Полный текст (1 424 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
- الْغَرِيب القسى جمع قَوس والنصال جمع نصل وَهِي حدائد السِّهَام _ الْمَعْنى يَقُول رب قسى كَانُوا يرمونك عَنْهَا فَلَمَّا هربوا أخذت تِلْكَ القسى فقوتلوا بهَا _ وَالْمعْنَى رب قسى رماك أعداؤك عَنْهَا وقصدوك بالمكاره مِنْهَا فَردَّتْ تِلْكَ القسى عَنْك فِي قُلُوبهم حَدِيد سهامك وقادت إِلَيْك أعداءك يُرِيد أَن قُوَّة سعده وإقبال جده يجعلان قسى أعدائه عَلَيْهِم ويقودان بهَا المهالك إِلَيْهِم قَالَ ابْن وَكِيع هُوَ من قَول الْحَارِث
(قَوْمي هُمُ قَتَلُوا أُمَيْمَ أخي ... فإذَا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهْمي)
١٨ - الْمَعْنى يُرِيد أَنهم قطعُوا الطّرق حَتَّى لَا يصل الْخَبَر إِلَى سيف الدولة وَذَلِكَ أَن سيف الدولة استبطأ الْأَخْبَار لما تَأَخَّرت عَن عَادَتهَا فَتَطلع إِلَى الْأَخْبَار فَوَقع على الْأَمر فَكَانَ الِانْقِطَاع كالإرسال _ وَالْمعْنَى أَنهم أخذُوا الطّرق موكلين بهَا وقاطعين الرُّسُل مِنْهَا فَكَانَ ذَلِك الْقطع إشعارا لَك وَقَامَ ذَلِك الضَّبْط مقَام الْإِرْسَال إِلَيْك فأنكرت فعلهم واستربت فعلهم أسرعت إِلَيْهِم وبادرت بِنَفْسِك وجيشك إِلَيْهِم
١٩ - الْغَرِيب الغوارب أعالي الأمواج والآل السراب وَقيل الْآل فِي آخر النَّهَار والسراب فِي أَوله الْمَعْنى يُرِيد أَن حَالهم يتلاشى عنْدك وَإِن كَانَ عَظِيما _ وَالْمعْنَى أَنهم كالبحر ذِي الموج لتكاثف جمعهم وتكاثر عَددهمْ إِلَّا انهم صَارُوا عِنْد قوتك وعديدك وبأسك وجيوشك كالآل الَّذِي يتخيل وَلَا يصدق ويتمثل وَلَا يتَحَقَّق فَفرُّوا هاربين وولوا عَنْك مُدبرين وَهُوَ مثل قَوْله
(حالُ أعْدَائِنا عَظِيمٌ ... )
٢٠ - الْمَعْنى يَقُول انْهَزمُوا غير مقاتلين فَلم يُقَاتِلُوك فِي الْحَال وَلَكِن الْقِتَال الَّذِي قَاتلهم قبل هَذَا كَفاك الْقِتَال لأَنهم لما بلوك قبل هَذَا أشعر قُلُوبهم الرعب وخافوا فَانْهَزَمُوا فَمَا مضوا غير مقاتلين لجيشك وَلَا ولوا غير متيقنين لأمرك وَلَكِن الْقِتَال عِنْد التَّأَمُّل والنزال الشَّديد عَن التبين مَا أسكنت قُلُوبهم وقائعك من الهيبة وأودعتها من المخافة حَتَّى صَار اسْمك يهْزم عساكرهم وذكرك يثنى عزائمهم
стр. 877
- الْمَعْنى يَقُول سَيْفك الَّذِي قطع رِقَاب من قبلهم من الرّوم هُوَ الَّذِي قطع آمالهم مِنْك فَلَا يرجون ظفرا بك الْآن يُرِيد الضَّرْب الَّذِي قطعت بِهِ رِقَاب الرّوم فِي وقائعهم وأفنيت بِهِ أبطالهم فِي حروبك قطع مَا أَملوهُ فِي حصن الْحَدث من مكايدتك وأكذب مَا حاولوه من مغاليتك
٢٢ - الْغَرِيب الإجفال الْإِسْرَاع والهزيمة _ قَالَ أَبُو الْفَتْح لما أجادوا ثباتهم قَدِيما وَأدّى إِلَى هلاكهم علم من كَانَ عَادَته الثَّبَات الْإِسْرَاع فِي الْهَزِيمَة خوفًا مِنْك وَقَالَ يفضله فِي هَذِه الأبيات على قوم ذِي شجاعة وثبات ليَكُون أمدح لَهُ وَكَذَا نَقله الواحدي وَالْمعْنَى الثَّبَات الَّذِي فَعَلُوهُ فِي قتالك وأفضى بهم إِلَى المهالك وأعقبهم أَشد الهزائم علم الثابتين من رِجَالهمْ وَأهل الْبَأْس من حماتهم وأبطالهم الْهَرَب مِنْك
٢٣ - الْغَرِيب النّدب ذكر الْمَيِّت بجميل أَفعاله _ الْمَعْنى يَقُول نزلُوا فِي مَوَاضِع عرفوها تقدّمت فِيهَا مصَارِع أَهَالِيهمْ بإيقاع سيف الدولة بهم فَجعلُوا يَبْكُونَ بهَا من قتل من أبطالهم وفرسانهم وتمثلوا تِلْكَ فِي أنفسهم وتوقعوا أَن يحدث مَا يشبهها بهم لما ذكرُوا بهَا مَا صنعت بآبائهم وأعمامهم وأخوالهم
٢٤ - الْغَرِيب تذرى تنثر وتفرق والأوصال جمع وصل وَيُرِيد بِهِ الْعُضْو _ الْمَعْنى يُرِيد أَنه لم يبعد عهد الْقَتْلَى بِهَذَا الْموضع فالريح تحمل شُعُورهمْ وأوصالهم مَوْجُودَة هُنَاكَ وَالرِّيح تلقى عَلَيْهِم أَعْضَاء المقتولين _ وَالْمعْنَى أَن الرّيح تذرى عَلَيْهِم عِظَام الْقَتْل الَّذين قتلوا بالموضع الَّذِي نزلُوا فِيهِ فيخيفهم ذَلِك ويفزعهم ويقلقهم فيهربون من بَين يَديك
٢٥ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فِي تنذر للمصارع وَنَقله الواحدي وَيجوز أَن يكون الضَّمِير للأوصال أَي تنذر الأوصال الْجِسْم بِأَن يَزُول إِلَى مثالها قَالَ تنذر المصارع الْإِقَامَة بهَا وتريهم لكل عُضْو عضوا من المقتولين أَو الْمَعْنى تنذر بالأوصال
стр. 878
الْجِسْم بِأَن يصير لمثلهَا وَيُقِيم لَدَيْهَا فِي مثل حَالهَا وتريه لكل عُضْو من أَعْضَائِهِ مِثَالا شَاهدا ونظيرا حَاضرا وَأَشَارَ بذلك إِلَى وقْعَة سيف الدولة على الرّوم عِنْد بنائِهِ الْحَدث وَقد وصفهَا فِي قَوْله
(عْلَى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ ... ... القصيدة)
وَلم تكن ببعيدة من هَذِه الْوَقْعَة فَلَمَّا اشرفوا على مَوضِع تِلْكَ الْوَقْعَة وَذكروا عظم تِلْكَ البلية أشفقوا من أَن يعاودهم سيف الدولة بِمِثْلِهَا فَوَلوا مُدبرين وفروا من بَين يَدَيْهِ منهزمين
٢٦ - الْغَرِيب الدراك التَّتَابُع والخيال مَا يرى على غير حَقِيقَة _ الْمَعْنى فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير وَالتَّقْدِير أبصروا الطعْن فِي قُلُوبهم دراكا خيالا قبل أَن يرَوا الرماح يُرِيد لشدَّة خوفهم تصوروا مَا صنعت بهم قَدِيما فَرَأَوْا الطعْن تخيلا فِي قُلُوبهم قبل رُؤْيَة الرماح حَقِيقَة _ قَالَ الْخَطِيب اعْتبر الْمُتَأَخّرُونَ بالمتقدمين فكأنهم تخيلوا الطعْن دراكا وَبينهمْ وَبَين من يطلبهم مَسَافَة بعيدَة فَفرُّوا قبل أَن ينْظرُوا إِلَى خيال الرماح _ وَالْمعْنَى يَقُول لَهُ مثلت هيبتك للروم إيقاعك بهم وأرتهم طعان رماحك دراكا فِي قُلُوبهم قبل أَن يتخيلوا ذَلِك ويتحققوه ويتمثلوه ويشاهدوه فعادوا بالفرار مِنْك وولوا منهزمين عَنْك
٢٧ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي الْأَعْدَاء إِذا حاولوا طعانك رَأَوْا أَذْرع قناك لطولها وَسُرْعَة وصولها إِلَيْهِم أميالا يعْنى أَنَّهَا تطول فتصل إِلَيْهِم سريعة وَهَذَا ضد قَوْله
(طِوَالُ قَنا تُطاعِنُها قِصَارُ ... )
_ قَالَ وَقَالَ ابْن جنى أَي لشدَّة الرعب قَالَ وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿يرونهم مثليهم﴾ قَالَ وَقَوله لشدَّة الرعب كَلَام حسن وَأما احتجابه بِالْآيَةِ فخطأ قَالَ وَيجوز أَن يُرِيد بالقنا قِنَا الْأَعْدَاء الَّذين يحاولون الطعان وَالْمعْنَى أَنهم كلما حاولوا طعانك برماحهم استطالوها فَرَأَوْا أذرعها أميالا أَي أَنَّهَا تثقل عَلَيْك جبنا وخوفا مِنْك هَذَا كَلَامه وَالْمعْنَى إِذا حاولت فرسَان طعانك ومثلت لأنفسها قتالك أَرَاهُم الْفَزع أَذْرع رماحك أميالا مُتَّصِلَة لما تتوقعه من طَعنهَا وتحذره من مخوف فعلهَا
стр. 879
- الْغَرِيب الرعب الْفَزع يُقَال رعبته فَهُوَ مرعوب إِذا أفزعته وَلَا يُقَال أرعبته وَيجوز فِيهِ سُكُون الْعين وَضمّهَا وَقَرَأَ ابْن عَامر وَالْكسَائِيّ بِضَم الْعين _ الْمَعْنى قَالَ الواحدي شاع الْخَوْف فيهم شيوعا عَاما فَكَأَن الْخَوْف بسط يَمِينه فِي ميامن عساكرهم وشماله فِي مياسرهم حَتَّى انْهَزمُوا وَهُوَ معنى قَول أبي الْفَتْح وَقَالَ ابْن الإفليلي بسط الرعب فِي أَيْديهم أيديا مثلهَا تمنعها من الْبَطْش وتقصرها عَن الْكَفّ فَوَلوا مخذولين وَهَذَا ضد قَول الآخر
(إنَّا وَجَدْنا بَني جُلَاّنَ كُلَّهُمُ ... كَساعِدِ الضَّبّ لَا طُولٌ وَلا قِصَرُ)
٢٩ - الْغَرِيب الروع الْخَوْف والفزع والأغلال جمع غل وَهُوَ رِبَاط تشد بِهِ الْيَد إِلَى الْعُنُق الْمَعْنى يَقُول يرعش الْخَوْف أَيْديهم فقد صَارَت فِي قلَّة الْغناء وَإِن كَانَ فِيهَا سيف بِمَنْزِلَة الْيَد المغولة وَالْمعْنَى ينفض الْفَزع من أَيْديهم السِّلَاح فَيسْقط ويسلبهم إِيَّاه الذعر فَيذْهب حَتَّى كَأَن سيوفهم فِي أَيْديهم أغلال تَملكهَا وموانع تمنعهم من التَّصَرُّف بهَا وَهُوَ من قَول جرير فِي الفرزدق
(ضَرَبْتَ بهِ عِنْدَ الإمامِ فأُرْعِشَتْ ... يَدَاكَ فَقالُوا مُحْدِثٌ غَيرُ صَارِمِ)
٣٠ - الْإِعْرَاب نصب وُجُوهًا بإضمار فعل دلّ عَلَيْهِ قَوْله ينفض تَقْدِيره ويغير وُجُوهًا يُرِيد أَنه يُغير ألوانها وَهَذَا من بَاب قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَجْمعُوا أَمركُم وشركاءكم﴾ أَي وَادعوا شركاءكم وَكَقَوْلِه ﴿وَالَّذين تبوءوا الدَّار وَالْإِيمَان﴾ يُرِيد وأحبوا الْإِيمَان وكقول الشَّاعِر
(ورأيْتِ زَوْجَكِ فِي الْوَغَى ... مُتَقَلِّداً سَيْفا وَرُمْحا)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من قَوْله
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
_ الْمَعْنى يَقُول للمدوح وَغير الروع وُجُوهًا قد انتقعها الْخَوْف وأذهب جمَالهَا الذعر فَهِيَ ترْعد متغيرة وتعبس متوقعة قد أخافها مِنْك وَجه قد أحرز غايات الْحسن وغلبها على الْجمال وَالْفضل فالحسن وَالْجمال لوجهك لَا لَهَا
стр. 880
- الْغَرِيب الجلى الظَّاهِر المكشوف الْمَعْنى يَقُول مُشِيرا إِلَى الرّوم وفرارهم بَين يَدَيْهِ وَبعدهَا تكلفوه من غزوهم وتعاطوه من حِصَار الْحصن إِن مَا تيقنوه من قصد سيف الدولة وتسابقه نحوهم أكذب مَا ظنوه وأراهم الجلية فِيمَا حاولوه وعرفهم أَن حظهم الِانْتِقَال عَمَّا أضمروه من الْإِقْدَام إِلَى الْفِرَار والانهزام فأزال العيان مَا كَانَ الظَّن يحدث لَهُم ثمَّ ضرب لَهُم مثلا بقوله
٣٢ - الْإِعْرَاب وَحده الضَّمِير للجبان لَا لِلطَّعْنِ لقَوْله والنزال وَهُوَ فِي مَوضِع نصب على الْحَال أَي مُنْفَردا _ الْغَرِيب الجبان ضد الشجاع وَهُوَ الَّذِي يجبن عِنْد لِقَاء الْعَدو وَجبن بِالْفَتْح فَهُوَ جبان وَجبن بِالضَّمِّ فَهُوَ جبين وَامْرَأَة جبان كَمَا قَالُوا حصان ورزان والنزال فِي الجرب أَن يتنازل الْفَرِيقَانِ ونزال بِالْكَسْرِ مثل قطام بِمَعْنى انْزِلْ لِأَنَّهُ معدول عَن المنازلة وَلِهَذَا أنث زُهَيْر فِي قَوْله
(وَلَنِعْمَ حَشْوُ الدّرْعِ أنْتَ إذَا ... دُعِيَتْ نَزَالِ وَلُجَّ فِي الذُّعْرِ)
وَهَذَا من قَول الْحَكِيم الْجُبْن ذلة كامنة فِي نفس الجبان فَإِذا خلا بِنَفسِهِ أظهر شجاعتها _ الْمَعْنى يُرِيد إِذا مَا خلا الجبان بأرضه وَبعد عَن الأقران بِنَفسِهِ طلب الطعْن والمنازلة وتعاطى الْقِتَال والمبارزة فَإِذا أحس بِمن يقاتله رَجَعَ إِلَى طبعه واعتصم بالفرار من قرنه فَكَذَا كَانَ شَأْن الرّوم وشأن سيف الدولة أظهرُوا الْإِقْدَام عَلَيْهِ فَلَمَّا أحسوا بِهِ فروا من بَين يَدَيْهِ وَهَذَا كَمَا تَقول الْعَرَب فِي أَمْثَالهَا كل مجر فِي الْخَلَاء يسر أَي إِذا أجْرى الْإِنْسَان فرسه وَحده سر بجريه فَإِذا قاربه مثله ذهب سروره
٣٣ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد بقلب أَي إِلَّا وَالْقلب مَعَهم حلفوا ليحضرن عُقُولهمْ وليعملن أفكارهم فِي قتالك ثمَّ قَالَ لطالما غرت الْعُيُون يُرِيد كذبهمْ عَنْك كثيرا مَا رَأَوْهُ بعيونهم مغترين مِنْك فطالما اغتروا بمواقعتك فأفنيت جيوشهم وَكَثِيرًا مَا أقدموا فِي الْحَرْب على معاناتك فأتلفت نُفُوسهم
٣٤ - الْغَرِيب آل رَجَعَ يُقَال طبخت الشَّرَاب فآل إِلَى قدر كَذَا أَي رَجَعَ
стр. 881
ورنا إِلَيْهِ يرنوا رنوا إِذا أدام النّظر يُقَال ظلّ رانيا وأرناه غَيره وأرناني حسن مَا رَأَيْت أَي حَملَنِي على الرنو وكأس رنوناة أَي دائمة ووزنها فعللة وَأَصلهَا رنونوة تحركت الْوَاو وَانْفَتح مَا قبلهَا فَانْقَلَبت ألفا فَصَارَت رنوناة وَقَالَ أَبُو عَليّ فعوعلة قَالَ ابْن أَحْمَر
(مَدَّتْ عَلَيْهِ المُلْكُ أطْنابَها ... كأسٌ رَنَوْناةٌ وَطِرْفٌ طِمِرَ)
