Полный текст (608 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
ما أفادك وهناك ما قسم لك وأمتع بك وليك وألان لك طاعة عدوك وجمل الدولة ببقائك وزينها بدوام نعمائك. وكتب الصاحب أبو القسم: والله يديم لمولانا ولي النعم التمكين والبسطة والعلوَ والقدرة والعز والنصرة ولا يسلب القلوب ما أودعها من محبة دولته ولا يعدم الصدور ما ضمنها من خشية صولته ليزداد أولياؤه بصيرة في مناصحته ويضطر أعداؤه إلى استعطافه واستقالته إنه قدير على ما يشاء وإليه أرغب في زيادة مولانا من فضله وصلة المناجح بسعيه وعزمه وتعريفة الميامن في ارتحاله وحله وتوفيقه لما يحفظ رأي ولي نعمته ويستديم المقسوم له من محمدته. وكتب أبو الحسن بن أبي البغل إلى علي بن عيسى: وهنأ الله الوزير ما أتاه وجعله أيمن أمر من أمور الدين والدنيا بداءاً وفاتحةً وأسلمه مالاً وعاقبةً وأطوله أمداً ومدةً وأدومه انتظاماً واستقامةً وأوفره كفاية لله وجميل ولايته وصادق معونته حظاً وسهمةً ويسر لديه العسير وقرب على يده البعيد والشطير إنه على كل شئ قدير. وقال أعرابي لرجل النعم ثلاثٌ نعمةٌ في حال كونها ونعمةٌ ترجى مُستقبلة ونعمةٌ تأتى غير محتسبة فأدام الله لك ما أنت فيه وحقق ظنك قيما ترتجيه وتفضل عليك بما لم تحتسبه.
(المديح)
قد صدرت الكتاب بذكر المديح على مذهب الشعراء وأنا أورده هنا صدراً على مذهب الكتاب ليشتمل الكتاب به على الكمال إن شاء الله تعالى. ذكر رجل لبعض البلغاء فقال: هو أحلى من رخص السعر وأمن السبل وإدراك الأماني وبلوغ الآمال. وكتب بعضُ الكتاب: وجرى لك من ذكر ما خصك الله به وأفردك بفضيلته من شرف النفس والقدر وعلو المنزلة والذكر وبعد الهمة ومضاء العزيمة وكمال الأداة والآلة والتمهد في السياسة والأيالة وحياطة
стр. 457
الدين والأدب وإيجاب عظيم الحق بضعيف السبب مالا يزال يجري مثله عند كل ذكر يتجدد لك وحديث يؤثر عنك. وكتبت: من حل محل سيدنا في شرف المنصب وطهارة العنصر وزكاء الأصل ونماءٍ الفرع وستي الحسب وسري النسب مع الشيم الطاهرة والمكارم المتظاهرة كثرت الرغبة إليه وخيمت الآمال بين يديه وهو حقيقٌ بتصديقها فيه وتحقيقها عند مؤمليه لكرمه في نفسه وتميزه من جنسه. وقال بعضهم لرجل: رحم الله أباك فإنه كان يقري العين جمالاً والأذن بياناً. ومما يجري مع ذلك أن بعضَ الملوك رأى رجلاً قبيح المنظر عي اللسان فأمر بإسقاطه وقال إن روح الحياة وهي الإنسانية إذا كان ظاهراً كان جمالاً وإذا كان باطناً كان بياتا فمن خلا من الجمال والبيان فليس بإنسان. وكتب الصاحب: وليس ببدع أن يجود كلامه وتعتدل أقسامه ويتهذب بيانه ويتسع جنانه وقد راض العلوم حتى أعطته زمامها ومارس الآداب حتى ملكته خطامها فإن عُد الفقه كان البازل الذي ذلل الفحولَ مصاولة وإن ذكر الكلام كان الجبل الذي فرع الأطواد مطاولة وإن تصرف في أيام الناس وأخبارهم وفحص عن سيرهم وآثارهم حاضر محاضرة الأفراد وكاثر مكاثرة الآحاد وإن جوري في سوائر الأمثال وفقر الأشعار ترك المجاري لا يدري أي طريق يركب وأي مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المككك وعذيقها المرجب وقد سُلمت إليه مذهب يذهب وأما الخطابة فهو جذيلها المحكك وعذيقها المرجب وقد سلمت إليه إختياراً من مواليه واضطراراً من معاديه. وقال رجلٌ لخالد القسري إنك لتبذل ما جل وتجبر ما اعتل وتكثر ما قل. وكتب إبراهيم بن العباس: وإن أمير المؤمنين لو استغنى بنظر ناظرٍ من ولاته واجتهاد مجتهد من كفاته الذين لهم الأثرة عنده والموضع الأخص عن الاستظهار عليه بنظره وعنايته واهتمامه كنت أولى من خفف بمكانه عن نفسه واقتصر على عنايته وتدبيره دون إرشاده وتسديده فالله يعزهُ ويزيد في تأييده.
стр. 458
٣ - (فأما الذم والتهجين)
فمن بديع الاستعارة فيه قول أعرابي يذم رجلاً: يقطع نهاره بالمنى ويتوسد ذراع الهم إذا أمسى. ودخل أعرابي بغداد فقال فإذا ثياب أحرار على أجساد عبيد إقبال حظهم إدبار حظ الكرم شجر فروعه عند أصوله شغلهم عن المعروف رغبتهم في المنكر. وقال بعضهم لرجل استضاف بخيلاً: نزلتَ بوادٍ غير ممطور ورجل غير مسرور فأقم بندمٍ وارحل بعدمٍ. وقال أعرابي: أولئك قومٌ سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم فلباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الآخرة الندامة. وقال أعرابي لا تدنس شعرك بعرض فلان فإنه سمينُ المال مهزول المعروف من المرزوقين فجأة قصير عمر الغنى طويل حياة الفقر، ومن ههنا أخذ أبو نواس قوله:
(بما أهجوكَ لا أدري ... لساني فيكَ لا يجري)
(إذا فكّرت في عرضك ... أشفقتُ على شعري)
واستشارت امرأةٌ امرأةً في رجل تزوجه فقالت لا تفعلي فإنه وكلةٌ تكلة يأكل خلله. وكلة وتكلة بمعنى واحدٍ وهو الذي يتكل في الأمور على غيره ولا يقومُ فيها بنفسه والتاء في تكلة واوكما قيل تراثٌ وهو من ورث، والخلل ما يخرج من بين الأسنان عند التخلل وليس في اللؤم شئ من الكلام أبلغ من هذا. وقريبٌ منه قولهم فلان يثير الكلاب عن مرابضها، يريدون أنه من طعمه وشرهه يثيرها يطلب تحتها شيئاً قد فضل منها، ومن ذلك قول الشاعر:
(أمن بيتِ الكلابِ طلبتَ عظماً ... لقد حدثتَ نفسك بالمحال)
٣ - (في الشكر)
وكتب ابنُ المعتز في الشكر: قد جلت نعمتك عن شكري فتولى الله مكافأتك
стр. 459
عن عجزي بعد جهدي بما هو أرفع له وأقدر عليه بمنه ورأفته، وهذا من قول طريح بن إسماعيل
(فقصرت مغلوباً وإني لشاكرُ)
وكتب آخر: إذا كان مجهودي في شكر النعمة واعترافي بحق العارفة يبلغني أقصى نهاية الشاكرين وأبعد غاية المعترفين وكانت زيادة معروفك على قدر شكري كزيادة قيمتك في نفسي فقد أسقط الله تكلف ما جاوز الطاقة عني. وكتب بعضهم: قلبي نجي ذكرك ولساني خادم شكرك. ومما يجري مع ذلك ما كتب بعضهم: أما بعد فإن أثقل الناس حملاً من تحمل آمال المؤملين وأولاهم بالمكافأة من أخدمك عِرضه فتذلل لك ونفسه فتواضع دونك وقلبه فكان في رجائك وتأمليك ولسانه فكان في ذكر محاسنك ونشر مناقبك. وقريب من هذا المعنى قول ابن الرومي:
(إنَ امرأً رفضَ المكاسبَ واغتدى ... يتعلم الأدابَ حتى أحكما)
(فكسا وحلّى كلَّ أروع ماجدٍ ... من حرَ ما حاك الضميرُ ونظّما)
(مُتشاغلاً عما يُمارس غيره ... حتى لقد أثري اللئامُ وأعدما)
(ثقةً برعي الأكرمينَ ذمامهُ ... لأحقُ ملتمسٍ بأن لايحرما)
وكتبت: وتأملت التوقيع في معنى المعيشة فتصور لي الغنى بصورته وقابلني بصدق مخيلته وعرفت أن الدهر قد غضت جفونه ونامت عيونه وتنحت عن ساحتي خطوبه وهذه نعم أعيا بذكرها فكيف أطمع في أداء شكرها بل عسى أن يكون الاعتراف بقصور الشكر عنها شكراً لها ومقابلة بما خلص إلي منها وأنا معترف بذلك اعتراف الروض بحقوق الأنواء وقائل به كما أقول بفضل الوفاء. وقال ابن المقفع: الشكرُ نسيمُ النعمة. وقال علي بن عبيدة: النعمة كالروضة والشكر كالزهرة. وكتب ابن المعتز في معنى آخر: سألت عن خبري وأنا في عافية لا عيب فيها إلا فقدك ونعمة لا مزيد فيها إلا بك. وكتب أبو العباس بن ثوابة: وأنا أسأل الله إذا من بنعمةٍ أن يجعلك المقدم فيها وإذا امتحن بمنحة أن يجعلني وقاءً لك منها. وكتب في فصلٍ: وإذا ضاق على أن أفعل فليس
стр. 460
يضيق عليك أن تتفضل إذا كان كل واحد منا يجري إلى غاية في البر والعقوق. وكتب أبو علي الضرير: تجاوز بي ذكر فضلك ووصف محاسنك والاخبار بما وهب الله للامام والأمة فيك إلى القول بحاجتي قبلك ليس لأني جهلتُ الحق علي لك ولا لأني أدخرت الثناء الجميل لغيرك ولكني رأيتني فيما أتعاطى منه كالمخبر عن ضوء النهار الباهر الذي لا يخفى على ناظر وكالمنبه على الأمر الواضح الذي يستوي فيه العالم والجاهل فانصرفت عن الثناء عليك إلى الدعاء لك ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بك. قد انتهى بنا القول في هذا الباب إلى هنا لعلمنا انا إن أردنا استيعابهُ لم نقدر عليه لكثرته ونرجو أن يقع الاكتفاء به إن شاء الله تعالى وهو حسبنا ونعم الوكيل والحمد لله وحده. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي دل على قدرته وأبان عن حكمته باختلاف ما خلق من الصور وتباين ما أنشأ من الفطر من ملكٍ وإنسان وبهيمةٍ وجان وطائر يمسح صفحات التراب ويأخذ بإهاب السحاب وحنش ينطوي على أدراجه ويستوي مرة في أعواجاجه إلى غير ذلك من خلقٍ مختلفة وأجرام متباينة حقيرها جليلٌ وصغيرها كبيرٌ وجعل منافعها متاعاً للإنسان الذي كرمه تكريماً وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
стр. 461
ِ
(هذا كتاب المبالغة)
في صفات الخيل والإبل والسير والفلوات وذكر الوحوش والطيور والحشرات وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب العاشر من كتاب ديوان المعاني وهو ستة فصول)
٣ - (الفصل الأول)
في صفات الخيل قد وصفها الناس في قديم الدهر وحديثه وصفاً كثيراً واتسع فيها قولهم إتساعاً شديداً وأنا أجئ بالبديع الغريب من ذلك وأضرب عن غيره لكثرته وإستفاضته ولا حاجة بالناس إلى أن نورد عليهم ما عرفوه ووقفوا عليه وتداولوه إلا مالا بُد من إيراده لفقد شبيهه وعدم نظيره: فمن بديع ما جاء عن القدماء في صفة الفرس قول أبي دؤاد:
(يحمل منه بعضه بعضه ... فراكبٌ منهُ مركوبُ)
وقول الأعرابي:
(وأحمرُ كالدبياج أما سماؤهُ ... فَرَيا وأما أرضهُ فمحُولُ)
سماؤه: أعاليه، وأرضه: أسافله: يعني حوافره. ومن أجود ما قيل في تأنيف أذن الفرس ما أنشده القتبي
(كأن آذانها أطراف أقلام)
وأحسن ما قيل في اصطفاف الخيل قول الأسعر:
(يخرجنَ من خللِ الغبارِ عوابساً ... كأناملِ المقرورِ أقعى فاصطلى)
стр. 462
أي كلهن يبادرُ الغارة فليس يفوت بعضها بعضاً: أخذه علي بن جبلة فقال ﵀:
(كأنَ خيلكَ في أثناءِ غمرتها ... أرسالُ قطرٍ تهامَى فوق أرسالِ)
(يخرجنَ من غمراتِ النقع سامية ... نشر الأناملِ من ذي القرةِ الصالي)
والأول أجود. ومثل ذلك قول الراجز
(مستويات كضلوع الجنب ... )
وفي وصف وقع قوائمها قول مالك بن حريم الهمداني:
(وتَهدي بي الخيل المغيرةَ نَهدة ... إذا صبرت صابت قوائمها معا)
ومن أحسن الاستعارة قوله:
(وإن عثرت إحدى يديهِ بثبْرة ... تجاوبَ أثناء الثلاث بدعدَعا)
وكان الأحسن أن لا يصفها بالعثار إلا أن قوله
(تجاوب أثناء الثلاث بدعدها ... )
مستعار حسن يعفى على إساءته في وصفه إياه بالعثار، ودعدع مثل قولهم (لعاً) وهو دعاء للعاثر بالحياة. وأهدى بعضهم شهرياً وكتب: بعثتُ بشهري حسن المجموع لين الموضوع وطئ المرفوع همه أمامه وسوطه لجامه. وقد أحسن ابن المعتز في وقوله:
(وخيل طواها القودُ حتى كأنّها ... أنابيبُ سمرِ من قنا الخط زبِّل)
(صببنا عليهم ظالمينَ سياطَنا ... فطارت بها أيدٍ سِراعٍ وأرجُلُ)
فذكر أنهم ضربوها من غير أن تمنع شيئاً من مطلوب سيرها فكانوا ظالمين لها. وقد أجاد في قوله أيضاً
(أضيع شئ سوطه إذ تركبه ... )
وقالوا أحسن بيت قالته العرب قول جرير:
(وطوى الطرادُ مع القيادِ بطونها ... على التجارِ بحضرموتَ بُرُودا)
وقد أحسن الأعرابي القول في سرعة الفرس حيث يقول
(غايةُ مجدٍ رُفعت فمن لها ... نحن حويناها وكنا أهلها)
(لو ترسلُ الريح لجئنا قبلها ... )
стр. 463
وقول الآخر:
(جاءَ كمثلِ البرقِ جاشَ ماطرُه ... يسبحُ أولاهُ ويطفو آخره)
(فما يَمس الأرضَ منهُ حافرهُ ... )
وهذا غاية في وصف سرعة العدو إلا أن قوله
(يسبح أولاه ويطفو آخره ... )
ردئ لأنه جعله مضطرب المقاديم والمآخير. وقول عبيدة بن الطيب في الثور:
(يخفي الترابَ بأظلافٍ ثمانيةٍ ... في أربع مَسَّهنَّ الأرض تحليلُ)
يقول ان مواصلة هذا الثور بين خطواته كمواصلة الحالف يمينه بالتحلة لا تراخي بينهما، والتحلة قول إن شاء الله. ومن عجيب القول في سرعة الفرس قول ابن المعتز:
(كأنّ جنانَ الفلاةِ تضربه ... كأنّ ما يَهربُ منهُ يطلبه)
وقد أجاد القائل في صفة كلاب
(كأنما يرفعن مالا يُوضع ... )
ومن عجيب ما قيل في إدامة الجري قول العربُ يباري عنانه ظله ويباري شباة الرمح. ويستحب في الفرس إشراف مقدمه ومؤخره فمن أجود ما قيل في ذلك قول علي بن جبلة:
(تحسبهُ أقعدَ في استقبالهِ ... حتى إذا استدبرتهُ قلتَ أكبّ)
وقد أجاد المتنبي هذا المعنى في قوله:
(إن أدبرتْ قلتَ لا تليلَ لهاِ ... أو أقبلت قلتَ مالها كفلُ)
وقلت:
(طِرف إذا استقبلته قلتَ حبا ... حتى إذا إستدبرته قلت كبا)
(ذو أربع يلقى الصفا بمثلها ... وللحصى من خلفها وثب دبا)
(إذا ترامينَ به في سيرهِِ ... تحسبهُ منها على أنف الصبا)
ووصف النبي
إناث الخيل بأعجب وصف في قوله (ظهورها حرز وبطونها كنز) وقال الأسعر الجعفي في معنى قول النبي
ظهورها حرز:
(ولقد علمتُ على توقّيَّ الردَى ... أن الحصونَ الخيل لا مَدَر القرى)
стр. 464
ومن أجود ما وصف به حضر الفرس قول الأعرابي في فرسه
(يحضر ما وجد أرضاً)
وقد بالغ امرؤ القيس في قوله:
(على هيكل يعطيك قبلَ سُؤِاله ... أفانينَ جرى غير كز ولا وان)
وقوله (قبل سؤاله) عجيب الموقع، وقوله
(أفانين جري)
أعجب وأبلغ. وأجود ما وصف به ظفره عند الطلب قوله:
(وقد أغتدي والطيرُ في وكناتها ... بمنجردٍ قيدِ الأوابدِ هيكلِ)
فجعل الأوابد وهي الوحش مقيدة له ينالها كيف يريد. وقد أجاد أيضاً وأحسن القول في اليقين بالظفر حيث يقول:
(إذا ما ولدنا قالَ ولدانُ أهلنا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطبُ)
وأحسن عمارة التقسيم في قوله في هذا المعنى:
(وأرى الوحشَ في يميني إذا ما ... كانَ يوماً عنانهُ في شمالي)
ونقله الشماخ بن ضرار إلى وصف رام فأحسن حيث يقول:
(قليلُ التلاد غير قوسٍ وأسهم ... كأنَّ الذي يرمي من الوحش تارز)
أي جامدٌ باردٌ يصيبه كيف يريد. وجعله أبو نواس في نعت كلاب فقال:
(بأكلبٍ تمرحُ في قداتها ... تَعُدُّ عيرَ الوحشِ في أقواتها)
وهو من قول أبي النجم
(تعد غابات اللوى من مالها)
وقوله:
(يردى على حوافرٍ لا تخذلُه ... صم الشوَى يحملها وتحمله)
(حافٍ وما يحفى وما تنعلهُ ... ثار عجاج مستطيل قسطله)
(تنقش منه الخيل مالا تعزله ... في جنبه الطائر ديث عجله)
(كأنَّ تربَ القاع وهو يسحله ... ضيقُ شياطين زفتهُ شمأله)
стр. 465
(أو خلقٌ ينشقُّ عنه سمله ... ترى الغلامَ ساجياً لا يركله)
(يعطيهِ ما شاء وليس يسأله ... فوافت الخيل ونحن نشكله)
ويستحب في الخيل سعة المنخرين فمن أبلغ ما قيل في ذلك قول مزاحم بن طفيل العقيلي
(منخرٍ كوجار الثعلب الخرب ... )
فجعله خرباً ليكون أوسع. وقال العباس بن مرداس:
(مِلء الحزامين ملء العين ... ينفشُ عندَ الربو منخرين)
(كنفش كيرين بكفي قين ... )
ومن أبلغ ما قيل في طول عنق الفرس قول مزاحم العقيلي أيضاً كأن هاديه جذعٌ على شرفٍ فلم يرض أن جعلها جذعا حتى جعلها على شرف كصنيع الخنساء في قولها
(كأنه علمٌ في رأسه نار ... )
وقلت:
(بمعقودِ السراة على اندماج ... ومزرورِ القميصِ على انشمارِ)
(يُريكَ جبينهُ لمعانَ برقٍ ... وسائر جسمه لمعان قار)
(فيشبه تحتَ جُنح الليلِ ليلاً ... ويحكي الخالَ في خدِّ النهارِ)
(ويقبلُ حينَ يُقبلُ في سموّ ... ويُدبِرُ حينَ يُدْبرُ في انحدار)
(ويُمسك وهو كالغدن المعلى ... ويحضرُ وهو كالمسد المغار)
(يلوحُ البدرُ منهُ في جبينٍ ... وتتضحُ الثريا في عذارِ)
وقد أبدع القائل في وصف فرس أبلق أغر فقال:
(وكأنما لطمَ الصباحُ جبينه ... فاقتصى منه فخاضَ في أحشائه)
إلا أنه أساء في العبارة وذلك أن اللطم لا يكون إلا على الخد وضرب الجبين لا يسمى لطماً والقصاص يكون بمثل الفعل فالقصاص باللطم اللطم لا الخوض في الأحشاء. وقال ابن دريد وأحسن في وصف الغرة والتحجيل:
(كأنما الجوْزَاءُ في أرْساغِهِ ... والنجمُ في جبهتهِ إذا بدا)
ونحوه قول كشاجم
стр. 466
(قد راحَ تحت الصبح ليلٌ مُظلم ... لو راحَ في السرج المحلى الأدهم)
(ضحك اللجينُ على سوادِ أديمه ... وكذا الظلام تنير فيه الأنجمُ)
(فكأنهُ ببناتِ نعش مُلبَّبٌ ... وكأنما هو بالثريا مُلجَمُ)
وقلت:
(عارضتُ فيهِ النجمُ فوقَ مُطهم ... يهوى لطيئه هُوِيَّ الأعقب)
(ذاوي العسيبِ قصيره ضافي السبيب ... طويلهُ صافي الأديم محبب)
(كالنورِ بينَ العشبِ يبهرُ حسنهُ ... بين الجيادِ إذا بدا في موكب)
(وتطيرُ أربعهُ بهِ في أبطح ... فكأنه من طولها في مرقبِ)
(صمّ الحوافرِ شرب صمّ الصفا ... منها الأهلةُ في الصفا والصلبِ)
(وكأنَ غرتهُ نفضضُ وجهه ... والنقعُ يذهبهُ وإن لم يُذْهب)
(وكأنَّ في أكفالهِ وتليلهِ ... غسقَ النجومِ فتستطيلُ وترتبي)
(وكأنما الأرساغُ ماءٌ لم يسل ... والجسمُ كأسُ مدامة لم يقطب)
(لم يطلبُ إلا يفوتُ ويُطلب ... إلا يفوزُ فلم يخب في مطلب)
(والعاصفات حسيرةٌ والبارقات ... أسيرةٌ في شدةِ المتلهب)
(وكأنما يجري مدارُ حزامهِ ... أحناءَ بيتٍ بالعراءِ مطنبِ)
وأول من شبه الحافر بالحجارة الأفوه في قوله
(يرمي الجلاميد بأمثالها ... )
ثم قال رؤبة
(يرمي الجلاميد بجلمودِ مدق ... )
وأبلغ ما وصف به شدةُ قوائم الفرس ما أنشدناه أبو أحمد عن ابن دريد عن الاشنانداني عن الجرمي:
(سيانَ تحت طموه وطمورهِ ... أكمُ الفلا ومقايلُ الولدانِ)
(يطأ الخَبَار فلا يطيرُ غبارهُ ... ويرضُّ حافرهُ حصى الحزّان)
يقول سواء عنده إذا طما في سيره أي إرتفع وإذا طمر أي وثب، والأكم وهي المرتفعات من الأرض فيها حجارة وطين والمقابل وهي ملاعب الصبيان إذا لعبوا بالتراب فمدُوا منه طريقين بينهما كالجدول ثم خبؤا خبيئاً فمن أخرجه فقد غلب، والخبار الأرض السهلة، إذا مشى فيه خفف وطأه فلم يثر غباراً وإذا
стр. 467
جرى في الحزان وهي الغليظ من الأرض مكن حافره فرض الحصى. ونحوه قول جرير
(ضرم الرقاق مناقل الأجرال ... )
يقول إذا صار في الرقاق من)
الأرض اضطرام من جريه وإذا صار في الأجرال وهي مواضع الحجارة ناقل فيها لتطمئن مواقع حوافره. وقول الآخر
(شادخة تشدخ من أدلاها ... )
يقول تبعد عن الطريق ولا تبالي سهلاً أخذت أم حزناً. ومن الفرد الذي لا شبيه له قول ابن المعتز:
(ولقد غدوتُ على طمرّ قادحٍ ... رفعت قوائمهُ غمامة قسطلِ)
(ومُحجَّلٍ غر اليمين كأنه ... متبخترٌ يمشي بِكُمٍّ مُسَبلِ)
وقد أحسن القائل في قوله:
(مدى خطوهِ أقصى مواقعِ طرفهِ ... وأوَّلُهُ في منعه الخطو آخرهُ)
(وقد قطعت من لونها الشمسُ غُرَّةً ... لهُ وحجولاً ثم كالظلِّ سائرهُ)
وقال ابن المعتز:
(تمّت لهُ غُرَّةٌ كالشمسِ مشرقةٌ ... يكادُ سائُلها عن وجههِ يكفُ)
(إذا تقرَّطَ يوماً بالعذار غدا ... كأنه غادةٌ في أذنها شَنَف)
وقلت:
(إذا تحلّى بالعذارِ ومشى ... قلتَ فتاةٌ تتصدّى لفتى)
(كأنه تحت الحليِّ روضةٌ ... دَرَّ عليها الزهرُ أخلافَ الحيا)
وأبلغ ما قيل في طول الفرس في الهواء قول أبي دؤاد:
(إذا ما جرى شأوينِ وابتلَّ عطفهُ ... أناخ بهاد مثل جذع سَحُوقِ)
(كأني إذا عاليتُ حوزةَ متنهِ ... تعلق بزي عندَ بيضِ أنوق)
وبيض الأنوق في أعلى موضع من الجبل، فلا ترى أشد مبالغة من هذا البيت. وقلت:
(مضطرمُ الغدوِّ والرواحِ ... تخاله يمشي على أرماحِ)
وأخبرنا أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر عن المدائني قال أهدى رجل من الدهاقين إلى خالد بن عبد الله القسري برذوناً وقعد بين يديه فقال ما هذا؟
стр. 468
فقال أصلحك الله إن تركته نعس وإن حركته طار , فقالِ صفته خير منه وقال ابن المعتز:
(أسرع من لحظته إذا عدا ... أطوعُ من عِنانهِ إذا جُذبِ)
ويشبه الفرس في عدوه بالنار فأجمع ما جاء فيه قول ابن المعتز:
(ربما أغدو وتحتي طرفُ ... لاحقٌ بالمهاديات طِمْر)
(طُويَ الشحمُ على متنتيه ... مثل ما يطوي القباطي تجر)
(فهو نارٌ والترابُ دخانٌ ... مستطيرٌ وحصى الأرض جمرُ)
وقال:
(وكم غدوت بفتيانٍ تسيل بهم ... سوابقٌ أحكمتهنَّ المضاميرُ)
(مكنفاتٍ بآذانٍ نواصيها ... كما يشقُ عن الطلع الكوافير)
(تنزو كراتهمُ في كل مُعترك ... كما يطيرُ من الذعرِ العصافير)
قوله
(تسيل بهم سوابق)
من أجود ما وصف به الجري السهل. ويستحب في الفرس من الشدق وهو سعة الشدقين فمن المذكور في ذلك قول بعض العرب
(وان يُلق كلبٌ بين لحييه يذهب)
ومن مليح ما قيل فيه قول ابن المعتز:
(ناظر في غرة ... شمها واسترطا)
(وإذا سار رمى ... يدَه والتقطا)
(وكأن ملجمه ... يفتحان سفطا)
وقال:
(وغدونا بأعنة خيل ... تأخذُ الأرض بأيدي عجالِ)
(زينتها غررٌ ضاحكاتٌ ... كبدورٍ في وجوهِ الليالي)
ومن غريب التشبيه تشبيههن قوائم الفرس المحجلة عند السير بجراء كلاب بيض، قال الراجز:
(كأن اجراء كلابٍ بيض ... دون صافيه إلى التعريضِ)
وقال العماني الراجز:
стр. 469
(كأن تحت البطنِ منه أكلُباً ... بيضاً صغاراً ينتهشْنَ المنقبا)
وتبعه الحماني فقال:
(وليلٍ مثل خافية الغرابِ ... عي مذاهب وخفي بابِ)
(دلفتُ لهُ بأسودَ مستمر ... كما نظرَ الغضابُ إلى الغضاب)
(أجشُّ كأنما قابلتُ منهُ ... تبعقَ لُجّةٍ وحريقَ غابِ)
(تراهُ كأن عينك لا تراه ... إذا وصل والوثاب إلى والوثاب)
(كأن لدى مغابنهِ التماعا ... نهادش عنده بُقعُ الكلابِ)
وليس نظم هذا البيت بمختار، وذكر قوائمه ثم قال:
(يخالس بينها رفعاً ووضعاً ... كما خفقت بنانُك بالحسابِ)
ومن أحسن ما قيل في الحصى الذي يترامى بسنبك الفرس إذا جرى قول امرئ القيس:
(كأنّ الحصى من خلفِها وأمامِها ... إذا نجلته رجلها حَذفُ أعسرا)
وجعله أعسر لذهابه على غير إستواء، أحذه ابن المعتز فقال وغير لفظه وأتى بمعناه:
(يقذفُ بالرجلُ حصى الطريقِ ... كأنهُ رامٍ بلا تحقيقِ)
وقال:
(ينفي خفاف الحصى والنقعُ منتشرٌ ... كأنها خلفَ رجليه الزنابير)
وقد أجاد الكميت في قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجِها ... نوى الرضخِ يلقى المصعد المتصوّب)
فجعلها لكثرتها تتلاقى في الهواء وزاد في ذلك على الممزق ومنه أخذه وهو قوله:
(كأن حصى المعزاءِ بينَ فروجها ... نوادي نوىً رضاخة لم تدققِ)
وقد أجاد الراجز في قوله
(يرضخ ما يرضخ مالا يرضخ ... )
يقول إذا وطأ الحصى نبت من تحت سنبكه فأصاب ما لم يطأه فدفعه من موضعه وكأن رضخه أي رمحه والرضخ الرمح. ويشبه الحافر بالقعب فمن قديم الشعر في ذلك قول امرئ القيس
(لها حافر مثل قعب الوليد ... )
أخذه ابن المعتز فقال:
стр. 470
(قد اغتدى بقارح ... مُسوَّم يَعبوبِ)
(ينفي الحصى بحافرٍ ... كالقَدَح المكبوبِ)
(قد ضحكت غرتهُ ... عن موضع التقطيبِ)
وقد أحسن أبو تمام في وقوله:
(بحوافرٍ حُفرٍ وصُلبِ صلِبٍ ... وأشاعرٍ شعرٍ وحلق أحلق)
فجعل البيت كله تجنسيا ولعله ما سبق إلى ذلك. وقد عاب الآمدي قوله
(وصلب صلب)
وقوله
(وحوافر حفرٍ)
وقال إن الحوافر لا تحفر الأرض وأكثر ما ذكر في ذلك أنها تثير الغبار قال وهو استقصاء المعنى، قلنا وبعضهم يستحسن ذلك وبعضهم يكرهه. ومن المذكور في صفة الفرس قول البحتري وهو أوصف المحدثين للخيل وأكثرهم إجادة في نعتها:
(أما الجوادُ فقد بلونا يومهُ ... وكفى بيومٍ مُخبراً عن عامِهِ)
(جارى الجيادَ فطارَ عن أوهامها ... سبقاً وكاد يطيرُ عن أوهامهِ)
(جذلانُ تلطمُهُ جوانبُ غُرّةٍ ... جاءت مجئ البدرِ حين تمامِهِ)
(واسودَّ ثم صَفَتْ لعينَيْ ناظرٍ ... جنباتهُ فأضاء في إظلامهِ)
(مالت نواحي عُرفه فكأنها ... عذباتُ أثلٍ مالَ تحت حمامه)
(ومقدّمِ الأذنين تحسِبُ أنّه ... بهما يرى الشخصَ الذي لأمامهِ)
(وكأن فارسَه وراء قَذَالهِ ... ردفٌ فلستَ تراه من قُدَّامهِ)
(لانَتْ معاطفُه فخُيِّلَ أنّه ... للخيزرانِ مناسبٌ بعظامهِ)
(وكأنّ صهلَتَهُ إذا استُعْلي بها ... رعدٌ يقيقع في ازدحام غَمامه)
(مثلَ الغرابِ بدا يباري صحبه ... بسواد صبغته وحسن قوامه)
(والظرف أجلبُ زائر لمؤونة ... مالم بزره بسرجِهِ ولجامهِ)
وقوله أيضاً:
(وأغرَّ في الزمن البهيمِ مُحجَّلٍ ... قد رُحُت منهُ على أغرّ مُحجل)
стр. 471
(كالهيكلِ المبنيِّ إلا أنّهُ ... في الحسنِ جاءَ كصُورةٍ في هِيْكَلِ)
(ذَنبٌ كما سحبَ الرداء يذبُ عن ... عرف وعرفٌ كالقناع المسبلِ)
(جذلانُ ينفضُ عُذرةً في غرةٍ ... يققٍ تسيلُ حُجولُها في جَنْدلَ)
(تتوهمُ الجوزاءُ في أرساغهِ ... والبدرُ غرةُ وجههِ المتهللِ)
(وتراهُ يسطعُ في الغبار لهيبهُ ... لوناً وشداً كالحريقِ المشعلِ)
(هزيج الصهيلَ كأنَّ في نَغَماتِهِ ... نَبَراتُ معبدَ في الثقيلِ الأوّل)
(مَلَكَ العُيون فإنْ بدا أعطينهَ ... نظرَ المحبِّ إلى الحبيبِ المقبلِ)
وقد أحسن ابن طباطبا في قوله:
(عجباً لشمسٍ أشرقتْ في وجهه ... لم تمح منهُ دجى الظلامِ المطبقِ)
