Полный текст (608 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
ومثله قول الصنوبري:
(وقد نظم الروض سمطيه من ... سنان نؤيق إلى زجه)
(كفرجك خفتان وشي بد ... بياضُ الغِلالة من فرجِهْ)
ورأيت قوماً يستحسنون هذين البيتيت وهما بالاستهجان أولى لا لرداءة معناهما ولكن لتكلف ألفاظهما، وليس التكلف أن تكون الألفاظ غريبة وحشية، بل وقد يكون الكلام متكلفا وإن كان ظاهر اللفظ إذا لم يوضع في موضعه وخولف به وجه الاستعمال. وقال السري ولا أعرف في معناه أحسن منه يدعو صديقاً له:
(ألستَ ترى ركبَ الغمامُ يُساقُ ... وأدمعه بين الرياضِ تُراقُ)
(وقد رقَ جلبابُ النسيمِ على الثرى ... ولكنْ جلابيبُ الغيومِ صفاقُ)
(وعندي من الرَيحانِ نوع تحية ... وكأسٌ كرقراق الخلوقِ دهاق)
(وذو أدب جلتْ صنائع كفه ... ولكن معاني الشعرِ فيه دقاق)
(لنا أبداً من نثره ونظامهِ ... بدائعُ حليٍ ما لهنَ حقاق)
(وأغيد مهتزٌ على صحنِ خدِّه ... غلائلُ من صبغِ الحياءِ رقاقُ)
(أحاطتْ عيونُ العاشقينَ بخصرهِ ... فهنَ له دونَ النطاقِ نطاقُ)
هذا البيت من قول المتنبي:
(وخصرٍ تثبتُ الأبصارُ فيهِ ... كأنَ عليهِ من حدقٍ نطاقا)
وقد مر، وبيت السري أجود منه سبكاً ونظماً ورصفاً:
(وقد نظم المنثور فهو قلادة ... علينا وعقدٌ مذهبٌ وخناق)
(وغرفتنا بينَ السحائب تلتقي ... لهن علينا كلة ورواقُ)
(تقسم زوارٌ من الهند سقفها ... خفاف على قلب النديم رشاقُ)
وليس في هذه الأبيات عيب إلا هذا الأبطاء، وهو من أسهل العيوب التي تعتري القوافي عندهم:
(أعاجم تلتذُ الخصام كأنها ... كواعبُ زنجٍ راعهنَ طلاق)
стр. 317
(أنسن بنا أنسَ الأماء تحببت ... وشيمتها غدرٌ بنا وإباقُ)
(مواصلة والوردُ في شجراته ... مفارق إلف حانَ منه فراق)
(فزر فتيه بردُ الشرابِ لديهمُ ... حميمٌ إذا فارقْتَهم وغساقُ)
وقلت:
(وليلٍ ابتعتُ به لذَّةً ... وبعتُ فيه العقلَ والدَنيا)
(أصابَ فيهِ الوصلُ قلبَ الجوى ... وباتَ فيه الهمُ مسكينا)
(وقد خلطنا بنسيم الصبا ... نسيمَ الراح ورياحينا)
(واكؤسُ اراح نجومٌ إذا ... لاحتْ بأيدينا هوتْ فينا)
(تضحك في الكأس أباريقنا ... وحسبما يضحكنَ يبكينا)
(كأن أعلاها إذا كفرتْ ... يعقد الكأس ثلاثينا)
وقلت:
(هذا حبيبٌ وصول ... وذا رقيبٌ صرومُ)
(وذاك شرخُ شبابٍ ... أغرّ وهو بهيم)
(وقهوةٌ وغناءٌ ... وسامرٌ ونديم)
(فخذ نصيبك منه ... فليس شئ يدومُ)
وهذا من أجمع ما قيل في هذا الباب. وقال الصنوبري:
(يومٌ ذيولُ مزنه ... على الثرى منسحبه)
(بروقهُ سافرةٌ ... وشمسه منتقبه)
(فما سيء؟ سماءه ... ضاحكة منتحبه)
(طلبتُ أقصى أملي ... منه فنلتُ الطُلبه)
(بسيدينِ ارتقيا ... منقبةً فمنقبه)
(واتفقا في كنيةٍ ... والتقيا في مرتبه)
(نشربها عذراءَ قد ... قامتْ بحقّ الشربه)
(أكرمُ ذخرٍ ذخرته ... كرمةٍ في عنبه)
стр. 318
(في مجلس أطنابه ... على العلا مطنبه)
(أكرمْ بهِ يوماً مضتْ ... ساعاتهُ المستعذبه)
(كلحظةٍ مخلوسةٍ ... وقبلة مستلبة)
وقلت:
(عندنا طيبٌ وريحانٌ ... ونقلٌ وغناء)
(ومن المشروبِ لونانِ ... شمولٌ وطلاء)
(ومن اللحم خليطان ... طبيخٌ وشواء)
(ومن الحلواء ألوانٌ أحاد وثناء)
(ولنا غلمانُ صدقٍ ... أدباءٌ أرباء)
(أرسلوا في الصحن ماءً ... فكأنَ الصحنَ ماء)
(وانثنوا للحسنِ عدواً ... فحواشيه رداءُ)
(فأت ننفِ الهمّ عنا ... إنما الهمُ بلاءُ)
(واغتنمْ لذَّةَ يومٍ ... قد تخطاهُ العناءُ)
(فهو يطويك ويمضي ... ليسَ للدُّنيا بقاءُ)
ومن المشهور في صفة السكارى قول بعضهم:
(مشوا إلى الرَّاح مشيَ الرَّخّ وانصرفوا ... والراحُ تمشي بهم مشىَ الفرازين)
(غدوا إليها كأمثالِ السهامِ مَضتْ ... عن القسيّ وراحوا كالعراجين)
(وكانَ شربهمُ في صدرِ مجلسهم ... شربَ الملوكِ وناموا كالمساكين)
ومثل البيت الأول:
(راحوا عن الرّاح وقد بدَّلوا ... مشىَ الفرازينِ بمشيِ الرّخاخِ)
ومما يجري مع هذا قول الآخر:
(تزيدُ حسا الكأس السفيهَ سفاهةً ... وتتركُ أخلاقَ الكريم كماهي)
(وإنَ أقلَ الناسِ عقلاً إذا انتشى ... أقلهمُ عقلاً إذا كانَ صاحيا)
ومن أحسن ما أنشد في الخيش ما أنشدناه أبو أحمد ولم يسم قائله ورأيته
стр. 319
بعد في ديوان السري:
(وقد نشأتْ بينَ الكؤس غمامةٌ ... من الندَ إلا أنها ليسَ تهطلُ)
(وعلَ بماء الوردِ خيش كأنهُ ... على جلدهِ ثوبُ العروس المصندلُ)
وقلت:
(ظبيٌ يروقُ الناظرينَ بأبيضٍ ... وبأسودٍ وبأخضرٍ وبأشكل)
(ومقوم مثل القضيبِ مهفهف ... ومعوج كالصولجانِ سيل)
(ومفرَّج من خدِّه ومكفر ... ومخلق من شعره ومسلسل)
(وبياض وجه بالصباح مقنع ... وسواد فرع بالظلام مكلل)
(علقتْ أباريقُ المدام بكفه ... كالبدرِ يعلق بالسماك الأعزل)
(وعلا دخانُ الندَ أبيض ساطعاً ... مثل الغمامةِ غير أن لم يهمل)
(فكأنما الكاساتُ في حافاته ... شقرُ الخيولِ تجولُ تحت القسطلِ)
(ومن أبدع ما قيل في ذلة الغناء قول الناجم:
(شدو ألذ من ابتداء ... العينِ في إغفائها)
(أحلى وأشهى من مُنى ... نفسٍ وصدقِ رجائِها)
وأجود ما قيل في الاصغاء إلى الغناء والسكوت له قول الآخر:
(وأصغوا نحوها اللآذان حتى ... كأنهم وناموا نيامُ)
ومن عجيب المعاني في الغناء قول أبي تمام:
(حمدتكَ ليلة شرفُتْ وطابتْ ... أقام سهادُها ومضى كراها)
(سمعتُ بها غناءُ كان أولى ... بأن يقتادَ نفسي من عناها)
(ومسمعةً تفوت السمع حسناً ... ولم تصممهُ لايصمم صداها)
(مرت أوتارها فشقت وشاقت ... ولو يستطيعُ حاسدها فداها)
(ولم أفهم معانيها ولكنْ ... ورتْ كبدي فلم أجهل شجاها)
стр. 320
(فكنتُ كأنني أعمى معنى ... بحبّ الغانياتِ ولا يراها)
وكان ينبغي أن يقول
(فداها حاسدها)
وليس لقوله
(فلا يسطيع حاسدها)
معنى مختار. وأول من أتى بهذا المعنى حميد بن ثور في قوله:
(عجبتُ لها أنى يكون غناؤها ... فصيحاً ولم تفغر بنمطقها فما)
(ولم أرَ محقوراً لها مثل صوتها ... أحس وأشجى للحزين وأكلما)
(ولم أرَ مثلي شاقه صوتُ مثلها ... ولا عربياً شاقَه صوتُ أعجما)
ومن أحسن أوصاف العود إذا احتضن تشبيههم إياه بالولد في حجر أمه وتشبيه إصلاحه بعرك أذنه فمن أحسن ما قيل في ذلك وأجمعه قول بعضهم:
(فكأنه في حجرها ولدٌ لها ... ضمتهُ بينَ ترائبٍ ولبان)
(طوراً تدغدغ بطنه فإذا هفا ... عركتْ له أذناً من الآذان)
ومثله قول الناجم:
(إذا احتضنتْ عابثٌ عودَها ... وناغتهُ أحسنَ أن يعربا)
(تدغدغُ في مهلٍ بطنهُ ... فتسمعنا مضحكاً معجبا)
وذكر الضحك مع الدغدغة جيد. ونظم كشاجم قول الحكماء إن العود مركب على الطبائع الأربع فقال:
(شدتْ فجلتْ أسماعنا بمخفّف ... يحدِّثها عن سرِّها وتحدثه)
(مشاكلة أوتارهُ في طباعها ... عناصر منها أحدثَ الخلقَ محدثه)
(فاللنار منه الزيرُ والأرض بمُّه ... وللريح متناهُ وللماءِ مثلثه)
(وكلُ امرئ يرتاحُ منهُ لنغمةٍ ... على حسبِ الطبع الذي منهُ يبعثه)
(شكا ضربَ يمناها فظلتْ يسارها ... تطوقهُ طوراً وطوراً ترعِّثه)
(فما برحَتْ حتى أرتنا مخارقا ... يجاذبهُ في أسحن النقر عثعثة)
стр. 321
(وحتى حسبت البابليين القنا؟ ... على لفظها السحر الذي فيه تنفثه)
وأجود ما قيل في اتفاق الضرب والزمر قول هارون بن على المنجم:
(غصن على دعصِ نقا منهالِ ... سعى بكأسٍ مثل لمعِ الآلِ)
(وفاتناتِ الطرفِ والدلالِ ... هيف الخصورِ رجح الأكفال)
(يأخذنَ من طرانف الأرمال ... ومحكمِ الخفافِ والنعال)
