Полный текст (608 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
أبو أحمد عن رجل عن الرياشي قال كان في يد الخليل بن أحمد أرض من أراضي البصرة ليتيم فلما بلغ اليتيم مضى به الخليل إلى الأرض ومعه قارورة من ماء زمزم فلما جاء المدُ صب ما فيها في فوهة نهرها ليخلص إلى جميعها ثم قال يا بني هذه أرضك فقم فصل فيها ركعتين واشكر الله على ما أعطاك منها وادع بالبركة لك ولمن بعدك، ثم أنشأ يقول في وصفها:
(ترفعت عن يدِ الأعماقِ وانخفضت ... عن المعاطشِ واستغنت بسقياها)
(فالتفَّ بالزهرِ والريحانِ أسفلها ... ومالَ بالنخلِ والرمانِ أعلاها)
(وصارَ يحسده فيها أصادقهُ ... ولائمٌ لامَ فيها من تمناها)
(أبا معاويةَ اشكر فضلَ واهبها ... وكلما جئتها فاعمر مصلاها)
وقال ابن المعتز في السرو والنرجس:
(لدى نرجسٍ غض وسروٍ وكأنهُ ... قدو دُجوارٍ رحْنَ في أزُرٍ خُضرٍ)
وقلت:
(لبسَ الماءُ والهواء صفاءً ... واكتسى الروضُ بهجةً وبهاءً)
(فكأن النهاءَ صرنَ رياضاً ... وكأنَ الرياضَ عدن نِهاءً)
(وكأنَ الهواءَ صارَ رحيقاً ... وكأنَ الرحيقَ صارَ هواءً)
(وتخالُ السماء بالليل أرضاً ... وترى الأرض بالنهار سماءً)
(جللتها الأنواءُ زهراً وصفراً ... يومَ ظلّت تنادمُ الأنواء)
(فتراها ما بينَ نوءٍ ونَوْرٍ ... تتكافا تبسماً وبكاء)
(وتظلُ الأشجارُ تتخذُ الحسنَ قميصاً أو الجمالَ رداءً)
(لبستْ حينَ أثمرتْ خلداتٍ واكتستْ حينَ أورقتِ سِيراءً)
(وترى السروَ كالمنابرِ تَزْهى ... وترى الطيرَ فوقها خطباء)
وقال أبو عيينة:
(تذكرني الفردوسُ طوراً فأرعوي ... وطوراً تواتيني على القصفِ والفتك)
стр. 387
(بغرس كأبكار الجواري وتربةٍ ... كأن ثراها ماءُ وردٍ على مسكِ)
وقال السري في تفاح ود ستنبوي ورمان:
(إنَ شيطانكَ في الظرفِ ... لشيطانٌ مَريدُ)
(فلهذا أنتَ فيه ... مُبدئٌ ثم مُعيدُ)
(قد أتتنا طُرَفٌ منك ... على الظرفِ تزيدُ)
(طبقٌ فيهِ خدودٌ ... وقدودٌ ونهودُ)
وقد أحسن التنوخي في وصف النارنج حيث يقول:
(لم لا تجنُ بها القلوب ... وقد غدت مثلَ القلوبِ)
وقلت:
(تطالعنا بين الغصونِ كأنها ... خدودُ عذارى في ملاحفها الخضرِ)
(أتت كلَ مشتاقٍ بريّا حبيبهِ ... فهاجت لهُ الأحزان من حيثُ لا يدريِ)
وقال:
(إذا لاحَ في أغصانهِ فكأنه ... شموسُ عقيقٍ في قبابِ الزبرجد)
وقلت في المركب:
(مركب تعجبُ مِن حسنهِ ... قد كنز الفضة في تبره)
(يشاكلُ العاشقَ في لونهِ ... ويشبهُ المعشوقَ في نشره)
وقال الصنوبري في التفاح وقد ظرف:
(أعطت يداهُ محبهُ تفاحةً ... تعطي المحبّ أمانهُ من صدهِ)
وهذا البيت متكلف جداً:
(فعلمتُ حينَ لثمتها من كفهِ ... إني سألثمُ أختها من خدهِ)
وقال أيضاً في أترُجةٍ وأحسن:
(جاءَ فحياني بأترجةٍ ... من ذهبٍ قد حُشيتْ فضه)
(أتى بها ناعمةً غضةً ... من كفهِ الناعمةِ الغضه)
(تُبذلُ للقبلةِ حُسناً ولا ... تصلحُ أن تبذلَ للعضه)
(أحببْ بها من مسكةٍ محضةِ ... ناولنيها مسكةً محضهْ)
стр. 388
وقلت في الأترج والنارنج:
(ترى النارنجَ في ورقٍ نضيرٍ ... فتحسبهُ عقيقاً في زبرجدِ)
(وأترجٌ على الأغصان يزْهى ... كما رفعَ الفتى قنديلَ عسجد)
وقال بعضهم في دستنبوية:
(يا حَبذا تحيةٌ ... رحت بها مسرورا)
(مخزنة من ذهبٍ ... قد مُلئت كافورا)
وقال غيره في الليمون:
(وقهوة تزهرُ في السراج ... نشربها على كراتِ عاج)
(ملبسات أصفر الديباج ... )
وقلت فيه:
(أحدقَ ليمونٌ بأترجه ... كأنجمٍ تحدقُ بالبدر)
(مخروطة الأجسادِ من فضةٍ ... ملبسات قُمصَ التبرَ)
(قد شدَ من هاماتها زِرُّها ... يا عجباً من ذلك الزِّرِّ)
(اشرب عليها وتمتعْ بها ... فإنها من تحفِ الدهرِ)
ولبعض الكتاب رسالة في التفاح ليس لها نظير في معناها وهي التي
أخبرنا بها أبو أحمد قال
أخبرنا الجلودي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال أهدى ظريف من الكتاب تفاحة وكتب: لما رأيت تنافس أحبابك وثقات أصدقائك على الهدايا وتواتر ألطافهم عليك تفكرت في هدية تخف مؤنتها ويعظم خطرها ويجل موقعها تجمع الخصال المحمودة وتنظم الخلال المرموقة فلم أجد شيئاً يجتمع فيه ما أحببنا ويكمل له ما وصفنا غير التفاح فأهديت إليك منه واحدة وأحببت أن أنبهك على فضلها وأقفك على نبلها وأكشف لك عن سرائرها وأعرفك لطائف معانيها وأنعت لك مقالة الأطباء فيها وما نظمت الشعراء في مدحها حتى تراها بعين الجلالة وتنظر إليها نظر الصيانة فإنه يحكي عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: اجتمع في التفاح الصفرة الدرية والحمرة الخمرية الذهبية وبياض الفضة ونور القمر يلتذبها من الحواس ثلاث العين لحسن لونها
стр. 389
والأنف لطيب عرفها والفم للذة طعمها، وقال حكيم من الحكماء: الخمر صديقة الجسم والتفاح صديق الروح، وقال آخر منهم وقد حضرت وفاته واجتمع إليه تلامذته وأراد مناظرتهم فضعف عنها فقال: إئتوني بتفاحة أعتصم برائحتها ريثما أقضي وطري من المناظرة. فلم يستخفها إلا لفضلها على غيرها، وقال آخر: جسم التفاح صديق الجسم وريحه صديق الروح، وقال حكيم من الأطباء: إن أجودَ الأشياء لعلاج المزاج الحاد الكائن في المعدة مع المزاج البارد الكائن في الرأس وغثيان النفس وقلة الاستمراء للطعام التفاح، وقال إبراهيم بن هانئ: ما علل المريض المبتلى وسكنت حرارة الثكلى وردعت شهوة الحبلى ولا كسرت فورة السكران ولا أرضي الغضبان ولا ردت عرامة الصبييان بشئ مثل التفاح. والتفاحة إن حملتها لم تثقلك وإن رميت بها لم تؤلمك وقد اجتمع فيها لون قوس قزح من الحمرة والخضرة ولو حل التفاح لكان قوساً ولو عقدت القوس لكانت تفاحاً، وقال بعض الشعراء:
(حمرةُ التفاحِ في خضرتهِ ... أقربُ الأشياء من قوسِ قزح)
والخمرة تفاحة ذائبة والتفاحة خمرة جامدة. وقال الشاعر
(الخمر والتفاح شكلان)
وقال آخر
(تفاحةٌ حمراءُ منقوشةٌ ... ركبتَها في غصنِ الآس)
(ألبستها ورداً وكللتها ... إكليلَ نسرين على الراسِ)
وقال آخر في التفاحة:
(كأنما حُمرتَها ... حمرةُ خدٍ خَجل)
وقال ابن أبي أمية:
(ما زلتُ أرجوكَ وأخشى الردى ... معتصماُ باللهِ والصبرِ)
(حتى أتتني منك تفاحةٌ ... زحزحتِ الأحزانَ عن صدري)
(حشوتها مسكاً ونقشتها ... ونقشُ كفيك من السحرِ)
(واهاَ لها تفاحة أهديتْ ... لو لم تكن من خُدَعِ الدهر)
فإذا وصلت إليك أوصلك الله إلى رحمته وعطفه فتأمل وصفها بعينك وتناولها
стр. 390
