Полный текст (608 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
(أو ما إلى الكوماءِ هذا طارقٌ ... نَحرتنيَ الأعداءُ إن لم تنحَري)
ومن أبلغ ما حُذرَ به الحرب قول بعضهم العجم: دافع بالحرب ما أمكن فإن النفقة في كل شئ من الأموال إلا الحرب فإن النفقة فيها من الأرواح. وقال النابغة الجعدي:
(وتستلبُ المالَ الذي كانَ ربُها ... ضنيناُ به والحربُ فيها الحرائبُ)
فتبعه أبو تمام فقال
(والحربُ مشتقة من الحرب)
وقول جدل الطعان:
(دعاني أشبُ الحرب بيني وبينهُ ... فقلتُ له لا بل هَلمَ إلى السِّلم)
(وإياك والحرب التي لا أديمها ... صحيحٌ وما تنفكُّ تأتي على الرغم)
فإن يظفر الحزبالذي أنتَ منهمُ ... وينقلبوا ملءَ الأكفَ من الغُنم)
(فلا بُدَ من قتلي للعك فيهمُ ... وإلا فجرحٌ لا يكون على العظمِ)
(فلما أبى خليتُ فضلَ ردائهِ ... عليهِ فلم يرجع بحزمٍ ولا عزم)
(وكان صريع الخيلِ أولَ وهلةٍ ... فبعداً له مختارَ جهلٍ على علمِ)
ومن أجود ما قيل في تهوين الحرب والقتل ما أنشدناه أبو أحمد في خبر
أخبرناه عن الصولي عن عبيد الله السكوني قال دخل محمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي على بعض أمراء الكوفة وقد جرى عليه ظلمٌ فلم ينصفه فخرج من عنده وقال:
(يا أيها الرُجلُ الذي بيمينه ... غيثُ الزمانِ وصولةُ الحدَثان)
(أنعم صباحاً بالسيوفِ وبالقنا ... إنّ السيوفَ تحيةُ الفتيان)
(قد أبطرتكَ سلامةٌ فنسيتَ ما ... أسلفتَ من برٍ ومن إحسانِ)
(والدهرُ خدنُ مسرةٍ ومضرةٍ ... متقلبٌ بالناسِ ذو ألوانِ)
يخاطب نفسهُ ويأمرها بمجاهرة السلطام بالعصيان إذ ليس عنده للظلم نكير فيكون ذلك سبباً للحرب فيحي بالسيوفِ فلا يفزع فإنها تحيةُ الفتيان. وقال علي بن جبلة:
стр. 422
(كأنَ ارماحهُ تعطي إذا عِملت ... تحتَ العجاجةِ أسماعاً وأبصارا)
ومن أحسن ما قيل في تقسيم الخيل في الحرب قول النابغة
أخبرنا أبو أحمد قال أنشدنا محمد بن يحيى قال أنشدنا المبرد قول النابغة وذكر أنه أحسن ما قيل في تقسم الخيل في الحرب:
(خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحت العجاجِ وخيلٌ تعلكُ اللجُما)
قال ثعلبُ قلتُ لابن الأعرابي الصائمة التي لا تصهل وغير الصائمة التي تصهل فما هذه الأخرى؟ قال التي تعلك اللجم في الكمين. أخذه محمد بن مسلمة البشرى يصف تأدبيه فرسهُ:
(عودتهُ فيما يزور حبائبي ... إمهالهُ وكذاك كلُ مُخاطرِ)
(فإذا احتبى قربوسَه بعنانهِ ... علكَ الشكيمَ إلى إنصرافِ الزائر)
ومن أجود ما قيل في ارتفاع الغُبار ولمعان الأسنة فيه من قديم الشعر قول النابغة:
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بأظلامِ)
قالوا أراد قول الناس: لأرينك الكواكب نهاراً، وقالوا أراد توضح الأسنة في سواد العجاج. ومن أحسن ما قيل في ذلك قول بشار:
(كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسِنا ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه)
النقعِ لا شمسٌ ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبةُ الشرعُ)
وقول ابن المعتز:
(وعمَ السماءَ النقعُ حتى كأنه ... دخانٌ وأطرافُ الرماح شرارُ)
وأبلغ ما قيل في الإقدام والاقتدار على العدو قول بعضهم:
(عشيةَ كنا بالخيارِ عليهم ... أنتقصُ من أعمارهم أم نزيدها)
ومن بديع المعاني في صفة اللقاءِ قول بعض الأعراب:
(على كلَ جرداءِ القَرى أعوجيةٍ ... إذا طردَت لم ينجُ منها طريدها)
стр. 423
(وما قادَ من قوم إلينا جيادَهم ... فنلقاهمُ إلا رجعنا نقودها)
وقلت في معناه:
(إلى ابن الأولى شادوا المعاليَ بالظُّبى ... وعَمُّوا البرايا باللُّهى والرغائبِ)
(إذا طلبوا رَوحَ الحياةِ وطيبها ... فبين سواقٍ للردَى وحواصب)
(إذ البيضُ في سُود القساطلِ أنجمٌ ... غواربُ تهوي في الطلى والغوارب)
(وتحملهم يومَ الكريهةِ ضُمرٌ ... تشولُ إلى الهيجاءِ شولَ العقارب)
(فكم وقفةٍ في الرّوعِ منهم وحملةٍ ... أثارت بناتِ الحتفِ من كلَ جانب)
(تَردُ الجياد تحت قسلطة الوغى ... جنائب أو تقتادُها في الجنائب)
(بابيض مصقولٍ كأن بحدِّه ... ضرائبَ من تصميمهِ في الضرائبِ)
ومن أجود ما قيل في كثرة الجيش قول الأخنس بن شهاب:
(بجأواءَ ينفي وردُها سَرعانَها ... كأن وميض البيضٍ فيها كواكبُ)
الجأواء: الكتبية يضربُ لونها إلى الكلفة وذلك من صدإ الحديد، والسرعان: الأوائل، يقول إن المياه لا تسعهم والأمكنة تضيقُ بهم فكلما نزل فرقة منهم رحل من تقدمهم. وقال أوس بن حجر:
(ترى الأرضَ منا بالفضاءِ مريضةً ... مُعضلةً منا بجمعٍ عرمرمِ)
التعضيل أن ينشب الولدُ في بطن أنه. ومثله قول النابغة:
(جمعٌ يظلُ بهِ الفضاء مُعضلاً ... يدعُ الاكامَ كأنهنَ صحاري)
وأعجب من هذا قول زيد الخيل:
стр. 424
(بجيشٍ تضلُ البلقُ في حجراتهِ ... ترى الأكم فيهِ سُجداً للحوافرِ)
(وجمع كمثلِ الليلِ مرتجس الوغى ... كثيرٌ تواليهِ سريعُ البوادرِ)
أخبرنا أبو أحمد عن العبشمي عن المبرد قال يروى عن حماد الراوية قال قالت ليلى بنت عروة بن زيد الخيل لأبيها كم كانت خيل أبيك حيث يقول
(بجيش تضل البلق في حجراته)
قال ثلاثة أفراس أحدها فرسه. قالوا وقتلت خثعم رجلاً من بني سليم بن منصور فقالت أخته ترثيه:
(لعمري وما عمري عليّ بهّين ... لنعمَ الفتى غادرتمُ آل خثعما)
(وكانَ إذا ما أوردَ الخيلَ بيشةً ... إلى جنبِ أشراجِ أناخَ فألجما)
(فأرسلها رهواً كأنَ رِعالها ... جرادٌ زهتهُ ريحُ نجدٍ فأتهما)
فقيل لها كم كانت خيل أخيك قالت اللهم لا أعرف إلافرسه. قوله (تضل البلقُ في حجراته) غاية في صفة الكثرة لأن البلق مشاهير فإذا خفي مكانها في جمع فليس وراءه في الكثرة شئ، والعرب تقول أشهر من فارس الأبلق، ورؤساء العرب لا يركبون البلق في الحرب لئلا ينم عليهم فيقصدوا بشر.
