبُكَ الرَّقيقُ رَقيقا ... لَا وَلا وَجْهُكَ المَصُونُ مَصُونا)
١١ - الْغَرِيب تفلى من فليت رَأسه إِذا فصلت الْقمل مِنْهُ وَأَصله من فلوت الفلو عَن أمه إِذا أَنْت فصلته عَنْهَا وَفِي الحَدِيث كَانَ ﵊ يدْخل على أم حرَام بنت ملْحَان فتفلي رَأسه وَهَذِه خَالَة أنس بن مَالك وَكَانَت تَحت عبَادَة بن الصَّامِت وَتوفيت مَعَ زَوجهَا فِي غزَاة بِفَارِس فِي زمن مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قبله أَيْن خلفت هَذِه الرقة عِنْد لقائك الرّوم وإيقاعك بهم وإقدامك عَلَيْهِم والرءوس تفلى بِالسُّيُوفِ والنفوس تخترم بالحتوف قَالَ الواحدي ويروى تقلى بِالْقَافِ أَي ترمى كالقلة
١٢ - الْغَرِيب الْمنون الْمنية والمنون الدَّهْر وَيجوز تذكيره وتأنيثه وَيَأْتِي بِمَعْنى الْجمع وَبِمَعْنى الْإِفْرَاد قَالَ عدي بن زيد
(مَن رأيْتَ المَنُونَ خَلَّدْنَ أمْ مَنْ ... ذَا عَليْهِ مِنْ أنْ تُضَامُ خَفِيرُ)
وَقَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(أمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِها تَتَوَجَّعُ ... )
فروى وريبها بالتذكير والتأنيث وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن بَرى النَّحْوِيّ الْمَقْدِسِي الْمنون اسْم مُفْرد وَلَا يكون جمعا وَقَول عدي بن زيد خلدن فَإِنَّهُ أَرَادَ بِالْألف وَاللَّام الْجِنْس كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أَو الطِّفْل الَّذين لم يظهروا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فسواهن﴾ وَسبب ذَلِك كَون الْألف وَاللَّام تصير الطِّفْل بِمَعْنى الْأَطْفَال وَالسَّمَاء بِمَعْنى السَّمَوَات الْمَعْنى أَنه يعزيه بالكبرى الْبَاقِيَة فَيَقُول قاسمك الْمَوْت شَخْصَيْنِ فَذهب بِإِحْدَاهُمَا وَترك الْأُخْرَى فَكَانَت هَذِه الْمُقَاسَمَة جورا لِأَنَّهُ كَانَ من حَقك أَن يتركهما وَلَكِن هَذَا الْجور عدل فِيك حَيْثُ تَركك حَيا وَكَانَت الْمُقَاسَمَة مَعَك فِي الْأُخْتَيْنِ وَالْمعْنَى إِذا كنت أَنْت الْبَقِيَّة فالجور عدل هَذَا إِذا نصيب الْقسم وَجعل الْفِعْل للجور وَمن روى جعل الْقسم نَفسه فِيهِ عدلا يُرِيد أَن الْقسم جعل نَفسه عدلا فِي الْجور لِأَنَّهُ
стр. 864
وَإِن أَخذ الصُّغْرَى فقد أبقى الْكُبْرَى ويصحح هَذَا قَوْله فَإِذا قست وَالْمعْنَى أَن الْمَوْت وَإِن كَانَ لَا بُد مِنْهُ وَلَا مخلص لأحد عَنهُ فقد متعك بالإكرام عَلَيْك وَأبقى لَك أحب الشخصين إِلَيْك
١٣ - الْغَرِيب أغدرن مثل غادرن وَهُوَ الْإِبْقَاء وَالتّرْك وسرى أذهب وسلى أَي عزى الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لَهُ إِذا تَأَمَّلت تبينت أَن حظك فِي هَذِه الْقِسْمَة أَو فِي وأكمل وَجدك أَعلَى وَأفضل لِأَن الْمنون الَّتِي قاسمك لَا مدفع لَهَا وَقد آثرتك بالحظ الأوفر واقتصرت على الْمَفْقُود الْأَصْغَر وَهَذَا الْكَلَام على تجوز الشُّعَرَاء وتزيدهم
١٤ - الْمَعْنى يَقُول لقد شغلت المنايا بِمَا تواصله فِي أعدائك من الْقَتْل وَمَا توجبه عَلَيْهِم من الْهَلَاك فِي الْحَرْب فَكيف تطلب المنايا شغلا بغيرهم يُشِير إِلَى أَن الْمَوْت من أعوانه إِلَى أعدائه فَكيف يتخطى إِلَى ذِي قرَابَته وَخَالف مُرَاده فِي أهل عنايته
١٥ - الْغَرِيب انتاشه من صرعة إِذا نعشه الْمَعْنى يَقُول كم نصرت أَسِيرًا من الزَّمَان بسيفك فاستنقذته من الْأسر وَكم من مقل عديم نصرته بنوالك وجبرته على كره الزَّمَان
١٦ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي رَآهُ للدهر وَهِي من رُؤْيَة الْقلب كَمَا يَقُول الْأَعْمَى رَأَيْت زيدا ذَا مَال أَي عَلمته وعدها فِيهِ ضمير للدهر وَالْمَفْعُول لأفعال سيف الدولة الْغَرِيب صال وثب واستطال صولا وصولة وَفِي الْمثل رب قَول أَشد من صول والمصاولة المواثبة والتبل الحقد والعداوة والختل افتراس الشَّيْء على خديعة وَحين غَفلَة الْمَعْنى يَقُول عد الدَّهْر فعلك نصْرَة عَلَيْهِ ومراغمة لَهُ فَلَمَّا استطال عَلَيْك بِأخذ أختك رأى نَفسه قد أدْرك حقدا لِأَنَّهُ قد حقد عَلَيْك مِمَّا فعلته من فك الْأُسَارَى وإعناء المقلين وَالْمعْنَى أَن الدَّهْر عد فعلك نصْرَة عَلَيْهِ فصَال على أختك مخاتلا غير مجاهر ومخادعا غير مُكَاثِر فَرَأى نَفسه مدْركا مِنْك ثأرا طلبه ومجازيا بضغن اعتقده
стр. 865
- الْمَعْنى يَقُول كذبت الدَّهْر ظنونه فِيمَا رامك من الشكل وعرضك لَهُ من الْحزن أَنْت تبليه بطول سلامتك وتغلبه باتصال سعادتك ويبقيك الله فِي نعْمَة لَا تبلى سابغة لَا تنقص تَامَّة نامية
١٨ - الْمَعْنى يَقُول لقد رامك أعداؤك بِمثل مَا رامك الزَّمَان من التَّعَرُّض لمساءتك والإقدام على معارضتك فعجزوا عَن التَّأْثِير فِي ظلك فضلا عَن أَن ينالوا بذلك خَاصَّة نَفسك
١٩ - الْمَعْنى يَقُول طلبت بسعدك وَمَا تكفل الله لَك من إعلاء أَمرك بعض نفوس أعدائك فأدركت كلهَا وحاولت خُصُوصا مِنْهَا فمكن لَك الإقبال جَمِيعهَا فالأقدار تيَسّر لَك أفضل مِمَّا ترغبه وتقرب لَك أفضل وَأكْثر مِمَّا تطلبه
