Полный текст (1 424 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
- الْمَعْنى يُرِيد أَن أَفعَال النَّاس تتحير فِيمَا يَفْعَله لقصورها عَنهُ وَزِيَادَة مَا يَفْعَله على فعلهم ويقل ذَلِك فِي دولته لاقتضائها الزِّيَادَة على مَا فعل
٣ - قَالَ أَبُو الْفَتْح يَمِينه تسح الْعَطاء وشماله تسح الدِّمَاء قَالَ ابْن فورجة الرجل لَا يُقَاتل بِشمَالِهِ وَالْفِعْل يكون للْيَمِين فِي كل شَيْء وَإِنَّمَا يكون عمل الشمَال كالمعونة للْيَمِين وَإِنَّمَا يُرِيد أَن يَدَيْهِ جَمِيعًا كالسحابتين عَطاء وسح دِمَاء
٤ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا قتل الْأَعْدَاء كرما لَا بَأْسا لتأكل الطير لحومهم لانه ضمن أرزاق الطير فَقَتلهُمْ للطير لَا للْحَاجة إِلَيْهِم وَزَاد بالجود والعيال على مَا قَالَه الشُّعَرَاء من إطْعَام لجوم الْأَعْدَاء الطير قَالَ أَبُو الْفَتْح أبلغ من هَذَا فِي الْمَدْح أَنه ينْحَر ويذبح ليَأْكُل الطير مِمَّا يجده من اللَّحْم فَكَأَنَّهُ سفك الدِّمَاء بجوده لَا ببأسه
٥ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو قَالَ دون زَوَاله لَكَانَ أحسن وَكَانَ مثل قَول الآخر
(بِقَلْبِي غَرامٌ لَسْتُ أبْلغُ وَصْفَهُ ... عَلى أنَّهُ مَا كانَ فَهْوَ شَديدُ)
(تَمُرُ بِهِ الأيَّامُ تَسْحَبُ ذَيْلَها ... فَتَبْلي بِهِ الأيَّامُ وَهْوَ جَديدُ)
قَالَ وَله أَن يحْتَج عَنهُ فَيُقَال إِن الْأَيَّام بعض الدَّهْر وَلَيْسَت هَذِه الْأَيَّام جَمِيعه وَقد يجوز أَن يذهب بعض الدَّهْر وَيبقى بعضه فَيبقى الغرام بِحَالهِ مَعَ بَقَاء الْمُحب فَقَالَ إِن الغرام بَاقٍ بقلبي فَإِذا مَا زَالَ مَعَه الذّكر وَقَول أبي الطّيب بَقِي الذّكر لَهُ إِنَّمَا يَصح بِبَقَاء النَّاس فَإِذا زَالَ النَّاس والدهر عدم الذّكر
стр. 982
- ١ الْغَرِيب أَبَت رجعت وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فباءوا بغضب من الله﴾ أَي رجعُوا وعفت كرهت الْمَعْنى يَقُول لم أطول فِي جلوسي عِنْده وكرهت التَّطْوِيل لِأَنِّي رجعت وَقد قضيت حَاجَتي
٢ - الْمَعْنى يَقُول طول حياتك لي خير من حَيَاة نَفسِي لنَفْسي لِأَنَّك تعينني على الزَّمَان والشدائد
٢٠٩
- ١ الْغَرِيب أقفرت خلوت وأقفز الرّبع إِذا رَحل عَنهُ أَهله والأهوال العامرة الَّتِي بهَا الْأَهْل الْمَعْنى يَقُول فِي مُخَاطبَة الْمنَازل لَك فِي قلبِي منَازِل أَنْت خَالِيَة ومنازلك فِي الْقلب ذَات أهل عامرة يُرِيد لم تذكرين منازلك الَّتِي فِي الْقُلُوب وَأَنت قد أقفرت يُرِيد تجدّد ذكرهَا فِي قلبه وَهُوَ معنى قَول أبي تَمام
(وَقَفْتُ وَأحشْائي مَنازِلُ لِلأسَى ... بِهِ وَهْوَ قَفْرٌ قدْ تَعَفَّتْ مَنازِلُهْ)
وَمثله للبحتري
(عَفَتِ الدّيارُ وَما عَفَتْ أحْشاؤُهُ ... )
وَلابْن الْمعز
(بُؤْسا لِدَهْرِ غَيَّرَتْكَ صُرُوفُهُ ... لمْ يَمْحُ مِن قَلبِي الهَوَى وَمَحاكا)
قَالَ أَبُو الْفَتْح بَيت المتنبي أرجح من بَيت الطَّائِي لِأَنَّهُ ذكر منَازِل الْحزن فَخص والمتنبي ذكر الْمنَازل فعمم فَهُوَ أرجح من بَيت الطَّائِي وَلَقَد أحسن ابْن الْمعز بقوله
(لمْ بَمْحُ مِن قَلْبي الهَوَى وَمحاكا ... )
جمع الْمَعْنى فِي كَلِمَتَيْنِ
стр. 983
- الْغَرِيب الأولى الأحق والعاقل يُرِيد بِهِ الْفُؤَاد ويروي يبكي على مَا لم يسم فَاعله وروى أَبُو الْفَتْح ببكى على الْمصدر وَبهَا قَرَأت على شَيْخي الْمَعْنى يَقُول منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد يعلمن بحالك وحالهن فهن أواهل بذكرك وَأَنت مقفرة من ذكر أهلك وَلست تذكرين منازلك الَّتِي فِي الْفُؤَاد فأولاكما بالبكاء عَلَيْهِ الْعَاقِل يَعْنِي منَازِل الْقلب يُرِيد أَن قلبِي أولى بالبكاء لِأَنَّك جماد لَا تعلمين مَا حل بك من فرقة أهلك وَقَالَ أَبُو الْفَتْح منَازِل الْحزن بقلبي تعلم مَا يمر بهَا من ألم الْهوى وَأَنت لَا تعلمين ذَاك
٣ - الْغَرِيب اجتلب افتعل من الجلب وجلبت الشَّيْء أجلبه جلبا وجلبا وجلبت واجتلت بِمَعْنى وَأَصله فِيمَا يجلب للْبيع من بلد إِلَى بلد وَهُوَ فِي الْبَيْت بِمَعْنى سقته إِلَى نَفسِي والمنية من أَسمَاء الْمَوْت الْمَعْنى يَقُول طرفِي جلب موتِي بِالنّظرِ فَمن أطلب بدمي وَأَنا قتلت نَفسِي وَهُوَ مَنْقُول من قَول قيس بن ذريح
(وَما كُنْتُ أخْشى أنْ تَكوُنَ منِيَّتي ... بكفى إِلَّا أَن من حَان حائن)
وَقد أحسن دعبل بن على الْخُزَاعِيّ بقوله
(لَا تعجبني يَا سلم من رجل ... ضَحِكَ المَشِيبُ بِرَأْسِهِ فَبَكى)
(لَا تأخذُا بظلامَتِي أحَداً ... قَلْبِي وَطَرْفي فِي دَمِي اشْتركا)
٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي الظّرْف عَائِدًا إِلَى قَوْله الَّذِي اجتلب وَهُوَ صلته يُرَاد بِهِ الشَّاعِر المجتلب الْغَرِيب الظباء جمع ظَبْيَة فِي الْكَثْرَة وَيجمع ظَبْي على فعول وظبيات والتابعة الَّتِي تتبع أمهَا فِي المرعى فَكَأَنَّهُ أَرَادَ الصَّغِيرَة من الظباء والخاذل الْمُتَأَخر وَمِنْه ظَبْيَة خاذل وخذول إِذا تَأَخَّرت عَن المرعى الْمَعْنى يَقُول تَخْلُو دِيَارهمْ من حسانها وتفارقها وخيال من أهواه لَا يفارقني وَقَالَ الواحدي تَخْلُو الديار من الحسان وَعِنْدِي من كل تَابِعَة أَي صَغِيرَة مِنْهُنَّ خيال يأتيني فَكَأَنَّهُ تَأَخّر عَنْهُن وَقَالَ تَابِعَة لِأَنَّهُ أَرَادَ صغر سنّهَا
стр. 984
- الْإِعْرَاب اللاء قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز أَن يكون نعتا للظباء وَلَا يمْتَنع أَن يكون مَحْمُولا على قَوْله من كل تَابِعَة لِأَن كل قد دلّت على معنى الْجمع فَإِذا حمله على الظباء كَانَ فِي مَوضِع خفض لِأَنَّهُ نعت وَإِذا حمله على كل فَهُوَ بدل معرفَة من نكرَة قَالَ وَلَو أمكنه أَن يقدم بمهجتي على الجبان لَكِن أوجه وَالْبَاء مُتَعَلقَة بأفتك وأفعل إِذا كَانَ لتفضيل لَا يعْمل شَيْئا وَهَذَا الْبَيْت مثل قَوْلك مَرَرْت بالذين أحبهم فلَان إِلَيّ فَالْوَجْه تَقْدِيم إِلَى على فلَان لِئَلَّا يفصل بَينه وَبَين أحب وَقَالَ الْخَطِيب الْبَاء مُتَّصِلَة فِي الْمَعْنى بأفتكها إِلَّا أَنه لَا يُمكن تعلقهَا بِهِ لِأَنَّهُ قد اخبر عَنهُ بقوله الجبان ومحال أَن يخبر عَن الِاسْم وَقد بقيت مِنْهُ بَقِيَّة فَلَمَّا امْتنع ذَلِك علق الْبَاء بِمَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ أفتكها فَكَأَنَّهُ أضمر بعد ذكر الجبان فتكت بمهجتي الْغَرِيب اللاء جمع فِي الْمُؤَنَّث كَالَّذِين فِي الْمُذكر وَقد اخْتلف الْقُرَّاء فِي يائها فَقَرَأَ قنبل عَن ابْن كثير وقالون عَن نَافِع بِالْهَمْز من غير يَاء وَقَرَأَ ورش بياء مختلسة بَدَلا من الْهَمْز وَإِذا وقف صيرها يَاء سَاكِنة وقرا البزي وَأَبُو عَمْرو بن الْعَلَاء بياء سَاكِنة بَدَلا من الْهمزَة فِي الْحَالين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز وياء بعْدهَا فِي الْحَالين والفاتك الجريء وَالْجمع الفتاك والفتك أَن يَأْتِي الرجل صَاحبه وَهُوَ غافل فيشد عَلَيْهِ فيقتله وَفِيه ثَلَاث لُغَات فتك بِفَتْح الْفَاء وَضمّهَا مَعَ سُكُون التَّاء فيهمَا وبكسر الْفَاء مَعَ سُكُون التَّاء والجبان خلاف الشجاع الْمَعْنى يَقُول أفتك هَؤُلَاءِ الظباء بمهجتي هِيَ النافرة الَّتِي أَنا مغرم بهَا والبخيلة مِنْهُنَّ بالوصل أحبهنَّ قربا إِلَيّ
٦ - الْغَرِيب نوافر جمع نافرة وَأَرَادَ بهَا الْبَعِيدَة وأصل النفور الْخُرُوج إِلَى طلب الشَّيْء والختل الخدع وختلة وخاتلة أَي خدعة والتخاتل التخادع الْمَعْنى يَقُول ترميننا بلحاظهن وَهن بعيدات عَنَّا لَا يقصدننا وتخدعننا بحسنهن وَهن غافلات لَا يعلمن ذَلِك
٧ - الْغَرِيب المها بقر الْوَحْش تشبه النِّسَاء بِهن لسواد أعينهن والحبائل جمع حبالة الضائد الْمَعْنى يَقُول نَحن نصيد بقر الْوَحْش وَهَؤُلَاء المشبهات لبقر الْوَحْش كافأننا وأخذن بثأرهن فِي صيدنا لمشابهن فصدننا بأعينهن من غير حبائل فِي التُّرَاب
стр. 985
- الْغَرِيب الثغر جمع ثغرة وَهِي نقرة النَّحْر الَّتِي بَين الترقوتين والجآذر جمع جؤذر وَهُوَ ولد الْبَقَرَة الوحشية والدملج والدملوج المعضد وَجمعه دماليج والخلخال مَا يكون من ذهب أَو فِي فضَّة فِي السَّاق الْإِعْرَاب جآذر يجوز أَن يكون فَاعل كأفاننا وَيجوز ان يكون مُبْتَدأ وَخَبره مقدم عَلَيْهِ ودمالج وخلاخل مُبْتَدأ وَمن الرماح الْخَبَر يُرِيد لَهُنَّ دمالج وخلاخل يكتفين بهَا عَن الرماح الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح نسَاء مثل الجآذر بحليهن يفعلن مَا يفعل الطاعن بِالرُّمْحِ وَنَقله الواحدي حرفا فحرفا وَفِي مَعْنَاهُ
(هَل يَغْلِبَني وَاحِدٌ أقاتلُهُ ... رِيم عَلى لَبَّاتَهِ سَلاسلُهْ)
(سلاحُهُ يَوْمَ الْوَغَى مَكاحلُهُ ... )
وَنَقله من قَول مُسلم بن الْوَلِيد
(بارَزْتُهُ وَسِلاحُهُ خَلْخالُهُ ... حَتى فَضَضْت بِكَفِّي الخَلخْالا)
٩ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا سميت أغطية الْعُيُون جفونها لِأَنَّهَا ضمنت أحدقا تعْمل عمل السيوف
١٠ - الْغَرِيب يروي سجرتك بِالسِّين الْمُهْملَة وَالْجِيم يُرِيد ملأتك وَمِنْه الْبَحْر الْمَسْجُور وَيجوز أوقدتك فقد قيل فِي الْآيَة إِنَّه الموقد ويروي شجرتك بالشين الْمُعْجَمَة وَالْجِيم أَي حبستك وصرفتك وَمِنْه شَجَرَة الدَّابَّة إِذا أصبت بشجرها اللجام وَهُوَ مَا بَين اللحيين لتكفها وتمنعها ويروى بِالسِّين الْمُهْملَة والحاء أَي جعلتك مسحورا بالشوق حَتَّى صرت كالواله الْمَجْنُون أَو أَنَّهَا أَصَابَت سحرك أَي رئتك وَمِنْه حَدِيث عَائِشَة توفى رَسُول الله
بَين سحرِي وَنَحْرِي الْمَعْنى كم لَك من وَقْفَة سجرتك ملانك شوقا أَو كفتك أَو منعتك أَو سحرتك حَتَّى صرت والها لَا تعقل وَقد ولع بك الوشاة وهم جمع واش يشي بك إِلَى من تريده وَيصْلح بك حَاله وَتَمام الْكَلَام فِيمَا يَأْتِي أَي كم وَقْفَة دون التعانق
١١ - الْإِعْرَاب ناحلين حَال من وَقْفَة أَي كم وَقْفَة وقفناها ناحلين
стр. 986
وَقَالَ الْخَطِيب هِيَ حَال من الضَّمِير فِي بِنَاء يُرِيد بِهِ وبالمحبوبة الْغَرِيب الشكلة أَرَادَ الشكلة الَّتِي تكون فِي الْإِعْرَاب وَهِي الفتحة وَهِي من قَوْلهم شكلت الدَّابَّة أَي ضبطتها والشكلة تضبط الْحُرُوف وَضم الشاكل الْكَاتِب يُرِيد بِالضَّمِّ الْقرب وَلم يرد الضَّم الَّذِي فِي الْإِعْرَاب الْمُسَمّى رفعا الْمَعْنى يَقُول وقفنا دون التعانق قرب بَعْضنَا من بعض وَلم نتعانق فكأننا لقربنا شكلتان دقيقتان جمع الْكَاتِب بَينهمَا وَهُوَ تَشْبِيه حسن شبه تقاربهما بتقرب الشكلتين ونحولهما بنحول الشكلة ووصفها بالنحول مثله لَان بهَا مَا بِهِ من الوجد وَمثل هَذَا فِي قرب التعانق لِأَنِّي إِسْحَاق الْفَارِسِي
(ضَممَنهْا ضَمَّةً عُدنا بهَا جَسَدَاً ... فلَوْ رَأتْنا عُيونٌ مَا خَشِيناها)
وَمثله الآخر
