← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وقلت: (ركبت أعجاز ليالٍ مظلمة ... مطرزاتٍ بالصباح معلمه) (أخطرُ في بردتها المسهمه ... والروضُ في حلته المنمنمه) (قد نثر الليلُ عليه أنجمه ... والنبتُ قد دنرهُ ودرهمه) (وقد وشى رداءهُ ورقمه ... ) وقال بعض الأعراب: (والليلُ يطردهُ النهارُ ولا أرى ... كالليلِ يطردهُ النهارُ طريدا) (وتراهُ مثل البيتِ مالَ رواقهُ ... هتك المقوض ستره الممدودا) وهذا شعر مطبوع. وقال أبو نواس: (قد اغتدى والليلُ في حريمه ... معسكر في العزَ من نجومِهْ) (والصبحُ قد نسم في أديمه ... يدعهُ بطرقي حيزومه) (دع الوصي في قفا يتيمه ... ) ومن الاستعارة المصيبة في صفة الصبح قول سالم بن وابصة: (على حين أثنى القومُ خيراً على السرَى ... وطارَ بأخرى الليل أجنحة الفجرِ) (والنصف الأول من قول الآخر ... عند الصباح يحمد القوم السرى) وقال العلوي الأصفهاني: (وليل نصرتُ الغيَّ فيه على الرُّشد ... وأعديتُ فيه الهزلَ مني على الجدَ) (وضيعتُ فيه من عناقِ معانقي ... فظنَ وشاتي أنني نائمٌ وحدي) (إلى أن تجلى الصبحُ من خلل الدُجى ... كما أنخرطَ السيفُ اليماني من الغمدِ) وقلت: (حتى أزالَ الصبحُ فاضلَ ذيله ... كالنيل يخطرُ في نوداي يعربِ) وقد أحسن ابن المعتز في صفة النجم يبدو في حمرة الفجر حيث يقول: (قد اغتدى على الجيادِ الضمر ... والصبحُ قد أسفرَ أو لم يسفرْ) (كأنه غرةُ مهرٍ أشقر ... حتى بدا في ثوبهٍ المعصفرِ) (ونجمهُ مثل السِّراج الأزهرِ ... )

стр. 352

وقال الشمردل بن شريك: (ولاحَ ضوءُ الصبحِ فاستبينا ... كما أرتْنا المفرق الدهينا) وقال التنوخي: (والثريا كلواءٍ ... خافق من فوقِ مرقبِ) (وبدا الفجرُ كسيفٍ ... في يدِ الجوزاءِ مذهب) وقلت: (أديرا عليّ الكأسَ والليلُ راحلُ ... وفي إثره للصبح بلقٌ شوائلُ) (ترفع عنه منكبُ الليل فانجلى ... كما ابتسمت ليماءُ والسترُ مائل) وقال التنوخي: (وبدا الصبح كالحسام علاه ... علق فوقَ شفرتيهِ متاع) وقال: (أسامره والليل أسود أورق ... إلى أن جلا الإصباح عن أشقر وردِ) (تبسم محمرّاً خلال سواده ... تبسمَ وردِ الخدَ في الصدغ الجعد) ومن حسن الاستعارة في الشفق قول ابن المعتز: (ساروا وقد خضعتْ شمسُ الأصيلِ لهم ... حتى توقدَ في جنح الدُجى الشفقُ) (لحاجةٍ لم أضاجع دونها وَسَناً ... وربما جرَ أسبابَ الكرى الأرقُ) وأبرع بيت قيل في الصبح من شعر المحدثين قول ابن المعتز: (والصبحُ يتلو المشتري فكأنه ... عُريانُ يمشي في الدُجى بسراجِ) والناس يظنون أنه ابتدأه وابتكره وإنما أخذه من قول ابن هرمة في وصف السحاب والبرق: (تؤام الودق كالزاحف ... يزجي خلف اطلاح) (صدوق البرقِ كالسكران ... يمشي خلف الصاحي) (كأنَ العازفَ الحنى ... أوْ أصواتَ نواح) (على أرجائهِ والبرق ... يهديه بمصباح) وهذا البيت مضطرب الرصف مضمن لا خير فيه والمعنى بارد.

стр. 353

ومن أطرف ما قيل في الليالي الطيبة قول ابن المعتز: (تلتقطُ الأنفاسُ بردَ الندى ... فيهِ فتهديهِ لحرَ الهمومِ) وقلت: (وقد غَدوْتُ وصبغُ الليلِ منتقصٌ ... وغرَّة الصبحِ مصقولٌ حواشيها) (وغربت أنجمُ الظلماءِ وانحَدرَتْ ... فشالَ أرجلها وأنحطَ أيديها) فأما أجود ما قيل في الشمس مما أنشدناه أبو القاسم عن عبد الوهاب عن العقدي عن أبي جعفر عن ابن الأعرابي قديماً في صفة الشمس فقال وهو أحسن وأتم ما قالته العرب فيها: (مخبأةٌ أما إذا الليلُ جنّها ... فتخفى وأما بالنهارِ فتظهرُ) (إذا انشقَ عنها ساطعُ الفجرِ فانجلى ... دُجى الليل وانجابَ الحجابُ المستر) (وألبس عرضَ الأرضِ لوناً كأنه ... على الأفق الشرقيِّ ثوبٌ معصفرٌ) (ولونِ كدرعِ الزَّعفرانِ مشبه ... شعاع يلوحُ فهو أزهرُ أصفرُ) (إلى أن علتْ وأبيضَ عنها اصفرارُها ... وجالتْ كما جالَ المليحُ المشهر) (ترى الظلّ يطوى حينَ تعلو وتارةً ... تراهُ إذا مالتْ إلى الأرض ينشر) (وتدنف حتى ما يكاد شعاعها ... يبينُ إذا ولتْ لمن يتبصرُ) (وأفنت قروناً وهي في ذاك لم تزل ... تموتُ وتحيا كلَّ يومٍ وتنشرُ) وأنشدناه أيضاً أبو أحمد عن الصولي عن علي بن الصباح عن ابن أبي محلم على غير ما تقدم هنا أخذ ابن الرومي قوله: (وقد جعلت في مجنح الليل تمرض ... ) ومن بديع ما قيل في انقلابها عند الغروب قول الراجز: (صبَ عليه قانصٌ لما غفل ... والشمسُ كالمرآة في كف الأشل ... ) ونحوه قول أبي النجم (وصارت الشمس كعين الأحول) ولأعرابية تذكر السحاب: (تطالعني الشمسُ من دونها ... طلاع فتاة تخافُ اشتهارا) (تخافُ الرقيبَ على سرِّها ... وتحذرُ من زوجها أن يغارا)

стр. 354

(فتستتر غُرَّتها بالخمارِ ... طوراً وطوراً تزيل الخمارا) وقال ابن المعتز وأغرب: (تظلُ الشمس ترمقنا بلحظ ... خفي مدنف من خلف سترِ) (تحاولُ فتقَ غيم وهو يأبى ... كعنين يريدُ نكاحَ بكرِ) وقال ابن طباطبا: (وأقذيت عين شمس فحكت ... من خللِ الغيم طرفَ عمشاءِ) وقلت: (فيا بهجة الدنيا إذا الشمس أشرقت ... كما أشرقت فوق البرية زينب) (يفضضُ منها الجوُ عندَ طلوعها ... ولكنَ وجهَ الأرض فيها مُذهبُ) (وتحسبُ عين الشمسِ إذ هي رنقت ... على الأفقِ الغربيِّ تبراً يذوبُ) وقلت في يوم صحو: (ملأ العيونَ غضارةً ونضارةً ... صحوٌ يطالعنا بوجهٍ مونقِ) (والشمسُ واضحةُ الحبين كأنها ... وجهُ المليحة في الخمارِ الأزرقِ) (وكأنها عندَ انبساطِ شعاعِها ... تبرٌ يذوبُ على فروعِ المشرقِ) (جَرت إذا بكرت ذُيولَ مزعفرٍ ... وتجرُ إنْ راحتْ ذُيولَ ممشقِ) (فشربتها عذراءَ من يدٍ مثلها ... تحكي الصباحَ مع الصباحِ المشرقِ) وقال ابن طباطبا: (وشمس تجلت في رداءٍ معصفر ... كأسماء إذ مدت عليها إزارها) وقال ابن المعتز فيها عند غروبها: (حتى علا الطود ذيل من أصائله ... كما يصغر فودي رأسه الحرفُ) وقال أبو نواس: (قد اغتدى والشمسُ في حجابها ... مثل الكعابِ الخوذِ في نقابها) وقال ابن الرومي وهو من المشهور:

стр. 355

(كأنَ خبوَ الشمس ثم غُروبها ... وقد جعلتْ في مجنح الليل تمرضُ) (تخاوصُ عينٍ بين أجفانِها الكرى ... يرنقُ فيها النومُ ثم تغمضُ) ومن جيد ما قيل في احمرارها عند المغيب قول ابن الحاجب: (وكأنها عندَ الغروب ... جُفونُ عينِ الأرمدِ) وقال ابن الرومي وهو من المشهور (إذا رَنَّقتْ شمسُ الأصيلِ ونفضت ... على الأفق الغربيِّ ورساً مذعذعا) (وَودعتِ الدُّنيا لتقضي نحبها ... وشولَ باقي عمرها وتشعشعا) (ولاحظتِ النوار وهي مريضةٌ ... وقد وضعتْ خدّاً على الأرضِ أضرعا) (كما لاحظت عوادَهُ عينُ مدنَفٍ ... توجعَ من أوصابهِ ما تَوَجَّعا) (وظلت عيون الروض تحضل بالندى ... كما اغرَوْرَقَتْ عينُ الشجيِّ لتدمعا) (وبينَ إغضاءُ الفراقِ عليهما ... كأنهما خِلا صفاءٍ تودَّعا) وقال الآخر: (والشمسُ تُؤذنُ بالشروقِ كأنها ... خَودٌ تلاحظُ من وراءِ حجابِ) وقال السري: (ومن قصور عليه مُشرفة ... تضئُ والليلُ أسودُ الحجبِ) (بيضٌ إذا الشمسُ حانَ مغربُها ... حسبت أطرافهنَ من ذهبِ)

стр. 356

ومن بديع ما قيل فيها من شعر المتقدمين قول أبي ذؤيب: (سبقت إذا ما الشمسُ عادت كأنها ... صلاءَة طِيبٍ لطها وإصفرارُها) ومن جيد ما قيل في النهار قول أعرابي: (فإذا أشرقَ النهارُ تراها ... راملات في مثل ماء زلالِ) وقلت: (ويخبطنَ الصباحَ إذا تبدّى ... كما يكرعنَ في الماءِ الزَلال) وقلت: (وعلى الصباحِ غلالةُ فضيةٌ ... فيها طرازٌ من خيالك مُذْهَب) آخر الباب السادس والحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه أجمعين. (إنتهى الجرء الأول)

стр. 357

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على نعمه التامة وأياديه الخاصة والعامة في إنشاء السحاب الثقال وإجراء العذب الزلال وتفجير البارد السلسال ليغذو النجم والشجر ويرب الحب والثمر رحمة للأنام ونظراً للإنعام فله الحمد أولاً وآخراً. والصلاة على نبيه محمد الذي أرسله بالحق شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وعلى آله المختارين وعترته المنتجبين. وقد رأينا الحكماء في كل زمان يجتهدون في تقريب الحكمة وتسهيل سبلها وشرح مشكلها وإيضاح أبوابها وإدناء أسبابها ليخف محملها ويقرب متناولها ويرغب فيها كل أحد ويأخذ منها بنصيب ويغترف منها بذنوب. وكنت جعلت كتابي الموسوم بديوان المعاني مشتملاُ على أثني عشراٌ باباً يتضمنها خمسائة ورقة فرأيت بعض الناس يستكبر حجمه ويستثقل نسخه فجعلت كل باب منها كتاباً ينفرد بنفسه ويتميز من جنسه ليقرب أمره ويسهل نسخه ولتسرع الرغبة إليه فيكثر الإنتفاع به إن شاء الله تعالى وبه التوفيق.