٢٠ - الْغَرِيب القرع الضَّرْب والرامحين جمع رامح وَهُوَ الَّذِي يحمل الرمْح وعزل جمع أعزل وَهُوَ الَّذِي لَا رمح مَعَه الْمَعْنى يَقُول لما ناولت الأقران وطاعنت الفرسان قارعت رمحك رماحهم وَأَنت بِشدَّة قرعك وَزِيَادَة قوتك أطرت رماح الطاعنين لَك وأسقطتها من أَيدي المترسمين بك فصاروا عزلا بَين يَديك عاجزين عَن الْإِقْدَام عَلَيْك يُشِير إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ من الحذق بالطعن والاقتدار على التَّصَرُّف فِي الْحَرْب
٢١ - الْغَرِيب الْقبل جمع أقبل وَهُوَ الَّذِي يقبل إِحْدَى عَيْنَيْهِ على الْأُخْرَى عزة وتشاوسا وَقَالَ الْخَطِيب هُوَ ضد الْحول لِأَن الْحول أَن تخَالف إِحْدَى الْعَينَيْنِ الْأُخْرَى وَقَالَ الْجَوْهَرِي الْقبل فِي الْعين إقبال السوَاد على الْأنف وَقد قبلت عينه وأقبلتها أَنا وَرجل أقبل بَين الْقبل وَهُوَ الَّذِي كَأَنَّهُ ينظر إِلَى طرف أَنفه قَالَت الخنساء
(وَلمَّا أنْ رأيْتَ الخَيْلَ قُبْلاً ... تُبارٍ ي بالخُدُودٍ شَبا الْعَوَالِي)
الْمَعْنى يَقُول لَو كَانَ الَّذِي أَصَابَك من الرزية طَعنا لأوردته خيلا قبلا جمع أقبل وَالْمعْنَى لَو يكون الَّذِي طرقك من فجيعتك طعانا ومنازلة وقتالا ومفاوزة لأوردت ذَلِك الموطن الْخَيل قبلا مُقَدّمَة ولأقحمتها على الْمَوْت أَشد الإقحام مُكْرَهَة
стр. 866
- الْغَرِيب الحنين صَوت يَبْعَثهُ الْحزن والاشتياق وَهُوَ الشوق أَيْضا يُقَال من إِلَيْهِ يحن حنينا فَهُوَ حَان الْمَعْنى يَقُول ولكشفت عَن نَفسك ذَا الحنين الَّذِي تَجدهُ على الْمَفْقُود بِضَرْب كشف الكروب عَن أَصْحَابك وجلاها عَنْهُم وَالْمعْنَى يَقُول لَو كَانَ هَذَا الحنين الْمُتَّصِل على رزيتك مِمَّا يستدفع بمغالبة ويستكشف بمكاثرة لكشفته بِضَرْب بَالغ وإقدام على الْمَوْت صَادِق فطالما كشف الكروب الموجعة وجلى المخافات المفزعة وَلَكِن الْمَوْت لَا يدْفع بِشدَّة وَلَا يعتصم مِنْهُ بِقُوَّة
٢٣ - الْإِعْرَاب من روى الْمُسَمَّاة بِالرَّفْع جعل ثكلا خبر كَانَ وَمن نصب الْمُسَمَّاة جعلهَا خبر كَانَ وَنصب ثكلا بالمسماة كَقَوْلِك ضربت المعاطاة درهما الْغَرِيب الْخطْبَة الْإِرْسَال فِي طلب النِّكَاح وَالْحمام الْمَوْت والثكل الْمُصِيبَة بِالْوَلَدِ وَمَا أشبهه من الْأَحِبَّة وَذَوي الْقَرَابَة الْمَعْنى يَقُول كَانَت هَذِه الْوَفَاة خطْبَة من الْمَوْت لَا ترد وَلَا تمنع ورغبة وَإِن كَانَ أسمها ثكلا وفجعة ورزاءا ومصيبة فَهِيَ للْمَوْت فَائِدَة ومنزلة ورفعة بجلالة من ظفر بهَا وعلو مَنْزِلَته الَّتِي عرض لَهَا
٢٤ - الْغَرِيب الكفو الْمثل والخدر الْخَيْمَة والكلة والحجال والبعل الزَّوْج الْمَعْنى يَقُول إِذا كَانَت ذَات الخدر لَا تَجِد من النَّاس كفوا أَرَادَت الْمَوْت أَن يكون بعلا لَهَا يتكفل بصيانها وَيذْهب بهَا موفيا لحق جلالتها دون أَن تتملك بِالنِّكَاحِ تملك سَائِر النَّاس وَذَوَات النظراء والأكفاء وَقَالَ الواحدي أَرَادَت الْمَوْت لِأَنَّهَا إِذا عاشت وَحدهَا لم تنْتَفع بلذة الْحَيَاة وشبابها فَاخْتَارَتْ الْمَوْت على الْحَيَاة إِذْ لم تَجِد كفوا من الْأزْوَاج
٢٥ - الْغَرِيب اللذيذ الْمُسْتَحبّ والنفيس الرفيع الْمَطْلُوب الْمَعْنى يَقُول الْحَيَاة لَا تمل وَهِي أعز وَأحلى من أَن يملها صَاحبهَا
стр. 867
وَالْمعْنَى مَا تستلذه انفس النَّاس من الْحَيَاة أنفس فِيهَا وأشهى إِلَيْهَا من أَن يمل ذَلِك ويستطال وَيكرهُ وَلَا يستدام وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم إِذا تجوهرت النَّفس تعلّقت بالعالم الْعلوِي فَلَا تسكن إِلَى الهمم الترابية وَلَا يعترضها ملل
٢٦ - الْغَرِيب أُفٍّ كلمة المتضجر وآف لَهُ بِمَعْنى ويل لَهُ فِيهَا لُغَات بالحركات الثَّلَاث مَعَ التَّنْوِين وَغير التَّنْوِين واف بِالْمدِّ وَقد قَرَأَ ابْن كثير وَابْن عَامر بِالْفَتْح من غير تَنْوِين وَقَرَأَ نَافِع وَحَفْص بِالْكَسْرِ والتنوين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْكَسْرِ من غير تَنْوِين وَفِي الضعْف لُغَتَانِ فتح الضَّاد وَضمّهَا وبالفتح قَرَأَ عَاصِم وَحَمْزَة الْمَعْنى يَقُول مؤكدا لما قدم وَإِذا قَالَ الشَّيْخ أُفٍّ لنَفسِهِ وَأظْهر الاستطالة لمُدَّة عمره فَلم يكن ذَلِك لِأَنَّهُ مل الْحَيَاة وسئمها فَإِنَّمَا مل الضعْف والهرم واستكره الْكبر والألم وَهَذِه إِشَارَة إِلَى أَن الْحَيَاة تألفها طباع الْبشر وتستحب فِي الشبيبة وَالْكبر وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم الكلال والملال يتعلقان بالأجسام لضعف آلَة الْجِسْم
٢٧ - الْمَعْنى إِن الْعَيْش إِنَّمَا يطيب بالشباب وَصِحَّة الْجِسْم فَإِذا ذَهَبا عَن الْإِنْسَان فسد عيشه وَالْمعْنَى آلَة الْعَيْش وبهجته وَحَقِيقَته الشَّبَاب وَالصِّحَّة والإقبال وَالْقُوَّة فَإِذا ذهب ذَلِك ولى وَأدبر وتنغص عَلَيْهِ وتكدر
٢٨ - الْإِعْرَاب الدُّنْيَا مَرْفُوعَة بتسترد عندنَا وبتهب عِنْد الْبَصرِيين لأَنهم يعْملُونَ الثَّانِي وَبِه جَاءَ الْقُرْآن وإعمال الأول جَاءَ فِي الْأَشْعَار كثيرا الْمَعْنى يَقُول الدُّنْيَا تسترد مَا تهب فليتها تخلت وَمَا جَادَتْ وَالْمعْنَى أَن الدُّنْيَا مستحيلة منتقلة متغيرة تسترد هبتها وتكدر مشربها وَتعقب الْبَقَاء بالفناء والسراء بالضراء فيا لَيْت الْحَيَاة الَّتِي جَادَتْ بهَا واخترعت الْأَنْفس بحبها لم تكن وَاقعَة وَلم تُوجد النُّفُوس إِلَيْهَا سَاكِنة وليتها بخلت بِمَا جَادَتْ ببذله ومنعت مَا تسرعت إِلَى فعله وَهَذَا كَقَوْل الجلاح