_ الْمَعْنى قَالَ الواحدي هَذَا متناقض الظَّاهِر لِأَنَّهُ أنكر أَن تديم عين النّظر إِلَيْهِ فِي المصراع الأول وَأنكر فِي الثَّانِي أَن يعود طرف رنا إِلَيْهِ وَلم يشخص قَالَ هَذَا يحمل على عُيُون الْأَعْدَاء والأولياء فعين الْعَدو لَا تديم النّظر إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ وَعين الْوَلِيّ تتحير فِيهِ وَتبقى شاخصة فَلَا ترجع إِلَى صَاحبهَا قَالَ وَقَوله فلاقتك من لَاق الشَّيْء والاقه إِذا أمْسكهُ قَالَ وَهَذَا مِمَّا لم يتَكَلَّم فِيهِ أحد من الشُّرَّاح وَصدق فِي قَوْله لِأَن أحدا من الشُّرَّاح لَا يستحسن أَن يَقُول مثل هَذَا وَإِنَّمَا الْمَعْنى أَنه يَقُول أَي عين بَطل تأملتك فلاقاك من اللِّقَاء صَاحبهَا وأقدم على مواقعتك النَّاظر بهَا وَأي شُجَاع مجرب أَو كمي مقدم رنا إِلَيْك طرفه ولاحظتك عينه فَرجع عينه قَاصِدا إِلَيْك وَتعرض للكر مقدما عَلَيْك
٣٥ - الْإِعْرَاب يرْوى للعين بِالضَّمِّ لِأَنَّهُ فَاعل يشك ويروى بِالنّصب على الذَّم بإضمار أَعنِي أَو أَشمّ اللعين وَقَوله فَهَل هُوَ اسْتِفْهَام تجاهل لِأَنَّهُ علم أَنه لَا يبْعَث الجيوش للنوال _ الْغَرِيب النوال الْعَطاء _ الْمَعْنى يَقُول لم يشك هَذَا اللعين فِي أَنَّك تغلب جَيْشه وتتحكم فِيهِ وتأخذه وتتملكه وتشمل أَهله بِالْقَتْلِ والأسر وَالله تكفل لَك عَلَيْهِ بأبلغ النَّصْر إفتراه إِنَّمَا يجْهر الجيوش إِلَيْك عَطاء لَك يَقْصِدهُ وإتحافا بهم يعتمده
٣٦ - الْإِعْرَاب يرْوى ومرجاه بِالْإِضَافَة وموضعه رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره أَن يصيد أَي صيد الْهلَال ويروى مرجاة بتاء التَّأْنِيث مَنْصُوبَة نصب الْمَفْعُول مَعَه كَقَوْلِك مَالك وزيدا وَأَجَازَ أَبُو الْفَتْح الْخَفْض عطفا على من فالواو فِي الْوَجْه الأول وَاو الْحَال وَفِي الثَّانِي وَاو مَعَ وَفِي الثَّالِث وَاو الْعَطف _ الْغَرِيب الحبائل جمع حبالة وَهِي الْإِشْرَاك ومرجاة مفعلة من الرَّجَاء رَجَوْت فلَانا رَجَاء ورجاوة ومرجاة مثل مسعاة ومعلاة _ الْمَعْنى يَقُول مَا لمن ينصب الْإِشْرَاك فِي الأَرْض وَهَذَا اسْتِفْهَام تعجب يتعجب مِمَّن يفعل هَذَا وَهَذَا مثل يُرِيد بِهِ امْتنَاع سيف الدولة وَبعده عَن أَن تناله يَد عَدو بِسوء فَالَّذِي يفعل هَذَا كمن يروم صيد الْهلَال فِي الأَرْض وَهَذَا إزراء على فعل ملك الرّوم بإقدامه
стр. 882
على قتال سيف الدولة وَجعله قمرا لعلو مَنْزِلَته ورفعة قدره فيقولى كَيفَ لملك الرّوم أَن يُؤثر فِي الْقَمَر ويعترض على سَابق الْقدر لِأَن الله قد قضى لسيف الدولة بالنصر عَلَيْهِ
٣٧ - الْغَرِيب الدَّرْب الْمدْخل من أَرض الْعَدو والأحدب جبل بِقرب حصن الْحَدث وَالنّهر مَوضِع بِقرب الْحصن والاختلاط بالشَّيْء الالتباس بِهِ وَفُلَان مخلط مزيال أَي مَوْصُوف بالشجاعة وجودة الرَّأْي وَقد وصفوا بِهِ الْفرس إِذا طلب الْخَيل لغارة خالطها وَإِذا طلبته وجدته مزيالا لَا تلْحقهُ قَالَ أَبُو زِيَاد الأيادي
(مِخْلَطٌ مِزْيَلٌ مِكَرٌّ مفَرٌّ ا ... أجْوَلِيّ ذُو مَيْعَةٍ إضْرِيجُ)
_ الْمَعْنى يَقُول هَذِه القلعة دونهَا وَدون الْوُصُول إِلَيْهَا رجل مخلط مزيال كثير المخالطة للأمور يخالطها ثمَّ يزايلها يحمي حريمها وَيُقَاتل الْأَعْدَاء عَنْهَا أَو دونهَا ملك مقتدر مزيال عَن أَطْرَاف بِلَاده فَهُوَ يَثِق بِمَا يحميها من هيبته نخلط بالأعداء فِيهَا عِنْد قصدهم لَهَا سريع لَا يتَأَخَّر من سطوته فَهُوَ وَإِن بعد أدنته مِنْهُم قوته وَإِن انتزح قربته مِنْهُم مقدرته
٣٨ - الْإِعْرَاب خالا نَصبه على الْحَال _ الْمَعْنى يَقُول إِنَّه استنقذها من الدَّهْر وَمن الْمُلُوك عصبته على كَذَا أَي قهرته وبناها فِي وجنة الدَّهْر خالا قَالَ الواحدي يجوز أَن يُرِيد بِهِ الشُّهْرَة كشهرة الْخَال فِي الْوَجْه وَيجوز أَن يُرِيد ثُبُوتهَا ورسوخها فَيكون كَقَوْل مزرد
(فَمَنْ أرْمِهِ مِنْها بسَهْمٍ يَلُحْ بِهِ ... كَشامَةِ وَجْهٍ ليْسَ للشام للشَّامِ غاسِلُ)
_ وَالْمعْنَى أَنه بناها فِي وَجه الدَّهْر كالخال الَّذِي يتزين بِهِ الْوَجْه مَعَ مُخَالفَته للونه ويحسنه مَعَ مَا ثَبت فِيهِ من حسنه فَالْمَعْنى أَن هَذِه الْمَدِينَة قد جلّ قدرهَا فَكَأَن الدَّهْر زين بهَا وَجهه ووسم برفعتها نَفسه وَهَذِه اسْتِعَارَة حَسَنَة لم يعْمل فِي بَيته مثلهَا
٣٩ - الْإِعْرَاب اختيالا ودلالا مصدران فِي مَوضِع الْحَال _ الْغَرِيب الاختيال الزهو والتكبر والدلال الشكل والغنج ودلت الْمَرْأَة تدل بِالْكَسْرِ وتدللت فَهِيَ حَسَنَة الدل والدلال
стр. 883
_ الْمَعْنى يَقُول هَذِه القلعة لَا تكلم وَلَا تثني وَلَكِن لَو مشت لمشت اختيالا وَلَو تَكَلَّمت لتدللت دلالا تدل على الزَّمَان حَيْثُ لم يقدر عَلَيْهَا أحد فَهِيَ تختال بِمَنْع سيف الدولة لَهَا وَتثني على الزَّمَان دلالا بمدافعته واستعار لَهَا الْمَشْي والدلال لعزتها بِسيف الدولة
٤٠ - الْغَرِيب المطرد الْمُتَّصِل الَّذِي لَا عوج فِيهِ والأكعب العقد الَّتِي تكون بَين أنابيب الرمْح وَاحِدهَا كَعْب والأوجال المخاوف الْوَاحِد وَجل وَهُوَ الْخَوْف والفزع _ الْمَعْنى يَقُول حفظهَا من جور الزَّمَان وَمن المخاوف فقد حماها جور الزَّمَان ومخاوفة بِالرِّمَاحِ المستقيمة يُرِيد أَنه حماها من الرّوم بمسارعته إِلَيْهَا دونهم وإيقاعه عَلَيْهِم فِيهَا
٤١ - الْغَرِيب الْخَمِيس الْعَسْكَر الْعَظِيم وسمى خميسا لِأَنَّهُ يُخَمّس مَا يجد أَي يَأْخُذهُ وَقيل لِأَنَّهُ خمس فَوق الْمُقدمَة وَالْقلب والميمنة والميسرة والساقة والبئيس الشَّديد الْكثير الشجعان أولى الْبَأْس والافتراس الْأَخْذ وَأَصله دق الْعُنُق _ الْإِعْرَاب نصب الْأَمْوَال بِفعل مُضْمر تَقْدِيره وَيَأْخُذ الْأَمْوَال فَهُوَ من بَاب
(عَلَفْتُها تِبْنا وَماءً بارِداً ... )
الْمَعْنى أَنه أَرَادَ أَن هَذَا الْخَمِيس فِيهِ رجال أَو لَو يأس وَقُوَّة تفترس النُّفُوس وَتَأْخُذ الْأَمْوَال فَالْمَعْنى هِيَ فِي خَمِيس من جَيْشه وَكَثْرَة من جمعه كالأسود الضارية وَالسِّبَاع العادية يفترسون نفوس الْأَعْدَاء وَيَأْخُذُونَ أَمْوَالهم ويقربون إِلَيْهِم حتوفهم وآجالهم
٤٢ - الْإِعْرَاب ظبا فِي مَوضِع خفض بالْعَطْف على قَوْله فِي خَمِيس وَنصب حَلَالا على الْحَال الْغَرِيب الظيا جمع ظبة وَهِي طرف السهْم وَالسيف قَالَ بشامة بن حزن النَّهْشَلِي
(إِذا الكُماةُ تَنَحَّوا أنْ يُصِيبَهُمُ ... حَدُّ الظُّباةِ وَصَلْناها بأيْدِينا)
_ وَأَصلهَا ظبو وَالْجمع أظب فِي أقل الْعدَد مثل أدل وظبات وظبون بِالْوَاو وَالنُّون قَالَ كَعْب
(تَعاوَرٌ أيَمانُهُمْ بَيْنَهُمْ ... كُئوسَ المَنايا بِجَدَ الظُّبِينا)
_ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا مثل ضربه أَي سيوفه معودة للضرب فَهِيَ تعرف بالدربة الْحَلَال من الْحَرَام _ قَالَ ابْن فورجة الْعَادة والدربة ليستا مِمَّا يعرف بِهِ الْحَلَال وَالْحرَام فِي النَّاس
стр. 884
فَكيف فِيمَا لَا يعقل وَإِنَّمَا يَعْنِي أَن سيف الدولة غاز للروم فَلَا يقتل إِلَّا كَافِرًا قد حل دَمه فنسب ذَلِك إِلَى سيوفه _ قَالَ الواحدي هَذَا كَلَامه وَأظْهر مِنْهُ أَن يُقَال الْمَعْنى بِمَعْرِِفَة الْحَلَال من الْحَرَام أَصْحَابهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ وَذَوي ظبا فَلَمَّا حذف الْمُضَاف عَاد الْكَلَام إِلَى الْمُضَاف إِلَيْهِ
٤٣ - الْغَرِيب الأنيس جمَاعَة النَّاس والتفارس التقاتل والاغتيال الْقَتْل بالخديعة الْمَعْنى يُرِيد أَن أنفس الأنيس كالسباع فِيمَا تبتغيه من الْغَلَبَة وتطلبه من الاستعلاء وَالْقُدْرَة فَهِيَ تتفارس سرا وجهرة ومكاشفة وغيلة
٤٤ - الْغَرِيب الغلاب الْغَلَبَة والاغتصاب الْأَخْذ بالقهر _ الْمَعْنى يَقُول من أطَاق أَن يَأْخُذ مِنْهُم شَيْئا قهرا لم يَأْخُذهُ سؤالا ومخادعة وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الْغَلَبَة طبع الْحَيَاة والمسئلة طبع الْمَوْت وَالنَّفس لَا تحب الْمَوْت فَلذَلِك تحب أَخذ الشَّيْء بالغلبة
٤٥ - الْغَرِيب الغضنفر والرئبال اسمان من أَسمَاء الْأسد معروفان _ الْمَعْنى يَقُول كل غاد مِنْهُم لِحَاجَتِهِ ومعتمد لبغيته يود لَو أَنه أَسد بَأْسا وَشدَّة واقتدارا وَقُوَّة ليتناول مَا يَقْصِدهُ بعضله ويستظهر عَلَيْهِ ببأسه وشدته وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الرّوم لم يَفروا من بَين يَدي سيف الدولة أنفًا ومكارهة وَإِنَّمَا كَانَ فرارهم فرقا ومحاذرة لِأَن طبائع الْبشر أَن يستعملوا فِيمَا يطلبونه غَايَة قوتهم وَأَن يتناولوا ذَلِك بأبلغ قدرتهم
стр. 885
- ١ الْغَرِيب الجوى الَّذِي أَصَابَهُ الجوى وَهُوَ دَاء فِي الْجوف والمتبول الَّذِي هيمه الْحبّ وأفسده وأسقمه وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(تَبَلَتْ فُؤَادَكَ فِي المَنامِ خَرِيدَةٌ ... تَشْفِي الضَّجِيعَ بِبارِدٍ بَسَّامِ)
_ الْمَعْنى يتهم رَسُوله الَّذِي يُرْسِلهُ إِلَى محبوبته بمشاركته فِي حبها فَيَقُول أَن العاشق وقلبك الْفَاسِد وكلنَا مُبْتَدأ وَخَبره جو وَإِنَّمَا ذكرنَا هَذَا لِأَن بَعضهم خفضه على التَّأْكِيد _ قَالَ أَبُو الْفَتْح وَلَا يجوز لِأَنَّهُ يُوجب نصب جو على الْحَال فَيَقُول جويا وَإِن لم يفعل فَهُوَ ضَرُورَة وَمعنى الْبَيْت يَقُول لرَسُوله مالنا أَيهَا الرَّسُول الَّذِي استحفظته إِلَى من أحبه الرسَالَة كلنا جو مَشْغُول بِنَفسِهِ فَأَنا وامق عاشق وَأَنت رَسُول وَالْحب قد قتل قَلْبك وَملك لبك فمالك تشبهني فِيمَا أَلْقَاهُ وتماثلني فِيمَا أقاسيه وأتشكاه
٢ - الْمَعْنى يَقُول كلما عَاد إِلَيْهَا من أبعثه وشاهدها من أقصده نَحْوهَا وأرسله ملكه الافتتان بحسنها وشاركني فِي الشغف بحبها وَأظْهر الْغيرَة مني عَلَيْهَا فخانني فِي قَوْله وخالفني فِي جملَة أمره لِأَنَّهُ لما فتنه حسنها حمله على الْخِيَانَة
٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قلوبهن قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يعود على الْأَمَانَات وَيجوز أَن يعود على الْعُقُول لما تقدم الضَّمِير الْمَفْعُول كَقَوْلِك لبس ثَوْبه زيد أَي وخانت الْعُقُول قلوبهن _ الْمَعْنى يَقُول لما أفسدت عَيناهَا بسحرهما وَمَا تودعه الْقُلُوب يفنون لحظهما الْأَمَانَات بيني وَبَين من أنزل الثِّقَة بِهِ وأعتقد الْخَلَاص لَهُ وخانت فِيهَا الْعُقُول بفنون لحظها مَا الْأَمَانَات بيني وَبَين من أنزل الثِّقَة بِهِ وأعتقد الْخَلَاص لَهُ وخانت فِيهَا الْعُقُول قلوبها وخذلت الْأَلْبَاب نفوسها فعميت عَن رشدها وَعدلت عَن سَبِيل قَصدهَا وَمعنى خِيَانَة الْعُقُول أَنَّهَا لَا تصور للقلوب حفظ الْأَمَانَة لِأَن الرَّسُول إِذا نظر إِلَيْهَا غلب عَلَيْهِ هَواهَا على الْأَمَانَة
стр. 886
- الْإِعْرَاب النحول رفع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مَحْذُوف تَقْدِيره مَوْجُود لِأَن حَيْثُ لَا تُضَاف إِلَّا إِلَى الْجمل _ الْغَرِيب الطَّرب خفَّة تحدث عِنْد الْفَرح والحزن وروى الواحدي من ألم الشوق وروايتنا طرب الشوق على شَيْخي _ الْمَعْنى يَقُول المحبوبة الَّتِي أحبها تَشْكُو من الشوق مَا أَشْكُو إِلَيْهَا ثمَّ إِنَّه كنى عَن تكذيبها وَلم يُصَرح بِأَحْسَن الْكِنَايَات بِأَن نحولي يدل على اشتياقي وَمن لم يكن ناحلا لم يكن مشتاقا لِأَن النحول دَلِيل الشوق والمحبة _ وَقَالَ ابْن الإفليلي فِي شَرحه يَقُول لرَسُوله وَهُوَ يعاتبه تظهر من شكوى الْحبّ مَا أظهره وَلَيْسَ كَذَلِك وَإِنَّمَا الشوق على حَقِيقَته النحول
٥ - الْغَرِيب خامر خالط وَلَا بس والصب الشَّديد الشوق وَهُوَ الَّذِي يصبو إِلَى حَبِيبه _ الْمَعْنى يَقُول إِذا خالط قلب محب هوى من يُحِبهُ فملكه وَاسْتولى عَلَيْهِ وغلبه فَفِيمَا يظْهر من تغير حَاله وَيبين من تقسم باله دَلِيل لكل عين على مَا يضمره ومخبر على مَا يجنه ويستره