стр. 358

(هذا كتاب المبالغة) في صفة السحاب والمطر والبرق والرعد وذكر المياه والرياض والنبات والأشجار والرياحين والثمار والنسيم وما يجري مع ذلك وهو: (الباب السابع من كتاب ديوان المعاني وفيه ثلاثة فصول) (الفصل الأول) في صفة السحاب والمطر والبرق والرعد والثلج والضريب أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال أبو عمرو لذي الرمة أي قول الشعراء في المطر أشعر؟ قال قول امرئ القيس: (ديمةٌ هطلاءُ فيها وطفٌ ... طَبّق الأرض تحرَّى وتدُرّ) قوله طبق الأرض غاية في صفة عموم السحاب أراد أنها على الأرض بمنزلة الطبق على الإناء. ولا أعرف أحداً أخذه فأجاده كاجادة ابن الرومي حيث يقول: (سحائبُ قيستْ بالبلادِ فألقيتْ ... غِطاءً على أغوارِها ونجودِها) (هدتها النُّعامَى مثقلاتٍ فأقبلتْ ... تهادَى رُويداً سيرُها كركودِها) قوله سيرها كركودها غاية في وصف ثقلها وثقلها من كثرة مائها. والبيت البليغ المشار إليه من أبيات امرئ القيس قوله: (وتَرى الشجراءَ في رَيِّقه ... كرؤوس قُطَعت فيها الخُمُر) الشجراء الأرض ذات الشجر وإذا غرقت الشجر من ريقه حتى لا يبين منها إلا فروعها فكيف يكون في شدته، وريق المطر أوله وأخفه، وشبه رؤوس الشجر خارجة من الماء برؤوس قطعت عليها عمائم، والخمار ههنا العمامة. وقالوا أجود ما قيل في المطر قوله:

стр. 359

(كأنَ أباناً في أفانين وبلهِ ... كبيرُ رجالٍ في بجادٍ مُزملِ) يقول كأن أبانا وهو جبل من التفاف قطره وتكاثفه في الهواء شيخ في كساء، وخفض مزمل على الجواب وهو نعت كبير كما تقول جحر ضبٍ خربٍ. وقالوا أجود ما قيل فيه قول أبي ذؤيب: (لكلِّ مسيلٍ من تهامة بعد ما ... تقطع أقرانُ السحابِ عجيج) وهذا مع جودة معناه فصيح جداً. وأخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال قال الأصمعي قلت لأبي عمرو ما أحسن ما قيل في المطر فقال قول القائل: (دانٍ مسفٍّ فويقَ الأرضِ هيدبهُ ... يكادُ يدفعُه من قامَ بِالراحِ) (فمن بنجوته كمن بعُقوته ... والمستكن كمن يمشي بقَرواحِ) يقول قد عم هذا السحاب فاستوى في شيم برقه وأصاب مطره المنجد والغائر والمستكن والمصحر، قرب من الأرض لثقله بالماء حتى يكاد يدفعه القائم براحته وهذا غاية الوصف. ومن أبلغ ما جاء في ذلك من نثر الأعراب ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبى حاتم وعبد الرحمن عن الأصمعي قال سألت أعرابياً من عامر بن صعصعة عن مطرٍ أصاب بلادهم فقال نشأ عارضاً فطلع ناهضاً ثم ابتسم وامضاً فاعترض الأمطار فأعشاها وامتد في الآفاق فغطاها ثم ارتجز فهمهم ثم دوي فأظلم فأرك ودث وبغش ثم قطقظ فأفرط ثم ديم فأعمط ثم ركد فأجثم ثم

стр. 360

وبل فسح وجاد فأنعم فقمس الربى وأفرط الزبى سبعاً تباعاً لا يريد انقشاعا حتى ارتوت الحزون وتحضحضحت المتون ساقه ربك إلى حيث شاء كما جلبه من حيث شاء. الدث والبغش المطر الخفيف، والقطقظ المطر الصغار، وقوله أنعم أي بالغ من قولهم دقه دقاً ناعماً، وقمس أي غوص، وأفرط ملأ. والزبي جمع زبيه وهي حفرة تحفر للأسد ويجعل فيها طعم فيجئ حتى يقع فيها ولا تحفر إلا في مكان عال فإذا بلغها السيل فهو الغاية وفي المثل بلغ السيل الزبى والمتن صلابة من الأرض فيها إرتفاع، وتضخضح أي صار عليه ضحضاح وهو الماء يجري على وجه الأرض رقيقاً. وأنشدنا أبو أحمد عن أبيه عن ابن أبي طاهر عن ابن الأعرابي لأعرابية: (فبينا نرمَقُ أحشاءَنا ... أضاءَ لنا عارضٌ فاستنارا) (فأقبل يزحفُ زَحفَ الكسير ... سياقَ الرعاءِ البطاء العشارا) (تعني وتضحك حافاتهُ ... أمامَ الجنوبِ وتبكي مرارا) (كأنا تضئ لنا حُرة ... تشدُ إزاراً وتلقي إزارا) (فلما حسبنا بأن لا نجاءَ ... وأن لا يكون فرارٌ فرارا) (أشارَ له آمرٌ فوقهُ ... هَلمَ فأمَ إلى ما أشارا) وأنشدنا لغيرها: تبسمتِ الريحُ ريحُ الجنوبِ ... فهاجتْ هوىً غالياً وادِّكارا) (وساقَت سحاباً كمثلِ الجبالِ ... إذا البرقُ أومضَ فيه أنارا) (إذا الرعدُ جلجلَ في جانبيهِ ... فروى النباتَ وأروى الصحاري) (تطلعنا الشمسُ من دونهِ ... طلاعَ فتاةٍ تخافُ اشتهارا) (تخافُ الرقيبَ على سِرها ... وتحذرُ من زوجها أن يغارا) (فتسترُ غُرَّتها بالخمارِ ... طوراً وطوراً تزيلُ الخمارا) وقد مرت هذه الأبيات الثلاثة قبل:

стр. 361

(فلما مراها هبوبُ الجنوبِ ... وانهمرَ الماءُ منهُ انهمارا) (تبسمتِ الأرضُ لما بكت ... عليها السماءُ دُمُوعاً غزارا) (فكان نواجذُها الأقحوان ... وكان الضواحكُ منها البهارا) وقال ابن مطير وهو أجود ما قيل في سحاب: (مستضحكٌ بلوامعٍ مستعبرٌ ... بمدامعٍ لم تمرِها الأقذاءُ) (فله بلا حزنٍ ولا بمسرةٍ ... ضحكُ يؤلفُ بينهُ وبكاءُ) (ثقلت كلاهُ وأنهرتْ أصلابهُ ... وتبعجت من مائهِ الأحشاءُ) (غَدَق يُنتج بالأباطح فرَقا ... تلدُ السيولَ وما لها اسلاءُ) (وكأنَ ريقهُ ولما يحتفل ... ودقُ السحابِ عجاجة كدراءُ) (غرٌ محجلةٌ دوالحُ ضمنت ... حَفْلَ اللقاح وكلها عذراء) (سجمٌ فهنَ إذا كظمنَ فواجمٌ ... وإذا ضحكنَ فإنهنَ وضاءُ) (لو كانَ من لجج السواحلِ ماؤهُ ... لم يبقَ من لجج السواحلِ ماءُ) ومن هذا البيت أخذ المتكلمون الحجة على الفلاسفة في قول الفلاسفة المطر إنما هو البخاران ترتفع من البحر، قالولهم لو كان الأمر كذلك لكان ماء البحر ينقص عند كثرة الأمطار فقالت لا يلزم ذلك لأن البحر مغيص لمياه الأرض فمصير ما يتحلب من الثلوج إليه ومنه مواد هذه الأشياء فمثله مثل المنجنون يغرف من بحر ثم يصب فيه فليس له نقصان والذي ينقص هذا أن ماء البحر يزيد عند كثرة الأمطار وينقص عند قلتها والعادة في ذلك معروفة ولو كان الأمر على ما يقولون لكان ماء البحر ينقص على مررو الأوقات لا محالة لأن الشمس