(يجري مع الناسِ بلا انفصال ... مثل اختلاط الخمرِ بالزّلال)
(يدعو إلى الصّبوةِ كلّ سال ... يصرعُ كلَ فاتكٍ بطّال)
(ومن حرام اللهو والحلالِ ... أكرم من مصارعِ الأبطال)
وقال كشاجم في وصف العود والقينة وأحسن:
(تميسُ من الوشي في حُلةٍ ... تجررُ من فضل أذيالِها)
(وتحملُ عوداً فصيحَ الجواب ... يضاهى اللحونَ بأشكالها)
(لهُ عنقٌ مثل ساقِ الفتاة ... ودستانةٌ مثل خلخالها)
(فظلتْ تطارحُ أوتارهُ ... بأهزاجها وبأرمالها)
(وتعملُ جساً كجسَ العروق ... وتلوى الملاوي بأمثالها)
وقيل لرجل أي المغنين أحذق؟ قال ابن سريج كأنه خلق من كل قلب فهو يغني لكل إنسان بما يشتيه. وأخبرنا أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال المغيرة للوليد بن يزيد بن عبد الملك إني خارج إلى العراق فاستهد ما أحببت فقال إهد لي بربطا من عمل زلزل فأهدي إليه عوداً وكتب إليه: قد بعثت به أرسح البطن أحدب الظهر صافي الوتر رقيق الجلد وثيق الملاوي كهيئة طاليه وملاحة محتضنه وحسن الضارب به وطرب المستمع له. ومن أحسن ما قيل في حسن الضارب ما تقدم ذكره وهو قول الناشئ
(وكأن يمناها إذا ضربت بها ... )
وقال ابن الحاجب:
(إذا هي جستهُ حكتْ متطبباً ... يجيلُ يديه في مجسِّ عروقِ)
стр. 322
وقد استحسنَ الناس هذا البيت وأجازوه وليس هو في طريقة الاختيار لأن الطبيب يجس بيد واحدة وكذلك الضارب فليسَ لذكر اليدين وجه. ومن جيد ما قيل في صحة عبارة العود عن الغناء قول ابن أبي عون:
(تناجيك بالصوت أوتارهُ ... فتوفيك ألسنهُ أحرفه)
وأبين منه قول الناجم:
(إذا نوتَ الضربَ قبلَ الغناء ... أنشدنا شعرَها عودُها)
وقلت:
(ربَ ليل كساكَ ثوبَ نعيم ... بينَ ساقٍ وسامرٍ ونديمِ)
(وكؤوس جرتْ وراءَ كؤوس ... وأعانتْ على طريق الهموم)
(ولنا مزهرٌ كمثلِ فطيم ... في يدي مطرب كأم الفطيم)
(وسموا صدره بعاج وذبل ... فزهتهُ محاسنُ التوسيم)
(مثل أرضٍ تحبرتْ بأقاح ... أو سماء تكللتْ بنجوم)
(ذو ملاوٍ سودِ الفروع وحمر ... مثل أطرافِ فرحةٍ ونعيم)
(ووسابين لا تجولُ عليهِ ... كخلاخيل ماردٍ وظلوم)
(أحمر الزير أسود ألم أحوى ... هلْ رأيتم جداولَ التقويم)
ومن جيد ما قيل في سرعة الضرب والجس قول كشاجم: ِ
(وترى لها عوداً تحركهُ ... وكلامه وكلامها وفقا)
(لو لم تحركهُ أناملها ... كانَ الهواءُ يفيدُهُ نطقا)
(جستهُ عالمةً بحالتهِ ... جسَ الطبيبِ لمدنفٍ عرقا)
(فحسبت يمناها تحركهُ ... رعداً وخلت يمينها برقا)
وقال بعضهم في رقاص:
(عجبتُ من رجليه تتبعانه ... يعلوهما طوراً ويعلوانه)
(كأنَّ أفعيين تلسعانه ... )
ومما لم يقل مثله في إزالة الخمار بمعاودة الشرب قول الأعشى:
стр. 323
(وكأس شربتُ على لذَّة ... وأخرى تداويتُ منها بها)
كل من أخذ هذا المعنى منه قصر في العبارة عنه ولا يجوز أن يؤتى بمثله، قال أبو نواس
(وداوني بالتي كانت هي الداء ... )
فحشا الكلام بمالا وجه له وهو قوله كانت هي الداء، وقال المجنون
(كما يتدواى شارب الخمر بالخمر ... )
ولا يقع هذا مع قول الأعشى موقعاً، ومثله قول البحتري:
(تدوايتُ من ليلى بليلى فما اشتفى ... من الداءِ من قد باتَ بالداءِ يشتفي)
ومن جيد ما قيل في الدنان والزقاق قول الأخطل
(أناخوا فجروا شاصيات ... )
وقد مر. وقد أحسن ابن المعتز في صفة الدنان:
(ودنانٍ كمثلِ صفَ رجالٍ ... قد أقيموا ليرقصوا دستبندا)
وقال العلوي الأصفهاني في الزق:
(عجبتُ من حبشيّ لا حَراكَ به ... لا يدركُ الثأرَ إلا وهو مذبوحُ)
(طوراً يرى وهو بين الشرب مضطجعٌ ... رغو الزقاقٍ وطوراً وهو مشبوحُ)
وفي ألفاظ العلوي زيادة على معناه في أكثر شعره، وأخذ البيت الأول من قول بشار يصف ركب المرأة:
(وصاحب مطرق في طولِ صحبتهِ ... لا ينفعُ الدَهرَ إلا وهو محمومُ)
وإن كان المعنيان مختلفين إلا أن حذوا الكلامين حذوا واحد. وقال ابن المعتز:
(إن غدا ملآن أمسى فارغاً ... كأسير الَرقَ أدى فعتق)
وقال القطامي:
(استودعتها رواقيداً مقيرةً ... دكن الظواهر قد برنسن بالطينِ)
(مكافحات لحرَ الشمس قائمة ... كأنهنَ نبيطٌ في تبابين)
وقال آخر:
(تحسبُ الزقَ إذا أسندته ... حبشياً قطعتْ منهُ الشوى)
وقال العلوي الأصفهاني يصف شراباً في ظرف خزف:
(مخدرةٌ مكنونةُ قد تكشفتْ ... كراهبةٍ بينَ الحسانِ الأوانسِ)
стр. 324
(وأترابُها يلبسنَ بيضَ غلائل ... هيَ العرىُ مقرورٌ بها كلُ لابس)
(مشعشة مرهاءُ ما خلتُ أنني ... أرى مثلها عذراءَ في زيَ عانس)
المعنى الجيد وفي الألفاظ زيادة وليس لها حلاوة. وقال آخر في الراووق:
(كأنما الرَّاووقُ وانتصابه ... خرطومُ فيلٍ سقطتْ أنيابهُ)
وفيه
(سماء لاذ قطرَها رحيقُ ... رَحْبُ الذُّرى ينحط فيه الضيقُ)
(ماء حقيق لو جرى العقيقُ ... حتى إذا ألهبها التصفيقُ)
(صحنا إلى جيراننا الحريقُ ... )
وأنشد أبو عثمان:
(فبتُ أرى الكواكبَ دانياتٍ ... ينلنَ أناملَ الرجَلِ القصيرِ)
(أدافعهن بالكفين عني ... وأمسحُ عارضَ القمرِ المنير)
أبو حيكم فمن حكمت كأسك فيه فاحكم له بإقالة عند العثار.؟ في ضعف السكر:
(فديتك لو علمتَ بضعفِ سكري ... لما سقيتني إلا بمسعط)
(بحسبك أنَ خماراً بجنبي ... أمُرُ ببابهِ فأكادُ أسقط)
ولابن الرومي في نبيذ حامض:
(قد لعمري اقتصصتَ من كلَ ضرس ... كان يجني عليك في رغفانك)
(قد رددناهُ فاتخدهُ لسكباجك ... والنائبات من أدقانك)
(واتخذهُ على خوانكِ خلا ... فهو أولى بالخل من إخوانك)
(أضرستنا حموضةٌ فيه تحكي ... رعدة تعتريك من ضيفانك)
معنى آخر:
(إسقني بالكبير إني كبير ... إنما يشربُ الصغيرَ الصغيرُ)
(لا يغرنك يا عبيد خشوعي ... تحتَ هذا الخشوع فسقٌ كثيرُ)
стр. 325
وكان ابن عائشة ينشد:
(لما رأيتُ الحظّ حظَّ الجاهلِ ... ولم أرَ المغبونَ غيرَ العاقلِ)
(رحلت عنا من كروم بابل ... فبتُّ من عقلي على مراحلِ)
وقال غيره في نبيذ الدبس:
(علني أحمد من الدوشاب ... شربة نفضت سوادَ الشبابِ)
(لو تراني وفي يدي قدحُ الدو ... شابِ أبصرتَ بازياً في غرابِ)
وقال بعضهم في كيزان الفقاع:
(لستُ بناف خمار مخمور ... إلا بصافي الشرابِ مقرورِ)
(يطيرُ عن رأسهِ القناع إذا ... نفست عنه خناق مزرور)
(يميلُ أعلاهُ وهو منتصبٌ ... كأنهُ صولجانٌ بللورِ)
وقلت:
(أبيض في أحشاء خضر كأنها ... قصارُ رجال في المسول قعود)
وقال بعضهم في الطنبور:
(مخطفُ الخصرِ أجوفُ ... جيدهُ نصفُ سائره)
(أنطقتهُ يدا فتى ... فاتنِ اللحظ ساهره)
(فحكى عن ضميرهِ ... ما جرى في خواطره)
وقال آخر في المعزفة:
(معلنةُ الأوتارِ صخابةٌ ... لها حنينٌ كحنينِ الغريبِ)
(مكسوةٌ أحشاؤها حُلةً ... بيضاءَ من جلدِ غزالٍ ربيب)
(كأنما تسعةُ أوتاره ... نصبنَ أشراكاً لصيد القلوب)
стр. 326
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل السماء سقفاً محفوظاً شيد بنيانها ووثق أركانها فأمنها من التهافت وبراها من التفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسير وصير لونها أوفق الألوان لأبصار الناظرين وأحلاها في أنفس المتوسمين وحبرها بالنجوم وطرزها بالرجوم وبيض أعلام صبحها وسود ذوائب ليلها وجلا غرة شمسها ومسح صفحة قمرها وقدره في منازله وخالف بين مناظره لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق. وصلى الله على سيدنا محمد سيد الأنبياء وأكرم الأصفياء وعلى عترته وأصحابه المختارين وسلم تسليماً كثيراً.