٦ - الْغَرِيب قَالَ أَبُو الْفَتْح مادام هُنَا بِمَعْنى ثَبت كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿مَا دَامَت السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي ثبتَتْ وَبقيت وتحول تذْهب وتفنى الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته زودينا من حسن وَجهك غير معرضة ومتعينا بِالنّظرِ إِلَيْهِ غير مخيبة فَحسن الْوُجُوه حَال تذْهب وتفنى وتحول ويتبدل جمَالهَا وَيَزُول لِأَن الشبيبة يتلوها الْكبر والأقتبال يُعَاقِبهُ التَّغَيُّر والهرم
٧ - الْغَرِيب الْمقَام وَالْمقَام بِالْفَتْح وَالضَّم كل وَاحِد مِنْهُمَا بِمَعْنى الْإِقَامَة وَقد يكون بِمَعْنى مَوضِع الْقيام لِأَنَّك إِذا جعلته من قَامَ يقوم فمفتوح الْمِيم وَإِذا جعلته من أَقَامَ يُقيم فَهُوَ مضموم الْمِيم لِأَنَّهُ شبه ببنات الْأَرْبَع نَحْو دحرج وَقد دحرجنا وَهَذَا مدحرجنا وَقد اخْتلفت الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى ﴿خير مقَاما﴾ فِي سُورَة الدُّخان فَقَرَأَ بِضَم الْمِيم ابْن كثير وَحده وَقَرَأَ حَفْص لَا مقَام لكم بِضَم الْمِيم وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامر فِي الدُّخان بِضَم الْمِيم
стр. 887
فَهَذَا بِمَعْنى الْإِقَامَة وَلم يَخْتَلِفُوا فِي قَوْله ﴿حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما﴾ لِأَنَّهُ بِمَعْنى الْموضع وَعَلِيهِ قَول لبيد
(عَفَتِ الدّيارُ مَحَلُّها فَمُقامُها)
_ الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته أَو جدينا السَّبِيل إِلَى وصلك نصلك معجبين بك وصلينا فِي هَذِه الدُّنْيَا نسر بذلك ونعترف لَك وَالْإِقَامَة فِي الدُّنْيَا قَليلَة والرحلة عَنْهَا متدانية سريعة
٨ - الْإِعْرَاب روى الواحدي بِعَيْنِه وَهُوَ عَائِد إِلَى من وروايتنا بِعَينهَا رَاجع إِلَى الدُّنْيَا _ الْغَرِيب الْقطَّان المقيمون واحدهم قاطن والحمول الْأَحْمَال وَيجوز أَن يكون المتحملين وَقد جَاءَت الحمول بِمَعْنى النِّسَاء المتحملات فِي قَول الْبَارِقي
(أمِنْ آلِ شَعْثاءَ الْحُمُولُ البَوَاكِرُ ... معَ الصُّبْحِ قدْ زَالَتْ بِهِنَّ الأباعِرُ)
_ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح من رأى الدُّنْيَا بِالْعينِ الَّتِي يجب أَن ينظر بهَا إِلَيْهَا فَإِنَّهَا ترَاهَا رزية فالعين فِي هَذَا الْوَجْه للْإنْسَان وَيجوز أَن يكون للدنيا من قَوْلهم هَذَا عين الشَّيْء أَي حَقِيقَته أَي من عرف الدُّنْيَا حق مَعْرفَتهَا تَيَقّن أَن أَهلهَا راحلون لَا محَالة فَلم يجد بَين القاطن والراحل فرقا فَهَذَا يشوقه وَهَذَا يشوقه لِأَن الرحيل قد شملهما وَالْمعْنَى من رأى الدُّنْيَا بِعَينهَا وتوسمها بحقيقتها شاقة القاطن فِيهَا لقلَّة مقَامه كَمَا يشوقه الظاعن عَنْهَا لسرعة زَوَالهَا كَأَنَّهُ أَرَادَ ذَوي الحمول فَحذف الْمُضَاف وَهُوَ مَنْقُول من قَول عَبدة بن أَيُّوب
(وفَارَقْتُهُمْ والدَّهْرُ مَوْقِفُ فُرْقَةٍ ... عَوَاقِبُهُ دارُ الْبِلَى وأوَائِلُهْ)
٩ - الْغَرِيب أَدَم بِضَم الدَّال وَفتحهَا إِذا شحب لَونه وَتغَير وَنزع إِلَى السوَاد ظَاهره والقناة قناة الرمْح والذبول اليبس والدقة _ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِن كَانَت الْأَسْفَار غيرت وَجْهي فَلَيْسَ ذَلِك بِعَيْب فِي وَإِن كَانَ عَيْبا فِي غَيْرِي بل هُوَ وصف مَحْمُود فِي كَمَا أَن الذبول وَإِن كَانَ مذموما فَهُوَ فِي الْقَنَاة مَحْمُود لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى صلابتها كَقَوْل الطَّائِي
(لانَتْ مَهَزَّتُهُ فَعَزَّ وإنَّمَا ... يَشْتتَدُّ رأسُ الرُّمْحِ حِينَ يَلِينُ)
قَالَ وَقَوله بعد بَيَاض لَيْسَ هُوَ مُعْتَرضًا بل هُوَ مُسَدّد للمعنى لِأَنَّهُ لم يبال بِتَغَيُّر لَونه وَإِن كَانَ غَيره من النَّاس هُوَ يستوحش فَإِنَّهُ يحمده من نَفسه وَإِن كَانَ لم يزل آدم لما مدح نَفسه بقلة الفكرة فِي تغير لَونه بعد بياضه ونضرته أَي تَغَيَّرت بعد حسن وشبيبة وَذَلِكَ لما عاينته من الْأَسْفَار وتقلبت فِيهِ من الْأَحْوَال وَأَنا فِي ذَلِك مثل الرمْح الَّذِي تعرب سمرته عَن عتقه وتدل ذبلولته على صلابته وَصدقه
стр. 888
- الْغَرِيب الفتاة الشَّمْس جعلهَا فتاة لِأَن الزَّمَان لَا يُؤثر فِيهَا كَمَا يُقَال للدهر الأزلم الْجذع أَي طرى لَا يَسْتَحِيل والتبديل التَّغْيِير _ الْمَعْنى يَقُول صحبتني على الفلاة الَّتِي قطعتها فِي سيري والأسباب الَّتِي عاينتها وتجشمتها فتاة لَا يهرم شخصها وَلَا ينتقص حسنها عَادَتهَا فِي الألوان أَن تبدلها وتنقلها إِلَى الأدمة وتغيرها وَقَوله فتاة على سَبِيل الِاسْتِعَارَة لِأَن طُلُوعهَا يَتَجَدَّد فِي كل يَوْم فَهِيَ بكر فِي كل يَوْم
١١ - الْغَرِيب الحجال جمع حجلة وَهُوَ بَيت يزين بالثياب والستور وَهُوَ بَيت الْعَرُوس واللمى سَمُرَة تكون فِي الشفتين _ الْمَعْنى يَقُول لمحبوبته سترتك الحجال عَن هَذِه الفتاة الَّتِي غيرت لوني لِأَنَّك فِي كن عَنْهَا لَا يصيبك حرهَا وَلَكِن بك مِنْهَا تَقْبِيل لما فِي شفتيك من الأدمة كَأَنَّهَا قبلتك فأورثتك هَذَا اللمى الَّذِي فِي شفتيك
١٢ - الْغَرِيب التَّلْوِيح تَغْيِير الْجِسْم واللون والعطبول الطَّوِيلَة الْعُنُق التَّامَّة الْجِسْم وَجَمعهَا عطابل وعطابيل _ الْمَعْنى يَقُول أَنْت مثل الشَّمْس غيرت لوني وَأَنت أسقمت جسمي وزادت فِي تَأْثِيرا أبهاكما وَهِي أَنْت وَالْمعْنَى أَنْت مماثلة لَهَا بحسنك وَغير بعيدَة مِنْهَا فِي فعلك وكلاكما لَهُ فِي جسمي فعل غَيره وتأثير بُد لَهُ فالشمس لوحته وَأَنت أسقمته وأذهبت نضرته وأنحلته وزدت أَنْت فِي قُوَّة التَّأْثِير وأفرطت فِيمَا أوجبته من التَّغْيِير وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن محبوبته بزيادتها على الشَّمْس فِي حسنها زَادَت عَلَيْهَا فِي فعلهَا
١٣ - الْغَرِيب نجد مَوضِع بَين الْكُوفَة وَمَكَّة الْمَعْنى أَنه أظهر تجاهلا وَهُوَ عَارِف وَهَذِه طَريقَة الشُّعَرَاء وَالْإِنْسَان إِذا اشتاق إِلَى الشَّيْء سَأَلَ عَنهُ مَعَ علمه بِهِ وَإِذا أحب شَيْئا أَكثر ذكره وَأكْثر السُّؤَال عَنهُ وَإِن كَانَ يعرفهُ كَقَوْل بشر بن أبي خازم
(أسائِلُ صَاحِبي وَلَقَد أرَانِي ... يَصِيراً بالظَّعائِنِ حَيْثُ صَارُوا)
وكقول الآخر
(وخَبَّرَنِي عَن مَجْلِسٍ كُنتَ زَيْنَهُ ... بِحَضْرَةِ قَوْمٍ وَالمَلاءُ شُهُودُ)
(فقُلتُ لهُ كُرَّ الحَديثَ الَّذي مَضَى ... وَذِكْرَكَ مِن كَرَ الحَديثِ أُرِيدُ)
(أُناشِدُهُ إلَاّ أعادَ حَدِيثَهُ ... كأنّي بَطيءُ الفَهْمِ حِينَ يُعِيدُ)
١٤ - الْمَعْنى يُرِيد أَن كثيرا من السُّؤَال يبْعَث عَلَيْهِ شدَّة الشوق ويقود إِلَيْهِ استحكام التطلع والتوق دون جَهَالَة توجب القَوْل بِهِ وَقلة معرفَة تحمل على الِاسْتِعْمَال لَهُ وَكثير من الْجَواب تَعْلِيل للسَّائِل دون جهل بِحَقِيقَة مَا يَطْلُبهُ وتأنيس لَهُ مَعَ الاستبانة بجملة مَا يرغبه وَالْمعْنَى الَّذِي حَملَنِي على السُّؤَال الاشتياق وَلَكِن أتعلل بالسؤال عَن الْجَواب
١٥ - الْإِعْرَاب لَا أَقَمْنَا أَي لم نقم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فَلَا صدق وَلَا صلى﴾ أَي لم يصدق وَقَالَ الشَّاعِر
(وأيَّةُ لَيْلَةٍ لَا كُنْتَ فِيها ... كخاوِي النَّجْمِ يُحْرِقُ مَنْ يُلاقِي)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون على الْقسم أَي وَالله لَا أَقَمْنَا _ الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع الْمَعْنى لَا نُقِيم على مَكَان وَإِن طَابَ وَلَا يُمكنهُ الرحيل مَعنا أَي لَا نُقِيم الْبَتَّةَ لِأَن الْمَكَان لَا يرحل مَعنا فَلَا نُقِيم على مَكَان أبدا حَتَّى نَلْقَاهُ إِلَّا أَن يسير الْمَكَان مَعنا فَكَذَلِك نَحن لَا نُقِيم فِي مَكَان وَإِن طَابَ وَقيل نفي النَّفْي إِيجَاب فِي كَلَام الْعَرَب فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا نُقِيم فِي مَكَان إِلَّا أَن يرحل مَعنا وَهَذَا مثل قَول الفرزدق
(بأيدي رجال لم يشيمسوا سيوفهم ... وَلم يكثروا بهَا حِين سلت)
قيل مَعْنَاهُ لم يشيمسوا سيوفهم إِلَّا بعد أَن كثرت الْقَتْلَى وَفِي الْبَيْت معنى آخر وَهُوَ على التَّقْرِير بِأَن تقرر صفة الشئ وَالْمرَاد ضِدّه فَكَأَنَّهُ قَالَ لم يشيموا وَلم يكثروا الْقَتْلَى أى كثرت جدا وَمِنْه قَول الشنفري
(صَلِيَتْ مِنِّي هُذَيْلٌ بِخِرْقٍ لَا يَمَلُّ الشَّرَّ حَتَّى يَمَلُّوا)
مَعْنَاهُ على مَذْهَب التَّقْرِير لَا يمل الشَّرّ وَإِن ملوه وَقد جَاءَ فِي الحَدِيث إِن الله لَا يمل حَتَّى تملوا مَعْنَاهُ لَا يجازيكم جَزَاء الْملَل وَإِن مللتم وَجَاء فِي الحَدِيث وَإِن صهيبا لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ مَعْنَاهُ لَو لم يخف أَي أَمن فَكَأَنَّهُ قيل لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَن نفي النَّفْي إِيجَاب فَيكون الْمَعْنى أَن صهيبا لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ
стр. 889
أَي لم يَعْصِهِ وعَلى مَذْهَب التَّقْرِير لَو لم يخف الله مَا عَصَاهُ أَي لم يَعْصِهِ أبدا وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَن لَو فِي الْكَلَام تدل على امْتنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره فَيكون الْمَعْنى الْعِصْيَان امْتنع لأجل الْخَوْف أَي لما خَافَ لم يعْص وَالْمعْنَى الأول وَمَا بعده أبلغ من هَذَا لِأَن مَعْنَاهَا لَو أَمن الله مَا عَصَاهُ وَمعنى هَذَا الآخر أَن الْعِصْيَان امْتنع من أجل الْخَوْف _ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح الْمَكَان الَّذِي لَا يُمكنهُ الرحيل مَعنا إِلَى سيف الدولة شوقا إِلَيْهِ وَقد بَينه فِيمَا بعد وَقَالَ الواحدي وَيجوز ان يكون على الدُّعَاء كَمَا تَقول لَا فض الله فَاك يَقُول لم تقم فِي الطَّرِيق إِلَيْهِ بمَكَان وَإِن طَابَ ذَلِك الْمَكَان ثمَّ قَالَ وَلَا يُمكن الْمَكَان أَن يرتحل أَي لَو أمكنه لارتحل مَعنا
١٦ - الْغَرِيب الترحيب بالزائر الاستبشار بِهِ والسبيل الطَّرِيق _ الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْتَذِرُونَ إِلَى الْأَمَاكِن وَالرَّوْض إِذا رَحبَتْ بهم لأَنهم لَا يقدرُونَ على الْإِقَامَة وَهِي لَا يُمكنهَا الرحيل _ وَقَالَ الواحدي كلما طَابَ لنا مَكَان كَأَنَّهُ يرحب بِنَا لطيب الْمقَام بِهِ قُلْنَا لذَلِك الْمَكَان لَا نُقِيم عنْدك لِأَن قصدنا حلب وَأَنت الْمَمَر فَلَا نقدر أَن نُقِيم عنْدك وَالْمعْنَى كلما رَحبَتْ الرياض بِنَا بِمَا تظهر من حسنها وَمَا تستميلنا بِهِ من زهراتها وطيبها قُلْنَا لَهَا حلب مُسْتَقر سيف الدولة فصدنا الَّذِي نرغبه وغرضنا الَّذِي نعتمد عَلَيْهِ ونطلبه وَأَنت طَرِيق نسلكه وَلَا ننزل فِيهِ ونعمره وَلَا نعرج عَلَيْهِ
١٧ - الْغَرِيب الوجيف والذميل ضَرْبَان من السّير سريعان _ الْمَعْنى يُخَاطب الرَّوْض يَقُول فِيك مرعى مطايانا وخيلنا وَبِك نستعين على مَا نحاوله من سيرنا إِلَى حلب نوجف مُسْرِعين وإليها نبادر غير متوقفين
١٨ - الْمَعْنى يُرِيد وَمن يُسمى بالأمير غَيره وَيتَعَاطَى التَّمَكُّن فِي الرّفْعَة كثير مِمَّا نشهده غير مَعْدُوم فِيمَا نعلمهُ وَلَكِن الْأَمِير الَّذِي بحلب نأمل مكارمه وَهُوَ المرجو الَّذِي لَا يُنكر فَضله وفضائله
١٩ - الْمَعْنى يَقُول سيف الدولة سَافَرت عَنهُ وفارقته فِي شَرق الْبِلَاد وغربها وعطاؤه لم يزل عني وَذَلِكَ أَنه انفذ إِلَيْهِ هَدِيَّة عِنْد وُرُوده الْعرَاق وَهَذَا مثل قَوْله فِيهِ
(وَمَنْ فَرَّ مِنْ إحْسانِهِ حَسَداً لهُ ... تَلَقَّاهُ مِنْهُ حَيْثُما سارَ نائِلُ)