стр. 362

والهواء لا شك تأخذ مما يتفرق عنه في الأرض بزعمهم، والكلام فيه يتسع وإنما أشرت إلى موضع الدلالة على فساد قولهم. وقال النظار الغقعسي: (يا صاحبيَ أعيناني بطرفكما ... أنى تشيمان برقٌ العارضِ الساري) (أبصرتهُ حينَ غاب النجمُ وانسفرت ... عنا غفائر من دجنِ وأمطارِ) (فباتَ ينهضُ بالوادي وجَلهتهِ ... نهضَ الكسيرِ بذي أو نَين جَرار) (حيرانَ سكران يغشى كلَّ رابيةٍ ... من الروابي بأرجافٍ وأضرار) (مفرقٌ لدماثِ الأرضِ منهمرٌ ... رعابُ أفئدةٍ شعالُ أبصار) (كأن بلقاً عِراباً تحت رَيِّقه ... عوداَ تَذُب برمحٍ عندَ إمهارِ) وشبه البرق برمح الأبلق، وهو من قول أوس بن حجر: (كأنَ ريقهُ لما عَلا شطبا ... أقراب أبلق ينقى الخيلَ رماحِ) ومن أبلغ ما قيل في ذلك قول الأعرابية التي سألها ذو الرمة عن الغيث فقالت: غثنا ما شئنا. فكان ذو الرمة يقول قاتلها الله ما أفصحها. وترك ذو الرمة هذا المذهب على إعجابه به واخيتاره له وقال: (ألا يا أسلمي يا دارَ مَيّ على البلى ... ولا زالُ مُنهلاًّ بجرعائكِ القطرُ) فقيل له هذا بالدعاء عليها أشبه منه بالدعاء لها لأن القطر إذا دامت فيها فسدت. والجيد قول طَرَفَة: (فسقى بلادك غيرَ مُفسِدِها ... صوبُ الربيعِ ودِيمةٌ تهمي) وقال أعرابي: أصابتنا سحابة وإنا لبنوطة بعيدة الأرجاء فاهر مع مطرها حتى رأيتنا وما رأينا غير السماء والماء وصهوات الطلح فضرب السيل النجاف وملأ

стр. 363

الأودية فرعبها فلما لبثنا إلا عشراً حتى رأيتها روضة تندي. قوله ما رأيت غير السماء والماء وصهوات الطلح غاية في صفة كثرة المطر. وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن حاتم عن أبي عبيدة قال خرج النعمان بن المنذر في بعض أيامه في عقب مطر فلقي أعرابياً فأمر بإحضاره فأتي به فقال كيف تركت الأرض وراءك؟ قال فيح رحاب منها السهولة ومنها الصعاب منوطة بجبالها حاملة ثقالها. قال إنما عن السماء سألتك قال مطلة مستقلة على غير سقاب ولا أطناب يختلف عصراها ويتعاقب سراجاها، قال ليس عن هذا أسألك قال فسل عما بدالك قال هل أصاب الأرض غيث يوصف قال نعم أغمطت السماء في أرضنا ثلاثاً رهواً فثرت وأرزغت ورسغت ثم خرجت من أرض قومي أقروها متواصية لا خطيطة منها حتى هبطت تعشار فتداعى السحاب من الأقطار فجاء السيل الجرار فعفا الآثار وملأ الجفار وقوب الأشجار وأجحر الُحضار ومنع السفار ثم أقلع عن نفع وإضرار فلما اتلأبت في الغيطان ووضحت السبل في القيعان تطلعت رقاب العنان من أقطار الأعنان فلم أجد وزراً إلا الغيران فقات وجارالضب فعادت السهول كالبحار تتلاطم بالتيار والحزون متلفعة بالغثاء والوحوش مقذوفة على الأرجاء فما زلت أطأ السماء وأخوض الماء حتى أطلعت أرضكم اه. أغمطت السماء دام مطرها، رهواً ساكتاً، ثرت تركته ثرية، أرزغت تركت الأرض في رزغة والرزغة والردغة الطين إذا أغطى القدم، رسغت بلغت الرسغ، متواصية متصلة، الهطيطة والخطيطة أرض لم يصبها مطر بين أرضين ممطورتين، وتعشار موضع، والعنان السحاب والأعنان نواحي الشخب فقأت من القي وجار الضب وهو عندهم غاية

стр. 364

ما يوصف به المطر وهو عندهم الذي يجر الضب من وجارها فيخرجها من كثرة سيله. وقوله والحزون ومتلفعة بالغثاء يقول بلغ الماء رؤوس الحزون ثم نضب عنها فبقي الغثاء في موضعه. ومن الوصف الجيد التام في تكاثف المطر قول بعضهم: وقع مطر صغار وقطر كبار وكأن الصغار لحمة للكبار، جعل الهواء كالثوب المنسوج من كثرة المطر وتكائفه. ومن أجود ما قاله محدث في وصف السحاب والقطر والرعد والبرق ما أنشدناه أبو أحمد عن نفطويه للعتابي: (أرقتُ للبرقِ يخفو ثُمَ يأتلقُ ... يخفيهِ طوراً ويبديهِ لنا الأفُقُ) (كأنهُ غرةٌ شَهباء لائحةٌ ... في وجهِ دَهماءَ ما في جِلدها بلقُ) (أو ثغرُ زنجية تفترُ ضاحكةً ... تبدو مشافرهُا طوراً وتنطبقُ) (أوسلةُ البِيض في جأواءَ مظلمة ... وقد تلقت ظُباها البيضُ والدرق) (والغيمُ كالثوبِ في الآفاقِ منتشرٌ ... من فوقهِ طبقٌ من تحتهِ طبق) (تظنه مصمتاً لافتقَ فيه فان ... سالت عواليهِ قلتَ الثوب منفتق) (إن مَعمعمَ الرعدُ فيهِ قلتَ ينخرق ... أو لألأ البرق فيهِ قلتَ يحترق) (تستكُ من رعدهِ أذنُ السميع كما ... تعْشَى إذا نظرتْ من برقهِ الحدق) (فالرعد صهصلقٌ والريحُ منخرق ... والبرق مؤتلقٌ والماء منبعقُ) (قد حالَ فوقَ الربُى نورٌ له أرجٌ ... كأنهُ الوشيُ والديباجُ والسَرقَ) (من صفرةٍ بينها حمراء قانية ... وأصفرٌ فاقعٌ أو أبيضٌ يَقق) فاستحسنت هذه الطريقة فقلت: (برقٌ يطرز ثوبَ الليل مؤتلق ... والماء من نارهِ يهمي فينبعقُ) ( ... توقدت في أديم الأرضِ حمرتهُ ... كأنها غرةٌ في الطرفِ أو بلق) (ما امتدَ منها على أرجائه ذهبٌ ... إلا تحدر من حافاته ورق)

стр. 365

(كأنها في جبين المزنِ إذ لمعت ... سلاسلُ التبرِ لا يبدو لها حلقُ) (فالرعد مرتجسٌ والبرق مختلس ... والغيثُ منبجسٌ والسيلُ مندفقُ) (والضال فيما طما من مائهِ غرق ... والجزع فيما جرى من سيله شرق) (والغيم خزٌ وأنهاء اللوى زَرَدٌ ... والروضُ وشيٌ وأنوارُ الربى سَرق) (والروضُ يزهوهُ عشبٌ أخضرٌ نضرٌ ... والعشبُ يجلوهُ نورٌ أبيضٌ يققُ) ومما ورد في المياه: (من سيولٍ يمجها الواديانِ ... وثلوجٍ يذيبها العصرانِ) (ذو استواءٍ إذا جرىَ والتواءٍ ... هل تأملتَ مزحَف الأفعوان) (فهو حيث استدارَ وقفُ لجينٍ ... وهو حيث استطارَ سَيفُ يمان) وقال ابن المعتز: (لا مثلَ منزلةٍ الدويرةِ منزلٌ ... يا دار جادَكِ وابلٌ وسقاكِ) (بؤساً لدهرٍ غيرتكِ صروفهُ ... لم يمحُ من قلبي الهوَى ومحاكِ) (لم يحلُ بالعينينِ بعدكِ منظرٌ ... ذُمّ المنازلُ كلُّهنّ سِواك) (أيُ المعاهدِ منكِ أندبُ طيبةً ... ممساكِ ذا الآصالِ أو مغداك) (أم بَردُ ظلك ذي الغصونِ وذي الحيا ... أم أرضُك الميثاءُ أم ريّاكِ) (وكأنما سطَعَت مجامرُ عنبرٍ ... أوفُتَّ فأرُ المِسكِ فوقَ ثَراك) (وكأنما حصباءُ أرضكِ جَوهرٌ ... وكأن ماءَ الوردِ دمعُ نداكِ) (وكأن درعاُ مفرعاً من فِضّةٍ ... ماءُ الغديرِ جرَتْ عليهِ صباكِ) وهذه الأبيات أحسن أبيات قيلت في صفة دار. وقلت: (شققنَ بنا تيارَ بحرٍ كأنهُ ... إذا ما جرت فيهِ السفينُ يعربدُ) (ترى مستقرَ الماءِ منهُ كأنهُ ... سبيبٌ على الأرض الفضاءِ مُمددُ)

стр. 366

(ويجري إذا الأرواحُ فيهِ تقابلت ... كما مالَ من كفَ النهاميِّ مبردٌ) (فإن تسكنِ الأرواح خلتَ متونهُ ... متونَ الصفاحِ البيضِ حينَ تجرد) (فطوراً تراهُ وهو سيفٌ مهندٌ ... وطوراً تراهُ وهو درعٌ مسرَد) (نصعدُ فيه وهو زُرق جِمامه ... فنحسبُ أنا في السماء نصعَّد) وقال ابن طباطبا العلوي في مَدَ الوادي: (يا حسن وادينا ومدَ الماءِ ... قد جاءَ بينَ الصيفِ والشتاء) (يختالُ في حٌ لتهِ الكدراءِ ... أكدرُ يمتدُ على غبراء) (في صَخَبٍ عالٍ وفي ضوضاءِ ... يصافحُ الرياحَ في الهواء) (ترى به تناطحَ الظباء ... جماءَ قد شُدت إلى جَماء) (فانظر إلى أعجبِ مرأى الرائي ... من كدرٍ ينجابُ عن صفاءِ) (تقشع الغيم عن السماء ... ) وقال السري في المد وانقطاع الجسر ببغداد: (أحذركم أمواجَ دجلةَ إذ غدت ... مصندلة بالمدَ أمواجُ مائها) (فظلت صغارُ السفنِ يرقصنَ وسطها ... كرقصِ بناتِ الزنجِ عند انتشائِها) (تغرقها هوجُ الرياحِ وتعتلي ... ربى الموجِ من قدامها وورائها) (فهنَ كدهم الخيلِ جالت صفوفها ... وقد بَدرَتها روعةٌ من ورائها) (كأنَ صفوفَ الطيرِ عاذت بأرضها ... وقد سامها ضَيْماً أسودُ سمائها) (أو الشبحُ المسودُ حُلَتُ عقودُهُ ... على تربةٍ محمرةٍ من فضائها) وقلت: (مررتُ بنهرِ المسرقُان عشيةً ... فأبصرتُ أقماراً تروحُ وتغربُ) (كأنهمُ درُ تقطعَ سلكهُ ... وغودرَ فوقَ الماءِ يطفو ويرسبُ) (فكم ثمَ من خشفٍ على الماء لاعبٍ ... فَيا مَنْ رأى خشفاً على الماء يلعب) (كأن السميريات فيه عقاربٌ ... تجئ على زُرق الزجاجِ وتذهبُ)