بيمينك وأحضرها ذهنك وفرغ لها شغلك واجمع لها عقلك وغازلها ساعة وهازلها أخرى ولا تكن متهاوناً بقدرها غير عالم بفضلها فتتناولها بحركة باردة وطبيعة جامدة وقلب ساهٍ وعقل لاه وذهن غبي وشراهية نهم عساه أن يكلمها بأسنانه ولا يدري ما قدرها عند إخوانه ويقصر بمن حياه وينتقص من أهداه ولا تخدشها بيدك ولا تثلمها بظفرك ولا تبتذلها للغبار ولا تعرضها للدخان فإذا طال لبثها لديك وخفت أن يرميها الزمان بسهمه ويقصدها بريبه ويذهب بهجتها ويحول نضرتها فهنيئاً لك أكلها والسلام. وشبه بعضهم ورق الريحان بقافات وفاآت في شعر غير جيد فتركته ولم أذكره وقلت في الريحان:
(ثم انثنينا إلى خُضرٍ مُنعمةٍ ... كأنَ أوراقها آذانُ جُرذانِ)
(وقهوة كجنِيِّ الوردِ وشحهُ ... من لؤلؤِ القطرِ والأنداءِ سمطان)
وقال السري في دستنبوية:
(وأغنّ كالرشأ الغرير ... نشا خلالَ الربرب)
(في خدهِ وردٌ حماهُ ... من القطافِ بعقربِ)
(حيا بدستنبويةِ ... مثل السنان المذْهبِ)
وقال أيضاً فيها:
(صفراء ما عَنَت لعينيْ ناظرٍ ... إلا توهمها سناناً مُذهبا)
وقلت:
(وأتْرج يحفُ بها أقاحٍ ... كبدرِ الليلِ تكنفهُ النجومُ)
وقال السري في نارنجة:
(أهدت على نأي المحلَ وقد ... أنأى التصبرَ طُولُ هجرتها)
(نارنجةٌ منها استعيرَ لها ... ما ألبستْ من حسنِ بهجتها)
(وشعاعها من نور وجنتها ... ويسميها من عطرِ نكهتها)
(وكأنَ ما يخفيه باطنها ... ما أضمرت من سوءِ غُدرتها)
стр. 391
(وحكى اخضرارٌ شابَ وجنتها ... قَرصَ الأكفَ أديمَ وجنتِها)
(فأتتك مُكملةً محاسنُها ... تختالُ في أثوابِ زينتها)
(فشعارُها صفوُ اللجينِ ومن ... ذهبٍ مصوغٌ ثوبُ بِذلتها)
(تُهدي إلى الأرواح من بُعدٍ ... تُخفَ السرورِ لطيبِ نشوتها)
(ويصونها مسرَى روائحها ... من أن تباشرَها بشمَّتها)
(فاشربْ عليها من شقيقتها ... في نعتِ رَيَّاها وصبغتها)
(واعطفْ عنانِ النفسِ عن فكرٍ ... راحت معذّبة بفكرتها)
وقال ابن طباطبا العلوي في الأترج:
(ريحانةٌ في إصفرارِ مهديها ... شبهتها بعدَ فكرةٍ فيها)
(أحبةً لم تُصخ لعاذلها ... تُسدً آذانها بأيديها)
فأورد المعنى في بيتين فقصر من غرابة معناه. وجعلت دستنبوية مقفعة في غصن آس فسقطت فناولنيها بعض الأحبة فقلت:
(وأصفرُ يهوي من ذؤابةِ أخضر ... كما انقضَ نجمٌ في الدجنةِ ثاقبُ)
(له شعبٌ تهوي على سَرَواتهِ ... كمثلِ بنانِ الكفَ يلويه حاسب)
(فناولنيهِ ذو دلالٍ كأنما ... لهُ الشمسُ أمٌ والبدورُ أقارب)
(فأصبح مشهورَ الجمالِ مشهراً ... له الحسنُ خدنٌ والملاحةُ صاحب)
وقال بعضهم في الأترج:
(لها وَرَقٌ ريحها ريحهُ ... وما ذاك في غيرهِ لو طلب)
(كأن تعطف أوراقها ... أكفٌ تشيرُ إلى من تحب)
(وقال ابن خلاد في شجر الزيتون:
(إذا ذلت الأشجارُ يوماً لجفوةٍ ... فإنَ لها عزَ القناعةِ والصبرِ)
(تصرفُ في اللذاتِ من كلِّ مطعم ... تصرفَ زيد آخذاً بقفا عمرو)
стр. 392
وقلت في التفاح:
(ليسَ ريحُ التفاحِ عندي بريحٍ ... لا ولكنهُ صَديقٌ لروحي)
(حمرةُ الخدَ واخضرارُ عذارِ ... فمليحٌ يطوفُ حَولَ مليحِ)
وقال نصر بن أحمد:
(أكلتُ تفاحة فعاتبني ... فتىً رآها كخدّ معشوقه)
(فقال خَدُ الحبيبِ تأكلهُ ... فقلتُ لا بل أمصُ من ريقه)
وقال السري:
(لو جُمدت راحنا اغتدت ذهباً ... أو ذابَ تفاحُنا غدا راحا)
وقلت في الرمان ولاأعرف فيه شيئاً مرضياً:
(حكى الرمانُ أولَ ما تبدَّى ... حقاقَ زبرجدِ يحُشينَ دُرا)
(فجاءِ الصيفُ يحشوهُ عقيقاً ... ويكسوهُ مرورُ القيظِ تبرا)
(ويحكي في الغصونِ ثديَ حُور ... شققنَ غلائلاً عنهن خضرا)
وقلت في خوخة:
(وخوخةٍ ملء يدِ الجانيهْ ... تملكُ لحظَ الأعينِ الرانيهْ)
(مصفرة الوجنةِ محمرّة ... كأنها عاشقةٌ ساليه)
وأجود ما قيل في العنب قول ابن الرومي:
(ورازقيّ مخطَفِ الخصورِ ... كأنه مخازنُ بلور)
(قد ملئتْ مسكاً إلى الشطورِ ... وفي الأعالي ماءُ وردٍ جُوري)
(لم يبقِ منها وهَجُ الحرورِ ... إلا ضياءً في ظررف نور)
(له مذاقُ العسل المشورِ ... وبردُ مسَ الخصر المقرورِ)
(ونفحةٌ المسك مع الكافورِ ... لو أنهُ يبقى مع الدهور)
(قرّط آذانَ الحسانِ الحورِ ... )
وقال في معناه
стр. 393
(ورازقي مخطف خصورهُ ... قد أينعت أنصافهُ الأسافل)
(كأنها مخازنٌ مملوءةٌ ... من ماءِ وردٍ فيهِ مسكٌ ثافلُ)
لا يزيد على هذا الوصف أحد. ودخل أعرابي على هشام بن عبد الملك فقال له هشام ما أطيب العنب عندكم؟ قال ما أخضر عوده وغلظ عموده وسبط عنقوده ورق لحاؤه وكثر ماؤه. فقال له كم عطاءك؟ فقال ألفين فسكت ساعة ثم قال له كم عطاؤك؟ قال ألفان. قال فلم لحنت أولاً؟ قال لم أشته أن أكون فارساً وأمير المؤمنين راجلاً لحنتَ فلحنتُ ونحوتُ فنحوتُ. فاستحسن أدبه وأجازه. وقلت:
(باكرَنا الدهرُ بسرَّائِه ... وكفَ عنا بأسَ بأسائه)
(وجاءنا أيلولُ مستبشراً ... يثني على الدهرِ بآلائه)
(أما ترى الرقةَ في جوهِ ... تناسبُ الرقةَ في مائه)
(أنظر إلى أنواعِ أثمارهِ ... قد ضمها في بُردِ أحشائه)
(راحت عليها نسماتُ الصبا ... تقرصها في بردِ أفنائه)
(أما ترى حسنَ ملاحيهِ ... يُهدي إلى بهجةِ شعرائه)
(أنظر إلى رُمَّانه ضاحكا ... حمراؤهُ في وجهِ بيضائه)
وقال ابن المعتز في العنب:
(ظلت عناقيدُها يخرجنَ من ورق ... كما اختبى الزنجُ في خضرٍ من الأُزرِ)
ويروى لابن المعتز في التفاح:
(وتفاحةٍ صفراءَ حمراءَ غضة ... كخدِّ مُحبٍ فوقَ خدِّ حبيبِ)
(أحبابها طوراً وأشربُ مثلها ... من الراح في كفي أغن ربيبِ)
وقلت في النارنج:
(روضٌ زهاهُ المزنُ في كراتهِ ... بمكفرٍ ومزعفرِ ومُضرَّجِ)
(فتبسّم النارنجُ في شجراتهِ ... مثلَ العقيقِ يلوحُ في الفيروزج)
стр. 394
(والكأس يحملها أغنُ يزينهُ ... وجناتُ وردٍ في عذارِ بنفسجِ)
ومن أجود ما قيل في النخل من قديم الشعر ما أنشدناه أبو أحمد عن الجلودي عن محمد بن العباس عن أبيه عن الأصمعي للنمر بن تولب:
(ضربنَ العرقَ في ينبوعِ عينٍ ... طلبنَ مَعينه حتى ارتوينا)
(بنات الدهرِ لا يخشينَ محلاً ... إذا لم تبقَ سائمةٌ بقينا)
(كأنَ فروعهنَ بكلِّ ريحٍ ... عذارَى بالذوائبِ ينتصينا)
وقد ملح النابغة في وقوله:
(صغارُ النوى مكنوزةٌ ليس قشرها ... إذا طارَ قشرُ التمرِ عنها بطائرِ)
(من الوارداتِ الماءَ بالقاع تستقي ... بأعجازها قبلَ استقاءِ الحناجر)
وهذا أجود من الأول لأنه ذكر أنهن وردن الماءَ يعني الماء الذي في بطن الأرض معينا. وقال النمرُ (طلبن معينه) فجعل الماء الذي في بطن الأرض معيناً، والمعين إنما هو الماء الجاري على وجه الأرض ظاهراً. ومن أجود ما قيل في الطلع من الشعر القديم قول كعب بن الأشرف:
(ونخيل في تلاعٍ جمةٍ ... تخرجُ الطلعَ كأمثالِ الأكفِّ)
وقال الربيع بن أبي الحقيق:
(أذلك أم غرسٌ من النخل مترع ... بوادي القرى فيهِ العيونُ الرواجعُ)
(لها سعفٌ جعدٌ وليفٌ كأنه ... حواشي بُرودٍ حَاكهنّ الصوانعُ)
وهذا في وصف الليف حسن.