(هذا كتاب المبالغة)
(في وصف السماء والنجوم والليل والصبح والشمس والقمر) وما يجري مع ذلك: وهو
(الباب السادس من كتاب ديوان المعاني ثلاثة فصول)
(الفصل الأول)
في ذكر النجوم أحسن ما قيل في النجوم من الشعر القديم قول امرئ القيس:
(نظرتُ إليها والنجومُ كأنها ... مصابيحُ رهبان تشبُ لقفال)
стр. 327
وقول الآخر:
(سرينا باليلٍ والنجومُ كأنها ... قلادةُ درٍ سلَ عنها نظامُها)
وقد أصاب القائل التشبيه في وقوله:
(ورأيتُ السماءَ كالبحرِ إلا ... أنَ مرسوبه من الدرَ طافي)
(فيهِ ما يملأ العيونَ كبير ... وصغيرٌ ما بينَ ذلك خافي)
المعنى جيد وليس للألفاظ رونق. وقال ابن طباطبا في معناه:
(أحسن بها لججاً إذا التبسَ الدُّجى ... كانتْ نجومُ الليل حصباءَها)
وأحسن من هذا كله لفظاً وسبكاً مع إصابة المعنى قول ابن المعتز:
(كأنَ سماءَها لما تجلتْ ... خلال نجومها عندَ الصباحِ)
(رياضُ بنفسج خضل نداه ... تفتحَ بينها نورُ الأقاحي)
إلا أنه مضمن. وقلت:
(لبسنا إلى الخمارِ والنجمُ غائرٌ ... غلالةَ ليلٍ بالصباح مطررِ)
(كأن بياضَ النجم في خضرة الدُجى ... تفتحَ وردٍ بينَ رندٍ وعبقرِ)
وقلت:
(كم سرور زرعتُ بينَ الندامى ... وهموم طرَدتُ بينَ الكؤوس)
(وتلوح النجومُ في ظلمةِ الليلِ ... كعاج يلوحُ في أبنوسِ)
وقلت:
(بليل كما ترنو الغزالةُ أسودٍ ... على أنه مِنْ نورِ وجهك أبيض) ِ ...
(كواكبه زهرٌ وصفرٌ كأنها ... قبائع منها مذهبٌ ومفضضُ)
وفي النجوم ما هو أبيض ومنها ما هو أصفر وأحمر فشبه الأبيض بقبيعة مفضضة والأصفر والأحمر بالمذهبة والذهب يوصف بالحمرة والصفرة، ومثل هذا التمييز قليل في الشعر. وقال ابن المعتز:
стр. 328
(وخلتُ نجومَ الليلِ في ظُلَمِ الدُجى ... خِصاصاً أرى منه النهار والنقابا)
وقد أحسن الناشئ القول في اشتباك النجوم والتفافها حيث يقول:
(وردت عليها والنجوم كأنها ... كتائبُ جيش سومت لكتائبِ)
وقلت:
(وأنجم كربرب في شهُب ... كالشهبِ تجري في خلالِ خطبِ)
(والحور ترنو من خلال الحجب)
ومن أحسن ما قيل في الثريا قول امرئ القيس:
(إذا ماالثريا في السماء تعرضتْ ... تعرضَ أثناء الوشاحِ المفصلِ)
وقد استحسن الناس هذا البيت في صفة الثريا على قديم الدهر وقدموه، ثم قال بعضهم وهو معيب لأن التعرض إنما هو أن يبدي لك عرضه أي جانبه قال والثريا تشق وسط السماء شقاً. وقالوا أحسنه قول ذي الرمة:
(وردتُ اعتسافاً والثريا كأنها ... على قمّةٍ الرأسِ ابنُ ماء محلِّق)
وقالوا أحسنه قول ابن الطثرية:
(إذا ما الثريا في السماء كأنها ... جمانٌ وهي من سكلهِ فتبدّدا)
أنشد عبد الملك بن مروان هذا البيت فقال ما هي بمتبددة ولكنها مرصوفة. قال أبو هلال: وإنما أرادها عند غروبها وهي متبددة عند الغروب، وامرؤ القيس أيضاً أرادها حين تغيب لأنها حينئذ تنحرف من وسط السماء إلى جانب، وأحسن الوصف ما يتضمن أكثر صفات الموصوف، والوشاح وابن الماء إنما شبهابها من جهة البياض فقط. وأخذ معنى ابن الأسلت بعض المحدثين فقال:
(قد انقضتْ دولةُ الصيام وقد ... بشرَ سقمُ الهلالِ بالعيدِ)
(تبدو الثريا كفاغرٍ شرهٍ ... يفتحُ فاهُ لأكلِ عنقودِ)
والأول أجود لذكر وهذا ذكر العنقود ولم يصفه وقد يكون العنقود أسود أو أحمر. وكان أبو عمر بن العلاء: يقول أجود ما قيل فيها قول الآخر:
стр. 329
(ولاحت لساربها الثريا كأنها ... على الأفق الغربيّ قرطٌ مسلسلُ)
أخذه ابن الرومي فقال:
(طيبٌ طعمهُ إذا ذُقتَ فاهُ ... والثريا في جانبِ الغربِ قُرِطُ)
وقد قصر عن الأول أيضاً، ومثله قول أبي فضلة:
(وتأملتُ الثريا ... في طلوع ومغيبِ)
(فتخيرتُ لها التشيبهَ ... بالمعنى المصيبِ)
(فهي كأسٌ في شروقٍ ... وهي قرطٌ في غروب)
وقلت:
(شربنا والنجومُ مغفراتٌ ... تمرُّ كما تصدّعتِ الزّحُوفُ)
(وقد أصغت إلى الغرب الثريا ... دنو الدلو يسلمها الضعيفُ)
وأجود ما قال محدث عندي قول بعضهم:
(كأنَ الثريا هودَجٌ فوقَ ناقةٍ ... يسيرُ بها حادٍ من الليل مزعج)
(وقد لمعتْ بينَ النجومِ كأنها ... قواريرُ فيها زئبقٌ يترجرج)
وتروى لابن المعتز، وفي ألفاظ البيتين زيادة على معناهما، وقال مخلد الموصلي:
(وترى النجوم المشرقات ... كأنها دررٌ العصابة)
(وترى الثريا وسطها ... وكأنه زردٌ الذؤابه)
وزرد الذؤابة يشبه نجومها وتأليفه يشبه تأليفها فهو تشبيه مصيب. وقال ابن المعتز:
(فناولِنيها والثرّيا كأنهّا ... جنى نرجسٍ حيّا الندامى بهِ السّاقي)
قالوا لو قال باقة نرجس كأن أتم، فقلت:
(أراعي نجومَ الليل وهي كأنها ... نواظرُ ترنو من براقع سندسِ)
(كأنَ الثريا فيهِ باقةُ نرجس ... وما حولها منهنَ طاقاتُ نرجسِ)
стр. 330
وأنشدني بعض العمال:
(رُب ليلٍ قطعتهُ بفنون ... من غناءٍ وقهوة ومجونِ)
(والثريا كنسوةٍ خفراتٍ ... قد تجمعنَ للحديثِ المصون)
وقد أحسن وأطرف. وقد أصابَ القائل بعض وصفها في قوله
(كأن الثريا حلة النور منخل ... )
وقال المعتز:
(ألا فاسقنيها والظلامُ مقوّض ... وخيلُ الدُجى نحو المغارب تركضُ)
(كأنَ الثريا في أواخرِ ليلها ... تفتحُ نَور أو لجامٌ مفضضُ)
وشبهت بالقدم، قال ابن المعتز:
(قمْ يا نديمي نصطبحْ بسوادِ ... قد كاد يبدو الصبحُ أو هو بادِ)
(وأرى الثريا في السماءِ كأنها ... قَدَمٌ تبدَّتْ في ثيابِ حدادِ)
وقلت:
(كأنَ نهوضَ النجمِ والأفقُ أخضرُ ... تبلجُ ثغرٍ تحتَ خضرةِ شاربِ)
وقلت:
(تلوحُ الثريا والظلامُ مقطبٌ ... فيضحكُ منها عن أغرَّ مفلجِ)
(تسيرُ وراءً والهلالُ أمامها ... كما أومأتْ كفٌ إلى نصفِ دملجِ)
وقلت:
(شمسٌ هَوَتْ وهلالُ الأفق يتبعها ... كأنها سافرٌ قدّام منتقبِ)
(تبدو الثريا وأمرُ الليلِ مجتمعٌ ... كأنها عَقَربٌ مقطوعةُ الذنبِ)
وأحسن ما قيل فيها عند طلوع الفجر قول الآخر:
(وكأنَ الصبحَ لما لاحَ من تحتِ الثريا) ِ ...