стр. 367

وقال أبو بكر الصنوبري: (إذا السماء أعنقت ... منها إلى شطّ وشطّ) (حسبت أن بطّها الأمواجُ ... والأمواجُ بطّ) وقال: (وروضةٌ أريضة الأرجاءِ ... من ذهب الزهر لجين الماء) (يجري على زمردِ الحصباءِ ... بين إستواءٍ منهُ والتواء) (كما نفضتَ جَوْنَة الحوَّاء ... ) وقال أبو فراس بن حمدان: (أنظر إلى الزهرِ البديعِ ... والماءِ في برك الربيع) (وإذا الرياحُ جرت عليه ... في الذهابِ وفي الرجوع) (نثرت على بيض الصفائح ... بينها حَلَقَ الدُروع) ومن أوائل ما جاء في ذكر الماء المظلل بالأشجار قول لبيد: (فتوسطا عرضَ السماء فصدعا ... مسجورة متجاوزٌ قُلَامها) (محفوفةٌ وسطَ اليراع يظلها ... منه مصرعُ غابةٍ وقيامها) وقال بشر بن أبي خازم في البحر: (ونحن على جوانبها قعودٍ ... نغضُ الطرفَ كالإبلِ القماحِ) (إذا قطعت براكبها خليجاً ... تذكر ما لديه من الجناح) (الفصل الثاني من الباب السابع) في ذكر الرياض والأنوار والبساتين والثمار وما يجري مع ذلك أخبرنا أبو أحمد عن رجاله عن أبي عمرو وغيره قالوا أجود ما قيل في وصف روضة قول الأعشى: (ما روضةٌ من رياضِ الحزنِ معشبةٌ ... خضراءُ جادَ عليها مسبلٌ هَطِل) (يضاحك الشمسَ منها كوكبٌ شرقٌ ... مؤزرٌ بعميم النبتِ مكتهلُ)

стр. 368

(يوماً بأطيبَ منها نشرَ رائحةٍ ... ولا بأحسنَ منها إذ دنا الأصلُ) قال المصنف خص العشي لأن كون الانسان بالعشي أحسن منه بالغداة لرقة تعلوه بالعشي وتهيج يعتاده بالغداة وتعتري الألوان بالعشيات صفرة قليلة تستحسن ولذلك شبهها بالروض لما في الروض من الزهر وهو أصفر، ومن هذا قوله أيضاً (وصفراء العشية كالعرارة ... ) وقال بعضهم بل خص العشي لنقصان الحسن فيه قال فشبهها في نقصان الحسن بالروضة في حال تمام حسنها، وليس كذلك لأن الروض بالغداة أحسن منه بالعشي. والتشبيه المصيب من الشعر القديم قول بشر بن أبي خازم: (وروضٍ أحجمَ الروادُ عنهُ ... له نَفَلٌ وحَوذْان تؤامُ) (تعالى نبتهُ واعتمَ حتى ... كأنَ منابتَ العُلجان شامُ) الشام جمع شامة أي ظاهر كظهور الشامة في الوجه ويقال ما أنت إلا شامة أي أمرك ظاهر. وأنشد الجاحظ قول النمر بن تولب العكلي: (ميثاءُ جادَ عليها مسبلٌ هطلٌ ... فأمرعت لإحتيال فرطَ أعوام) (إذا جف ثراها بلها ديمٌ ... من كوكب نازلٍ بالماء سجام) (لم يرعها أحدٌ وارتبها زمنا ... فأوٌ من الأرض محفوفٌ بأعلامِ) (تسمعُ للطير في حافاتها زَجَلاً ... كأنَ أصواتها أصواتُ خُدام) (كأنَ ريحُ خُزاماها وحَنوتها ... بالليلِ ريحُ يلنجوجٍ وأهضام) ولم يدع شيئاً يكون في الخصب إلا ذكره. ومن أبلغ ما وصف به كثرة الكلأ ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عمه عن ابن الكلبي عن أبيه قال خطب ابنه الخس ثلاثة نفر من قومها فارتضت أنسابهم وجمالهم وأرادت أن تسبر

стр. 369

عقولهم فقالت لهم إني أريد أن ترتادوا إلى مرعي فلما أتوها لقالت أحدهم ما رأيت قال رأيت بقلاً وبقيلاً وماءً غدقاً سيلا يحسبه الجاهل ليلاً قالت أمرعت وقال الآخر رأيت ديمة فوق ديمة على عهاد غير قديمة فالناب تشبع قبل الفطيمة. وقال الثالث: رأيت نبتاً ثعداً معداً متراكباً جعداً كأفخاد نساء بني سعد تشبع منه الناب وهي تعدو اه. بقلاً وبقيلاً: يقول بقل قد طال وتحته عمير قد نشأ، والغدق الكثير يحسبه الجاهل ليلاً من كثافته وشدة خضرته، والديمة المطر يدوم أياماً في سكون ولين، والعهاد أول ما يصيب الأرض من المطر الواحد عهد، تشبع منه الناب قبل الغطيمة: يريد أن العشب قد اكتهل وتم فالناب وهي المسنة من الابل تشبع قبل الصغيرة منها لأنها تنال الكلأ وهي قائمة لاتطلبه ولاتبرح موضعها والفطمية تتبع ما صغر والصغير فيه قليل. وهذه صفة بليغة. وأبلغ منها قول الآخر تشبع منه الناب وهي تعدو أي من طول النبات وكثرته وعمومه تعدو وتأكل لا تحتاج إلى تتبعه وطأطأة رأسها له. ولا أعرف في جميع ما وصف به كثرة الكلأ أبلغ من هذا. والثعد: الرطب اللين والمعد اتباع. والثرى الجعد الذي قد كثر نداه فإذا ضممته بيدك اجتمع ودخل بعضه في بعض كالشعر الجعد، وخص نساء بني سعد لأن الأدمة فيهم فاشية. ومن أبلغ ما قيل في طول الكلأ قول الآخر أنشده ابن السكيت وثعلب: (أرعيتُها أطيبَ أرضٍ عودا ... الصلَ والصفصلَ واليعْضيدا) (والخازبازِ السَنَم المَجودا ... بحيثُ يدعو عامرٌ مسعودا) يقول قد سد النبات من طوله وسبوغه مسعوداً فليس يراه عامر فهو يصيح به، الصل والصفصل وخازباز ضرب من النبات. وليس ألفاظ الأبيات بالمختارة إنما اخترتها لجودة معناها. ونظر أعرابي إلى يوم دجن وإلى نبات غض فاستحسن فقال ارتجالاً: (أنتَ والله من الأيام ... لَدْنُ الطَرَفَيْن)

стр. 370

(كلما قلبتُ عيني ... ففي قرةِ عينِ) وقلت: (أتاهُ يُريدُ المزنَ ينشدهُ الصبا ... فدومَ من أعلى رباهُ ودَّيما) (ولاحَ إليه بالبروقِ مُطرزاً ... فأصبحَ منها بالزواهرِ معلما) ومن بديع ما قاله محدث في صفة الرياض والبساتين قول عبد الصمد بن المعدل أنشدناه أبو أحمد وغيره: (مغانٍ من العيش الغريرِ ومَعْمر ... ومبدى أنيقٌ بالعُذيب ومَحضرُ) (نما الروضُ منهُ في غداةٍ مريعةٍ ... لها كوكبٌ يستأنقُ العينَ أزهرُ) (ترى لامعَ الأنوارِ فيها كأنه ... إذا اعترضتهُ العينُ وشيٌ مُدنر) (تسابقَ فيهِ الأقحوانُ وحنوةٌ ... وساماهما رندٌ نضيرٌ وعبهرُ) (يمجُ ثراها فيهِ عفراء جعدة ... كأن نداها ماءٌ وردٍ وعنبرُ) (أعادَ نسيمُ الريحِ أنفاسَ نشرهِ ... وخايل فيه أحمر اللون أصفرُ) (بدا الشيحُ والقيصومُ عمد فروعه ... وشثٌ وطباقٌ وبانٌ وعَرْعرُ) (وناضرُ رمانٍ يرفُ شكيرهُ ... يكادُ إذا ما ذرت الشمسُ يقطر) (ويَانعُ تفاحٍ كأنَ جنيَهُ ... نجومٌ على أغصانه الخضرِ تزهر) (إذا زرتهُ يوماً تَغرد طائرٌ ... وراناك ظبيٌ بينَ غصنين أحورُ) (فإذ هاجَ نوحُ الأيكِ في رونقِ الضحى ... تذكر محزونٌ أو إرتاحَ مقصر) (تجاوبنَ بالترجيع حتى كأنما ... ترنمَ في الأغصانِ صنجٌ ومِزهر) (مراناةَ موموقٍ وترجيعَ ... شائقٍ فللقلبِ ملهاةٌ وللعينِ منظر) (واني إلى صحنِ العذيبِ لتائقٌ ... واني إليه بالمودةِ أصورَ) (مرعت ولا زالت تصوبك ديمةٌ ... يجودُ بها جونُ الغواربِ أقمرُ) (أحم الكلى واهي العرَى مسبل الجدى ... إذا طعنت فيه الصبا يتفجرً) (كأنَ إبتسامَ البرقِ في حجرِانه ... مهندةٌ بيضٌ تشامُ وتشهرُ)

стр. 371

وقول ابن المعتز يتضمن صفة الأنوار على التمام ولا يكاد يشذ منه شئ البتة وهو: (والروضُ مغسولٌ بليلٍ ممطرِ ... جَلا لنا وجه الثرى عن منظر) (كالعصبِ أو كالوشي أو كالجوهرِ ... من أبيضٍ وأحمرٍ وأصفرِ) (وطارقٍ أجفانُه لم تنظر ... تخالهُ العين فماً لم يُغفر) (وفاتقٍ كادَ ولم ينورَ ... كأنه مبتسمٌ لم يَكشر) (وأدمعٍ الغُدْران لم تكدرِ ... كأنه دراهمٌ في مَنثر) (أو كعشورِ المصحف المنشر ... والشمس في أصحاءِ جوٍّ أخضر) (كدمعةٍ حائرةٍ في محجَرِ ... تُسقي عُقاراً كالسّراج الأزهر) (مُدامةً تَعْقِر إن لم تُعقَر ... يديرها كفُ غزالٍ أحور) (ذي طرةٍ قاطرةٍ بالعنبرِ ... ومَلَثم يكشفهُ عن جوهرِ) (وكفلٍ يشغلُ فضلَ المِئزَر ... تخبرُ عيناهُ بفسقٍ مضمَرِ) (يعلّم الفجور إن لمَ يفجر ... ) وقلت: (فمن بين صُفرٍ وحمرٍ وخُضر ... على القضبِ غيدٍ وزور وصورِ) (ولعسٍ تناسبُ لعسَ الشفاه ... وبيضٍ تعارضُ بِيض الثغورِ) (نواظرَ من بينِ يقظى ووسنى ... ونُجل وحُزرٍ وحُولٍ وحُور) وقد استوفى في هذه الأبيات جميع أوصاف الأنوار على اختلاف حالاتها. وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا التنوخي لنفسه: (أما ترى الروضَ قد وافاك مبتسماً ... ومدَ نحوَ النَدامى للسلام يدا) (فأخضرٌ ناضرٌ في أبيض يَقق ... وأصفر فاقع في أحمر نُضدا) (مثل الرقيبِ بدا للعاشقينَ ضحى ... فاحمرَّ ذا خجلا وأصفرَ ذا كمدا) ومن المشهور قول الحماني: (ديمٌ كأنَ رياضها ... يُكسين أعلامَ المطارف)