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عُبيدة أن النبي & لما انصرف من بدر الموعد لم يلق كيداً وأصحابه سبعون راكباً وفيهم فرسان فرس الزبير وفرس للمقداد قال حسان بن ثابت:
(أقمنا على الرسِّ النزوع لياليا ... بأرعنَ جرارٍ عريض المبارك)
(ترى العرفجَ الحولي تذري أصوله ... مناسُم أخفافِ المطى الرواتك)
(إذا ارتحلوا عن منزلٍ خلتَ أنه ... قريبٌ المدى بالموسم المتعاركِ)
(نسيرُ فلا تنجو اليعافيرُ وسطنا ... وإن داءلت منا بشد مواشك)
стр. 425
(دعوا فلجاتِ الشام قد حالَ دونها ... ضرابٌ كأفواهِ المطيِّ الأواركِ)
(بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربهم ... وأنصاره حقاً وأيدي الملائكِ)
(إذا أقبل العضروط من أرضِ عالج ... فقولا لهُ ليس الطريقُ هنالك)
ورسول الله & يسمع ويضحك. ومثل هذا في ترهيب العدو حسن: وقال أبو دغفل بن شداد الكلابي في المعنى الذي تقدم:
(وأقبلَ عامرٌ من لبن سيراً ... إلينا ثم أقسمَ لا يَديم)
(بجمعٍ تهلكُ البلقاءُ فيهِِ ... فتنشدُ والمفضضةُ اللطيمُ)
ومن بليغ ما قاله محدث في كثرة الجيش وتكاثفه وإحتماعه قول أبي نواس:
(أمامَ خميسٍ أدجوانٍ كأنه ... قميصٌ محوكٌ من قنا وجيادِ)
الأدجوان: الأسود واشتقاقه من الدجى، وروي الأرجوان وهو الأحمر وقال البحتري:
(لما أتاك يقودُ جيشاً أرعناً ... يمشي عليهِ كثافةً وجموعا)
وقال ابن الرومي:
(فلو حصبتهم بالفضاء سحابةٌ ... لظل عليهم حَصبها يتدحرجُ)
وهو من قول قيس بن الخطيم: ... ) لو أنك تُلقي حنظلاً فوقَ بيضنا ... تدحرجَ عن ذي سامةِ المُتقاربِ)
السامُ: عرق الذهب الفضة وهو ههنا الطرائق المذهبة في البيض. وقلت:
(ولقد نقودُ الخيلَ تخطرُ بالقنا ... فتَصُبُهنَ على العدى آجالا)
(ما إن يلين لها مَدىً فتخالها ... تجري بطاءً إذ جَرَينَ عجالا)
وقال أبو عمرو بن العلاء أحسن ما قيل في صفة جيش قول النابغة:
(أو يزجروا مكفهراً لا كفاءَ له ... كالليلِ يخلطُ أصراماً بأصرامِ)
(تبدو كواكبهُ والشمسُ طالعةٌ ... نوراً بنورٍ وإظلاماً بإظلامِ)
стр. 426
فذكر ذلك ليونس فقال أحسن منه قول العجاج:
(كأنما زهاؤهُ لمن جَهَر ... ليلٌ ورز وغرِهِ إذا وغَر)
(سارٍ سرى من قِبِلِ العينِ فجر ... )
والأول أحسن عندي. ومن أجود ما قيل في صفة السوط قول الشعبي:
أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل قال كان الشعبي إذا تحدث كأنهُ لم يُسمَع من غيره لحلاوة منطقه وعذوبة لفظه فتحدث يوماً فقال له رُجلٌ كان يجالسهُ يقال له حنيش: اتق الله ولا تكذب فقال له الشعبي ما أحوجك إلى محدرج عظيم الثمرة لين المهزة أخذ من مغرز عُنقٍ إلى عجب ذنب فيوضع على مثل ذلك منك فيكثر لك رقصاتك من غير جذل. قال وما هو بأبي أنت وأمي؟ قال أمرٌ لك فيه أدبٌ ولنا فيه أربٌ. يعني السوط. ومن أحسن ما وصف به الرأسُ إذا حمل على القناة قول مُسلم:
(ويجعل الهام تيجان القنا الذبلِ ... )
مأخوذ من قول جرير
(تيجان كسرى وقصيرا ... )
ومن أجود ما قيل في المصلوب ما أنشدنيه بعضُ البصريين:
(أنظر إليه كأنهُ في جذعهِ ... لما توشَحِ بالجبالِ ودُرعا)
(رامٍ رمى عن قوسهِ بمذلقٍ ... وأراد صحةَ رميه فتسمّعا)
وهذا من أتم ما قيل فيه. ومن المستحسن فيه قول البحتري:
(فَتراهَ مُطرداً على أعوادهِ ... مثلَ اطِّراد كواكب الجوزاءِ)
وقول ابن الرومي:
(يلعبُ الدستبندَ فرداً وإن كانَ ... لهُ شاغلٌ عن الدستبند)
وقال مُسلم بن الوليد:
стр. 427
(كأنهُ شِلو كبشٍ والهواءُ لهُ ... تنورُ شاويةٍ والجذعُ سفّودُ)
ومما يجري مع ذلك
ما أخبرنا به أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال قال بعض أهل خرسان لوكيع كيف قتلت ابن خازم؟ قال لما صرع قعدت على صدره فحاول القيام فلم يقدر فغلبته بفضل القنا وقلت يا لثارات دوبلة فقال لعنك الله أتقتل كبش مضر بأخيك علج لا يساوي كف نوى وتنخم في وجهي فما رأيت أحداً أكثر ريقاً منه. فذكر ابن هبيرة يوماً هذا الحديث فقال هل البسالة إلا أن يكثر الريق على تلك الحال. ومن جيد ما قيل في طرائق الدم على المطعون قول أبي خراش الهذلي:
(ونهنتُ أولي القومِ عني بطعنةٍ ... كأوشحةِ العذراءِ ذاتِ القلائدِ)
أوشحة جمع وشاح وهو سيرٌ كأنهُ شراكٌ عليهِ ودعٌ فشبه لون الدم بالسير والزبد بالودع. ومما يجري مع ذلك ذكر الحذر من الموتور ما قلت فيه:
(لا تأمننَ أخا العداوةِ إنهُ ... إنْ أمكنتهُ فرصةٌ لم يُمهل)
(للهِ دَرُكَ كيفَ تأمنُ محنِقاً ... تغلي عدواةُ صدرهِ في مرجل)
(ما الحزمُ إلا في إجتثاثِ أصولهِِ ... والأيمُ لم يؤمن إذا لم يقتلِ)
ومن الجيد مما قيل في سعة الطعنة قول بشر:
(إذا نفذتهم كرت عليهم ... بطعنٍ مثل أفواه الخبورِ)
الخبرُ المزادة والجمع خبور. وقال عمرو بن شاس:
(بطعنٍ كايزاغ المخاضِ إذا اتقت ... وضربٍ كأفواهِ المفرجة الهدلِ)
شبه اللحم الذي يتدلى من فم الجرح بمشفر البعير الذي به قروح في فمه
стр. 428
فيهدل لها مشفرة. وقال عمرو بن شأس أيضاً:
(وأسيافنا آثارهنَ كأنها ... مشافر قرحى في مباركها هُدلُ)
وقال غيره:
(بضربٍ كآذانِ الفراءِ فضولهُ ... وطعن كايزاغ المخاض تبورها)
الفراء جمع الفرا وهو حمار الوحش. وقال خلف الأحمر:
(وأطعن الشجساجة المشلشله ... على غشاش دَهَش وعجله)
(يردُ في نحرِ الطبيبِ فتله ... )
أي يسح الدم، ومشلشلة: مفرقة. وقال خداش بن زهير:
(وطعنةِ خلس كفرع الأزاء ... أفرغ في مثعبِ الحائرِ)
(تهالُ العوائدُ من فرغها ... تردُ السبار على السبارِ)
السابر الشئ الذي تسبر به الطعنة أي تقدر والسابر الذي يسبرها، والحاير المطمئن من الأرض المرتفع الحروف والجمع حوران، والمثعب مسيل الماء. هذا آخر صفة الحرب والسلاح وما يجري معهما، والحمد لله حق حمده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين وعلى الخلفاء الراشدين.
стр. 429
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي قسم البيان بين القلم واللسان لتكون النعمة فيه مشتركة بين الغائب والحاضر والمقيم والمسافر إتماماً للنعمة على عباده وإكمالاً للعارفة في عمارة بلاده ودل على موضع الصنيعة في البيان ونبه على موضع العارفة في اللسان حيث يقول تعالى: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان﴾
وأخبر عن عظيم قدر القلم وما تضمن من سوابغ النعم حيث يقول تعالى: ﴿إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم﴾ وأعلى قدره وفخم أمره حين أقسم به على أحل أمرٍ وأنبله وأشرفه وأفضله فقال ﴿ن والقلم وما يسطرون﴾ فسبحان من جعل جلائل النعم وسوابغ الآلاء والقسم في شخصٍ ضئيل وقد قصير تقل قيمته وتصغر قمته مع جلالة شأنه وعلو مكانه.
(هذا كتاب البمالغة)
في صفة الخط والقلم والدواة والقرطاس، وذكر البلاغة وما يجري مع ذلك، وهو:
(الباب التاسع من كتاب ديوان المعاني وهو ثلاثة فصول)
(الفصل الأول)
في ذكر الخط والقلم والدواة والقرطاس وما يسلك مع ذلك من أحسن الاستعارة في ذكر الخط قول عبيد الله بن العباس بن الحسن
стр. 430
العلوي الخط لسان اليد. وقال جعفر بن يحيى: الخط سمط الحكمة به يفصل شذورها وينظم منثورها. وقلت في معناه:
(الكتبُ عُقلُ شوادرِ الكلم ... والخطُ خيطُ فرائدِ الحكم)
(بالخطَ نُظمَ كلُ منتثرٍ ... منها وفُصلَ كل مُنتظمِ)
(والسيفُ وهو بحيثُ تعرفُ ... فرضٌ عليه عبادةُ القلمِ)
واختلف الناسُ في الخط واللفظ فقال بعضهم الخط أفضل من اللفظ لأن للفظ يُفهم الحاضر والخط يفهم الحاضر والغائب. وقال بعضهم الخط كلامٌ ميت والمخاطب به حي يُمكن صاحبه أن يبصرهُ حتى بيلغ منه غرضهُ. وما أعاجيب الخط كثرة اختلافه والأصل واحدٌ كاختلاف صُور الناس مع اجتماعهم في الصفة وخط الإنسان كحليته ونعهت في اللزوم له والدلالة عليه والإضافة إليه كإضافة القافة الآثار إلى أصحابها. ومن أحسن ما قيل في حُسن الخط والشكل قول أحمد بن إسماعيل:
(مستودعٌ قرطاسهُ حكما ... كالروضِ مَّيز بينهُ زَهَرهُ)
(وكانَ أحرفَ خطهِ شجرٌ ... والشكلُ في أضعافهِ ثمره)
ووصف أحمد بن صالح جاريةً كاتبةً فقال كأن خطها أشكال صورتها وكأن مدادها سواد شعرها وكأن قرطاسها أديم وجهها وكأن قلمها بعض أناملها وكأن بيانها سحرُ مقلتها وكأن سكينها سيف لحظها وكأن مقطها قلب عاشقها. وقلت:
(وخط من التصحيح فيهِ معالمٌ ... من الحسن إذ يبدو عليه سبيبُ)
(يُعَبرُ عنه الروضُ وهو منمنمٌ ... ويخبر عنهُ الوشي وهو فشيبُ)
(سوادُ مدادٍ في بياض صحيفةٍ ... يقول شبابٌ بالمشيبِ مشوبُ)
(كأنَ ظلامَ الليلِ أذرَى دموعَه ... فظلَّت على خدَ الصباح تصوب)
ومن غريب ما قيل في الشكل ما أنشدناه أبو أحمد قال أنشدنا الصولي قال أنشدني عبد الله بن المعتز لنفسه:
стр. 431
(فدونكهُ مُوشَّى نمنمتهُ ... وحاكتهُ الأناملُ أيَّ حوكِ)
(بشكلٍ يؤمنُ الأشكالُ فيهِ ... كأنَ سطورهُ أغصانُ شوكِ)
وقلت:
(بياضُ صحيفةٍ تلتاحُ حسناُ ... كمتنِ السيفِ في كفَ المليحِ)
(كغيمٍ رقَ في أطرافِ جوٍ ... وماء ساحَ في قاعٍ فسيح)
(ويحكي أرض كافور صريح ... بها نبذٌ من المسكِ الذبيح)
(كمثلِ الليلِ في صبحٍ صديعٍ ... ومثل الصدغ في وجه صبيح)
(وبين سُطورهِ عجمٌ مصيبٌ ... كمثلِ الخالِ في الخدِ المليحِ)
وأحسن ما قيل في صفة الخط الجيد ما
أخبرنا به أبو أحمد قال
أخبرنا الصولي قال سُئل بعضُ الكتاب عن الخط متى يستحق أن يوصفَ بالجودة فقال: إذا اعتدلت أقسامه وطالت ألفه ولامه واستقامت سطوره وضاهى صعوده حدوره وتفتحت عيونه ولم تشتبه راؤه ونونه وأشرق قرطاسه وأظلمت انقاسه ولم تختلف أجناسه وأسرع في العيون تصوره وإلى العقول تثمره وقدرت فصوله واندمجت وصوله وتناسب دقيقه وجليله وخرج عن نمط الوراقين وبعد عن تصنع المحررين وقام لكاتبه مقام النسبة والحلية كان حينئذ كما قيل في صفة الخط:
(إذا ما تجلل قرطاسَه ... وساوَرَه القلمُ الأرقشُ)
(تضمنَ من خطهِ حُلةً ... كمثلِ الدنانير أو أنقش)
(حروفاً تُعيدُ لعين الكليلي ... نشاطاً ويقرؤها الأخفشُ)
ومن ههنا أخذ المتنبي قوله:
(أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من بهِ صممٌ)
إلا أنه أحسن الأخذ وأجاد اللفظ. ومن مليح التشبيه قول الأعرابي وقد قال له هشام بن عبد الملك أنظر كم على هذا الميل من عدد الأميال، ولم يكن الأعرابي
стр. 432
يحسنُ القراء فمضى فنظر ثم عاد فقال رأيتُ شيئاً كرأس المحجنُ متصلاً بحلقة صغيرة تتبعها ثلاث كأطباء الكلبة يفضي إلى هنةٍ كأنها قطاةٌ بلا منقار. ففهم هشام بالصفة أنها (خمسة) .