стр. 890
- الْغَرِيب الْوَجْه مَا تَوَجَّهت إِلَيْهِ وَالْكَفِيل الضَّامِن _ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد لُزُوم عطائه إِيَّاه وَأَنه لَا يتَوَجَّه وَجها إِلَّا واجهه جوده فَكَأَن كل طَرِيق كَفِيل لنداه بِوَجْهِهِ وَهَذَا مَحْمُول على الْقلب أَرَادَ لي كَفِيل بِوَجْه نداه يرينيه وياتيني بِهِ وَالْقلب شَائِع فِي الْكَلَام كثير فِي الشّعْر يَقُول كل وَجه توجهته كَفِيل لي يُوَجه نداه وَيصِح الْمَعْنى من غير حمل اللَّفْظ على الْقلب وَذَلِكَ أَن مِمَّن واجهك فقد واجهته وَمن استقبلك فقد استقبلته وَالْأَفْعَال الْمُشْتَرك فِيهَا يَسْتَوِي الْمَعْنى فِي إسنادها إِلَى الْفَاعِل وَالْمَفْعُول كَقَوْلِك لقِيت زيدا ولقيني زيد وأصبت مَالا وأصابني مَال وَإِذا كَانَ للندى كَفِيل بِوَجْهِهِ كَانَ لوجهه كَفِيل بالندى وَقَالَ ابْن الإفليلي يَقُول كل وجهة أقصدها وناحية اعتمدها تتكفل بِي لسيف الدولة مزعجة لي إِلَيْهِ وتضمني لَهُ بِكَثْرَة الحض عَلَيْهِ
٢١ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يسمع العذل فِي الْجُود وَغَيره يسمع وَالْمعْنَى إِذا عذل جواد فِي الْجُود فَسمع ذَلِك ووعاه ففداء هَذَا الممدوح العاذلون والمعذولون وَقَالَ ابْن فورجة يُرِيد فُؤَادك كل من عذل فِي جوده فَسَمعهُ أَو رده لِأَنَّك فَوْقه جودا وَالْمعْنَى إِذا عذل جواد على جوده وكريم على كرمه ففداؤك الْجواد وعاذله لِأَنَّك نهج سَبِيل الْكَرم وَالْمُنْفَرد بإسداء العوارف وَالنعَم
٢٢ - الْإِعْرَاب موَالٍ مَعْطُوف على قَوْله العذول الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح الموَالِي يُرِيد بهَا العبيد هَاهُنَا أَي ينعم على العبيد وَغَيرهم بِتِلْكَ النعم مقتول حسدا وَالْمعْنَى وفداه موَالٍ شملتهم مكارمه وأحيتهم مواهبه وَمن جملَة تِلْكَ الْمَوَاهِب مَا غَيرهم من أعاديه مقتول بهَا يُرِيد أَنه يسلبها من الْأَعْدَاء ويعطيها الْأَوْلِيَاء والموالي الْأَوْلِيَاء وَبَين تِلْكَ النعم بقوله
٢٣ - الْإِعْرَاب قَوْله فرس سَابق هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره هِيَ فرس وَيجوز أَن يكون بَدَلا من نعم الْغَرِيب من روى سابح فَهُوَ الَّذِي يمد يَدَيْهِ فِي الْحَرْب والدلاص الدروع البراقة الملساء والزغف المحكمة النسيج وَقيل اللينة اللَّمْس
стр. 891
الْمَعْنى يُرِيد انه يعْطى أولياءه هَذِه الْأَشْيَاء فَتَصِير عونا لَهُم على قتل أعدائه فَهُوَ معنى قَوْله غَيرهم بهَا مقتول فَبين مَا يَهبهُ بِأَنَّهُ من الْخَيل وَالسِّلَاح مِمَّا يُؤذن للَّذي يَهبهُ لَهُ بمقارعة الْأَعْدَاء والتوطين على الصَّبْر عِنْد اللِّقَاء
٢٤ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يَعْنِي بالغيوث سيف الدولة وبالسيول موَالِيه ضربه مثلا وَذَلِكَ أَن السَّيْل يكون عَن الْغَيْث فَكَذَلِك موَالِيه بِهِ اقتدوا وغزوا وَقَالَ الواحدي إِذا أَتَت موَالِيه ديار عَدو للغارة قَالَ الْعَدو تِلْكَ الَّتِي رأيناها قبل كَانَت بِالْإِضَافَة إِلَى هَؤُلَاءِ غيوثا بِالْإِضَافَة إِلَى السُّيُول يذكر كَثْرَة موَالِيه
٢٥ - الْغَرِيب دهمته جَاءَتْهُ على بَغْتَة وفجأة والزرد حلق الدرْع والنسيل والنسال بِالضَّمِّ مَا يسْقط من ريش الطير ووبر الْبَعِير وَغَيره الْمَعْنى يُرِيد أَن درع الْعَدو صَارَت كالريش والوبر لقلَّة إغنائها عَنْهُم يُرِيد أَنَّهُمَا غشيتهم بِقُوَّة من الضَّرْب وَشدَّة من الطعْن يتطاير مَعهَا حلق الدرْع الَّتِي قد أحكم سردها وضوعف نسجها كتطاير النسيل عَن الطير وَالدَّابَّة فَيذْهب وَلَا ينْبت وَيسْقط وَلَا يسْتَمْسك
٢٦ - الْغَرِيب الْخَمِيس الْجَيْش الْعَظِيم والرعيل الْقطعَة من الْخَيل تقدم الْجَيْش والقنص الصَّيْد الْمَعْنى يُرِيد أَن خيله تصيد خيل الْعَدو والقليل من جَيْشه يأسر الْكثير من عدوه والقطعة من خيله تستأسر الْخَمِيس الَّذين هم خمس كتائب الْقلب والجناحان والمقدمة والساقة فتقتنصها مقتدرة عَلَيْهَا وتغلبها مسرعة إِلَيْهَا ويغلب الْيَسِير مِنْهَا الْجمع الْعَظِيم يُشِير إِلَى سعادته وَأَن سعده يضمن لَهُ ذَلِك
٢٧ - الْإِعْرَاب من روى أَنه فَالضَّمِير رَاجع إِلَى الهول وَمن روى أَنَّهَا فَالضَّمِير رَاجع إِلَى الْحَرْب ويقوى التَّذْكِير أَن زعم الهول يُوجب رد الضَّمِير إِلَيْهِ ويقوى التَّأْنِيث أَن أَعرَضت للحرب فَحسن تَأْنِيث الضَّمِير لأجل تأنيثها الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يهوله شَيْء يرَاهُ وَكَأن الهول يَقُول لَهُ لَا يهولنك مَا ترى وَذَلِكَ أَن التهويل يكون بالْكلَام أَي أَن الْحَرْب إِذا اعترضت لسيف الدولة بادية وعنت لَهُ مسعرة صَار هولها فِي عَيْنَيْهِ لشدَّة جراءته وَمَا يحذر مِنْهَا لإقدامه وأنفته كالتهويل الَّذِي يسْتَقلّ فَلَا تحذر عاقبته ويؤمن فَلَا يعلق بالنفوس مخافته
стр. 892
- الْمَعْنى يُرِيد أَن الزَّمَان مَحْمُول على حَاله صائر إِلَى مثل مآله فَإِذا صَحَّ فالزمان فِي صِحَة وسلامة ودعة واستقامة وَإِذا اعتل فالزمان وَأَهله فِي تشك وَعلة واضطراب وَهَذَا كَمَا يرْوى عَن مُعَاوِيَة انه قَالَ نَحن الزَّمَان فَمن رفعناه ارْتَفع وَمن وضعناه اتضع وروى أَنه سمع رجلا يذم الزَّمَان فَقَالَ لَو يعلم مَا يَقُول لضَرَبْت عُنُقه إِن الزَّمَان هُوَ السُّلْطَان
٢٩ - الْغَرِيب الثَّنَاء الْخَيْر كَيفَ يصرف وَمَا يثني من حَدِيث أَي ينشر الْمَعْنى يَقُول إِذا غَابَ عَن مَكَان فَإِنَّهُ يذكر بِالْخَيرِ وَالْفِعْل الْحسن فَكَأَنَّهُ شَاهد فِيهِ وَقيل إِذا غَابَ عَن مَكَان وَجهه وانتقل إِلَى غَيره شخصه فَفِي الْمَكَان الَّذِي يُفَارِقهُ من طيب خَيره وكرم أَثَره وَجه جميل لَا يعْدم وَذكر كريم لَا يفقد
٣٠ - الْإِعْرَاب إلاك الأجود أَن يَقُول إِلَّا إياك وَلكنه أَتَى بالضمير الْمُتَّصِل فِي مَوضِع الْمُنْفَصِل وَهُوَ جَائِز فِي ضَرُورَة الشّعْر الْمَعْنى يَقُول أَنْت الشجاع فَلَيْسَ أحد من الْمُلُوك يقي عرضه بِسَيْفِهِ إِلَّا أَنْت ملك عالي الهمة رفيع الْقدر سَيْفه مسلول دون عرضه فَهُوَ يغلب من غالبه وَلَا يفوتهُ من طلبه
٣١ - الْغَرِيب سراياك جمع سَرِيَّة وَقيل هِيَ مَا بَين خمس وَتِسْعين إِلَى ثَلَاث مئة الْمَعْنى يُرِيد أَنه فِي وَجه الْعَدو يدفعهم عَن بِلَاد الْمُسلمين فَكيف لَا يَأْمَن الْعرَاق ومصر وَمَا اتَّصل بهما من بِلَاد الْعَرَب وسراياك دونهمَا وخيولك وفرسانك وجنودك يمْنَعُونَ من أرادها ولولاك لاستبيحت تِلْكَ الْبِلَاد وَلم يتَعَذَّر على الْعَدو فِيهَا المُرَاد
٣٢ - الْغَرِيب التحرف الْميل والسدر جمع سِدْرَة والنخيل جمع نَخْلَة وهما ضَرْبَان تخْتَص كثرتهما بالعراق ومصر أَرَادَ حَتَّى يربطوا خيولهم فِي السدر والنخيل فَكَأَنَّهُ قلب الْمَعْنى فجعهما يربطان خُيُول الْأَعْدَاء وَجعل الْفِعْل للسدر والنخيل توسعا الأنها هِيَ الممسكة إِذا ربط إِلَيْهَا فَكَأَنَّهَا ربطتها وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ من بَاب الْقلب كَقَوْلِك سَاءَنِي أَمر كَذَا أَي وَقع السوء فِيهِ وَفِيه معنى آخر وَهُوَ أَنه وصف سيف الدولة بالسعادة حَتَّى لَو تحرف عَن طرق من يعاديه لربط السدر والنخيل خيولهم كَقَوْل الآخر
(تَرَكُوا جارَهُمُ يَأكُلُهُ ... ضَبُعُ الْوَادِي وَيَرْمِيهِ الشَّجَرْ)
стр. 893
- الْإِعْرَاب الضَّمِير فيهمَا للعراق ومصر وَيَعْنِي بِهِ كافورا وَآل بويه الْمَعْنى ودرى أَي علم من هُوَ عَزِيز بِالدفع عَنهُ بك وبجيوشك فِي الْعرَاق ومصر أَنه حقير ذليل بِغَلَبَة الْعَدو لَهُ فأولاك لأتاه الْعَدو فَرَأى نَفسه حَقِيرًا ذليلا
٣٤ - الْغَرِيب القفول الرُّجُوع من الْغَزْو وَمِنْه الحَدِيث كَانَ إِذا قفل من غَزْو أَو سفر الْمَعْنى يَقُول أَنْت فِي طول حياتك وَمُدَّة عمرك غاز للروم لَا تتركهم وتلح عَلَيْهِم فَلَا تغفلهم فَمَتَى وَعدك بقفول جيشك وإراحة خيلك مَا أرى غزواتك تَنْقَطِع
٣٥ - الْمَعْنى يُرِيد لَيْسَ أعداؤك الرّوم دون غَيرهم وَإِنَّمَا أعداؤك كثير يُرِيد سوى الرّوم مِمَّن يخالفك من أُمَرَاء الْمُسلمين روم يتربصون بك فعلى أَي جانبيك تميل فِي حربك وَإِلَى أَي ناحيتيك تقصد فِي غزوك
٣٦ - الْغَرِيب المساعي المطالب فِي الْجُود وَالْكَرم وَطلب الْمجد والقنا الرماح والنصول جمع نصل وَهُوَ السَّيْف الْمَعْنى يَقُول لم يبلغ أحد من الْمُلُوك مطالبك الَّتِي قَامَت بهَا رماحك وسيوفك فَالْمَعْنى قعد الْمُلُوك عَن مشكور معاليك وَقصرُوا عَن جليل مساعيك وعجزوا عَن إِدْرَاك شأوك وتأخروا عَن مُسَاوَاة فضلك وَقَامَت السيوف والرماح لَك فِيمَا تطلبه ومكنت جَمِيع مَا تحاوله وترغبه
٣٧ - الْغَرِيب الشُّمُول الْخمر الْبَارِدَة وَهِي الَّتِي ضربتها ريح الشمَال الْمَعْنى يُرِيد أَن غَيره من الْمُلُوك يشتغلون باللهو وَشرب الْخمر وَهُوَ مَشْغُول بِالْحَرْبِ أَي لست كمن يتعاطى مماثلتك من الْأُمَرَاء ويحاول مساواتك من الرؤساء وَهُوَ تدار عِنْده الْخمر وَلَا يقْلع عَن النَّعيم وَاللَّهْو وَأَنت تدار عنْدك أَحَادِيث الْحَرْب
٣٨ - الْمَعْنى يُرِيد لَا أرْضى بِأَن يصل إِلَى عطاؤك وَأَنا بعيد عَنْك لَا أَرَاك وَالزَّمَان يبخل على برؤيتك وَلَا يُوجد لي سَبِيلا إِلَى الِاتِّصَال بك
стр. 894
- الْغَرِيب التنغيص التكدير والمرتع مَوضِع المرعى والمخصب الْكثير العشب والمرعى وَهُوَ اسْتِعَارَة والهزيل الْبَالِي الْمَعْنى يَقُول نغص بعدِي عَنْك مَا أحَاط بِي من مواهبك وَمَا اتَّصل بِي من عوارفك ومكارمك فمرتعي بِعَطَائِك خصب لَا يجدب وجسمي ببعدي عَنْك هزيل لَا يسمن يُشِير إِلَى اشْتِغَال نَفسه بِقَصْدِهِ وأسفه على فِرَاقه وَبعده يَقُول لست أتهنأ بِعَطَائِك وَلَا أَرَاك فَإِنِّي فِي قرب عطائك مني وبعدي عَنْك كمن يرتعي فِي مَكَان مخصب وَهُوَ مَعَ ذَلِك هزيل
٤٠ - الْغَرِيب التبوؤ الْقَصْد إِلَى الْمنزل وَالْإِقَامَة فِيهِ وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿أَن تبوآ لقومكما بِمصْر بُيُوتًا﴾ والنيل الْعَطاء والمنيل الْمُعْطِي الْمَعْنى يَقُول إِن تبوأت دَارا غير دَارك ويروى إِن تبوأت غير أَرْضك دَارا يَقُول إِن تبوأت غير دَارك دَارا واستوطنت بَلَدا غير بلدك وأصبت فِيهِ مَالا وسعة وَعَطَاء ومكرمة فَأَنت الْمُعْطِي لذَلِك النّيل وَالْمُنْفَرد بذلك الْفضل لِأَن أوكد وسائلي تدنيني مِنْك وَأَنا مَعْدُود عَلَيْك وَإِن بَعدت عَنْك
٤١ - الْغَرِيب الرِّيف هُوَ مَا أحدق بسواد الْعرَاق وَهُوَ أَيْضا إقليم عَظِيم بِأَرْض مصر فِي ظَاهرهَا والنيل أَيْضا بِمصْر وَالْأَصْل فِيهِ الأَرْض يكون فِيهَا زرع وخصب وَالْجمع أرياف ورافت الْمَاشِيَة إِذا رعت الرِّيف وأرريفنا إِذا صرنا إِلَى الرِّيف وأرافت الأَرْض إِذا أخصبت وَهِي أَرض ريفة بتَشْديد الْيَاء الْمَعْنى يَقُول إِذا بقيت لي فلي من عَبِيدِي ألف كافور مثل الَّذِي رغبت عَن صحبته وكرهت الْبَقَاء فِي جملَته ولى من نداك عوض من الرِّيف والنيل اللَّذين بهما شرف بَلَده وَفِيهِمَا بسط يَده
٤٢ - الْغَرِيب الرزايا جمع رزية وَهِي الْمُصِيبَة والخبل بِسُكُون الْبَاء الْفساد وَالْجمع خبول وَفِي بني فلَان دِمَاء وخبول يَعْنِي قطع الْأَيْدِي والأرجل وَرجل مخبل كَأَنَّهُ قد قطعت أَطْرَافه وَالْحَبل بِكَسْر الْحَاء الداهية وَالْجمع حبول قَالَ كثير
(فَلا تَعْجَلِي يَا عَزُّ أنْ تَتَفَهَّمي ... بِنُصْحٍ أَتى الوَاشُونَ أمْ بِحُبُولِ)
الْمَعْنى قَالَ ابْن القطاع قَالَ لي شَيْخي قَالَ على بن حَمْزَة الْبَصْرِيّ قَرَأت على أبي الطّيب هَذَا الْبَيْت فَقَالَ إِنَّمَا قلت تقتك يُقَال تقيت الشَّيْء واتقيته وَقَالَ غَيره من جَمِيع الروَاة اتقتك وَالْمعْنَى إِذا تخطتك وَلم تنلك وتعدتك ومتعني الله ببقائك ودوام رفعتك وأسعدني باتصال مدتك فَلَا أُبَالِي من أَصَابَته آفَات الدَّهْر وخطوبه وَمن قصدته دواهيه وصروفه فَإِن أملي إِنَّمَا هُوَ مَعْقُود بك