(وإذا تمطر في الرهانِ رأيتهُ ... يجري أمامَ الريح مثلَ مطرّق)
وقال ابن المعتز:
(تحملني طِرفةٌ ... صادرةٌ واردهْ)
(ترضيك في يومها ... وهي غداً زائده)
(ورجلها تقتضي ... ويدها جاحده)
وبإسناد لنا أن رجلاً أنشد أبا البيداء قول أبي نخيلة:
(لما رأيتُ الدّيْنَ ديناً يُؤفَك ... وأمست القبةُ لا تستمسكْ)
(تفتقُ من أعراضِها وتهتك ... سرت من الباب فسارت دكك)
(منها الدَّجوجيُّ ومنها الأرمكِ ... كالليلِ إلا أنها تحركُ)
فقال لعنك الله إن كنت أنشدتنيها وأنت على غير وضوء، قوله
(كالليل إلا إنها تحرّك ... )
استثناء عجيبٌ. وقال ابن المعتز:
(إذا ما بدا أبصرتَ غرةَ وجههِ ... كعنقودِ كرمٍ بينَ غصنينِ نوّرا)
(وردفاً كظهرِ الترس أسبلِ خلفهُ ... عسيباً كعِيص الطَّودِ لما تحدّرا)
ومما يجري مع ذلك قول بعضهم:
стр. 472
(قد أشهدُ الليل بفتيانِ غُرر ... على جياد كتماثيل الصورْ)
(كأنما خيطوا عليها بالإبرْ ... أو سمِّر الفارسُ فيها فانسمر)
وبإسنادٍ لنا أن محمد بن عبد الله بن طاهر أرق ذات ليلة فقال لكاتبه أنائمٌ أنت؟ قال لا وأيد الله الأمير، قال ما أطيب الطعام؟ قال طعام شهوة في إبان جوعة، قال فما ألذ الشراب؟ قال شربة ماء بارد تطفئ بها غليلك أو كأسٌ تعاطي بها نديمك، قال فما أشهى النساء؟ قال التي تدخل إليها والهاً وتخرج عنها هارباً، وقال فما أجود الخيل؟ قال الأسوق الأعنق الذي إذا طلب لحق وإذا طلب سبق وإذا صهل أطربك وإذا بدا أعجبك. قال صدقت لله درك، اعطه يا غلام ألف دينار، قال أصلح الله الأمير وأين تقع مني ألفا دينار؟ قال أو زدت نفسك ألفاً قال أو ليس كذا؟ قال لا ولكن حقق ظنه يا غلام. فأعطاه ألفي دينار. وقيل لأعرابي أتعرف الجواد المبرز من الطيء المقرف قال نعم أما الجواد المبرز فهو الذي لهز لهز العير وأنف تأنيف السير إذا عدا إسلهب وإذا إنتصب اتلأب، والبطئ المقرف هو المدلوك الحجبة القحم الأرنبة الغليظ الرقبة الكثير الجلبة الذي إذا قلت أمسكه قال أرسلني وإذا قلت أرسله قال أمسكني. وقال المهدي لمطر بن دراج: أي الخيل أفضل؟ قال الذي إذا استقبلته قلت نافر وإذا إستدبرته قلتَ زاخر وإذا استعرضته قلت زافر، قال فأي البراذين خيرٌ؟ قال ما طرفه أمامه وسوطه عنانه، قال فأي البراذين شرٌ؟ قال الغليظ الرقبة الكثير الجلبة إذا أرسلته قال أمسكني وإذا أمسكته قال أرسلني. ووصف رجلُ من العرب خيلاً فقال: إنها لخليقة للجودة وآية ذلك إنها سامية العيون لاحقة البطون مصغية الآذان افتاء الأسنان ضخام الركبات مشرفات الحجبات رحاب المناخر صلاب الحوافر وقعها تحليل ورفعها تعليل إن طلبت فاتت
стр. 473
وإن طلبت نالت. واستوصف الحجاج ابن القرية فرساً فقال طويل الثلاث قصير الثلاث حديد الثلاث رحيب الثلاث صليب الثلاث عريض الثلاث منيف الثلاث أسود الثلاث. فاستفسره فقال طويل العنق والسبب والساق، قصير الظهر والعسيب والشعر، حديد القلب والسمع والمنكب، رحيب المنخرين والشدقين والجوف، صليب الدخيس والكاهل والعجب، عريض اللباب والحجبة والخد، منيف الجوانح والقذال والقوائم، أسود الذكر والحافر والعين. وقال محمد بن منادر في وصف فرس:
(وإذا أعْرضَ قطريهِ لنا ... وفيا واستوفيا قَدّاً بقَدّ)
(فهو كالقدْح أقامت درأهُ ... كفُ باريهِ فما فيه أوَدْ)
ووصف النظام فرساً فقال: هو صافي القميص جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب يبوع بيديه ويندس برجليه ويشير بأذنيه ويبعد مدى بصر عينيه يلحق الأرانب في الصعداء ويجاوزُ الظباء في الاستواء إن حركته طار وإن زجرته حار وإن طرحتَ عنانهُ سار كموج في لجة أوسيل في فجوة إن وجد علفاً أمعن وإن فقده ضغن. وأنفذ جعفر بن يحيى إلى أبيه برذوناً وكتب إليه: قد بعثت إليك ببرذون لين المرفوع وطئ الموضوع حسن المجموع طويل العذار أمين العثار. ومما يجري مع ذلك ما
أخبرني به أبو أحمد عن أبيه قال حدثني أحمد ابن طاهر أنه كتب إلى الحسن بن علي بن يحيى يستهديه لجاماً لحماره:
(جُعلتُ فِداك قد أمسى حماري ... لهُ سرجٌ وليس لهُ لجامُ)
(كمِثلِ العاطل الحسناءِ أمستْ ... لها حليٌ وليسَ لها نظام)
ثم قال
(وأنت لكل ناقصة تمام ... )
(الفصل الثاني من الباب العاشر)
في ذكر الإبل وسيرها وما يجري مع ذلك من وصف أحوالها أطرف ما قيل في صفة الإبل قول القطامي:
стр. 474
(يمشينَ رَهواً فلا الأعجازُ خاذلةٌ ... ولا الصدورُ على الأعجاز تتكلُ)
(فهنَ معترضاتٌ والحصى رمضٌ ... والريحُ ساكنةٌ والظلُّ معتدلُ)
قالت العلماء لو كان البيت الأول في صفة النساء لكان أحسن وذلك لما رأوا من تمام حسنه وظريف لفظه. والبيت الآخر هو أبلغ ما قيل في صفة هاجرة. ومن مليح ما قيل في ضمر الناقة قول ابن الخطيم:
(وقد ضَمرتْ حتى كأنَّ وضينها ... وشاحُ عروس جالَ منها على خصرِ)
ويشبهُ الزمام بالحية فمن أول ما قيل في ذلك قول الشاعر:
(يعالج مثنى حضرمي كأنّه ... حباب نقا يتلوه مرتجلٌ يرمي)
وقال ذو الرمة:
(رجعية أسفار كأنَّ زمامها ... شجاع على يسرى الذراعين مطرق)
وأخذه المتنبي فقال
(كأنّ على الأعناق منها الأفاعِيا ... )
من أجود ما قيل في ضمر الابل قول الفرزدق:
(إذا ما أنيختْ قابلتْ عن ظهورها ... حراجيج أمثال الأهلة شُسَّف)
شبهها بالأهلة لضمرها واحد يدابها. وتشبه بالقسي فمن أجود ما قيل في ذلك وأجمعه قول أبي عبادة البحتري:
(وخدان القلاص حولاً إذا قابلن ... حُولاً من أنجم الأسحارِ)
(يترقرقنَ كالسّراب وقد خضنَ ... غماراً من السرابِ الجاري)
(كالقسّي المعطفاتِ بل الأسهم ... مَبريَّةً بل الاوتاد)
وقال ابن دريد:
(أليّةً باليعملاتِ يرتمي ... بها النجاءُ بينَ أجوازٍ الفلا)
стр. 475
(خوص كأشباح الحنايا ضُمَّر ... يَرْعُفنَ بالأمشاج من جذب البري)
(يرسُبن في بحر الدُّجى وفي الضحى ... يطفون في الآلِ إذا الآل طفا)
ومن غريب ما قيل في عين الناقة قول ذي الرمة:
(كأنما عينها منها وقد ضمرت ... وضمها السير في بعضِ الأضى ميمُ)
فشبهها بالميم لاستدارتها وغورها، والأضى الواحدة أضاة وهي الغدير، وقد قصر بذي الرمة علمه بالكتابة.