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي العباس الربعي عن الطلحي عن أحمد ابن إبراهيم قال دخل أعرابيٌّ إلى الرشيد فأنشده أرجوزةً وإسماعيل يكتب بين يديه كتاباً وكان أحسن الناس خطاً وأسرعهم يداً وخاطراً فقال الرشيد للأعرابي صف هذا الكاتب فقال ما رأيت أطيش من قلمه ولا أثبت من كلمه ثم قال ارتجالاً:
(رقيقُ حواشي الحلمِ حينَ تبورُهُ ... يريك الهوينا والأمورُ تطيرُ)
(له قلما بُؤسَى ونُعمى كلاهما ... سحابتهُ في الحالتينِ دَرُورُ)
(يناجيك عما في ضميركَ لحظهُ ... ويفتحُ بابَ الأمر وهو عسيرُ)
فقال الرشيد قد وجب لك يا أعرابي حق عليه هو يقضيك إياه وحق علينا فيه نحنُ نقومُ به، ادفعوا إليه دية الحر، فقال إسماعيل وله على عبدك دية لعبد. قوله
(رقيق حواشي الحلم)
ردئ لأن الحلمُ يوصفُ بالرزانة لا بالرقة، واستعمل أبو تمام هذا اللفظ فعيب به. وقوله
(يريك الهوينا والأمور تطير)
رويناه لمنصور النمري. وفاخر صاحبُ قلم صاحبَ سيف فقال صاحبُ القلم أنا أقتل بلا غرر وأنت تقتل على غرر. قال صاحبُ السيف القلمُ خادمُ السيف إن بلغ مراده والإفالي السيف معاده أما سمعتَ قول أبي تمام:
(السيفُ أصدقُ أنباءُ من الكتبِ ... في حدِّهِ الحدِ بين الجدِّ واللعبِ)
وأبي ذلك ابن الرومي فقال:
(كذا قضى الله للأقلام مُذْ بُريَتْ ... إنَّ السيوفَ لها مُذْ أُرهِفَتْ خدم)
стр. 433
وقال أيضاً:
(لعمرك ما السيفُ سيفُ الكميّ ... بأخوفَ من قلمِ الكاتبِ)
(له شاهدٌ إنْ تأملتهُ ... ظهرتَ على سرِّه الغائبِ)
(أداةُ المنيةِ في جانبيهِ ... فمن مثلهِ رهبُ الراهبِ)
(سِنانُ المنيةِ في جانبٍ ... وسيفُ المنيةِ في جانبِ)
(ألم ترَ في صدرهِ كالسنانِ ... وفي الردفِ كالمرهفِ العاضبِ)
وقد أحسن الخالدي في قوله:
(ففي كفَ ليث الورَى للندَى ... وفي كفَ ليث الشرى في الغياضِ)
وقلت:
(أبيت بالليلِ غريب الكرى ... يأخذُ مني الدرسُ والكتبُ)
(وقيمُ الحكمةِ في أنملي ... يصوغُ ما يسبكهُ اللُّبُّ)
(أنفُ ضميري حينَ أرعفتهُ ... أفرغ ما ستوعبهُ القلبُ)
(لسانُ كِفي حينَ أنطقتهُ ... أرضاك منهُ المنطقُ العذبُ)
(منحفٌ في خَلقهِ ذابلٌ ... معظمٌ في فعلهِ ندبُ)
(إن لم يكن كالعضبِ في حدهِ ... فإنه في فعلهِ عضبُ)
(ينكسهُ المرءُ فيعلو به ... وربَ نكسٍ غِبُّهُ نصبُ)
(ومُذْ عرفنا لذةَ العلمِ لا ... يُعجبنا الحلوُ ولا العذب)
وقال البحتري في تفصيل السيف على القلم:
(ولما التقت أقلامكم وسيوفهم ... أبدت بُغاثَ الطير زرقُ الجوارحِ)
(فلا غرّني من بعدكم عزُ كاتبٍ ... إذا هو لم يأخذ بحجزة رامحِ)
ومن أحسن ما وصف به القلم قول أبي تمام في محمد بن عبد الملك الزيات:
(لك القلمُ الأعلى الذي بشباتهِ ... تنالُ من الأمر الكلى والمفاصلُ)
(لعابُ الأفاعي القاتلاتِ لعابهُ ... وأرْيُ جنى شارته أيد عواسل)
(له ريقةٌ طلَ ولكن وقعها ... بآثارهٍ في الشرقِ والغربِ وابلُ)
стр. 434
(فصيحٌ إذا استنطقتهُ وهو راكبٌ ... وأعجمُ إن خاطبتهُ وهو راجلُ)
(إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغتْ ... عليه شعابُ الفكر وهي حوافلُ)
(أطاعته أطراف الرماح وقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل)
(إذا استفزر الذهن الذكي وأقبلت ... أعاليهِ في القرطاسِ وهي أسافل)
(وقد رفدته الخنصرانِ وسَدَّدت ... ثلاثَ نواحيهِ الثلاثُ الأنامل)
(رأيت جليلا شأنه وهو مرهفٌ ... ضنى وسميناً خطبه وهو ناحلُ)
وقد أحسن القائل في تشبيه أنامل الكاتب على القلم بالقلم أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد بن إسحاق:
(ماضر من أضني بهجرانهِ ... قلبَ كئيب القلبِ حرَّانهِ)
(لو فرجَ الكربةَ عن مُدنفٍ ... تشُفُّهُ لوعة أحزانه)
(بِرقعةٍ ينْظمها كفه ... نظمَ لآليه ومرجانهِ)
(بمرهفِ الأحشاءِ ذي حُلةٍ ... موشيةٍ ترفعُ من شانهِ)
(لعابهُ يسرٌ وعسرٌ إذا ... جاد به تفليجُ أسنانهِ)
(إذا امتطاه بشبيهاتهِ ... كشَّف أسراراً بإعلانهِ)
(يركض في ميدانِ قرطاسهِ ... ركضَ جوادٍ وسطَ ميدانهِ)
وأحسن القصار في هذا المعنى يصف جاريةً كاتبةً اسمها علم:
(أفدى البنانَ وحسنَ الخطِّ من علمٍ ... إذا تقمعن بالحناءِ والكتمِ)
(حتى إذا قابلت قرطاسها يَدُها ... ترى ثلاثةَ أقلامٍ على قلمِ)
ومن أحسن ما قيل في الدواة والأقلام قول أحمد بن إسماعيل:
(في كفهِ مثلُ سنانِ الصعده ... أرقش بزَ الأفعوانُ جِلده)
(يلتهمُ الجيشَ اللهامَ وحده ... لو صادمَ الطودَ المنيفَ هَدّه)
(لو صافحَ السيفَ الحسامَ قدّه ... يأوي إلى ظئر لهُ مُحتدّه)
стр. 435
(يمزجُ فيها صبرٌ بشُهدهِ ... يُرضعها من مقلةٍ مُسوده)
(يَمُدُّها جارٍ كثيف العُدّه ... كأنّه الليلُ إذا استمدّه)
(مُقلُتها مكحولة بِنَدّه ... )
وقلت في القلم:
(أنظر إلى قلمٍ تنكسَ رأسهُ ... ليِضُمَ بينَ موصلٍ ومفصَلِ)
(تنظر إلى مخلابِ ليثٍ ضغيمٍ ... وغرارِ مسنونِ المضاربِ مفصلِ)
(يبدو لناظرهِ بلونٍ أصفرٍ ... ومدامعٍ سودٍ وجسمٍ مُنحلِ)
(فالدرجُ أبيضُ مثل خدٍ واضحٍ ... يثنيهِ أسودُ مثل طرفٍ أكحلِ)
(قسم العطايا والمنايا في الورى ... فإذا نظرتَ إليه فاحذر وأمل)
(طعمان شوبُ حلاوةٍ بمرارةٍ ... كالدهرِ يخلطُ شَهدهُ بالحنظلِ)
(فإذا تصرفَ في يديك عِنانُه ... ألحقتَ فيهِ مؤملاً بمؤمل)
(ومُذللاً بُمعززٍ ولربما ... ألحقتَ فيهِ معززاً بمذَلّلِ)
وقلت:
(لك القلمُ الجاري ببؤسٍ وأنعم ... فمنها بوادٍ ترتجى وعوائدُ)
(إذا ملأ القرطاس سود سطوره ... فتلك أسودٌ تُتقى وأساودُ)
(فتلك جنانٌ تُجتني ثمراتُها ... ويلقاك من أنفاسهنّ بواردُ)
(وهن برودٌ مالهنَ مناسجٌ ... وهنَ عقودٌ مالهنَ معاقدُ)
(وهنَ حياةٌ للوليّ رضيةٌ ... وهنَ حتوفٌ للعدوَ رواصدُ)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر أحمد بن محمد بن الفضل الطائي قال أنشدني أبو الحسين بن أبي البغل:
(لهم هِممٌ تناطُ إلى الثريا ... وتحكم في الطريفِ وفي التلادِ)
(وأقلامٌ تشبهها سُيوفاً ... مُهنَدةً هوادٍ في الهوادي)
стр. 436
(يخطُ بها سوادٌ في بياضٍ ... فتحسبهُ بياضاً في سوادِ)
(إذا فَزِعَ الصريخُ أمدخيلاً ... بخيل تستثارُ من المداد)
وقد أسحن ابن الرومي في وصف الكتاب حيثُ يقول:
(متمنطقٌ من جلدهِ ... متختمٌ من خصره)
(أبداً تراهُ وصدره ... في بطنه أو ظهره)
وقال ابن المعتز يذكر أرضةً أكلت كتاباً:
(شغلي إذا ما كانَ للناسِ شغل ... دفترُ فقهٍ أو حديث أو غَزَل)
(أرقطُ ذو لونٍ كشيبِ المكتهلِ ... تخالهُ مكتحِلاً وما اكتحل)
(راكبُ كفٍ أينَ ما شاءَ رحل ... وهو دليلٌ لمقالٍ أو عمل)
(يقيمُ وزنَ العقل حتى يعتدل ... ويُذكرُ الناسيَ ما كان أضل)
(كأنهُ ينشرُ عن نقش حلل ... يخاطب اللحظَ بنطقٍ لا يكل)
(ولا يملُ صاحباً حتى يمل ... )
ثم قال في وصف الأرضة
(تأكل أثمار القلوب لا أكل ... )
وكتب الصاحب في وصف كتاب: وصل كتابك فجلعت يوم وصوله عيداً أؤرخ به أيام بهجتي وأفتتح به مواقيت غبطتي وعرفت من خبر سلامتك ما سألت الله الكريم أن يصله بالدوام ويرفعهُ على أيدي الأيام. وكتب أيضاً: وصل كتابه أيده الله بضحك عن أخلاقه الأرجة ويتهلل عن عشرته البهجة ويخبر عن عارية الله إياه عما رأيت شمل الحرية به منتظما وشعب المروءة له ملتمأ ويتحمل من أنواع بره ما أقصر عن ذكره ولا أطمع في شكره ويؤدي من لطيف اعتذاره في أثناء عتبه ما تزداد به أسباب السررور تمداً. وقلت في كتاب أكلته الأرضة:
(وجليسٍ حسنُ المحضر ... مأمونُ المغيبِ)
(ميتٌ يُخبرُ حياً ... بخفياتِ الغيوبِ)
(أبلهٌ غيرُ لبيبٍ ... وهو في حالٍ اللبيب)
стр. 437