стр. 895
- ١ الْغَرِيب الوفرة الشّعْر التَّام على الرَّأْس الضفرين الضفائر سَمَّاهَا بِالْمَصْدَرِ الْمَعْنى يَقُول لَا يحسن الشّعْر إِلَّا إِذا نشرت ذوائبه وَيَعْنِي بِهَذَا أَنه شُجَاع صَاحب حروب يستحسن شعره إِذا انْتَشَر على ظَهره يَوْم الْقِتَال وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك تهويلا لِلْعَدو
٢ - الْغَرِيب يَقُول اعتقل الرمْح وتنكب الْقوس وتقلد السَّيْف والصعدة الرمْح القصيرة ويعلها يسقيها الدَّم مرّة بعد أُخْرَى الْمَعْنى يَقُول حَتَّى تكون منشورة على فَتى فعلى تتَعَلَّق بمنشورة وَهُوَ عيب فِي صَنْعَة الشّعْر يُسمى التَّضْمِين يُرِيد على فَتى يعتقل صعدة وَهِي الْقَنَاة المستوية يسقيها الدَّم من كل رجل أتام السبلة وَهُوَ مَا تقدم من اللِّحْيَة واسترسل من مقدمها فَيَقُول إِنَّمَا يحسن الشّعْر إِذا كَانَ على هَذِه الْحَالة
стр. 896
- ١ الْإِعْرَاب بريا وسليما حالان ومحبي منادى مُضَاف أَي يَا محبي قيامي الْغَرِيب الْقيام الْإِقَامَة وَالْقِيَام الْوُقُوف من قَامَت الدَّابَّة إِذا وقفت وَجمع الْكِنَايَة فِي ذَلِكُم لِأَنَّهُ يُخَاطب جمَاعَة وَقيل الْقيام هَاهُنَا الْقيام إِلَى الشَّيْء أَو بالشَّيْء الْمَعْنى يَقُول أَيهَا المحبون قيامي إِلَى الْحَرْب مَا لنصلكم لَا يقتل وَلَا يجرح وَلَيْسَ فِيهِ آثَار الضَّرْب يُرِيد لم لَا تُعِينُونِي بِالضَّرْبِ إِن أَحْبَبْتُم مقَامي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَا من يحب مقَامي وتركي الْأَسْفَار والمطالب وَلم أجرح بنصلي أعدائي وأقتلهم بِهِ
٢ - الْغَرِيب الفرند يُقَال بِفَتْح الرَّاء وَكسرهَا وَهُوَ مُعرب وَهُوَ جَوْهَر يسْتَدلّ بِهِ على جودة السَّيْف كالآثار والنقط والهام الرَّأْس والنصل السَّيْف الْمَعْنى يُرِيد أرى من قوتي ونشاطي قِطْعَة من فرند هَذَا السَّيْف يُرِيد أَن للسيف حِدة ومضاء كحدته ومضائه وَإِذا لم يكن السَّيْف جيد الصقل لم يجد بِهِ الضَّرْب وَإِذا نصب وجودة فَمَعْنَاه أرى جودة الضَّرْب فِي جودة صقله أَي قد أجيد صقله ليجود بِهِ الضَّرْب
٣ - الْغَرِيب خضرَة ثوب الْعَيْش اسْتِعَارَة من خضرَة النَّبَات والنبات إِذا كَانَ أَخْضَر كَانَ رطبا نَاعِمًا ويحمد من السَّيْف مَا كَانَ مشربا خضرَة كَقَوْل الشَّاعِر
(مُهَنَّدٌ كأنَّمَا طابِعُهُ ... اشْرَبَهَ بالهِنْدِ ماءَ الهِنْدَبا)
وَقد قَالَ البحترى
(حَمَلَتْ حَمائِلُهُ القَدِيِمَةُ بَقْلَةً ... مِنْ عَهْدِ عادٍ غَضَّةً لَمْ تَذْبُلِ)
واحمرار الْمَوْت شدته وَمَوْت أَحْمَر أَي شَدِيد وَأَصله من الْقَتْل وجريان الدَّم ومدرج النَّمْل مدبه وَهُوَ حَيْثُ درج فِيهِ بقوائمه فأثر آثارا دقيقة الْمَعْنى جعل النصل مدرج النَّمْل لما فِيهِ من آثَار الفرند فَيَقُول طيب الْعَيْش فِي السَّيْف أَي فِي اسْتِعْمَاله وَالضَّرْب بِهِ
стр. 897
- الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع الصَّحِيح من معنى هَذَا الْبَيْت أَن مَا نكرَة بِمَعْنى شَيْء مَوْضُوعَة للْعُمُوم كَأَنَّهُ قَالَ أمط عَنْك تشبيهي بِشَيْء من الْأَشْيَاء كَمَا أَنَّك تَقول مَرَرْت بِمَا معجب لَك أَي بِشَيْء معجب لَك وَقَالَ الجراجاني لَا تقل مَا هُوَ إِلَّا كَذَا وَكَأَنَّهُ كَذَا وَإِذا قلت مَا هُوَ إِلَّا الْأسد وَكَأَنَّهُ الْأسد فقد أثبت مَا لتحقيق التَّشْبِيه كَقَوْل لبيد
(وَما المَرْءُ إلَاّ كالشِّهابِ وَضَوْئهِ ... )
وَقَالَ الربعِي عَن المتنبي أردْت مَا أشبه فلَانا بفلان وَقَالَ عَليّ بن فورجة هَذِه مَا الَّتِي تصْحَب كَأَن إِذا قلت كَأَنَّمَا زيد الْأسد وَإِلَيْهِ ذهب الْخَطِيب قَالَ يُرِيد أمط عَنْك تشبيهي بِأَن تَقول كَأَنَّهُ الْأسد وكأنما هُوَ اللَّيْث وَهُوَ قَول رَدِيء بعيد عَن الصَّوَاب لِأَن أَبَا الطّيب قد فصل مَا من كَأَن وقدمها عَلَيْهِ وأتى فِي مَكَانهَا بِالْهَاءِ فاتصال مَا بكأنه غير مُمكن لفظا وَلَا تَقْديرا وَهِي مَعَ ذَلِك لَا تفِيد معنى إِذا اتَّصَلت بكأن فَكيف إِذا انفصلت مِنْهُ وقدمت عَلَيْهِ وَهِي فِي الْأَقْوَال الثَّلَاثَة مُنْفَصِلَة قَائِمَة بِنَفسِهَا تفِيد معنى وَقَالَ أَبُو الْفَتْح هِيَ استفهامية وَفِي قَول الْجِرْجَانِيّ نَافِيَة وَفِي قَول الربعِي تعجبية والكافة إِنَّمَا تدخل لتكف عَن الْعَمَل لَا لِمَعْنى تحدثه بِمَنْزِلَة الزَّائِدَة وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري اللفظان اللَّذَان مثل بهما أَبُو زَكَرِيَّا يحيى ابْن عَليّ التبريزي كَأَنَّهُ وكأنما فهما كَأَن وَحدهَا لِأَن معنى كَأَن وكأنما وَاحِد فَلَا فرق بَين أَن يَقُول أمط عَنْك تشبيهي بكأن وكأنما فَهُوَ فَاسد من كل وَجه وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُجيب بِهِ إِذا سُئِلَ عَن هَذَا أَنه يعْتَبر كَأَن قَائِلا قَالَ بِمَا يشبه فَيَقُول الآخر كَأَنَّهُ الْأسد فَقَالَ هُوَ معرضًا عَن هَذَا القَوْل أمط عَنْك تشبيهي بِمَا وَكَأَنَّهُ فَلَمَّا جَاءَ بِحرف التَّشْبِيه ذكر مَا فِي التَّشْبِيه وَقَالَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ مَا هَاهُنَا اسْم بِمَعْنى الَّذِي يُقَال لمن يشبه بالبحر كَأَنَّهُ مَا هُوَ نصف الدُّنْيَا يعنون الْبَحْر لِأَن الدُّنْيَا بر وبحر وَيَقُولُونَ كَأَنَّهُ مَا هُوَ سراج الدُّنْيَا يعنون الشَّمْس وَالْقَمَر وَلما كَانَ لَفظهَا فِي الْمُشبه بِهِ ذكره المتنبي مَعَ كَأَن الْغَرِيب الإماطة الرّفْع والتنحية وَمِنْه إمَاطَة الْأَذَى عَن الطَّرِيق الْمَعْنى يَقُول لَا تشبهني بِأحد وَلَا تقل كَأَنَّهُ وَمَا مثله فَأَنا مَا فَوقِي أحد فَلَا يشبهني بِشَيْء وَهَذَا قَوْله فِي حَال الصِّبَا مَعَ شدَّة حمقه فِي الكهولة
٥ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي إِيَّاه للسيف الْغَرِيب الطّرف الْفرس الْكَرِيم وَجمعه طروف والذابل مَا لَان واهتز من الرماح الْمَعْنى يَقُول دَعْنِي وسيفي وفرسي حَتَّى تَجْتَمِع فنكون فِي رَأْي الْعين شخصا وَاحِدًا وَمن روى نَكُنْ وَاحِدًا ونلق بالنُّون فَهُوَ مجزوم لِأَنَّهُ بدل من قَوْله نَكُنْ كَقِرَاءَة الْقُرَّاء سوى عبد الله بن عَامر وَأبي بكر بن عَيَّاش عَن عَاصِم يُضَاعف لَهُ الْعَذَاب بِالْجَزْمِ بدل من قَوْله ﴿يلق أثاما﴾ وَمن روى يلقى بِالْيَاءِ فَهُوَ وصف لوَاحِد النكرَة وَهُوَ مَرْفُوع وَقَالَ أَبُو الْفَتْح وَقد لَاذَ فِي هَذَا الْبَيْت بقول ذِي الرمة
(وَليْلِ كجِلْبابِ العَرُوسِ ادَّرَعْتُهُ ... بأرْبَعَةٍ والشَّخصُ فِي العَينِ وَاحِدُ)
(أحَمُّ غُدَافِيّ وأبْيَضُ صَارِمٌ ... وأعْيَسُ مَهْرِيّ وأرْوَعُ ماجِدُ)
стр. 898
- ١ الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أخبر عَن نَفسه فَقَالَ أَنا أعيش وأيسر مَا قاسيت مَا قتل وَيحْتَمل وَجها آخر وَهُوَ أَن يكون فِي معنى أفعل الَّتِي للتفضيل أَي أَشد مَا يكون فِي الْإِنْسَان وأيسر مَا قاسيت شَيْء قَاتل فَكَأَن الْكَلَام على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير أَي الشَّيْء الَّذِي يقتل أحيى وأيسر مَا لاقيت أَو مَا أَلْقَاهُ وَإِذا حمل على هَذَا الْوَجْه فقد حذف الْمُضَاف إِلَيْهِ أَي أحيى مَا لاقيت وأيسر مَا لاقيت وهم يستعملون هَذَا فِي الشّعْر وَلَو قلت فِي النثر أفضل وَأكْرم النَّاس زيد تُرِيدُ أفضل النَّاس وَأكْرمهمْ لقبح وَإِنَّمَا الفصيح أكْرم النَّاس وأفضلهم وَقَالَ الشريف هبة الله بن عَليّ الشجري أَحْيَا فعل الْمُتَكَلّم وَالْجُمْلَة الَّتِي هِيَ ايسر الخ فِي مَوضِع النصب على الْحَال من الْمُضمر فِي أَحْيَا أَي أعيش وَأَقل مَا قاسيت وأهون الْأَشْيَاء الَّتِي قاسيتها فِي الْهوى الشَّيْء الَّذِي قتل المحبين الْغَرِيب الْجور ضد الْعدْل وَهُوَ الْعُدُول عَن الْقَصْد والميل عَنهُ وجوره تجويرا نسبه إِلَى الْجور
стр. 899
الْمَعْنى يَقُول أَحْيَا وأهون مَا قاسيت الَّذِي قتل وَهَذَا الْفِرَاق جَائِر عَليّ مَعَ ضعْفي وَقَوله وَمَا عدلا كرر الْمَعْنى يُقَال جَار وَمَا عدل وَالْمَفْهُوم أَن الجائر قد علم مِنْهُ أَنه لم يعدل وَإِنَّمَا كَرَّرَه لِأَن الجائر فِي وَقت قد يعدل فيوصف بالجور إِذا جَار وبالعدل إِذا عدل وَهَذَا جَار عَلَيْهِ وَمَا عدل وَمثله فِي الْقُرْآن قَوْله تَعَالَى ﴿أموات غير أَحيَاء﴾ فتوصيفها بِالْمَوْتِ يدل أَنَّهَا أموات فَالْمَعْنى أَنَّهَا أموات لَا تحيا فِي الْمُسْتَقْبل كَمَا يحيا النَّاس عِنْد الْبَعْث وَالْمعْنَى أَنه جَار على ضعْفي بمقاساة الْهوى وَلم يعدل حِين فرق بيني وَبَين أحبتي
٢ - الْغَرِيب الوجد الْحزن والشوق والنوى الْبعد الْمَعْنى يَقُول الشوق والحزن زائدان كَمَا يزْدَاد الْبعد كل سَاعَة وَالصَّبْر قَلِيل ضَعِيف كَمَا يضعف الْجِسْم ويقل ويبلى
٣ - الْإِعْرَاب قَالَ ابْن القطاع لَهَا هِيَ الفاعلة والمنايا فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة وَالْمعْنَى وجدت لَهَوَات المنايا فلهَا جمع لهاة وَقَالَ قَالَ لي شَيْخي مُحَمَّد ابْن عَليّ التَّمِيمِي قَالَ لي أَبُو عَليّ بن رشدين قلت للمتنبي عِنْد قراءتي عَلَيْهِ أضمرت قبل الذّكر قَالَ لَيْسَ كَذَلِك وَلَيْسَت المنايا فاعلة وَإِنَّمَا هِيَ فِي مَوضِع خفض وَقَالَ الشريف هبة الله بن مُحَمَّد فِي أَمَالِيهِ لَهَا من الحشو لِأَن الْمَعْنى غير مفتقر إِلَيْهَا الْغَرِيب المنايا جمع منية وَهِي الْمَوْت والسبل جمع سَبِيل وَهِي الطَّرِيق وَإِنَّمَا جمعهَا لِأَنَّهُ أَرَادَ صِحَة الْمَعْنى لِأَن فِرَاق الحبيب يُوجد للمنية سَبِيلا مباينة للسبل الَّتِي جرت عَادَة الْمنية بِهِ وَذَلِكَ أَن فِرَاقه إِنَّمَا يكون فِي الْأَغْلَب مَعَ الهجر والمنية تدْرك بِهِ من طَرِيق الْعِشْق وَطَرِيق الْفِرَاق وَطَرِيق الشوق وَطَرِيق الْعَجز طرقا شَيْء فَلذَلِك اسْتعْمل الْجمع والسبيل تذكر وتؤنث قَرَأَ أَبُو بكر وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وليستبين سَبِيل بِالْيَاءِ وَقَرَأَ نَافِع بِالتَّاءِ وَنصب السَّبِيل على الْخطاب للنَّبِي ﵊ وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ على التَّأْنِيث وَرفع السَّبِيل الْمَعْنى يُرِيد لَوْلَا الْفِرَاق لما كَانَ للمنية طَرِيق إِلَى الْأَرْوَاح وَإِنَّمَا توسلت إِلَيْهَا بطرِيق فِرَاق الأحباب وَهَذَا من قَول أبي تَمام
(لَو جاءَ مُرتادُ المَنِيَّةِ لَم يَجد ... إلَاّ الفرَاقَ عَلى النُّفُوسِ دَليلاً)
٤ - الْإِعْرَاب الْفَاء جَوَاب أما لِأَنَّهَا أسبق وَجَوَاب الشَّرْط مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ
стр. 900
الْجَواب الْمَذْكُور وَمثله قَوْلك وَالله إِن تزرني لأكرمنك بِجعْل الْجَواب للقسم لتقدمه وسد جَوَاب الْقسم مسَّد جَوَاب الشَّرْط وَإِذا قدمت الشَّرْط جعلت الْجَواب لَهُ فَتَقول إِن تزرني وَالله أكرمك وَجَاء فِي التَّنْزِيل من ذكر جَوَاب الأسبق لَئِن أخرجُوا لَا يخرجُون مَعَهم لما كَانَت اللَّام مؤذنه بالقسم كَانَ الْجَواب لَهُ وَقَوله يهوى يجوز فِيهِ الْجَزْم وَالرَّفْع فَمن رَفعه جعله وَصفا لدنف وَمن جزمه جعله جَوَاب صلى لِأَن الْأَمر أحد الْأَشْيَاء الَّتِي تنوب عَن الشَّرْط فَهُوَ فِي الرّفْع والجزم كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿أرْسلهُ معي ردْءًا يصدقني﴾ بِالْجَزْمِ كَقِرَاءَة نَافِع وبالرفع وَكَقَوْلِه ﴿فَهَب لي من لَدُنْك وليا يَرِثنِي﴾ بِالْجَزْمِ كَقِرَاءَة أبي عَمْرو وَعلي بن حَمْزَة وبالرفع كَقِرَاءَة البَاقِينَ الْغَرِيب الدنف الْمَرِيض والدنف بِالتَّحْرِيكِ الْمَرَض الملازم وَرجل دنف بِفَتْح النُّون وَامْرَأَة دنف أَيْضا يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَالْجمع والتثنية فَإِن قلت دنف بِكَسْر النُّون ثنيت وجمعت وَذكرت وأنثت ودنف بِالْكَسْرِ ثقل فِي الْمَرَض وأدنفه الْمَرَض يتَعَدَّى وَلَا يتعدي الْمَعْنى أَنه أقسم عَلَيْهَا بِسحر ألحاظها أَن تصل مَرِيضا يهوى الْحَيَاة بوصالها وَأما مَعَ صدودها فَلَا يهوى الْحَيَاة وَلَا يريدها وَيُرِيد بِسحر الجفون أَنَّهَا إِذا نظرت تغلب عقول الرِّجَال وتصيد قُلُوبهم فَكَأَنَّهَا سحرتهم وَهُوَ من قَول دعبل بن عَليّ الْخُزَاعِيّ الْكُوفِي