(وَللْمَنْعٌ خَيرٌ من عَطاءِ مُكَدَّر ... )
وكما قَالَ الآخر
(الدَّهُر آخذُ مَا أعطَى مُكَدِّرُ مَا ... أصْفَى وَمُفْسِدٌ ماأهْوَى لًهُ بيد)
(فَلا يَغُرَّنْكَ مِنْ دَهْرٍ عَطِيَّتُهُ ... فليسَ يَترُكُ مَا أعْطى عَلى أحَد)
وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الدُّنْيَا تطعم أَوْلَادهَا وتأكل ولادها
стр. 868
- الْغَرِيب الْخلّ الْخَلِيل والصاحب الْمَعْنى يَقُول لَو بخلت وَلم تَجِد لكفتنا فرحة بِوُجُود شَيْء يعقب لفقده عَمَّا فَكَانَت تكفى أَهلهَا بذلك فرحة تُؤدِّي إِلَى غم ومسرة تئول إِلَى حزن وَكَون خَلِيل يؤنس بِقُرْبِهِ وتتأكد البصيرة فِي حبه ثمَّ تخترمه الْمنية وتغادر الْهم خَلِيلًا للحازن عَلَيْهِ وإلفا لذِي الوجد المشتاق إِلَيْهِ فالدنيا مثل رجل وهب لرجل شَيْئا فَلَمَّا فَرح بِهِ أَخذه مِنْهُ فَكَانَ أسفه عَلَيْهِ أَكثر من فرحه بِهِ
٣٠ - الْمَعْنى يَقُول هِيَ على هَذِه الْحَالة من الْغدر وَالرُّجُوع فِي الْهِبَة محبوبة وَالْمعْنَى أَنَّهَا محبوبة عِنْد أَهلهَا على كَثْرَة غدرها ومحبوبة أَيْضا على قلَّة وفائها لَهُم لَا تتمّ وَصلهَا وَلَا يشْكر من صحبها فعلهَا
٣١ - الْمَعْنى يُرِيد كل من أبكته الدُّنْيَا إِنَّمَا يبكي عَلَيْهَا وَلَا يخلى الْإِنْسَان يَدَيْهِ عَنْهَا إِلَّا قسرا يحل بديه مِنْهَا وَالْمعْنَى كل دمع تسيا فَإِنَّمَا هُوَ أَسف على مفارقتها وكل حزن تَبعته فَإِنَّمَا ذَلِك إشفاق على مباعدتها وبحل الْيَدَيْنِ المتمسكتين تتْرك وتزايل وبفكها عَنْهَا تخلى وتباين وَهَذَا إِشَارَة إِلَى الْمَوْت الَّذِي يغلب أهل الدُّنْيَا على قربهَا ويخرجهم عَنْهَا مَعَ كلفهم بحبها
٣٢ - الْغَرِيب الشيم الطبائع وَاحِدهَا شِيمَة والغانيات النِّسَاء الشواب الْوَاحِد غانية وَقيل هِيَ ذَات الزَّوْج الَّتِي قد غنيت بزوجها قَالَ جميل
(أُحِبُّ الأَيامَي إذْ بُثَيْنَةُ أيّمُ ... وأحْبَبْتُ لَمَّا أنْ غَنِيتِ الغَوَانِيا)
وَقيل غنيت بحسنها وجمالها الْمَعْنى يُرِيد أَن الدُّنْيَا طبعها طبع الغواني يُشِير إِلَى مَا هن عَلَيْهِ من عدم الصيانة لود وَقلة الْإِقَامَة على الْعَهْد وتخلق الدُّنْيَا بِهَذِهِ الخليقة واحتمالها على هَذِه الطَّرِيقَة فَلَا أدرى لهَذَا التَّمْثِيل أنث اسْمهَا النَّاس وَهَذَا من بَاب التجاهل لعذوبة اللَّفْظ وصنعة الشّعْر كَمَا قَالَ زُهَيْر
(وَما أدْرِي وَسَوْفَ إخالُ أدْرِي ... أقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أمْ نِساءُ)
يدْرِي أَنهم رجال وَلكنه تعامى عَن هَذَا لِأَن فِيهِ ضربا من الهزء بهم
стр. 869
- الْإِعْرَاب فِي بعض النّسخ المفرق بِالرَّفْع وَهُوَ خطأ لِأَن الْمُضَاف إِذا وصف بمفرد لَا يجوز فِيهِ سوى النصب الْمَعْنى يَقُول يَا مليك والمليك وَالْملك وَالْمَالِك بِمَعْنى يُرِيد يَا أَيهَا المليك الْجَلِيل قدره الْمَشْهُور فَضله الَّذِي تسلم الْحَيَاة بموالاته ويتعرض للْمَوْت وَالْقَتْل بمعاداته وَيقسم الْعِزّ بِطَاعَتِهِ والذل بمعصيته وتفرق هَذِه الْأَحْوَال فِيمَن وَالَاهُ وَوَافَقَهُ ونابذه وَخَالفهُ
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول قد قلد الله دولة جعلك سيفها المحامي عَن حوزتها وحائطها المدافع عَن بيضها حساما حلاه بالمناقب والفضائل وزينه بالمحاسن والمكارم فَهُوَ يحمي تِلْكَ الدولة ويزينها ويعز تِلْكَ المملكة ويمكنها
٣٥ - الْمَعْنى يَقُول بذلك السَّيْف أغنت هَذِه الدولة أولياءها بذلا ومكارمة وَبِه أفنت أعاديها قتلا ومراغمة فَهُوَ يحي الموَالِي بِمَالِه وَيُمِيت الأعادي بِسَيْفِهِ وَرِجَاله
٣٦ - الْغَرِيب الاهتزاز الارتياح والوغى الْحَرْب والنصل السَّيْف الْمَعْنى يَقُول إِذا اهتز للعطاء كَانَ كالبحر فِي كَثْرَة مواهبه وَعُمُوم مكارمه وَإِذا اهتز للحرب كَانَ كالسيف فِي نَفاذ عزمه وقوته فِيمَا يحاوله من أمره
٣٧ - الْغَرِيب الْمحل قلَّة النَّبَات فِي الأَرْض من عدم الْمَطَر والوبل الْمَطَر الْكثير الْمَعْنى يَقُول إِن سيف الدولة إِذا أَمْحَلت الأَرْض وأعتمت خطوبها كَانَ كَالشَّمْسِ المشرقة وَإِذا اتَّصَلت محولها كَانَ جوده كالسحاب المغدقة فينير إِذا استبهم الْأَمر ويجود إِذا بخل الدَّهْر
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يضْرب الْجَيْش إِذا اشْتَدَّ الْأَمر وصعب الْحَال وغلت الطعنة أَي عز وجودهَا وَإِذا غلت الطعنة كَانَ الضَّرْب أغْلى من الطعْن لحَاجَة الضَّارِب إِلَى مزِيد إقدام وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد إِذا لم يقدر على الدنو من الْعَدو قيد رمح فالدنو إِلَيْهِ قيد سيف أصعب يُرِيد أَنه يضْرب بِسَيْفِهِ حِين لَا يقدم الطاعن والضارب
стр. 870
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يُرِيد إِن كَانَ الطعْن صعبا على الطاعن فَهُوَ ايسر من الضَّرْب لِأَن بعد الطاعن عَن عدوه أَكثر من يعد الضَّارِب والرامي ابعد من الطاعن وَقد رتبه زُهَيْر بقوله