(جاهلٌ غيرُ أديبٍ ... وهو عونٌ للأديبِ)
(أخرسٌ غيرُ خطيبٍ ... ولهُ لفظُ الخطيبِ)
(مفحمٌ ينظمُ شِعراً ... مثلَ إقبالِ الحبيبِ)
(ساكتٌ يروي حديثاً ... مثلَ إعراضِ الرقيبِ)
(نمقتهُ الكفُ حتى ... هو كالوشي القشيب)
(من سوادٍ وبياضٍ ... كشبابٍ ومَشيب)
(فيه إمتاعٌ لأبصارٍ ... وأنسٌ للقُلوب)
(دبَ فيهنّ دبيبٌ ... كان من شرَ الدبيب)
(من صغيراتِ جسومٍ ... وكبيراتِ الذنوب)
(أخذت منها نصيباً ... فالتوى منها نصيبي)
(أفرَحت قلبَ جهولٍ ... وكوت قلبَ لبيبِ)
(ويل هاتيك المعاني ... من بديعِ وغريبِ)
(وأفانينِ كلامٍ ... بين سهلٍ وصليب)
(من بديعٍ وفصيحٍ ... وصحيحٍ ومُصيبِ)
(بُدلَ الإصلاحُ منهن ... بإفسادٍ عجيب)
(فنجومُ العلمِ والفهم ... تهاوت للغروب)
(كلُ شئٍ سوفَ يفنى ... عن بعيدٍ وقريبِ)
ومن بديع ما وُصف به الوراق ما
أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن يزيد المهلبي عن أبي هفان قال سألتُ وراقاً عن حاله فقال: عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة، وجاهي أرق من الزجاج وحظي أخفى من شق القلم ويدي أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أسود من الحبر وسوء الحال ألزم لي من الصمغ. فقلت عبرت عن بلاءٍ ببلاء فحسبك. وقلت في المحبرة والأقلام:
стр. 438
(منهلةٌ من أشرفِ المناهلِ ... تضمنُ ريَّ الصفرِ الذوابلِ)
(مَركبها ذوائبُ الأناملِ ... إذا مشت عاليةَ الأسافل)
(بكت على الطرسِ بدمع هاملِ ... فارتبطت شوارد المسائل)
(وكشفت عن غُرر الدلائل ... بيضاء تبدو في لباسِ الثاكل)
(لكنها تلبسهُ من داخل ... )
ومما لا أعرف في معناه خيراً منه قول كشاجم الكاتب:
(لا أحبُ الدواةَ تحشى يراعاً ... هي عندي من الدُّويّ معيبه)
(قلمٌ واحدٌ وجودةُ خطٍ ... فإذا زدتَ فاستزدْ أنبوبه)
(هذه قعدةُ الشجاعِ عليها ... أبداً سيرهُ وتلك جَنبيه)
ومن البديع الظريف قول أحمد بن إسماعيل:
(كأنما النقسُ إذا استمده ... غاليةٌ مذوفةٌ بنده)
ونتن الكرسف مما يُعابُ به. ومن البديع المشهور ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن إسماعيل للحسن بن وهب:
(مِدادٌ مثلُ خافية الغراب ... وأقلامٌ كمرهفةِ الحرابِ)
(وقرطاسٌ كرقراقِ السرابِ ... وألفاظٌ كأيامَ الشبابِ)
وقلت:
(أكثر ما تثبته الأقلامُ ... لم تسع في زواله الأيامُ)
(بالك من خُرسٍ لها كلامُ ... موتى إليها النقضُ والإبرامُ)
стр. 439
(قِوامُ مجد مالهُ قوامُ ... نِظامُ ملكٍ خانه النظامُ)
(أصاغرٌ شؤونها العظامُ ... )
ومن المختار في معناه قول الآخر:
(إنما الزعفران عطرُ العذراى ... وسوادُ الدّوِيّ عطرُ الرجالِ)
وقلت في سكين:
(أنجار وعدك في السكينِ مكرمةٌ ... غراء فضلك فيها غيرُ مجحودِ)
(أحسنْ بهِ أزرقاً في أبيضٍ يققٍ ... له مناطق من بيضٍ ومن سودٍ)
(خلفُ الوعيدِ حميدٌ لا يذمُ بهِ ... ولم يكن خلف موعودٍ بمحمود)
وكتب كافي الكفاة في ذم قلم فأبدع: وليس العجب إلا من قلم منيت به لا يستقر إذا تأنيت ولا يستمر إذا جريت طوله عرض وابرامه نقض تستغيث الحروف من التوائه وتستأنس السطور من استوائه إن قلت سر وقف وإن حثثته بالأنامل قطف فألفاظي في سنيه مأسورة ومعاني في شقيه محصورة وقد صبرت عليه ألبسه مع سوء عشرته واستمنحه مع فضل عسرته وأقول لعله يصلح بطول المداراة وعساه ينجح بكثرة المناوة وهو يزداد نفاراً ويتضاعف زللاً وعثاراً. ومما يدخل في هذا الباب قول كشاجم في غلام رآه يكتب ويخطئ فيمحو ما يخطه بريقه وهو:
(ورأيتهُ في الطرسِ يكتبُ مرةً ... غلطاً يواصلُ محوهُ برضا به)
(فوددتُ أني في يديهِ صحيفةٌ ... وودتهُ لايهتدي لصوابهِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي ابن سابق قال رأى المأمون في يد جارية له قلماً وكان ذا شغفٍ بها واسمها منصف فقال:
(أراني منحتُ الودَ من ليسَ يعرف ... فما أنصفني في المحبةِ منصفُ)
(وزادتْ لدىَ حظوةً يومَ أعرضت ... وفي أصبعيها أسمرُ اللونِ أهيف)
(أصمّ سميعٌ ساكنٌ متحركٌ ... ينالُ جسيمات المدى وهو أعجفُ)
стр. 440
( ... عجبتُ له أني ودهرك معجبٌ ... يُقومُ تحريفَ العباد مُحرفُ)
وكتب الصاحبُ أبو القسم في وصف كتاب: ومن هذا الذي لا يحبُ أن يواصل علم الفضل وواسطة الدهر وقرارة الأدب والعلم ومجمع الدراية والفهم أم من لا يرغب في مكاثرة من ينتسب الربيعُ إلى خلقه ويكتسبُ محاسنه من طبعه ويتوشح بأنوار لفظه ويتوضح بآثار لسانه ويده، ووصل كتابهُ فارتحتُ لعنوانه قبل عيانه حتى إذا فاضت ختامه أقبلت الفكرة تتكاثر والدرر تتناثر والغرر تتراكم والنكتُ تتزاحم فإذا حكمتُ للفظة بالسبقِ أتت أختها تنافس وأقبلت لدتها تفاخر حتى استعفيتُ من الحكومة ونفضتُ يدي من غبار الخصومة وأخذتُ أقول كلكنَ صوادرٌ عن أصولٍ بل أصلٌ واحدٌ فتسالمن ونواقدٌ عن معدنٍ فاردٍ فتصالحن وقد وليت النظر بينها من كمل لنسج برودها ووفي بنطم عُقودها. ومثل ما تقدم من قوله في ذم القلم قوله أيضاً: على أني يا مولاي أنشأتُ هذه الأحرف وحولي أعمالٌ وأشغالٌ لا يسلمُ معها فكرٌ ولا يسمح بينها طبعٌ وتناولت قلماً كالابن العاق بل العدو المشاق فإذا أدرته استطال وإذا قومته مال وإذا حثثتهُ وقف وإذا أوقفته انحدر أجدل الشق مضطرب الشق متفاوتُ البري معدوم الجري محرف القط مثبج الخط ثم رأيت العُدول عنه ضرباً من الانقياد لأمره والانخراط في سكله فجهدته على رغمه وكددته على صغره لا جرم أن جناية اللجاج بادية على صفحات الحروف لا تخفى وعادية المحك لائحةٌ على وجوه تتجلى. وكتبتُ في وصف كتاب: والله أعلم أني أخبرت بورود كتابه فاستفزني الفرحُ قبل رؤيته وهزَ عطفي المرحُ قبل مشاهدته فما أدري أسمعت بورود كتاب أم ظفرت برجوع شباب ثم وصل بعد إنتطار له شديد وتطلع إلة وروده طويل عريض فتأملته فلم أدر ما تأملت أخطاً مسطوراً أم روضاً ممطوراً أم كلاماً منثوراً أم وشياً منشوراً ولم أدر ما أبصرتُ في أثنائه أبيات شعر أم عقودُ دُر ولم أدر ما حملته أغيثٌ حل بواد ظمآن أم غوثٌ سيقٌ إلى لهفان.
стр. 441
وكتب الصاحبُ: ووصل كتابُ القاضي فأعظمتُ قدر النعمة في مطلعه وأجللتُ محل الموهبة بموقعه وفضضته عن السحر الحلال والماء الزلال وسرحت الطرف منه في رياض رقت حواشيها وحلل تأنق واشيها فلم أتجاوز فصلاً إلا إلى أخضرَ منه فضلاً ولم أتخط سطراً إلا إلى أحسنَ منه نظماً ونثراً. ورفع رَجلٌ إلى محمد بن عبد الله بن طاهر قصةً يعتذر فيها فرأى خطه رديئاً فوقع: قد أردنا قَبُولَ عذرك فاقتطعنا دونه ما قابلنا من قبح خطك ولو كنتَ صادقاً في إعتذراك لساعدتك حركة يدك أو ما علمتَ أن حسن الخط يُناضلُ عن صاحبه بوضوح الحجة ويمكن له درك البغية. وقال علي ﵁: الخطُ الحسنُ يزيد الحقَ وضُوحاً. وقيل: حسن الخط إحدى البلاغتين. ووصف الجاحظُ الكتاب فقال: الكتاب وعاءٌ مُلئ علماً وظرفٌ حشي ظرفاً وإناء شحن مزاحاً وجداً إن شئت كان أبين من سحبان وائل وإن شئت كان أعيا من باقل وإن شئت ضحكت من نوادره وإن شئت شجتك مواعظه ومن لك بواعظٍ ملهٍ وبزاجرٍ مغرٍ ويناسك فاتكٍ وبناطق أخرس وببادرٍ حار ومن لك بطبيب أعرابي وبرومي هندي وفارسي يوناني وبقديم مولد وبميت مُمتع ومن لك بشئ يجمع الأول والآخر والناقص والوافر والشاهد والغائب والرفيع والوضيع والغث والسمين والشكل والمثل وخلافه والجنس وضده. ودخل المأمونُ على بعض بنيه فوجدهُ ينظر في كتابٍ فقال يا بني ما في كتابك؟ قال بعضُ ما يشحذ الذهن ويؤنس الوحدة. فقال الحمد لله الذي رزقني ولداً يرى بعين عقله أكثر مما يرى بعين جسده وظل مفكراً في قول ولده الطفل.