(ملكٌ أقبلَ في التاج ... يُفدّى ويُحيا)
وقلت:
(وبالثريا أثرُ الخمودِ ... كالنارِ لا تسعفُ بالوقودِ)
(في أنجمٍ كربربٍ في بِيْدٍ ... يلوحُ في التصويبِ والتصعيدِ)
(كشرَفاتِ فَدَنٍ مشيَّد ... )
وقلت:
(قمْ بنا نطردُ الهمومَ بكأسٍ ... والثريا لمفرقِ الليل تاجُ)
(وقد انجرت اجرت المجرةُ فيهِ ... كسبيبٍ يمدهُ نساجُ)
стр. 331
وقال العلوي الأصفهاني في حسن الاستعارة:
(رُبَ ليلٍ وهتْ لآلى دُموعي ... فيهِ حتى وَهتْ لآلي الثريا)
(ورداءُ الدُجى لبيسٌ دريسٌ ... بيدِ الصبحِ وهو يطويهِ طيا)
وشبه أبو فراس الثريا بالفخذ من النمر وهو من المقلوب لأن أنجم الثريا بيض والنقط على فخذ النمر سود. وقال السري:
(ترى الثريّا والبدر في قرنٍ ... كما يحيا بنرجسٍ ملكُ)
أجود ما قيل في الجوزاء من الشعر القديم قول كعب الغنوي:
(وقد مالت الجوزاءُ حتى كأنها ... فساطيطُ ركبٍ بالفلاةِ نزولُ)
ولو شبهها بفسطاط واحد كان أشبه. ومن شعر المحدثين قول ابن المعتز فيها وفي الثريا:
(وقد هوى النجمُ والجوزاءُ تتبعهُ ... كذاتِ قُرطٍ أرادتهُ وقد سقطا)
مع أن المصراع الأخير غير مختار الرصف، والنجم اسم مخصوصه به الثريا. وقال فيها وفي الشعرى العبور:
(ولاحتِ الشِّعرى وجوزاؤُها ... كمثلٍ رُمح جرهُ رامحُ)
وقلت: سقاني والجوزاءُ يحكي شروقها ... طفوَ غريقٍ فوقَ ماءٍ مطحلبُ)
وهذا وصفها عند طلوعها. وقلت فيها حين توسط السماء:
(شربتها والليلُ مُستوفزٌ ... يجرُ في جلبابهِ كوكبه)
(كأنما الجوزاءُ رقاصةٌ ... ترقصُ في منطقةٍ مذهبه)
(كأنها الجوزاءُ طبالةٌ ... تحتضنُ الطبلَ على مرقبه)
وقلت فيها عند غروبها:
(إسقنيها والليلُ فرعُ عروس ... زينوهُ بدرةٍ وجُمانه)
(وكأنَ الجوزاءَ حينَ تهاوتْ ... فارسٌ مالَ عن شراةٍ حصانه)
وقال آخر:
(وكأنَ الجوزاءَ واترُ قوم ... أخذوا وترهم بقطع يَدْيه)
стр. 332
وقد استحسن قول العلوي الأصفهاني فيها:
(وتلوحُ لي الجوزاءُ سكرَى كلما ... ناءتْ بها الجرباءُ كادتْ تنثني)
(ونطاقُها متراصفٌ في نظمهِ ... فكأنما انتطقت بقطعه جوشن)
الجرباء اسم للسماء، وفي ألفاظها تكلف كما ترى والمعنى جيد. وقلت:
(وليلٍ أسود الجلبابِ داجٍ ... كفرع الخودِ أو عينِ الغزالِ)
(كأنَ كواكبَ الجوزاءِ فيه ... زميلةٌ مفجرّة البُزالِ)
(تميسُ بالحلي قُرط الثريا ... إذا انخفضتْ وتوّج بالهلال)
(ركبتُ صدورهُ وتركتُ خيلي ... توالي تحتَ أنجمهِ التوالي)
(ويخبطنَ الصباحَ إذا تبدّى ... كما يكرعنَ في الماءِ الزُّلالِ)
ومن ظريف ما قيل في الشعري قول عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر:
(أقولُ لما هاجَ شوقُ الذَّكرى ... واعترضتْ وسطَ السماءِ الشِّعرى)
(كأنها ياقوتةٌ في مِدرى ... ما أطولَ الليلَ بسرَ مري)
وقد أكثروا من وصفها بالعبر وأخذوا ذلك من اسمها وهو العبور. أحسن ما قيل في سهيل وبعده من الكواكب قول بعضهم:
(ولاحَ سهيلٌ من بيعدٍ كأنهُ ... شهابٌ ينحيه عن الرُّمح قابسُ)
وقال ابن المعتز:
(وقد لاحَ للساري سهيلٌ كأنهُ ... على كلَ نجم في السماء رقيبُ)
وأجود ما قيل في خفقانه واضطرابه قول جِران العود:
(أراقبُ لمحاً من سهيلٍ كأنهُ ... إذا ما بدا من آخرِ الليلِ مطرفُ)
وقلت:
(وبسهيل رعدةُ المزؤودِ ... وهو من الأنجمِ في محيدِ)
(حلَ محلَ الرَّجلِ الطريدِ ... )
стр. 333
وقال ابن طباطبا في المعنى الأول:
(كأنَّ سهيلاً والنجومُ أمامهُ ... يعارضُها راعٍ أمام قطيعِ)
أجود ما قيل في النسر الواقع قول الحماني:
(وركب ثلاث كالأثافي تعاوروا ... دُجى الليل حتة أو مضت سنة البدر)
(إذا اجتمعوا سميتهم باسم زاحد ... وإن فرقوا لم يعرفوا آخرَ الدهرَ)
وهو من اللغز المليح. ومن جيد ما قيل في الفرقدين قول ابن المعتز:
(ورنا إلىَ الفرقدان كما رَنت ... رزقاءُ تنظرُ من نقابٍ أسودِ)
وفي المجرة قول بعضهم:
(كأنَ المجرّةَ جدولُ ماءٍ ... نورُ الأقاحِ في جانبيه)
وقال ابن طباطبا:
(مجرَّةُ كالماءِ إذ ترقرقا ... شقتْ بها الظلماءُ بُرداً أزرقا)
(لباسُ ثكلى وشيها المشققا)
ونقله إلى موضع آخر فقال:
(كأنَ التي حولَ المجرَّة أوردتْ ... لتكرعَ في ماءٍ هناك صبيبِ)
فوجدته متكلفاً جداً فقلت في معناه:
(ليلٌ كما نفضَ الغرابُ جناحهُ ... متبقع الأعلى بهيم الأسفلِ)
(تبدو الكواكبُ من فنون ظلامهِ ... لمع الأسنة من فتوق القسطلِ)
(وترى الكواكبَ في المجرَّة شُرَّعاً ... مثلَ الظِّباء كوارعاً في جدولَ)
وقلت
(تبدو المجرّة منجرٌّ ذوائبُها ... كالماءِ ينساح أو كالاّيم ينسابُ)
(وزهرةٍ بإزاء البدرِ واقفةِ ... كأنه غرض ينحوه نشّابُ)
أغرب ما قيل في صفة الهلال من الشعر القديم قول الأعرابي:
(كأنَ ابنَ مزنتهِ جانحاً ... قسيطٌ لدى الأفقِ من خنصرِ)
أي كأن ابن مرنته وهو الهلال لدى الأفق قسيط من خنصر والقسيط القلامة
стр. 334
وهذا البيت على غاية سوء الرصف. وقد أخذه ابن المعتز فحسنه في قوله:
(ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحه ... مثلِ القُلامةِ قد قدَت من الظُّفُر)
وقال ابن طباطبا:
(وقد غمض الغرب الهلال كأنما ... يلاحظُ منه ناظر ذات أشفارِ)
(كأنَ الذي أبقى لنا منهُ أفقه ... قصيصُ سوارٍ أو قراضةُ دينارِ)
ولا خير في وصف قوله
(كأن الذي أبقى لنا منه أفقه ... )
ومن غريب ما قيل فيه وعجيبه قول ابن المعتز:
(إذا الهلالُ فارقتهُ ليلته ... بدا لمن يبصرهُ وينعته)
(كهامةِ الأسود شابتْ هامته ... )
قد سبق إلى هذا المعنى ولم يأخذه من أحد أعرفه، ونقله إلى موضع آخر فقال:
(وقد بدا فوقَ الهلال كرتهِ ... كهامةِ الأسود شابتْ لحيتهْ)
ومن أطرف ما قيل فيه قوله أيضاً:
(أهلاً بفطرٍ قد أنارَ هلاله ... فالآن فاغدُ إلى المدام وبكر)
(وانظر إليه كزورقٍ من فضةٍ ... قد أثقلتهُ حمولةٌ من عنبرِ)
وقال:
(في ليلةٍ أكلَ المحاقُ هلالَها ... حتى تبدَّى مثلَ وقفِ العاجِ)
وقلت:
(لست من عاشقٍ أضلَ السبيلا ... فسقى دمعُه الهطولُ طلولا)
(بردَ الليلُ حينَ هبت شمالا ... فجعلت الصلاءَ فيها الشمولا)
(في هلال كأنهُ حيةٌ الرملِ ... أصابتْ على البقاع مقيلا)
(باتَ في مِعصم الظلامِ سواراً ... وعلى مفرقِ الدُجى إكليلا)
وقلت:
(وكؤوسٍ إذا دجى الليلُ أسرت ... تحتَ سقفِ مرَّصعٍ باللجينِ)
(وكأنَ الهلالَ مرآة تبرٍ ... تنجلي كلَ ليلةٍ أصبعينِ)
هذا البيت يتضمن صفته من لدن هو هلال إلى أن يتم. وقلت في هلال شهر رمضان:
(جلبَ المجاعةَ ضامرٌ بخل ... قد خلتُ فيه لضعفه سلاّ)
стр. 335
(طفلٌ ولكنْ أمرهُ عجبٌ ... قد عاد بعد كهولةٍ طفلا)
(قد كانَ حمل ليلتين فلم ... ترَ مثله طفلاً ولا حملا)
(ومن العجائبِ أن يعودَ فتى ... في سبعَ عشرةَ ليلةً كهلا)
وقال السري:
(قمْ يا غلامُ فهاتها في كأسِها ... كالجلنارةِ في جنى نِسرين)
(أو ما رأيت هلال شهرك قد بدا ... في الأفقِ مثل شعيرة السكّينِ)
جعل الزجاج كأساً ولا يقال كأس إلا إذا كانت مملوءة، ولا أعرفه سبق إلى هذا التشبيه. وقال بعضهم:
(والجوُ صافٍ والهلالُ مشنّفٌ ... بالزُّهرة الزَّهراءِ نحو المغربِ)
(كصحيفةٍ زرقاءَ فيها نقطةٌ ... من فضةٍ من تحت نون مذهبِ)
جعل النقطة تحت النون والعادة أن تكون فوقها. وقلت:
(وللعيد رينَ للعيونِ هلالهُ ... فرمقنَ منهُ حاجباً مقرونا)
(يبدو ويبدو النجمُ فوقَ جبينهِ ... وكأنَ جُنحَ الليلِ ينقطُ نونا)
وقد استحسنت للعلوي الأصفهاني قوله:
(لاحَ الهلالُ فُويْقَ مغربهِ ... والزهرةُ الزهراءُ لم تغب)
(تهوي دوين مغيبها فهوتْ ... تبكي بدمعٍ غيرِ منسكب)
(فكأنها أسماءُ باكيةٌ ... عندَ انفصامِ سوارِها الذَّهبِ)
ومن البديع قول الآخر:
(لم أنس دجلةَ والهوى مُتضرِّم ... والبدرُ في أفقِ السماءِ مُغرِّبُ)
(فكأنها فيه رداءٌ أزرقُ ... وكأنه فيها طرازٌ مُذهبُ)
حق الدجى أن تؤنث لأنها جمع دجية. وقلت:
(كأنَ الهلالَ الشهرَ قطعة دملج ... تلوحُ على أعضاء معتكر غاس)
(ترى الزهرةَ الزهراء تهوي وراءه ... كما مرَ سهمٌ قاصدٌ نحوَ قرطاسِ)
стр. 336
ومن أجود ما سمعته في الليلة المقمرة ما أنشدنيه أبو أحمد:
(هل لك في ليلة بيضاءَ مقمرةٍ ... كأنها فضةٌ ذابتْ على البلد)
وقلت:
(كم قد تناولتُ اللذاذ قمن كثبٍ ... والدَهر مسكونُ الحوادثِ والنّوَبِ)
(في ليلةٍ قمراءَ تحسبُ أنها ... تلقى على الآفاقِ أرديةَ قصبِ)
ومن البديع قول ابن المعتز:
(ما ذقت طعم النوى لو تدري ... كأنما حنبي على جَمرِ)
(في قَمرٍ مشرقٍ نصفُه ... كأنه مجرفةُ العِطرِ)
(فريسةٌ للبقَ منهوشةٌ ... قد ضعُفتْ كفَّي عنِ النّصرِ)
وقال في ذم القمر:
(وبات كما سرَ أعداؤهُ ... إذا رامَ قوتاً من النَّومِ شَذّ)
(تعززهُ شرراتُ البعوضِ ... في قمرٍ مثلِ ظهرِ الجُرَذْ)
(الفصل الثاني من الباب السادس)
(في ذكر ظلمة الليل وطوله وقصره وما يجري مع ذلك من سائر أوصافه) فمن أحسن ذلك قول ذي الرمة:
(وليلٍ كجلبابِ العروس ادرعته ... بأربعةٍ والشخصُ في العين واحدُ)
(أحمُ علافيٌّ وأبيض صارمٌ ... وأعيسُ مهريٌ وأروع ماجدُ)
فأخذه ابن المعتز ونقله إلى ما هو أظرف لفظاً منه وهو قوله:
(وليلٍ كجلبابِ الشبابِ قطعتهُ ... بفتيان صدقٍ يملكونَ الأمانيا)
جلباب الشباب أظرف من جلباب العروس.