стр. 372

(وكإأنما غُدرانُها ... فيها عُشورٌ في مصاحفِ) (وكأنما أنوارُها ... تهتزُ بالريح القواصف) (طرر الوصائف يلتفتنِ ... بها إلى طررِ الوصايف) وقلت: (وروضةٍ حاليةِ الصدور ... كاسيةِ البطونِ والظهورِ) (محمودة المخبورِ والمنظور ... مونقةِ المطوىَ والمنثور) (معجبة الظاهرِ والمستور ... ضاحكة كالوافدِ المحبور) (باكية كالعاشقِ المهجورِ ... شذَّرها الغيثُ بلا شذور) (شقائق كناظرِ المخمورِ ... وأقحوانٌ كثغورِ الحورِ) (ونرجسٌ كأنجم الديجور ... والطل منثور على منثور) (يرصعُ الياقوتَ بالبللورِ) وقال السري وأحسن، وليس فين تأخر من الشاميين أصفى ألفاظاً مع الجزالة والسهولة وألزم لعمود الشعر منه: (وجناتٍ يحي الشربَ وهنا ... جنىَ وهداتها وحتى ربَاها) (إذا ركد الهواءُ جرت نسيماً ... وإن طاحَ الغمامُ طَغَتْ مياها) (يفرجُ وشيها عن ماءِ وردٍ ... يفيضُ على اللآلئ من حصاها) (تعانقُ ريحها لممَ الخزامى ... وأعناق القرنفُل في سُراها) (ويأبى زهرهُا إلا هجوعاً ... ويأبى عرفها إلا انتباها) وقال البحتري: (قطرات من السحابِ وروض ... نثرت وردها عليهِ الخدودُ) (فالرياحُ التي تهبُ نسيمٌ ... والنجومُ التي تطلُ سعود) وقال ابن الرومي: (أصبحت الدنيا تروقُ من نظرْ ... بمنظرٍ فيه جلاءٌ للبصْر)

стр. 373

(واهاً لها مصطنعاً لقد شكرْ ... أثنتْ على اللهِ بآلاءِ المطرِ) (والأرضُ في روضٍ كأفواه الحبر ... تبرجت بعدَ حياءٍ وخَفَرٍ) (تبرجَ الأنثى تصدّى للذّكرِ) وقال وأحسن: (وحِلس من الكتانِ أخضرَ ناضرٍ ... يباكرهُ دانِ الرَّبابِ مَطيرُ) (إذا دَرَجت فيه الرياحُ تتابعتْ ... ذوائبهُ حتى يقالَ غديرُ) وقلت: (أنظر إلى الصحراءِ كيفَ تزخرفت ... وإلى دموعِ المزنِ كيف تُذرف) (وعلى الربى حُللٌ وشاهنَ الحيا ... فمسهمٌ ومقصبٌ ومفوفُ) (وملابسُ الأنواء فيها سُندسٌ ... ومضاجعُ الأنداءِ فيها زخرفُ) (نمَ الرياحُ على الرياضِ نمائماً ... ذَكرنَك الكافورَ حين يُدوف) (وعلى التلاع من الأقاحي حُلةٌ ... وعلى اليفاغ من الشقائقِ مطرف) (والغيمُ تنقشهُ الرياحُ عَشيةً ... كاقطن في زرقِ الثياب يندفُ) (والقطر يهمي وهو أبيضُ ناصعٌ ... ويصيرُ سيلاً وهو أغبرُ أكلف) (والبرقُ يلمعُ مثلَ سيفٍ يُنتَضى ... والسيلُ يجري مثل أفعى تزحف) وقال أعرابي: باكرنا وسمىٌ ثم خلفه وليٌ فالأرض كأنها وشي منشور عليه لؤلؤ منثور ثم أتتنا غيوم جرار بمناجل حصاد فاختربت البلاد وأهلكت العباد فسبحان من يهلك القوي الأكول بالضعيف المأكول وقال أبو تمام: (الروضُ ما بينَ مغبوقٍ ومصطبحِ ... من ريقِ محتفلات بالحيا دُلُحِ) (جونٌ إذا هطلت في روضةٍ طفِقَتْ ... عيونُ نُوّارِها تبكي من الفرحِ) وقال أبو الغضبان اليمامي: (غدونا على الروضِ الذي طلهُ الندى ... سحيراً وأوداجُ الأباريقِ تسفَكُ) (فلم أرَ شيئاً كانَ أحسنَ منظراً ... من الروضِ يجري دمعهُ وهو يضحك)

стр. 374

وقال غيره: (وإذا الزمردُ مثمر ذهباً ... ومن اللجين لعسجد ورق) (لا زال يُمتعنا بجِدتِه ... وجديده بجديدنا خَلَق) وقال غيره في تلون الأرض: (فترى الرياضَ كأنهنَ عرائسٌ ... يُنقلنَ في صفراءَ من حمراء) وقال أبو تمام (رقّت حواشى الدهر وهي تمر مر ... وغدا الندى في حَليهِ يتكسرُ) (مطرٌ يروقُ الصحوُ منهُ وبعدهُ ... صحوٌ يكادُ من النضارةِ يمطرُ) (وندىً إذا ادَّهنت به لممُ الثرَى ... خلتَ السحابَ أتاهُ وهو معذِّر) (ما كانتِ الأيامُ تسلبُ بهجةً ... لو أنَ حُسنَ الروضِ كان يعمرُ) (أوَ لا ترى الأشياءَ إذ هي غيرت ... سَمُجَت وحسنُ الروضِ حينَ يغيّرُ) (يا صاحبيَّ تقصّيا نظريكما ... تريا وجوهَ الأرضِ كيف يُصور) (تريا نهاراً مشمساً قد شابهُ ... زهرُ الرُّبى فكأنما هو مقمرُ) (دنيا معاشٍ للورى حتى إذا ... جلّى الربيعُ فإنما هي منظرُ) (أضحت تصوغُ ظهورَها لبطونِها ... نوراً تكادُ له القلوبُ تنور) (من كلَ زاهرةٍ تَرَقَرَقُ بالندى ... فكأنما عينٌ عليه تحدرُ) (تبدو ويحجبها الجميمُ كأنّها ... عذارءُ تبدو تارةً وتخفّرُ) الجميم متكاثف النبت، يقول يظهر بتحريك الرياح إياه ويستتر عند سكونها فيغطيه الجميم: (صنعُ الذي لولا بدائعُ لطفهِ ... ما عاد أصفرَ بعدَ إذ هو أخضرُ) وقلت في مديح (إني أرى لك في السماحة والندَى ... طلقاً ذريتَ به على الأطلاقِ) (طَلَق الغمامِ سرَى بوجهٍ باسرٍ ... يُروي الوجوهَ ومبسم براق) (ثقلت على عنق الصبا أعباؤهُ ... مثل الضعيف ينوء بالأوساق)

стр. 375

(فترى النباتَ يروقَ وسط رياضهِ ... مثل الحلىَ تروقُ وسطَ حِقاقِ) وقال البحتري: (إذا أردتَ ملأتَ العين من بلدٍ ... مستحسنٍ وزمانٍ يشبهُ البلدا) (يمسي السحابُ على أجيالها فرقا ... ويصبح الروضُ في صحرائها بِددا) (فلستَ تبصرُ إلا واكفاً خضلاً ... أو يانعاً خضراً أو طائراً غردا) وقال أيضاً: (ولا زال مخضرٌ من الأرض يانع ... عليه بمحمرّ من النورِ جاسد) (يذكرنا ريَّا الأحبةِ كلما ... تنفس في جنح من الليل باردِ) (شقائقُ يحملنَ الندَى فكأنهُ ... دموع التصابى في خدودِ الخرائدِ) (ومن لؤلؤ كالأقحوانِ مُنضد ... على نكت مصفرة كالفرائدِ) (كأنَ جنى الحوْذان في رونقِ الضحى ... دنانيرُ تبر من تؤام وفارد) (رباع تورت بالرياض مَجودة ... بكلَ جديد الماءِ عذبِ الموارد) (إذا راوحتها مزنةٌ بكرت لها ... شآبيب مجتاز عليها وقاصد) (كأنَ يَدَ الفتح بنِ خاقانَ أقبلت ... تليها بتلك البارقاتِ الرواعدِ) وقلت: (أما ترى عودَ الزمانِ نضرا ... ترى لهُ طلاقةً وبشرا) (أتتهُ ألطافُ السحابِ تترى ... وساقت الجنوبُ غماً بكرا) (تَبسُط في الصحراءِ بُسطاً خضراً ... وتمنحُ الروضةَ زهراً صفرا) (ونرجساً مثلَ العيونِ زهرا ... وأقحوانٍ كالثغور غرّا) (كأنما يصوغ فيها تِبرا ... كأنما يَدُوفُ فيها عطرا) (كأنما ينثرُ فيها دُرا ... فأعمل الكاسات شُمطاً شُقرا) (كالماءِ لوناً والعبير نَشرا ... ثم مُرِ الَزيرَ يناغي الزمرا) (والعيشُ أن تُسرَ أو تُسرا ... لا تفسدنَ بالغرامِ العمرا) أحسن ما قيل في النرجس قال أبي نواس:

стр. 376

(لدى نرجسٍ عضَ القطافِ كأنهُ ... إذا ما منحناهُ العيونَ عيونُ) (مخالفة في شكلهنَ فصفرةٌ ... مكانَ سوادٍ والبياضُ جفون) والناس يشبهونه بالعيون ولا يفضلون هذا التفضيل. ومما لم يقل مثله قول ابن الرومي: (خجلتْ خُدودُ الوردِ من تفضيلهِ ... خجلاً تورُّدُها عليهِ شاهدٌ) (لم يخجلِ الوردُ المورودُ لونهُ ... إلا وناهله الفضيلة عائدُ) (للنرجسٍ الفضل المبينُ وإن أبى ... آبٍ وحاد عن الطريقة حائد) (فصل القضية أن هذا قائدٌ ... زهرَ الربيع وأن هذا طاردُ) (شتانَ بين إثنينِ هذا موعدٌ ... بتسلبِ الدنيا وهذا واعدُ) (وإذا احتفظتَ به فأمتعُ صاحبٍ ... بحياتهِ لو أنَ حياً خالدُ) (يحكي مصابيحَ السماءِ وتارةً ... يحكي مصايبحَ الوجوهِ تُراصد) (ينهي النديمَ عن القبيح بلحظهِ ... وعلى المدامةِ والسماع يُساعد) (إن كنتَ تطلبُ في الملاح سميهُ ... يوماً فإنك لا محالةَ واجد) (هذي النجوم هي التي ربتهما ... يجلد السحابِ كما يُربّى الوالد) (فانظر إلى الأخوينِ مَن أدناهما ... شبهاً بوالدهِ فذاك الماجدُ) (أين العيونُ من الخدود نفاسةً ... ورياسةً لولا القياسُ الفاسد) وقلت: (نرجس مثل أكفّ خُردِ ... درن علينا بكؤوسِ الذهبِ) (ناولنيه مثلهُ في حسنه ... فحلَ من قلبيَ عقدَ الكُرب) (مبتسمٌ عنهُ وناظرٌ به ... هذا لعمري عجبٌ في عجبِ) وقلت في معناه: (ألم ترنا نعطي الغوايةَ حقها ... ونجري مع اللذاتِ جريَ السوابق) (بمحمرةٍ الأجسادِ مبيضة الذُّرى ... كمثلِ سقيطِ الطلِّ فوقَ الشقائق) (لدى الصفر في أوساطِ بيضٍ كأنها ... كؤوسُ عُقار في أكفِّ عواتق) وقال ابن الرومي:

стр. 377

(للنرجسِ الفضلُ برغم مَن رغم ... على صُنوفِ الوردِ والفضلُ قسمْ) (العينُ قبلَ السنِّ وهي المبتسم ... فما لها والخدّ وهو الملتَدَم) (ما أطيبَ الريح وما أزكى النسم ... ما هو إلا نعمةٌ من النعم) ومن التشبيه المصيب قول الآخر: (ونرجسٌ لاحظني طرفها ... يشبهُ ديناراً على دِرهْم) وقال ابن الرومي في الخمر والنرجس: (ريحانهم ذهبٌ على دُرَرٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهبِ) وقلت: (يركبُ الأقحوانُ فيها نهاراً ... فترى درهماً على دينارِ) (فرشَتْ فوقَها فرائدُ طلٍ ... علقت بالنباتِ والأشجار) (وتدلّت على الغصونِ فجاءت ... كشنوفِ الكواعبِ الأبكارِ) وقال الآخر: (ونرجس قامَ فوقَ منبره ... مثلَ عروس تُجلى وتشتهرُ) (نامَ الندَى في عيونهِ سحراً ... فاعتاده من منامهِ سهر) (لم يغتمض والظلامُ حلَ بهِ ... كأنما في جفونه قصرُ) (تحيرَ الطلُ في مدامعهِ ... فليسَ يرقا وليس ينحدر) (كدمعةِ الصبَ كادَ يسكبها ... فردَّها في جفونهِ الحذرُ) وقلت: (وغنت الطيرُ بألحانها ... فانتبهَ النرجسُ من رقدته) وأحسن ما قيل في الورد قبل أن يتفتح قول بعض المحدثين: (قد ضمهُ في الغصنِ قرصُ بَرْد ... ضمّ فَمٍ لقُبلةٍ من بُعد) وقلت فيه إذا تفتح: (مرَ بنا يهتزُّ في خطره ... ما بينَ أغصان وأقمارِ) (يديرُ في أنملهِ وردةً ... جاءت من المسك بأخبار) (يلوحُ في حُمرتها صُفرةٌ ... كالخدَ منقوطاً بدينارِ) ِ ...

стр. 378

وقال ابن المعذل: (عشيةَ حياني بوردٍ كأنه ... خدودٌ أضيفت بعضهن إلى بعض) وقلت: (قومي انظري ورداً كخدك أحمراً ... تركَ الربيعَ وراءهُ وتقدما) (قد ضمهُ بردٌ ففتقهُ ندى ... كالصبَ قبل فاك ثم تبسما) ولم أجد في تشبيه الورد أبدع مما ذكرته، وتشبيهه بالخد تشبيه مصيب ولكني تركت الإكثار منه لشهرته وكثرته ويقال للوردة الحمراء الحوجة وللبيضاء الوتيرةَ ويشبه بها قرحة الفرس قال عمرو بن معدي كرب: (تباريُ قرحةً مثل ... الوتيرة لم تكن معدا) وقد أحسن علي بن الجهم في قوله يصف الورد (كأنهن يواقيتٌ يطيفُ بها ... زمردٌ وسطها شذرٌ من الذهبِ) وهو من قول أزدشير: الورد ياقوت أحمر وأصفر ودر أبيض على كراسي زبرجد يتوسطه شذور ذهب. وقال البحتري: (وقد نبهَ النيروزُ في غلسِ الدجى ... أوائلَ وردٍ كُنَ بالأمس نُوما) (يفتحهُ بردُ الندى فكأنه ... يبثُ حديثاً كان قبلُ مكتما) وقلت في تفضيل الورد على النرجس: (أفضلُ الوردَ على النرجسِ ... لا أجعلُ الأنجمَ كالأشمسِ) (ليس الذي يعقد في مجلس ... مثلَ الذي يمثلُ في المجلسِ) وقال ابن بسام: (مداهنٌ من يواقيت منُضدة ... على الزمردِ في أوساطها الذهبُ) (كأنه حينَ يبدءِ من مطالعهِ ... صبٌ يُقبلُ صباً وهو مرتقبُ) ومن الياقوت الأزرق والأصفر والأحمر وليس في البيت دليل على أنه أراد الأحمر دون الأزرق فهو معيب من هذه الجهة. وقلت في الورد على الشجر:

стр. 379

(أصبحَ الورد في الغصونِ يحاكي ... أوجهَ الحورِ في مقامع خضرِ) (مثل فرسانِ غارةٍ يَعْتَليِهم ... لمعٌ من دماء سحرٍ ونحرِ) (ويلوحُ النهارُ أسفلَ منهُ ... فهو كالرجلِ في عمائم صفرِ) (بين نبذ من الشقائق يحكي ... غِلْمَةَ الدَر في مطارف حمر) وقال ابن المعتز: (ولا زورديةٍ أوفَتْ بزُرقَتِها ... بينَ الرياضِ على زرقِ اليواقيتِ) (كأنها فوقَ طاقاتٍ ضعفنَ بها ... أوائلَ النارِ في أطرافِ كبريت) والصحيح أنه في الخرم والشاهد قوله: (بنفسجٌ جمعتْ أطرافهُ فحكَت ... دمعاً ينشفُ كحلا يوم تشتيت) قوله (كأنها فوق طاقات ضعفن بها ... ) يدل على أنه أراد الخرم لأن ساق البنفسجة لا يضعف عن حمل وردتها وهذا الوصف بالخرم أشبه منه لكبر نوره ودقة ساقه فاعرف ذلك. وقلت في البنفسج: (وروضةٌ كأنها من حسِنها ... تبرزُ في أثوابِ سعد ومُنى) (قد نثرَ الليلُ على أنوارها ... لآلئ الطلِّ وأفرادَ الندى) (بكتْ عليها مزنةٌ فابتسمتْ ... عن لؤلؤٍ بينَ فُرادى وثنى) (وحولَها بنفسجٌ كأنّه ... أواخرُ النيرانِ في جزلِ الغضا) وقال آخر: (وكأنَ البنفسجَ الغضَ فيه ... أثرُ اللطمِ في خدودِ الغِيدِ) وقلت: (وبحافاتها البنفسج يحكي ... أثرَ القرصِ في خدودِ العذارى) وقلت في الهنة النادرة تحت ورقة البنفسج ولم أسمع فيها من الشعر العربي شيئاً: (ومغنَّج قالَ الكمالُ لخلقهِ ... كن مَجْمَعاً للطيباتِ فكأنهُ) (زعمَ البنفسجٌ أنهُ كعذارهِ ... حسناً فسلوا من قفاهُ لسانه)

стр. 380

وقال ابن الرومي: (أشرب على ورد البنفسج ... قبل تأنيبِ الحُسودِ) (فكأنما أوراقها ... آثارُ قَرص في الخدود) أغرب معنى جاء في الشقائق قول الأخطيل: (هذي الشقائقُ قد أبصرتُ حمرَتها ... مستشرفاتٍ على قضبانهِا الذللِ) (كأنها دمعةٌ قد مَسحت كُحُلاً ... جالتِ بهِ وقفةٌ في وجنتي خجِلِ) وأظن الأخطيل ابتكره إلا أنه أورده في أهجن معرض وفي أشد ما يكون من التكلف وأتى بالمحال لأن الوقفة لا تجول فنظمته وقلت: (وشقائقٌ نقشَ الربيعٌ ثيابَها ... فبرزنَ بينَ مُكحَلٍ ومُجَسد) (كالخدَ يصبغهُ الحياءُ بحمرةٍ ... وجرى عليهِ الدمعُ خلطَ الإثمدِ) ومن غريب ما قيل فيها قول بعض المتأخرين: (طربَ الشقائقُ للحمامِ وقد شجا ... شجوَ القيانِ فشقَ فضلَ ردائه) (وتحيرت ما بين إثمد ماقه ... في الخدَ دمعتهُ وبينَ حيائه) (فكأنه الحبشيُ بُضعَ جسمهُ ... فثيابهُ مُخضلةٌ بدمائه) وجعل الشقائق واحداً وهي جماعة مؤنثة والواحد شقيقه فإذا ذكر فعلى معنى النور وتسميه العرب الشقر. وقلت: (وللشقائق خالٌ فوقَ وجنتِها ... ووجنةِ الوردِ بالدينارِ منقوطَه) وقال التنوخي: (شقائقٌ مثلُ خدودٍ نُقشتْ ... شواربٌ بالمسكِ فيها ولحى) وهو بعيد لأن السواد الذي فيها لا يسبه الشوارب. ومن أحسن ما قيل في الآذريون قول ابن المعتز: (يا ربما نازعني ... رُوح دِنانٍ صافيه) (في روضةٍ كأنها ... جلد سماءٍ عارية)