стр. 442
(الفصل الثاني من الباب التاسع)
في ذكر البلاغة قال بعض الحكماء: البلاغة قول تضطر العقول إلى فهمه، قال الشيخ أبو هلال يعني قولاً واضح المعنى غيرُ مشكل المغزى. وسأل معاوية عمرو بن العاص من أبلغ الناس؟ قال من اقتصر على الإيجاز وترك الفضول. وليس يصلح الإيجاز في كل مكان كما لا تصلح الإطالة في كل أوان بل لكل واحد منهما حينٌ يحسن فيه ومقام يليق به إن أزلته عنه لم توفه حقه ولم تسلك به طرقه. وقال محمد الأمين عليكم بالأيجاز فإن للإيجاز إفهاماً وللإطالة استبهاماً. أي عليكم بالإيجاز فيما كان الإيجاز فيه أحسن وأنجع فأما إذا كانت الإطالة أرد وأنفع فليس للإيجاز موقعٌ يحمدَ ولا حالٌ تعتمد. والإيجاز بجميع الشعر أليق وبجميع الرسائل والخطبِ وقد يكون من الرسائل والخطب ما يكون الإيجاز فيه عياً ولا أعرفه إلا بلاغة في جميع الشعر لأن سبيل الشعر أن يكون كلامه كالوحي ومعانيه كالسحر مع قربها من الفهم والذي لا بد منه حسن المعرض ووضوح الغرض كقول النابغة الذبياني
(فإنك كالليل الذي هو مدركي ... )
وقال الفرزدق:
(والشيبُ ينهض بالشبابِ كأنهُ ... ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ)
وقال أعرابي: أبلغُ الناس أسهلهم لفظاً وأحسنهم بديهةً. وهذا حسنٌ جداً لأن سهولة اللفظ وحسن البديهة يدلان على جودة القريحة والبلاغة الغريزية، ووعورة اللفظ تدل على تكلف وتعسف ولا شئ أذهب بماء الكلام وطلاوته ورونقه منهما ولا يحسن معهما الكلام أصلاً وإن كان لطيف المعنى نبيل الصنعة. وقد أجاد ابن الرومي في وقوله: البلاغةُ حسنُ الاقتضاب عند البديهة والغزارة يوم الإطالة. فجعل البلاغة في الغزارة كما حملها غيره في الإيجاز.
стр. 443
وقيل لهندي ما البلاغة؟ فقال وضوح الدلالة وانتهاز الفرصة وحسن الإشارة. وقيل لآخر ما البلاغة؟ فقال تصحيحُ الأقسام واختيارُ الكلام. وقال الحسنُ بن سهل: البلاغة ما فهمتهُ العامة ورضيتهُ الخاصة. وقال عبيد الله بن عتبة: البلاغة دنو المتأخر وقرع الحجة وقليل من كثير. وروي هذا عن أكثم بن صيفي أيضاً. وقال ابن المقفع: البلاغة اسم لمعانٍ تجري في وجوهٍ فمنها ما يكون شعراً ومنها ما يكونُ سجعاً ومنها ما يكونُ خطباً ومنها ما يكون رسائل فعامة ما يكون هذه الأحوال فالوحي فيها والإشارة إلى المعنى أبلغُ والإيجازُ البلاغة. وتأويل هذا ما قدمناه. وقال غيره: البلاغة قولٌ يسير يشتمل على معنى خطير. وقال الآخر: البلاغة علمٌ كثير في قول يسير. وقال جعفر بن يحيى: البلاغة أن يكون الاسم محيطاً بمعناك ويجلي على مغزاك ولا تستعين عليه بطول الفكرة ويكون سليماً من التكلف بعيداً من سوء الصنعة بريئاً من التعقد غنياً عن التأمل. وقال أعرابي: البلاغة التقرب من معنى البغية والتبعد من حشو الكلام وقرب المأخذ وإيجازٌ في صوب وقصد إلى الحجة وحسن الاستعارة. وقال محمد بن الحنيفة: والبلاغةُ قولٌ مفقهٌ في لطف. وقال عليٌ ﵁: البلاغة إيضاحُ الملتبسات وكشف عوار الجهالات بأحسن ما يمكن من العبارات. ومثله قول الحسن بن علي ﵄: البلاغةُ الإفصاحُ عن حكمةٍ مستغلقة وإبانة علم مشكل. ومثله قول محمد بن علي ﵁: البلاغةُ تيسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ. وقال ابن المقفع: البلاغةُ كشف ما غمض من الحق وتصوير الحق في صورة الباطل والباطل في صورة الحق. والذي قاله صحيح لا يخفى موقع الصواب فيه على أحد من أهل التمييز وذلك أن الأمر الظاهر الصحيح الثابت المكشوف ينادي على نفسه بالصحة ولا يحوج إلى التكلف لتصحيحه حتى يوجد العي فيه خطيباً وإنما الشأن في تحسين ما ليس بحسنٍ وتصحيح ما ليس بصحيح بضرب من الاحتيال والتخييل ونوع من العلل والمعاريض ليخفى موضع
стр. 444
الإساءة ويغمض موضع التقصير فيه. وقد فسرت في كتاب صنعة الكلام مواضع الأشكال من هذه الفصول فتركتُ إعادتها ههنا فإذا أردتها فاطلبها في مظانها هناك تطفر ببغيتك منها إن شاء الله تعالى. وقد أحب قومٌ الإيجاز في بعض المواضع منهم جعفر بن يحيى قال لكتابه: إن استطعتم أن يكون كلامكم مثل التوقيع فافعلوا. وقال بعضهم في المذهب الأول إذا كان الإيجاز كافياً كان التطويلُ عياً وإذا كان التطويلُ واجباً كان التقصيرُ عجزاً. وقيل لأعرابي ما البلاغة؟ فقال الإيجاز من غير عجز والاطناب من غير خطل. فانظر إلى كلام هذا الأعرابي فهو بليغ. (
جمل من بلاغات العجم)
العجمُ والعربُ في البلاغة سواءٌ فمن تعلم البلاغةَ بلغةٍ من اللغات ثم انتقل إلى لغةٍ أخرى أمكنه فيها من صنعة الكلام ما أمكنه في الأولى، وكان عبد الحميد الكاتب استخرج أمثلة الكتابة التي رسمها من اللسان الفارسي فحولها إلى اللسان العربي، ويدلك على هذا أيضاً أن تراجم خُطب الفرس ورسائلهم هي على نمط خطب العرب ورسائلها، وللفرس أمثال مثل أمثال العرب معنى وصنعةً وربما كان اللفظ الفارسي في بعضها أفصح من اللفظ العربي، من ذلك قول العرب (ولدك من دمى عقبيكِ) وقول الفرس (هرك نزاد نرود) واللفظُ الفارسي في هذا أفصح من اللفظ العربي وأحسن، وقولهم (كشند ميد) مثل قول العربي (من يسمع يخل) سواءٌ في المعنى، والفارسي أقل حروفاً، وقولهم (أصيد بركة خورده) وليس للعرب في معنى هذا المثل شئ ومعناه (المأمول
стр. 445
خير من المأكول) ولا يعبر عنه بكلام عربي أقل حروفاً مما ذكرته ومع ذلك فإن حروف تفسيره بالعربية ضعفا حروفه بالفارسية، وقد جاء عن بعضهم في معنى هذا المثل (إنتظار الحاجة خبرٌ لك من قضائها) وقد خالفهم الفرس في مثل واحد وهو قولهم (به شاه اشناه نرود همدوره) العربُ تقول (جاور بحراً أو ملكاً) . وليس قصدنا لهذا المعنى فنطيلُ فيه ولكن لا يراد أمثلة في البلاغة تكون مادة لصانع الكلام: فمن ذلك قول ابرويز: إذا نزل الخمول استكشف النقص، يحثُ على طلب النباهة والتماس جلائل الأمور. وقال بهرام جور: الحاكم ميزان الله في الأرض فوافق الله تعالى في قوله: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان﴾ يعني العدل في الحكم. ونحوه قول علي ﵁: السفر ميزان القوم. وقول الآخر: العروضُ ميزان الشعر وقال الآخر منهم: أغلق أبواب الشهوات تنفتح لك أبواب المحاسن وقال آخر منهم الصواب قرين التثبت والخطأ شريك العجلة. وقال بزرجمهر: عاملوا أحرار الناس بمحض المودة وعاملوا العامة بالرغبة والرهبة وسوسو السفلة بالمخافة والهيبة. وقريبٌ من ذلك قول بعضهم: الكريم يلين إذا استعطف واللئيم يقسو إذا ألطف. وقال بعضهم: ينبغي للوالي أن يتفقد أمور رعيته فيسد فاقة أحرارها ويقمع طغيان سفلتها فإنما يصولُ الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. وقال بعض حكماء الفرس: أحزم الملوك من غلب جده هزله وقهر رأيه هواه وعبر عن ضميره فعله ولم يختدعه رضاه عن حظه ولا غضبهُ عن كيده. وقال أنوشروان: القصدُ غاية المنافع، وقال لابنه هرمز لا يكن عندك لعمل البرَ غاية في الكثرة ولا لعمل الإثم غاية في القلة. ووافق هذا من العربي قول الأفوه الأودي:
(والخيرُ تزدادُ منهُ ما لقيتَ بهِ ... والشرُ يكفيكَ منهُ قلما زادُ)
وقالوا أيضاً: يوم العدل على الظالم أشد من يوم الظلم على المظلوم. وقال ابرويز: لا تغشوا قليلاً فتنغصوا به كثيراً. وقال يوماً لجنده لايشحذ امرؤ
стр. 446
منكم سيفه حتى يشحذ عقله. وأظنُ المتنبي ألم بهذا فقال:
(الرأيُ قبلَ شجاعةِ الشجعانِ ... هو أولُ وهي المحلُ الثاني)
وقال لكاتبه: إذا فكرت فلا تعجل وإذا كتبت فلا تستعن بالفضول فإنها علاوة على الكفاية ولا تقصرن عن التحقيق فإنها هُجنة في المقالة ولا تلبس كلاماً بكلام ولا تباعدن معنى من معنى واجمع الكثير مما تريد في القليل مما تقول. ووافق هذا قول العربي: ما رأيتُ بليغاً إلا رأيتُ له في المعاني إطالةً وفي الألفاظ تقصيراً. يحث على الإيجاز. وقال له إذا أمرت فاحكم وإذا كتبت فأوضح وإذا ملكت فأسجع وإذا سألت فأبلغ، ووافق هذا النمط قول أبي تمام:
(يقولُ فيسمع ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الآله فيوجعُ)
وقال أزدشير بن بابك: من لم يرض بما قسم الله له طالت معتبته وفحش حِرصُه ومن فحش حرصه ذلت نفسه وغلب عليه الحسدُ ومن غلب عليه الحسدُ لم يزل مغموماً فيما لا ينفعه حزنياً على ما لا يناله، وهذا معنى قول الشاعر:
(ليس للحاسد إلا ما حسد)
وقال: من شغل نفسهُ بالمنى لم يخل قلبه من الأسى. وقال بعضهم: الحقوقُ أربعةٌ حقٌ لله تعالى وقضاؤه الرضا بقضائه والعمل بطاعته وأكرامُ أوليائه، وحق نفسك وقضاؤه تعهدها بما يصلحها ويصحها ويحسم مواد الادواء عنها، وحقُ الناس وقضاؤه عمومهم بالمودة ثم تخصيص كل واحد منهم بالتوقير والفضيل والصلة، وحقُ السلطان وقضاؤه تعريفه ما خفي عليه من منفعة رعية وجهاد عدوٍ وعمارة بلدٍ وسد ثغرٍ. وقال بزرجمهر: لا ينبغي للعاقل أن يجزع من حط السلطان إياه عن منزلة رفع إليها خاملاً فإن الأقدار لم تجر على قدر الأخطار وقال بزرجمهر إلزام الجهول الحجة يسير وإقراره بها عسير. وقال بزرجمهر: ثمرة القناعة الراحة وثمرة التواضع المحبة من قلوب الخلق.