(يطْعُنْهُمْ مَا ارْتَمُوا حَتَّى إذَا اطَّعَنُوا ... ضَارَبَ حَتَّى إِذا مَا ضَارَبُوا اعْتَنَقا)
وَمعنى الْبَيْت يَقُول هُوَ الضَّارِب الْجَمَاعَة من الْخَيل والكتيبة من الْجَيْش وَالْحَرب متوقدة ونيرانها مضطرمة والطعن بَين الفرسان يغلو ويشرف ويشتد ويفرط وَالضَّرْب أَعلَى وأفرط وَأَشد وأبلغ فَدلَّ على أَن سيف الدولة عِنْد اشتداد الْحَرْب يقتحم الْكَتَائِب بِنَفسِهِ ويستخف ذَلِك بِشدَّة باسه
٣٩ - الْإِعْرَاب الْعُقُول بِالنّصب هُوَ الأَصْل وبالخفض تَشْبِيها بالْحسنِ الْوَجْه وَنصب وَصفا على التَّمْيِيز وروى ابْن جنى يدْرك بِالْيَاءِ وروى غَيره بِالتَّاءِ وَكسر الرَّاء وَالضَّمِير للعقول وروى جمَاعَة تدْرك على الْخطاب للمدوح وَهُوَ الْأَحْسَن الْغَرِيب الباهر الْغَالِب الْمَعْنى يَقُول يَا من غلب الْعُقُول بِمَا ظهر من بَدَائِع أَفعاله فَمَا تدْرك الْعُقُول على الرِّوَايَة بِكَسْر الرَّاء وَصفا لَهُ أَتعبت فكري فمهلا أَي ارْفُقْ وَالْمعْنَى أَيهَا الْملك الَّذِي بهر الْعُقُول بِكَثْرَة فضائله وأعجز الْأَوْصَاف بتتابع مكارمه مهلا على فكري فقد أتعبته ورفقا بِمَا أنظم فِيك فقد أَعْجَزته
٤٠ - الْمَعْنى يَقُول وَكَيف لَا يكون ذَلِك وَمن أَرَادَ أَن يتشبه بك فِي كرمك أعجزه ذَلِك فَلم يقدر على التَّشَبُّه بك وَمن أَرَادَ الدّلَالَة فِي طرقك فقد ضللته فضائلك لِأَنَّك تسبق وَلَا تسبق وتتقدم فَلَا تلْحق وَالْمعْنَى لَا يقدر أحد على مجاراتك فِيمَا تسكله
٤١ - الْمَعْنى يَقُول إِذا دَعَا لَك دَاع بالخلود قَالَ لَا مت حَتَّى ترى لَك نظيرا فَإنَّك لَا ترى لَك نظيرا فَلَا تزَال بَاقِيا وَالْمعْنَى إِذا اشْتهى أحد أَن يَدْعُو لَك بطول الْعُمر واتصال الْبَقَاء على مر الدَّهْر فَلْيقل بقيت حَتَّى ترى لنَفسك شَبِيها وملكا يعادلك فِي مجدك يُشِير إِلَى أَنه لَا يظفر الزَّمَان بِمثلِهِ وَلَا يبلغ أحد إِلَى غَايَة فَضله
стр. 871
- ١ الْإِعْرَاب ذِي اسْم مُبْهَم يشار بِهِ إِلَى الْمُؤَنَّث كَمَا يشار بذا إِلَى الْمُذكر وَتَقْدِيره هَذِه الْمَعْنى يَقُول مُشِيرا إِلَى مَا فعله سيف الدولة فِي بداره إِلَى جيوش الرّوم وانهزامهم من بَين يَدَيْهِ وَمنعه لَهُم مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ من حِصَار الْحَدث هَذِه الْمَعَالِي الَّتِي تُؤثر والمكارم الَّتِي تخلد على أثبت حقائقها وَأبْعد غاياتها فَمن تعاطى الْإِقْدَام وَالْقُوَّة والتعالي والرفعة فلينهض بِمِثْلِهَا وليتقدم إِلَى فعلهَا هَكَذَا سَبِيلهَا ووجهها وطريقها وَإِلَّا فَلَا يتَعَرَّض الرؤساء لَهَا وَلَا يتميزوا بهَا وَكرر لَا على سَبِيل التوكيد وَكَانَ سَبَب عمل هَذِه القصيدة أَن سيف الدولة ورد عَلَيْهِ أَن الدمستق وجيوش النَّصْرَانِيَّة قد نزلُوا على حصن الْحَدث ونصبوا عَلَيْهِ مكايد وَقد روا أَنَّهَا فرْصَة فِيهِ لما تدَاخل أَهله من الانزعاج والقلق وَكَانَ ملكهم قد ألزمهم قَصده وأنجدهم بأصناف الْكفْر من البلغر والروس والصقلب وأنفذ مَعَهم الْعدَد الْكثير وَالْعدَد فَركب سيف الدولة نافرا وانتقل إِلَى غير الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ وَنظر فِيمَا يجب أَن ينظر فِيهِ وَسَار عَن حلب فِي جُمَادَى الأول فَنزل رعبان وأخبار الْحَدث عَلَيْهِ مستعجمة لأَنهم ضبطوا الطّرق ليخفى عَلَيْهِ خبرهم فَلَمَّا ضجر لبس سلاحه وَأمر أَصْحَابه بِمثل ذَلِك وَسَار زحفا فَلَمَّا قرب من الحَدِيث عَادَتْ الجواسيس تعلمه أَن الْعَدو لما أشرفت عَلَيْهِ خُيُول الْمُسلمين من عقبَة يُقَال لَهَا العبري رَحل وَلم تَسْتَقِر بِهِ دَار وَامْتنع أهل الْحَدث من البدار بالْخبر خوفًا من كمين يعْتَرض الرُّسُل فَنزل سيف الدولة بِظَاهِرِهِ وأتهم طلائعهم تخبر سيف الدولة بانصرافهم إِلَى حصن رعبان وَوَقعت الضجة وَظهر الِاضْطِرَاب وَولى كل فريق على وَجهه وَخرج أهل الْحَدث فأوقعوا ببعضهم وَأخذُوا آلَة سِلَاحهمْ وأعدوه فِي حصنهمْ ٢
الْغَرِيب الروق الْقرن والقلقة الْحَرَكَة وَجمع جبل جبال وأجبال الْمَعْنى أَنه فسر معاليه بِهَذَا الْبَيْت فَقَالَ شرفك يزاحم النُّجُوم فِي الْعُلُوّ وعزك أثبت من الْجبَال وأرسى يُرِيد أَن شرفك يبلغ الثريا بعلوه ويزاحمها بجلالة قدره ويناطحها بقرنيه واستعار لشرفه قرنين لِأَنَّهَا فِي الْحَيَوَان من أَسبَاب الْقُوَّة ودواعي الْإِقْدَام والمنعة مَعَ عز تتقلقل الْجبَال من هيبته وتضطرب إعظاما لرفعته وَقَالَ الواحدي يُرِيد أَن سُلْطَانه ينفذ فِي كل شَيْء حَتَّى لَو أَرَادَ أَن يزِيل الْجبَال لحركها
стр. 872
- الْمَعْنى يَقُول حَالهم عَظِيم فِي كثرتهم وشدتهم ومنعتهم وَلَكِن سيف الدولة ابْن الْمُلُوك العظماء وَالسُّيُوف الْمَاضِيَة على الْأَعْدَاء أعظم وَأَرْفَع وأنفذ وَأَمْنَع