(إنّي رَأيْتُكَ فِي نَوْمي تعانِقُنِي ... كَمَا تُعانِقُ لامُ الكاتِبِ الألِفا)
١٢ - الْمَعْنى يَقُول تمتّع بِالنعْمَةِ واللذة مَا دَامَ لَك الشَّبَاب فَكل مَا كَانَ لَهُ أول لَا بُد لَهُ من آخر فَإِنَّهُ يفنى حَتَّى يَأْتِي آخِره وَهَذَا مَنْقُول من كَلَام الْحَكِيم كل مَا كَانَ لَهُ أول تَدْعُو الضَّرُورَة إِلَى أَن لَهُ آخرا
١٣ - الْغَرِيب الأرب الْحَاجة وَكَذَلِكَ الإربة وروق الشَّبَاب وريقه أَوله الْمَعْنى يَقُول مَا دَامَ للحسان فِيك حَاجَة وَطلب يَعْنِي مَا دمت شَابًّا أنعم ولذ فَإِنَّهُ ظلّ زائل عَنْك
١٤ - الْغَرِيب آونة جمع أَوَان وَمِنْه بَيت الْكتاب
(أَبُو حَنَشٍ يُؤَرّقُنِي وَطلْقٌ ... وَعمَّارٌ وَآوِنَةً أُثالا)
وَذكر هَذَا الْبَيْت سِيبَوَيْهٍ على ترخيم أثالة فِي غير النداء ضَرُورَة على قَول من قَالَ يَا حَار وَقبل جمع قبْلَة الْمَعْنى يَقُول للهو واللعب أَو أَن يمر سَرِيعا كزويد الحبيب الراحل من عنْدك قبلا فَهِيَ لذيذة وَلكنهَا وشيكة الذّهاب كَذَلِك سَاعَات اللَّهْو وَأَيَّام السرُور قصار
стр. 987
- الْغَرِيب الْجِمَاع الْإِسْرَاع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لولوا إِلَيْهِ وهم يجمحون﴾ أَي يسرعون﴾ والجموح من الرِّجَال الَّذِي يركب هَوَاهُ فَلَا يُمكن رده قَالَ الشَّاعِر
(خَلَعْتُ عذاَرِي جامِحا مَا يَبرُدُّني ... عَنِ البيِضِ أمثْالِ الدُّمى زَجْرُ زَجِرِا)
وجمح الْفرس إِذا غلب فارسه وجمحت الْمَرْأَة إِذا خرجت من بَيت زَوجهَا إِلَى أَهلهَا بِغَيْر طَلَاق قَالَ الراجز
(إِذا رَأتْنِي ذاتُ ضِعنٍ حَنَّتِ ... وجّمَحَتْ مِن زَوْجِها وَأنَّتِ)
والمشوب الْمُخْتَلط الْمَعْنى يَقُول جمح الزَّمَان أَي قهر وَغلب فَمَا تخلص اللَّذَّة من أَذَى يشوبها بِهِ الدَّهْر فَلَا يكمل سرُور الْإِنْسَان وَهُوَ من قَول الآخر
(وَكَذاكَ لَا خَيْرٌ على الدُّنيا وَلا شَرٌّ يُداَم ... )
١٦ - الْغَرِيب الهائل المهيب المخيف والمنى جمع منية الْمَعْنى يَقُول كل شَيْء لَا تخلص اللَّذَّة فِيهِ وَلَا بُد من شَيْء ينغصه حَتَّى أَبُو الْفضل هَذَا الممدوح رُؤْيَته أماني النَّاس فَإِذا وصلوا إِلَيْهَا تغصتها عَلَيْهِم هيبته وَهُوَ منظره قَالَ أَبُو الْفَتْح هَذَا خُرُوج مَا روى أعرب مِنْهُ
١٧ - الْإِعْرَاب الْهَاء فِي إِلَيْهَا ودونها للرؤية فِي رِوَايَة أبي الْفَتْح وَبهَا قَرَأت وروى غَيره إِلَيْهِ دونه رَاجع إِلَى الممدوح الْغَرِيب الْفَج الطَّرِيق الْوَاسِع والوابل الْمَطَر الْكثير قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يصبهَا وابل فطل﴾ الْمَعْنى يَقُول طرق إِلَى رُؤْيَة الممدوح أَو إِلَى الممدوح ممطورة بآثار إحسانه فَالنَّاس يصلونَ إِلَى إحسانه قبل الْوُصُول إِلَيْهِ
١٨ - الْغَرِيب السرادق مَا كَانَ حول الشَّيْء يمنعهُ وَيمْنَع مَا فِيهِ والسرادق الَّذِي يمد فَوق صحن الدَّار وكل بَيت من كُرْسُف فَهُوَ سرادق قَالَ رؤبة بن العجاج
стр. 988
(يَا حَكمَ بنِ المُنْذِرِ بن الجارُودْ ... سُرادقُ المْجدِ علَيْك ممْدُود)
والأزمة جمع زِمَام والذوامل السائرات سير الذميل وَهُوَ الْمُرْتَفع عَن الْعُنُق وَمثله الرسيم الْمَعْنى يَقُول رُؤْيَته محجوبة بسرادق من هيبته قَالَ الواحدي أَي الطّرق إِلَيْهِ محجوبة وَالْبَيْت يدل على أَنه يتَعَذَّر الْوُصُول إِلَيْهِ لهيبته وان هيبته ترد عَنهُ الْمطِي الذوامل إِلَيْهِ وَهَذَا إِلَى الهجاء أقرب مِنْهُ إِلَى الْمَدْح وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كَانَ على الطّرق إِلَيْهِ سرادقا يمْنَع من الْعُدُول عَنهُ إِلَى غَيره وَالنَّاس أبدا ينحون نَحوه وَقَالَ ابْن فورجة أَلا يعلم أَبُو الْفَتْح أَن الهيبة تثنى الزائر عَن الألتقاء بِهِ وَلَا تثنى زائر غَيره إِلَيْهِ وَمَا قيل فِي هَذَا الْبَيْت يدل على هَذَا يَقُول رُؤْيَته محجوبة بالهيبة الَّتِي لَو أَن مطيا ذملت فِي سَيرهَا واعترضتها هَذِه الهيبة لَا نثنت وَعدلت وَلم تقدم إشفاقا من الْإِقْدَام واستعظاما للهجوم
١٩ - الْغَرِيب الشَّمَائِل جمع شمال وَهِي الْخَلَائق الْمَعْنى يَقُول فِيهِ إضاءة الشَّمْس ومنفعتها وبهاؤها وَعُمُوم الرِّيَاح وتصرفها وجود السَّحَاب وَهُوَ السخاء وإقدام الْأسود وَالْمعْنَى يُرِيد عُمُوم نَفعه
٢٠ - الْإِعْرَاب يُرِيد من العقيان وَكَذَا من الْحَيَاة وَمن الْمَمَات فَحذف النُّون لسكون وَسُكُون اللَّام الْغَرِيب العقيان الذَّهَب والمناهل المشارب الْمَعْنى يَقُول كَانَ النَّاس يردون مِنْهُ على هَذِه الْأَشْيَاء كَمَا يردون المناهل وَقَوله من الْحَيَاة أَي لأوليائه وَمن الْمَمَات أَي لأعدائه وَقد زَاد على بَيت أبي تَمام
(نَرمِي بِأشباحنِا إِلَى مَلِكٍ ... نَأْخُذُ مِنْ مالِهِ وَمِنْ أدَبِهِ)
لِأَنَّهُ ذكر الْمَوْت والحياة
٢١ - الْغَرِيب لجب أصوات الْوُفُود وهم الَّذين يفدون عَلَيْهِ يطْلبُونَ الْعَطاء وَيُقَال حوله وحواليه وحواله وحوليه والناهل الشَّارِب الأول دون العال الْمَعْنى يَقُول قَالَ أَبُو الْفَتْح لَو لم تخف القطا أصوات الْوُفُود لسرت إِلَيْهِ لتشرب مِنْهُ وَقَالَ ابْن فورجة يَعْنِي أَن القطا يرَاهُ مَاء معينا فيهم يوروده ويشفق من لجب الْوُفُود على عَادَة الطير
стр. 989
قَالَ الواحدي لعُمُوم نَفعه تهم الطير بالوفود عَلَيْهِ لتنقع غَلَّتهَا وَلَيْسَ هُوَ مَاء يشرب أَو يرَاهُ الطير كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ
٢٢ - الْإِعْرَاب أَرَادَ قبل أَن فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَلَمَّا حذف حرف النصب رد الْفِعْل إِلَى الرّفْع الْمَعْنى يَقُول هُوَ لذكائه يدْرِي مَا تطلب قبل أَن تظهره لَهُ وَمن حِدة ذهنه يجب قبل أَن تسائل
٢٣ - الْغَرِيب حَار يحور حورا وحئورا إِذا رَجَعَ الْمَعْنى ترَاهُ أحداقنا إِذا اعْترض وَتَوَلَّى وَإِذا واجهته ترجع متحيرة وَلم تسوف النّظر إِلَيْهِ وَإِنَّمَا ترَاهُ فِي جال اعتراضه وتوليه لانحرافه عَنْهَا يَعْنِي أَن الْأَبْصَار إِذا قابلته حارت لنوره فَلم تره
٢٤ - الْغَرِيب قضب جمع قاضب فواصل تفصل كَمَا يفصل بَين الْخُصُوم والمفاصل جمع مفصل الْمَعْنى يَقُول كَلِمَاته سيوف فواصل أَيْنَمَا أَصَابَت فصلت كالسيوف الَّتِي تقضب المفاصل يُرِيد أَنَّهَا تفصل بَين الْخُصُوم فِي الْأَحْكَام كَمَا تفصل السيوف إِذا ضربت على المفاصل
٢٥ - الْمَعْنى يُرِيد أَن مكارمه هزمت مَكَارِم النَّاس فَكَأَن المكارم قبائل غلبت قبائل يُرِيد أَن مكارمه كَثِيرَة تغلب مَكَارِم النَّاس كلهَا
٢٦ - الْغَرِيب دفر والدهيم اسمان من أَسمَاء الداهية والدفر النن وَسميت الداهية بِهِ لخبثها وَيُقَال للدنيا أم دفر لخبثها وأصل الدهيم أَن نَاقَة كَانَ أسمها الدهيم حملت رُؤُوس قوم فَقَالُوا أثقل من حمل الدهيم فَصَارَت مثلا وَكَانَت الدهيم لعَمْرو بن ربان وَكَانَ لَهُ جمَاعَة بَنِينَ فَقتلُوا وحملت رؤوسهم على الدهيم وخليت فَذَهَبت إِلَى بَيت أَبِيهِم عَمْرو فرأت النَّاقة أمة لَهُ وفوقها الرؤوس وَهِي لَا تعلم مَا هِيَ فَقَالَت لقد جنى بنوك اللَّيْلَة بيض النعام فَضربت الْعَرَب بهَا الْمثل وَتقول أم الدهيم وَالْعرب تَقول صحبتهم الدهيم وهابل ثاكل وهبلت الْمَرْأَة وَلَدهَا ثكلته فَهِيَ هابل والهبل الثكل وَقيل سميت الدُّنْيَا أم دفر لأجل رِيحهَا فَتكون من كَرَاهَة الرَّائِحَة يُرِيدُونَ أَنَّهَا خبيثة وَيجوز أَن يكون من الدّفع من دفرت أَي تدفع النَّاس فتخرجهم مِنْهَا
стр. 990
الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح أَرَادَ فَمَا تريان فاكتفي بضمير الْوَاحِد من الِاثْنَيْنِ وَقَالَ صدر الْبَيْت يتم بِهِ الْكَلَام وَأم الدهيم ابْتِدَاء وهابل خير لأم دفر وَأم الدهيم وَتَقْدِيره أم الدهيم هابل وَأم دفر كَذَلِك وَيجوز أَن يكون اكْتفى بضمير الْوَاحِد كَمَا قَالَ الآخر
(لِمَنْ زُحْلُوفَةٌ زَلُّ ... بِها العَينْان تَنْهلُّ)
وَلم يقل تنهلان لاكتفائه بِأحد الضميرين دون الآخر وَقَول الْخَطِيب أوجه من قَول أبي الْفَتْح أَن يكون النّصْف الثَّانِي مُتَعَلقا بالاول وَأم الدهيم مَرْفُوع مَا لم يسم فَاعله وَالْوَاو فِي وَأم دفر وَاو عطف عطف جملَة على جملَة وَأم دفر مَرْفُوعَة بِالِابْتِدَاءِ وَالْمعْنَى فَمَا ترى أم الدهيم يَعْنِي أَنَّهَا نفدت وَلَيْسَت ترى وَأم دفر هابل وَقد استغنينا عَن تكلفه فِي الْمَوْضِعَيْنِ الْمَعْنى يَقُول مكارمه أفنت وأذهبت الْأُمُور الشدائد والدواهي حَتَّى نفدت فَكَأَن أمهَا صَارَت ثاكلة فَلَا تعرف الخطوب لِأَن مكارمه أعدمتها وانفدتها
٢٧ - الْغَرِيب اللج مُعظم المَاء والساحل المرسى الَّذِي يرسى عَلَيْهِ الْمَعْنى يَقُول هُوَ أعلم النَّاس وَالْعُلَمَاء وَهُوَ فِي جوده لج لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى وكل لج لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى يَنْتَهِي إِلَيْهِ إِلَّا هَذَا لَيْسَ لَهُ مُنْتَهى
٢٨ - الْغَرِيب القوابل جمع قَابِلَة وَهِي الَّتِي تشارف الْمَرْأَة عِنْد الْولادَة الْمَعْنى لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا الممدوح لولد النِّسَاء وَلَا قوابل لَهُنَّ يشاهدنهن يَعْنِي لِأَنَّهُ أَرَادَ مثل مولده فِي الطّيب وَالطَّهَارَة وَلِهَذَا نصب مثله يُرِيد لَو طَابَ مولد كل حَيّ مثل طيب مولد هَذَا
٢٩ - الْإِعْرَاب أَرَادَ أذكر أم أُنْثَى فَحذف همزَة الإستفهام لدلَالَة أم عَلَيْهَا كَقَوْل عمر بن أبي ربيعَة
(فَوَ اللهِ مَا أدرِي وَإنْ كُنْتُ دارِيا ... بسَبْعٍ رَمَينَ الجَمْر أمْ بثمانِ)
الْغَرِيب الْجَنِين الْوَلَد إِذا كَانَ فِي الْبَطن وَالْجمع أجنة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَإِذ أَنْتُم أجنة فِي بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ الْمَعْنى يَقُول لَو بَان الْجَنِين بَيَانه بِالْكَرمِ لعرف الذّكر من الْأُنْثَى وَالْمعْنَى لما بَان كرمه حِين كَانَ جَنِينا ظَاهر الْكَرم عرف أَنه مَوْلُود كريم فَلَو بَان حَال الْجَنِين تبيان كرمه لعرف الذّكر من الْأُنْثَى
стр. 991
- الْإِعْرَاب يَقُول زَاد الشَّيْء وزدته أَنا قَالَ الله تَعَالَى ﴿وزدناهم هدى﴾ وَأَرَادَ لِيَزْدَادَ الْغَرِيب المشاعل جمع مشعل وَهُوَ مَا يضرم فِيهِ النَّار ليهتدي بِهِ فِي الْأَسْفَار وَغَيرهَا الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَأْمُرهُم بِأَن يزدادوا تواضعا فَإِن فضائلهم لَا تكْتم بالتواضع وَضرب بذلك مثلا بكتمان المشاعل فِي الظلام فَإِنَّهَا لَا تخفى وَمَتى كَانَ الظلام أَشد كَانَت أظهر كَذَلِك مَتى كَانَ تواضعهم أَكثر كَانَت فضائلهم اكثر وَقَالَ الْخَطِيب كَانَ لهَذَا الممدوح نسب فِي ولد الْحسن بن عَليّ ﵉ فامرهم بالتواضع لأَنهم كلما ازدادوا فِي التَّوَاضُع ظهر شرفهم وَإِن أخفوا نسبهم لَا ينكتم كَمَا ان المشاعل لَا تنكتم فِي الظلام