стр. 381

(كأنما أنهارها ... بماءِ وردٍ جارية) (كأن آذر يونها ... غب سماء هامية) (وصَيَّر آذريونهُ فوقَ أذنهِ ... ككأسِ عقيقٍ في قراراتها مسكُ) وقلت: (ولاحَ آذرُيونُها ... مثلَ الغوالي في السررِ) وقال الشمشاطي: (تراهُ عُيوناً بالنهارِ نواظراً ... وبَعَدَ غروبِ الشمسِ أزرارَ ديباجِ) وقال ابن المعتز: (كأنها مداهنٌ من ذهب ... مشرفاتٌ وسطهنَ غاليه) أتم التشبيه ههنا بقوله (مشرفات) . ومن جيد ما قيل في البهار قول ابن الرومي: (وروضةٍ عذراءَ غيرُ عانسه ... خضراء ما فيها خلاة يابسة) (فيها شموسٌ للبهارِ دارسه ... كأنها جماجمُ الشمامسة) (تَرُوقك النورةُ منها الناكسة ... بعينِ يقظَى وبجيد ناعسه) (وخُرَّم في صبغهِ الطيالسه ... مثل الطواويسِ غدتُ مطاوِسه) وقال ابن المعتز: (في روضةٍ كحللِ العروسِ ... وخرمَ كهامةِ الطاووسِ) وقلت في المذهب الذي سلكه ابن الرومي: (خرمةٌ كهامةِ الطاووسه ... داريَ من بهجتِها مأنوسه) (والعينُ في فنائها محبوسه ... محفوظةٌ تحسبها محروسه) (تعجبني منظورةٌ ملموسَه ... مرفوعةُ الهامةِ أو منكوسة)

стр. 382

(باقوته لكنها مغروسة ... في زهر كالشعل المقبوسة) (كحلل ألوانها ملبوسة) وقال التنوخي: (ومن خُرم غض خِلالَ شقائقٍ ... يلوحُ كخيلانٍ على وردتي خدِّ) وإذا كان في الخد خيلان لم يستحسن الخال الواحد. وقلت: (على رياضِ خُرم كأنها رؤوسُ هدابِ حرير االححل) وقال ابن طباطبا: (وطَوَّس فيها خُرمٌ فكأنها ... صماماتُ وشىٍ هُيئَت لمخازن) وقلت في البهار والورد: (وردٌ إلى جنبهِ بَهار ... كالخدَ أصغى إليهِ قُرط) وقد جمعت أصناف المنثور في أبيات وما جمعها أحد إلا بعض الكتاب في أبيات غير مختارة الرصف فقلت: (ألوانُ منثورٍ يريْك حسنها ألوانَ ياقوتٍ زها في عقده) (يا حسنها في كفَ من يشبهها ... فانظر إلى الندَ بكفَ نِده ... ) (من أشهل كعينهِ وأبيضٍ ... كثغرهِ وأحمر كخده) (وأصفرٍ مثلِ صريع حُبه ... إذا تغشاهُ غواشي صَده) وقال السري في الورد: (أما ترى الوردَ قد باحَ الربيعُ بهِ ... من بعد ما مرَ حولٌ وهو إضمارُ) (وكان في حللٍ خضرٍ وقد خلعت ... إلا عُرى أغفلت منها وأزرار) وقلت: (ليس ينفكُ للغمام أيادٍ ... تتكافا وأنعم تتجددُ) (فترى رعدهُ يشقُّ حريراً ... وسنا برقه يطرز مطرداً) (وترى للزمانِ غُصناً وريقاً ... يملكُ الطرفَ إذ يقومُ ويأود)

стр. 383

(أنبتَ الأرضَ عسجداً ولجيناً ... فالروابي مكللٌ ومقلدُ) (وجرى الربحُ سجسجاً ورخاءً ... فالمناهي مسلسلٌ ومسُردَ) (وسبى العينَ لؤلؤٌ وعقيقٌ ... نظما في زمردٍ وزبرجد) (فترى ثَمَ مضحكاً يتجلى ... وترى ثَم وجنةً تتوردُ) (قطرات الندَى أحادٌ ومثنى ... مثل دُر منظمٍ ومبدد) (وكأنَ الشقيقَ كأسُ عقيقٍ ... طرحَ المسكَ في قرارتها ندُّ) (فترى النجدَ في رداءٍ موشّى ... وترى الوهدَ في قميص مُعمد) (وعليهِ من البهارِ عطاف ... ومن الوردِ والشقائق مُجسدَ) (وتَرَى النورَ مثلَ مَضحك خَود ... وترى الغصنَ مثلَ شاربِ أمرد) ومن بديع ما قيل في كمون النيلوفر وظهوره قول ابن الرومي: (فكأنهُ في الماءِ صاحبُ مذهبٍ ... أغراهُ وسواسٌ بأن لا يظهر) وقال السري: (ونيلوفرٍ أوراقهُ الخضرُ تحتهُ ... بساطٌ إليهِ الأعينُ النجلُ شُخَص) وهذا البيت غير مختار الرصف ظاهر التكلف: (إذا غاصَ في الماءِ النمير حسبتهُ ... رؤوسَ إوَزّ في الحياضِ تغوصُ) وقوله النمير لا يحتاج إليه. وقال آخر من أبيات: (كأنما كلُ قضيبٍ بها ... يحملُ في أعلاهُ ياقوته) وقلت: (فشربتها عذراءَ من يدِ مثلها ... تحكي الصباحَ مع الصباحِ المشرقِ) (في روضةٍ تلقاك حينَ لقيتها ... بمنمنم من نبتها ومنمقِ) (فانظر إلى عشبٍ هناك مجمع ... وانظر إلى زهر هناك مفرق)

стр. 384

(تجني بوردٍ كاللجينِ مكفرٍ ... منها ووردٍ كالعقيقِ مخلّقِ) (وكذاك تتحف من مناقع مائها ... بمخلقٍ يعلو ذؤابةَ أخلقِ) (يبدو ويكمن في الغديرِ كأنه ... جانٍ يحاول أن يبينَ ويتقي) (فإلى السرورِ لنا عنانٌ مطلقٌ ... إن الفوائدَ في العنانِ المطلق) وقد أحسن القائل في صفة الرياض: (بكينَ فأضحكنَ الرُبى عن زخارف ... من الروضِ عنهنَ الثرى متهاملُ) (ترى قضبَ الياقوتِ تحتَ زبرجد ... تنوء به أعناقهنَ الموائل) (تلقحها الأنداء ليلاً بريقها فيصبحنَ أبكاراً وهنَ حواملُ) وقلت في الآس ولا أعرف لأحد فيه شيئاً بديعاً: (ومهرجانٌ معجبٌ مونقٌ ... كالنورِ غبَ السَّبَل الساجمِ) (طالعتُ فيهِ غُرَراً وُضَّحا ... كمثلِ أيامِ أبي القاسمِ) (والآس في كفي أحييهمُ ... مثلَ شوابيرِ بني هاشمِ) وقلت في الريحان: (وخضرٌ يجمع الأعجاز منها ... مناطق مثل أطواقِ الحمامِ) (لها حسنُ العوارضِ حينَ تَبدو ... وفيها لين أعطافِ الغلامِ) وقال كشاجم وأحسن: (أرتك يدُ الغيثِ آثارَها ... وأعلنتِ الأرضِ أسرارَها) (وكانت أكَنت لكانونها ... خبيئاً فأعطْته آذارها) والنصف الأول من هذا البيت متكلف: (فما تقعُ العينُ إلّا على ... رياضٍ تصَنّفُ أنوارهَا) (يفتحُ فيها نسيمُ الصًّبا ... جناها فيهتكُ أستارها) (ويسفح فيها دماء الشقيقِ ... ندى ظلَ يفتضُّ أبكارها) (وتدني إلى بعضها بعضَها ... كضمِّ الأحبةِ زُوَّارها)

стр. 385

(كأنَ تفتحها بالضحى ... عذارَى تحللُ أزرارها) (تفضُ لنرجسها أعيناً ... وطوراً تحدقُ أبصارها) (إذا مزنةٌ سكبت ماءها ... على بقعةٍ أشعلت نارها) وقال فيها: (وأقبلَ ينظمُ أنجادَها ... بفيضِ المياهِ وأغوارَها) (وأرضعَ جناتها درهُ ... فعمَّمَ بالنورِ أشجارَها) (ودارَ بأكنافِها دَوْرَةً ... تنسى الأوائل برجارها) وقال أيضاً في الباقلي: (جنيُّ يومٍ لم يؤخر لغدِ ... ولم ينقل من يدٍ إلى يدِ) (كالعقدِ إلا أنه لم يُعقدِ ... أو كالفصوص في أكفَ الخرَّدِ) (أو ككبار اللؤلؤِ المنضّد ... في طيِّ أصدافٍ من الزبرجدِ) (مفروشة بالكرسفِ المُلبد ... ) وقلت فيه أيضاً: (أبدى الربيعُ لنا من حسنِ صنعتهِ ... شبائهُ اتفقتْ في الشكلِ والصور) (خضرٌ ظواهُرها بيضٌ بطائنُها ... تحكي القباطيَ تحت السندسِ النضر) (بيضٌ شبائهُ في خضرِ ململمةٍ ... مثل الزبرجدِ مثنياً على درر) (ينشقُ أخضرُها عن أبيضٍ يقِقٍ ... كالثغرِ يشرقُ تحتَ الشاربِ الخضرِ) ومن المشهور في ورد الباقلي قول الصنوبري: (وبنات بافلي يُشبه نورهُا ... بلقَ الحمامِ مُشيلةً أذنابَها) وقلت فيه: (ويُزْهى وردٌ باقلي ... كأطواقِ الشعانينِ) وقال السري في غير ذلك: (في زاهر عبق تضوعهُ ... فكأنَ عطاراً يعطره) (ضاهى ممسكهُ معنبرهُ ... وحكى مُدرهمه مدنِّرهُ) ومن أجود ما قيل في البساتين ومواضع الأشجار قول الخليل بن أحمد أخبرنا