٤ - الْغَرِيب النذير الَّذِي ينذر أَصْحَابه ويحذرهم وَأَرَادَ بالنذير هُنَا الجاسوس الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كلما عَاد إِلَيْهِم نذيرهم سابقوه بالهرب قبل وُصُوله ثمَّ تلتهم خيل سيف الدولة فسبقت النذير قَالَ الواحدي قَالَ ابْن فورجة أعجلته بِمَعْنى استعجلته فَأَما سبقته فَيُقَال فِيهِ عدلته يَقُول كلما استعجلوا النذير بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِم وإخبارهم بقدوم جَيش سيف الدولة أطلت عَلَيْهِم خيله قبل قدوم النذير عَلَيْهِم وَيجوز أَن يُرِيد أَن الْعَدو كلما أعجاوا النذير بهم وَبَادرُوا المتقلدين لأطراف أَعمال سيف الدولة والمتصرفين فِي أقاصي بِلَاده ورجوا أَن يُصِيبُوا مِنْهُم غرَّة وينهزوا فيهم فرْصَة بادرتهم خيوله ولحقتهم جيوشه وأعجلتهم عَن ذَلِك الإعجال فصرفهم على أَسْوَأ الْأَحْوَال
٥ - الْغَرِيب خوارق الأَرْض الْخَيل لشدَّة وَطئهَا وَمثله
(إذَا وَطِئَتْ بأيْدِيها صُخُوراً ... بَقِينَ لِوَطْءِ أرْجُلِها رِمالاً)
_ الْمَعْنى يَقُول أتهم خيل سيف الدولة تخرق الأَرْض نحوهم مسرعة وتطويها إِلَيْهِم مبادرة لَا تحمل إِلَّا الشجعان وَالْحَدِيد الَّذِي يشملهم وَالسِّلَاح الَّذِي يعمهم ويسترهم
٦ - الْغَرِيب النَّقْع الْغُبَار وبراقع الْخَيل وجلالها مَعْرُوف والبرقع مَا ستر الْوَجْه وَلم يبْق مِنْهُ إِلَّا العينان والجل مَا كَانَ على ظهر الدَّابَّة تَحت السرج _ الْمَعْنى يَقُول أتهم خيل سيف الدولة وَقد خَفِي لَوْنهَا فَلَا يعرف الأدهم من الْكُمَيْت وَلَا الْأَشْهب وَلَا الْأَشْقَر من الْغُبَار الَّذِي يثيره ركضها ويبعثه سَيرهَا حَتَّى كَانَ عَلَيْهَا من ذَلِك القتام براقع تستر وَجههَا وجلالا تَشْمَل جسومها يُشِير إِلَى مَا تجشمه من التَّعَب وَمَا كَانَ عَلَيْهِ من قُوَّة الطّلب وَهُوَ من قَول عدي بن الرّقاع
(يَتَعاوَرَانِ مِنَ الْغُبارِ مًلاءَة ... دَكْناءَ مُحْدَثَةً هُمَا نَسَجاها)
وَفِيه نظر إِلَى قَول عَوْف بن عَطِيَّة
(كأنَّ الظِّباءَ بِها وَالنِّعاجَ ... أُلْبِسْنَ مِنْ رَازِقَّي شِعاراً)
стр. 873
- الْغَرِيب المحالفة المعاهدة والعوالي الرماح والأهوال جمع هول وَهُوَ الْأَمر الشَّديد الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح طَال الْكَلَام بيني وَبَينه فِي قَوْله ليخوضن فَقَالَ هُوَ مثل قولي وَقُلْنَا للسيوف هلمن بِضَم الْمِيم وَذَلِكَ أَنه لما وصفهَا بالمحالفة أجراها مجْرى من يعقل مثل الْجَمَاعَة المذكرين وَيُؤَيِّدهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّمْل أدخلو مَسَاكِنكُمْ ورأيتهم لي ساجدين وكل فِي فلك يسبحون﴾ كل هَذَا أجْرى مجْرى من يعقل لما خُوطِبَ وَأخْبرهمْ عَنهُ بِالسُّجُود والسباحة وَالْأَفْعَال فِي الْأَكْثَر إِنَّمَا تكون لِذَوي الْعقل فَإِنَّمَا يَصح الْفِعْل من بعضه كالفرس وَنَحْوه وَمِنْه مَا لَا يَصح مِنْهُ الْفِعْل كَالدَّارِ وَشبههَا مِمَّا لَيْسَ فِيهِ روح فإحراق النَّار لما وَقع فِيهَا لَيْسَ بِفعل لَهَا فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا هُوَ فعل الله تَعَالَى وَهَذَا يعرفهُ أهل الْكَلَام الْمَعْنى يُرِيد أَن صُدُور خيله وعوالي رماحه حالفته على أَن تخوض مَعَه المهالك وَالْمعْنَى أَنَّهَا حَلَفت لتمتثلن أمره ولتخوضن الْأَهْوَال دونه ولتبلغن فِي ذَلِك مُرَاده لَا نحمل إِلَّا الْأَبْطَال ناهضة غير عاجزة ومجدة غير وانية وَلَو كَانَ قَالَ لتخوضن بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة فَوْقهَا لَكَانَ أولى
٨ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ الْوَجْه أَن يَقُول لتمضين كَمَا تَقول حَلَفت هِنْد لتقومن وَهِي وَإِن كَانَت جمَاعَة الصُّدُور والعوالي لكنه أجراها مجْرى الْوَاحِدَة وَقد أجَاز الْكُوفِيُّونَ مثل ذَلِك لتمضن ولترمن فعلى هَذَا حذفت الْيَاء لسكونها وَسُكُون النُّون الأولى بعْدهَا وَلم تحرّك الْيَاء بِالْفَتْح وَجرى مجْرى قَوْله
(كأنَّ أيْدِيهنَّ بالقاعِ القَرِقْ)
قَالَ وَفِي بعض النّسخ ليخوضن وليمضن بِكَسْر الضَّاد وَلَا وَجه لَهُ لِأَنَّهُ إِذا أجراها مجْرى جمَاعَة المذكرين فقياسه ضم الضَّاد كَقَوْلِهِم حلف الزيدون ليفرن فأصله ليقرون فَحذف الْوَاو بِدُخُول نون التوكيد فبقى ليفرن وَإِن أَرَادَ يمضين هن فخطأ لِأَنَّهُ لَو أَرَادَ ذَلِك لوَجَبَ أَن يَقُول ليمضينان كَمَا تَقول فِي جمَاعَة النِّسَاء ليضربنان فَإِن قيل إِنَّمَا أَرَادَ ليمضين سيف الدولة على لُغَة من قَالَ ليمضن زيد قيل على هَذَا وضع الْكَلَام إِنَّمَا أَرَادَ أَن الرماح وصدور الْخَيل حالفته الْغَرِيب الحصان الْفرس الذّكر وَالْجمع حصن وَفرس حصان بِالْكَسْرِ بَين التحصن والتحصين وَيُقَال إِنَّمَا سمي حصانا لِأَنَّهُ ضن بِمِائَة فَلم ينز إِلَّا على
стр. 874
كَرِيمَة ثمَّ كثر ذَلِك حَتَّى سموا كل ذكر من الْخَيل حصانا _ الْمَعْنى يَقُول لتمضين مُقَدّمَة ولتنزلن الْأَعْدَاء مقتحمة حَتَّى تصير فِي لاحم الْقرعَة ومضايق الْحَرْب المتوقعة إِلَى الْمَكَان الَّذِي لَا يجد الرمْح فِيهِ مدارا لشدَّة المجالدة وَلَا الحصان مجالا لِكَثْرَة الْمُزَاحمَة وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَوضِع سيف الدولة من الشدَّة وتقدمه بَين أهل الْبَأْس والنجدة