٣١ - الْغَرِيب سفد بِالْكَسْرِ يسفد سفادا وَهُوَ نزو الذّكر على الْأُنْثَى يُقَال ذَلِك فِي التيس وَالْبَعِير والثور وَالطير وَالسِّبَاع وَحكى أَبُو عُبَيْدَة سفد بِالْفَتْح وأسفده غَيره والرباب غيم يتَعَلَّق بأسافل السَّحَاب إِذا كثر مَاءَهُ الْمَعْنى يَقُول هم يكتمون معروفهم كَمَا يكتم الْغُرَاب سفاده ثمَّ ذَلِك لَا يكتم كَمَا لَا يخفي السَّحَاب الهاطل
٣٢ - الْغَرِيب الجفخ الْفَخر جفخ تكبر وفخر مثل جخف وجمح فَهُوَ جفاخ وحماح وَذُو جفخ والشيم جمع شِيمَة وَهِي الخليقة والعلامة والأغر الْأَبْيَض الْوَاضِح الْمَعْنى هَذَا على التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير تَقْدِيره جفخت بهم شيم وفخرت وهم لَا يفخرون بهَا وشيمهم دَلَائِل على حسبهم الظَّاهِر وَهُوَ مَا يعد من مآثر الْآبَاء وَقَالَ ابْن وَكِيع فِي معنى الْبَيْت الاول وَهَذَا من قَول حبيب
(أرَادُوا لِيُخْفُوا قَبرَهُ عَنْ عَدُوّه ... وَطِيبُ تُرابِ القَبرِ دَلّ عَلى القَبرِ)
٣٣ - الْغَرِيب يُقَال عف وعفيف والحلاحل السَّيِّد الْعَظِيم الْمَعْنى يَقُول هم ورعون يشبه ورعهم ورع بعض وشا بهم عفيف الْإِزَار كِنَايَة عَن ترك الزِّنَا وعف مثل طب وعفيف مثل طَبِيب وَالْمعْنَى أَنهم أهل ورع كبارهم وصغارهم عفيفون
стр. 992
- الْمَعْنى يُرِيد يَا هَذَا افخر فَحذف المنادى كَقِرَاءَة عَليّ بن حَمْزَة أَلا يسجدوا لله الَّذِي يخرج الخبء وَيجوز أَن يكون جعله تَنْبِيها بِمَنْزِلَة أَلا كَقَوْل ذِي الرمة
(أَلا يَا اسْلمَى يَا دَارَ مَيَّ على البِلَي ... وَلَا زَالَ مُنهَلاً يَجَزْعائِكِ القْطرُ)
وَمثله فِي الشّعْر كثير الْمَعْنى يَقُول النَّاس فِيك ثَلَاثَة أَقسَام إِمَّا مستعظم يستعظمك لما يرى من عظمتك أَو حَاسِدًا يحسدك على فضلك أَو جَاهِل يجهل قدرك
٣٥ - الْمَعْنى يَقُول شرفك وعلو قدرك قد ظهر وعرفه النَّاس فَلَا تبالي بذم الْحَاسِد فَإِنَّهُ لَا يزيدك علوا وَلَا ينْقصك من قدرك وَلَا بِحَمْد الحامد فَإِنَّهُ لَا يزيدك شرفا وَهُوَ مَأْخُوذ من قَول الْخَطِيب
(وَمَا زِلْتَ تُعْطِي النَّفْسَ حَتَّى تجاوَزَتْ ... مُناها فأعْطِ الْآن إنْ شِئْتَ أوْدَعِ)
٣٦ - الْمَعْنى يَقُول إمساكك عَن إسكاتي نائل مِنْك عِنْدِي بعد مَا عرفت تقصيري
٣٧ - الغربي الهزبر الْأسد والباسل الشَّديد الْمَعْنى يَقُول من هيبتك ومعرفتك وانتقادك الشّعْر جيده من رديئه لَا يهجم أحد من الشُّعَرَاء الفصحاء على الإنشاد بَين يَديك وَلَكِنِّي لجودة شعري أجسر على الْإِنْشَاء بَين يَديك قَالَ الواحدي أَجود مَا قبل فِي هَذَا قَول أبي نصر بن نباتة
(ويْلمَّها عِنْد السُّرادِقِ هَيْبّةً ... لَوْ سالمَتْ قَصب العِظامِ خَصائلِي)
(نَفَضَتْ عَلىَّ مِنَ الْقُبوَلِ محبَّةً ... قامَتْ بِضبْعِي فِي المَقامِ الهَائِلِ)
٣٨ - الْغَرِيب بابل مَوضِع بالعراق بَين الْكُوفَة وبغداد وَإِلَيْهِ ينْسب السحر وَفِيه كَانَ نزُول الْملكَيْنِ اللَّذين ذكرهمَا الله ﵎ فِي سُورَة الْبَقَرَة الْمَعْنى يَقُول مَا نَالَ شعراء الْجَاهِلِيَّة شعري كامرئ الْقَيْس وَزُهَيْر وطرفة
стр. 993
ولبيد وَغَيرهم وَلَا سمع أهل بابل بسحري يصف نَفسه بالفصاحة
٣٩ - الْمَعْنى يَقُول مذمة النَّاقِص دلَالَة على كمالي وفضلي وَذَلِكَ لِأَن النَّاقِص أبدا ضد الْفَاضِل وَبَينهمَا تبَاين وأصل هَذَا الْمَعْنى من قَول الطرماح
(لَقَدْ زَادَني حُباً لِنَفْسِي أنَّنِي ... بّغَضٌ إِلَى كُلّ امْرِئ غير طائلِ)
وَإِنِّي شَقّيِ باللَّئامِ وَلا تَرَى ... شَقِياً بِهِمْ إلَاّ كَرِيمَ الشَّمائِلِ)
وأخذوه مَرْوَان بن أبي حَفْصَة فَقَالَ
(مَا ضَرَّنِي حَسَدُ اللَّئام وَلمْ يَزَلْ ... ذُو الفَضْلِ يَحْسدُهُ ذَوُو التَّقْصِير)
وَأَخذه ابو تَمام فَقَالَ
(لَقَدْ آسَفَ الأعْداءَ فَضْلُ ابنِ يوسفٍ ... وّذُو النَّقْصِ فِي الدُّنيا بِذِي الْفضل مولَعُ)
وَأَخذه ابْن الْمعز فَقَالَ
(مَا عابَني إلَاّ الحَسُودُ ... وَتِلكَ مِن إحْدى المناقِبْ)
فَأتى أَبُو الطّيب فِي الْمَعْنى بِلَفْظ مُخَالف للفظ مَرْوَان وأتى أَبُو تَمام بِالْمَعْنَى فِي جُزْء من لفظ مَرْوَان وتممه بِلَفْظ من عِنْده وأتى ابْن المعتز بِالْمَعْنَى فِي لفظ سوى لفظيهما
٤٠ - الْغَرِيب بِأَقَلّ رجل يُوصف بالعي من الْعَرَب يضْرب بِهِ الْمثل وَذَلِكَ أَنه اشْترى ظَبْيًا بِأحد عشر درهما فَمر بِقوم فَقيل لَهُ بكم اشْتَرَيْته فعيي عَن الْجَواب فَفتح يَدَيْهِ وَفرق أصابعهما وَأخرج لِسَانه يُرِيد أحد عشر درهما فَأَفلَت الظبي فَصَارَ مثلا فِي العي قَالَ حميد الأرقط يهجو ضيفا
(أَتَانَا وَما دَاناهُ سَحْبانُ وَائلٍ ... بَيانا وَعلْما بالذِّي هُوَ قائِلُ)
(فَما زَالَ عَنْهُ اللَّقْمُ حَتى كأنَّهُ ... مِنَ العيّ لِّما أنْ تَكَلَّمَ باقِلُ)
الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح بَاقِل لم يُؤْت من سؤ حسابه وَإِنَّمَا أَتَى من سؤ عِبَارَته وَلَو قَالَ أَن يفحم الخطباء فيهم بَاقِل أَو نَحْو هَذَا لَكَانَ أسوغ قَالَ الواحدي وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِن باقلا كَمَا أَتَى من الْبَيَان أَتَى من الْحساب فَإِنَّهُ لَو بنى من سبابته وإبهامه دَائِرَة وَمن خِنْصره عقدَة لم يفلت مِنْهُ الظبي فصح قَول أبي الطّيب فِي نسبته إِلَى جهل الْحساب وَمعنى الْبَيْت يَقُول من يكفل لي بفهم أهل عصر يدعونَ أَن باقلا كَانَ يعلم حِسَاب الْهِنْد مَعَ سؤ علمه بِالْحِسَابِ يُرِيد أَنهم جهال لَا يعْرفُونَ الْجَاهِل من الْعَالم وَلَا النَّاقِص من الْفَاضِل وَصغر الْأَهْل تحقيرا لَهُم
стр. 994
- الْغَرِيب مقسم بِكَسْر السِّين الْحلف وَبِفَتْحِهَا الْقسم الْمَعْنى يَقُول لَهُ وَيقسم إِنَّك الْحق وَمَا سواك بَاطِل
٤٢ - الْإِعْرَاب روى أَبُو الْفَتْح بِنصب المَاء وَهِي روايتنا وَتَقْدِيره أَنْت إِذا اغْتَسَلت الْغَاسِل المَاء إِلَّا ان انتصابه على هَذَا لَيْسَ على الْغَاسِل لِأَن الصِّلَة لَا تعْمل فِيمَا قبل الْمَوْصُول كَمَا لَا يجوز زيدا أَنْت الضَّارِب وَلكنه مَنْصُوب بِفعل دلّ عَلَيْهِ الْغَاسِل أَي وتغسل المَاء إِذا اغْتَسَلت وَصَارَ قَوْله أَنْت إِذا اغْتَسَلت بَدَلا مِنْهُ ودالا عَلَيْهِ وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّه على رجعه لقادر يَوْم تبلى﴾ لِأَنَّهُ نَصبه بالرجع فَهُوَ من صلته وَلَا يفصل بَين الصِّلَة والموصول بالْخبر وَإِذا لم يُمكن حمله فِي الْإِعْرَاب عَلَيْهِ وَكَانَ الْمَعْنى مَعَ ذَلِك يَقْتَضِيهِ أضمر لَهُ فعل ينصبه دلّ عَلَيْهِ الرجع تَقْدِيره يرجعه يَوْم تبلى السرائر يقدر بعد الْخَبَر وروى غير أبي الْفَتْح بِرَفْع المَاء عطفا على الطّيب وَقَالَ أَنْت مُبْتَدأ والغاسل خَبره وَالتَّقْدِير الغاسله بِإِرَادَة الْهَاء إِذا اغْتَسَلت وإعراب الْبَيْت الطّيب مُبْتَدأ وَأَنت مُبْتَدأ ثَان وطيبه خبر أَنْت وَتَقْدِيره الطّيب أَنْت طيبه إِذا أَصَابَك وَالْمَاء وَأَنت الغاسله إِذا اغْتَسَلت الْمَعْنى يُرِيد أَنَّك أطيب من الطّيب وأطهر من المَاء إِذا اغْتَسَلت وَهُوَ من قَول ابْن الجويرية
(تَزِينُ الحَلْىَ إنْ لَبِسَتْ سُلَيْمي ... وَتحْسُنُ حِينَ تَلْبَسُها الثِّيابُ)
وكقول الآخر
(وَإذا الدُّرُّ زَانَ حُسْنَ وُجُهٍ ... كانَ لِلدُّرّ حُسْنُ وَجْهكِ زَيْنا)
(وَتَزِيدينَ أطْيَبَ الطيبِ طِيبا ... أنْ تَمَسَّيهِ أينَ مِثْلُكَ أيْنا)
٤٣ - الْإِعْرَاب النثا بِتَقْدِيم النُّون هُوَ الْخَبَر وَهُوَ مَقْصُور قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ يسْتَعْمل فِي الْمَدْح والذ والممدوح فِي الْمَدْح لَا غير ونشوت الْخَبَر أظهرته ونشوا الشَّيْء أظهروه الْمَعْنى يَقُول مَا تكلم وَلَا كتب بِأَحْسَن من أخبارك وَهَذَا غَايَة الْمَدْح
стр. 995
- ١ الْمَعْنى يُرِيد أَنكُمْ موتى بجهلكم قبل مفارقتكم الدُّنْيَا وَإِن كُنْتُم أَحيَاء وَلَا قدر لكم وَلَا زنة فلخفة أحلامكم وَقلة قدركم وعددكم يجركم النَّمْل وَالسَّفِيه الْخَفِيف الْعقل يُوصف بخفة الْوَزْن كَمَا أَن الْحَلِيم الرزين يُوصف بثقل الْوَزْن بالجبال وَشبههَا
٢ - الْإِعْرَاب نصب وليد وليداً لِأَنَّهُ نِدَاء مُضَاف الْغَرِيب تَصْغِير ولد وَهُوَ هَاهُنَا بِمَعْنى الْجَمَاعَة وَالْولد يَقع على الْوَاحِد وَالْجَمَاعَة الذُّكُور وَالْإِنَاث قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ﴾ الْآيَة وَلِهَذَا اخْتلف الْقُرَّاء فِي قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم ﴿مَالا وَولدا للرحمن ان يتَّخذ ولدا﴾ ٦ وَفِي الزخرف ﴿ولدا﴾ فقرأهن حَمْزَة وَالْكسَائِيّ بِضَم الْوَاو على الْجمع وقرا الْبَاقُونَ بِفَتْح الْوَاو وَالْمعْنَى وَاحِد وَاخْتلفُوا فِي سُورَة نوح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَاله وَولده﴾ فَقَرَأَ بِضَم الْوَاو ابْن كثير وَأَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَالْكسَائِيّ وَالْبَاقُونَ بِفَتْح الْوَاو وَالْولد جمع ولد كأسد وَأسد ووثن ووثن الْمَعْنى يَقُول يَا وليد أبي الطّيب الْكَلْب وَهُوَ صفة لَهُ كَيفَ فطنتم إِلَى دَعْوَى وَهُوَ الإدعاء فِي النّسَب إِلَى نسب لَسْتُم من ذَلِك النّسَب وَأَنْتُم لَا عقل لكم تفطنون بِهِ فَكيف فطنتم إِلَى الادعاء
٣ - الْإِعْرَاب رفع أصلا لِأَنَّهُ جعل لَا بِمَعْنى لَيْسَ كبيت الْكتاب قَول سعد بن مَالك
(مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها ... فَأنا ابنُ قَيسِ لَا بَراحُ)
الْغَرِيب المنجنيق يذكر وَيُؤَنث وتفتح قيمها وتكسر وَهِي معربة وَأَصلهَا بِالْفَارِسِيَّةِ من جينيك أَي مَا اجودني قَالَ زفر بن الْحَارِث
(لَقَدْ تَركَتَنْي مَنْجَنَيقُ ابنُ بَحْدلِ ... أحِيدُ مِنْ العُصْفُورِ حِينَ يَطِيرُ)
قَالَ الْفراء من النَّاس من يقدرها مفعليل لقَولهم كُنَّا نجتق مرّة ونرشق أُخْرَى وَالْجمع منجنيقات وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ هِيَ فنعليل الْمِيم من نفس الْكَلِمَة لقَولهم فِي الْجمع مجانيق وَفِي التصغير منجنيق وَلِأَنَّهَا لَو كَانَت زَائِدَة وَالنُّون زَائِدَة لاجتمعت زائدتان فِي أول الِاسْم وَهَذَا لَا يكون فِي الْأَسْمَاء وَلَا الصِّفَات الَّتِي لَيست على الْأَفْعَال المزيدة وَلَو جعلت النُّون من نفس الْكَلِمَة صَار الِاسْم رباعيا والزيادات لَا تلْحق بَيِّنَات لأربعة أَولا إِلَّا الْأَسْمَاء الْجَارِيَة على أفعالها نَحْو مدحرج الْمَعْنى لَو ضربتكم منجنيقي يُرِيد هجاءه أَي لَو ضربتكم بهجائي وأصلكم قوي لكسرتكم وأهلكتكم فَكيف تَكُونُونَ وَلَا أصل لكم مَعْرُوف
٤ - الْمَعْنى يَقُول لَو أَنكُمْ تعقلون وتفهمون لما كُنْتُم تنتسبون إِلَى من يعرف أَنه لَا نسل لَهُ وَلَا عقب فقد ظَهرت دعواكم بِهَذَا الانتساب وَإِنَّكُمْ كَذبْتُمْ فِيمَا ادعيتم وَهُوَ يهجو قوما يَزْعمُونَ انهم شرفاء