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن العلاء بن عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي قال قرأ حماد الراوية على ذي الرمة شعره فرآه ترك في الخط لاماً فقال له ذو الرمة أكتب لاماً فقال حماد وإنك لتكتب قال لا أكتم عليك فإنه كان يأتي باديتنا خطاط فعلمنا الحروف تخطيطاً في الرمل في الليالي المقمرة فاستحسنتها فثبتت في قلبي ولم تخطها يدي. ودخل أبو تمام على المأمون في زي أعرابي فأنشده:
(دمنٌ ألمَّ بها فقالَ سلامُ ... كم حلَ عقدهُ صبرهِ الالمامُ)
فجعل المأمون يتعجبُ من غريب ما يأتي به من المعاني ويقول ليس هذا من معاني الأعراب فلما انتهى إلى قوله:
(هُنَّ الحَمامُ فإن كسرتَ عِيافةً ... من حائهنَّ فإنهنَّ حِمامُ)
فقال المأمون الله أكبر كنتَ يا هذا قد خلطت علي الأمر منذ اليوم وكنت حسبتك بدويا ثم تأملت معاني شعرك فإذا هي معاني الحضريين وإذا أنت منهم فقصر به ذلك عنده. وقال أبو نواس في وصف الناقة:
(ولقد تجوب بي الفلاةَ إذا ... صامَ النهارُ وقالتِ العُفُر)
(شدنيةٌ رعتِ الحمى فأتت ... ملءَ الجبالِ كأنّها قصْرُ)
стр. 476
أخذه من قول عنترة:
(فوقفتُ فيها ناقتي وكأنها ... فدنُ لأقضي حاجةَ المُتلّومِ)
إلا أن بيت أبي نواس أحسن رصفاً. وذكر ذنب الناقة فقال:
(أما إذا رفعته شامذةً ... فتقول رنّق فوقها نَسْرُ)
(أما إذا وضعتهُ عارضةً ... فتقولُ أُسبلَ خلفَها سِترُ)
أخذه من قول أبي دواد
(قوادمٍ من نسور مضرحيات ... )
وليس بيت أبي داود شيئاً مع بيت أبي نواس، ثم قال:
(وتسفُّ أحياناً فتحسبها ... مترسماً يقتادُهُ أثرُ)
(فإذا قصرتَ لها الزمامَ سما ... فوقَ المقادمِ ملطمٌ حُرٌ)
(وكأنها مُصغٍ لتسمعهُ ... بعضَ الحديثِ بأذنهِ وقرٌ)
ومن أجود ما قيل في تقدم الناقة في السير قول القطامي:
(ألمعن يقصرنَ من بخب مخيسةٍ ... ومن عرابٍ بعيداتٍ من الحادي)
أي يسبقن الحادي فيبعدن عنه، ثم قال أبو نواس وأحسن:
(تَذَرُ المطيِّ وراءَها فكأنها ... صفٌ تقدمهنَ وهي إمامُ)
وأحسن ابن المعتز في وقوله:
(وناقةٍ في مهمه رمى بها ... همٌ إذا نامَ الورَى سرَى بها)
(فهي أمام الركبِ في ذهابها ... كسطرِ بسمِ الله في كتابها)
ومن مصيب التشبيه في موطئ الناقة قوله أيضاً:
(تلقي الفلاة بخفٍ لا يقر لها ... كأن مسقطهُ في تربها طبق)
وقوله في ارتفاع الناقة في الهواء وعظمها:
(كأنا عندَ نهضتهِ رفعْنا ... خباءً فوقَ أطرافِ الرماح)
стр. 477
ومثله قوله أيضاً:
(ترنو بناظرةٍ كأنّ حِجَاجها ... وقبٌ أنافَ بشاهقٍ لم يُحلل)
(وكأنَّ مسقَطها إذا ما عرَّست ... آثارُ مسقطِ ساجدٍ متبتلِ)
(وكأن آثارَ النّسوعِ بدفِّها ... مسرى الأساودِ في دهاسٍ أهيل)
(ويشدُ حاديها بحبل كامل ... كعسيب نخلٍ خوصُهُ لم ينُجل)
وقال أيضاً:
(كأنّ المطايا إذ غدونَ بسحرةٍ ... تركنَ أفاحيصَ القطا في المباركِ)
ثم قال وهو من أجود ما قيل في سمن الإبل:
(لنا إبلٌ ملءَ الفضاء كأنما ... حملنَ التلاع الجوَّ فوقَ الحواركِ)
وقد أحسن القائل في وصف سرعتهن حيث يقول:
(خوصٌ نواج إذا حث الحداةُ بها ... حسبتَ أرجلها قُدَّامَ أيديها)
وذكر دعبل بن علي الخزاعي أن قائل هذا البيت القصافي لم يقل بيتاً جيداً سواه وكان يقول الشعر ستين سنة، وأخذه ابن المعتز فقال:
(تخالُ آخِرهُ في الشدَ أوَّله ... وفيهِ عدوٌ وراءَ السبقِ مذخورُ)
(وقد أحسن مسلم في وقوله:
(إلى الأمام تهادانا بأرحلنا ... خلقٌ من الريحِ في أشباحِ ظلمانِ)
(كانَ أفلاتها والفجرُ يأخذها ... أفلات صادرةٍ عن قوس حسبان)
وقال آخر:
(كأن يديها حينَ يجري ضفورها ... طريدانِ والرجلانِ طالبتا وترِ)
ومن بليغ ما جاء في ذلك قول ابن المعتز:
(زجرتُ بها سباح قفرٍ كأنّه ... يخافُ لحاقاً أو يبادرُ أولا)
(توارثهُ الإيجافُ حتى كأنّهُ ... لميس ضنى أعيا الطبيب المعذلا)
стр. 478
ومن بديع ما جاء في ذلك قول رؤبة بن العجاج:
(كأن أيديهن بالقاع القرقْ ... أيدي العذارى يتعاطينَ الورق)
وقد أحسن أبو الشيص في قوله:
(وليل يركب الركبان ... في أمواجهِ الخضر)
(توكلت على أهوالها ... بالله والصبر)
(وأعمال بناتِ الريح ... في المهمهة الفقر ... )
(شماليل يصافحنَ ... مُتونَ الصخرِ بالصخر)
(بإيجافٍ يقدُ الليل ... عن ناصيةِ الفجر)
وقلت:
(لنا هجماتٌ تنثني سرواتها ... بأسنمةٍ مثل الأكام سوامق)
(خبطنَ الربيعَ وانتسفنَ نباته ... كما مرت الأجلامُ فوق المفارقِ)
(بناها بناء البيت جون رواعدٌ ... تجئ على آثارِ جونٍ بوارق)
(تدورُ بأحقيها البروقُ وتنثني ... كأنّ عليها مذهباتٍ مناطقِ)
وقال ابن المعتز:
(وليل ككحل العينِ خضتُ ظُلامهُ ... بأزرقَ لماعِ وأخضر صارم)
(وطيّارةٍ بالرّحلِ صرفٍ كأنما ... تصافح رضراض الحصى بجماجم)
وقلت:
(ليلة خبطت من ظلمائها ... بنازح الخطبو إذا الخطوُ دنا)
(قد انبرَى يعترف السير بنا ... في طرق يخبط فيهنَّ الهدى)
(ينهى الوجى أمثاله عن السرى ... وساعدته ميعةٌ تنهى الوجي)
ومن مصيب التشبيه قول الراعي:
(في مهمةٍ قلقتْ بها هاماتهُا ... قلقَ الفؤوسِ إذا أرَدْنَ نصولا)
стр. 479
وقول الآخر:
(حمراءُ من نسلِ المهاري نسلُها ... إذا ترامتْ يدُها ورجلها)
(حسبتها غيرَى استفزَّ عقلها ... أتى التي كانت تخافُ بعلها)
أي كأنها من عملها بيديها ورجليها وسرعة تحريكها إياهما غيرى تخاصم وتشير بيديها لا تفتر. وقلت:
(ومهمةٍ قلقت فيها ركائبنا ... والليلُ في قلق تسري ركائبهُ)
(ركبته فكأنَّ الصبح راكبهُ ... وجبتهُ فكأن النجم جاثبهُ)
(بكل ذي ميعة جدَ الوجيف به ... فانهدَّ غاربهُ وانضم حالبه)
(وبات ينهب جنحَ الليل في عجل ... كأنه لاعبٌ طابتْ ملاعبه)
(حتى بدا الصبحُ مُبيضاً ترائبهُ ... وأدبرَ الليلُ مخضراً شواربه)
(وإنما النجحُ في ليل ترادفهُ ... إذا تأوَّب أو صبحٍ يواكبه)
(وساهر الليل في الحاجات نائمه ... وذاهب المال عند المجد كاسبه)
وقال أبو تمام:
(على كلَ روَّادِ المِلاطِ تهدمتْ ... عريكتهُ العلياءُ وانضمَّ حالبهْ)