٩ - الْمَعْنى يَقُول لَا ألوم ملك الرّوم على تمنيه محالا من تخريب هَذِه القلعة وَذَلِكَ أَن ملك الرّوم قصد حصن الْحَدث طلبا لغرة سيف الدولة وَإِن كَانَ الَّذِي حاوله محالا لَا طمع فِيهِ وشططا لَا سَبِيل إِلَيْهِ ثمَّ بَين مَا قدمه بقوله الْبَيْت بعده
١٠ - الْغَرِيب البنية بِمَعْنى المبنية وَهِي فعيلة بِمَعْنى مفعولة من بني يَبْنِي بِنَاء وبنيا كَمَا فِي كتب يكْتب كتبا وكتابا والباغي الطَّالِب _ الْمَعْنى يُرِيد أَن ملك الرّوم أقلقه بُنيان هَذَا الْحصن الَّذِي كَأَنَّمَا ثبته سيف الدولة بَين أُذُنَيْهِ وَأقرهُ على قمة رَأسه لما ثَبت فِيهِ من هتك أرضه وَشدَّة أَرْكَان ملكه وَمَا شيده من ذَلِك الْبُنيان وَبلغ فِيهِ من غَايَة الإتقان
١١ - الْغَرِيب القذال مُؤخر الرَّأْس وَهُوَ مَا يكون بَين جَنْبي الْقَفَا _ الْمَعْنى يَقُول كلما رام ملك الرّوم أَن يحط من ذَلِك الْحصن مَا أَعْلَاهُ سيف الدولة وَرَفعه وأتقنه وحصنه اتَّسع ذَلِك الْبُنيان عَلَيْهِ فغلبه وَعظم فِي نَفسه وقهره وَصَارَ لشدَّة إقلاقه إِيَّاه كَأَنَّمَا هُوَ على رَأسه قد غشى جَبينه وقذاله وأعجز طاقته وإحتياله
١٢ - الْغَرِيب الرّوم والصقالب والبلغر كل هَؤُلَاءِ كفرة والصقالب والبلغر طَائِفَتَانِ من الْعَجم تستضيف مَعَ الرّوم إِلَى طَاعَة ملكهم _ الْإِعْرَاب قَوْله فِيهَا فِي نَوَاحِيهَا وجوانبها فَحذف الْمُضَاف والآجال جمع أجل الْمَعْنى يَقُول يجمع ملك الرّوم فِي هَذِه الأَرْض هَذِه الطوائف من أَصْنَاف حزبه وأصناف كفره مستمدا لَهُم ومستجيشا على أهل هَذِه الْمَدِينَة وَيَقُول لسيف الدولة وَأَنت تجمع لهَؤُلَاء الطوائف آجالا حَاضِرَة ومنايا متوافقة إِشَارَة إِلَى وقائع سيف الدولة عَلَيْهِم وَمَا واصله من الْقَتْل فيهم
стр. 875
- الْغَرِيب الصلال جمع صلَة وَهِي الأَرْض الممطورة بَين الأَرْض غير المطمورة كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح والواحدي _ وَقَالَ الْجَوْهَرِي الصِّلَة الأَرْض الْيَابِسَة والصلة وَاحِدَة الصلال وَهِي الْقطع من الأمطار المتفرقة يَقع مِنْهَا الشَّيْء بعد الشَّيْء والصلال العشب سمى باسم الْمَطَر المتفرق _ الْمَعْنى يَقُول توافيهم ببأسك الْآجَال فِي رماحك الْمَشْرُوعَة نحوهم المتبادرة إِلَيْهِم كَمَا وافت العطاش الأمطار أَو الأَرْض الممطورة فتفنيها غير مكتفية بِهَذَا _ وَقَالَ الواحدي تأتيهم بمناياهم فِي الرماح وَهِي ظامئة إِلَى دِمَائِهِمْ فتسرع إِلَيْهِم إسراع العطاش إِلَى الأَرْض الممطورة
١٤ - الْمَعْنى يَقُول قصد الرّوم هدم سور هَذِه الْمَدِينَة وَفرقُوا جمعهَا فضعفت عَن ذَلِك قوتهم وعجزت طاقتهم وانهزموا بَين يَدَيْهِ على أَسْوَأ حَال فبنوا من سورها مَا حاولوا هَدمه وأطالوا من بنائها مَا حاولوا حطه فَكَانَ قصدهم الْهدم وَالتَّقْصِير سَببا للْبِنَاء وإطالته لأَنهم بعثوا سيف الدولة على تحصينها
١٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي لَهَا للقلعة _ الْغَرِيب الوبال الشدَّة _ الْمَعْنى يَقُول استجروا مكايد الْحَرْب يَعْنِي آلاتها الَّتِي يُقَاتلُون بهَا ويستعملونها حَتَّى تركوها وانهزموا لأهل الْمَدِينَة وبالا عَلَيْهِم لأَنهم لما انْهَزمُوا صَارَت تِلْكَ الْآلَات زَائِدَة فِي عدتهمْ موكدة لَا متناعهم فَصَارَت الْآلَات الَّتِي أعدوها لأهل الْحَدث وبالا على الرّوم يُقَاتلُون بهَا
١٦ - الْمَعْنى يَقُول رب أَمر أَتَاك بِهِ أعداؤك قَاصِدين لحربك محاولين لكيدك فذممت رَأْيهمْ وَلم تحمد فعالهم وأفضت الْأَفْعَال مِنْهُم إِلَى إرادتك فَصَارَ تدبيرهم ورأيهم أغرى الْحَوَادِث بهم وَالْمعْنَى أَن الفعال هم الرّوم وَالْأَفْعَال حملهمْ مكايد الْحَرْب فهم غير محمودين وفعائلهم غير محمودة فِي الْعَاقِبَة لأَنهم لَو لم يحملوها لما ظفر بهَا المسلون وَهُوَ مَنْقُول من قَول الْحَكِيم إِذا كَانَت الْأَشْيَاء فاعلة بالطبع لم تحمد على فعلهَا لِأَن الشَّمْس لَا تحمد على حَرَارَتهَا وَلَا على ضوئها
стр. 876
- الْغَرِيب القسى جمع قَوس والنصال جمع نصل وَهِي حدائد السِّهَام _ الْمَعْنى يَقُول رب قسى كَانُوا يرمونك عَنْهَا فَلَمَّا هربوا أخذت تِلْكَ القسى فقوتلوا بهَا _ وَالْمعْنَى رب قسى رماك أعداؤك عَنْهَا وقصدوك بالمكاره مِنْهَا فَردَّتْ تِلْكَ القسى عَنْك فِي قُلُوبهم حَدِيد سهامك وقادت إِلَيْك أعداءك يُرِيد أَن قُوَّة سعده وإقبال جده يجعلان قسى أعدائه عَلَيْهِم ويقودان بهَا المهالك إِلَيْهِم قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول الْحَارِث
(قَوْمي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخي ... فإذَا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمي)
١٨ - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم قطعُوا الطّرق حَتَّى لَا يصل الْخَبَر إِلَى سيف الدولة وَذَلِكَ أَن سيف الدولة استبطأ الْأَخْبَار لما تَأَخَّرت عَن عَادَتهَا فَتَطلع إِلَى الْأَخْبَار فَوَقع على الْأَمر فَكَانَ الِانْقِطَاع كالإرسال _ وَالْمعْنَى أَنهم أخذُوا الطّرق موكلين بهَا وقاطعين الرُّسُل مِنْهَا فَكَانَ ذَلِك الْقطع إشعارا لَك وَقَامَ ذَلِك الضَّبْط مقَام الْإِرْسَال إِلَيْك فأنكرت فعلهم واستربت فعلهم أسرعت إِلَيْهِم وبادرت بِنَفْسِك وجيشك إِلَيْهِم