стр. 996
- ١ الْمَعْنى يَقُول أَنْت اكرم النَّاس فِي كل مَا تفعل وافصحهم فِي كل مَا تَقول لِأَنَّك أفضلهم
٢ - الْغَرِيب قلت بِمَعْنى أَشرت يُقَال قَالَ بكمه أَي أَشَارَ وَقَالَ بِرَأْسِهِ نعم أَي أَشَارَ والنوال الْعَطاء الْمَعْنى إِن أَشرت إِلَى بالبخور وَهِي الرَّائِحَة الطّيبَة تسوقها إِلَى فَهَكَذَا تفعل فِي الْعَطاء لي والبخور بِفَتْح الْبَاء لَا غير والعامة تضمها وَهُوَ خطأ وَفِي جمعه أبخرة كَمَا يُقَال فِي جمع البخار أبخرة فهما يَجْتَمِعَانِ فِي الْجمع ويفترقان فِي الْإِفْرَاد
٢١٢
- ١ الْغَرِيب الْحزن الأَرْض الصعبة الوعرة والسهول جمع سهل وَهِي الأَرْض الطّيبَة اللينة يجوب بِقطع الأَرْض الْمَعْنى يَقُول أَتَانِي وعيده من مَسَافَة بعيدَة بَيْننَا
٢ - الْغَرِيب صفراء أسم أمة وَقَالَ ابْن فورجة صفراء كِنَايَة عَن الأست وَالْعرب تنْسب الرجل إِلَى الأست الْمَعْنى هُوَ على الْبعد يوعدني وَلَو كَانَ بيني وَبَينه قدر رُمْحِي لَكَانَ مَا بَيْننَا طَويلا لانه لَا يتَمَكَّن من الْوُصُول إِلَى لجبنه وَلَا يقدر على الْإِقْدَام عَليّ
٣ - الْمَعْنى يَقُول إِسْحَاق بن كيغلغ مَأْمُون على من أهانه وَلكنه يتسلى بالبكاء عَن إهانة من أهانه وَلَا يأوى فِي الْحَرْب لنا إِلَى غير الْبكاء فَهُوَ لم يزل يتسلى بالبكاء
٤ - الْمَعْنى يَقُول الْجَمِيل يصلح أَن يجمل ويصان وَعرضه لَيْسَ بجميل فَلَا يحسن أَن يجمل
٢١٣
- ١ الْمَعْنى يَقُول إِن قَالَ إِنَّه ذل بالهجاء لقد كذب بل كَانَ من قبل هجائي لَهُ ذليلا حَقِيرًا الْغَرِيب الرّبع الْمنزل صيفا وشتاء والطلل مَا شخص من آثَار الديار والحي الْجَمَاعَة النازلون والراحلون وَحسب مستقبله يجوز الْكسر وَالْفَتْح فِي سينه وَالْأَفْعَال السالمة الَّتِي جَاءَت فِي الْمَاضِي بِكَسْر الْعين تكون فِي الْمُسْتَقْبل بِالْفَتْح نَحْو علم يعلم إِلَّا أَرْبَعَة أَفعَال فَإِنَّهَا جَاءَت نَوَادِر مثل حسب يحْسب ويبس ييبس ويئس ييئس وَنعم ينعم فَإِنَّهَا جَاءَت من السَّالِم بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح وَجَاء من المعتل الْمَاضِي والمستقبل بِالْكَسْرِ ومق يمق ووفق يفق ووثق يَثِق وورع يرع وورم يرم وَورث يَرث وروى الزنديري وَولى يَلِي وَحسب يحْسب بِالْفَتْح لُغَة فصيحة وَبهَا قَرَأَ ابْن عَامر وَعَاصِم وَحَمْزَة كل فعل مُسْتَقْبل فِي الْقُرْآن الْمَعْنى يَقُول لَا تحسبوا ربعكم أول قَتِيل قَتله فراقكم فَإِنَّكُم قد قتلتم نفوسا كَثِيرَة وأطلالا كَثِيرَة إِذْ رحلتم عَنْهَا وخلت مِنْكُم فَجعل رحليهم عَن الرّبع موتا لَهُ لِأَنَّهُ زَالَ جماله عَنهُ بزوالهم والأمكنة إِنَّمَا حَيَاتهَا بالعمارة فَإِذا خلت من الْعِمَارَة فَهِيَ ميتَة
стр. 997
وَلِهَذَا قيل من أَحْيَا مواتا يُرِيد أَرضًا خرابا فعمرها وسمى الداثر الخراب مواتا فَلَقَد أحسن أَبُو الطّيب فِي هَذَا الْمَعْنى بِذكرِهِ قتل الرّبع بالخلو عَنهُ
٢ - الْغَرِيب العذلة جمع عاذل وعذول الْمَعْنى يَقُول قبل قتلكم الرّبع أتلفتم نفوس العشاق بالبعد والهجر وَأكْثر العاذلون العذل فِي هواكم لما رَأَوْا من التهالك فِيكُم
٣ - الْغَرِيب الصرم الْجَمَاعَة من الْبيُوت بِمن فِيهَا وَجمعه اصرام والصرمة بِالْهَاءِ الْقطعَة من الْإِبِل ومروج إبِله من المرعى الْمَعْنى يَقُول ربعهم قد خلا مِنْهُم وَإِن كَانَ قد حلّه نَاس بعدهمْ فَهُوَ موحش خَال لارتحال الْأَحِبَّة عَنهُ فَهُوَ خَال فِي حق الْمُحب وموحش لَهُ وَإِن كَانَ فِيهِ جمَاعَة من النَّاس تروج عَلَيْهِم الْإِبِل فَكَأَنَّهُ قفر لَا أحد فِيهِ
٤ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي برجه للحبيب تَقْدِيره لَو سَار الحبيب عَن برج من بروج السَّمَاء لم يرض برجه الشَّمْس تحله بَدَلا مِنْهُ ورضى بِمَعْنى أخْتَار وَأحب فَلذَلِك عداهُ بِغَيْر حرف الْجَرّ الْمَعْنى يَقُول هَذَا الحبيب بجماله لَو سَار عَن فلك لما اخْتَار الشَّمْس عوضا عَنهُ لانه لَا يقوم فِي الْمنزل مقَامه غَيره
٥ - الْإِعْرَاب والهوى يجوز ان يكون فِي مَوضِع نصب عطفا على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي قَوْله أحبه وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع خفض على الْقسم كَقَوْل الآخر
(أما وَالهَوَىَ النَّجْدِيُّ أعْظَمَ حِلْفَةٍ ... )
وآدؤره عطف على الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي أحبه وَهِي جمع دَار وأختار الْمَازِني الْهمزَة لأجل ضمة الْوَاو الْغَرِيب الصباية رقة الشوق والوله ذهَاب الْعقل الْمَعْنى يَقُول أَنه أحبه يَعْنِي الحبيب الراحل عَن الرّبع وَأحب دوره وَالْحب هُوَ رقة شوق وَذَهَاب عقل
стр. 998
- الْغَرِيب أَرض منصورة إِذا أَصَابَهَا الْمَطَر قَالَ كثير
(نَصَرَ الغَيْثُ مُنْتأَى أُمّ عَمْرِو ... )
وَأنْشد الْفراء
(مَنْ كانَ أخْطأَهُ الرَّبِيعُ فإنَّما ... نُصرَ الحِجازُ بِغَيْثِ عَبْدِ الوَاحِدِ)
والهطل والهطال والهاطل وَاحِد وَهُوَ الْكثير السكب الْمَعْنى يَقُول السحب تسقيها وَهِي عَطْشَانَة إِلَى الحبيب الَّذِي سَار عَنْهَا فعطشها إِلَى غير الْمَطَر وَهُوَ الحبيب الَّذِي كَانَ يحلهَا
٧ - الْإِعْرَاب نصب مُقِيمَة على الْحَال الْغَرِيب الجداية بِكَسْر الْجِيم وَفتحهَا ولد الظبي وَالْحَرب الْهَلَاك فَإِذا وَقع الرجل فِي الْهَلَاك قَالَ واحربا الْمَعْنى يَقُول واحربا مِنْك يَا ظَبْيَة هَذِه الدَّار أَقمت أَو رحلت فرحيلك حَائِل بيني وَبَيْنك وَإِذا أَقمت منعت من الْوُصُول إِلَيْك فمقامك كرحيلك فَأَنت تهجرين عِنْد الْإِقَامَة وتفارقين عِنْد الرحيل فقربك وبعدك سيان
٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير للأدؤر فِي الْبَيْت الثَّالِث قبل هَذَا الْغَرِيب العبير يُقَال للزعفران وَقيل أخلاط تجمع من الطّيب والتفلة المتغيرة الرّيح وَامْرَأَة متفال وَهِي ضد العطرة الْمَعْنى يَقُول لم تطب الدّور إِلَّا بالمحبوب فَإِذا خلت مِنْهُ وَلَو خلطت بأصناف الطّيب كَانَت عِنْدِي كريهة الرّيح لبعده عَنْهَا وَإِنَّمَا تطيب إِذا كَانَ الحبيب بهَا والسجن مَعَ الحبيب طيب
(سَمُّ الخِياطِ مَعَ الأحْبابِ مَيْدَانُ ... )
٩ - الْغَرِيب بحثت عَن الشَّيْء وابتحثت عَنهُ أَي فتشت عَنهُ وَفِي الْمثل كالباحث عَن الشَّفْرَة والنجل الْوَلَد والنسل ونجله أَبوهُ وَيُقَال قبح الله ناجليه وَفرس ناجل إِذا كَانَ كريم النجل
стр. 999
الْمَعْنى يَقُول إِنَّه فَوق أبي الَّذِي يفتش عَن نسبه إِلَّا أَن صَنْعَة الشّعْر لإِقَامَة الْوَزْن ألجأته إِلَى هَذَا النّظم وَمثله فِي النّظم
(قالتْ مَن أنتِ على ذُكرٍ فقُلتُ لَهَا ... أَنا الَّتِي أنْتَ مِنْ أعْدائها زَعُموا)
وَالْمعْنَى أَنا فَوق قوم يفتشون عَن نسبي وَأَرَادَ بِبَعْضِه الْوَلَد لِأَن الْوَلَد بعض الْوَالِد
١٠ - الْغَرِيب نافرني فنفرته وأصل المنافرة أَن الرجلَيْن من الْعَرَب كَانَا يحتكمان فِي الْجَاهِلِيَّة إِلَى من عرف بالرياسة وَالْفضل والصدق فَيَقُولَانِ لَهُ أَي نفرينا أفضل فَإِذا فضل أَحدهمَا الآخر فالمغلوب منفور وَالْغَالِب نافر ونافره ينفره بِالضَّمِّ لَا غير قَالَ الْأَعْشَى يمدح عَامر بن الطُّفَيْل فِي منافرة عَلْقَمَة بن علاثة إِلَى هرم بن سِنَان المري
(بانَ الذِي فيهِ تَمارَيْتمُا ... وَاعْتَرَفَ المَنْفُورُ للِنَّافرِ)
وَقَوله أنفذوا أَي أفنوا والنفاد الفناء قَالَ الله تَعَالَى ﴿لنفد الْبَحْر قبل أَن تنفد كَلِمَات رَبِّي مَا عنْدكُمْ ينْفد وَمَا عِنْد الله بَاقٍ﴾ الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا يذكر الأجداد والأباء للمفاخرين من غلبوه بالفخر وَلم يجد حِيلَة فافتخر بِالْآبَاءِ فَيحْتَاج إِلَى الْفَخر بجدوده من لَا فَخر لَهُ وَلَا فَضِيلَة فِي نَفسه فَيحْتَاج إِلَى فَضِيلَة آبَائِهِ وَقد كرر هَذَا الْمَعْنى أَنه يفخر بِنَفسِهِ لَا بقَوْمه لِأَن فَضله كَانَ مَشْهُورا وَلم يكن لَهُ شرف من قومه فَلهَذَا كرر هَذَا الْمَعْنى
١١ - الْإِعْرَاب فخرا نَصبه على الْمصدر أَي أَفْخَر فخرا وَيجوز أَن يكون بإضمار فعلت من غير لَفظه وصرع فِي الْبَيْت وَقَالَ مشتمله والأجود لَو كَانَ قَالَ مُشْتَمِلًا بِهِ إِلَّا أَنه حذف حرف الْجَرّ كبيت الْكتاب
(أمَرْتُكَ الخْيرَ فافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... )
وَكَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قومه﴾ أَي من قومه الْغَرِيب الْغَضَب السَّيْف والسمهري الرمْح والاشتمال أَن يتقلد السَّيْف فَتكون حمائله على مَنْكِبه كَالثَّوْبِ الَّذِي يشْتَمل بِهِ وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أَخذه فِي الشمَال لِأَن السَّيْف يُقَلّد من ناحيتها واعتقل الرمْح إِذا ضمه إِلَيْهِ وَرُبمَا جعله تَحت فَخذه وَهُوَ مَأْخُوذ من عقلت الشَّيْء إِذا حَبسته الْمَعْنى يَقُول سَيفي ورمحي بفخران بِي لَا أَفْخَر بهما وَالْفَخْر تحتي وفوقي فَكَأَنِّي مُرْتَد ومنتعل بِهِ وَقد بَينته فِيمَا بعده وَأَرَادَ أَنه منغمس فِي الْفَخر وَحده
стр. 1000
- الْمَعْنى يُرِيد أَن الْفَخر يفخر بِهِ حَيْثُ صَار فَوْقه وَتَحْته فَصَارَ رِدَاء على مَنْكِبه ونعلا فِي رجله
١٣ - الْمَعْنى يُرِيد أَنه بَين الله لَهُ مقادير النَّاس فِي الْفضل فَهُوَ يصف كل أحد بِمَا فِيهِ قَالَ الواحدي وَيجوز أَن يكون الْمَعْنى فِي بَيَان الأقدار لَهُ أَن من أحسن إِلَيْهِ وأكرمه دلّ على مروءته وميله إِلَى ذَوي الْفضل وَمن استخفه وَلم يبال بِهِ دلّ ذَلِك على خبثه وخسة قدره ولؤمه كَمَا قَالَ البحتري
(وَإنَّ مُقامِي حَيْثُ خَيَّمْتَ مِحْنةٌ ... تَدْلُّ عَلى فَهْمِ الكِرامِ الأجاوِدِ)
وَيدل على صِحَة هَذَا الْمَعْنى قَوْله والمرء حَيْثُمَا جعله أَي حَيْثُ جعل نَفسه فَمن صان نَفسه وَرفع قدرهَا رفع النَّاس قدره وَمن تعرض للهوان هَين كَمَا قَالَ
(إذَا مَا أهانَ أمْرُؤٌ نَفْسَهُ ... فَلا أكْرَمَ اللهُ مَنْ أكْرمَهْ)
وَيجوز أَن يكون والمرء حَيْثُمَا جعله الله أَي لَا يقدم أحد مَنْزِلَته الَّتِي وَضعه الله بهَا
١٤ - الْإِعْرَاب جَوْهَرَة يجوز أَن يكون بَدَلا من الَّذِي بعد تَمام صلته وَيجوز أَن يكون خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف أَي أَنا جَوْهَرَة الْغَرِيب الغصة مَا يغص بِهِ الْإِنْسَان فَلَا يسيغه والسفلة جمع سافل وَهُوَ الدنيء من النَّاس ككاتب وكتبة والسفلة السقاط الْمَعْنى يَقُول أَنا جَوْهَرَة يفرح بِي كرام النَّاس لِأَنِّي أمدحهم بِمَا فيهم من الْفَضَائِل وَأَنا غُصَّة فِي حاوق اللئام لَا يقدرُونَ على إساغتي لِأَنِّي أَقُول فيهم مَا أذلّهم بِهِ عِنْد النَّاس
١٥ - الْغَرِيب الْكذَّاب مصدر كذب يُقَال كذبه كذبا وكذبا وكذبا وكذابا فَهُوَ كَاذِب وَكَذَّاب وكذوب وكيذبان ومكذبان ومكذبانة وكذبة وكذبذب مُخَفّفَة ومشددة قَالَ جريبة بن الأشيم