стр. 386

أبو أحمد عن رجل عن الرياشي قال كان في يد الخليل بن أحمد أرض من أراضي البصرة ليتيم فلما بلغ اليتيم مضى به الخليل إلى الأرض ومعه قارورة من ماء زمزم فلما جاء المدُ صب ما فيها في فوهة نهرها ليخلص إلى جميعها ثم قال يا بني هذه أرضك فقم فصل فيها ركعتين واشكر الله على ما أعطاك منها وادع بالبركة لك ولمن بعدك، ثم أنشأ يقول في وصفها: (ترفعت عن يدِ الأعماقِ وانخفضت ... عن المعاطشِ واستغنت بسقياها) (فالتفَّ بالزهرِ والريحانِ أسفلها ... ومالَ بالنخلِ والرمانِ أعلاها) (وصارَ يحسده فيها أصادقهُ ... ولائمٌ لامَ فيها من تمناها) (أبا معاويةَ اشكر فضلَ واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها) وقال ابن المعتز في السرو والنرجس: (لدى نرجسٍ غض وسروٍ وكأنهُ ... قدو دُجوارٍ رحْنَ في أزُرٍ خُضرٍ) وقلت: (لبسَ الماءُ والهواء صفاءً ... واكتسى الروضُ بهجةً وبهاءً) (فكأن النهاءَ صرنَ رياضاً ... وكأنَ الرياضَ عدن نِهاءً) (وكأنَ الهواءَ صارَ رحيقاً ... وكأنَ الرحيقَ صارَ هواءً) (وتخالُ السماء بالليل أرضاً ... وترى الأرض بالنهار سماءً) (جللتها الأنواءُ زهراً وصفراً ... يومَ ظلّت تنادمُ الأنواء) (فتراها ما بينَ نوءٍ ونَوْرٍ ... تتكافا تبسماً وبكاء) (وتظلُ الأشجارُ تتخذُ الحسنَ قميصاً أو الجمالَ رداءً) (لبستْ حينَ أثمرتْ خلداتٍ واكتستْ حينَ أورقتِ سِيراءً) (وترى السروَ كالمنابرِ تَزْهى ... وترى الطيرَ فوقها خطباء) وقال أبو عيينة: (تذكرني الفردوسُ طوراً فأرعوي ... وطوراً تواتيني على القصفِ والفتك)

стр. 387

(بغرس كأبكار الجواري وتربةٍ ... كأن ثراها ماءُ وردٍ على مسكِ) وقال السري في تفاح ود ستنبوي ورمان: (إنَ شيطانكَ في الظرفِ ... لشيطانٌ مَريدُ) (فلهذا أنتَ فيه ... مُبدئٌ ثم مُعيدُ) (قد أتتنا طُرَفٌ منك ... على الظرفِ تزيدُ) (طبقٌ فيهِ خدودٌ ... وقدودٌ ونهودُ) وقد أحسن التنوخي في وصف النارنج حيث يقول: (لم لا تجنُ بها القلوب ... وقد غدت مثلَ القلوبِ) وقلت: (تطالعنا بين الغصونِ كأنها ... خدودُ عذارى في ملاحفها الخضرِ) (أتت كلَ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ ... فهاجت لهُ الأحزان من حيثُ لا يدريِ) وقال: (إذا لاحَ في أغصانهِ فكأنه ... شموسُ عقيقٍ في قبابِ الزبرجد) وقلت في المركب: (مركب تعجبُ مِن حسنهِ ... قد كنز الفضة في تبره) (يشاكلُ العاشقَ في لونهِ ... ويشبهُ المعشوقَ في نشره) وقال الصنوبري في التفاح وقد ظرف: (أعطت يداهُ محبهُ تفاحةً ... تعطي المحبّ أمانهُ من صدهِ) وهذا البيت متكلف جداً: (فعلمتُ حينَ لثمتها من كفهِ ... إني سألثمُ أختها من خدهِ) وقال أيضاً في أترُجةٍ وأحسن: (جاءَ فحياني بأترجةٍ ... من ذهبٍ قد حُشيتْ فضه) (أتى بها ناعمةً غضةً ... من كفهِ الناعمةِ الغضه) (تُبذلُ للقبلةِ حُسناً ولا ... تصلحُ أن تبذلَ للعضه) (أحببْ بها من مسكةٍ محضةِ ... ناولنيها مسكةً محضهْ)

стр. 388

وقلت في الأترج والنارنج: (ترى النارنجَ في ورقٍ نضيرٍ ... فتحسبهُ عقيقاً في زبرجدِ) (وأترجٌ على الأغصان يزْهى ... كما رفعَ الفتى قنديلَ عسجد) وقال بعضهم في دستنبوية: (يا حَبذا تحيةٌ ... رحت بها مسرورا) (مخزنة من ذهبٍ ... قد مُلئت كافورا) وقال غيره في الليمون: (وقهوة تزهرُ في السراج ... نشربها على كراتِ عاج) (ملبسات أصفر الديباج ... ) وقلت فيه: (أحدقَ ليمونٌ بأترجه ... كأنجمٍ تحدقُ بالبدر) (مخروطة الأجسادِ من فضةٍ ... ملبسات قُمصَ التبرَ) (قد شدَ من هاماتها زِرُّها ... يا عجباً من ذلك الزِّرِّ) (اشرب عليها وتمتعْ بها ... فإنها من تحفِ الدهرِ) ولبعض الكتاب رسالة في التفاح ليس لها نظير في معناها وهي التي أخبرنا بها أبو أحمد قال أخبرنا الجلودي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال أهدى ظريف من الكتاب تفاحة وكتب: لما رأيت تنافس أحبابك وثقات أصدقائك على الهدايا وتواتر ألطافهم عليك تفكرت في هدية تخف مؤنتها ويعظم خطرها ويجل موقعها تجمع الخصال المحمودة وتنظم الخلال المرموقة فلم أجد شيئاً يجتمع فيه ما أحببنا ويكمل له ما وصفنا غير التفاح فأهديت إليك منه واحدة وأحببت أن أنبهك على فضلها وأقفك على نبلها وأكشف لك عن سرائرها وأعرفك لطائف معانيها وأنعت لك مقالة الأطباء فيها وما نظمت الشعراء في مدحها حتى تراها بعين الجلالة وتنظر إليها نظر الصيانة فإنه يحكي عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية والحمرة الخمرية الذهبية وبياض الفضة ونور القمر يلتذبها من الحواس ثلاث العين لحسن لونها

стр. 389

والأنف لطيب عرفها والفم للذة طعمها، وقال حكيم من الحكماء: الخمر صديقة الجسم والتفاح صديق الروح، وقال آخر منهم وقد حضرت وفاته واجتمع إليه تلامذته وأراد مناظرتهم فضعف عنها فقال: إئتوني بتفاحة أعتصم برائحتها ريثما أقضي وطري من المناظرة. فلم يستخفها إلا لفضلها على غيرها، وقال آخر: جسم التفاح صديق الجسم وريحه صديق الروح، وقال حكيم من الأطباء: إن أجودَ الأشياء لعلاج المزاج الحاد الكائن في المعدة مع المزاج البارد الكائن في الرأس وغثيان النفس وقلة الاستمراء للطعام التفاح، وقال إبراهيم بن هانئ: ما علل المريض المبتلى وسكنت حرارة الثكلى وردعت شهوة الحبلى ولا كسرت فورة السكران ولا أرضي الغضبان ولا ردت عرامة الصبييان بشئ مثل التفاح. والتفاحة إن حملتها لم تثقلك وإن رميت بها لم تؤلمك وقد اجتمع فيها لون قوس قزح من الحمرة والخضرة ولو حل التفاح لكان قوساً ولو عقدت القوس لكانت تفاحاً، وقال بعض الشعراء: (حمرةُ التفاحِ في خضرتهِ ... أقربُ الأشياء من قوسِ قزح) والخمرة تفاحة ذائبة والتفاحة خمرة جامدة. وقال الشاعر (الخمر والتفاح شكلان) وقال آخر (تفاحةٌ حمراءُ منقوشةٌ ... ركبتَها في غصنِ الآس) (ألبستها ورداً وكللتها ... إكليلَ نسرين على الراسِ) وقال آخر في التفاحة: (كأنما حُمرتَها ... حمرةُ خدٍ خَجل) وقال ابن أبي أمية: (ما زلتُ أرجوكَ وأخشى الردى ... معتصماُ باللهِ والصبرِ) (حتى أتتني منك تفاحةٌ ... زحزحتِ الأحزانَ عن صدري) (حشوتها مسكاً ونقشتها ... ونقشُ كفيك من السحرِ) (واهاَ لها تفاحة أهديتْ ... لو لم تكن من خُدَعِ الدهر) فإذا وصلت إليك أوصلك الله إلى رحمته وعطفه فتأمل وصفها بعينك وتناولها

стр. 390

بيمينك وأحضرها ذهنك وفرغ لها شغلك واجمع لها عقلك وغازلها ساعة وهازلها أخرى ولا تكن متهاوناً بقدرها غير عالم بفضلها فتتناولها بحركة باردة وطبيعة جامدة وقلب ساهٍ وعقل لاه وذهن غبي وشراهية نهم عساه أن يكلمها بأسنانه ولا يدري ما قدرها عند إخوانه ويقصر بمن حياه وينتقص من أهداه ولا تخدشها بيدك ولا تثلمها بظفرك ولا تبتذلها للغبار ولا تعرضها للدخان فإذا طال لبثها لديك وخفت أن يرميها الزمان بسهمه ويقصدها بريبه ويذهب بهجتها ويحول نضرتها فهنيئاً لك أكلها والسلام. وشبه بعضهم ورق الريحان بقافات وفاآت في شعر غير جيد فتركته ولم أذكره وقلت في الريحان: (ثم انثنينا إلى خُضرٍ مُنعمةٍ ... كأنَ أوراقها آذانُ جُرذانِ) (وقهوة كجنِيِّ الوردِ وشحهُ ... من لؤلؤِ القطرِ والأنداءِ سمطان) وقال السري في دستنبوية: (وأغنّ كالرشأ الغرير ... نشا خلالَ الربرب) (في خدهِ وردٌ حماهُ ... من القطافِ بعقربِ) (حيا بدستنبويةِ ... مثل السنان المذْهبِ) وقال أيضاً فيها: (صفراء ما عَنَت لعينيْ ناظرٍ ... إلا توهمها سناناً مُذهبا) وقلت: (وأتْرج يحفُ بها أقاحٍ ... كبدرِ الليلِ تكنفهُ النجومُ) وقال السري في نارنجة: (أهدت على نأي المحلَ وقد ... أنأى التصبرَ طُولُ هجرتها) (نارنجةٌ منها استعيرَ لها ... ما ألبستْ من حسنِ بهجتها) (وشعاعها من نور وجنتها ... ويسميها من عطرِ نكهتها) (وكأنَ ما يخفيه باطنها ... ما أضمرت من سوءِ غُدرتها)
следующие страницы →