стр. 447
(ومن كلام الفلاسفة)
قال ارسطاطا ليس: ليس الحاجة إلى العقل أقبح من الحاجة إلى المال. وقيل له ما أشد الأشياء على الأحمق؟ قال السكوتُ. وقيل له ما أحسن الأشياء؟ قال الانسان المزين بالأدب. وقال: العقل سبب تنغيص العيش. وإلى هذا المذهب ذهب ابنٍ أبي البغل في قوله:
(الصَّعْو يصفرُ دائبا ولأجله ... حُبس الهزازُ لأنه يترنّمُ)
(لو كنتُ أجهلُ ما علمتُ لسرّني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلمُ)
وقال المتنبي:
(ذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ ... وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ)
وقلتُ:
(أواصِلُ الهمِّ في ضيقٍ وفي سعةٍ ... كأنّ بيني وبينَ الهمِّ أرحاما)
(إن إمرأً عظمتْ في الناس همته ... رأى السرورَ جوىً والوفر إعداما)
وقلت:
(وأكثرُ حالاتِ الزمانِ يغمني ... وليس لغمَ العارفينَ مفرج)
ورؤي الحسنُ البصري حزيناً فقيل له في ذلك فقال: غمى مكتسبٌ من عقلي ولو كنت جاهلاً لكنت في راحة من عيشي وافتخر قومٌ بالمال عند فيثاغورس فقال: وما حاجتي إلى المال الذي يعطيه الحظ ويحفظه اللؤم ويهلكه السخاء وقيل له ما أصعب الأشياء على الانسان؟ قال أن يعرف قدر نفسه ويكتم سره. وقال بعضُ أهل الهند: ليس شئ أعرف بنفسه من الإنسان ولا أجهل بها منه. وقيل لسقراط أي السباع أجمل؟ قال المرأة. ومن التشبيه المصيب قول سقراط لرجل استشاره في التزويج: إن المتزوجين مثل السمك الذي يصاد بالقفاف فما حصل فيها يروم الخروج منها وما كان خارجاً يبغي الدخول فيها. وقيل لرجل منهم ما سبب موت أخيك؟ قال كونه. ومثل ذلك
ما أخبرني به عم أبي أبو سعيد الحسن بن سعيد أظنه عن أبيه قال: ورد البريد إلى المأمون من خراسان بموت ابن المؤيد فاستدعاه
стр. 448
وجعل يعظه ويعزيه من غير أن يذكر له المصيبة فقال المؤيد لا عهد لي من أمير المؤمنين بمثل هذا الكلام فما السبب فيه؟ قال مات ابنك قال عرفتُ ذلك قد يوم ولد. فعجب المأمون من فهمه وقال بمثل هذا قدمتك هذه العصابة وجعلتك قوام دينها ومفزعها فيما ينوبها. وقال بعض حب المال وتدالبلايا. وقال سقراط اللذةُ خناق من عسل. وقيل لجاوس توفي مانيدس فقال الويح لي قد ضاع مسنُ عقلي. وقيل له ما أحلى الأشياء قال الذي تشتهي. وقريب منه قول الأعرابي
(وقلة ما قرت به العين صالح)
وقال سقراط الحظ في إعطاء مالا ينبغي ومنع ما ينبغي سواء. ومثل ذلك قول طاهر بن الحسين: التبذير للمال ذمة كحب التقتير فاجتنب التقتير وإياك والتبذير. وقريب منه قول العربي وقد قيل له إن فيك إمساكا فقال لا أجمد في حق ولا أزور في باطل. ورأى بعضهم شاباً جاهلاً جالساً على حجر فقال هذا حجر على حجر ونحو هذا قول بعض المحدثين:
(ما أن يزالُ ببغدادٍ يزاحمنا ... على البراذينِ أمثالُ البراذين)
وقلتُ وقد رأيتُ غلاماً مليحاً طريراً يخدم لئيماً دميماً:
(إن كنتَ ترتادُ منظراً عجباً ... فانظر إلى البدر في يدِ القردِ)
(وانظر إلى الضب كيف يفترسُ الظبي ... على مرقدٍ من الوردِ)
(وذُمَ دهراً يفيضُ أنعمه ... على اللئيم المذممِ الوغدِ)
(وانظر إلى حمرة وأنته ... فوقَ مُتونِ السوابحِ الجردِ)
(فأسخنَ اللهُ عينهُ زمناً ... ماذا رأى في تجنبِ القصدِ)
وقال بعضُ اليونانيين للاسكندر أخلاقك تجعل العدو صديقاً وأحكامك تجعل الصديق عدواً ويشهد عدم مثلك فيما كان بعدم مثلك فيما يكون. وقال بعض حكمائهم لمتكبر: وددت أني مثلك في نفسك وأن أعدائي مثلك في الحقيقة. وقريب من هذا المعنى قول علي ﵁ لبعض أعدائه وقد مدحهُ: أنا دون ما تظهر بلسانك وفوق
стр. 449
ما تضمرُ في جنانك. وقيل لبطليموس ما أحسن أن يصبر الإنسانُ عما يشتهي قال أحسن منه أن لا يشتهي إلا ما ينبغي. وقال أرسطاطاليس: إنك إن لم تصبر على تعب التعليم صبرت على شقاء الجهل ما بقيت يخاطب جاهلاً. (محاسن كلام العرب والأعراب والخطباء والكتاب) قال بعض حكمائهم: الصبرُ يناضل الحدثان. وقال آخر: الحلم فدام السفيه. وقال آخر: خاطر من استغنى برأيه. وقال غيره: الجزع من أعوان الزمان والمودة قرابة مستفادة. وفضل بعضهم المودة والمودة على القرابة فقال: القرابة محتاجةٌ إلى المودةُ مستغنيةٌ عن القرابة. وقال غيره وسوى بين المودة والقرابة: الصاحب مناسبٌ. وقالوا عجبُ المرء بنفسه أحد حساد عقله. ومن موجز الكلام قول بعضهم: من نال استطال والفاحشة كاسمها. وقولهم أصاب متأملٌ أو كاد. وقولهم العفوُ زكاة الجاهِ. وقولهم راحي البخيل مُكد. وقول بعضهم قلما تصدقك الأمنية. وقيل الصيانة مألف المروءة. وقال بعض الحكماء البلاء رديف الرخاء. وقيل خمول الذكر أسنى من الذكر الذميم. وهذا خلاف ما سمعنا سمعت رجلاً يقول لأن أكون رأساً في الضلالة أحب إلي من أن أكون ذنباً في الهداية. وكانت قريش تستحسن من الخاطل الإطالة ومن المخطوب الإيجاز فخطب محمد بن الوليد بن عتبة إلى عمر بن عبد العزيز ابنة أخيه فتكلم بكلام جاز الحفظ فقال عمر الحمد لله الذي أنطق البلغاء ذي الكبرياء وصلى الله على محمد خير الأنبياء أما بعد فإن الرغبة منك دعتك إلينا والرغبة فيك اجابتك منا وقد أحسن بك ظناً من أودعك كريمته واختارك ولم يختر عليك وقد زوجناك على كتاب الله
стр. 450
وسنة نبيه
فكان هذا من أوجز خطبة وأحسنها للمراد. ومن موجز كلامهم: ليس مع الخلاف ائتلاف. وقولهم رضا الناس غاية لا تبلغ. وقولهم لا ينفعك من جار سوءٍ توق. وقولهم سرك من دمك. وقيل من لم يمت لم يفت. وقولهم عقل الكاتب على قلمه. ومن الصدق الذي لا ارتياب فيه قولهم من جالس عدوه حفظ عليه عيوبه. ومن الموجز المليح ما وري أن بني أمية وفدوا على عبد الملك بن مروان فقال أهل الشام ما عسى أن يقول خطيبهم فقام رَجُلٌ منهم فقال يا أمير المؤمنين نحن من تعرفُ وحقنا مالا تنكر وجئناك من بعد ونمتُ من قرب فمهما تفعل بنا من خير فنحن أهله، فتطاول عبد الملك وقال يا أهل الشام هذا كلام قومي. ومن جيد الاستعارة قول بعضهم: كانوا في ظل رقيق الحواشي فطواه الدهرُ عنهم. وقيل القلم أنف الضمير والخط لسان اليد. وقال النبي
(جَدعَ الحلالُ أنفَ الغيرة) وقالوا الفكرة مُخُ العمل. وقيل الشيبُ خطام المنية. وقالوا المذاكرةُ حياة العلم. وقيل الخمول دفن الحي. وقلت السخاء سلم المجد. وقلت المراء ينقض مرر المودة والتواني يثمر الندامة والكسل ينتج الفقر. وقيل البياض علم الجمال. وقلت الحياء عنوان الكرم. وقلت العتاب مقدمة السخط. وقال ابن المعتز المعروف غلٌّ لا يفكه إلا شكرٌ أو مكافأة، وقلت العين رائد القلب. وقلت الذل رسيل الدين والشكر ضامن المزيد والغنى مظنة البطر. وقال آخر اللحظ طرف الضمير. وقلت الشكر مرتبط النعم. وقال آخر من جرى في عنان أمله عَثر بأجله. وقال الأعمال ثمار النيات. وقيل التواضع سلم السرف. وقلت المال عدو الوفاء. وقيل التجني رسول القطيعة وقال الأحنف الأدب عزوة العز. ومن أصدق كلمة أعرفها قول ابن المعتز: من قوي عقله كثر حلمه وقل غيظه. وقال الفرصةُ سريعةُ الفوت وبطيئة العود. وقال نرقع خرق الدنيا ويتسع ونشعبها وتنصدع ونجمع منها مالا يجتمع.