(فَإذا سمعْتَ بِأنَّنِي قَدْ بِعْتُها ... بِوِصَالِ غانيَة فَقُلْ كُذَّبْذُبُ)
وَالْكذب جمع كَاذِب مثل رَاكِع وَركع قَالَ أَبُو دَاوُد
стр. 1001
(مَتى يَقُلْ تَنْفَعُ الأقْوَامَ قَوْلَتُهُ ... إِذا اضْمَحَلَّ حَدِيثُ الكُذَّبِ الوْلعهْ)
وَالْكذب جمع كذوب مثل صبور وصبر وَقَرَأَ الْحسن لَا تَقولُوا لما تصف أَلْسِنَتكُم الْكَذِب نعتا للألسنه وَقَوله وكذبوا بِآيَاتِنَا كذابا هُوَ أحد المصادر الْمُشَدّدَة لِأَن مصدره قد يَجِيء على التفعيل مثل التكليم وعَلى فعال مثل كَذَّاب وعَلى تفعلة مثل توصية وعَلى مفعل مثل ومزقناهم كل ممزق وَقد شدده الْقُرَّاء كلهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ إِلَّا الثَّانِي فَإِن الْكسَائي خففه الْمَعْنى يَقُول لقوم وشوا بِهِ إِلَى أبي العشائر ذَلِك الْكَذِب أَهْون عِنْدِي من رِوَايَة وناقله لَا أُبَالِي بِهِ وَلَا بِمن رَوَاهُ وَنَقله وأكاذيبه أقصد بِهِ على وَجه الْكَذِب
١٦ - الْغَرِيب المداجي السَّاتِر المخادع وَهُوَ مفاعل من الدجى وَهِي الظلمَة والفاني الْكَبِير السن الَّذِي أفنته الْأَيَّام ويروى وان أَي مقصر فِي أَمْرِي والتكلة الَّذِي يكل أمره إِلَى غَيره وَأَصله وكلة فقلبت الْوَاو تَاء وَأَصله الضَّعِيف وذمت امْرَأَة من الْعَرَب زَوجهَا فَقَالَت وكلة تكلة الْمَعْنى يَقُول لَا أُبَالِي وَلَا أدجى وَلَا أتوانى فِي أَمْرِي وَلَا أَضْعَف وَلَا أعجز عَن مُكَافَأَة من كفأني بِخَير أَو شَرّ وَلَا أَنا ضَعِيف أكل نَفسِي إِلَى غَيْرِي
١٧ - الْغَرِيب سفته ضَربته بِالسَّيْفِ واستاف الْقَوْم وتسايفوا إِذا تضاربوا بسيوفهم والمسيف الَّذِي مَعَه السَّيْف فَإِذا ضرب بِهِ فَهُوَ سائف سافه يسيفه فَهُوَ سائف والدارع لابس الدرْع واللقى الشَّيْء الْمَطْرُوح والعجلة من الاستعجال الَّذِي يكون من الضَّارِب والطاعن فِي الضَّرْب والطعن وَيجوز ان يكون بِمَعْنى الثكل من قَوْلهم نَاقَة عجول إِذا فقدت وَلَدهَا وَمِنْه قَول الشَّاعِر
(إِذا مَا دَعا الدَّاعي علِياًّ وَجَدْتُنِي ... أُرَاعَ كَمَا رَاعَ العَجُولَ مُهِيبُ)
وَيجوز أَن يكون بِمَعْنى الطين قَالَ قطرب وثعلب خلق الْإِنْسَان من عجل أَي من طين الْمَعْنى يَقُول رب دارع ضَربته بِالسَّيْفِ فتركته مطروحا كالشيء الْملقى فِي وَقت التقائنا
١٨ - الْغَرِيب رعته أخفته ويحار يتحير والقافية القصيدة والمنقح الَّذِي يهذب القَوْل ويختاره والقولة الْجيد القَوْل رجل قؤول ومقوال وتقوالة إِذا أَجَاد القَوْل
стр. 1002
الْمَعْنى يَقُول رب سامع أخفته بقافية من شعري يتحير من حسنها الْمُهَذّب أَلْفَاظه القؤل الفصيح فَلَا يدْرِي مَا يَقُول إِذا سَمعهَا
١٩ - الْإِعْرَاب روى الْخَوَارِزْمِيّ أشهد فَيكون على هَذِه الرِّوَايَة وَمَعِي وَهِي وَاو الْحَال فحذفها كَمَا تَقول مَرَرْت بزيد على يَده باز وَمن روى يشْهد فَهُوَ أحسن وأجود الْمَعْنى يَقُول هَذَا فِي رجل أوصله يعرف بالمسعودي إِلَى أبي العشائر فَصَارَ نديما لَهُ وَصَارَ يتَنَاوَلهُ عِنْد أبي العشائر وَيَقَع فِيهِ فَهَذَا كُله تَعْرِيض بِهِ
٢٠ - هَذَا من قَول جميل
(إذَا مَا رَأوْني طالعِا مِنْ ثَنيِةٍ ... يَقُولُونَ مَنْ هَذَا وَقدْ عرفوني)
٢١ - الْإِعْرَاب يَقُول إِنَّمَا أفعل ذَلِك مستحيا فَهُوَ حَال الْعَامِل فِيهَا مُقَدّر الْغَرِيب حلله جمع حلَّة وأصل الْحلَّة أَن تكون ثَوْبَيْنِ الْمَعْنى يَقُول إِنَّمَا أَقمت مَعَ الْأَعْدَاء فِي بلد لِأَنِّي أستحيي من أبي العشائر أَن ألبس خلعته فِي غير بَلَده وَفِيه نقص عَن مدح غَيره كَقَوْلِه
(إنَّ البِلادَ وَإنَّ العَالمِينَ لَكا ... )
لِأَنَّهُ جعل الْبِلَاد وَالنَّاس لذاك وَجعل لأبي العشائر أَرضًا محدودة
٢٢ - الْغَرِيب الوجل الْخَائِف الْفَزع الْمَعْنى يَقُول ثِيَابه فزعة خائفة أَن يُعْطِيهَا جليسه فَهِيَ لَا تشْتَهي أَن تُفَارِقهُ لشرفها بِهِ
٢٣ - الْغَرِيب السيب الْعَطاء والنائل الْعَطاء أَيْضا الْمَعْنى يَقُول هُوَ يهب معروفه وَمن يحملهُ من غلمانه فَيَقُول أول مَا حمله إِلَيْك من الْعَطاء الَّذين يحملونه وجعلهم محمولين وَإِن كَانُوا حاملين لأَنهم اشْتَمَلت عَلَيْهِم الْهِبَة مَعَ الْمَحْمُول فصاروا كَأَنَّهُمْ محمولون
٢٤ - الْإِعْرَاب يُرِيد من الود فَحذف النُّون لسكونها وَسُكُون اللَّام وَمَا هَهُنَا بِمَعْنى التَّقْرِير والتوبيخ
стр. 1003
الْمَعْنى يُعَاتب نَفسه ويوبخها يَقُول مَالِي لَا أمدح أَبَا العشائر الْحُسَيْن وَمَا لي لَا أبذل لَهُ من الود مثل الَّذِي بذل لي وَجعل يوده كالصديق تفخيما لنَفسِهِ
٢٥ - الْغَرِيب يُقَال أمل خَيره يأمله أملا وَكَذَا التأميل أَي رجاه قَالَ الشَّاعِر
(أمَّلْتُ خَيرك يأتيِني مَواعِدَهُ ... فَالْآن قَصَّر عَنْ تِلْقائِك الأمَلُ)
وَقَالَ ذُو الرمة
(إذَا البَيْنُ أخْلى مِن شِتاءٍ عَن النَّوى ... أمَلْتُ إجْتمِاع الحّي فِي صيْف قابٍ لِ)
والكيذبان الْكذَّاب وَقد بَيناهُ قبل هَذَا وَيجوز أَن يكون الْعين الرَّقِيب وَأَنت على اللَّفْظ الْمَعْنى يَقُول أكذبتني عَيْني فِيمَا أدَّت إِلَى من محاسنة أم وجد الْكَاذِب فرْصَة فَغير مَا بَيْننَا وَإِن أَرَادَ الرَّقِيب فَالْمَعْنى هَل أخْفى الرَّقِيب خَبرا من أخباري فِي حبي لَهُ وميلي إِلَيْهِ وَهُوَ اسْتِفْهَام إِنْكَار يُرِيد لَيْسَ الْأَمر على هَذَا وَدلّ عَلَيْهِ قَوْله بعده أَلَيْسَ
٢٦ - الْإِعْرَاب ضراب خبر لَيْسَ وَالِاسْم مُضْمر فِيهَا أَي أَلَيْسَ هُوَ الْغَرِيب الجمجمة الرَّأْس والمنخوة الَّتِي لَهَا نخوة نخا الرجل ينخو إِذا تكبر وأخذته النخوة وَلَا يُقَال نخوت زيدا إِنَّمَا يسند الْفِعْل إِلَى الْمَفْعُول دون الْفَاعِل والزعلة البطرة الأشرة والزعل النشاط والبطر وأزعلت الرجل أبطرته الْمَعْنى يَقُول أَلَيْسَ أَبُو العشائر ضراب كل رَأس متكبر بطر فِي يَوْم الوغى
٢٧ - الْمَعْنى يَقُول هُوَ جواد فَكَأَن الْجُود رَفِيقه لَا يُفَارِقهُ فَلَو قدر على النُّطْق لعذله على إسرافه
٢٨ - الْغَرِيب الهول الْأَمر الْعَظِيم الشَّديد وَالْجمع أهوال وهزله أفناه الْمَعْنى يَقُول الهول لَا يفنيه وَإِن كثر ركُوبه إِيَّاه فقد تعود الْخَوْض فِي الْأَهْوَال
٢٩ - الْإِعْرَاب المشرع نعت للمكلل والقنا فِي مَوضِع خفض بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ وَيجوز أَن يكون فِي مَوضِع رفع كَقَوْلِك مَرَرْت بِالرجلِ المكرم الْأَب وكقولك بِالرجلِ الْحسن الْوَجْه بِالرَّفْع والخفض والبصريون يقدرُونَ مَعَ الرّفْع لَهُ أَو مِنْهُ والكوفيون يقدرُونَ المكرم أَبوهُ وَالْحسن وَجهه وَيجوز النصب فِي الْأَب وَالْوَجْه على التَّشْبِيه
стр. 1004
بالمفعول لانه معرفَة لَا يجوز حمله على التَّمْيِيز وَجَاز أَن يكون نعتا للمكلل لرجوع الْهَاء إِلَيْهِ وَذكر القنا لِأَن كل جمع بَينه وَبَين واحده الْهَاء يجوز تذكيره وتأنيثه كتمرة وتمر وشعيرة وشعير ونخلة ونخل وشجرة وَشَجر وقناة وقنا الْغَرِيب الْأَحْمَر فرسه الَّذِي رَكبه فِي وقْعَة أنطاكيا والمكلل الجاد يُقَال حمل فكلل أَي مضى قدما وَلم يحجم وَأنْشد الْأَصْمَعِي
(حَسْمُ عِرْقِ الدَّاءِ عَنْهُ فقَضَبْ ... تَكْليلُهُ اللَّيْثَ إذَا اللَّيثُ وَثَبْ)
وَقد يكون كلل بِمَعْنى جبن يُقَال حمل فَمَا كلل أَي فَمَا كذب وَلَا جبن كَأَنَّهُ من الاضداد وَأنْشد أَبُو زيد لجهم بن سَبِيل
(وَلا أكَلِّلُ عَنْ حَرْبٍ مُجَلَّحَةٍ ... وَلا أُخَدّرُ للِمُلْقِينَ بالسَّلَمِ)
وانكل الرجل انكلالا تَبَسم قَالَ الْأَعْشَى
(وَتَنْكَلُّ عَنْ غُرِّ عِذابٍ كَأَّنها ... جَنْىُ أقْحُوَانٍ نَبْتُهُ مُتَناعِمُ)
الْمَعْنى يُرِيد أَلَيْسَ هُوَ فَارس الْفرس الْأَحْمَر الجاد النشيط فِي جمَاعَة طَيء وَقد أشرعت القنا نَحوه
٣٠ - الْمَعْنى لما قابلهم بِوَجْهِهِ فِي حومة الوغى أقسم أَنه لَا يرجع عَنْهُم حَتَّى لَا يبقي مِنْهُم أحد وَهُوَ من قَول الآخر
(حَتَّى يَظُنُّوهُ إنْسانا بِغَيِرِ قَفا ... وَأنَّهُ رَاكِبٌ طِرْفا بِلا كَفَلِ)
٣١ - الْإِعْرَاب قَالَ أَبُو الْفَتْح تمّ الْكَلَام عِنْد قَوْله وأصغره واستأنف أكبر أَي هُوَ أكبر الْغَرِيب أكبرت الشَّيْء إِذا استكبرته قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا رأينه أكبرنه﴾ الْمَعْنى قَالَ الواحدي قَالَ أَبُو الْفَتْح استكبروا فعله واستصغره هُوَ ثمَّ اسْتَأْنف فَقَالَ أكبر من فعله الَّذِي فعله أَي هُوَ أكبر من فعله قَالَ الْعَرُوضِي فِيمَا أملاه على هَذَا التَّفْسِير لَا يكون مدحا لِأَن من الْمَعْلُوم أَن كل فَاعل أكبر من فعله والخالق تَعَالَى ذكره فَوق المخاوقين وَقَالُوا إِن خيرا من الْخَيْر فَاعله وَإِن شرا من الشَّرّ فَاعله وَمعنى الْبَيْت أَن النَّاس استكبروا فعله واستصغره هُوَ فَكَانَ استصغاره لما فعل أحسن من فعله كَمَا تَقول أَعْطَانِي فلَان كَذَا وَكَذَا واستقله فَكَانَ استقلاله لذَلِك أحسن من إِعْطَائِهِ ثمَّ الْعجب أَنه غلط فِي صناعَة هُوَ إمامها الْمُقدم فِيهَا
стр. 1005
وَذَلِكَ أَن الَّذِي يصلح أَن يكون بِمَعْنى من وَبِمَعْنى ماكما تَقول رَأَيْت الَّذِي دخل وَرَأَيْت الَّذِي فعلت وَكَانَ يجب أَن يذهب فِي هَذَا إِلَى مَا فَذهب إِلَى من ففسد الْمَعْنى وروى الْخَوَارِزْمِيّ وأصغره بِالرَّفْع يُرِيد وأصغر فعله أكبر مِمَّا استعظموه
٣٢ - الْغَرِيب الكميل الْكَامِل أنْشد سِيبَوَيْهٍ
(عَلى أنَّنِي بَعْدَ مَا قَدْ مَضَى ... ثَلاثُونَ للِهَجْرِ حَوْلاً كَسِيلا)
وكمل بِفَتْح الْعين وَضمّهَا يكمل بِالضَّمِّ فِي مستقبلهما وكمل بِكَسْر الْعين يكمل بِالْفَتْح لَا غير الْمَعْنى يَقُول هُوَ الْقَائِل الفول الصَّوَاب المطاع الْوَاصِل بالعطاء الْكَامِل لَا يشْغلهُ فعل جميل عَن فعل غَيره
٣٣ - الْغَرِيب تشجره تنفذ فِيهِ وتخالطه وَمِنْه بَيت الحماسة
(يُذَكَِرُني حامِيم وَالِّمْحُ شاجِرٌ ... فَهلَاّ تَلا حاميِم قَبْلَ التَّقَدُّمِ)
والهبات جمع هبة الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح هُوَ واهب والرماح تدخل فِيهِ وَأَصْحَاب الرماح تطعنه وَيجوز أَن يكون الْفِعْل للرماح على المجار كَقَوْلِك ليل نَائِم ينَام فِيهِ ورمح طَاعن يطعن بِهِ أَي لَا يشْغلهُ الْحَرْب عَن الْجُود والهبات عَن الْقِتَال
٣٤ - الْمَعْنى يَقُول إِذا خيف مَكَان نزله لِبَأْسِهِ وقوته وشجاعته
٣٥ - الْغَرِيب الختل الْأَخْذ خدعة على بَغْتَة الْمَعْنى يَقُول كلما حَارب أعدائه جهارا تمكن مِنْهُم وظفر بهم حَتَّى كَأَنَّهُ خادعهم وأتاهم بَغْتَة
٣٦ - الْغَرِيب الْبيض جمع بَيْضَة وَهِي المغافر والخوذ الَّتِي تجْعَل على الرؤوس واللذان جمع لدن وَهِي الرِّيَاح اللينة وَشن صب وَمِنْه شنوا على التُّرَاب شنا
стр. 1006