وأخبرنا أبو أحمد عن الجلودي عن الحرث بن إسماعيل عن سهل بن محمد عن علي بن محمد عن أسلم الأزدي عن يونس عن الشعبي قال كتب قيصر إلى عمر: إن رسلي
أخبروني أن بأرضك شجرة كالرجل القائم تفلق
стр. 395
عن مثل آذان الحمر ثم يصير مثل اللؤلؤ ثم يعود كالزمرد الأخضر ثم يصير كالياقوت الأحمر والأصفر ثم يرطب فيكون كأطيب فالوذ اتخذ ثم يجف فيكون عصمة للمقيم وزاداً للمسافر فإن كان رسلي صدقوني فهي الشجرة التي نبتت على مريم بنت عمران. فكتب عمر إليه: إن رسلك صدقوك وهي شجرة مريم فاتق الله ولا تتخذ عيسى إلهاً من دون الله. وهذه تشبيهات مصيبة أخذها عبدِ الصمد بن المعذل فقال يصف النخل:
(حدائقٌ ملتفة الجنانِ ... رَسَت بشاطى ترعٍ ريانَ)
(تمتازُ بالإعجازِ للإذقانِ ... لا ترهبُ المحلَ من الأزمانِ)
(ولا توقيَ ختلَ الذؤبان ... ولا تَرى ناشدة الرعيانِ)
(ولا تخافُ عِرةَ الأوطانِ ... سُحم الرؤوسِ كمتُ الأبدان)
(لها بيوم البارحِ الحنانِ ... مثلُ تناصي الخرَّد الحسانِ)
(إذ هي أبدت زينةَ الرهبانِ ... لاحت بكافورٍ على إهان)
(يطلعُ منها كيدُ الانسان ... إذا بدتْ ملمومةَ البنانِ)
(عُلت بورسٍ أو بزعفران ... حتى إذا شبه بالآذان)
(من حمرُ الوحشِ الذي عيانِ ... وهذا لفظ زائد على معناه)
(شققهُ علجانِ ماهرانِ ... من لؤلؤٍ صيغَ على قُضبانِ)
(مصوغةٍ من ذهبٍ خَلصان ... ثم ترى للسبعِ والثمانِ)
(قد حالَ مثلَ الشذرِ في الجمان ... يضحكُ عن مشتبهِ الأقران)
(كأنهُ في باطنِ الأفنان ... زمردٌ لاحَ على التيجان)
(حتى إذا تمَ لهُ شهران ... وانسدلت عتاكلُ القنوان)
(كأنها قضبٌ من العقيان ... فصلنَ بالياقوتِ والمرجان)
(من قانى أحمرَ أرجوان ... وفاقع أصفرَ كالنيرانِ)
(مثل الأكاليل على الغواني)
стр. 396
ولا أعرف في النخل من شعر المحدثين أجود من هذه الأرجوزة. وقلت:
(ونخيل وقفنَ في معطفِ الرملِ ... وقوفَ الحبشانِ في التيجانِ)
(شَربتْ بالأعجازِ حتى تروت ... وتراأت بزينةِ الرحمان)
(طلعَ الطلعُ في الجماجم منها ... كأكفّ خرجنَ من أردانِ)
(فتراها كأنها كُمتُ الخيلِ ... توافت مصرةَ الآذان)
(أهو الطلعُ أم سلاسلُ عاج ... حُملت في سفائن العقيان)
(ثم عادت شبائهاً تتباهى ... بأعلى شبائه ... بأعالي أقران)
(خرزاتٌ من الزبرجد خضرٌ ... وهبتها السلوكُ للقضبان)
(ثم حال النجارُ واختلفَ الشكلُ ... فلاحت بجوهرٍ ألوان)
(بينَ صُفرٍ فواقع تتباهى ... في شماريخها وحُمرٍ قواتي)
وقال بعض العرب
(طلعاً كآذان الكلابِ البيض ... )
وقال ابن المعتز في الرطب:
(كقطع العقيقِ يانعاتِ ... بخالصِ التبرِ مُنوَعاتِ)
وأخبرنا أبو أحمد قال
أخبرنا أبو بكر بن دريد قال
أخبرنا السكنُ بن السعيد قال
أخبرنا محمد بن عباد قال تكلم صعصعة عند معاوية بكلام أحسن فيه فحسده عمرو بن العاص فقال: هذا بالتمر أبصر منه بالكلام، قال صعصعة: أجل أجوده ما دق نواه ورق سحاؤه وعظم لحؤه والريح تنفجه والشمس تنضجه والبرد يدمجه ولكنك يا ابن العاص لا تمراً تصف ولا الخير تعرف بل تحسد فتقرففقال معاوية رغماً فقال عمرو أضعاف الرغم لك وما بي إلا بعض ما بك. ومن الغلو في صفة التمر ما
أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن إسماعيل ابن إسحاق القاضي عن أبي نصر قال قال الأصمعي قيل للقاضري أي التمر أجود؟ قال: الجرد الفطس الذي كأن نواه ألسن الطير تضع الواحدة في فمك فتجد
стр. 397
حلاوتها في كعبك يعني الصيحاني. وقال الخباز البلدي:
(ذرَى شجر للطيرِ فيه تشاجرٌ ... كأنّ بناتِ الوردِ فيهِ جواهرُ)
(كأن القمارِى والبلابلَ بينها ... قيانٌ وأوراقُ الغصونِ ستائر)
(شربنا على ذاك الترنّمِ قهوةً ... كأن على أحداقِها الدُرُ دائرُ)
وقال غيره:
(أيُّ يوم لنا على التلَ بالماه ... وعيش تضيقُ عنهُ النعوتُ)
(وردَ الدرُ فيهِ في شجرِ اللوزِ ... وفي الخوخ وردَ الياقوتُ)
وقلت:
(ظل يسقي حدائقاُ وجناناً ... يا لها من حدائقٍ وجنانِ)
(خطرت بينها الرياحُ سُحيراً ... فتناصت تناصيَ الأقران)
(وتناجى الغصونُ فيها سِراراً ... وتنادَى الطيورُ بالإعلان)
(فتناجي الغصونِ شبهُ عتابٍ ... وتنادِي الطيورِ مثلُ أغاني)
(من كرومٍ تمايلت بعناقيدٍ ... كجعدِ الزنوجِ والحُبشان)
(ومُلاحيةً تميلُ أخرى ... كوجوهِ الخرائد الغُرَّان)
(كلآلي تشبثت بلآلٍ ... وبنانٍ تشبَّكت ببنانِ)
(فهيَ كالنجم في فروعِ كرومٍ ... وهي كالشمسِ في بطونِ الدنانِ)
وقلت في البطيخ:
(وجامعةٍ لأصنافِ المعاني ... صلحنَ لوقتِ إكثارٍ وقله)
(وأحداهنَ تبرزُ في عباءٍ ... وأخراهن في حِبَرٍ وحُلَة)
(ومنها ما تشبَهُهُ بُدوراً ... فإنْ قطَّعتها رجعت أهله)
وقلت:
(ولونٍ واحد يلقي ... فيأتينا بألوان)
(بسمرانٍ وسودانٍ ... وحمرانٍ وصُفرانِ)
(كوشي في يَديْ واشٍ ... وشَهدٍ في يَدْي جاني)
стр. 398
(فمن أدم ومن نقلٍ ... وريحانٍ وأشنانِ)
وأنشدنا أبو أحمد في الكرم:
(لهنَ ظلٌ باردُ الودائق ... يحملنَ لذاً طعمهُ للذائقِ)
(كأنها غدائرُ العواتق ... تناطُ في حجرٍ من المعالقِ)
(كأنها أناملُ الغَرانق ... )
وهو من قول الآخر
(يحملنها بأنامل النقران ... )
وقلت في اللُفاح:
(انظر إلى اللُّفَّاح تنظرُ معجباً ... يجلو عليك مُفَضَضاً في مُذهب)
(يعلو مفارقةُ قلانسُ أخفيت ... من تحتهنَّ دراهمٌ لم تضربِ)
وقلت في قصب السكر ولا أعرف فيه شيئاً لأحد:
(وممشوقةِ القاماتِ بيض نحورها ... وخُضر نواصيها وضفر جُسومها)
(لها حقبٌ لا تستطيعُ أطّراحَها ... وليس يطيقُ سلَبها من يرومُها)
(وهنَّ رِماحٌ لا تريقُ دَمَ العدى ... ولكن يُراقُ في القدور صميمها)
(يميل على أعرافها عذاباتها ... كحورٍ تناصي هندهُا ورميمُها)
(تناهى بها الأدراكُ حتى كأنها ... يُعلُ بماءِ الزعفرانِ أدِيمُها)
(ترى الريح يُغريها بنجوَى خفِيَّة ... إذا ما جرى قَصرَ العشيّ نسيمُها)
ومن جيد ما قيل في الَسدر والطلح قول بعضهم:
(لم ترَ عَيْنا ناظرٍ مَنظراً ... أحسن من أفنانِ طلح مَروح)
(كأنها والريحُ تسمُو بها ... ألويةٌ منشورةٌ للفُتوحِ)
(وسِدرة مدّت بأفنانها ... على سواقٍ كمتونِ الصفيحِ)
إلا أن قوله (للفتوح) فضلٌ لا يحتاج إليه لأن الألوية إذا نشرت للفتوح مثلها إذا نشرت لغير الفتوح فذكر الفتوح لغو. وإنما أورد في هذا الكتاب مثل هذا الشعر لأن غيري اختارها فأريدُ أن
стр. 399
أدلَ على موضع العيب فيه ليوقف عليه. ومن جيد ما قيل في النبق قول بعضهم:
(أتاني فحيَّاني بنبقٍ كأنهُ ... حُليُ عروسٍ زان ليتاً وأخدعا)
(يأ حمرَ كالياقوتِ يقطر ماءهُ ... وأصفرَ كالعقيان ضَمَّهما معا)
وقال آخر:
(أقبلَ تحتَ الليل كالظبيِ الغَرق ... بالراح والرَّيْحان والمسكِ عَبِق)
(فجادَ بالوصلِ وحيَّا بالنبق ... وقلتُ نبقى هكذا ونتفق)
(ما اخضرَّ عودٌ أبداً لا نفترق)
وقلت في النبق:
(جلى الربيعُ علينا ... كواعباً أبكاراً)
(مُتوَّجات عقيقاً ... مسورات نهارا)
(ترى لهنَ من الورد ... شوذراً وخمارا)
(أهدى لنا جوهراتٍ ... تحيرُ الأبصارا)
(يا حسنَ حمرٍ وصفرٍ ... تريك جمراً ونارا)
(قد راقَ ذاك احمراراً ... وراع ذاك اصفرارا)
(وخلتُ هذا عقيقاً ... وخلتُ ذاك نُضارا)
(وذاك شهداً مشاراً ... وذاك راحاً عُقارا)
(لو كان يبقى سليماً ... نظمتُه تقصارا)
وقلت في المشمش ولا أعرفُ فيه لأحد شيئاً مرضياً:
(جنيتها والصبحُ وردىُ العَذَب ... بنادقاً مخروطةً من الذهبِ)
(قد ضُمَنت أمثالها من الخشب ... والتفَ منها خشبٌ على غَربِ)
(وصار منهُ السمُ حشواً للضرب ... فهي لعمري عجبٌ من العجبِ)
الغرب الفضة، والضربُ العسل. ولا أعرف في التين أجود من قول القائل:
стр. 400
(أهلاً بتينٍ جاءنا ... مُبتسماً على طبقِ)
(يحكي الصباحَ بعضهُ ... وبعضهُ يحكي الغسق)
(كسفرٍ مضمومةٍ ... قد جُمعت بلا حلق)
وقال الحلبي في الفستق:
(من الفستقِ الشامي كلُ مصونةٍ ... تصانُ من الأحداثِ فيٍ بطنِ تابوتِ)
(زبرجدة ملفوفة في حريرةٍ ... مضمنهُ دُراً مُغشى بياقوتِ)
وقلت في خيارة:
(زبرجدةٌ فيها قراضةُ فِضةٍ ... فإن رجعتْ تِبراً فقد خَسَّ أمرُها)
(تلم بناطورينِ في كلَ حجةٍ ... فيكثر فينا خَيْرُها ثم شرُّها)
(فعند المصيفِ ليسَ يفقدُ نفعَها ... وعندَ الخريفِ ليسَ يؤمنُ ضرُّها)
وأما ذمُ البساتين فمن أجود ما قيل فيه قول ابن الرومي:
(للهِ ما ضَيَّعْتُه من الشجرِ ... أطفالُ غرسٍ تُرتجى وتُنَتظر)
(ومُعجباتٍ من بقولٍ وزهر ... مصفرةٌ قد هرِمت لا من كبر)
(في بقعةٍ لا سِقَيتْ صوبَ المطر ... حالِقةٌ لنبِتها حلقَ الشعَر)
(ضميرُها النارُ وإن لم تستعر ... كلُ امرئ غيري من هذا البشر)
(بستانهُ أثني وبُستاني ذكر ... )
ومما يجري مع هذا قول الأعرابي:
(مُطرنا فلما أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائبٌ وحليب)
(ورامت رجالٌ من رجالٍ ظلامةً ... وعدتَ ذحولٌ بيننا وَذنُوبُ)
(ونصَّت ركابٌ للصبا فتروحَّتْ ... ألا ربما هاجَ الحبيبَ حبيبُ)
(بني عمنا لا تُعجلِوا نضبَ الثرى ... قليلاً ويشفي المترفينَ طبيبُ)
(ولو قد تولى الضبُ وامترت القرى ... وحنَّت ركابُ الحيّ حين تؤوبُ)
стр. 401
(وصارَ غَبوقَ الخودِ وهي كريمةٌ ... على أهلها ذو جِدتين مَشوب)
(وصارَ الذي في أنفهِ خُنزوانةٌ ... ينادي إلى هادي الرّحا فيجيبُ)
(أولئك أيامٌ تُبينُ للفتى ... أكاب سليب أو أشمُ نجِيب)
(الفصل الثالث من الباب السابع)
في ذكر النسيم من غريب ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(ونسيم يبشرُ الأرض بالقطرِ ... كذيلِ الغلالة المبلول)
(ووجوهُ البلادِ تنتظرُ الغيثَ ... إنتظارَ المحبَ ردَ الرسولِ)
وقال ابن الرومي:
(حَيتك عنا شمالٌ طافَ طائفها ... بجنَّة فجرت رَوْحاً وريحانا)
(هبّت سُحيراً فناجى الغُصنُ صاحبهُ ... سِراً بها وتنادَى الطيرُ إعْلَانا)
(ورقٌ تُغني على خضرٍ مهدلةٍ ... تَسمو بها وتشُمّ الأرض أحيانا)
(تخالُ طائرها نشوانَ من طربٍ ... والغصن من هزهِ عطفيه نشوانا)
وقال ابن المعتز:
(يَشقُ رياضاً قد تيقّظ نَورُها ... وبلّلها دمعٌ من المزنِ ذارفُ)
(كأنَ عبابَ المسكِ بين بقاعِها ... يفتحُها أيدي الرياح الضعائفُ)
وقلت:
(والصبا يجلبُ الغمامَ إلينا ... فترى القطرَ للرياضِ نَديما)
(وترى للغصون فيها نجِياً ... وعلى زَهْرة الرياضِ نميما)
وقال ابن الرومي:
(كأنَ نَسيمَها أرجُ الخزامي ... ولاها بعد وسمىٍ ولى)
стр. 402
(هديةُ شمالٍ هبَّت بليلٍ ... لأفنانِ الغصونِ بها نجِيُّ)
(إذا أنفاسُها نسمتْ سُحيراً ... تنفس كالشجىَ لها الخَليّ)
وقال ابن المعتز:
(وما ريحُ قاعٍ عازبٍ طلّه النّدى ... وروضٌ من الريحانِ دَرَّت سحائبهُ)
(فجاءت سُحَيراً بينَ يومٍ وليلةٍ ... كما جرَ في ذيلِ الغِلالة ساحبهُ)
وقد أحسن التشبيه أيضاً في قوله:
(ومهمهٍ كرداءِ الوشي مشتبهٍ ... نفذتهُ والدُّجى والصبحُ خيطانِ)
(والريحُ تجذبُ أطرافَ الرداءِ كما ... أفضى الشفيقُ إلى تنبيهِ وَسْنانِ)
وقلت:
(وأقبل نَشرُ الروضِ في نفس الصّبا ... فباتَ به ثوبُ الهواءُ مُكفرا)
ومما لم يجئ في معناه مثله قول بشار:
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا المكتفي بالله يوماً أنه كان نائماً فسمع دق باب فانتبه له مرتاعاً ثم سكن قليلاً ثم عاد فنظر فإذا الريحُ تحرك الباب حركةً كأنها دق بيد، قال فقلتُ له قد ذكر الشاعر ذلك وما هو فأنشدته لبشار:
(طرقتني صباً فحركتِ البابَ ... هُدُواً فارتعتُ منهُ ارتيابا)
(فكأني سمعتُ حسَ حبيب ... نقرَ البابَ نقرةً ثم هابا)
قال ما كنت أظنُ أنه قيل في هذا شئ وما أقل ما يجري مما لم يذكرهُ الناس. وقال ابن الرومي وأحسن:
(لولا فواكهُ أيلولٍ إذا اجتمعتْ ... من كلِّ نوعٍ ورقَ الجوُ والماءُ)
(إذاً لما حفَلت نفسي متى اشتملت ... عليهِ هائلة الحالين غبراء)
(با حبذا ليلُ أيلولٍ إذا بردتْ ... فيهِ مضاجُعنا والريحُ سجواءُ)
(وجمّش القرُ فيه الجلدَ وأتلفتْ ... من الضجيعين أحشاءٌ وأحشاءُ)
стр. 403
(وأسفرَ القمرُ الساري فصَفْحتهُ ... ريّالها من صفاء الجو لألأء)
(يا حبذا نفحةٌ من ريحهِ سحراً ... يأتيك فيها من الريحانِ أنباءُ)
(قل فيه ما شئتَ من شهرٍ تعهدهُ ... في كلَ يومِ يدٌ للهِ بيضاءُ)
وقلت:
(ولهُ مجنحُ الأصيلِ نسيمٌ ... لينٌ العطفِ هين الخطرانِ)
(أرجٌ يقتدي به نفسُ المسك ... وتحكيه نكهةُ الزعفرانِ)
(كم غدا مُدنفاً وراحَ حسيراً ... يتهادى في دجلة المسرُقان)
(فرأينا لهُ لبوسَ شجاعٍ ... ووجدنا بها ارتعاشَ جبانِ)
وإلى هذا انتهى بنا القول في هذا الباب ولو أدرنا استقصاءه أضجرنا وأمللنا ولم نأت على ما في نفوسنا منه، والاقتصار على المشاهير والأعيان منه أولى وبالله التوفيق. انقضى البابُ السابع من كتاب ديوان المعاني والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كلما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قمع الضلالة ودمغ الجهالة وقذف بالحق على الباطل فأزهقه وأزاله منه حتى أوبقه بما أقام من الدلائل الواضحة وبين من الشواهد اللائحة وجعل لخلقه حدوداً حذرهم تعديها وخوفهم تخطيها بالقول الصادق والبيان الصادع إعذاراً وتحذيراً وحجة وتنبيها فمن لم يقنعه ما سيق من صدق قوله وحتم أمره ونهيه حكم فيه السيف وسلط عليه السوط ليرداه إلى سبيل الحق بعد أن يجعلاه نكالاً للخلق والله عليم حكيم. وصلى الله على نبيه محمداً وآله أجمعين. وهو حسبنا ونعم الوكيل.
стр. 404
(هذا كتاب المبالغة) في صفات الحرب والسلاح والطعن والضرب وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب الثامن من كتاب ديوان المعاني)
قالوا أبلغُ ما قيل في صفة الحرب قول الأول:
(كأنَ الأفقَ محفوفٌ بنارٍ ... وتحتَ النارِ آسادٌ تزيرُ)
وقريب منه قول محدث:
(ويوم كأن المصطلينَ بحرهِ ... وإن لم يكن جمرٌ وقوفٌ على جمرِ)
(صبرنا له حتى تجلى وإنما ... تُفَرَّجُ أيامُ الكريهةِ بالصبرِ)
ومن بليغ ما قيل في شدة الروع قول زيد الخيل:
(والخيلُ تعلمُ أني كنتُ فارسَها ... يوم الأكس به من نجدةٍ روقُ)
وقول المفضل النكري:
(فداءٌ خالتي لبني حيي ... خصوصاً يومَ كسُ القومِ روقُ)
معناه أن الأكس وهوالقصير الأسنان قد كلح من كراهة الحال وشدة الروع حتى تراه كأنه أروق وهو الطويل الأسنان، أخَذَهُ أبو تمام فأجاده في قوله
(فخيل من شدة التعبيس مبتسماً)
على أنه ليس فيه مدح لأن الكلوح في الحرب لا يدل على الشجاعة. ومما يدخل في هذا الباب وليس منه قول أبي فراس بن حمدان في خيل طاردت يوم ثلج:
(ويوم كأن الأرضَ شابت لهولهِ ... قطعتُ بخيل حشو فرسانها الصبرُ)
стр. 405
(تسيرُ على مثلِ الملاءِ منشراً ... وآثارها طُرزٌ وأطرافها حُمرُ)
أجود ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
(وكتيبة لبّستها بكتيبةٍ ... حتى تقولَ نساؤهم هذا الفتى)
(يخرجنَ من خللِ الغبار عوابساً ... كأناملِ المقرور أقعى فأصطلى)
(يتخالسونَ نفوسهم برماحهم ... فبمثلهم باهى المباهي وانتمى)
ومن أجود ما قيل في انصباب الخيل في الغارة قول ضمرة بن ضمرة:
(والخيلُ من خَلل الغبارِ خوارجٌ ... كالتمر ينثرُ من جِراب الجرمِ)
وقال آخر:
(ورُبَتَ غارةٍ أوضعتُ فيها ... كسحَ الخزرجيّ جرَيم تمرِ)