стр. 451
ووقع جعفر بن يحيى إلى بعض إخوانه: إذا وضح العذر لم يكن لسوء الظن مكان إلا لمن أراد التجني. وقيل للأحنف إن حارثة بن بدر يقع فيك فقال:
(عثيثةٌ تقرم جلداً أملساً ... )
وقال بعض الحكماء حصادُ المنى الأسف وعاقبتها الندامة وليس لذي لب بها مستمتعٌ. ومن فصيح أمثال العرب قولهم: الفرار بقرابٍ أكيس. وعزى أعرابيٌّ رجلاً فقال لا أراك الله بعد هذه المصيبة ما ينسيكها. وعزى شبيبُ بن شيبة ذمياً فقال أعطاك الله عن مصيبتك أفضل ما أعطى أهل ملتك. وقال عبد العزيز بن زرارة أول المعرفة الاختبار. وقال رجلٌ للأحنف ممن أنت قال ممن ودني. وقال البلاغةُ البلوغُ عند الكفاية. وقيل للأحنف ما أحسن المجالس قال ما سافر فيه البصرُ واتدع فيه البدن وأمن فيه الثقل وكترت فيه الفائدة. وكتب المهلب إلى عبد الملك حين هزم الأزارقة أما بعد فإنا لقينا المارقة ببلاد الأهواز وكانت في الناس جولة ثم ثاب أهل الدينُ والمروءة ونصرنا اللهُ عليهم فنزل القضاء بأمرٍ جاوزت النعمة فيه الأمل فصاروا درئية رماحنا وضرائب سيوفنا وقتل رئيسهم في جماعة من حماتهم وذوي الثبات منهم وأجلى الباقون ليلاً عن معسكرتهم وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأولها إن شاء الله تعالى. كتب إلى الحجاج: الحمد لله الكافي بالاسلام ما وراءه الذي لا تنقطع وموادٌ نعمه حتى تنقطع من خلقه مواد الشكر عليها وإنا كنا وعدونا على حاليتن يسرنا منهم أكثر مما يسوءنا ويسوءهم منا أكثر مما يسرهم فلم يزل الله تعالى يزيدنا وينقصهم ويمحضنا ويمحقهم حتى بلغ الكتابُ أجلهُ فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
стр. 452
وكتب ابن المعتز: قد علمتني نبوتك سلوتك وأسلمي اليأس منك إلى الصبر عنك. وقال أعرابي لمعاوية هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجدُ معولا إلا عليك أمتطى الليل بعد النهار واسم المجاهل بالآثار يقودني نحوك الرجاء وتسوقني إليك البلوي والنفسُ مستبطئة والاجتهاد عاذر وإذ بلغتك فقط. فقال معاوية أحطط رحلك يا أعرابي. وقال سفيان الثوري رأيتُ أعرابياً متعلقاً بأستار الكعبة وهو يقول يا رب عندي لك حقوقُ فهبها لي وللناس عندي حقوقٌ فتحملها عني ولي عندهم حقوقٌ فقيضها لي وأنا ضيفك اليوم فاجعل قراي الجنة. وذكر بعضهم رجلاً فقال كان قريب مدى الوثبة لين العطفة يرضيه القليلُ ولا يسخطه الكثير.
(أمثلة في البلاغة الكتابية)
أولها التحميدُ ومن عادة العارفين أن يبتدئوا في الأمور بالحمد لله رب العالمين يقدمونه أمام طلابها كما بدئ بالنعمة فيها قبل استيجابها. كتب حمد بن مهران: الحمد لله الذي كثرت أياديه عن الإحصاء وجلت نعمه عن الجزاء. وكتب أيضاً: الحمد لله ذي البلاء الجميل والعطاء الجزيل الذي جعل للأمير سنى الرتبة وعز الدعوة ووصل له حسن الولاية بشكر النعمة وقرن لأوليائه قوة الحجة بفضل الإدالة حمداً يؤدي إلى الحق ويقتضيه ويستمد المزيد ويمتريه وإلى الله أرغب في زيادة الأمير والزيادة به وعلى يديه والأيدي الصائلة على عدوه بمنه ولطفه. فأخذ ابن دريد قوله ويستمد المزيد ويمتريه فقال تحرس نعم الله عندنا بالحمد عليها ويمتري المزيد منها بالشكر عليها وترغب الأيادي إليه في التوفيق لما يُدني من رضاه ويجير من سخطه إنه سميع الدعاء لطيف لما يشاء. وكتب الصابي: الحمد لله ذي المنن والطول والقوة والحول والغاية والصول رافع الحق ومعليه وقامع الباطل ومرديه ومعز الدين ومديله ومذل الكفر ومذيله المنزل رحمته على من جاهد
стр. 453
في طاعته والمحل عقوبته بمن هاجر بمعصيته المتكفل بتأييد حزبه حتى يظفر وبخذلان حربه حتى يدحر الذي لا يفوته الهارب ولا ينجو منه الموارب ولا يعييه المعضل ولا يعجزه المشكل ولا تبهظه الأشغال ولاتؤوده الأثقال الغني المفتقر إليه القوي المعتمد عليه بالغ أمره بلا مؤازر وممض حكمه بلا مظاهر ذلكم الله ربكم فاعبدوه مخلصين له الدين. وروى النبي & إنه قال لما هزم الأحزاب (الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده) وكتبت: الحمد لله الذي وفر على الأنام المحاسن واكتنفها بالميامن وبسط بالخير أيديها وأفاض بالاحسان واديها وعلمها البر بالأبرار والعطف على الأحرار واختيار الخيرة للأخبار فعادت وقد زكت شجرتها وحلت ثمرتها وتثنت أغصانها وتهدلت أفنانها ولانت أعطافها وتناهت ألطافها فكأنما هي أيام أبي تمام التي وصفها فقال:
(أيامُنا مصقولةٌ أطرافها ... بك والليالي كلها أسحارُ)
بما منح من حسن رأيك أطال الله في كنف السلامة بقاءك وحجب عن عيون الغير نعماءك وخولك من العز وأوفره من الظفر أخضره وأعطاك من النعم أصفاها من الشوائب وأبعدها من ملاحظة النوائب ومنحك من الخير برمته كما قاد إليك الفضل بأزمته ولازال بك الزمان جديد الحلتين مطرز الطرتين متوج المفرق بمآثرك حالي الجيد بمفاخرك ولا سلبك نعمة ألبسك جمالها ولانزع عنك عارفةً وفر عليك كمالها:
(رأيتُ جمالَ الدهرِ فيكَ مجدداً ... فكن باقياً حتى ترى الدهرَ فانيا)
وكتب بعضهم: الحمد لله الذي استسلمت نهاية الشكر لدون ما ألزم بصنائعه. وكتبت: الحمد لله على ما تطول به من البر وما أوزع على ذلك من الشكر حمداً يتخطى به إلى غاية رضوانه ويستدعي المزيد من جزيل إحسانه. وكتبتُ: الحمد لله الذي قيض لك السبق إلى البر والفوز بالمكرمة البكر
стр. 454
والاستيلاء على قصبات الحمد والشكر. وكتب آخر: الحمد لله الذي جعل من أليابنا بصائر تقدونا إلى معرفته ومعارف ترشدنا إلى الاقرار بربوبيته ليخرجنا من الظلمات إلى النور برحمته.
(ومن جيد الأدعية)
ما كتب الصاحبُ أبو القسم بن عباد: أسعد الله سيدنا بالفضل الجديد والنيروز الحميد سعادةُ متصلة المادة حافظةً لجميل العادة موذنة بظاهر العز والبسطة وتزايد السرور والغبطة مؤمنه من عوادي الأيام وبوادر الزمان وأراه سادتي الفتيان قد اقتفى كلٌ منهم مجده وحكى في طلب المعالي أباه وجده وجعل سيدنا آخذاً من كل ما دعي به ويدعي به في الأعياد بأجزل الأقسام وأوفر الأعداد. وكتب الصابي إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف: أطال الله بقاء مولاي الأستاذ وأسعده بنيروزه الوارد عليه وأعاده ألف عام إليه وجعله فيه وفي أيامه كلها معافى سالماً فائزاً غانماً مسروراً محبوراً محروساً موفوراً مختوماً له ببلوغ الآمال مطروفاً عليه عين الكمال محظور الافنية عن النوائب محمى الشرائع عن الشوائب مبلغاً غاية ما تسمو إليه همته العالية المشتطة وأمانيه المنفسحة المنبسطة بقدرته. والفصل الأخير من هذا يشير إلى قول ابن المعتز: أصحب الله بقاءك عزاً يبسط يدك لوليك وعلى عدوك وكلاءة تذب عن ودائع مننهِ عندك وزاد في نعمك وإن عظمت وبلغك آمالك وإن بعدت. وكتب بعضهم عش ما شئت كما شئت، وهو من قول أبي نواس:
(دارت على فتيةٍ ذلَّ الزمانُ لهم ... فما يصبيهم إلا بما شاؤا)
وكتب بعضهم عش أطول الأعمار موقى من سوء الأقدار مرزوقاً نهاية الآمال مغبوطاً على كل حال. وكتب آخر بلغك الله نهاية من العمر لا نهاية لمستزيد وراءها. وقريبٌ منه قول البحتري:
стр. 455
(عمرتَ أبا إسحاقَ ما صَلَحَ العُمرُ ... ولا زال معموراً بأيامِك الدهرُ)
وقول الآخر:
(فلا زالتِ الأرضُ معمورَةً ... بُعمرك يا خيرَ عُمارها)
ومما يجري مع ذلك وليس منه قول أبي تمام:
(من يسأل الله أن يُبقى سَراتكمُ ... فإنما رامَ أن يستبقَى الكرما)
وقول المتنبي:
(أعيذكم من صروف دهركمُ ... فإنهُ بالكرام مُتّهمُ)
قلت:
(فلا زالت الأقدارُ دونَ محلكم ... سواقطَ والمكروهُ عنكم مقصِّرا)
وقال بعضهم: جعلك الله من كل محبوب على شرف ومن كل محذور في كنف. وكتب آخر، لا زالت الأيام لك مساعدة والليالي على هواك مساعفة تتلقاك بأوفر الحبور وتطلع عليك بعوائد السرور وتجري مقاديرها لك بالمحبوب وتتقاعس عنك بالمحذور المرهوب ويحكم لك بالرشد والسعادة ويقضي على أعدائك بالذل والقماءة وكتب ابن المعتز أخرتني العلة عن الوزير أيده الله فحضرت بالدعاء في كتابي لينوب عني ويعمرَ ما أخلته العوائق مني أسأل الله أن يجعل هذا العيد أعظم الأعياد السالفة بركة عليه ودون الأعياد المستقبلة فيما يجب ويجب له ويتقبل ما نتوسل به إلى مرضاته ويضاعف الإحسان إليه على الإحسان منه ويمتعه بصبحة النعمة ولباس العافية ولا يريه في مسرةٍ نقيصةً ولا يقطع عنه فيها عادة جميلة. وهذا مأخوذٌ من قول سعيد بن حميد: تابع الله لك صالح الأيام ومحمود الأعوام حتى يكون كل يوم منها موفياً على ما قبله مقصعاُ عما بعده. وكتب ابن المعتز: حفظ الله النعمة عليك وفيك وولي إصلاحك والاصلاح لك وأجزل من الخير حظك والحظ منك ومن عليك وعلينا بك. وكتب إلى عليل: مسحك الله بيد العافية ووجه إليك وافد السلامة وملاك