أَي صبوه فِي حَدِيث عَمْرو بن الْعَاصِ والدلاص الدروع البراقة وَشن درعه صبها ونثل درعه أَلْقَاهَا عَنهُ وهم مَأْخُوذ من نثلت تُرَاب الْبِئْر نثلا أَي استخرجت مِنْهَا الْمَعْنى هُوَ يحتقر المغافر والرماح على رِوَايَة من روى الْبيض بِفَتْح الْبَاء وَهِي الخوذ وَلَيْسَت بِرِوَايَة جَيِّدَة وَالصَّحِيح كسر الْبَاء وَهِي السيوف وَإِنَّمَا ذَكرنَاهَا وَهِي لَا نحل بِرِوَايَة صَالِحَة كَانَت أَو فَاسِدَة وَالْمعْنَى يحتقر السيوف والرماح دارعا كَانَ أَو حاسرا قَالَ أَبُو الْفَتْح ذكر الدروع بقوله نثله ضَرُورَة أَو يكون ذهب إِلَى الْبدن وَقَالَ الواحدي لَو قَالَ نَسْله بِمَعْنى نَزعه لمَكَان أمدح لَان الْمَعْنى يحتقر السيوف والرماح حاسرا ودارعا يَعْنِي رِوَايَة الْبيض بِفَتْح الْبَاء أَنه يحتقرها أَن يلبسهَا فِي الْحَرْب وَكَذَا الدروع والرماح فَلَا يُقَاتل بهَا لشجاعته وإقدامه وَإِنَّمَا يُقَاتل بِالسُّيُوفِ فَهُوَ يحتقر هَذِه الْأَشْيَاء أَن يستعملها فِي حروبه
٣٧ - الْغَرِيب الْفِقْه الْفَهم قَالَ أَعْرَابِي لعيسى بن عمر شهِدت عَلَيْك بالفقه تَقول فقه الرجل بِكَسْر الْعين وَفُلَان لَا يفقه بِالْفَتْح وأفقهتك الشَّيْء ثمَّ خص بِهِ علم الشَّرِيعَة والعالم بِهِ فَقِيه وَقد فقه بِالضَّمِّ فقاهة وَفقه الله وتفقه إِذا تعاطى ذَلِك وفاقهته إِذا باحثته فِي الْعلم الْمَعْنى يَقُول فهمه وفقاهته هذبت لي فهمه فَهُوَ يفهم شعري وَيعرف جيده وفصاحتي هذبت شعري لَهُ فَأَنا أحملهُ إِلَيْهِ فصيحا لِأَنِّي فصيح قَادر على الفصاحة
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول أَنا أَحْمَده كَمَا يحمده السَّيْف لِأَنَّهُ لَا يضْرب إِلَّا فِي مضرب قَاتل وَالسيف لَيْسَ يحمد كل حَامِل فصرت أَحْمَده حمد سَيْفه لَهُ
стр. 1007
- ١ الْغَرِيب أحاول أطلب الْمَعْنى يَقُول لَهُ أتحلف لَا تكلفني مسيرًا كَأَنَّهُ حكى قَوْله لَا وَالله لَا نكلفك وَذَلِكَ أَن أَبَا الطّيب استأذنه فِي الْمسير إِلَى الشَّام وَأَرَادَ أَن يعلم مَا عِنْده فَأَجَابَهُ لَا وَالله لَا نكلفك نَحن نبعث رَسُولا قَاصِدا بِقَبْضِهِ لَك وَلَا نكلفك مشقة السّير وَالسّفر
٢ - الْإِعْرَاب أَرَادَ أنني مِنْهُ مَكَانا وابعد مِنْهُ شقة وَأَشد مِنْهُ حَالا فَحذف للْعلم بِهِ وَهَذَا كَقَوْلِك نظرت إِلَى زيد وَعَمْرو فَكَانَ عَمْرو أحسن وَجها أَي أحسن وَجها من زيد فَحذف للْعلم بِهِ وَلَا يجوز زيد أحسن وجد لِأَنَّهُ لَيْسَ بعض الْوَجْه الْغَرِيب أنني أجفى نبا الشَّيْء ينبور تجافي وتباعد ونبا السَّيْف إِذا لم يعْمل فِي الضريبة ونبا بَصرِي عَن الشَّيْء الْمَعْنى يَقُول أَنْت تكلفني أصعب من هَذَا وأجفى وَذَلِكَ أَنَّك تكلفني الْإِقَامَة عنْدك وَهِي أَشد عَليّ من السّفر الْبعيد
٣ - الْغَرِيب الْفسْطَاط مصر وَفِيه لُغَات فسطاط وفستات بالتاءين وفساط بإدغام الطَّاء فِي السِّين وتشديدها وفسطاط بِكَسْر الْفَاء وَهَذِه لُغَات ذكرهَا الْأَزْهَرِي وَالرِّجَال الرجالة لقَوْله تَعَالَى ﴿فرجالا أَو ركبانا﴾ وَيُقَال أراجل وأراجيل ورجلي ورجالي ورجلان وَرجل وَرِجَال لي فَهَذَا كُله خلاف الْفَارِس فَرجل مثل صَاحب وَصَحب ورجالة وَرِجَال وَالرجلَانِ أَيْضا الراجل وَالْجمع رجْلي وَرِجَال مثل عجلَان وعجلي وعجال وَيُقَال رجل ورجالي مثل عجل وعجالي وَامْرَأَة رجْلي مثل عجلى ونسوة رجال مثل عِجَال ورجالي مثل عجالي وَالرجل خلاف الْمَرْأَة وَجمعه رجال ورجالات مثل جمال وجمالات وأراجل قَالَ أَبُو ذُؤَيْب
(أهَمَّ بَنِيه صَيْفُهُم وشِتاؤهم ... وَقالُوا تَعَدَّ واغْرُ وَسْطَ الأرَاجلِ)
هَذَا اسْتشْهد بِهِ الْجَوْهَرِي فِي جمع رجل وَقَالَ غَيره فِي معنى الْبَيْت إِنَّمَا هُوَ جمع راجل فَقَالَ فِي جمعه اراجيل وَأَصله أَن يجمع على أرجال مثل صَاحب وَأَصْحَاب ثمَّ يجمع أرجال على أراجيل مثل أَعْرَاب وأعاريب وَإِنَّمَا حذف أَبُو ذُؤَيْب الْيَاء للضَّرُورَة وأنشدوا
(يَا صَخْرُ وَرَّادَ ماءِ قَد تَتابَعَهُ ... سَوْمُ الأرَاجِيلِ حَتى ماؤُهُ طَحِل)
وَيُقَال للْمَرْأَة رجلة قَالَ الشَّاعِر
(كُلُّ جارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطا ... غَيرَ جِيرَانِ بَنِي جَبَلةْ)
(خَرَقُوا جَيْبَ فَتَاتهمُ ... لَمْ يُبالُوا حُزْمةَ الرَّجُله)
وَقَوله فلقني يُرِيد فَأَبِنْ لي وَأرَانِي الْمَعْنى يَقُول إِذا سرت عَن مصر أَرَانِي الفوارس والرجالة بَان تبعثهم خَلْفي ليردوني إِلَيْك يُرِيد أَنه لَا يقدر على رده وَكَذَلِكَ كَانَ لانه انهزم عَن مصر
٤ - الْغَرِيب الضيم الظُّلم وضامه يضيمه واستضامه فَهُوَ مضيم ومستضام أَي مظلوم وضيم فِيهِ ثَلَاث لُغَات ضيم وضيم بالإشمام وضوم وَقد بَيناهُ فِيمَا قبل هَذَا الْمَعْنى يَقُول إِنَّك ستعلم من فَارَقت وَأَنَّك عَاجز عَن رده وفوارسك ورجالتك لَا يقدرُونَ على رده يُرِيد أَنه شُجَاع بَطل وَلَا يقدر أحد على ظلمه وَلَا هُوَ قَابل للظلم
стр. 1008
- ١ الْإِعْرَاب نصب الْخَيل بِلَا لِأَنَّهَا تنصب النكرات بِغَيْر تَنْوِين وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ والخليل يجوز أَن ترفع النكرات بِالتَّنْوِينِ وَأنْشد للعجاج
(تاللهِ لَولا أنْ تَحُشَّ الطُّبَّخُ ... بِي الجَحِيم حَيْثُ لَا مُسْتَصْرَخُ)
وَمَا ارْتَفع بعْدهَا عِنْد بعض النُّحَاة على الأبتداء وَفِي قِرَاءَة من قَرَأَ فَلَا رفث وَلَا فسوق وَلَا جِدَال بِرَفْع الثَّلَاثَة أَنه على الأبتداء وَالْخَبَر فِي الْحَج وَهِي قِرَاءَة يزِيد بن الْقَعْقَاع وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن وَكثير يرفع الرَّفَث والفسوق وَنصب الْجِدَال وَهُوَ كَقَوْل
стр. 1009
أُميَّة بن أبي الصَّلْت
(فَلا لَغْوٌ وِلا تأْثِيمَ فِيها ... وَمَا فاهُوا بِهِ أبَداً مُقِيمُ)
وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء العطاردي بِنصب الْأَوَّلين وَرفع الثَّالِث وَهُوَ كبيت أبي الطّيب وَمثله
(هَذَا وجَدّكُمُ الصِّغارُ بِعيْنيهِ ... لَا أُمَّ لي إنْ كَانَ ذَاك وَلا أبُ)
وَهَذَا مَحْمُول على الْموضع لِأَن مَوضِع الأول رفع بِالِابْتِدَاءِ وَيكون لَا بِمَعْنى مَا فكأنك قلت مَا رجل وَلَا غُلَام فِي الدَّار الْمَعْنى يَقُول مُخَاطبا لنَفسِهِ لَيْسَ عنْدك من الْخَيل وَالْمَال مَا تهديه إِلَى الممدوح تجازيه بِهِ على إحسانه إِلَيْك فَإِذا لم يكن عنْدك هَذَا فليسعدك النُّطْق يُرِيد فامدحه وجازه بالثناء عَلَيْهِ إِن لم يعنك الْحَال على مجازاته بِالْمَالِ وَهَذَا معنى قَول يزِيد بن الْمُهلب
(إنْ يُعْجزِ الدَّهْرُ كَفِّى عَن جزَائكمُ ... فإنَّني بالثَّنا وَالشُكْرِ مُجْتَهِدُ)
وكقول الحطيئة
(فَإِن لمْ يكُنْ مالٌ يُثابُ فَإنَّهُ ... سَيأْتِي ثَنائِي زَيْداً بنَ مُهَلهْلِ)
وَهَذَا من الأبتداء الَّذِي بكرهه السَّامع بِأَن يَقُول للممدوح لَا خيل عنْدك تهديها وَلَا مَال وَهُوَ أول مَا يَقُول لَهُ
٢ - الْغَرِيب النعمى إِذا كَانَت على فعلى قصرت وَإِذا كَانَت على فعلاء مدت وَهِي الْيَد والصنيعة وَمَا انْعمْ الله بِهِ عَلَيْك الْمَعْنى أجزه بالثناء والمدح وَالشُّكْر وَذَلِكَ أَن إنعامه يَأْتِيك فجاءة من غير أَن تقدم سؤالا وانتظارا وَغَيره من النَّاس اقْتصر على قَول دون فعل كَقَوْل الحبيب
(الجُودُ عِنْدَهُمُ قَول بِلا عَمل ... )
وكقول المهلبي
(وَكَمْ لَكَ نائِلاً لَمْ أحْتَسِبهُ ... كَمَا يُلْقى مُفاجأةً حَبِيبُ)
٣ - الْغَرِيب جزاه بِمَا صنع جَزَاء وجازيته أَيْضا وجازيته فجزيته أَي غلبته وجزى عني هَذَا أَي قضى وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ وَفِي حَدِيث أبي بردة بن نيار تجزي عَنْك وَلَا تجزى عَن غَيْرك فِي الْأُضْحِية أَي تقضى وَبَنُو تَمِيم يَقُولُونَ أَجْزَأت عَنْك بِالْهَمْز وتجازيت ديني على فلَان أَي تقاضيته
стр. 1010
والمتجازى المتقاضى والخريدة الجاريية الحيية وَالْجمع خرائد وخرد والعذارى جمع عذراء وَهِي الْجَارِيَة الَّتِي لم تفتض والمكسال الفاترة القليلة التَّصَرُّف الْمَعْنى يَقُول رُبمَا جَازَت على الْإِحْسَان إِلَى من يوليه جَارِيَة ضَعِيفَة الْحَرَكَة عاجزة عَن كل شَيْء وَهَذَا كُله حث لنَفسِهِ على الْجَزَاء وَترك التَّقْصِير فِيمَا يُمكن ثمَّ ضرب لهَذَا مثلا فَقَالَ الْبَيْت بعده
٤ - الْغَرِيب الصهيل والصهال للْفرس مثل النهيق والنهاق للحمار وصهل يصهل بِالْكَسْرِ صهيلا فَهُوَ صهال وَقد ضرب الْمثل لنَفسِهِ فِي عَجزه عَن الْمُكَافَأَة بِالْفِعْلِ بفرس أحكم شكاله فعجز عَن الجري لكنه يصهل الْمَعْنى يَقُول إِن لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور فَأَنِّي أمدحك وأشكرك إِلَى أَوَان قدرتي على النُّصْرَة فَإِن الْجواد إِذا شكل عَن الْحَرَكَة صَهل شوقا إِلَيْهَا وَقَالَ أَبُو الْعَلَاء إِن كَانَت حالتي ضيقَة عَن مكافأتك فعلا جازيتك قولا وَجعل التصهال مثلا لثنائه على الممدوح وَكَانَ فاتك هَذَا الممدوح ينطوي عَليّ بغض كافور ومعاداته وَكَانَ أَبُو الطّيب يُحِبهُ ويميل إِلَيْهِ وَلَا يُمكنهُ إِظْهَار ذَلِك خوفًا من الْأسود
٥ - الْغَرِيب السيان المثلان وإكثار وإقلال بِمَعْنى الْكثير والقليل الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح مَا رَأَيْت أَبَا الطّيب أشكر لأحد مِنْهُ لفاتك وَكَانَ يَقُول حمل إِلَيّ فِي وَقت وَاحِد مَا قِيمَته ألف دِينَار وَالْمعْنَى يَقُول مَا شكرتك عَن فَرح بِمَا أهديته لي لِأَن الْقَلِيل وَالْكثير عِنْدِي سَوَاء
٦ - الْغَرِيب البخال جمع باخل ككاتب وَكتاب وصائم وَصِيَام وحاسب وحساب الْمَعْنى يَقُول أَنا أشكر لِأَنِّي أستقبح الْبُخْل بِقَضَاء الْحق وَكَيف أسكت عَن شكر من يجود إِلَيّ بِمَالِه ووده وَالْبر وَالنعْمَة وَأَنا فِي إنعامه
٧ - الْغَرِيب روض الْحزن هِيَ الأَرْض الْبَعِيدَة وخصها لبعدها عَن الْغُبَار وسباخ الأَرْض هِيَ الأَرْض الَّتِي لَا تنْبت لملوحتها وَاحِدهَا سبخَة الْمَعْنى يَقُول زكتْ عِنْدِي صنيعته كَمَا يزكو الْمَطَر الْكثير فِي الأَرْض الطّيبَة وَالْمعْنَى أَن مطر جوده لَا يُصَادف مني سبخَة لَا تنْبت
стр. 1011
- الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَقُول موقع إحسانه مني بَين للمحسنين أَنهم يخطئون مواقع الصَّنَائِع وَمن نصب موقعه فَمَعْنَاه أَنْت غيث بَين موقعه للناظرين لِأَنَّهُ أَتَى على مَكَان أثر فِيهِ أحسن تَأْثِير ثمَّ قَالَ مبتدئا إِن الغيوث يُرِيد أَنَّهَا تَأتي على الأَرْض السبخة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح والخطيب الْغَيْث كالجاهل فَهُوَ يمطر الْمَكَان الطّيب والقبيح وَهَذَا يُعْطي من هُوَ أهل للعطاء وَهُوَ ضد قَوْله فِي سيف الدولة
(وَشَرُّ مَا قَنَصَتْهُ رَاحَتي قَنَصٌ ... شُهْبُ الُبزَاةِ سَوَاءٌ فيهِ والرَّخَمْ)
٩ - الْمَعْنى يَقُول لَا يدْرك السِّيَادَة وعلو الْقدر إِلَّا من يفعل مَا يشق على الكرماء الْفُضَلَاء