(مَا أطْيَبَ العَيْشَ فأمَّا عَلى ... أَن لَا أرَى وَجْهَكِ يَوْما فَلا)
(لَوْ أنَّ يَوْما مِنْكِ أوْ ساعَةً ... تُباعُ بالدُّنْيا إذَنْ مَا غَلا)
٥ - الْغَرِيب النصول ذهَاب الخضاب تَقول نصل الخضاب إِذا ذهب والسلوة ذهَاب الْمحبَّة سلا يسلو سلوا إِذا أقلع عَن الْمحبَّة الْمَعْنى يَقُول هَذَا الدنف إِلَّا يشب رَأسه أَو لحيته فَلَقَد شابت كبده واستعار شيب الكبد وَهُوَ قَبِيح نَقله من شيب الْفُؤَاد وَالْمعْنَى شَاب فُؤَاده من حرارة الشوق فَإِذا خضبت السلوة ذَلِك الشيب ذهب الخضاب وَلم يثبت لِأَن سلوته لَا تدوم وَلَا تبقى وَإِذا زَالَت السلوة زَالَ خضاب فُؤَاده وَعَاد شَيْبه إِلَى أَكثر مَا كَانَ وَهَذَا من قَول أبي تَمام
(شابَ رأسِي وَما رأيْتُ مَشِيبَ الرْأْسِ ... إلَاّ مِنْ فَضْلِ شَيْبِ الفُؤادِ)
٦ - الْمَعْنى من روى يحن بِالْحَاء فَهُوَ من حن يحن حنينا أَي يشتاق وَمن روى يجن بِضَم الْيَاء وَفتح الْجِيم فَهُوَ من الْجُنُون وَبِه قَرَأت الدِّيوَان على شَيْخي
стр. 901
أبي الْحرم وَأبي مُحَمَّد وَبدل عَلَيْهِ قَوْله عقلا وَيكون فِيهِ الْمُطَابقَة بَين الْجُنُون وَالْعقل وَالْمعْنَى أَن هَذَا الدنف يصير مَجْنُونا لشدَّة شوقه ووجده فلولا أَنه يجد رَائِحَة شرقية من قبل أحبائه لما رَجَعَ إِلَيْهِ الْعقل وَلكنه إِذا وجد ريح الْمشرق من قبل أحبائه خف جُنُونه وَقد نظر فِيهِ إِلَى قَول عبد الله بن الدمينة
(وأسْتَنشِقُ النَّسْماءَ مِنْ نحوِ أرْضِكُم ... كأَني مَريضٌ والنَّسِيمُ طَبِيبُ)
٧ - الْإِعْرَاب هَا للتّنْبِيه وَالْمعْنَى هَا أَنا ذَا وَترى جَوَاب الْأَمر وَقَوله فقد وَألا جَوَاب الشَّرْط الْغَرِيب الحرق جمع حرقة وَقَوله وأل تَقول وأل الرجل يئل إِذا نجا الْمَعْنى يَقُول هَا أَنا ذَا فانظري إِلَى أَو فكري فِي إِن لم تنظري أَي استعملي نَفسك فِي الرُّؤْيَة والروية ترى من أَمْرِي مَا يسوءك فَعَسَى أَن ترحميني لما تَرين بِي من حرق من حبك من لم يجد الْقَلِيل مِنْهَا فقد نجا من بلَاء الْحبّ وَقد وصف فِي عجز الْبَيْت مَا ذكره من الحرق مُجملا مَا فَصله البحتري فِي قَوْله
(أعِيدِي فيَّ نَظْرَةَ مُسْتَشِيبٍ ... تَوَخَّى الأجْرَ أوْ كره الأثاما)
(تَرَى كَبِداً مُحَرَّقَةً وَعَيناً ... مُؤَرَّقَةً وَقَلْبا مُسْتَهاما)
٨ - الْإِعْرَاب عل حرف ذهب أَصْحَابنَا الْكُوفِيُّونَ إِلَى أَن لامه الأولى أَصْلِيَّة وَذهب البصريون إِلَى أَنَّهَا زَائِدَة حجتهم أَنَّهَا حرف والحروف كلهَا حروفها أَصْلِيَّة لِأَن حُرُوف الزِّيَادَة الْعشْرَة الَّتِي يجمعها الْيَوْم تنساه إِنَّمَا تخْتَص بالأسماء وَالْأَفْعَال فَأَما الْحُرُوف فَلَا يدخلهَا شَيْء من هَذِه الْحُرُوف على سَبِيل الزِّيَادَة بل يحكم على حروفها كلهَا بِأَنَّهَا أَصْلِيَّة فِي كل مَكَان على كل حَال أَلا ترى أَن الْألف لَا تكون فِي الِاسْم وَالْفِعْل إِلَّا زَائِدَة أَو منقلبة وَلَا يجوز أَن يحكم عَلَيْهَا فِي مَا وَلَا بِأَنَّهَا زَائِدَة أَو منقلبة بل يحكم عَلَيْهَا بِأَنَّهَا أَصْلِيَّة فَدلَّ على أَن اللَّام الأولى فِي لَعَلَّ أَصْلِيَّة وَالَّذِي يدل على ذَلِك أَيْضا أَن اللَّام خَاصَّة لَا تكَاد تزاد إِلَّا على سَبِيل الشذوذ فَكيف يحكم عَلَيْهَا بِزِيَادَة فِيمَا لَا يجوز فِيهِ الزِّيَادَة بِحَال وَحجَّة الْبَصرِيين أَنهم وجدوها فِي كَلَام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا كَقَوْل نَافِع الطَّائِي
(وَلَسْتُ بلَوَّامٍ عَلى الأمْرِ بَعْدَما ... يَفُوتُ وَلَكِنْ عَلَّ أنْ أتَقَدَّما)
وكقول الآخر
(لَا تُهينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ ... تَرْكَعَ يَوْما والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ)
стр. 902
وَمن روى فَيشفع بِالرَّفْع عطفه على قَوْله يرى وَمن نَصبه جعله جَوَابا لِلتَّمَنِّي كَقِرَاءَة حَفْص عَن عَاصِم لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع بِالنّصب الْغَرِيب الشَّفَاعَة السُّؤَال لصَاحب الْأَمر فِي عَفْو وَغَيره تَقول تشفعت إِلَيْهِ فِي زيد فشفعني فِيهِ تشفيعا واستشفعته إِلَى فلَان سَأَلته أَن يشفع لي إِلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول لَعَلَّ الْأَمِير الممدوح إِذا رأى ذلي وضعفي فِي الْهوى يشفع لي إِلَى من أحبها يضْرب فِي الْمثل فِي الْعِشْق لتواصلي بِشَفَاعَتِهِ قَالَ الواحدي هُوَ من قَول أبي نواس
(سأشْكو إِلَى الفضْل بنِ يَحْيى بنِ خالِدٍ ... هَوَاها لَعَلَّ الفَضْلَ يَجْمَعُ بَيْنَنا)
وَقَول أبي نواس احسن من قَول المتنبي لِأَن الْجمع يُمكن بَان يُعْطِيهِ مَا يتَوَصَّل بِهِ إِلَى محبوبته والشفاعة تكون بِاللِّسَانِ وَذَلِكَ نوع قيادة على أَنِّي سَمِعت الْعَرُوضِي يَقُول سَمِعت الشعراني يَقُول لم أسمع أَبَا الطّيب ينشده إِلَّا فيشفعني من قَوْلهم كَانَ وترا فشفعته بآخر وَإِلَى آخر فَيكون كَقَوْل أَبى نواس
٩ - الْغَرِيب الاعتقال أَن يحمل الرمْح بَين سَاقه وركابه الْمَعْنى يَقُول علمت وتيقنت أَن الممدوح يطْلب بدمى إِن سفكته الحبيبه وَيَأْخُذ مِنْهَا ثَأْرِي وَذَلِكَ أَنِّي رَأَيْته قد اعتقل رمحه عِنْدَمَا توجه لقِتَال الْأَعْدَاء فَعلمت أَنه يدْرك ثأر أوليائه قَالَ الواحدي هُوَ من قَول المؤمل
(لَمَّا رَمَتْ مًهْجَتِي قالَتْ لِجارِتِها ... إنّي قَتَلْتُ قَتِيلاً مَا لَهُ خَطَرُ)
(قَتَلْتُ شاعِرَ هَذَا الحَيَ مِنً مُضَرٍ ... وَاللَهِ وَاللَهِ مَا تَرْضَى بِهِ مُضَرُ)
١٠ - الْغَرِيب يروي فضل نائله وَهُوَ الْعَطاء وزحل نجم من النُّجُوم السيارة وَهُوَ أبعدها عَن الأَرْض وسمى زحلا لِأَنَّهُ زحل وتنحي وَهُوَ معدول عَن زاحل كعمر عَن عَامر الْمَعْنى يَقُول علمت أنني فَهُوَ مَعْطُوف على قَوْله أَن سعيدا أَي وأنني غير قَادر على إحصاء فَضله وَفضل أَبِيه أَو فضل عطائه وَإِنِّي أنال زحلا دون نيلي لوصفه وَهَذَا من الْمُبَالغَة
١١ - الْإِعْرَاب رفع قيل على حذف الِابْتِدَاء أَي هُوَ قيل وَقَالَ قوم هُوَ بدل من قَوْله طَالب خبر أَن فِي الْبَيْت الأول ومثواه مُبْتَدأ خَبره بمنبج ونائله
стр. 903
مُبْتَدأ وَخَبره فِي الْأُفق وَيسْأل فِي مَوضِع الْحَال وَالْبَاء مُتَعَلقَة بالاستقرار وَعَن مُتَعَلق بيسأل الْغَرِيب منبج بلد بِالشَّام يبعد عَن الْفُرَات مرحلة والقيل بلغَة حمير الْملك الْعَظِيم والمثوى الْمنزل ثوى بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ وَنزل بِهِ وَمِنْه قِرَاءَة حَمْزَة وَالْكسَائِيّ ﴿لنثوينهم من الْجنَّة غرفا﴾ الْمَعْنى يُرِيد أَنه مُقيم بمنبج وعطاؤه يطوف الْآفَاق يسْأَل عَمَّن سَأَلَ غَيره من النَّاس ليغنيه عَن مسئلتهم أَو يعتبه إِذْ لم يسْأَل هَذَا الممدوح فَهُوَ يَأْتِي إِلَى كل سَائل وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الطَّائِي
(فأضْحَت عَطاياهُ نَوَازِعَ شُرَّدَا ... تْائِلُ فِي الآفاقِ عَنْ كُل سائِلِ)
وَمن قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(وَإنْ نَحْنُ لَمْ نَبْغِ مَعْرُوفَهُ ... فَمَعْرُوفُهُ أبَداً يَبْتَغِينَا)
وَمن قَول الطَّائِي أَيْضا
(وَفَدَتْ إِلَى الأقْطارِ مِنْ مَعْرُوفهِ ... نِعَمٌ تُسائِلُ عَنْ ذَوِي الإقْتارِ)
وَمن قَوْله أَيْضا
(فإنْ لم يَفِدء يَوْما إلَيْهِنَّ طالِبٌ ... وَفَدْنَ إِلَى كْلّ امْرِئٍ غَيرِ طالِبِ)
وَقد أَخذ هَذَا الْمَعْنى السرئ الْموصِلِي بقوله
(بَعَثَ النَّدَى فِي الخافِقَيْنِ ... مُسائِلاً عَنْ كْلّ سائِلْ)
١٢ - الْغَرِيب الْغرَّة غرَّة الْوَجْه وَهُوَ الْبيَاض الَّذِي يكون فِي وَجه الْفرس والهيجاء الْحَرْب يقصر ويمد الْمَعْنى يُرِيد أَن وَجهه لحسنه يضئ كالبدر فِي ظلام اللَّيْل وَإِذا لَقِي الْأَعْدَاء فَإِن الْمَوْت يحمل مَعَه ويصول عَلَيْهِم فيقتلهم فالموت من أعوانه
١٣ - الْغَرِيب كلاب قَبيلَة وجناب قَبيلَة عدوه وَقَوله يسْبق العذلا هُوَ مثل يُقَال سبق السَّيْف العذل وَأَصله من قَول رجل قتل فِي الْحَرْب فعذل على ذَلِك فَقَالَ سبق سَيفي عذلكم الْمَعْنى يَقُول ترابه كحل لأعين كلاب يكتحلون بِهِ هَذَا قَول الواحدي وَقَالَ أَبُو الْفَتْح ترابه فِي أعين كلاب لِأَنَّهُ لَا تغبهم غاراته وقساطله وَلَا يغمد عَنْهُم سَيْفه
стр. 904
- الْغَرِيب سَمَاء الْفَخر اسْتِعَارَة حَسَنَة والمخترق مَوضِع الاحتراق وَيُرِيد بِهِ المصعد فِي الْهَوَاء كَأَنَّهُ يشق الْهَوَاء والنور مَا أشتهر وَسَار من فَضله الْمَعْنى يَقُول لفخره علو وارتفاع فنوره يصعد فِي سَمَاء الْفَخر وَلَو صعد فكر واصفه فِي ذَلِك النُّور طول دهره مَا نزل لِأَنَّهُ يصعد على إِثْر ذَلِك النُّور فَلَا يلْحقهُ لِأَنَّهُ قد علا فَوق كل شَيْء ذكره وَصيته علوا لَا يدْرك بالوهم والفكر
١٥ - الْإِعْرَاب لم يصرف تَمِيم لِأَنَّهُ أَرَادَ الْقَبِيلَة فَاجْتمع فِيهِ التَّعْرِيف والتأنيث وقدما بِمَعْنى قديم وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ نعت ظرف مَحْذُوف يُرِيد زَمَانا قَدِيما الْغَرِيب الْحِين الْهَلَاك وبادت هَلَكت وَكَانَ حَقه أَن يَقُول ساقت إِلَيْهِم آجالهم حينهم لِأَن الْأَجَل يَسُوق الْحِين وَلكنه قلب فَجعل الْحِين يَسُوق الآجل وَهُوَ جَائِز لقرب أَحدهمَا من الآخر لِأَن الْأَجَل إِذا تمّ وانقضى حصل الْحِين فَكَأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا سائق للْآخر الْمَعْنى يُرِيد أَنه الْأَمِير المطاع فِي قومه الَّذِي كَانَ هَلَاك بني تَمِيم بِهِ وعَلى يَده زَمَانا قَدِيما وَبِه سَاق الْحِين إِلَيْهِم آجالهم
١٦ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ طيب الأَصْل لِأَن جده كَانَ مبرأ من الْعُيُوب وَهُوَ مبارك يسْتَنْزل بِهِ الْقطر من الْغَمَام فيسقى الله بِهِ وَهُوَ عذب الْأَخْلَاق يستحلى خلقه كَأَنَّهُ معسول ممزوج بالعسل
١٧ - الْغَرِيب الْعوَان الَّتِي قوتل فِيهَا مرّة بعد أُخْرَى وَالْحلَل جمع حلَّة وَهِي الْمنَازل الَّتِي حلوها الْمَعْنى يَقُول لما رأى بَنو تَمِيم هَذَا الممدوح وخيله المنصورة قد أَقبلت إِلَيْهِم وَلم تقَاتلهمْ بعد تركُوا مَنَازِلهمْ وَهُوَ بوافي أول الْأَمر قبل الْقِتَال وَقَالَ الواحدي لَا يجوز أَن يكون خيل النَّصْر اسْتِعَارَة لِأَنَّهُ يلْزم من وجود النَّصْر وإقباله انهزام الْعَدو فَلَا يكون فِيهِ مدح وَإِنَّمَا مُرَاده أَنهم لما رَأَوْا خيله مقبلة انْهَزمُوا لعلمهم أَنهم المنصورون فِي جَمِيع الحروب
١٨ - الْغَرِيب قَالَ أَبُو بكر الْخَوَارِزْمِيّ رأى فِي هَذَا الْبَيْت لَيست من رُؤْيَة الْعين
стр. 905
وَإِنَّمَا هُوَ من رُؤْيَة الْقلب يُرِيد بِهِ التَّوَهُّم وَغير الشَّيْء يجوز أَن يتَوَهَّم وَمثله كثير وَقَالَ ابْن القطاع قد أوخذ فِي هَذَا الْبَيْت فَقبل كَيفَ يرى غير شَيْء وَغير شَيْء مَعْدُوم ولمعدوم لَا يرى وَفِيه تنَاقض وَلَيْسَ الْأَمر كَمَا قَالُوا بل أَرَادَ غير شَيْء يعبأ بِهِ وَالصَّحِيح أَن شَيْئا فِي هَذَا الْبَيْت يُرِيد بِهِ إنْسَانا خَاصَّة يُرِيد إِذا رأى غير إِنْسَان ظَنّه رجلا يَطْلُبهُ لِأَن خَوفه من الْإِنْسَان وَقَالَ الواحدي إِذا رأى غير شَيْء يعبأ بِهِ أَو يفكر فِي مثله ظَنّه إنْسَانا يَطْلُبهُ وَكَذَلِكَ عَادَة الهارب الْخَائِف كَقَوْل جرير