وقد أحسن الأعرابي في قوله:
(نُقاذفُ بالغاراتِ عبساً وطئياً ... وقد هربت منا تميمٌ ومذْحجُ)
(بغزوٍ كولغ الذئبِ غادٍ ورائح ... وكسرٍ كصدع السيفِ لا يتعرجُ)
وقال أبو فراس:
(وسمرٍ أعاد يلمعُ البيض بينهم ... وبيض أعادٍ في أكفهمُ السمرُ)
(وخيل يلوحُ الخيرُ بينَ عُيونها ... ونصلٍ إذا ما شمتهُ نزلَ النصر)
(وقوم متى ما ألقهم رَوِيَ القنا ... وأرضٍ متى ما أغزها سبعَ النسر)
ومن أبلغ ما قيل في إعمال السيف قول عمرو بن كلثوم:
(كأن سيوفنا فينا وفيهم ... مخاريقٌ بأيدي لاعبينا)
وقول قيس بن الخطيم
(كأنّ يدَي بالسيفِ مخراقُ لاعبِ)
ومن أحسن ما قيل في الضرب قول الحماني:
(وإنا لتصبحُ أسيافنا ... إذا ما انتضين ليوم سُفوك)
(منابرهنَ بُطونُ الأكفَ ... وأغمادُهنَ رؤوسُ الملوكِ)
стр. 406
أخذه من قول سعد بن ناشب:
(فإنَ أسيافنا بيضُ مهندةٌ ... عتقٌ وآثارها في هامكمُ جُددُ)
(وإن هويتم سللناها فما غمدت ... إلا وهامُ بني بكر لها غمدُ)
وقال مسلم
(ونغمد السيف بين النحر والجيد)
وقال أيضاً:
(لو أنَ قوماً يخلقونَ منيةً ... من بأسهم كانوا بني جبريلا)
(قومٌ إذا حمرَ الهجيرُ من الوغى ... جلعوا الجماجمَ للسيوفِ مقيلا)
وقال حسان:
(ويثربُ تعلمُ أنّابها ... أُسُودُ تنفضُ البادَها)
(إذا ما غضبنا بأسيافنا ... جعلنا الجماجمَ أغمادها)
وأحسن ما قيل في الضربة الدامية قول ابن المعتز:
(شقَ الصفوفَ بسيفهِ ... وشفى حزازاتِ الأحَنْ)
(دامي الجراح كأنه ... وردٌ تفتَّح في فننْ)
ومن عجيب ما قيل في كثرة الطعن يقع في الجسد قول بعضهم:
(فلولَا اللهُ والمهرُ المفدَّى ... لرحتَ وأنتِ غِربالُ الإهابِ)
وقال قيس بن الخطيم في سعة الطعنة:
(طعنتُ ابنَ عبدِ القيسِ طعنةَ ثائرٍ ... لها نفذٌ لولا الشعاعُ أضاءها)
(ملكتُ بها كفي فأنهرتُ فتقَها ... يَرَى قائمٌ من دونها ما وراءها)
ومن أبلغ ما قيل في مضاء السيف قول النمر بن تولب)
(أبقى الحوادثُ والأيامُ من نمرٍ ... أسبَادَ سيفٍ قديم اثرهُ بادي)
(تظلُ تحفرُ عنهُ إن ضربت به ... بُعد الذراعينِ والساقينِ والهادي)
وهذا من الأفراط والغلو وهو عند بعضهم مذمومٌ إذا كان في هذا الحد وعند آخرين ممدوحٌ، يقول إذا ضربت به قطع المضروب وتجاوزه حتى غاص في الأرض فاحتجتَ أن تحفرَ عنه فتستخرجه. ودون ذلك في الغلو قول النابغة:
стр. 407
(يطيرُ فُضاضاً بينهم كلُ قونسٍ ... ويتبعها منهم فراشُ الحواجبِ)
(تَقُدُ السَلوقي المضاعفَ نسجهُ ... وتوقد بالصُفاحِ نارَ الحُباحب)
ويقول إنها تقد الدرعَ التي ضُوعف نسجها والفارس حتى تبلغ الأرض فتقدح النار بالصفاح، وهي حجارة. ومن بليغ ما قيل في صفة السيف قول ابن يامين قال محمد بن داود بن الجراح عن أبي هفان عن الإياسي القاضي عن الهيثم بن عدي قال لما صار سيف عمرو بن معدي كرب الذي يُسمى الصمصامة إلى الهادي وكان عمرو وهبه لسعيد بن العاص فتوارثه ولده إلى أن مات المهدي فاشتراه موسى الهادي منهم بمال جليل وكان موسى من أوسع بني العباس خُلقاً وأكثرهم عطاءً للمال قال فجرده ووضعه بين يديه وأذن للشعراء فدخلوا ودعا بمكتل فيه دنانير فقال قولوا في هذا السيف فبدرهم ابن يامين فقال:
(حازَ صمصامة الزبيدي من بين ... جميع الأنامِ موسى الأمينُ)
(سيفُ عمروٍ وكانَ فيما سمعنا ... خيرَ ما أغمدت عليه الجفون)
(أوقدت فوقهُ الصواعقُ ناراً ... ثم شابت به الزعاف القيون)
(فإذا ما هززته بهرَ الشمسَ ... ضياءً فلم تكن تستبين)
(يستطيرُ الأبصار كالقبسِ المشعلِ ... ما تستقرُ فيهِ العيون)
(وكأن الفرندَ والجوهرَ الجاري ... في صفحتيه ماءٌ معينُ)
(نِعمَ مخراقُ ذي الحفيظة في الهيجا ... بعضاتها ونعمَ القرينُ)
(ما يبالي إذا إنتضاهُ لضربٍ ... أشمالٌ سطت بهِ أم يمين)
(وكأن المنونَ نِيطت إليهِ ... فهو من كلِّ جانبيه منَون)
أخذ عليه من هذه الأبيات تشبيهه السيف بالشمس ثم بالقبس لأنه قد حطهُ درجاتٍ، فقال موسى أصبتَ ما في نفسي واستخفه الفرحُ فأمر له بالمكتل والسيف
стр. 408
فلما خرج قال الشعراء: إنما حرمتم لأجلي فدونكم المكتل ولي في هذا السيف غني، قال فقام موسى فاشترى السيف منه بمال جزيل هـ. وذكر الهيثم بن عدي هبة عمرو بن معدي كرب الصمصامة لسعيد بن العاص فقال قال سعيد بن العاص وهو بالكوفة لعمرو بن معدي كرب هب لي الصمصامة فإنك قد ضَعفت عن حمله وكان وزنهُ سِتة أرطال فقال عمرو ما ضَعُفَت قناتي ولا جناي ولا لساني وإن اختل جُثماني وهو لك على أنه أوحِش من لايؤنسه وأظلم من لا يقبسه ثم قال:
(خليلٌ لم أهبهُ من قلاهُ ... ولكنَ المواهبَ في الكرامِ)
(خليلٌ لم أخنهُ ولم يخُنِّي ... على الصمصامِ أضعافُ السلام)
قوله
(أوحش من لا يؤنسه وأظلم من لا يُقبسه)
يقول إذا كنتُ أستوحش من جانب العدو آنستي وإذا أظلم ليَ الليل أضاء لي. وقال البحتري:
(مصغ إلى حُكم الردَى فإذا مضى ... لم يلتفت وإذا قضى لم يعدل)
(متوقد يَبري بأولِ ضربةٍ ... ما أدركتْ ولو أنها في يذبل)
(فإذا أصابَ فكلُ شئ مقتلٌ ... وإذا أصيبَ فما له من مقتلِ)
(يغشى الوغى فالترسُ ليس بجنة ... من حدهِ والدرعُ ليس بَمعقل)
وذكر عمرو بن معدي كرب أنواع السلاح فأجاد
أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو عبد الله بن عرفة قال
أخبرنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال حدثني رجلٌ من ولد أبي سرحة الغفاري قال قدم عمرو بن معدي كرب على عمر بن الخطاب ﵁ فسأله عن سعد بن أبي وقاص فقال عمر أعرابي في نمرته عاتقٌ في حجلته أسدٌ في تامورته نبطي في حبايته. فقال كيف علمك بالسلاح؟ فقال بصيرٌ قال فأخبرني عن النبل قال منايا تخطئ وتصيب قال فأخبرني عن الرمح
стр. 409
قال أخوك وربما خانك قال فأخبرني عن الترس قال هو المجنُ وعليه تدور الدوائر قال فأخبرني عن السيف قال عنده قاوعت أمك الثكلى قال بل أمك والحمى أضرعتني لك. النمرة كساءٌ أسودُ تلبسه الأعراب، والعاتق الجارية الكعاب وصفه بالحياء والتامورةُ ههنا الأجمة، فقال نبطيٌ في جبايته وصفه بالاستقصاء في جباية الخراج، وقوله الحمى أضرعتني لك أي الاسلام قيدني لك وأذلني ولو كنتُ في الجاهلية ما كلمتني بهذا الكلام، وهو مثلٌ العرب تضربهُ عند الشئ يضطرها إلى الخضوع. ومثل ذلك ما
أخبرنا به أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قال قال الأغرُ النهشلي ووقع بينه وبين قومه شرٌ فأرسل ابنه وقال يا بني كن يداً لأصحابك على قتالهم وإياك والسيف فإنه ظل الموت واتق الرمح فإنه رشأ المنية ولا تقرب السهام فإنها رُسُلٌ تعصبي وتطيع قال فبم أقاتل؟ قال بما قال الشاعر:
(جلاميدُ أملاء الأكفّ كأنها ... رؤوسُ رجالٍ حُلّقت في المواسمِ)
فعليك بها فألصقها بالأعقاب والسوق. وقد أحسن التنوخي في صفة الحرب حيث يقول
(في موقف وقفَ الحمامُ ولم يَزغ ... عن ساحتيه وزاغت الأبصارُ)
(فَقَناً يسيلُ من الدماءِ على قنا ... بطوالهنَ تُقصرُ الأعمارُ)
(ورؤوسُ أبطالٍ تطايرُ بالظٌّبى ... فكأنها تحتَ الغبار غبارُ)
وقد أجاد بن المعتز في هذا المعنى حيث يقول
(قومٌ إذا غضبوا على أعدائهم ... جَرُّوا الحديدَ أزجَّةً ودُروعا)
(وكأن أيديهم تُنفَرُ عنهمُ ... طيراً على الأبدانِ كُنَ وقُوعا)
وقال أيضاً:
(بطعنٍ تضيعُ الكفُ في لهواتهِ ... وضربٍ كماشقَ الرداءُ المرعَبَل)
وقال أيضاً:
(قرَينا بعضَهم طعناً وجيعاً ... وضرباً مثلَ أفواهِ اللقاحِ)
стр. 410
وقال البحتري وأحسن في ذلك:
(ألوي إذا طعنَ المدجج صَكهُ ... ليديهِ أو نثرَ القناة كُعوبا)
(فأنا النذيرُ لمن تغطرسَ أوطغى ... من مارنٍ يدعُ النُحورَ جُيوبا)