стр. 337
قالوا من أبلغ ما قيل في ظلمة الليل قول مضرس ابن ربعي
(وليلٍ يقولُ الناسُ من ظلماتهِ ... سواء صحيحاتُ العيونِ وعورُها)
(كأنَ لنا منهُ بيوتاً حصينةً ... مسوحٌ أعاليها وساج كسورها)
وقريب من هذا قول الأعرابي: خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صورة الأبدان فما كنا نتعارف إلا بالأذان. وقلت في هذا المعنى:
(وليلةٍ كرجائي في بني زمني ... مُسوَدَّة الوجهِ منسوباً إلى الفحمِ)
(سَدَّتْ على نظرِ الرائينَ منهجهُ ... حتى تعارَفَت الأشخاصُ بالكلم)
(لا أسأمُ الجهدَ فيها أن أكابدهُ ... ولا ترى صاحبَ الحاجاتِ ذا سأم)
(أحاولُ النجحَ في أمرٍ أزاولهُ ... والنجحُ في دلجاتِ الأنيقِ الرُّسمِ)
ومن جيد التشبيه قول أبي تمام:
(إليكَ هتكنا جنحَ ليل كأنه ... قد اكتحلتْ منه البلادُ باثمدِ)
أخذه من قول أبي نواس:
(أبن لي كيفَ صرتَ إلى حريمي ... وجنحُ الليلِ مكتحلٌ بقارِ)
وقول أبي تمام أجود لأن الاكتحال بالثمد لا بالقار وأظرف ما قيل في ذلك قول مسلم بن الوليد:
(أجدك ما تدرينَ أنْ ربَ ليلةٍ ... كأنَ دُجاها من قرونِك تُنشرُ)
(صبرتُ لها حتى تجلتْ بغرةٍ ... كغرةِ يحيى يومَ يذكرُ جعفرُ)
وقد طرف القائل في قوله:
(لا تَدْعني لَصبُوحٍ ... إنَّ الغبوقَ حبيبي)
(فالليلُ لوّن شبابي ... والصبحُ لوّن مشيبي)
ومن الاستعارة قول ذي الرمة:
стр. 338
(وَدَوية مثلِ السماءِ عسفتها ... وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ)
أخذه البحتري فقال وقصر:
(على باب قنسرين والليلُ لاطخٌ ... جوانبهُ من ظلمةٍ بمداد)
ليس البيت على السكة المختارة وقوله
(لاطخ جوانبه من ظلمة بمداد)
من بعيد الاستعارة. وأخذ ابن أبي طاهر قول مسلم
(كأن دجاها من قرونك تنشر ... )
فقال:
(سقتني في ليل شبيه بشعرِها ... شبيهةَ خَدَّيها بغيرِ رقيبِ)
فوقع بعيداً عنه واختل في النظم وأقلق القافية. وقلت في معناه:
(تسقيك في ليلٍ شبيهٍ بفرعِها ... شبيهاً بعينيها وشكلاُ بخدِّها)
(فتسكر من عينٍ وكأسٍ ووجنةٍ ... تحييك أعقاب الكوؤس بوردِها)
ومن البديع في هذا المعنى قول ابن المعتز:
(أرِقت له والركبُ ميلُ رؤوسهم ... يخوضونَ ضحضاحَ الكرى وبهم قرٌ)
(علاهمْ جليدُ الليل حتى كأنهم ... بزاةٌ تجلى في مراقبها قمرُ)
(إلى أن تعرَّى النجم من حُلةِ الدُّجى ... وقالَ دليلُ القومِ قد نقبَ الفجرُ)
(وقدوا أديمَ الفجرِ حتى ترفعت ... لهم ليلةٌ أخرى كما حوّمَ النسرُ)
وقال ديك الجن:
(سيرضيك أني مسخط فيك كاشحاً ... ورتقبٌ هولان موت مرقبُ)
(وجانب ليل لو تعلق قطعة ... بقطعة صبح لانثت وهي غيهبُ)
(وقلت:
(ومدَ علينا الليلُ ثوباً منمّقا ... وأشعلَ فيهِ الفجر فهو محرقُ)
(وصبّحنا صُبحاً كأنَ ضياءَهُ ... تعلّم مِنّا كيف يبهى ويشرقُ)
وقال ابن المعتز:
(فخلتُ الدُجى والليلُ قد مَدَّ خيطه ... رداءً موشى بالكواكب معلما)
وهو من قولِ الله تعالى: ﴿الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾
стр. 339
ومن أتم أوصاف الظلمة الذي ليس في كلام البشر مثله قول الله ﴿أو كظلمات في بحرٍ لجي يغشاه موج من فوقه موجٌ من فوقه سحابٌ ظلماتٌ بعضها فوق بعض﴾ وقال الأصفهاني العلوي:
(ورَبَ ليلٍ باتتْ عساكرُهُ ... تحملُ في الجوَ سودَ راياتِ)
(لامعة فوقها أسنتها ... مثل الأزاهير وسطَ رَوضاتِ)
ولست أورد أكثر شعره إلا لإصابة معناه دون لفظه لأن أكثر لفظه متكلف وجل صنعته فاسد وهذا من العجب لأنه من أكثر الناس نقداً لشعر غيره وقد صنف كتاب عيار الشعر فأجاده وهو إذا أراد استعمال ما ذكرناه لم يكمل له فهو كالمسن يشحذ ولا يقطع. ومن أحسن الاستعارة في ذكر الليل قول ابن أبي فنن:
(أقولُ وجنحُ الدجُّى ملبدُ ... ولليل في كلِّ فجٍ يدُ)
(ونحنُ ضجيعان في مسجدٍ ... فللَّه ما ضمنَ المسجدُ)
(أيا ليلة الوصل لا تنفدي ... كما ليلةُ الهجر لا تنفد)
(ويا غدُ إن كنت لي راحماً ... فلا تدنُ من ليلتي يا غدُ)
وقال السري:
(وشردَ الصبحُ عنا الليلَ فاتضحت ... سطورُه البيضُ في راياته السود)
وقلت:
(ليل كفرع الخود تخلف ضحى ... زهراءُ مثل عوارض الزهراءِ)
(عبقت بأنفاس الرِّياض كأنما ... نفض الرَّقيب غلالة الدلتاءِ)
وقلت:
(والليلُ يمشي مشيةَ الوئيد ... في الخضرِ من لباسهِ والسودِ)
(والصبحُ في أخراه ثاني الجيدِ ... )
فأما أجود ما قيل في طول الليل من الشعر القديم فقول امرئ القيس:
(وليل كموج البحر أرخى سودله ... علىَ بأنواع الهموم ليبتلى)
стр. 340
(فقلتُ له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازاً وناءَ بكلكلِ)
(ألا أيها الليلُ الطويلُ لأنجل ... بصبحٍ وما الأصباحُ منك بأمثلِ)
وهذا من أفصح الكلام وأبرعه إلا أن فيه تضميناً يلحق به بعض العيب وهو من أدل شئ على شدة الحب والهم لأنه جعل الليل والنهار سواء عليه فيما يكابده من الوجد والحزن وجعل النهار لا ينقصه شئ من ذلك وهذا خلاف العادة إلا أنه دخل في باب الغلو. والذي
أخبرنا بما في العادة الطرماح في قوله:
(ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا أصبح ... بصبح وما الإصباحُ منك بأروح)
فهذا معنى قول امرئ القيس، ثم استدرك فقال:
(على أنَ للعينينِ في الصبح راحةً ... بطرحيهما طرفيهما كلَ مطرحِ)
فجاء بما لا يشك أحد في صحته إلا أن لفظه لا يقع مع لفظ امرئ القيس موقعاً والتكلف في قوله
(بطرحيهما طرفيهما كل مطرح)
بين والكراهة فيه ظاهرة. وقال ابن الدمينة في معنى قول الطرماح:
(أظلُ نهاري فيكم متعللاً ... ويجمعني والهمّ بالليلِ جامع)
وقال المجنون:
(يضمُ إليَّ الليلُ أطفالَ حبها ... كما ضمَ أزرارَ القميصِ البنائقُ)
جعل ما ينشأ من الهم بالليل أطفالا، وفي هذا المعنى يقول النابغة:
(كليني لهمٍ ياأميمةُ ناصب ... وليل أقاسيهِ بطئ الكواكبِ)
(تطاولَ حتى قلتُ ليس بمنقضٍ ... وليل الذي يرعى النجومَ يآيب)
(وصدرٍ أراحَ الليل عازبَ همه ... تضاعف فيه الحزن من كلِّ جانبِ)
стр. 341
فجعل الهم يأوي إلى قلبه بالليل كالنعم العازبة تريحها الرعاة مع الليل إلى أماكنها، وهو أول من ذكر أن الهموم تتزايد بالليل. وقلت:
(وذكرنيهِ البدرُ والليل دونهُ ... فبات بحدِّ الشوق والصبر يلعبُ)
(كذكرى الحمى والحي في منعج اللوى ... وذكر الصبا والرأس أخلس أشيب)
(فأزدادُ في جنح الظلامِ صَبابةً ... فلا صعبَ إلاّ وهو بالليلِ أصعبُ)
وقلت:
(ورأيتُ الهمومَ بالليلِ أدهى ... وكذاك السرورُ بالليلِ أعذبُ)
ومما استجدت من شعر أبي بكر الصولي في معنى امرئ القيس قوله:
(أسرَ القلب في هواهُ وسارا ... وتجنى على ظلماً وجارا) ِ ...