(رَعَته الفيافي بعد ما كان حقبةً ... رعاها وماءُ الروضِ ينهل ساكبهْ)
وقلت:
(واستنهضتكَ إلى المآثرِ والعلا ... هممٌ تخال زهاؤهنَ جبالا)
(أردفتهن عزائماً فكأنما ... أردفَتُ مُرهفةَ النصالِ نصالا)
(حملْتها قلصُ الركابِ كأنها ... قُلصُ النّعامِ إذا اتبعن رِيالا)
(مهريةٌ أودى السفارُ بنحضِها ... فتخالُها تحت الرحالِ رحالا)
وقال مسلم: ( ... إليك أمين الله رامت بنا السرى ... بنات الفيافي كل مرتٍ وفدفدِ)
(أخذْن السرى أخذَ العنيفِ وأسرعَتْ ... خُطاها بها والنجمُ حيران مهتدي)
стр. 480
(لبسن الدجى حتى نضتْ وتصوبت ... هوادي نجومِ الليلِ كالدحو باليدِ)
وهذه استعارة بديعة حسنة عجيبة الموقع جداً. وقال أبو نواس:
(يكتسي عثنونه زبداً ... فنصيلاهُ إلى نحرهِ)
(ثم يعتمُّ الحَجَاجُ به ... كاعتمام النوفِ في عُشَره)
(ثم تذروه الرياحُ كما طارَ قطن النّدْفِ عن وتره)
ومن فصيح الكلام قوله في هذا المعنى:
(نفَحنَ اللغام الجعدَ ثم ضربنَه ... على كلَ خشيومٍ كريمِ المخطَّمِ)
وقال الشماخ بن ضرار:
(كأن ذراعيها ذراعا مدلةٍ ... بُعيد السباب حاولَتْ أن تغدوا)
(من البيض أعطافاً إذا اتصلت دعَت ... فراسَ بن غنم أو لقيطَ بنَ يعمرا)
(بها شرقٌ من زعفران وعنبرٍ ... أطارت من الحسن الرِداء المحبَّرا)
(تقول وقد بلَّ الدموع خمارها ... أبت عفتي أو منصبي أن أعيرا)
(كأن بذفراها مناديل قارقت ... أكفَّ رجالِ يَعصرونَ الصنوْبرا)
وقال الراجز:
(كأنها نائحة ترجعُ ... تبكي بشجوٍ وسواها الموجَعُ)
وهو نحو قول الراجز
(حسبتها غيرى استفزَّ عقلها ... )
ومثله قول الآخر:
(كأن ذراعيها ذِراعا بذية مفجَّعة لاقت حلائلَ من عُفرِ)
(سمعن لها وأستفرغت من حديثها ... فلا شئ يفري باليدين كما تفري)
فوصفها بأنها بذيةُ وقد أوجعت ونيل منها ولقيت حلائلها عن عفرٍ أي بعد زمان وتلك الشكوى في نفسها فجعلت تحدث وتحرك يديها في حديثها فلا تكاد تسكنهما. وقال أبو تمام:
стр. 481
(فما صلائي إذا كان الصلاءُ بها ... جمر الغضا الجزلِ إلا السيرُ والابلُ)
(المرضياتُك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشردُ الضلل)
وقال البحتري:
(والعيس تنصلُ من دجاهُ كما انجلى ... صبغ الشباب على القذال الأشيب)
وقال ابن المعتز:
(ولم نزل نخبط الفلاة بأخفافِ ... المطايا والظِّلُّ مُعتدِلُ)
(كأنّما طارَ تحتنا قزعٌ ... على أكفِّ الرياحِ ينتقلْ)
(يفري بطونَ النقا النقي كما ... يطعنُ بيضَ الجوانحِ الأسلُ)
وقال في الناقة:
(تُصغي إلى أمرِ الزَّمامِ كما ... عَطَفتْ يدُ الجاني ذُرى الغُصنِ)
وقال في لقاح:
(حَوامِلُ شَحمٍ جامدٍ فوقَ أظهر ... وإن تستغث ضراتهن به ذابا)
(إذا مامكاء الدرجاءت بمثعب ... كا سلَ خيظٌ من سدى الثوب فانسابا)
وهذا في دقة الشخب حسنٌ جداً:
(رأيتُ إنهمارَ الدرُ فوقَ فُروجِها ... كما عصَرت أيدي الغواسلِ أثوابا)
(خوازنُ نحضٍ في الجلودِ كأنها ... تُحمَّلُ كُثباناً من الرَّملِ أصلابا)
وقد أحسن في الناقة والزمام:
(وسلِ البيداءَ عن رَجُل ... يخطمُ الريح بثعبانِ)
وقال:
(وقفتُ بها عِيسِي تطيرُ بزجْرِها ... ويأمُرُها وحيُ الزمامِ فترقلُ)
(طَلوباً برجليها يَدَيها كما اقتضتْ ... يدُ الخصمِ حقاً عند آخر يمطلُ)
وقال بعض العرب:
(تطيرُ مناسمُها بالحصى ... كما نَقدَ الدرْهمَ الصيرفُ)
стр. 482
ومن غريب ما قيل في تقدم الناقة صواحبها في السير قول بعض العرب:
(جاءَ وقد ملَ ثواءِ البحرينْ ... يَنْسلُّ مِنهنَّ إذا تدانينْ)
(مثلَ انسلال الماءِ من جفنِ العينْ ... )
وأبلغ ما قيل في غزر الناقة قول أبي حية:
(تدرُ للعصفورِ لو مراها ... يَملأُ مسكَ الفيلِ لو أتاها)
ومن جيد ما وصف به سعة الاخلاف قول ابن لجإ:
(كأنّما نصّتْ إلى ضرّاتها ... من نخرِ الطلح مجوفاتها)
وقال مسلم بن الوليد في غير هذا المعنى:
(أتتك المطايا تهتدِي بمطيّةٍ ... عليها فتى كالنصلِ يؤنسه النصلُ)
وقال أبو نواس:
(أيا حبذا عَيشُ الوجادِ وضجعةً ... إلى دُفّ مِقلاقِ الوضينِ سَعومِ)
(ترامى بها الايجافُ حتى كأنها ... تحيّفُ من أقطارِها بقَدومِ)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي حاتم عن الأصمعي عن أبي عمرو قال سمعت جندل بن الراعي ينشد بلال بن أبي بردة:
(نعوسٌ إذا درّت جرورٌ إذا غدت ... بُويزل عام أو سديسٌ كبازلِ)
قال فكاد صدري ينفرج من جودتها حتى كتبتها. ودرةُ الإبل مع النعاس والغنم تدر مع الاحتراس فمن أجود ما قيل في ذلك قول جبيها الأشجعي:
(رقودٌ لو أنَّ الدُّفَّ يُضرَبُ تحتها ... لتنحاشَ من قاذورة لم تناكر)
أي من قاذورة فيها يقال رجل قاذورة إذا كان يتجنب النساء ويتقي مجامعتهن. ومن الوصف الحسن قول القطامي في نوق:
(جفارٌ إذا صافتْ هضابٌ إذا شتت ... وفي الصيفِ يرددنَ المياه إلى العشرِ)
يشبهها بالآبار من كثرة ألبانها في أيام الربيع والقيظ وهي في الشتاء كالهضاب
стр. 483
سمناً وإذا شربت في اليوم العاشر التقت في مثله وفي كروشها بقيةٌ الماء. وعرض شريح ناقة للبيع فقال له المشتري كيف لبنها؟ قال احلب في أي إناء شئت، قال فكيف الوطء؟ قال أفرش ونم، قال كيف قوتها؟ قال احمل على الحائط ما شئت، قال فكيف نجارها؟ قال علق سوطك وسر. فاشتراها فلم ير شيئاً مما توهمه بصفة شريح فعاد إليه فقال لم أر شيئاً مما وصفت قال ما كذبتك قال فأقلني قال نعم فأقاله. وأنشد أبو أحمد ﵀:
(جاءت تهادى مائلا ذراها ... تحنُ أولاها على أخراها)
(مشي العروس قصرت خُطاها فاسمطتِ القيعانُ من رغاها)
(واتخذتنا كلنا طلاها ... )
يقول إنها كبيرة غزيرة إذا مشت سالت ألبانها فابيضت القيعان منها والرغا جمعُ رغوة، وأتخذتنا كلنا طلاها أي لشربنا ألبانها كأننا أولادها. ومن أجود ما قيل في إرتفاع الإبل وارتفاع اسنمتها قول أبي دؤاد:
(فإذا أقبلتْ تقولُ أكامٌ ... مشرفاتٌ فوقَ الأكام اكامُ)
(وإذا عرضت تقول قصور ... من سماهيج فوقها آطامُ)
(وإذا ما فجيتها بطن غيبٍ ... قلت نخلٌ قد حانَ منهُ صرامُ)
الغيب ما واراك من الشجر، وسماهيج أرضٌ بالبحرين.