وقد ظرف في قوله أيضاً:
(ولو لم يحاجِز لؤلؤٌ بفرارهِ ... لكانَ لصدرِ الرُمحِ في لؤلؤٍ ثقبَ)
ومن المختار قول مالك بن نُويرة:
(بسمرٍ كأشطانِ الجرور نواهلٍ ... يجور بها ذو المنايا ويهتدي)
(يقعنَ معاً فيهم بأيدي كماتنا ... كأنّ المنايا للرماح بموعد)
ومن أبلغ ما قيل في صفة الضرب والطعن من قديم الشعر قول عبد مناف بن ربعي:
(فالطعنُ شعشةٌ والضربُ هيقعةً ... ضربَ المعَولِ تحتَ الديمة العضدا)
(وللقسيّ أزاميلٌ وغمغمةٌ ... حِس الجنوب تسوِّي الماءَ والبردا)
الهيقعة: وقع الشئ الصُلب على مثله سمعت هيقعة الحجر والحديد، وشبه أصوات القسي بصوت السحاب الذي فيه برد، والمعول الذي يتخذ العالة وهو أن يعمد الراعي أذا خاف المطر إلى الشجر يتعضده ويجعل عضده على شجرتين متقاربتين ويستكن تحته، والعضدُ ما يعضد من الشجر أي يُقطعُ والعضد المصدر. ومن أجود ما قيل في نفوذ التدبير في الحرب مع الغيبة عنها قول ابن الرومي في صاعد:
(يَظلُ من الحربِ العوانِ بمعزلٍ ... وآثارهُ فيها وإن غابَ شُهدُ)
(كما احتجتَ المقدارُ والحُكم حكمهُ ... على الناسِ طراً ليس عنهُ مُعردُ)
أخذه من قول بشار بن برد: ( ... الدهرُ طلاعٌ بأحداثهِ ... ورُسلهُ فيها المقادير)
(محجوبة تُنفذ أحكامَها ... ليسَ لنا عن ذاكَ تأخيرُ)
وقال حصرتَ عميدَ الزَّنج حتى تخاذلت ... قواهُ وأودى زاده المتزودُ)
стр. 411
(وكانت نواحيهِ كثافاً فلم تزل ... تحيَّفُها حتى كأنك مبردُ)
(تفرقُ عنهُ بالمكايدِ جندهُ ... وتزدارهم جنداً وجيشُك محصّد)
(سكنت سكوناً كان رَهناً بوثبةٍ ... عماسٍ كذاك الليثُ للوثبِ يلبدُ)
(فما رمتهُ حتى أستقلَ برأسه ... مكان قناةِ الظهرِ أسمرُ أجردُ)
(مناك له مقدارهُ فكأنما ... تقوضَ ثهلانٌ عليهِ وصِنْددُ)
فقال صندد بفتح حرف الردف وهو خطأ وليس في العربية فعلل إلا درهم وهجرع وهو الطويل الأحمق، وهبلع وهو الكثير البلع، وقلعم وهو الكثير القلع للأشياء، وكان بنى قصيدته على فتح الردف ولم يلزمه ذلك وكابر على فتح صندد ورمدد وهما مكسوران فزعم محمد بن حبيب أنه رواهما بالفتح وكابر أيضاً على فتح الراء من درم في قصيدته التي أولها:
(أفيضا دماً ان الرزايا لها قِيم ... )
وإنما هو (درم) . وأحسن ما قيل في الكيد والحرب قول أبي تمام:
(هززتَ له سيفاً من الكيدِ إنما ... تُجذُّ به الأعناقُ ما لم يجرّدِ)
(يسرُ الذي يسطو بهِ وهو مغمدٌ ... ويفضحُ من يسطو به غيرَ مُغَمدِ)
يقول إن أخفيت الكيد ظفرت وسررت وإن أطهرته افتضحت وخبت وقد أحسن في وصف الرماح حيث يقول:
(أنهبتَ أرواحهُ الأرماح إذ شُرِعت ... فما تُردُ لريبِ الموتِ عنهُ بدُ)
(كأنها وهي في الأرواحِ والغةٌ ... وفي الكُلى تجدُ الغيظَ الذي يجدُ)
(من كلَ أزرقَ نطارٍ بلا نظرٍ ... إلى المقاتلِ ما في متنهِ أودُ)
(كأنه كان خِدنَ الحبَ مُذ زمنٍ ... فليس يعجزهُ قلبٌ ولا كبدُ)
ويُشبه بياض السيف بالملح فمن أجود ما قيل فيه قول النمري:
(ذكرٌ يرونقه الدماءُ كأنما ... يعلو الرجالَ بأرجوان فاقع)
стр. 412
(وترى مضارب شفرتيهِ كأنها ... ملحٌ تناثرَ من وراءِ الدارعِ)
ويُشَبَه الفرند بمدبَ الذر فمن قديم ما قيل فيه قول امرئ القيس:
(متوَسداً عَضْباً مضاربُه ... في متنهِ كمدبةِ النملِ)
وقول أوس بن حجر:
(وذو شطباتٍ قدهُ ابن مُجدَع ... له رونقٌ ذرِّيه يتأكلُ)
(وأشبرنيه الهالكيُّ كأنه ... غديرٌ جرى في متنهِ الريحُ سلسلُ)
(وأخرج منه القينُ أثراً كأنه ... مَدَبُ دُباً سودٍ سرى وهو مسهلُ)
وقال ابن المعتز وأبدع:
(وَجَرَدَ من أغمادهِ كلَ مرهَفٍ ... إذا ما انتضته الكفُ كاد يسيلُ)
(ترى فوقَ متنيهٍ الفرندَ كأنما ... تنفسَ فيهِ القينُ وهو صقيلُ)
وقال إسحاق بن خلف:
(ألقي بجانبِ خصرهِ ... أمضى من الأجلِ المُتاح)
(وكأنما ذرَ الهباءَ ... عليه أنفاسُ الرِّياحِ)
وقال قيسُ بنُ الخطيم:
(أجالدُهم يومَ الحديقةِ حاسراً ... كأن يدي بالسيفِ مخراقُ لاعِبِ)
(بسيفٍ كأن الماءَ في صفحاتهِ ... طحاريرُ غيمٍ أو قُرونُ جنادبِ)
أخذه ابنُ المعتز فقال:
(ولي صارمٌ فيهِ المنايا كوامنٌ ... فما يُنتضَى إلا لسفكِ دماءِ)
(ترى فوقَ متنيهِ الفرندَ كأنه ... بقيةُ غيمٍ رقَ دونَ سماءِ)
وقد أجاد ابن الرومي في قوله:
(خيرُ ما استعصمت بهِ الكفُّ عضبٌ ... ذكرٌ متنهُ أنيثُ المهزَ)
(ما تأمَّلْتَه بعينِك إلاّ ... أبرقت صفحتاهُ من غيرِ هزَ)
(مثله أفزعَ الشجاعَ إلى الدرع ... فغالي به على كلَ بزَ)
стр. 413
(ما أبالي أصمَّمتْ شفرتاهُ ... في محزٍ أو جازتا عن محزّ)
وقال آخر:
(جرّدُوها فألبسوها المنايا ... عِوضاً عوضت من الأغمادِ)
(وكأن الآجالَ ممن أرادوا ... وظُباها كانت على ميعادِ)
وقلت:
(تميلُ كفيّ من سيفٍ إلى قلمٍ ... والعزُ نصفانِ بينَ السيفِ والقلمِ)
وقال ابن المعتز:
(وسيوفٍ كأنها حينَ سُلت ... ورقٌ هزهُ سقوطُ قِطارِ)
(ودروعٍ كأنها شمطٌ جعدٌ ... دهينٌ يضلُ فيه المَدَاري)
وقال ابن الأعرابي أحسن ما قيلَ في صفة الرماح:
(وبكلَ عَرَّاص المَهزّةِ مارنٍ ... فيه سنانٌ مثلُ ضوءِ الفرقَدِ)
أحسن ما قيل في صفة الرماح قول المزرد:
(أصم إذا ما هُزَ مالت سراته ... كما مال ثعبانُ الرمالِ الموائلِ)
(له رائدٌ ماضي الغرار كأنه ... هلالٌ بدا في ظلمةِ الليلِ ناحلِ)
وقال الأصمعي أحسن ما قيل في صفة الرمح قول أبي زبيد:
(وأسمر مربوعٌ يرى ما أريته ... بصيرٌ إذا صوّبته للمقاتلِ ... وقال ابن الأعرابي أحسن ما قيل في ذلك قول مسكين:
(بكلَ رُدَينيٍ كأنَ كعوبَه ... قطانسق يستورد الماءَ صائفُ)
(كأنَّ هلالاً لاحَ فوق سراتهِ ... جلا الغيمَ عنهُ والقتامَ الحراجفُ)
وأحسن ما قيل في سرعة وقع الرماح وتداركه قول دريد بن الصمة:
(نظرتُ إليهِ والرماحُ تنوشهُ ... كوقع الصياصي في النسيج المددِ)
الصيصية الشوك الذي يسوي به الحائك الثوبَ، والصيصية أيضاً الحصن ويقال لناشز من ساق الديك الصيصية أيضاً. وقد أحسن البحتري في وقوله:
(في مغركٍ ضنكٍ تخالُ بهِ القنا ... بين الضلوعِ إذا انحنينَ ضلوعا)
стр. 414
وأجود ما قيل في إدمام حمل الرمح قول الآخر:
(وقد طالَ حملي الرمحَ حتى كأنهُ ... على فرسي غصنٌ من البانِ نابتُ)
(يطولُ لساني في العشيرةُ مُصلحاً ... على أنه يومَ الكريهةِ ساكتُ)
والسكوت في الحرب دليل على سكون الجأش، وكثرة الصوت فيها إمارة الفزع، وقد قيل
(وكثرة الصوت والإيعاد من فشل ... )
وقلتُ في الرمح:
(يغدو بصدْق الكعوبِ لَدْن ... يهتزُّ ما بينَ كوكبينِ)
أعني الزج والسنان. وقال البحتري:
(كأنما الحربةُ في كفهِ ... نجمُ دُجى شيعهُ البدرُ)
وقد شبهت العرب الرماح بالأشطان والأسنة بالشهبان فتركنا ذكر ذلك لشهرته واستفاضته. أجود ما قيل في القوس من قديم الشعر قول أوس بن حجر وهو أوصف العرب للسلاح:
(فجرّدَها صفراءَ لا الطولُ عابها ... ولا قصرٌ أزريَ بها فتعطلا)
(كتومٌ طِلاع الكفَ لا دونَ مَلِئها ... ولا عجسُها عن موضع الكفِّ أفضلا)
(وحشوَ جفيرٍ من فروعِ غرائب ... تنطعَ فيها صانعٌ وتأمَّلا)
(تُخيرنَ أنضاءً وركبنَ أنصُلاً ... كجمرِ الغضا في يوم ريحٍ تزيّلا)
وقال الشماخ في صوت القوس:
(إذا أنبضَ الرامونَ عنها ترنمت ... تَرَنُمَ ثكلى أوجعتها الجنائز)
وقال آخر:
(وهي إذا أنبضت عنها تسجعُ ... ترنم الثكلى أبتْ لا تهجعُ)
وقال آخر:
(تسمعُ عندَ النزع والتوتيرِ ... في سيتَيْها رنّة الطنبورِ)
وقال الأصمعي: أحسن كلام في الإيجاز قول عكلي في صفة قوس:
(في كفه معطيةٌ منوع ... )
ومن أحسن ما قاله محدث في القوس قول ابن المعتز بالله.