(مَا زَالَ يَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ بعْدَهْم ... خَيْلاً تَكُرُّ عَلَيْهمُ وَرِجالاً)
قَالَ أَبُو عبيد لما أنْشد الأخطل قَول جرير هَذَا قَالَ سَرقه وَالله من كِتَابهمْ يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم الْآيَة وَيجوز حذف الصّفة وَترك الْمَوْصُوف دَالا عَلَيْهَا كَقَوْلِه ﵊ لَا صَلَاة لِجَار الْمَسْجِد إِلَّا فِي الْمَسْجِد أَجمعُوا على أَن الْمَعْنى لَا صَلَاة كَامِلَة فاضلة وَيَقُولُونَ هَذَا لَيْسَ بِشَيْء يُرِيدُونَ شَيْئا جيدا وَقَالَ بعض الْمُتَكَلِّمين إِن الله خلق الْأَشْيَاء من لَا شَيْء فَقيل هَذَا خطأ لِأَن لاشيء لَا يخلق مِنْهُ شَيْء وَمن قَالَ إِن الله يخلق من لَا شَيْء جعل لاشيء شَيْئا يخلق مِنْهُ وَالصَّحِيح أَن يُقَال يخلق لَا من شَيْء لِأَنَّهُ إِذا قَالَ لَا من شَيْء نفى أَن يكون قبل خلقه شَيْء يخلق مِنْهُ الْأَشْيَاء انْتهى كَلَامه وَالصَّحِيح مَا قَالَه أَي إِذا رأى غير شَيْء يخَاف مِنْهُ وَمِنْه ﴿حَتَّى إِذا جَاءَهُ لم يجده شَيْئا﴾ مَعْنَاهُ يُريدهُ أَو يَطْلُبهُ أَو يُغْنِيه عَن المَاء أَي شَيْئا نَافِعًا مغنيا الْمَعْنى يَقُول لشدَّة خوفهم وَمَا لحقهم من الْخَوْف ضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض فَلم يَجدوا مهربا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِم الأَرْض بِمَا رَحبَتْ﴾ فهاربهم إِذا رأى غير شَيْء مفزع فزع مِنْهُ لخوفه وَهَذَا كَقَوْلِه الْبَيْت بعده
١٩ - الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد قل قدرهم وعددهم وذلوا حَتَّى لَو ركضوا بخيلهم فِي لَهَوَات صبي مَعَ صغر حلقه لما سعل وَإِذا غص الْإِنْسَان بِشَيْء صَغِير لم يسعل وَإِنَّمَا يسعل الْإِنْسَان بِشَيْء كَبِير الْجِسْم لَا بِشَيْء صَغِير الْقدر وَلكنه حمل الْكَلَام على لفظ الْقلَّة كَقَوْلِه
(أماتَكُمُ مِنْ قَبْلِ مَوْتِكُمُ الجَهْلُ ... وَجَرَّكُمُ مِنْ خِفَّةٍ بِكُمُ النَّمْلُ)
اعْتمد على اللَّفْظ وَجعل الْمجَاز بِمَنْزِلَة الْحَقِيقَة كَذَا هَاهُنَا وَيجوز أَن يَجْعَل الطِّفْل مِنْهُم أَي مَا جسر الطِّفْل مِنْهُم أَن يسعل خوفًا وإشفاقا مَعَ أَنه لَا عقل لَهُ فَكيف الظَّن بكبيرهم فِي أَمر الْخَوْف وَله عقل بالخوف وعَلى هَذَا ركضت فعل خيل النَّصْر وقبيلته وَقَومه
стр. 906
قَالَ الواحدي أَي بعد الْيَوْم الَّذِي بادت بَنو تَمِيم أَو بعد إسْلَامهمْ الْحلَل إِلَى يَوْمنَا هَذَا الَّذِي نَحن فِيهِ لَو ركضت خيلهم فِي لَهَوَات صبي مَا شعر بهم حَتَّى يسعل يُرِيد خيل بني تَمِيم لقلتهم وذلتهم وَقد بَالغ ﵀ حَتَّى أَحَالهُ انْتهى كَلَامه وَالْوَجْه الثَّانِي هُوَ الأجود وَهَذَا مَأْخُوذ من قَول الشَّاعِر
(لَوْ أنَّهُ حَرَّكَ الجُرْدَ الجِيادَ عَلى ... أجْفانِ ذِي حُلُمٍ لَمْ يَنْتَبِهْ فَرَقا)
وَفِيه نظر إِلَى قَول خَالِد الْكَاتِب
(وَمَرَّ بِفِكْرِي خاطِراً فجَرَحْتُهُ ... وَلْم أرَ شَيْئا قَطُّ يَجْرَحُهُ الفِكْرُ)
٢٠ - الْغَرِيب الأولى بِمَعْنى الَّذين والجزر مَا ألْقى للسباع وَمِنْه قَول عنترة
(فَتْركْتُهُ جَزَرَ السبِّاعِ يَنُشْنَهُ ... )
وَيُقَال مَا كَانُوا إِلَّا جزرا لسيوفنا أَي الَّذين نقتلهم فنلقيهم للسباع الْمَعْنى يُرِيد إِن الَّذين لقوك مِنْهُم أفنيتهم بِالسَّيْفِ وَكَانُوا جزرا للسباع وَالَّذين لم يلقوك مَاتُوا خوفًا مِنْك وَمن جيشك فَقَتلهُمْ وجلا والوجل شدَّة الْخَوْف
٢١ - الْغَرِيب المهمة مَا بعد واتسع من الأَرْض وَالْقَذْف الْبعيد الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي قضاني عَائِد إِلَى المهمة أَي هَذَا المهمة قضاني بعد أَن مطل لبعده ومشقة قطعه الْمَعْنى يَقُول كم طَرِيق بعيد شاق قطعه قلب من يدل فِيهِ كقلب العاشق لاضطرابه وخوفه من الْهَلَاك فِيهِ قطعته بالسير فِيهِ بعد مَا طَال على وصعب واستعارة لَهُ المطل وَالْقَضَاء لِأَن الْمَطْلُوب مِنْهُ انْقِطَاعه بالسير فَهُوَ بِطُولِهِ وَبعد انْقِطَاعه كالماطل الَّذِي يمطل بِمَا يَقْتَضِي مِنْهُ وَهَذَا المهمة لطوله وشدته كَأَنَّهُ يمطل وَقَالَ ابْن القطاع غلط ابْن جنى فِي هَذَا الْبَيْت فَرَوَاهُ قلب الْمُحب بِفَتْح الْحَاء يُرِيد المحبوب وَهُوَ من الْغَلَط الْفَاحِش لِأَن قلب المحبوب سَاكن الجأش وَإِنَّمَا الْخَائِف الْمُحب بِكَسْر الْحَاء وَلِهَذَا شبهه بقلب الدَّلِيل لخوفه فِي هَذَا المهمه يَقُول قطعته بعد شدَّة فَكَأَنَّهُ مطلني ببعده وَهَذِه الرِّوَايَة الَّتِي ذكرهَا لم أسمعها من اُحْدُ عَن ابْن جنى
٢٢ - الْغَرِيب المفاوز جمع مفازة وَسميت بذلك تفاؤلا بالفوز وَقيل بل من قَوْلهم فوز الرجل إِذا مَاتَ فِي مهلكة وحر الْوَجْه أشرف شَيْء فِيهِ وأفل النَّجْم غَابَ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَمَّا أفل قَالَ لَا أحب الآفلين﴾
стр. 907
الْمَعْنى يُرِيد أَنه كَانَ ينظر إِلَى النَّجْم نظرا مُتَّصِلا خوفًا من الظلال فَجعله لدوامه كالعقد لطرفه يُرِيد أَنه لم يزل ينظر إِلَى النَّجْم حَتَّى كَأَنَّهُ قد عقد طرفه بِهِ وَإِذا غَابَ النَّجْم عقد حر وَجهه بَحر الشَّمْس وَالْمعْنَى أَنه سَافر فِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا حَتَّى بلغ مَا أَرَادَ وجانس بَحر الشَّمْس حر الْوَجْه
٢٣ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي حصاها عَائِد على الْمَفَازَة الْغَرِيب الصم الشداد الصلاب من كل شَيْء واليعملة النَّاقة القوية إِلَى يعْمل عَلَيْهَا فِي السّير وَالْجمع يُعَامل ويعملات وتغشمرت تعسفت والسهل مَا سهل من الأَرْض والجبل الْحزن وَهُوَ مَا صَعب قطعه من الأَرْض الْمَعْنى يَقُول أوطأت نَاقَتي الْحَصَى من هَذِه المفاوز كَمَا تُوطأ الْمَرْأَة أَي جمعت بَينهمَا وَركبت نَاقَتي على غير قصد تَارَة سهلا وَتارَة جبلا فَلم تزل تعسف بِي حَتَّى وصلت إِلَيْك
٢٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي غيطانها للمفاوز أَيْضا الْغَرِيب الْغِيطَان جمع غَائِط وَهُوَ الَّذِي اطْمَأَن من الأَرْض وانخفض والزجل الصياح وَالصَّوْت والجلبة والنمرق نمرق الكور وَهُوَ الَّذِي يلقى عَلَيْهِ الرَّاكِب فَخذه للاستراحة وحشو الشَّيْء مَا فِي بَاطِنه الْمَعْنى يَقُول لَو كنت بدلي تَحت ثِيَابِي وَفرق نمرق نَاقَتي لسمعت جلبة الْجِنّ وأصواتهم فِي منخفض هَذِه المفاوز لِأَنَّهَا مأوى الْجِنّ لبعدها عَن الْإِنْس وَالْعرب إِذا وصفت الْمَكَان الْبعيد تَجْعَلهُ مسكن الْجِنّ كَمَا قَالَ الأخطل
(مَلاعِبُ جِنَّانِ كأنَّ تُرَابَها ... إذَا اطَّرَدَتْ فِيها الرّياحُ مُغَرْبَلُ)
وَالْمعْنَى مَأْخُوذ من قَول ذِي الرمة
(لِلْجِنّ باللَّيْلِ فِي حافاتِها زَجَلٌ ... كمَا تَجاوَبَ يَوْمَ الرّيحِ عَيْشُومُ)
والعيشوم مَا يبس من الحماض
٢٥ - الْمَعْنى يَقُول وصلت إِلَى الممدوح بِنَفس قد ذهب أَكْثَرهَا أَي ذهب لَحمهَا ودمها من شدَّة النصب وَالْخَوْف لمقاساتها فِي هَذِه الطَّرِيق الْبَعِيدَة ثمَّ تمنى أَن يعِيش بِمَا بقى مِنْهَا ليقضى حق الممدوح بخدمته لَهُ
١٩٦
- ٢٦ الْمَعْنى يُخَاطب الممدوح وَيَقُول لَهُ أَنا أطلب عطاءك الَّذِي هُوَ مُبَاح لكل طَالب لَا يخْشَى مِنْك مطالا وَيُرِيد أَنه يسْتَقلّ كثير مَا يعْطى وهمتك فِي الْجُود فَوق كل همة فَإِذا وهبت الدُّنْيَا كلهَا كنت بَخِيلًا لعلو همتك فالدنيا حقيرة بِالْإِضَافَة إِلَى همتك وَهُوَ من قَول حسان
(يُعُطى الجَزِيلَ وَلا يَرَاهُ عِنْدَهُ ... إلَاّ كَبَعْضِ عَطِيَّةِ المَذْمُومِ)
وَمن قَول أبي الْعَتَاهِيَة
(إنّي لأَيأَسُ مِنْها ثُمَّ يُطْمِعُنِي ... فِيها احْتِقارُكَ للدُّنْيا وَما فِيها)
стр. 908
- ١ الْغَرِيب المكرمات جمع مكرمَة وَهُوَ مَا يتكرم بِهِ الْإِنْسَان وشغل يجوز فِيهِ التثقيل وَالتَّخْفِيف فثقله أهل الْكُوفَة وَابْن عَامر الْمَعْنى يَقُول النَّاس مشتغلون بِكَثْرَة الأمل والطمع بِمَا يأخذونه من أموالك وَلَكِنَّك مَشْغُول بتحقيق آمالهم وتصديق أطماعهم فَهَذَا شغلك بالمكرمات
٢ - الْمَعْنى يَقُول تمثلوا بحاتم فَحذف الْجَار ضَرُورَة يُرِيد ان النَّاس يتمثلون فِي الْجُود بحاتم الطَّائِي فَيُقَال هُوَ اكرم من حَاتِم وأجود من حَاتِم وَلَو نظر النَّاس بِعَين الْعقل لضربوا بك الْمثل لِأَنَّك الْغَايَة فِي الْجُود
٣ - الْإِعْرَاب الرُّسُل عطفه على الْجَار وَالْمَجْرُور فِي قَوْله بِمَا بعثت وَأهلا وسهلا منصوبان بِفعل مُضْمر الْغَرِيب يُقَال أَيهَا بِالنّصب أَي كف ودع وأيه بالخفض الاستزادة من الْمُتَكَلّم فَإِذا أردْت أَن تستزيده قلت إيه وَإِذا أردْت أَن تكفه قلت أَيهَا
стр. 909
الْمَعْنى يَقُول أَهلا وسهلا ومرحبا بِالَّذِي أرْسلت بِهِ وَهُوَ كالتحية فَكف عَمَّا تهدي إِلَى فقد غمرني إحسانك وعمني أفضالك
٤ - الْإِعْرَاب من نصب هَدِيَّة نصبها على الْمصدر أَي أهديت هَدِيَّة أَو أرْسلت إِلَى هَدِيَّة فَتكون مفعولة وَمن رَفعهَا جعلهَا خبر ابْتِدَاء الْمَعْنى يُرِيد هَذِه هديتك الَّتِي بعثت إِلَى بهَا مَا رَأَيْت مهديها يعْنى الممدوح إِلَّا رَأَيْت النَّاس كلهم فِي شخص رجل وَاحِد يَعْنِي أَن الله جمع مَا فِي النَّاس من مَعَاني الْفضل وَالْكَرم وَهُوَ من قَول أبي نواس
(لَيْسَ عَلى الله بِمُسْتَنْكَرِ ... أنْ يَجْمَعَ الْعالَم فِي وَاحِدِ)
وَقد كرر أَبُو الطّيب هَذَا الْمَعْنى فِي مَوَاضِع كَثِيرَة
٥ - الْغَرِيب الْبركَة الْحَوْض وَالْجمع برك الْمَعْنى يَقُول أقل شَيْء فِي أقل هَذِه الْهَدِيَّة سمك بِهَذِهِ الصّفة وَأَرَادَ بِالْبركَةِ الْإِنَاء الَّذِي كَانَ فِيهِ الْعَسَل وَيُرِيد أَنَّهَا كَانَت كظيمه
٦ - الْإِعْرَاب أكافي أَصله أكافي إِلَّا أَنه أبدل الْهمزَة على غير قِيَاس يَاء وأجراها مجْرى الْوَقْف فِي الْوَصْل الْغَرِيب الْيَد النِّعْمَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿بل يَدَاهُ مبسوطتان﴾ أَي نعمتاه على عباده بالرزق فِي الدُّنْيَا وَالرَّحْمَة فِي الْآخِرَة الْمَعْنى يَقُول كَيفَ أكافي من لَا يعْتَقد فِي أجل نعْمَة لَهُ عِنْدِي أَنَّهَا نعْمَة اسْتِخْفَافًا بهَا وتصغيرا والمكافأة مُقَابلَة الشَّيْء بِمثلِهِ وَمِنْه زيد كُفْء لهِنْد أَي مثلهَا
стр. 910
- ١ الْإِعْرَاب هاتا اسْم إِشَارَة إِلَى المخايل الْغَرِيب المخابل الْبَرْق وَمَا يسْتَدلّ بِهِ على الْمَطَر وَيُقَال المخيلة السحابة الخليقة بالمطر والودق الْمَطَر وَالْخلف الِاسْم من الإخلاف فِي الْوَعْد الْمَعْنى يَقُول لصاحبيه اصبرا قَلِيلا تريا من أَمْرِي شَأْنًا عَظِيما فقد ظَهرت مخايله وَمَا شهد لي بتحقيق مَا كنت أعلم وأعدكما من نَفسِي من قتل الْأَعْدَاء وبلوغ الآمال وَإِنِّي لَا أخلف الْوَعْد وَلَا القَوْل فقد بَان مَا كنت أَقُول لَكمَا
٢ - الْإِعْرَاب من روى آخر بِالرَّفْع فَهُوَ عطف على الْموضع من قَوْله صائب كَقِرَاءَة الْجَمَاعَة سوى على بن حَمْزَة مالكم من إِلَه غَيره بِالرَّفْع وَمن نَصبه جعله عطفا عل لفظ صائب وَمن صائب كَقَوْلِك جَاءَ الْقَوْم من ضَاحِك وَبَاكٍ فَهِيَ للتَّبْعِيض الْغَرِيب خساس النَّاس أراذلهم والصائب بِمَعْنى الْمُصِيب يُقَال صابه يُصِيبهُ وأصابه يُصِيبهُ فَهُوَ صائب ومصيب فصائب من الثلاثي ومصيب من الرباعي وَجَاء من الثلاثي قَول بشر بن أبي خازم
(تُسائِلُ عَنْ أخِيها كُلَّ رَكْبٍ ... وَلمْ تَعْلَمْ بأنَّ السَّهْم صَابا)