١٠ - الْغَرِيب يمناه يَمِينه الْمَعْنى لَا يدْرك الْمجد وَارِث ورث أَبَاهُ مَالا لِأَن الممدوح لم يَرث أَبَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ جوادا فَلم يخلف مَالا ويمناه جهلت مَا وهبت لكثرته وَلَيْسَ هُوَ سئالا وَلَا كسوبا بِغَيْر سَيْفه لَا يطْلب حَاجته إِلَّا بِالسَّيْفِ
١١ - الْإِعْرَاب الضميران فِي لَهُ وأفهمه يعودان على السَّيِّد الفطن الْمَعْنى يَقُول عرفه الزَّمَان أَن المَال لَا يبْقى ففهم ذَلِك عَن الزَّمَان فَفرق مَاله فِيمَا يُورث الْمجد وَلم يكن ثمَّ قَول وَلكنه اتعظ وَاعْتبر بتصاريف الزَّمَان وَقَالَ أَبُو الْفَتْح أكْرم النَّاس من تَعب فِي جمع الْأَمْوَال بِالسَّيْفِ ثمَّ يَهَبهَا بعد وَقَالَ الْخَطِيب من رأى الممسكين وموتهم عَن الْأَمْوَال وتخليتها للأعداء فقد أرَاهُ الزَّمَان فيهم العبر فَكَأَنَّهُ حذره عَن الْإِمْسَاك وَالزَّمَان لم يقل قولا حَقِيقَة وَإِنَّمَا رأى تصاريفه فاتعظ فَكَانَ كمن قَالَ لَهُ الْبَيْت بعده
١٢ - الْمَعْنى يَقُول تعلم الفناة إِذا هزها أَن بهَا أشقياء خيل وأبطال لِكَثْرَة مَا قد عودهَا
١٣ - الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا قبل كفاتك وَدخُول الْكَاف منقصة جعل لَهُ شَبيه فانتقص بذلك وَإِنَّمَا قولي كَالشَّمْسِ وَإِن كَانَت لَا شَبيه لَهَا وَالْكَاف زَائِدَة كَقَوْل
стр. 1012
رؤبة
(لَو أحِقُ الأقْرَابِ فِيهَا كالمَقَقْ ... )
أَي فِيهَا مقق وَهُوَ الطول وَلَا يُقَال فِيهَا كالطول إِلَّا على زِيَادَة الْكَاف وَأنْكرهُ الواحدي وَقَالَ لم يعرف ابْن جنى مَعْنَاهُ وَقَالَ الْكَاف زَائِدَة وَجَمِيع الْبَيْت مَبْنِيّ على الْكَاف فَكيف يُمكن زيادتها أَلا يرى أَنه قَالَ وَدخُول الْكَاف منقصة أَي أَنَّهَا توهم أَن لَهُ شَبِيها وَلَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ قَالَ كَالشَّمْسِ وَلَا مثل للشمس وَقَالَ الْخَطِيب لَا يدْرك الْمجد إِلَّا رجل صِفَاته هَذِه الَّتِي ذكرت ثمَّ شبهه بفاتك ثمَّ استدرك ذَلِك بقوله وَدخُول لكاف منقصة إِذا قلت هُوَ كفلان فقد جعلت لَهُ مثلا وَإِنَّمَا ذَلِك مجَاز وَتوسع كالشيء المستحسن يشبه بالشمس على الظَّاهِر وَلَيْسَ لَهَا مثل وَاجعَل أَبُو الْفَتْح الْكَاف زَائِدَة وَلَيْسَ الْمَعْنى كَذَلِك إِنَّمَا هُوَ بضده
١٤ - الْإِعْرَاب الرِّوَايَة الصَّحِيحَة وَبهَا قَرَأت نصب الْأسد بإعمال إسم الْفَاعِل الْغَرِيب البراثن من السبَاع وَالطير بِمَنْزِلَة الْأَصَابِع من الْإِنْسَان والمخلب ظفر البراثن والأشبال جمع شبْل وَهُوَ ولد الْأسد الْمَعْنى يَقُول هُوَ الَّذِي يَقُود إِلَى الْحَرْب ورجالا كالأسود غذتهم براثنه أَي سيوفه وسلاحه فهن كالبراثن لَهُ وَيُشِير إِلَى غلمانه الَّذين رباهم وضراهم بإسلاب أعدائه مُنْذُ كَانُوا أشبالا إِلَى ان صَارُوا أسدا
١٥ - الْمَعْنى يَقُول لجودة ضربه يقتل الْمَقْتُول وَمَا يقْتله بِهِ وَهُوَ السَّيْف يُرِيد أَنه يكسرهُ فِي جِسْمه فَجعل ذَلِك قتلا للسيف وَجعل للسيوف آجالا كالناس وَغَيرهم
١٦ - الْغَرِيب الأهمال والهمال الإيل بِلَا رَاع مثل النفش إِلَّا أَن النفش لَا يكون إِلَّا لَيْلًا والهمل لَيْلًا وَنَهَارًا وإبل همل هاملة وهمال وهوامل وتركتها هملا أَي سدى إِذا أرسلتها ترعى لَيْلًا وَنَهَارًا بِلَا رَاع وَفِي الْمثل اخْتَلَط المرعى بالهمل والمرعى الَّذِي لَهُ رَاع الْمَعْنى يَقُول يهابه أهل الغارات أَن يتَعَرَّضُوا لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاراتهم وَمَاله همل لَا راعي لَهُ وَلَا يغار عَلَيْهِ لهيبته وَقَالَ الواحدي يجوز أَن يكون الْمَعْنى أَن الأقوام يغيرون على الْأَمْوَال فيحملونها إِلَيْهِ هَيْبَة لَهُ فَكَأَن هيبته تغير على غاره غَيره وَالْمعْنَى أَنه لجلالة قدره وعلو ذكره تهيبه الفرسان فِي غاراتها فتحجم عَن مقاتلة أهماله
стр. 1013
- الْغَرِيب العير حمَار الْوَحْش والهيق ذكر النعام والخنساء الْبَقَرَة الوحشية والخنس انخفاض قَصَبَة الْأنف وَعرض أرنبته وَالذَّيَّال الثور الوحشي الْمَعْنى يَقُول مَا طلب من الْوَحْش قدر عَلَيْهِ وَالْمعْنَى أَنه كَانَ ملازم الحروب فِي الفلوات وَكَانَ يتقوت بلحوم الْوَحْش وَكَانَ عَارِفًا بصيد الْوَحْش والاقتدار على جَمِيع صنوفه فَمَا اخْتَارَهُ وَاعْتمد عَلَيْهِ لَا يفوت رغبته وَلَا يسْبق أسنته بل يملك جَمِيع أصنافه بركضه وكرم خيله
١٨ - الْغَرِيب المشهى الَّذِي يُعْطي مَا اشْتهى والعقوة مَا حول الدَّار وَالْآصَال العشايا وَهِي جمع أصيل كيتيم وأيتام وَهُوَ آخر النَّهَار وَإِنَّمَا يستطاب لشدَّة الْحر قبله وَأَنه وَقت هبوب الرّيح وَانْقِطَاع الْحر بأفول الشَّمْس الْمَعْنى يَقُول إِذا أمست الضيوف بأفنية دَاره باتوا مكرمين لَا يشتهون شَهْوَة إِلَّا جَاءَتْهُم كَأَن أوقاتهم آصال لطيبها وَبرد نسيمها وَمَا يتَّصل بهم من شهواتها وَنَعِيمهَا وَفِيه نظر إِلَى قَول حبيب
(أيَّامُنا مَصْقُولَةٌ أطْرافُها ... بِكَ وَالَّليالِي كُلُّها أسحارُ)
١٩ - الْغَرِيب الْقَارِي المضيف بادرها عاجلها خراذل بِالذَّالِ وَالدَّال الْقطع والأوصال جمع وصل وَهُوَ كل عظم لَا يكسر وَلَا يخلط بِهِ غَيره والشيزي جفان تصنع من خشب أسود وَقيل من الْجَوْز الْمَعْنى يُرِيد لَو اشتهت أضيافه لَحْمه لما بخل عَلَيْهِم بِهِ ولبادرهم بِهِ لِحِرْصِهِ على مسرتهم وَهَذَا من الإفراط الَّذِي يَجْسُر فِيهِ بِمَا لَا يكون إِشَارَة إِلَى اسْتِيفَاء الْغَايَة فِيمَا يُمكن
٢٠ - الْغَرِيب الرزء الْمُصِيبَة وحفزه واحتفزه دَعَاهُ وَدفعه حفزه يحفزه حفزا إِذا دَفعه قَالَ الراجز
(تُرِيحُ بَعْد النَّفَسِ المَحْفُوزِ ... إراحَة الجَدايَةِ النَّفُوزِ)
الْمَعْنى يَقُول الْمُصِيبَة عِنْده ترحل الضَّيْف عَنهُ لَا توجعه الْمُصِيبَة فِي مَاله وَولده وَلَا يوحشه ذَلِك كإيحاش الضَّيْف إِذا ترحل عَنهُ وَالْمعْنَى إِذا رَحل الضَّيْف عَنهُ ناله من ذَلِك مَا ينَال من فقد مَاله وَولده
стр. 1014
- الْغَرِيب الصدى الْعَطش والمحض الَّذِي لم يشب بِمَاء واللقاح جمع لقحة وَهِي النَّاقة الحلوب والسلسال الَّذِي يسهل جريه فِي الْحلق الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح إِذا انْصَرف أضيافه أراق بقايا مَا شربوه وَلم يدخروه لغَيرهم لِأَنَّهُ يلقى كل وَارِد بقري جَدِيد من اللَّبن وَالْخمر وَأَرَادَ بصافي اللَّوْن الْخمر وَقَالَ ابْن الإفليلي يروي عَطش الأَرْض بفضلات مَا يسقه أضيافه من اللَّبن وَالْخمر وَمَا يُتَابع لَهُم من الألطاف وَالْبر فيفضل عَنْهُم من ذَلِك مَا يقوم للْأَرْض مقَام السَّقْي وَمَا يحل لَهَا مَحل الْمَطَر
٢٢ - الْغَرِيب القري الضِّيَافَة وعبط آدم إراقته عبيطا والعبيط والعبط الطري من الدَّم وَاللَّحم والساع جمع سَاعَة والنزال والقفال الأضياف مِنْهُم من يرحل ومهم من ينزل الْمَعْنى قَالَ الواحدي كل سَاعَة تَأتي عَلَيْهِ تجدّد ذبحا كَأَن السَّاعَات قفال ونزال يُرِيد أَنه لَا يطعم أضيافه اللَّحْم الغب بل يجدد لَهُم النَّحْر وَالذّبْح كل سَاعَة وَقَالَ أَبُو الْفَتْح كل سَاعَة يريق دَمًا طريا من أعدائه فَكَأَنَّهُ يقري السَّاعَات وَكَأَنَّهَا قوم ينزلون عَلَيْهِ فَجعل أَبُو الْفَتْح الدَّم من الْأَعْدَاء وَالْمعْنَى أَنه يعم سَاعَات زَمَانه بدماء يسفكها فِيهَا
٢٣ - الْمَعْنى يُرِيد بالنفوس الدِّمَاء وَمِنْه سَالَتْ نَفسه وَمِنْه بَيت الحماسة للسمؤل
(تَسِيلُ عَلى حَدّ الظَّباةِ نُفُوسُنا ... وَلَيْستْ على غَيرِ الظُّباةِ تَسيلُ)
وأغنام جمع غنم وآبال جمع إبل على التكثير الْمَعْنى تجْرِي النُّفُوس حوله مختلطة وَيكثر إِتْلَافه لَهَا ممتزجة مِنْهَا نفوس أَعدَاء يبلغهَا بِالْقَتْلِ وأغنام وإبل يذهبها بالعقر وَالذّبْح فَمِنْهَا نفوس تذْهب بالإكرام والضيافة وأنفس تذْهب بالإيقاع والمخافة فساعاته مشمومة بالحالتين مغمورة بِهَذَيْنِ الْأَمريْنِ وَهُوَ من قَول البحتري
(مَا انْفكَّ مُنتْصَيا سَيْفي وَغًى وَقِري ... عَلى الكَوَاهِلٍ تَدمي والعَوَاقِيِبٍ)
٢٤ - الْغَرِيب النائل الْعَطاء والأطيفال جمع طِفْل وهم صغَار الصّبيان وَصغر الْجمع على اللَّفْظ الْمَعْنى يصف عُمُوم بره وَأَن الْبعيد والقريب فِيهِ سَوَاء والطفل الَّذِي لَا يقدر على
стр. 1015
النهوض والتعريض لمعروفه فَهُوَ يعم الْقَرِيب والبعيد وَالْكَبِير وَالصَّغِير فَهُوَ يعم عُمُوم الْغَيْث وَيفِيض كفيض الْبَحْر فَهُوَ يدْرك النائي الْبعيد كَمَا يَشْمَل الداني الْقَرِيب وَلَيْسَ يعجز صغَار عَن الاطفال بِهِ وَلَا يُخرجهَا الصغر عَن التَّنَاوُل لَهُ لِأَنَّهُ عَام لَا خُصُوص فِيهِ
٢٥ - الْغَرِيب الْفَرِيقَانِ الجيشان والأقران جمع قرن وَهُوَ الْعَدو المكافئ وَالْبيض السيوف والظبة حد السَّيْف الْمَعْنى هُوَ أمضى الجيشين سَيْفا فِي أقرانه عِنْد المصادمة إِذا ضلت الرماح وهدت السيوف لِأَنَّهَا تمْضِي على اسْتِوَاء والرماح تذْهب يَمِينا وَشمَالًا وَأَرَادَ أَن الْبيض هادية تهتدي فِي ظلمَة النَّقْع لِأَن النَّهَار قد استتر بالغبار واستعار الْهدى للسيوف والظلال للرماح وَأحسن فِي الْمُقَابلَة وَأَرَادَ أَن الْقَوْم دنا بَعضهم من بعض يتجادلون بِالسُّيُوفِ فَكَانَ الرماح ضَالَّة فِي الرِّجَال فقصرت الرماح وضلت عَن مقاصدها وضاق المجال عَن التطاعن بهَا وَصَارَ الْأَمر إِلَى المجادلة بِالسُّيُوفِ ومباشرة الحتوف فَصَارَت السيوف هادية مبصرة والرماح ضَالَّة مقصرة فَحِينَئِذٍ يكون أمضى الْفَرِيقَيْنِ من أَصْحَابه وأعدائه
٢٦ - الْغَرِيب الْآل السراب وَقيل هُوَ الَّذِي يتخيل فِي قيعان الأَرْض عِنْد شدَّة الْحر وَقيل الْآل الَّذِي يرفع الْأَشْخَاص ويرقصها أول النَّهَار وَآخره الْمَعْنى يَقُول إِن كَانَ قد جمع الْبَهَاء والوسامة والجلال وَالْجمال فَإِنَّهُ يُرِيك مَا تخبره من فَضله وتؤديه الْمحبَّة إِلَيْك من كرمه وبأسه أَضْعَاف مَا يُؤَدِّيه ظَاهره فِي الرِّجَال وَمَا ترى فِيهِ من الْبَهَاء وَالْجمال وَفِي الرِّجَال من هُوَ كَالْمَاءِ وَفِيهِمْ من هُوَ كالآل من لَهُ حَقِيقَة وَرُجُوع إِلَيْهِ كَالْمَاءِ وَمن لَا حَقِيقَة لَهُ كالآل يكذب وَلَا يصدق ويخدع وَلَا ينفع فَهُوَ يشبه المَاء وَلَيْسَ بِمَاء وَهُوَ يشبه الرِّجَال صُورَة وَلَيْسَ بِرَجُل
٢٧ - الْغَرِيب العقال دَاء يَأْخُذ الدَّوَابّ فِي أرجلها يمْنَعهَا من الْمَشْي الْمَعْنى قَالَ أَبُو الْفَتْح يجوز اخْتلطت السيوف والرماح عِنْد الْحَرْب وَلم يفضل الْجُنُون على الْعقل بِأَحْسَن من هَذَا وَلَو بَالغ فِي التَّصْرِيح بِأَن لقبه الْمَجْنُون لخلص من ذَلِك أحسن تخلص وَأَصله من قَول الفند الزماني
(وَبَعْضُ الحِلْم عِنْدَ الجهْل ... للذّلَّة إذْعانُ)
وَفِيه مَعْنَاهُ لحبيب
(وَإنْ يَمْينِ حبطانا عَلَيْه فَإَّنها ... أُولَئكَ عُقَّالاتُهُ لَا مَعاقلُهْ)
стр. 1016