١٩ - الْغَرِيب الغوارب أعالي الأمواج والآل السراب وَقيل الْآل فِي آخر النَّهَار والسراب فِي أَوله الْمَعْنى يُرِيد أَن حَالهم يتلاشى عنْدك وَإِن كَانَ عَظِيما _ وَالْمعْنَى أَنهم كالبحر ذِي الموج لتكاثف جمعهم وتكاثر عَددهمْ إِلَّا انهم صَارُوا عِنْد قوتك وعديدك وبأسك وجيوشك كالآل الَّذِي يتخيل وَلَا يصدق ويتمثل وَلَا يتَحَقَّق فَفرُّوا هاربين وولوا عَنْك مُدبرين وَهُوَ مثل قَوْله
(حالُ أعْدَائِنا عَظِيمٌ ... )
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول انْهَزمُوا غير مقاتلين فَلم يُقَاتِلُوك فِي الْحَال وَلَكِن الْقِتَال الَّذِي قَاتلهم قبل هَذَا كَفاك الْقِتَال لأَنهم لما بلوك قبل هَذَا أشعر قُلُوبهم الرعب وخافوا فَانْهَزَمُوا فَمَا مضوا غير مقاتلين لجيشك وَلَا ولوا غير متيقنين لأمرك وَلَكِن الْقِتَال عِنْد التَّأَمُّل والنزال الشَّديد عَن التبين مَا أسكنت قُلُوبهم وقائعك من الهيبة وأودعتها من المخافة حَتَّى صَار اسْمك يهْزم عساكرهم وذكرك يثنى عزائمهم
стр. 877
- الْمَعْنى يَقُول سَيْفك الَّذِي قطع رِقَاب من قبلهم من الرّوم هُوَ الَّذِي قطع آمالهم مِنْك فَلَا يرجون ظفرا بك الْآن يُرِيد الضَّرْب الَّذِي قطعت بِهِ رِقَاب الرّوم فِي وقائعهم وأفنيت بِهِ أبطالهم فِي حروبك قطع مَا أَملوهُ فِي حصن الْحَدث من مكايدتك وأكذب مَا حاولوه من مغاليتك
٢٢ - الْغَرِيب الإجفال الْإِسْرَاع والهزيمة _ قَالَ أَبُو الْفَتْح لما أجادوا ثباتهم قَدِيما وَأدّى إِلَى هلاكهم علم من كَانَ عَادَته الثَّبَات الْإِسْرَاع فِي الْهَزِيمَة خوفًا مِنْك وَقَالَ يفضله فِي هَذِه الأبيات على قوم ذِي شجاعة وثبات ليَكُون أمدح لَهُ وَكَذَا نَقله الواحدي وَالْمعْنَى الثَّبَات الَّذِي فَعَلُوهُ فِي قتالك وأفضى بهم إِلَى المهالك وأعقبهم أَشد الهزائم علم الثابتين من رِجَالهمْ وَأهل الْبَأْس من حماتهم وأبطالهم الْهَرَب مِنْك
٢٣ - الْغَرِيب النّدب ذكر الْمَيِّت بجميل أَفعاله _ الْمَعْنى يَقُول نزلُوا فِي مَوَاضِع عرفوها تقدّمت فِيهَا مصَارِع أَهَالِيهمْ بإيقاع سيف الدولة بهم فَجعلُوا يَبْكُونَ بهَا من قتل من أبطالهم وفرسانهم وتمثلوا تِلْكَ فِي أنفسهم وتوقعوا أَن يحدث مَا يشبهها بهم لما ذكرُوا بهَا مَا صنعت بآبائهم وأعمامهم وأخوالهم
٢٤ - الْغَرِيب تذرى تنثر وتفرق والأوصال جمع وصل وَيُرِيد بِهِ الْعُضْو _ الْمَعْنى يُرِيد أَنه لم يبعد عهد الْقَتْلَى بِهَذَا الْموضع فالريح تحمل شُعُورهمْ وأوصالهم مَوْجُودَة هُنَاكَ وَالرِّيح تلقى عَلَيْهِم أَعْضَاء المقتولين _ وَالْمعْنَى أَن الرّيح تذرى عَلَيْهِم عِظَام الْقَتْل الَّذين قتلوا بالموضع الَّذِي نزلُوا فِيهِ فيخيفهم ذَلِك ويفزعهم ويقلقهم فيهربون من بَين يَديك
٢٥ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فِي تنذر للمصارع وَنَقله الواحدي وَيجوز أَن يكون الضَّمِير للأوصال أَي تنذر الأوصال الْجِسْم بِأَن يَزُول إِلَى مثالها قَالَ تنذر المصارع الْإِقَامَة بهَا وتريهم لكل عُضْو عضوا من المقتولين أَو الْمَعْنى تنذر بالأوصال
стр. 878
الْجِسْم بِأَن يصير لمثلهَا وَيُقِيم لَدَيْهَا فِي مثل حَالهَا وتريه لكل عُضْو من أَعْضَائِهِ مِثَالا شَاهدا ونظيرا حَاضرا وَأَشَارَ بذلك إِلَى وقْعَة سيف الدولة على الرّوم عِنْد بنائِهِ الْحَدث وَقد وصفهَا فِي قَوْله
(عْلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ ... ... القصيدة)
وَلم تكن ببعيدة من هَذِه الْوَقْعَة فَلَمَّا اشرفوا على مَوضِع تِلْكَ الْوَقْعَة وَذكروا عظم تِلْكَ البلية أشفقوا من أَن يعاودهم سيف الدولة بِمِثْلِهَا فَوَلوا مُدبرين وفروا من بَين يَدَيْهِ منهزمين
٢٦ - الْغَرِيب الدراك التَّتَابُع والخيال مَا يرى على غير حَقِيقَة _ الْمَعْنى فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير أبصروا الطعْن فِي قُلُوبهم دراكا خيالا قبل أَن يرَوا الرماح يُرِيد لشدَّة خوفهم تصوروا مَا صنعت بهم قَدِيما فَرَأَوْا الطعْن تخيلا فِي قُلُوبهم قبل رُؤْيَة الرماح حَقِيقَة _ قَالَ الْخَطِيب اعْتبر الْمُتَأَخّرُونَ بالمتقدمين فكأنهم تخيلوا الطعْن دراكا وَبينهمْ وَبَين من يطلبهم مَسَافَة بعيدَة فَفرُّوا قبل أَن ينْظرُوا إِلَى خيال الرماح _ وَالْمعْنَى يَقُول لَهُ مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم وأرتهم طعان رماحك دراكا فِي قُلُوبهم قبل أَن يتخيلوا ذَلِك ويتحققوه ويتمثلوه ويشاهدوه فعادوا بالفرار مِنْك وولوا منهزمين عَنْك
٢٧ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي الْأَعْدَاء إِذا حاولوا طعانك رَأَوْا أَذْرع قناك لطولها وَسُرْعَة وصولها إِلَيْهِم أميالا يعْنى أَنَّهَا تطول فتصل إِلَيْهِم سريعة وَهَذَا ضد قَوْله
(طِوَالُ قَنا تُطاعِنُها قِصَارُ ... )