стр. 456
ما أفادك وهناك ما قسم لك وأمتع بك وليك وألان لك طاعة عدوك وجمل الدولة ببقائك وزينها بدوام نعمائك. وكتب الصاحب أبو القسم: والله يديم لمولانا ولي النعم التمكين والبسطة والعلوَ والقدرة والعز والنصرة ولا يسلب القلوب ما أودعها من محبة دولته ولا يعدم الصدور ما ضمنها من خشية صولته ليزداد أولياؤه بصيرة في مناصحته ويضطر أعداؤه إلى استعطافه واستقالته إنه قدير على ما يشاء وإليه أرغب في زيادة مولانا من فضله وصلة المناجح بسعيه وعزمه وتعريفة الميامن في ارتحاله وحله وتوفيقه لما يحفظ رأي ولي نعمته ويستديم المقسوم له من محمدته. وكتب أبو الحسن بن أبي البغل إلى علي بن عيسى: وهنأ الله الوزير ما أتاه وجعله أيمن أمر من أمور الدين والدنيا بداءاً وفاتحةً وأسلمه مالاً وعاقبةً وأطوله أمداً ومدةً وأدومه انتظاماً واستقامةً وأوفره كفاية لله وجميل ولايته وصادق معونته حظاً وسهمةً ويسر لديه العسير وقرب على يده البعيد والشطير إنه على كل شئ قدير. وقال أعرابي لرجل النعم ثلاثٌ نعمةٌ في حال كونها ونعمةٌ ترجى مُستقبلة ونعمةٌ تأتى غير محتسبة فأدام الله لك ما أنت فيه وحقق ظنك قيما ترتجيه وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
(المديح)
قد صدرت الكتاب بذكر المديح على مذهب الشعراء وأنا أورده هنا صدراً على مذهب الكتاب ليشتمل الكتاب به على الكمال إن شاء الله تعالى. ذكر رجل لبعض البلغاء فقال: هو أحلى من رخص السعر وأمن السبل وإدراك الأماني وبلوغ الآمال. وكتب بعضُ الكتاب: وجرى لك من ذكر ما خصك الله به وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدر وعلو المنزلة والذكر وبعد الهمة ومضاء العزيمة وكمال الأداة والآلة والتمهد في السياسة والأيالة وحياطة
стр. 457
الدين والأدب وإيجاب عظيم الحق بضعيف السبب مالا يزال يجري مثله عند كل ذكر يتجدد لك وحديث يؤثر عنك. وكتبت: من حل محل سيدنا في شرف المنصب وطهارة العنصر وزكاء الأصل ونماءٍ الفرع وستي الحسب وسري النسب مع الشيم الطاهرة والمكارم المتظاهرة كثرت الرغبة إليه وخيمت الآمال بين يديه وهو حقيقٌ بتصديقها فيه وتحقيقها عند مؤمليه لكرمه في نفسه وتميزه من جنسه. وقال بعضهم لرجل: رحم الله أباك فإنه كان يقري العين جمالاً والأذن بياناً. ومما يجري مع ذلك أن بعضَ الملوك رأى رجلاً قبيح المنظر عي اللسان فأمر بإسقاطه وقال إن روح الحياة وهي الإنسانية إذا كان ظاهراً كان جمالاً وإذا كان باطناً كان بياتا فمن خلا من الجمال والبيان فليس بإنسان. وكتب الصاحب: وليس ببدع أن يجود كلامه وتعتدل أقسامه ويتهذب بيانه ويتسع جنانه وقد راض العلوم حتى أعطته زمامها ومارس الآداب حتى ملكته خطامها فإن عُد الفقه كان البازل الذي ذلل الفحولَ مصاولة وإن ذكر الكلام كان الجبل الذي فرع الأطواد مطاولة وإن تصرف في أيام الناس وأخبارهم وفحص عن سيرهم وآثارهم حاضر محاضرة الأفراد وكاثر مكاثرة الآحاد وإن جوري في سوائر الأمثال وفقر الأشعار ترك المجاري لا يدري أي طريق يركب وأي مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المككك وعذيقها المرجب وقد سُلمت إليه مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المحكك وعذيقها المرجب وقد سلمت إليه إختياراً من مواليه واضطراراً من معاديه. وقال رجلٌ لخالد القسري إنك لتبذل ما جل وتجبر ما اعتل وتكثر ما قل. وكتب إبراهيم بن العباس: وإن أمير المؤمنين لو استغنى بنظر ناظرٍ من ولاته واجتهاد مجتهد من كفاته الذين لهم الأثرة عنده والموضع الأخص عن الاستظهار عليه بنظره وعنايته واهتمامه كنت أولى من خفف بمكانه عن نفسه واقتصر على عنايته وتدبيره دون إرشاده وتسديده فالله يعزهُ ويزيد في تأييده.
стр. 458
٣ - (فأما الذم والتهجين)
فمن بديع الاستعارة فيه قول أعرابي يذم رجلاً: يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. ودخل أعرابي بغداد فقال فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد إقبال حظهم إدبار حظ الكرم شجر فروعه عند أصوله شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. وقال بعضهم لرجل استضاف بخيلاً: نزلتَ بوادٍ غير ممطور ورجل غير مسرور فأقم بندمٍ وارحل بعدمٍ. وقال أعرابي: أولئك قومٌ سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم فلباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الآخرة الندامة. وقال أعرابي لا تدنس شعرك بعرض فلان فإنه سمينُ المال مهزول المعروف من المرزوقين فجأة قصير عمر الغنى طويل حياة الفقر، ومن ههنا أخذ أبو نواس قوله:
(بما أهجوكَ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري)
(إذا فكّرت في عرضك ... أشفقتُ على شعري)
واستشارت امرأةٌ امرأةً في رجل تزوجه فقالت لا تفعلي فإنه وكلةٌ تكلة يأكل خلله. وكلة وتكلة بمعنى واحدٍ وهو الذي يتكل في الأمور على غيره ولا يقومُ فيها بنفسه والتاء في تكلة واوكما قيل تراثٌ وهو من ورث، والخلل ما يخرج من بين الأسنان عند التخلل وليس في اللؤم شئ من الكلام أبلغ من هذا. وقريبٌ منه قولهم فلان يثير الكلاب عن مرابضها، يريدون أنه من طعمه وشرهه يثيرها يطلب تحتها شيئاً قد فضل منها، ومن ذلك قول الشاعر:
(أمن بيتِ الكلابِ طلبتَ عظماً ... لقد حدثتَ نفسك بالمحال)
٣ - (في الشكر)
وكتب ابنُ المعتز في الشكر: قد جلت نعمتك عن شكري فتولى الله مكافأتك
стр. 459
عن عجزي بعد جهدي بما هو أرفع له وأقدر عليه بمنه ورأفته، وهذا من قول طريح بن إسماعيل
(فقصرت مغلوباً وإني لشاكرُ)
وكتب آخر: إذا كان مجهودي في شكر النعمة واعترافي بحق العارفة يبلغني أقصى نهاية الشاكرين وأبعد غاية المعترفين وكانت زيادة معروفك على قدر شكري كزيادة قيمتك في نفسي فقد أسقط الله تكلف ما جاوز الطاقة عني. وكتب بعضهم: قلبي نجي ذكرك ولساني خادم شكرك. ومما يجري مع ذلك ما كتب بعضهم: أما بعد فإن أثقل الناس حملاً من تحمل آمال المؤملين وأولاهم بالمكافأة من أخدمك عِرضه فتذلل لك ونفسه فتواضع دونك وقلبه فكان في رجائك وتأمليك ولسانه فكان في ذكر محاسنك ونشر مناقبك. وقريب من هذا المعنى قول ابن الرومي:
(إنَ امرأً رفضَ المكاسبَ واغتدى ... يتعلم الأدابَ حتى أحكما)
(فكسا وحلّى كلَّ أروع ماجدٍ ... من حرَ ما حاك الضميرُ ونظّما)
(مُتشاغلاً عما يُمارس غيره ... حتى لقد أثري اللئامُ وأعدما)
(ثقةً برعي الأكرمينَ ذمامهُ ... لأحقُ ملتمسٍ بأن لايحرما)
وكتبت: وتأملت التوقيع في معنى المعيشة فتصور لي الغنى بصورته وقابلني بصدق مخيلته وعرفت أن الدهر قد غضت جفونه ونامت عيونه وتنحت عن ساحتي خطوبه وهذه نعم أعيا بذكرها فكيف أطمع في أداء شكرها بل عسى أن يكون الاعتراف بقصور الشكر عنها شكراً لها ومقابلة بما خلص إلي منها وأنا معترف بذلك اعتراف الروض بحقوق الأنواء وقائل به كما أقول بفضل الوفاء. وقال ابن المقفع: الشكرُ نسيمُ النعمة. وقال علي بن عبيدة: النعمة كالروضة والشكر كالزهرة. وكتب ابن المعتز في معنى آخر: سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. وكتب أبو العباس بن ثوابة: وأنا أسأل الله إذا من بنعمةٍ أن يجعلك المقدم فيها وإذا امتحن بمنحة أن يجعلني وقاءً لك منها. وكتب في فصلٍ: وإذا ضاق على أن أفعل فليس
стр. 460
يضيق عليك أن تتفضل إذا كان كل واحد منا يجري إلى غاية في البر والعقوق. وكتب أبو علي الضرير: تجاوز بي ذكر فضلك ووصف محاسنك والاخبار بما وهب الله للامام والأمة فيك إلى القول بحاجتي قبلك ليس لأني جهلتُ الحق علي لك ولا لأني أدخرت الثناء الجميل لغيرك ولكني رأيتني فيما أتعاطى منه كالمخبر عن ضوء النهار الباهر الذي لا يخفى على ناظر وكالمنبه على الأمر الواضح الذي يستوي فيه العالم والجاهل فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك. قد انتهى بنا القول في هذا الباب إلى هنا لعلمنا انا إن أردنا استيعابهُ لم نقدر عليه لكثرته ونرجو أن يقع الاكتفاء به إن شاء الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله وحده. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دل على قدرته وأبان عن حكمته باختلاف ما خلق من الصور وتباين ما أنشأ من الفطر من ملكٍ وإنسان وبهيمةٍ وجان وطائر يمسح صفحات التراب ويأخذ بإهاب السحاب وحنش ينطوي على أدراجه ويستوي مرة في أعواجاجه إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة وأجرام متباينة حقيرها جليلٌ وصغيرها كبيرٌ وجعل منافعها متاعاً للإنسان الذي كرمه تكريماً وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
следующие страницы →