(فنهاري أراهُ للبعدِ ليلاً ... وأرى للسهادِ ليلي نهارا)
(أنتَ فرَقتَ بالتفرقِ صبري ... فأعرني لما عراني اصطبارا)
ويستجاد هذا بالإضافة إلى جملة شعره فأما لنفاسته لنفسه فلا. وقال إسحاق الموصلي في معنى النابغة:
(إنَّ في الصبح راحةً لمحبّ ... ومع الليلِ ناشئاتُ الهمومِ)
وهذه اللفظة مأخوذة من قول الله تعالى: ﴿إنَ ناشئةَ اللَيلِ هيَ أشَدُ وطئاً وأقومُ قيلا﴾ وقال طاهر بن علي بن سليمان:
(إذ لاحَ لي صبحٌ فهمي مقسم ... وفي الليلِ همي بالتفردِ أطولُ)
وتمنى بعض المثقلين بالدين المبتلين بالفقر دوام الليل لما يلقي النهار من الغرماء ولما يحتاج إليه من النفقة في كل يوم فقال:
(ألا ليتَ النهارَ يعودُ ليلاً ... فإنَ الصبحَ يأتي بالهمومِ)
(حوائجُ لا تطيقُ لها قضاءً ... ولا رداً وروعات الغريم)
وقوله (ولا رداً) من التتميم الحسن. وقال التنوخي في طوله الليل:
(وليلةٍ كأنها طولُ الأملْ ... ظلامُها كالدَّهرِ ما فيه خللْ)
(كأنما الأصباحُ فيها باطل ... أزهقه اللهُ لحقٍ فبطل)
стр. 342
(ساعاتها أطولُ من يوم النّوى ... وليلةِ الهجرِ وساعاتِ العذَلْ)
(موصدة على الورى أبوابها ... كالنار لا يخرجُ منها من دخل)
وهذا يستملح وإن لم يكن مختارا من التشبيه الأن إخراج المحسوس إلى ما ليس بمحسوس في التشبيه ردئ. ومن التشبيه الغريب في ذلك قول بعض العرب:
(ويوم كظلَ الرُّمح قصرَ طولهُ ... دم الزقَ عنا واصطكاك المزاهر)
وقال البحتري:
(وقاسينَ ليلاً دونَ قاسان لم تكد ... أواخرهُ من بعدٍ قطريه تلحقُ)
وقال ابن المعتز في نحوه:
(وحلتْ عليه ليلةٌ أرحبيةٌ ... إذا ما صفا فيها الغديرُ تكدَّرا)
(بعيدة ما بين البياضين لم يكد ... يصدق فيها صبحها حينَ بشرا)
وقال:
(بمخشية الأقطار حيلية الصدى ... معطلة الآيات محذورة القصدِ)
(كأنَ نجومَ الليلِ في حجراته ... دراهمُ زيف لم يجزن علة النقد)
يريد أن تجومه واقفة ليست تسير فكأنها دراهم زيفت ليست تنقد. وقد أبر بعض المحدثين على من تقدم حيث يقول في طول الليل على دناءة لفظه:
(عهدي بنا ورداءُ الليلُ منُسدلٌ ... والليلُ أطولهُ كاللمحِ بالبصرِ)
(والآن ليلى مذ باتوا فديتهم ... ليلُ الضريرِ فصبحي غير منتظر)
وهذا أبلغ معنى من قول امرئ القيس الذي تقدم إلا أنه لا يدخل في مختار الكلام لابتذال لفظه وزيادته على معناه وسوء صنعته، والمعنى أن ليله ممدود بلا انقضاء كالليل للضرير كله عند الضرير ليل. وقال علي بن الخليل:
(لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعي ... أنَّ نجومَ الليلِ ليستْ تعول)
(ليلي كما شاءَتْ قصيرٌ إذا ... جادَتْ وإن ضنّت فليلي طويلْ)
فأغار عليه ابن بسام فقال:
стр. 343
(لا أظلمُ الليلَ ولا أدَّعي ... أنَّ نجومَ الليلِ ليست تغور)
(ليلي كما شاءَتْ فإنْ لم تَزُر ... طالَ وإنْ زارتْ فليلي قصير)
إلا أن بيته الثاني أحسن تقسيماً من بيت الخليل. وسمعت كافي الكفاة يقول لأبي أحمد الحسن بن عبد الله بن سعيد وقد أنشده
(جُلُ همي وهمتي جرجانُ)
فقال هذا المصراع خطبه، قال أبو هلال العسكري وأنا أقول إن قوله: ليلى كما شاءت خطبه. وقال سعيد بن حميد:
(يا ليلُ بلْ يا أبدُ ... أنائمٌ عنك غَدُ)
وقال ابن الرومي وأحسن التشبيه
(ليست تزول ولكن تزيد)
وقلت:
(غابوا فلم أدرِ ما ألاقي ... مسٌ من الوَجدِ أو جنونُ)
(ليلىَ لا يبتغي براحاً ... كأنهُ أدهمٌ حَرونُ)
(أجيلُ في صفحتيهِ عيناً ... ما تتلاقى لها جفُون)
وملح ابن الأحنف في قوله:
(حَدثوني عن النهار حديثاً ... وصِفوهُ فقد نسيتُ النهارا)
وقد أنبأ بشار عن العلة التي يستطال لها الليل وهو السهر فقال:
(لم يطلْ ليلي ولكنْ لم أنمْ ... ونفى عني الكرى طيفٌ ألمّ)
ولا أرى في قلة النوم أجود من قول المجنون:
(ونوم كحشرِ الطيرِ بتنا ننوشه ... على شعبِ الأكوارِ والليل غاسقُ)
على أن زهيراً قد قال
(وكصفقة بالكف كان رقادي ... )
والأول أفصح وأنبأ العجاج أيضاً عن العلة التي لها يطول الليل
(تطاول الليل على من لم ينم ... )
وقال بشار:
(لخدَّيك من كفيك في كلِّ ليلةٍ ... إلى أنْ ترى ضوء الصباح وسادُ)
وهذا مأخوذ من قول أبي ذؤيب
(نام الخلي وبت الليل مشتجرا ... )
والاشتجار وضع اليد على الخد والاعتماد عليها وهو جلسة المتفكر:
стр. 344
(نبيتُ نراعي الليلَ نرجو نفادهُ ... وليس لليلِ العاشقينَ نفاد)
وقال:
(خليليَ ما بالُ الدُجى لا تزحزحُ ... وما بال ضوءِ الصبحِ لا يتوضحُ)
(كأن الدجى زادت وما زادت الدُجى ... ولكنْ أطالَ الليلَ همٌ مبرِّحُ)
وقال ديك الجن:
(من نامَ لم يدرِ طالَ الليلُ أم قصرا ... ما يَعرفِ الليلَ إلاّ عاشقٌ سهرا)
وقد أجاد ابن طباطبا العلوي القول في طول الليل وهو:
(كأنَ نجومَ الليل سارَتْ نهارها ... ووافتْ عشاءً وهي أنضاءُ أسفارِ)
(فخيمنَ حتى تستريحَ ركابها ... فلا فلكٌ جار ولا فلكٌ ساري)
وذكر خالد الكاتب أنه ليس يدري أطال ليله أم قصر لتحيره وتبلده فقال:
(لستُ أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلى)
(لو تفرغتُ لاستطالةِ ليلي ... ولرعي النجومِ كنتُ مخلى)
وتبعه أبو بكر الصولي فقال:
(وطولتُ ليلي لو دَرَيتُ بطولهِ ... ولكنه يمضي لما بي ولا أدري)
وقال بشار:
(طالَ هذا الليلُ بلْ طالَ السهرْ ... ولقد أعرفُ ليلي بالقصَرْ)
(لم يطلْ حتى دهاني بالهوى ... ناعمُ الأطرافِ فتانُ النظر)
(فكأنَ الهجرَ شخصٌ ماثلٌ ... كلما أبصرهُ النومُ نفر)
وقلت:
(صيّرني البينُ عرضة الحين ... لا أربحَ اللَّهُ صفقةَ البينِ)
(قد طالَ يومي وليلتي بهمُ ... لما يزالا بهمْ قَصيرَينِ)
(كانَ قليلاً لديَّ مكثهما ... فكنتُ أدعوهما الجديديْنِ)
(فطال بعدَ الحبيبِ لبثهما ... فصرتُ أدعوهما عتيقينِ)
стр. 345
وقال آخر:
(يا ليلة طالتْ على عاشقٍ ... منتظرٍ في الصبح ميعادا)
(كادتْ تكونُ الحولَ في طولها ... إذا مضى أوَّلها عادا)
أجود ما قيل في قصر الليل وأشده اختصاراً قول إبراهيم بن العباس:
(وليلة من الليالي الزُهر ... قابلتُ فيها بدرها ببدري)
(لم تكُ غيرَ شفقٍ وفجر ... حتى تولَّتْ وهي بكرُ الدَّهرِ)
وقال غيره:
(وليلةٍ فيها قصرِ ... عشاؤُهِا مثلُ السّحَرِ)
وهذا على غاية الاختصار. وقال العلوي الأصفهاني في قصر الليل واليوم:
(ويوم دجنٍ ذو ضميرٍ متهم ... مثل سرور شابهُ عارضُ غمّ)
(صحوٌ وغيمُ وضياءٌ وظُلْم ... كأنهُ مستعرٌ قد ابتسمْ)
(ما زلتُ فيه عاكفاً على صنمْ ... مُهفهف الكشحِ لذيذِ الملَتزم)
(تفاحه وقفٌ على لثمٍ وشمِ ... وبانة وقفٌ على هصرٍ وضَم)
(يا طيَبه يوم تولى وانصرمْ ... وجودهٍ من قصرٍ مثل العدمْ)
وقلت:
(قصر العيشُ بأكناف الغضا ... وكذا العيشُ إذا طابَ قصر)
(في ليالِ كأباهيم القطا ... لستَ تدري كيف تأتي وتمرّ)
وقلت:
(إذا البرق من شرقيِّ دجلة ينبري ... على صفحات البارق المتألق)
(أشبهه دهراً أغرَ محجلاً ... نعمنا به ظلَ فينان مروق)
(فمرَّ كرجعِ الطرفِ ليس يرده ... حنينٌ إلى مخبورة المتعشقِ)
(وقد يعرض المحذور من حيث يرتجي ... ويمكنك المرجو من حيث تتقي)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن سعيد عن أبي عكرمة قال أنشدت أعرابياً قول جرير:
(أبدلَ الليلُ لا تسري كواكبهُ ... أم طال حتى حسبت النجمَ حيرانا)
فقال هذا حسن وأعوذ بالله منه ولكن أنشدك في ضده من قولي وأنشدني:
стр. 346
(وليلٍ لم يقصرهُ رقاد ... وقصّره لنا وصلُ الحبيبِ)
(نعيم الحبَ أورقَ فيه حتى ... تناولنا جناهُ من قريبِ)
(بمجلس لذةٍ لم نقوَ فيه ... على الشكوى ولا عدَ الذُّنوبِ)
(بخلنا أن نقطعهُ بلفظٍ ... فترجمت العيونُ عن القلوبِ)
(فقلت له زدني فما رأيت أظرف منك شعراً، فقال أما من هذا فحسبك ولكن غيره وأنشدني:
(وكنتُ إذا علقتُ حبالَ قومٍ ... صحبتهمُ وشيمتيَ الوفاءُ)
(فأحسنُ حينَ يحسنُ محسنوهم ... وأجتنب الإساءةَ إنْ أساؤا)
(أشاء سوى مشيئتهم فآنى ... مشيئتهم وأترك ما أشاءُ)
وأنشدنا عن محمد بن يزيد:
(للهِ ليلتنا بجوَ سويقةٍ ... والعيشُ غضٌ والزمانُ غريرُ)
(طابتْ فقصرَ طيبها أيامها ... فكأنما فيها السنونُ شهور)
وأنشدنا عن عون بن محمد بن إسحاق الموصلي:
(ظللنا في جوارِ أبي الجناب ... بيوم مثل سالفة الذبابِ)
(يقصره لنا شغفُ التلاقي ... ويوم فراقنا يوم الحساب)
أخبرنا عنه عن محمد بن الحسن أبي الحسن العتابي عن عيسى بن إسماعيل قال سمعت الأصمعي يقول قرأت على خلف شعر جرير فلما بلغت إلى قوله:
(ويومٍ كإبهامِ القطاهِ محبب ... إليَّ هواهُ غالبٌ لي باطله)
(رزقنا به الصيد العزيز ولم نكن ... كمنْ نبله محرومةٌ وحبائله)
(فيالك يوم خيره قبلَ شرِّه ... تغيبَ واشيه وأقصرَ عاذله)
стр. 347
فقال ويله وما ينفعه خير يؤول إلى شر؟ فقلت كذا قرأته على أبي عمرو، قال صدقت وقال كذا قال جرير وكان قليل التنقيح مشرد الألفاظ، وما كان أبو عمرو ليقرئك إلا كما سمع، قلت كيف كان يحب أن يقول؟ قال الأجود له لو قال
(فيا لك يوماً خيره دون شره)
فاروه هكذا، وكانت الرواة قديماً تصلح من شعر القدماء، فقلت والله لا أرويه بعدها إلا هكذا. ومثل ذلك أن أبا الفضل بن العميد أنشد قول أبي تمام
(وكشفت لي عن صفحة الماءِ الذي ... قد كنتُ أعهدهُ كثيرَ الطحلبِ)
فقال إنما قال عن جلد الماء فقال إذا أمكن أن يصلح قصيدته يتغيير لفظة فمن حقها وحق قائلها أن تغير قال أبو هلال وبين الصفحة والجلدة بون بعيد وقال ابن طباطبا
(بأبي من نعمتُ فيهِ بيوم ... لم يزلْ للسرورِ فيه نموُّ)
(يوم لهوٍ قد التقى طرفاهُ ... فكأنَ العشىَ فيه غدوُ)
ومن قول إبراهيم بن العباس والناس يروونه لغيره:
(ليلةٌ كاد يلتقي طرفاها ... قصراً وهي ليلةُ الميلادِ)
وقلت:
(وطال عمُرك في دهرٍ به قصرٌ ... تعدُ فيه شهور العيش أياما)
وقال القصافي:
(ذكرتكم ليلاً فنورَ ذكركم ... دجى الليل حتى انجاب عنا دياجره)
(فو الله ما أدري أضوءٌ مسجر ... لذكركم أم يسجرُ الليلُ ساجره)
(وبتُ أسقي الشوق حتى كأنني ... صريعُ مدام لم ينهنه دائره)
(وظلتْ أكفّ الشوق لما ذكرتكم ... تمثَّل لي منكم خيالاً أسايره)
(فلو كنتمُ أقصى البلاد لزرتكم ... إلى حيث يعي وردُه ومصادُره)
(أرى قصراً بالليلِ حتى كأنما ... أوائله مما تداني أواخره)
وقد أحسن ابن المعتز في صفة ليلة طيبة فقال:
стр. 348
(يا ليلة نسي الزَمانُ بها ... أحداثهُ كَوني بلا فجر)
(راحَ الصباحُ ببدرِها ووشتْ ... فيها الصّبا بمواقعِ القطرِ)
(ثم انقضتْ والقلبُ يتبعها ... في حيث ما سقطتْ من الدَّهرِ)
وقلت:
(وصلت نعم ولكن صلةً ... تشبهُ اللحظةَ في انتقالها)
(لستُ أدري أتمتعتُ بها ... أم بزورِ الزور من خيالها)
(ومضى الليلُ سريعاً مثلما ... أنشطتْ دهماء من عقالها)
(الفصل الثالث من الباب السادس)
(في ذكر الصباح والشمس والنهار وما يجري مع ذلك) أجود ما قيل في الصباح من شعر الأعراب:
أخبرنا أبو أحمد
أخبرنا أبو بكر ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال نزلت بقوم من غُتي وقد جاوروا قبائل من بني عامر بن صعصعة فحضرت ناديهم وهناك شيخ طويل الصمت عالم بالشعر قد جعل الناس يأتونه من كل ناحية فيجلسون إليه وينشدون أشعارهم فإذا سمع الشعر الجيد قرع الأرض بمحجنة فينفذ حكمه على من حضر منهم بشاة إذا كام ذا غنم وابن مخاض إن كان ذا إبل فذبح أو نحر لأهل الوادي فقال حضرتهم يوماً والشيخ جالس فأنشده بعضهم يصف القطا:
(غَدَتْ في رعيل ذي أداوَى منوطةٍ ... بلباتها مربوعة لم تُمرح)
(إذا سَربخٌ عطت مجال سرائهِ ... تمطت فحطتْ بينَ أرجاءِ سربخ)
فقرع الشيخ الأرض بمحجنة وهو صامت، ثم أنشده آخر يصف ليلة:
стр. 349
(كأنَ شميطَ الصبح في أخرياتها ... مُلاءٌ ينقي من طيالسةٍ خُضرِ)
(تخال بقاياها التي أسأر الدُجى ... تمدَ وشيعاً فوق أردية الفجرِ)
فقام الشيخ كالمجنون مصلتاً سيفه حتى خالط البرك فجعل يضرب يميناً وشمالاً وهو يقول:
(لا تَفرغنْ في أذنيَّ بعدها ... ما يستفزُ فأريك فقدها)
(إني إذا السيفُ تولى ندَّها ... لا أستطيعُ بعد ذاك ردَّها ... ) قال أبو هلال رحمه الله تعالى وهذا دليل على أن علم الشعر والتمييز بين جيده ورديئه كان غريزاً عند أهل البوادي وهم أصوله ومنبعه ومعدنه، وكان فعل هذا الشيخ واستفزاز جيد الشعر له قربياً مما روي عن محمد الأمين أنه قال إني لأطرب على حسن الشعر كما أطرب على حسن الغناء. ومن غريب ما قيل في الصبح من الشعر القديم قول ذي الرمة، وقد أجمع الناس على أنه أحسن العرب تشبيهاً:
(وقد لاحَ للساري الذي كمل السُّرى ... على أخرياتِ الليلِ فتقٌ مُشهرُ)
(كلونِ الحصانِ الأنبطِ البطن قائماً ... تمايلَ عنهُ الجلُ واللونُ أشقر)
وهذا أحسن تشبيه وأكمله، الأنبط: الأبيض البطن، شبه بياض الصبح تحت حمرته ببياض بطن فرس أشقر. أخذه ابن المعتز فقال:
(وما راعنا إلاّ الصباحُ كأنهُ ... جلالُ قباطيّ على فرسٍ ورد)
وقال أو قال غيره:
(بدا الصبحُ تحتَ الليلِ بادٍ ... كمهرٍ أشقرٍ مُرخى الجلالِ)
ومن أغرب ما قاله محدث فيه قول ابن المعتز:
стр. 350
(وقد رفعَ الفجرُ الظلامَ كأنهُ ... ظليمٌ على بيضٍ تكشفَ جانبه)
وقد أبدع أيضاً في قوله:
(قد اغتدى والليلُ في جلبابه ... كالحبشيَ فرَ من أصحابِهْ)
(والصبحُ قد كشفَ عن أنيابه ... كأنما يضحكُ من ذهابه)
وقال أبو نواس:
(فقمتُ والليلُ يجلوهُ الصباحُ كما ... جلا التبسمُ عن غُرَ الثنياتِ)
وفي ألفاظ هذا البيت زيادة على معناه. قال:
(لما تبدى الصبحُ من حجابه ... كطلعةِ الأشمطِ من جلبابه)
وهذا من قول الآخر
(كطلعة الأشمط من برد سمل)
وقال ابن المعتز:
(ولقد قفوتُ الغيثَ ينطفُ دجنُه ... والصبحُ ملتبسٌ كعينِ الأشهلِ)
وقلت:
(باكرتُها والخيلُ في البكورِِ ... والصبحُ بالليلِ مكوث النورِ)
(كما خلطت المسكَ بالكافور ... )
وقال ابن المعتز:
(أما ترى الصبحَ تحتَ ليلته ... كموقدٍ باتَ ينفخُ الفحما)
وقال:
(والليل قد رقَّ وأصفى نجمهُ ... واستوفز الصبحُ ولما ينتقب)
(معترِضاً بفجرهِ في ليلةٍ ... كفرسٍ بيضاءَ دهماءَ اللّبب)
وقال العلوي وأجاد المعنى:
(والصبحُ في صفحِ الهواءِ موردٌ ... مثلُ المدامةِ في الزُّجاجِ تشعشعُ)
وقلت:
(إلى أن طوينا اليومَ إلاّ بقيةٌ ... يضلُ ضياءُ الشمسِ عنها فيزلقُ)
(وجلّلِ وجهَ الشمسِ بردٌ ممسكٌ ... وقابلهُ للغربِ بردٌ ممشّقُ)
(فلاح لنا من مَشرق الشمسِ مغربٌ ... وبان لنا من مغرب الشمسِ مَشرِقُ) ِ ...