_ قَالَ وَقَالَ ابْن جنى أَي لشدَّة الرعب قَالَ وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يرونهم مثليهم﴾ قَالَ وَقَوله لشدَّة الرعب كَلَام حسن وَأما احتجابه بِالْآيَةِ فخطأ قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد بالقنا قِنَا الْأَعْدَاء الَّذين يحاولون الطعان وَالْمعْنَى أَنهم كلما حاولوا طعانك برماحهم استطالوها فَرَأَوْا أذرعها أميالا أَي أَنَّهَا تثقل عَلَيْك جبنا وخوفا مِنْك هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى إِذا حاولت فرسَان طعانك ومثلت لأنفسها قتالك أَرَاهُم الْفَزع أَذْرع رماحك أميالا مُتَّصِلَة لما تتوقعه من طَعنهَا وتحذره من مخوف فعلهَا
стр. 879
- الْغَرِيب الرعب الْفَزع يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته وَيجوز فِيهِ سُكُون الْعين وَضمّهَا وَقَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِضَم الْعين _ الْمَعْنى قَالَ الواحدي شاع الْخَوْف فيهم شيوعا عَاما فَكَأَن الْخَوْف بسط يَمِينه فِي ميامن عساكرهم وشماله فِي مياسرهم حَتَّى انْهَزمُوا وَهُوَ معنى قَول أبي الْفَتْح وَقَالَ ابْن الإفليلي بسط الرعب فِي أَيْديهم أيديا مثلهَا تمنعها من الْبَطْش وتقصرها عَن الْكَفّ فَوَلوا مخذولين وَهَذَا ضد قَول الآخر
(إنَّا وَجَدْنا بَني جُلَاّنَ كُلَّهُمُ ... كَساعِدِ الضَّبّ لَا طُولٌ وَلا قِصَرُ)
٢٩ - الْغَرِيب الروع الْخَوْف والفزع والأغلال جمع غل وَهُوَ رِبَاط تشد بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق الْمَعْنى يَقُول يرعش الْخَوْف أَيْديهم فقد صَارَت فِي قلَّة الْغناء وَإِن كَانَ فِيهَا سيف بِمَنْزِلَة الْيَد المغولة وَالْمعْنَى ينفض الْفَزع من أَيْديهم السِّلَاح فَيسْقط ويسلبهم إِيَّاه الذعر فَيذْهب حَتَّى كَأَن سيوفهم فِي أَيْديهم أغلال تَملكهَا وموانع تمنعهم من التَّصَرُّف بهَا وَهُوَ من قَول جرير فِي الفرزدق
(ضَرَبْتَ بهِ عِنْدَ الإمامِ فأُرْعِشَتْ ... يَدَاكَ فَقالُوا مُحْدِثٌ غَيرُ صَارِمِ)
٣٠ - الْإِعْرَاب نصب وُجُوهًا بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ قَوْله ينفض تَقْدِيره ويغير وُجُوهًا يُرِيد أَنه يُغير ألوانها وَهَذَا من بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ أَي وَادعوا شركاءكم وَكَقَوْلِه ﴿وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان﴾ يُرِيد وأحبوا الْإِيمَان وكقول الشَّاعِر
(ورأيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفا وَرُمْحا)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَوْله
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
_ الْمَعْنى يَقُول للمدوح وَغير الروع وُجُوهًا قد انتقعها الْخَوْف وأذهب جمَالهَا الذعر فَهِيَ ترْعد متغيرة وتعبس متوقعة قد أخافها مِنْك وَجه قد أحرز غايات الْحسن وغلبها على الْجمال وَالْفضل فالحسن وَالْجمال لوجهك لَا لَهَا
стр. 880
- الْغَرِيب الجلى الظَّاهِر المكشوف الْمَعْنى يَقُول مُشِيرا إِلَى الرّوم وفرارهم بَين يَدَيْهِ وَبعدهَا تكلفوه من غزوهم وتعاطوه من حِصَار الْحصن إِن مَا تيقنوه من قصد سيف الدولة وتسابقه نحوهم أكذب مَا ظنوه وأراهم الجلية فِيمَا حاولوه وعرفهم أَن حظهم الِانْتِقَال عَمَّا أضمروه من الْإِقْدَام إِلَى الْفِرَار والانهزام فأزال العيان مَا كَانَ الظَّن يحدث لَهُم ثمَّ ضرب لَهُم مثلا بقوله
٣٢ - الْإِعْرَاب وَحده الضَّمِير للجبان لَا لِلطَّعْنِ لقَوْله والنزال وَهُوَ فِي مَوضِع نصب على الْحَال أَي مُنْفَردا _ الْغَرِيب الجبان ضد الشجاع وَهُوَ الَّذِي يجبن عِنْد لِقَاء الْعَدو وَجبن بِالْفَتْح فَهُوَ جبان وَجبن بِالضَّمِّ فَهُوَ جبين وَامْرَأَة جبان كَمَا قَالُوا حصان ورزان والنزال فِي الجرب أَن يتنازل الْفَرِيقَانِ ونزال بِالْكَسْرِ مثل قطام بِمَعْنى انْزِلْ لِأَنَّهُ معدول عَن المنازلة وَلِهَذَا أنث زُهَيْر فِي قَوْله
(وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنْتَ إذَا ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ)
وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْجُبْن ذلة كامنة فِي نفس الجبان فَإِذا خلا بِنَفسِهِ أظهر شجاعتها _ الْمَعْنى يُرِيد إِذا مَا خلا الجبان بأرضه وَبعد عَن الأقران بِنَفسِهِ طلب الطعْن والمنازلة وتعاطى الْقِتَال والمبارزة فَإِذا أحس بِمن يقاتله رَجَعَ إِلَى طبعه واعتصم بالفرار من قرنه فَكَذَا كَانَ شَأْن الرّوم وشأن سيف الدولة أظهرُوا الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَلَمَّا أحسوا بِهِ فروا من بَين يَدَيْهِ وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا كل مجر فِي الْخَلَاء يسر أَي إِذا أجْرى الْإِنْسَان فرسه وَحده سر بجريه فَإِذا قاربه مثله ذهب سروره
٣٣ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد بقلب أَي إِلَّا وَالْقلب مَعَهم حلفوا ليحضرن عُقُولهمْ وليعملن أفكارهم فِي قتالك ثمَّ قَالَ لطالما غرت الْعُيُون يُرِيد كذبهمْ عَنْك كثيرا مَا رَأَوْهُ بعيونهم مغترين مِنْك فطالما اغتروا بمواقعتك فأفنيت جيوشهم وَكَثِيرًا مَا أقدموا فِي الْحَرْب على معاناتك فأتلفت نُفُوسهم
٣٤ - الْغَرِيب آل رَجَعَ يُقَال طبخت الشَّرَاب فآل إِلَى قدر كَذَا أَي رَجَعَ
следующие страницы →