الْمَعْنى يَقُول رماني أَي عابني أراذل النَّاس فَمنهمْ من رماني بِعَيْب هُوَ فِيهِ وَهُوَ الِابْنَة فَانْقَلَبَ قَوْله عَلَيْهِ فَأصَاب استه بِالْعَيْبِ الَّذِي رماني بِهِ وَآخر لم يُؤثر فِي كَلَامه لحقارته فَهُوَ كمن يرميني بِقِطْعَة قطن لعدم التَّأْثِير وَقَالَ الربعِي من صائب استه يُرِيد من ضعفه إِذا رمى يُصِيب استه فَحَمله على قَوْله
(وآخَرُ قُطْنٍ مِن يدَيْهِ الجَنادِل ... )
وَهُوَ قَول فَاسد لأَنا لَا نرى فِي الموصوفين بالضعف من يَرْمِي بِحجر أَو غير حجر مِمَّا ترمي بِهِ الْيَد فَيُصِيب استه وَإِنَّمَا هُوَ مثل ضربه لعائبه
٣ - الْإِعْرَاب علمي مفعول يجهل وَقَوله أَنه مفعول علمي أَي يجهل معرفتي بجهله بِي الْمَعْنى قَالَ الواحدي يُرِيد وَمن رجل آخر لَا يعرفنِي وَلَا يعرف جَهله فهاتان
стр. 911
جَهَالَتَانِ ويجهل أَنِّي أعلم أَنه جَاهِل بِي وَهُوَ من قَول الْحَكِيم الَّذِي لَا يعلم بعلته لَا يتَوَصَّل إِلَى برئها
٤ - الْإِعْرَاب مَالك الأَرْض نصب على الْحَال كَقِرَاءَة مُحَمَّد بن السميفع الْيَمَانِيّ أنقلب على وَجهه خاسر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة بِالنّصب وعَلى ظهر السماكين فِي مَوضِع الْحَال تَقْدِيره رَاكِبًا ظهر السماكين الْغَرِيب الْمُعسر الْقَلِيل المَال من الْعسر وَهُوَ خلاف الْيُسْر والسماكان السماك الرامح والسماك الأعزل وهما سِتَّة أنجم كل سماك ثَلَاثَة الْمَعْنى يَقُول لَا يعلم الْجَاهِل أَنِّي إِذا ملكت الأَرْض كلهَا كنت فِي حَال الْعسر عِنْد نَفسِي وَمُقْتَضى همتي وَإِذا عَلَوْت ظهر السماكين كنت رَاجِلا لاقْتِضَاء همتي مَا فَوق ذَلِك ومثليه للخليل بن أَحْمد
(لوْ كنْتَ تعْلَمُ مَا أقُولُ عَذرْتَنِي ... أوْ كنتَ أجْهَلُ مَا تَقُولُ عَذَلْتُكا)
(لَكِنْ جَهِلْتَ مَقالَتِي فعَذَلْتَنِي ... وَعَلِمْتُ أنَّكَ جاهِلً فَعذَرْتُكا)
وَمثله للْآخر
(جَهِلْتُ ولَمْ تَعْلَمْ بأنَّكَ جاهِلً ... فَمنْ لي بأنْ تَدَرى بأنَّكَ لَا تَدْرى)
٥ - الْمَعْنى يَقُول همتي تحقر عِنْدِي الْأَشْيَاء النفيسة فتريني كل شَيْء أطلبه حَقِيرًا والغاية الْبَعِيدَة فِي عَيْني قَصِيرَة وَذَلِكَ لشرف همته وعلوها وَهَذَا من حمقه المتزايد
٦ - الْغَرِيب الطود الْجَبَل الْعَظِيم ومناكبه أعاليه والضيم الذل والزلازل جمع زَلْزَلَة الْمَعْنى يُرِيد أَنه لم يزل ثَابتا ذَا وقار طودا لَا يحركه شَيْء حَتَّى ظلم فَلم يصبر على الظُّلم فَكَأَنَّهُ حرك لدفع الضيم عَنهُ وَهَذَا كُله يعظم شَأْن نَفسه
٧ - الْغَرِيب قلقل حرك وَيُرِيد بالحشا مَا فِي دَاخل جَوْفه وقلاقل عيس جمع قلقل وَهِي النَّاقة الْخَفِيفَة وناقة قلقل وَفرس قلقل إِذا كَانَا سريعي الْحَرَكَة والقلاقل الثَّانِيَة جمع قلقلة وَهِي الْحَرَكَة قَالَ أَبُو الْفَتْح الضَّمِير فِي كُلهنَّ للعيس لَا للقلاقل يَقُول قلاقل القلاقل كَمَا تَقول سراع السراع وخفاف الْخفاف وكقولك أفضل الْفُضَلَاء وَهُوَ أبلغ فِي الْوَصْف من أَن يعود على القلاقل
стр. 912
الْمَعْنى قَالَ الواحدي حركت بِسَبَب الْهم الَّذِي حرك نَفسِي نوقا خفافا فِي السّير يَعْنِي سَافَرت وَلم أعرج بالْمقَام الَّذِي يلحقني فِيهِ الضيم قَالَ وَيجوز أَن تكون القلاقل الثَّانِيَة بِمَعْنى الأولى فَيَقُول خفاف إبل كُلهنَّ خفاف وَنقل مَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَعَابَ الصاحب إِسْمَاعِيل بن عباد أَبَا الطّيب بِهَذَا الْبَيْت وَقَالَ مَاله قلقل الله أحشاءه وَهَذِه القافات الْبَارِدَة وَلَا يلْزمه من هَذَا عيب فقد جرت الْعَادة بذلك وَقَالَ أَبُو نصر بن الْمَرْزُبَان ثَلَاثَة من الشُّعَرَاء رُؤَسَاء شلشل أحدهم وسلسل الثَّانِي وقلقل الثَّالِث فَالَّذِي شلشل الْأَعْشَى وَهُوَ من رُؤَسَاء شعراء الْجَاهِلِيَّة وَهُوَ الَّذِي يَقُول
(وَقدْ غَدَوْتُ إِلَى الحْانُوت يَتْبَعُنِي ... شاوٍ مِشَل شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ)
وَالَّذِي سلسل مُسلم بن الْوَلِيد وَهُوَ من رُؤَسَاء الْمُحدثين
(سُلَّتْ وَسَلَّتْ ثُم سَّلَّ سَّليلُها ... فَأتى سَليِلُ سَليِلها مسَْلُولا)
وَأما الَّذِي قلقل فالمتنبي قَالَ الثعالبي فَقَالَ لي أَبُو نصر فبلبل أَنْت فَقلت لَهُ أخْشَى أَن أكون رَابِع الشُّعَرَاء أعنى قَول من قَالَ
(الشُعَرَاءُ فاعْلَمَنَّ أرْبَعَهْ ... )
(فشاعِرٌ يَجْري وَلا يُجْرَى مَعَهْ ... )
(وَشاعِرٌ يُنْشِدُ وسْطَ المَعْمَعَهْ ... )
(وشاعِرٌ مِنْ حَقِّه أنْ تَسْمَعَهْ ... )
(وشاعِرٌ مِنْ حَقِّه أنْ تَصْفَعَهْ ... )
قَالَ ثمَّ قلت بعد مُدَّة من الدَّهْر
(وإذَا البَلابِلُ أفْصَحَتْ بلْغاتهَا ... فانْفِ الَبَلابِلَ باحتِساءِ بَلابلِ)
وَفِي هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مَا يرد قَول ابْن عباد ويبطله مَا جَاءَ مثله عَن رُؤَسَاء الشُّعَرَاء
٨ - الْغَرِيب واراه ستره والمشاعل جمع مشعلة وَهِي النَّار الموقدة والمشعلة (بِكَسْر الْمِيم) الْآلَة الَّتِي تحمل فِيهَا النَّار الْمَعْنى يَقُول إِذا سترنا اللَّيْل بظلامه أسرعت هَذِه الْإِبِل حَتَّى تصطك الْحِجَارَة بَعْضهَا بِبَعْض وتنقدح النَّار فنرى مَالا نرَاهُ بضوء المشاعل وَهَذَا من الْمُبَالغَة
٩ - الْغَرِيب الوجناء النَّاقة الغليظة الوجنات وَيُقَال هُوَ من الوجين وَهُوَ مَا غلظ من الأَرْض
стр. 913
الْمَعْنى جعل النَّاقة كالموج والمفازة لسعتها كالبحر وَجعل نَفسه إِذا ركب النَّاقة فِي ظهر هَذِه الْمَفَازَة فِي موجة ترميه فِي بَحر لَا سَاحل لَهُ وَالضَّمِير فِي رمت للموجة
١٠ - الْمَعْنى يَقُول يشبه لي أَن الْبِلَاد وَلَا يُرِيد بالبلاد هُنَا المفاوز أَي لَا تَسْتَقِر فِي بلد وَأخرج إِلَى أُخْرَى كَمَا أَن العذل لَا يسْتَقرّ فِي أذن وَإِنَّمَا يدْخل فِي أذن وَيخرج من الْأُخْرَى وَأَرَادَ مِمَّا تَقول العواذل فَحذف للْعلم بِهِ وَقد نَقله من قَول الآخر
(كأّني قَذَّى فِي عَينِ كُلّ بِلادِ)
وكقول البحتري
(تَقاذَفُ بِي بِلادٌ عَنْ بِلاد ... كأّنيَ بَيْنَها عيْر شَرُّودُ)
١١ - الْإِعْرَاب أَرَادَ تتساوى فَحذف تَاء المضارعة دون الْأَصْلِيَّة عِنْد أَصْحَابنَا الْكُوفِيّين وَعند الْبَصرِيين الْمَحْذُوف الْأَصْلِيَّة وَحجَّتنَا أَن حذف الزَّائِدَة أولى لِأَن الزَّائِد أَضْعَف فَحَذفهُ أولى من الْأَصْلِيّ وَحجَّة الْبَصرِيين أَن الزَّائِد دخل لِمَعْنى وَهُوَ المضارعة فَحذف مَا دخل لغير معنى أولى وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ الثَّانِيَة هِيَ الَّتِي تسكن فتدغم كَمَا رَأَيْت فِي فاد ارأتم وَهِي الَّتِي يفعل بهَا ذَلِك فِي تذكرُونَ فَكَمَا أَنَّهَا اعتلت هُنَا كَذَلِك تحذف هُنَاكَ وتاء المضارعة لاتعل وتساوى فِي مَوضِع جزم لِأَنَّهَا وَقعت جَوَابا للشّرط الْغَرِيب الْعلَا تَأْنِيث الْأَعْلَى كالكبر فِي جمع الْكُبْرَى والمحابي جمع الْمحيا وَهُوَ مفعل من الْحَيَاة كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿ومحياي ومماتي﴾ الْمَعْنى يَقُول من يطْلب مَا أطلب من الشّرف والرتب الْعَالِيَة اسْتَوَى عِنْده الْحَيَاة وَالْقَتْل لِأَنَّهُ علم أَن الْأُمُور الْعَالِيَة فِيهَا المخاوف والمهالك فَهُوَ قد وَطن نَفسه على الْهَلَاك فَهُوَ يصبر عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِهِ وَمن جعل تَسَاوِي فعلا مَاضِيا أثبت الْيَاء وَهُوَ فِي مَوضِع جزم وَهُوَ روايتي عَن شيخى أبي مُحَمَّد وَمن رَوَاهُ بِإِسْقَاط الْيَاء جعله مُسْتَقْبلا كَمَا ذكرنَا وَهُوَ مجزوم بِجَوَاب الشَّرْط
١٢ - الْإِعْرَاب نصب السيوف لِأَنَّهَا اسْتثِْنَاء مقدم كبيت الْكُمَيْت
(ومَالِيَ إِلَّا آلَ أحُمَدَ شِيْعَةٌ ... وَما لِي إلَاّ مَذْهَبَ الحَقّ مَذْهَبُ)
الْغَرِيب الْوَسَائِل جمع وَسِيلَة وَهِي مَا يتوسل بِهِ الْإِنْسَان الْمَعْنى يُرِيد أَنه لَا يتْرك قتال الْأَعْدَاء وَلَا يطْلب إِلَّا أنفسهم وَلَا يتوسل إِلَى أحد بل يتوسل إِلَى بُلُوغ مُرَاده بسيوفه وَقَالَ الواحدي يَقُول لملوك عصره لَا نطلب إِلَّا أَرْوَاحهم وَلَا نتوسل إِلَّا بسيوفنا اهـ وَلَا يَقُول هَذَا القَوْل إِلَّا لدلالته على حمقه
١٣ - الْمَعْنى يَقُول مَا وَردت السيوف وَالضَّمِير فِي وَردت وصدرت رَاجع لَهَا يُرِيد إِذا وَردت روح امْرِئ كَانَت أملك بهَا مِنْهُ وَصَارَ وَإِن كَانَ بَخِيلًا غير بخيل لِأَن السَّيْف ينَال مِنْهُ مَا يطْلب بِهِ أَو أَنه يفتدى بِمَالِه وباخل وبخيل بِمَعْنى كَذَا قَالَ أَبُو الْفَتْح وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا
١٤ - الْإِعْرَاب من نصب غثاثة نصبها بإضمار فعل تَقْدِيره أرى أَو نَحوه وَمن رَفعهَا جعلهَا ابْتِدَاء وَالْخَبَر أَن تغث الْغَرِيب غث الشَّيْء يغث غثاثة ويغث بِفَتْح الْغَيْن وَكسرهَا فِي الْمُسْتَقْبل والمصدر غثا وغثوثة وغثاثة وَأَصله الهزال وغث اللَّحْم إِذا كَانَ مهزولا فَهُوَ غثيث وغث أَي فسد وأغث الرجل فِي مَنْطِقه وأغثث الشَّاة هزلت الْمَعْنى يَقُول أرى غثاثة عيشي أَي هزالة فِي هزل كَرَامَتِي لافي هزال مطاعمي وَهُوَ من كَلَام الْحَكِيم عدم الْغنى من النَّفس أَشد من عدم الْغنى من الْملك وَالْمَال
стр. 914
- ١ الْغَرِيب الْبر الْإِعْطَاء بره إِذا أعطَاهُ والرحيل الِاسْم من الارتحال الْمَعْنى يَقُول أردْت أَن أبرك وَقت سفرك فَوجدت أَكثر مَا عِنْدِي قَلِيلا بِالْإِضَافَة إِلَى عظم قدرك
стр. 915
- الْغَرِيب الصب العاشق المشتاق وَقد صببت يَا رجل بِالْكَسْرِ قَالَ الشَّاعِر
(وَلست تَصّبُّ إِلَى الظَّاعِنيِنَ ... إذَا مَا صَديِقُكَ لَمْ يَصْبَبِ)
ورغبت فِي الشَّيْء طلبته وأردته رَغْبَة ورغبا بِالتَّحْرِيكِ ورغبت عَن الشَّيْء إِذا لم ترده والبكرة أول النَّهَار والأصيل آخِره وَالْمعْنَى يَقُول علمت أَنَّك تُرِيدُ المكارم وتطلبها وَأَنت مشتاق إِلَيْهَا تحبها وملازمها بكرَة وَأَصِيلا
٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا ذكره يحْتَمل مَعْنيين أَحدهمَا أَن يكون أهْدى إِلَيْهِ شَيْئا كَانَ أهداه إِلَيْهِ صديقه الممدوح وَالْآخر أَن يكون أَرَادَ أَنِّي جعلت مَا كَانَ من عادتك أَن تهديه إِلَيّ وتزودينه وَقت فراقك هَدِيَّة مني إِلَيْك أَي أَسأَلك أَن لَا تتكفله لي وَقَالَ الْعَرُوضِي فِيمَا أملاه مِمَّا استدركه على أبن جنى أَرَادَ أَنَّك تحب أَن تُعْطِينِي فَجعلت قبُول هديتك إِلَى هَدِيَّة مني إِلَيْك لحبك ذَاك قَالَ الواحدي وَقَول الْعَرُوضِي أمدح وأليق بِمَا قبله من رغبته فِي المكارم وأشتياقه إِلَيْهَا وَقَوله وظرفها التأميلا الظّرْف وعَاء الشَّيْء يَقُول جعلت تأميلي مُشْتَمِلًا على قبُول الْهَدِيَّة كاشمال الظّرْف على مَا فِيهِ والهدية مُخْتَلفَة على الْأَقْوَال الْمَذْكُورَة فعلى الأول هَدِيَّة أهداها الممدوح فَعَادَت إِلَيْهِ وعَلى القَوْل الثَّانِي الْهَدِيَّة أَن لَا يهدي الممدوح إِلَى المادح شَيْئا وعَلى القَوْل الثَّالِث أَن لَا يهدي إِلَى المتنبي شَيْئا فَتكون كَمَا لَو أهْدى إِلَيْهِ لحبه الإهداء للمتنبي
٤ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح أَي لَا كلفة لَهُ عَلَيْك لِأَنِّي لم أتكلف لَك شَيْئا من مَالِي وَإِنَّمَا هُوَ من مَالك عَاد إِلَيْك وبقى بِحَالَة عنْدك وَيكون تحمل شكري على قبُوله ثقيلا عَليّ لتكامل صنيعك بِهِ وَقَالَ الْعَرُوضِي هَذَا الْبَيْت تَأْكِيدًا لما فسرته لِأَنَّهُ يَقُول هَذِه الْهَدِيَّة بر تحبه فيخفف عَلَيْك قبُوله لِأَنَّهُ فِي الْحَقِيقَة إِعْطَاء لي وَأَنت تخف إِلَى الْإِعْطَاء لي وَلَا منَّة عَلَيْك لِأَنَّك إِذا أَعْطَيْتنِي أثقلت رقبتي بالشكر
следующие страницы →