(ومدَ علينا الليلُ ثوباً منمّقا ... وأشعلَ فيهِ الفجر فهو يحرق)
(وصبحنا صبحٌ كأنَ ضياءهُ ... تعلمُ منّا كيف يبهى ويُشرقُ)
стр. 351
وقلت:
(ركبت أعجاز ليالٍ مظلمة ... مطرزاتٍ بالصباح معلمه)
(أخطرُ في بردتها المسهمه ... والروضُ في حلته المنمنمه)
(قد نثر الليلُ عليه أنجمه ... والنبتُ قد دنرهُ ودرهمه)
(وقد وشى رداءهُ ورقمه ... )
وقال بعض الأعراب:
(والليلُ يطردهُ النهارُ ولا أرى ... كالليلِ يطردهُ النهارُ طريدا)
(وتراهُ مثل البيتِ مالَ رواقهُ ... هتك المقوض ستره الممدودا)
وهذا شعر مطبوع. وقال أبو نواس:
(قد اغتدى والليلُ في حريمه ... معسكر في العزَ من نجومِهْ)
(والصبحُ قد نسم في أديمه ... يدعهُ بطرقي حيزومه)
(دع الوصي في قفا يتيمه ... )
ومن الاستعارة المصيبة في صفة الصبح قول سالم بن وابصة:
(على حين أثنى القومُ خيراً على السرَى ... وطارَ بأخرى الليل أجنحة الفجرِ)
(والنصف الأول من قول الآخر ... عند الصباح يحمد القوم السرى)
وقال العلوي الأصفهاني:
(وليل نصرتُ الغيَّ فيه على الرُّشد ... وأعديتُ فيه الهزلَ مني على الجدَ)
(وضيعتُ فيه من عناقِ معانقي ... فظنَ وشاتي أنني نائمٌ وحدي)
(إلى أن تجلى الصبحُ من خلل الدُجى ... كما أنخرطَ السيفُ اليماني من الغمدِ)
وقلت:
(حتى أزالَ الصبحُ فاضلَ ذيله ... كالنيل يخطرُ في نوداي يعربِ)
وقد أحسن ابن المعتز في صفة النجم يبدو في حمرة الفجر حيث يقول:
(قد اغتدى على الجيادِ الضمر ... والصبحُ قد أسفرَ أو لم يسفرْ)
(كأنه غرةُ مهرٍ أشقر ... حتى بدا في ثوبهٍ المعصفرِ)
(ونجمهُ مثل السِّراج الأزهرِ ... )
стр. 352
وقال الشمردل بن شريك:
(ولاحَ ضوءُ الصبحِ فاستبينا ... كما أرتْنا المفرق الدهينا)
وقال التنوخي:
(والثريا كلواءٍ ... خافق من فوقِ مرقبِ)
(وبدا الفجرُ كسيفٍ ... في يدِ الجوزاءِ مذهب)
وقلت:
(أديرا عليّ الكأسَ والليلُ راحلُ ... وفي إثره للصبح بلقٌ شوائلُ)
(ترفع عنه منكبُ الليل فانجلى ... كما ابتسمت ليماءُ والسترُ مائل)
وقال التنوخي:
(وبدا الصبح كالحسام علاه ... علق فوقَ شفرتيهِ متاع)
وقال:
(أسامره والليل أسود أورق ... إلى أن جلا الإصباح عن أشقر وردِ)
(تبسم محمرّاً خلال سواده ... تبسمَ وردِ الخدَ في الصدغ الجعد)
ومن حسن الاستعارة في الشفق قول ابن المعتز:
(ساروا وقد خضعتْ شمسُ الأصيلِ لهم ... حتى توقدَ في جنح الدُجى الشفقُ)
(لحاجةٍ لم أضاجع دونها وَسَناً ... وربما جرَ أسبابَ الكرى الأرقُ)
وأبرع بيت قيل في الصبح من شعر المحدثين قول ابن المعتز:
(والصبحُ يتلو المشتري فكأنه ... عُريانُ يمشي في الدُجى بسراجِ)
والناس يظنون أنه ابتدأه وابتكره وإنما أخذه من قول ابن هرمة في وصف السحاب والبرق:
(تؤام الودق كالزاحف ... يزجي خلف اطلاح)
(صدوق البرقِ كالسكران ... يمشي خلف الصاحي)
(كأنَ العازفَ الحنى ... أوْ أصواتَ نواح)
(على أرجائهِ والبرق ... يهديه بمصباح)
وهذا البيت مضطرب الرصف مضمن لا خير فيه والمعنى بارد.
стр. 353
ومن أطرف ما قيل في الليالي الطيبة قول ابن المعتز:
(تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندى ... فيهِ فتهديهِ لحرَ الهمومِ)
وقلت:
(وقد غَدوْتُ وصبغُ الليلِ منتقصٌ ... وغرَّة الصبحِ مصقولٌ حواشيها)
(وغربت أنجمُ الظلماءِ وانحَدرَتْ ... فشالَ أرجلها وأنحطَ أيديها)
فأما أجود ما قيل في الشمس مما أنشدناه أبو القاسم عن عبد الوهاب عن العقدي عن أبي جعفر عن ابن الأعرابي قديماً في صفة الشمس فقال وهو أحسن وأتم ما قالته العرب فيها:
(مخبأةٌ أما إذا الليلُ جنّها ... فتخفى وأما بالنهارِ فتظهرُ)
(إذا انشقَ عنها ساطعُ الفجرِ فانجلى ... دُجى الليل وانجابَ الحجابُ المستر)
(وألبس عرضَ الأرضِ لوناً كأنه ... على الأفق الشرقيِّ ثوبٌ معصفرٌ)
(ولونِ كدرعِ الزَّعفرانِ مشبه ... شعاع يلوحُ فهو أزهرُ أصفرُ)
(إلى أن علتْ وأبيضَ عنها اصفرارُها ... وجالتْ كما جالَ المليحُ المشهر)
(ترى الظلّ يطوى حينَ تعلو وتارةً ... تراهُ إذا مالتْ إلى الأرض ينشر)
(وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبينُ إذا ولتْ لمن يتبصرُ)
(وأفنت قروناً وهي في ذاك لم تزل ... تموتُ وتحيا كلَّ يومٍ وتنشرُ)
وأنشدناه أيضاً أبو أحمد عن الصولي عن علي بن الصباح عن ابن أبي محلم على غير ما تقدم هنا أخذ ابن الرومي قوله:
(وقد جعلت في مجنح الليل تمرض ... )
ومن بديع ما قيل في انقلابها عند الغروب قول الراجز:
(صبَ عليه قانصٌ لما غفل ... والشمسُ كالمرآة في كف الأشل ... )
ونحوه قول أبي النجم
(وصارت الشمس كعين الأحول)
ولأعرابية تذكر السحاب:
(تطالعني الشمسُ من دونها ... طلاع فتاة تخافُ اشتهارا)
(تخافُ الرقيبَ على سرِّها ... وتحذرُ من زوجها أن يغارا)
стр. 354
(فتستتر غُرَّتها بالخمارِ ... طوراً وطوراً تزيل الخمارا)
وقال ابن المعتز وأغرب:
(تظلُ الشمس ترمقنا بلحظ ... خفي مدنف من خلف سترِ)
(تحاولُ فتقَ غيم وهو يأبى ... كعنين يريدُ نكاحَ بكرِ)
وقال ابن طباطبا:
(وأقذيت عين شمس فحكت ... من خللِ الغيم طرفَ عمشاءِ)
وقلت:
(فيا بهجة الدنيا إذا الشمس أشرقت ... كما أشرقت فوق البرية زينب)
(يفضضُ منها الجوُ عندَ طلوعها ... ولكنَ وجهَ الأرض فيها مُذهبُ)
(وتحسبُ عين الشمسِ إذ هي رنقت ... على الأفقِ الغربيِّ تبراً يذوبُ)
وقلت في يوم صحو:
(ملأ العيونَ غضارةً ونضارةً ... صحوٌ يطالعنا بوجهٍ مونقِ)
(والشمسُ واضحةُ الحبين كأنها ... وجهُ المليحة في الخمارِ الأزرقِ)
(وكأنها عندَ انبساطِ شعاعِها ... تبرٌ يذوبُ على فروعِ المشرقِ)
(جَرت إذا بكرت ذُيولَ مزعفرٍ ... وتجرُ إنْ راحتْ ذُيولَ ممشقِ)
(فشربتها عذراءَ من يدٍ مثلها ... تحكي الصباحَ مع الصباحِ المشرقِ)
وقال ابن طباطبا:
(وشمس تجلت في رداءٍ معصفر ... كأسماء إذ مدت عليها إزارها)
وقال ابن المعتز فيها عند غروبها:
(حتى علا الطود ذيل من أصائله ... كما يصغر فودي رأسه الحرفُ)
وقال أبو نواس:
(قد اغتدى والشمسُ في حجابها ... مثل الكعابِ الخوذِ في نقابها)
وقال ابن الرومي وهو من المشهور:
стр. 355
(كأنَ خبوَ الشمس ثم غُروبها ... وقد جعلتْ في مجنح الليل تمرضُ)
(تخاوصُ عينٍ بين أجفانِها الكرى ... يرنقُ فيها النومُ ثم تغمضُ)
ومن جيد ما قيل في احمرارها عند المغيب قول ابن الحاجب:
(وكأنها عندَ الغروب ... جُفونُ عينِ الأرمدِ)
وقال ابن الرومي وهو من المشهور
(إذا رَنَّقتْ شمسُ الأصيلِ ونفضت ... على الأفق الغربيِّ ورساً مذعذعا)
(وَودعتِ الدُّنيا لتقضي نحبها ... وشولَ باقي عمرها وتشعشعا)
(ولاحظتِ النوار وهي مريضةٌ ... وقد وضعتْ خدّاً على الأرضِ أضرعا)
(كما لاحظت عوادَهُ عينُ مدنَفٍ ... توجعَ من أوصابهِ ما تَوَجَّعا)
(وظلت عيون الروض تحضل بالندى ... كما اغرَوْرَقَتْ عينُ الشجيِّ لتدمعا)
(وبينَ إغضاءُ الفراقِ عليهما ... كأنهما خِلا صفاءٍ تودَّعا)
وقال الآخر:
(والشمسُ تُؤذنُ بالشروقِ كأنها ... خَودٌ تلاحظُ من وراءِ حجابِ)
وقال السري:
(ومن قصور عليه مُشرفة ... تضئُ والليلُ أسودُ الحجبِ)
(بيضٌ إذا الشمسُ حانَ مغربُها ... حسبت أطرافهنَ من ذهبِ)
следующие страницы →