أنْتَهى كَلَامه كَانَ فاتك يلقب بالمجنون ففسره أَبُو الطّيب تَفْسِيرا أذهب قبحه وَحسن عِنْد النكر لَهُ أَن يتلقب بِمثلِهِ وأصل الْبَيْت من قَول الْكلابِي
(أَلا أُّيها المُغْتابُ عِرْضِي تَعِيبُني ... تُسَمِّينِيَ المْجنُونَ فِي الجِدّ وَاللَّعْب)
(أَنا الرّجُلُ المْجنُونُ وَالرَّجُلُ الَّذي ... بِهِ تُتَّقَي يَوْمَ الوَغَى غِرَّةُ الحَرْب)
٢٨ - الْإِعْرَاب الضَّمِير فِي بهَا للخيل وَيجوز أَن يكون لنَفسِهِ الْمَعْنى قَالَ الواحدي يَرْمِي بخيله للجيش وَلَا بُد لَهما من شقّ ذَلِك الْجَيْش وَلَوْلَا كَانُوا أجبالا وَقَالَ ابْن الأفليلي يَرْمِي بِالسَّيْفِ الَّذِي قدم ذكرهَا الْجَيْش الَّذِي يناصبه وَالْجمع الَّذِي يتَعَرَّض لَهُ وَلَا بُد لَهُ ولتلك السيوف المطيفة بِهِ من شقّ ذَلِك الْجَيْش
٢٩ - الْغَرِيب الرئبال الْأسد الْمَعْنى يعْتَذر لمن لقبه بالمجنون بِأَنَّهُ إِذا قَاتل الْأَعْدَاء ونشبت فيهم مخالبه وَأظْهر سطوته عَلَيْهِم لم يجْتَمع لَهُم فِي ذَلِك الْوَقْت أَسد تحذر عاديته وحلم تؤمن بادرته وَهَذَا إِشَارَة إِلَى أَن الاستهال للْمَوْت والاقتحام للحرب لَيْسَ من طَرِيق الْحلم وَلَا يحمل عَلَيْهَا أَحْكَام الْعقل والأسد لَا يُوصف بالحلم كَذَلِك الرجل الَّذِي يبعد عَنهُ الْحلم إِذا قَاتل الْأَعْدَاء وَقَالَ ابْن القطاع إِذا نشبت مخالبه فِي قوم ذهب عَنْهُم التَّدْبِير والشجاعة
٣٠ - الْغَرِيب يروعهم يفزعهم وصروف الدَّهْر حوادثه والمجاهرة الإعلان والاغتيال الإهلاك على غَفلَة الْمَعْنى يَقُول هَذَا دهر يغول الْأَعْدَاء جهارا وصروف الدَّهْر تهلكهم من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَجعله كالدهر تَعْظِيمًا لشأنه وَالْمعْنَى يروعهم ملك وَهُوَ كالدهر فِي قدرته عَلَيْهِم مغالبة والدهر يغتال بصروفه وَلَا يُؤذن بخطوبه فَجعل لفاتك على الدَّهْر مزية بَيِّنَة وَزِيَادَة ظَاهِرَة
٣١ - الْمَعْنى يَقُول انْتهى بِهِ تقدمه وجرأته إِلَى نيل الشّرف الْأَعْلَى واحترام أعداؤه أَن يصلوا إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ بتوقيهم مَا أرتكبه من الْأَهْوَال فغنم هُوَ وخابوا هم فَبلغ من الشّرف أَعلَى منازلة وَمن السُّلْطَان أرفع مراتبه بإقدامه وجرأته واقتحامه المهالك فَمَا الَّذِي ناله أعداءه بتوقيهم لما قدم عَلَيْهِ وإبطائهم عَمَّا تسرع إِلَيْهِ
стр. 1017
- الْإِعْرَاب من رفع حليته جعل كَانَ فِيهَا ضمير الشان والقصة وحليته ابْتِدَاء وَمَا بعْدهَا الْخَبَر وَقَالَ الْخَطِيب اسْم كَانَ مُضْمر فِيهَا أَي كَانَ هُوَ هَذِه حَالَته وَالْجُمْلَة فِي مَوضِع خبر كَانَ وَمن نصب حليته جعل اسْم كَانَ مهندا وَعطف عَلَيْهِ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ وَصفه فقربه من الْمعرفَة الْغَرِيب المهند السَّيْف الْقَاطِع وأصم الكعب الرمْح والعسال المهتز الْمَعْنى يُرِيد إِذا تزين الْمُلُوك بالتاج وَغَيره تزين هُوَ بِالسَّيْفِ المهند وَالرمْح الْعَسَّال وَالْمعْنَى أَنه احتاز الرياسة مغالبة بِسَيْفِهِ واستحقها بشجاعة نَفسه
٣٣ - الْغَرِيب قاطبة جَمِيعًا والهول مَا أَخَاف وأفزع وَجمعه أهوال ونمته غذته وربته الْمَعْنى يَقُول أَبُو شُجَاع كنيته وَهِي لَهُ صفة ثَابِتَة وحقيقية ظَاهِرَة لِأَنَّهُ أَبُو شُجَاع برياسته فيهم وعلوه عَلَيْهِم وَهُوَ قدوتهم وسيدهم وَهُوَ هول فِي الْحَرْب فِي أعين الْأَعْدَاء فالحروب قد ربته لانه رَبِّي فِيهَا من وَقت أَن كَانَ صَغِيرا وَقد نمته مِنْهَا أهوال لَا يعْهَد مثلهَا لَا يُشَارك فِي شرفها وفضلها فالشجعان كلهم دونه وَفِي كل هول يَتَّقُونَ بِهِ ويقدمونه
٣٤ - الْمَعْنى الْحَمد كُله ينْصَرف إِلَيْهِ وَلَيْسَ لأحد جُزْء مِنْهُ فَهُوَ الْمَحْمُود فِي أَقْوَاله وأفعاله وَلَيْسَ يحمد دونه أحد وَالْمعْنَى تملك الْحَمد وأحاط بِهِ وَاخْتَارَهُ واصبح خَالِصا لَهُ فَمَا لأحد فِيهِ نصيب يعلم وَجعل ذكر الْحُرُوف إِشَارَة إِلَى انْفِرَاده بجملته
٣٥ - الْغَرِيب الماذي الدروع اللينة شبه لينها بلين الْعَسَل الماذي والسربال الثَّوْب وَالْجمع سرابيل الْمَعْنى يَقُول عَلَيْهِ من الْحَمد سرابيل كَثِيرَة لِأَنَّهُ يتوقى الذَّم بِأَكْثَرَ مِمَّا يتوقى الْحَرْب فَعَلَيهِ مِنْهُ سرابيل مضاعفة وحلل متتابعة يُشِير إِلَى رغبته فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ من الدروع إِلَّا وَاحِد فَأَشَارَ إِلَى أَنه مكثر مِمَّا يشْتَمل عَلَيْهِ من كرم الذّكر ومقل مِمَّا يدْفع بِهِ عَنهُ عَادِية الْحَرْب فوصفه بالرغبة وبالإحسان وَقلة التوقي عِنْد لِقَاء الأقران
٣٦ - الْغَرِيب النوال الْعَطاء والنال الْكثير الْعَطاء وَرجل نَالَ إِذا كَانَ كثير
стр. 1018
النوال مَا يُقَال رجل مَال إِذا كَانَ كثير المَال قَالَه يَعْقُوب وكبش صَاف كثير الصُّوف وَيَوْم طان كثير الطين وَرجل صات شَدِيد الصَّوْت وَيَوْم رَاح كثير الرّيح وَرجل خَافَ كثير الْخَوْف الْمَعْنى يَقُول لَا أقدر أستر إنعامك هُوَ أشهر من أَن يستر فَكيف أقدر على ستر مَا أوليتني وَقد أفضت عَليّ بجوار لَهُ غمرتني من جودك وحملتني أعباء أثقلتني من برك أَيهَا النال الَّذِي لَا يَنْقَطِع نواله وَلَا يتَأَخَّر تطوله وإفضاله
٣٧ - الْغَرِيب لطفت بلغت الْغَايَة من اللطف وتوصلت إِلَى إكرامي بِالْبرِّ والصلة بلطف رَأْي وتدبير والكريم يحتال أبدا حَتَّى يحصل لنَفسِهِ الْعُلُوّ وَكَانَ يراسل أَبَا الطّيب وَلَا يُجَاهر بإكرامه وبره وخوفا من الْأسد فاتفق لقاؤهما بسفر فَأحْسن إِلَيْهِ وأكرمه إِكْرَاما عَظِيما فَقَالَ إِن الْكَرِيم محتال لَا تعجز حيلته ومجتهد لَا تضعف نِيَّته
٣٨ - الْمَعْنى يَقُول لم تزل تحتال على الْإِكْرَام وَطلب الْعُلُوّ حَتَّى غَدَوْت وَالْأَخْبَار تجول فِي الْآفَاق بِحسن ذكرك وَالثنَاء عَلَيْك لكل أحد أمل فِي كفيك حَتَّى الْكَوَاكِب تأملك وَيجوز لَو تمنينا الْوُصُول إِلَيْهَا لأوصلتنا
٣٩ - الْغَرِيب التنبال الْقصير وَالْجمع تنابلة وتنابل الْمَعْنى قَالَ الواحدي مدح الشريف يشرف الشّعْر ومدح اللَّئِيم يُؤَدِّي إِلَى لؤم الشّعْر وَالْمعْنَى إِن شعري قد شرف بشرف الممدوح وَالْمعْنَى قد أَطَالَ لساني بالثناء وَفتح لي بَاب الْمَدْح والإطراء جلالة قدر من مدحته وَكَثْرَة فَضَائِل من وَصفته وَإِنَّمَا أَنا فِي ذَلِك ذَاكِرًا لما عانيت ومخبر عَمَّا شاهدت وَالثنَاء إِنَّمَا يقصر عَن الْقصير الْحَال الرَّاغِب عَن الْكَرم والإفضال
٤٠ - الْغَرِيب اختال الرجل إِذا مشي الْخُيَلَاء وَهُوَ إِظْهَار الْعجب الْمَعْنى يَقُول إِن كنت لتواضعك وفضلك لَا تختال فِي بشر أَنْت فيهم فَإِن قدرك يختال فِي قدرهم من حَيْثُ لَا تعلم وَالْمعْنَى إِن كنت تكبر عَن اسْتِعْمَال الْكبر والزهو وَهُوَ تكلّف التعظم فِي قوم أَنْت فيهم فقدرك فِي أقدار الْمُلُوك المتشبهين بك يختال بجلالته وينفرد برفعته وفخامته
٤١ - الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك يُرِيد همتك ومناقبك الشَّرِيفَة الَّتِي فِيك لَا ترْضى
стр. 1019
بك صباحا حَتَّى تزيد على كل كثير الْفضل فضلا وَالْمعْنَى كَانَ نَفسك لَا ترضاك وتألفك راضية بفعلك وَلَا تصحبك شاكرة لسعيك حَتَّى يكون كل مفضال وَهُوَ كثير الْعَطاء وَالْفضل إِنَّمَا يفضل لما تهبه لَهُ ويجود بِمَا تعطيه لَهُ وتبذله
٤٢ - الْغَرِيب الروع والفزع والبذال خلاف الصائن الْمَعْنى يَقُول وَكَأن نَفسك لَا تعدك صائنا لَهَا وَلَا تعتقدك ساعيا فِي مسرتها إِلَّا إِذا ابتذلتها فِي الروع تقتحم المهالك وعرضتها فِي الْحَرْب لمواجهة المتآلف
٤٣ - الْمَعْنى يَقُول لَوْلَا الْمَشَقَّة تمنع من السِّيَادَة لساد النَّاس كلهم ثمَّ بَين الْعلَّة فِيهَا فَقَالَ الْجُود يُورث الإقلال والفقر والشجاعة توجب التّلف وَالْقَتْل وَذَلِكَ أَن المجدو السِّيَادَة يصعبان وَلَوْلَا الصعوبة سَاد النَّاس بأسرهم وَهُوَ من قَول النمري
(الجُود أخْشَنُ مَساًّ يَا بَنِي مَطَرٍ ... مِنْ أنْ تَبزَّ كُمو كَفُّ مُسْتَلِبِ)
(مَا أعْلَمَ النَّاسَ أنَّ الجُودَ مَكْسَبَةً ... للِمْجْدِ لَكِنَّهُ يأتْي عَلى النَّشَبِ)
٤٤ - الْغَرِيب الشملال النَّاقة القوية السريعة من النوق الْمَعْنى يَقُول كل أحد يجْرِي فِي السِّيَادَة على قدر طاقته وَلَيْسَ كل من يمشي على رجله شمالا يقدر على السرعة وَالْمعْنَى لَيْسَ كل كريم يبلغ غَايَة الْكَرم وَلَا كل شرِيف يبلغ غَايَة الشّرف وَلَيْسَ كل من سعى من الرؤساء يبلغ مبلغ فاتك الَّذِي لَا يعادل فِي فَضله وَلَا يماثل فِي جَلَاله قدره
٤٥ - الْمَعْنى يَقُول إِنَّا فِي زمَان من فِيهِ أَن لم يعاملنا بالقبيح فقد أحسن إِلَيْنَا واجمل لِكَثْرَة من يُعَامل فِيهِ بالقبيح وَالْمعْنَى أَنه نبه على انْفِرَاد فاتك فِي دهره وانفراده بِالْكَرمِ عَن أَبنَاء عصره وَهَذَا من أدبار الزَّمَان وزهد أَهله فِي الرياسة وَالْإِحْسَان فَقَالَ إِنَّا لفي زمن إمْسَاك أَهله عَن قبح الْفِعْل وتأخرهم عَن مَذْمُوم السَّعْي فضل يُؤثر وإحسان يحمد ويشكر فَكيف اتّفق فِيهِ فاتك وَهُوَ رَئِيس الْمُحْسِنِينَ وزعيم الكرماء المنعمين وَالْمعْنَى أَخذه أَبُو فراس فَقَالَ
стр. 1020
(وَصِرنْا نَرَى أنَّ المُتارِكَ مُحْسِنٌ ... وَأنَّ خَلِيلا لَا يَضُرُّ وَصولُ)
واصله من قَول الْحَكِيم من لم يقدر على فعل الْفَضَائِل فَلْيَكُن فضائله ترك الرذائل
٤٦ - الْغَرِيب قَالَ ابْن القطاع صحف الروَاة هَذَا الْبَيْت فَرَوَوْه فَاتَهُ بِالْفَاءِ وَالصَّوَاب بِالْقَافِ وَعَلِيهِ قسر الواحدي فَقَالَ إِذا ذكر الْإِنْسَان بعد مَوته كَانَ ذَلِك حَيَاة ثَانِيَة لَهُ وَمَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي دُنْيَاهُ قدر الْقُوت وَمَا فضل من الْقُوت فَهُوَ شغل كَقَوْل سَالم بن وابصة
(غِنَىِ النَّفس مَا يكْفِيكَ مِنْ سَدّ خَلةٍ ... فإنْ زَاد شَيئا عادَ ذاكَ الغِنَيِ فَقراً)
وَقَالَ أَبُو الْفَتْح يَنْبَغِي أَن يلْحق بالأمثال لِأَنَّهُ قد أوجز فِيهِ وَجمع وَمثله مَا يحْكى عَن بعض ولد عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ أَنه رُؤِيَ يَسْتَقِي مَاء فَقيل لَهُ بعد الْخلَافَة فَقَالَ إِنَّمَا فَقدنَا الفضول انْتهى كَلَامه الْمَعْنى يُشِير إِلَى مَا خلده فاتك من الْفضل وَأبقى لَهُ من جميل الذّكر وَأَن التَّوْفِيق فِي ذَلِك موصل بِرَأْيهِ وَالصَّوَاب مَقْصُور على فعله يَقُول ذكر الْفَتى جميل مساعيه وَمَا يخلده من كرمه ومعاليه عمره الثَّانِي لعمره وخلقه من الدُّنْيَا المبقى لذكره وَحَاجته فِيمَا عدا هَذَا قوت يبلغهُ وكفاف من الْعَيْش يستره وَمن طلب من الدُّنْيَا غير ذَلِك فَإِنَّهُ يتَعَلَّق بِفُضُول شغله وأباطيل تموله وَالْمَطْلُوب من الدُّنْيَا العفاف والكفاف وَهَذَا مَأْخُوذ من كَلَام الْحَكِيم تخليد الذّكر فِي الْكتب عمر لَا بيد وَهُوَ كل يَوْم جَدِيد
следующие страницы →