стр. 415
(أتيح لها هفانُ يخطم قوسه ... بأصفرَ حَنّانِ القرَى غير أعزلا)
(فأودعهُ سهماً كمدِرى مواشطٍ ... بعثنَ بهِ في مفرقٍ فتغلغلا)
(بطيئاً إذا أسرعتَ إطلاقَ فُوقِه ... ولكن إذا أبطأتَ في النزع عجّلا)
وأجود ما شُبَه به أفواقُ السَهام قول الآخر:
(أفواقُها حشوُ الجفير كأنها ... أفواهُ أفرخةٍ من النغران)
والنغران جمع نغرة وهي عصفورة. وقال الفندُ الزماني:
(ونبلي وقفاها كعراقيب قطاً طحل)
أخذه عتابُ بن ورقاء فقال:
(وحطّ عن منكبهِ شريانةَ ... مما اصطفى باري القسيِّ وانتقى)
(أمّ بناتٍ عَدهَا صانُعها ... ستينَ في كنانةٍ مما برى)
(ذات رؤوسٍ كالمصابيح لها ... أسافلٌ مثل عراقيبِ القطا ... )
(إن حُرِّكت حنّت إلى أولادها ... كحنِّةِ الوالهِ من فقدْ الطّلا)
(حتى إذا ما قُرنت ببعضِها ... لانت ومال طرفاها وانثنى)
وقال ابن الرومي في قوس بندق:
(كأنّ قَراها والغرور التي بها ... وإن لم تجدها العينُ إلا تتبُعا)
(مَذرُ سحيقِ المسك فوقَ صلابةٍ ... أدبَ عليها دارجُ الذَّر أكرُعا)
(لها أولٌ طوع اليدينِ وآخرٌ ... إذا سُمتهُ الأغراقَ فيهِ تمنعا)
(تطوعُ لراميها الرمايا كأنما ... دعاها لهُ داعي المنايا فأسمعا)
(يقلبُ نحو الجوّ عيناً بصيرةً ... كعيِنك بل أذكى ذكاءً وأسرعا)
стр. 416
(لها عَولةٌ أولى بها من تصيبهُ ... وأجدرُ بالأعوالِ من كان موَجعا)
وهذا مثل قوله في امرأة:
(تُشكي المحبَ وتلفى الدهرَ شاكيةً ... كالقوسِ تصمي الرَّمايا وهي مِرنان)
وقال المتنبي في سداد الرمي:
(يُصيبُ ببعضها أفواقَ بعض ... فلولا الكسرُ لا تصلت قضيبا)
وقال الراجز في ضد ذلك:
(مستهترٌ بالرمي واهٍ عضدهُ ... يطيعهُ القلبُ وتعصيهِ يَدهْ)
(أحصن شئ يومَ يرمي طرَده ... كأنهُ فؤاده أو كبده)
وقال ابن الرومي في سهام:
(وكل ابن ريح يسبقُ الطرفَ معجه ... مروقٌ ومنزوعٌ لدى حَومَةِ الجذبِ)
(صنيعٌ مريشٌ قَومَ القينُ متنهُ ... فجاءَ كما سُلَ النخاعُ من الصلبِ)
(يغلغلهٌ في الدرع نصلٌ كأنهُ ... لسانُ شُجاع محرج هَم بالسلبِ)
وقال ابن المعتز في قوس البندق:
(وماءٍ به الطيرُ مربوطةٌ ... تحاكي الحلىَ بأطواقها)
(غدونا عليهِ وشمسُ النهار ... لن تكسهُ ثوبَ إشراقها)
(فظلنا وظلتُ عيونُ القسيِّ ... ترمي الطيورَ بأحداقها)
وقد أحسن القائل في صفة الرماح على العواتق:
(ترى غابةَ الخطَى فوقَ رؤوسهم ... كما أشرقت فوقَ الصوارِ قرونها)
ومما يجري مع ذلك قول أبي فراس بن حمدان:
(وما الذنبُ إلا العر يركبهُ الفتى ... وما ذنبهُ إن جاوزتهُ المطالبُ)
(ومن كان غير السيفِ كافل رزقهِ ... فللذلَ منهُ لا محالةَ جانب)
وما جاء عن أهل الجاهلية في النشاب شئٌ إلا قول سيف بن
стр. 417
ذي يزن يذكر القوس:
(هَزُّوا بناتِ الرياح نحوهمُ ... أعوجُها طامحٌ وزمزمها)
(كأنها بالفضاءِ أرشيةٌ ... يخفُ منقوضها ومُبرَمُها)
فأما النبلُ فقد جاء فيها عنهم شئٌ كثيرٌ. أجود ما قيل في الدروع: قال أبو عبيدة أحسن ما قيل فيها قول كعب بن زهير:
(وبيض من النسج القديم كأنها ... نهاء بقاع ماؤها مترابعُ)
(تصفقها هوجُ الرياح إذا صفَت ... وتعقبها الأمطارُ فالماءُ راجع)
وهو مأخوذٌ من قول امرئ القيس:
(تفيضُ على المرءِ أردانُها ... كفيضِ الأتيِّ على الجدجِد)
وقال البحتري:
(يمشون في زرد كأنَ مُتونها ... في كل معركةٍ مُتونَ نهاءِ)
(بيضُ تسيل على الكماةِ فضولها ... سيلَ السرابِ بقفرة بيداءَ)
(وإذا الأسنةُ خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكبٍ في ماءِ)
ومعنى البيت الأخير دقيقٌ غريبٌ حسنٌ مصيبٌ ما أظنه سبق إليه. ومن مليح ما جاء في صفة الدرع قول بعض بني هاشم:
(وعلىَ سابغةُ الذيولِ كأنها ... سلخٌ كسانيهِ الشجاعُ الأرقمُ)
ومن مليح ما جاء في صفة الحرب
ما أخبرنا به أبو القاسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال رجل من بني تميم لعبادي: لم يكن لآل نصر بن ربيعة صولة في الحرب قال لقد قلتُ بطلاً ونطقت خطلاً كانوا والله إذا أطلقوا عُقل الحرب رأيت فرساناً تمور كرجل الجراد وتدافع كتدافع الأمداد في فيلق حافاته الأسل يضطرب عليها الأجل إذا هاجت لم تتناه دون بلوغ إرادتها ومنتهى غايات طلباتها لا يدفعها دافع ولا يقوم لها جمعُ جامع وقد وثقت بالظفر لعزَ أنفسها
стр. 418
وأيقنت بالغلبة لضراوة عادتها فإنها العلوُ والتمكينُ ولمن ناوأها الذلُ والتوهينُ خصت بذاك على العرب أجمعين. ومما يجري مع ذلك ما أخبرنا به أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر قال أنشد جريرٌ هشام بن عبد الملك:
(لقوميَ أحمي للحقيقةِ منكمُ ... وأضربُ للجبّار والنقعُ ساطعُ)
(وأوثقُ عندَ المردفاتِ عشيةً ... لحاقاً إذا ما جردَ السيف لامعُ)
فقال هشام لم تركتَ نساءك حتى أردفن ألا جعلتهن كنسوة المخبل فما سمعنا بعربيان قط أمنع منهن حيثُ يقول:
(وساقطةٍ كُور الخِمار حييةٍ ... على ظهر عُرى زالَ عنها جِلالهُا)
(تَشُدُ يديها بالسنامِ وقد رأت ... مسومةُ يأوي إليها رِعالها)
(نزلنا فساقينا الكُماةَ دِماءَها ... سجالَ المنايا حيثُ تُسقي سجالُها)
وأجود ما قيل في ثبات الرجال في الحرب قول الحرث بن عباد:
(قَربا مربطَ النعامةِ مني ... لَقَحَتْ حربُ وائل عن حِيال)
(قَرِّباها فأنَ كفيَ رهنٌ ... أنْ تَزولَ الجبالُ قبل الرجالِ)
وقد وصف اللهُ ذلك في كتابه فقال ﴿إن اللهَ بحبُ الذينَ يُقاتِلونَ في سَبيلهِ صفاً كأنهم بُنيانٌ مَرصُوصٌ﴾ ولم يصف أحدٌ من المتقدمين والمتأخرين القتال في المراكب إلا البحتري:
أخبرنا به أبو أحمد قال
أخبرنا الصولي قال سمعت عبد الله بن المعتزيقولُ لو لم يكن للبحتري إلا قصيدته السينية في وصف إيوان كسرى فليس للعرب سينية مثلها، وقصيدته في البركة
(ميلوا إلى الدارِ من ليلى نحييها ... )
واعتذاراته في قصائده إلى الفتح التي ليس للعرب بعد اعتذرارت النابغة إلى النعمان مثلها، وقصيدته في دينار بن عبد الله التي وصف فيها ما لم يصفه أحدٌ قبله أولها
(ألم تر تغليس الربيع المبكر ... )
ووصف حرب المراكب في البحر لكان أشعر الناس في زمانه فكيف إذا أضيف إلى هذا صفاء مدحه ورقة تشيبهه. وكان كثيراً ما ينشد له ويعجب من جودته
стр. 419
(عدوتُ على المأمونِ صُبحاُ وإنما ... غدا المركبُ الميمونُ تحتَ المظفَّرِ)
(إذا زمجرَ النوتي فوقَ علاتهِ ... رأيت خطيباً في ذُؤابةِ منبرِ)
(يَغضُّونَ دُونَ الاستنامِ عيونهم ... وقوفَ السماطِ للعظيم المؤمَّر)
(إذا ما علت فيه الجنوب اعتلى له ... جناحا عُقابٍ في السماءِ مُهجَّر)
(إذا ما انكفا في هبوةِ الماءِ خلتَهُ ... تلفعَ في أثناء بُردٍ محبرِ)
(وحولك ركابونَ للهولِ عاقروا ... كؤوسَ الردى من دارعينَ وحُسر)
(تميلُ المنايا حيثُ مالت أكفُّهم ... إذا أصلتوا حدَ الحديدِ المذكَر)
(إذا رشقوا بالنارِ لم يكُ رشقُهم ... ليُقلعَ إلا عن شِواء مُقترِ)
(صدمتَ بهمُ صهبَ العثانين دونَهمُ ... ضِرابٌ كايقاد اللظى المتسعر)
(كأن ضجيجَ البحرِ بينَ رماحِهم ... إذا اختلفت ترجيعُ عودٍ مُجرجر)
(تُقاربُ من زَحفَيهم فكأنما ... تؤلفُ من أعناقِ وحشٍ منفرِ)
(فما رحت حتى أجلت الحرب عن طُلي ... مقطعةٍ فيهمَ وهامٍ مُطير)
(على حينَ لا نقعٌ يطوِّحُه الصَّبا ... على الأرضِ يلقي للصَّريعِ المقطر)
(وكنتَ ابن كسرى قبلَ ذاك وبعدهُ ... ملّياً بأن تُوهي صَفَاة ابنِ قيصر)
(جدحتَ له الموتَ الزعافَ فعافهُ ... وطار على ألواحِ شَطْبٍ مسمِّرِ)
(مضى وهو مولي الريحَ يشكرُ فضلها ... عليه ومن يولي الصنيعة يشكرِ)
ومن أجود ما قيل في السهم من قديم الشعر قول عنترة:
(أبينا فما نُعطي السواد عدونا ... قياماً بأعضادِ السراء المعطّفِ)
(بكلَ هتوفٍ عجسها رَضوية ... وسهم كسيرِ الحميريَ المؤنفِ)
وقال راشد بن شهاب اليشكري:
(ونبلٍ قران كالسيور سلاجِمٍ ... وفلقٍ هتوفٍ لا سقىٍ ولا نَشَم)
стр. 420
(ومُطردِ الكعبين أحمر عاتر ... وذات قتيرِ في مواصلها دَرَم)
وصف النبل والقوس والرمح والدرع في بيتين فأحسن، والأدرم الأملس الذي لا حجم له، والسلاجم الطوال، والسقي الذي يشرب الماء، والنشم شجرٌ. ومن أجود ما قيل في البيض من قديم الشعر قول سلامة بن جندل:
(إذا ما علونا ظهرَ نشز كأنما ... على الهام مناقَيضُ بيض مفلًق)
وقول الآخر
(كأن نعام الدَوَباض عليهم ... )
ورواه بعضهم:
(كأن نعاج الجو باض عليهم)
فقيل له أخطأت من وجهين أحدهما أن النعاج لا تكون في الجو والآخر أنها لا تبيض. ومن أحسن ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(وبيضٍ كأنصافِ البدورِ أبيةٍ ... إذا امتحنتهنَ السيوفُ خِيارُ)
فتشبيههاً بأنصاف البدور تشبيه غريبٌ مصيبٌ. أجود ما قيل في أتباع الرجال الرئيس في الحرب قول البحتري:
(حمرُ السيوفِ كأنما ضَربت لهم ... أيدي القيونِ صفائحاً من عسجدِ)
(في فتيةٍ طلبوا غُبارك أنهُ ... رهجٌ ترفّعَ عن طريقِ السؤددِ)
(كالرمح فيه بضعُ عشرةَ فقرة ... مُنقادة خلفَ السنانِ الأصيدِ)
وقد أحسن ابن هرمة في وقوله وهو في غير هذا المعنى:
(إذا شَدوا عمائمهم ثنوها ... على كرمٍ وإن سفروا أناروا)
(يبيعُ ويشتري لهمُ سواهم ... ولكن في الطعانِ هُمُ التجارُ)
ومن أجود ما قيل في صفة الشجاع الجواد قول الآخر:
(خُلِقت أناملهُ لقائم مُرهَفٍ ... ولبثَ عارفةٍ وذروة منسبرِ)
(يلقى الرماحَ بوجههِ وبصدرهِ ... ويُقيمُ هامتهُ مقام المغفرِ)
(ويقولُ للطِّرفِ اصطبر لشبا القنا ... فهدمتُ رُكنَ المجدِ إن لم تعقرِ)
(وإذا تأملَ شخصَ ضيفٍ مُقبلٍ ... متسربلٍ سربالَ ليلٍ أغبرِ)
стр. 421
(أو ما إلى الكوماءِ هذا طارقٌ ... نَحرتنيَ الأعداءُ إن لم تنحَري)
ومن أبلغ ما حُذرَ به الحرب قول بعضهم العجم: دافع بالحرب ما أمكن فإن النفقة في كل شئ من الأموال إلا الحرب فإن النفقة فيها من الأرواح. وقال النابغة الجعدي:
(وتستلبُ المالَ الذي كانَ ربُها ... ضنيناُ به والحربُ فيها الحرائبُ)
فتبعه أبو تمام فقال
(والحربُ مشتقة من الحرب)
وقول جدل الطعان:
(دعاني أشبُ الحرب بيني وبينهُ ... فقلتُ له لا بل هَلمَ إلى السِّلم)
(وإياك والحرب التي لا أديمها ... صحيحٌ وما تنفكُّ تأتي على الرغم)
فإن يظفر الحزبالذي أنتَ منهمُ ... وينقلبوا ملءَ الأكفَ من الغُنم)
(فلا بُدَ من قتلي للعك فيهمُ ... وإلا فجرحٌ لا يكون على العظمِ)
(فلما أبى خليتُ فضلَ ردائهِ ... عليهِ فلم يرجع بحزمٍ ولا عزم)
(وكان صريع الخيلِ أولَ وهلةٍ ... فبعداً له مختارَ جهلٍ على علمِ)
ومن أجود ما قيل في تهوين الحرب والقتل ما أنشدناه أبو أحمد في خبر
أخبرناه عن الصولي عن عبيد الله السكوني قال دخل محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي على بعض أمراء الكوفة وقد جرى عليه ظلمٌ فلم ينصفه فخرج من عنده وقال:
(يا أيها الرُجلُ الذي بيمينه ... غيثُ الزمانِ وصولةُ الحدَثان)
(أنعم صباحاً بالسيوفِ وبالقنا ... إنّ السيوفَ تحيةُ الفتيان)
(قد أبطرتكَ سلامةٌ فنسيتَ ما ... أسلفتَ من برٍ ومن إحسانِ)
(والدهرُ خدنُ مسرةٍ ومضرةٍ ... متقلبٌ بالناسِ ذو ألوانِ)
يخاطب نفسهُ ويأمرها بمجاهرة السلطام بالعصيان إذ ليس عنده للظلم نكير فيكون ذلك سبباً للحرب فيحي بالسيوفِ فلا يفزع فإنها تحيةُ الفتيان. وقال علي بن جبلة:
стр. 422
(كأنَ ارماحهُ تعطي إذا عِملت ... تحتَ العجاجةِ أسماعاً وأبصارا)
ومن أحسن ما قيل في تقسيم الخيل في الحرب قول النابغة
أخبرنا أبو أحمد قال أنشدنا محمد بن يحيى قال أنشدنا المبرد قول النابغة وذكر أنه أحسن ما قيل في تقسم الخيل في الحرب:
(خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاجِ وخيلٌ تعلكُ اللجُما)
قال ثعلبُ قلتُ لابن الأعرابي الصائمة التي لا تصهل وغير الصائمة التي تصهل فما هذه الأخرى؟ قال التي تعلك اللجم في الكمين. أخذه محمد بن مسلمة البشرى يصف تأدبيه فرسهُ:
(عودتهُ فيما يزور حبائبي ... إمهالهُ وكذاك كلُ مُخاطرِ)
(فإذا احتبى قربوسَه بعنانهِ ... علكَ الشكيمَ إلى إنصرافِ الزائر)
ومن أجود ما قيل في ارتفاع الغُبار ولمعان الأسنة فيه من قديم الشعر قول النابغة:
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بأظلامِ)
قالوا أراد قول الناس: لأرينك الكواكب نهاراً، وقالوا أراد توضح الأسنة في سواد العجاج. ومن أحسن ما قيل في ذلك قول بشار:
(كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
النقعِ لا شمسٌ ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبةُ الشرعُ)
وقول ابن المعتز:
(وعمَ السماءَ النقعُ حتى كأنه ... دخانٌ وأطرافُ الرماح شرارُ)
وأبلغ ما قيل في الإقدام والاقتدار على العدو قول بعضهم:
(عشيةَ كنا بالخيارِ عليهم ... أنتقصُ من أعمارهم أم نزيدها)
ومن بديع المعاني في صفة اللقاءِ قول بعض الأعراب:
(على كلَ جرداءِ القَرى أعوجيةٍ ... إذا طردَت لم ينجُ منها طريدها)
стр. 423
(وما قادَ من قوم إلينا جيادَهم ... فنلقاهمُ إلا رجعنا نقودها)
وقلت في معناه:
(إلى ابن الأولى شادوا المعاليَ بالظُّبى ... وعَمُّوا البرايا باللُّهى والرغائبِ)
(إذا طلبوا رَوحَ الحياةِ وطيبها ... فبين سواقٍ للردَى وحواصب)
(إذ البيضُ في سُود القساطلِ أنجمٌ ... غواربُ تهوي في الطلى والغوارب)
(وتحملهم يومَ الكريهةِ ضُمرٌ ... تشولُ إلى الهيجاءِ شولَ العقارب)
(فكم وقفةٍ في الرّوعِ منهم وحملةٍ ... أثارت بناتِ الحتفِ من كلَ جانب)
(تَردُ الجياد تحت قسلطة الوغى ... جنائب أو تقتادُها في الجنائب)
(بابيض مصقولٍ كأن بحدِّه ... ضرائبَ من تصميمهِ في الضرائبِ)
ومن أجود ما قيل في كثرة الجيش قول الأخنس بن شهاب:
(بجأواءَ ينفي وردُها سَرعانَها ... كأن وميض البيضٍ فيها كواكبُ)
الجأواء: الكتبية يضربُ لونها إلى الكلفة وذلك من صدإ الحديد، والسرعان: الأوائل، يقول إن المياه لا تسعهم والأمكنة تضيقُ بهم فكلما نزل فرقة منهم رحل من تقدمهم. وقال أوس بن حجر:
(ترى الأرضَ منا بالفضاءِ مريضةً ... مُعضلةً منا بجمعٍ عرمرمِ)
التعضيل أن ينشب الولدُ في بطن أنه. ومثله قول النابغة:
(جمعٌ يظلُ بهِ الفضاء مُعضلاً ... يدعُ الاكامَ كأنهنَ صحاري)
وأعجب من هذا قول زيد الخيل:
стр. 424
(بجيشٍ تضلُ البلقُ في حجراتهِ ... ترى الأكم فيهِ سُجداً للحوافرِ)
(وجمع كمثلِ الليلِ مرتجس الوغى ... كثيرٌ تواليهِ سريعُ البوادرِ)
أخبرنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد قال يروى عن حماد الراوية قال قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها كم كانت خيل أبيك حيث يقول
(بجيش تضل البلق في حجراته)
قال ثلاثة أفراس أحدها فرسه. قالوا وقتلت خثعم رجلاً من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه:
(لعمري وما عمري عليّ بهّين ... لنعمَ الفتى غادرتمُ آل خثعما)
(وكانَ إذا ما أوردَ الخيلَ بيشةً ... إلى جنبِ أشراجِ أناخَ فألجما)
(فأرسلها رهواً كأنَ رِعالها ... جرادٌ زهتهُ ريحُ نجدٍ فأتهما)
فقيل لها كم كانت خيل أخيك قالت اللهم لا أعرف إلافرسه. قوله (تضل البلقُ في حجراته) غاية في صفة الكثرة لأن البلق مشاهير فإذا خفي مكانها في جمع فليس وراءه في الكثرة شئ، والعرب تقول أشهر من فارس الأبلق، ورؤساء العرب لا يركبون البلق في الحرب لئلا ينم عليهم فيقصدوا بشر.
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عُبيدة أن النبي & لما انصرف من بدر الموعد لم يلق كيداً وأصحابه سبعون راكباً وفيهم فرسان فرس الزبير وفرس للمقداد قال حسان بن ثابت:
(أقمنا على الرسِّ النزوع لياليا ... بأرعنَ جرارٍ عريض المبارك)
(ترى العرفجَ الحولي تذري أصوله ... مناسُم أخفافِ المطى الرواتك)
(إذا ارتحلوا عن منزلٍ خلتَ أنه ... قريبٌ المدى بالموسم المتعاركِ)
(نسيرُ فلا تنجو اليعافيرُ وسطنا ... وإن داءلت منا بشد مواشك)
стр. 425
(دعوا فلجاتِ الشام قد حالَ دونها ... ضرابٌ كأفواهِ المطيِّ الأواركِ)
(بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقاً وأيدي الملائكِ)
(إذا أقبل العضروط من أرضِ عالج ... فقولا لهُ ليس الطريقُ هنالك)
ورسول الله & يسمع ويضحك. ومثل هذا في ترهيب العدو حسن: وقال أبو دغفل بن شداد الكلابي في المعنى الذي تقدم:
(وأقبلَ عامرٌ من لبن سيراً ... إلينا ثم أقسمَ لا يَديم)
(بجمعٍ تهلكُ البلقاءُ فيهِِ ... فتنشدُ والمفضضةُ اللطيمُ)
ومن بليغ ما قاله محدث في كثرة الجيش وتكاثفه وإحتماعه قول أبي نواس:
(أمامَ خميسٍ أدجوانٍ كأنه ... قميصٌ محوكٌ من قنا وجيادِ)
الأدجوان: الأسود واشتقاقه من الدجى، وروي الأرجوان وهو الأحمر وقال البحتري:
(لما أتاك يقودُ جيشاً أرعناً ... يمشي عليهِ كثافةً وجموعا)
وقال ابن الرومي:
(فلو حصبتهم بالفضاء سحابةٌ ... لظل عليهم حَصبها يتدحرجُ)
وهو من قول قيس بن الخطيم: ... ) لو أنك تُلقي حنظلاً فوقَ بيضنا ... تدحرجَ عن ذي سامةِ المُتقاربِ)
السامُ: عرق الذهب الفضة وهو ههنا الطرائق المذهبة في البيض. وقلت:
(ولقد نقودُ الخيلَ تخطرُ بالقنا ... فتَصُبُهنَ على العدى آجالا)
(ما إن يلين لها مَدىً فتخالها ... تجري بطاءً إذ جَرَينَ عجالا)
وقال أبو عمرو بن العلاء أحسن ما قيل في صفة جيش قول النابغة:
(أو يزجروا مكفهراً لا كفاءَ له ... كالليلِ يخلطُ أصراماً بأصرامِ)
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بإظلامِ)
следующие страницы →