(الفصل الثالث)
في ذكر الفلوات والظلال والسير والنعاس وما يجري مع ذلك فمن أبلغ ما قيل في صفة بعد الفلاة قول مسعود أخي ذي الرمة:
(ومهمةٍ فيه السرابُ يلمحُ ... يدأبُ فيه القومُ حتى يطلحوا)
(ثم يظلونَ كأن لم يَبرَحُوا ... كأنما أمسوا بحيثُ أصبحوا)
وقال رؤبةُ بن العجاج
(يكلُ وفد الريح من حيث إنخرق ... )
стр. 484
ذكر أن الريح تكل فيه لبعده، ووفد الريح مأخوذ من قول تأبط شرا
(ويسبقُ وفد الريح من حيثُ ينتحي)
وقال مسلم بن الوليد:
(تجري الرياحُ بها مرضى مولهةً ... حَسَرى تَلوذُ بأطراف الجلاميدِ)
قوله
(بأطراف الجلاميد)
زيادة ليست في بيت رؤبةَ. ويشبهون استواء الفلاة باستواء ظهر الترس قال الشاعر
(ومهمةٍ كمثلِ ظهرِ الترسِ ... )
وأحسنَ ذو الرمة حيث يقول في هذا المعنى: د
(ودَوٍّ ككفِّ المشتري غيرَ أنهُ ... بساطٌ لأخماسِ المراسيلِ واسعُ)
شبهه بكف المشتري لأن كفه ألصق، وفي رواية أخرى لأن المشتري يبسط كفه للصفق. وقلت في نحوه:
(وبحر ككفِّ الأكرمينَ يحفهُ ... صعيدٌ كأيدي السائلينَ مديدُ)
وقال بعض المحدثين:
(ودَوِّيةٍ مثل السماءِ قطعُتها ... مطوقةٌ آفاقُها بسمائِها)
(ومن عجيب التشبيه في وصف الآل قول بعض الأعراب:
(كفى حَزَنَاً أني تطاللتُ كيْ أرَى ... ذَرى علمي دَمخ فما يُرَيان)
(كأنهما والآلُ ينجابُ عنهما ... من البعدِ عينا برقع خلقان)
وهذا من أغرب ما روي من تشبيهات القدماء. وقال جميل بن معمر في السراب:
(ألا تيكما أعلامُ بثنةَ قد بَدَت ... كأنَ ذراها عممته سبيب)
(طوامِس لي من دُونِهنَّ عداوةٌ ... ولي من وراءِ الطامساتِ حبيبُ)
(بعيدٌ على كسلانَ أو ذي ملالةٍ ... وأما على ذي حاجةٍ فقريب)
والسبيب الشقة البيضاء. وقال ابن المعتز:
(والآلُ ينزو بالصوى أمواجه ... نزوَ القطا الكدريّ في الأشراك)
(والظلُّ مقرونٌ بكلَ مطيةٍ ... مشى المهارِ الدُّهم بين رِماكِ)
ولا أعرف في هذا المعنى تشبيهاً أحسن ولا أصوب من هذا.
стр. 485
ومن عجيب التشبيه في وصف اعتدال الظل عند الظهيرة قول الراجز
(وانتعل الظل فصار جوربا ... )
وقال آخر:
(إذا شئتُ أدَّانيَ صرومٌ مشيعٌ ... معي وعقامٌ تتقي الفحل مُقلت)
(يطوف بها من جانبيها ويتقي ... بها الشمس حيٌّ في الأكارع ميت)
أداني: أعاني، صرومٌ: أي صارمٌ، مشيعٌ: شجاع كأن معه أصحاباً يشيعونه فهو جرئ يعني قلبه، العقام: التي لا تلد فذاك أشد لها يعني ناقة، والمقلت: التي لا يبقى لها ولدٌ، وحيٌ في الأكارع ميتٌ: يعني ظلا قد ضارع عند انتصاف النهار. ومن بديع ما قيل في السراب قول ابن المعتز:
(وما راعني بالبَيْنِ إلا ظعائنٌ ... دَعوْنَ بكائي فاستجابت سواكبه)
(بدَتْ في بياض الآلِ والبعدُ دونهُ ... كأسطر رِقٍّ أمرضَ الخط كاتِبه)
ولهم في وصف الأسفار في البحار شعرٌ قليلٌ فمن أجود ما وصف به الموج قول الهذلي:
(نعاجٌ يرتمين إلى نعاج ... )
ولا أعرف في السير والنعاس أجود لفظاً واستعارة مما أنشدناه أبو تمام:
(يقولُ وقد مالت بنا نشوةُ الكرَى ... نعاساً ومن يعلق سُرى الليل يكسل)
(أنخ نُعطِ أنضاء النُعاسِ دواءَها ... قليلاً ورفّهَ عن قلائصَ ذبّلِ)
(فقلتُ له كيف الإناخةُ بعد ما ... حدا الليل عريان الظريفة مُنجلي)
ومما يجري مع ذلك قول الآخر:
(عودٌ على عود على عود خلق ... كأنه والليل يرمي بالغسق)
(مشاجبُ وفلق سقبٍ وطلق ... )
وعود: يريد شيخاً كبيراً؟ على عود أي على بعير مسن، على عود خلق أي طريق قديم دارس فكأنه يريدُ كأن ذلك كما قال رؤبةُ:
(فيها خطوطٌ من سواد وبلق ... كأنّه في الجلدِ توليعُ البهقِ)
أي كأن ذلك شبه البعير بالمشاجب والطريق بالسقب وهو عمودٌ من عمد
стр. 486
الخباء، شبه والشيخ بالطلق وهو القيد لانحنائه. وقريبٌ منه قول الآخر:
(عودٌ على عودِ قوود للإبل ... يموتُ بالترك ويحيا بالعملِ)
عودٌ: بعير، على عود يعني طريقاً، يموت بالترك: يعني الطريق يدرس إذا لم يسلك، ويحيا بالعمل: إذا سلك استبان. ومن المختار في صفة النعاس قول الآخر:
(فأصبحنَ بالموماةِ يحملنَ فتيةً نشاوى من الأدلاج ميلُ العمائم)
(كأن الكري سقاهم صرخديةً ... عُقاراً تمشي في المطا والقوائم)
وأخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن عبد الرحمن عن الأصمعي أن أبا عمرو ابن العلاء كان يستحسن قول بشامة بن غدير ويعجب منه غاية العجب:
(كأن يديها وقد أرقلت ... وقد حرنَ ثم اهتدينَ السبيلا)
(يدا سابح خرَ في غمرةٍ ... فأدركه الموتُ إلا قليلا)
ومما يجري مع ذلك قول الأعرابي:
(بدأن بنا وابن الليالي كأنّهُ ... حُسامٌ جلا عنه القيون صقيلُ)
(فما زلتُ أفني كلَ يوم شبابَهُ ... إلى أن أتتك العيسُ وهو ضئيلُ)
(الفصل الرابع)
(في ذكر الوحوش والسباع والكلاب والصيد وما يجري مع ذلك) فمن أجود ما قيل في وصف الثور إذا عدا فيخفى تارة ويظهر أخرى قول الطرماح، وكان الأصمعي يتعجب من حسنه:
(يبدو وتضمرُهُ البلادُ كأنّهُ ... سيفٌ على شرف يُسَلُّ ويغمدُ)
وقد أحسن عدي بن الرقاع في وصف ثورين وما يثيران في عدوهما من الغبار وهو:
(يتعاورانِ من الغبارِ مُلاءةً ... بيضاءَ مُخملةً هما نسجاها)
стр. 487
(تُطْوَى إذا عَلَوَا مكاناً جاسِياً ... وإذا السنابكُ أسْهَلتْ نَشَرَاها)
لا أعرف في صفة الغبار أحسن ولا أتم من هذا. وأما قوله في صفة قرن الظبي فليس له شبيه وهو من المشهور:
(يزجي أغنَ كأن إبرةَ روقهِِ ... قلمٌ أصابَ من الدَّواةِ مِدَادَها)
وقد أحسن الراعي في وصف الوعل:
(يرود بها ذبَ الريادِ كأنّه ... فتىً فارسيٌ في سراويل رامحِ)
ذب الرياد أي الوعل، ويرود يجئ ويذهب، شبه ما على قوائمه من الشعر بالسروايل وشبه قرنه بالرمح. وقال ابن المعتز:
(كأني على طاوٍ من الوحشِ ناشطٍ ... تخالُ قرون الأجلِ من خلفهِ غابا)
الأجل: القطيع من بقر الوحش، والغاب: الأجمة. وقال أيضاً:
(وجَرَتْ لنا سُنحاً جآذرُ رملةٍ ... تتلو المها كاللؤلؤ المتبدِّدِ)
(قد أطلعت إبَرَ القرونِ كأنها ... أخذ المَرَاود مِن سحيقِ الإثمِدِ)
وقال ابن المعتز:
(شغلته لواقحٌ ملأته ... غيرةً فهو خلفَهن كمىُ)
(قابضٌ جمعها إليه كما يجمع ... أيتامه إليه الوصي)
(كلما شم لاقحا سئ منها ... رأس فحلٍ برجِلها معليُّ)
(خارجٌ من ظلالِ نقع كما ... مزقَ جِلبابه الخليعُ الغويُّ)
(قد طواها التسويق والشدُّ حتى ... هي قبٌ كأنهن القسيُّ)
(هربت في رؤوسهن عيونٌ ... غائراتٌ كأنهن الركيُّ)
وقال أيضاً:
(كأن آثارَ أظلافِ الظِّباء به ... ودعٌ يخلِّفه أظلافهُ نسقُ)
ومن فصيح ما قيل في الكلب وبليغه قول أبي نواس:
(كأن لحييه على افترارهِ شكّ مساميرٍ على طوارِهِ)
стр. 488
طواره: نواحيه.
(سمعٌ إذا استروحَ لم يمارهِ ... إلا بأنْ يطلقَ من عذارهِ)
(فانصاع كالكوكبِ في انحدراهِ ... لفتَ المشير موهناُ بنارهِ)
(شداً إذا أخصف في جداره ... خرّق أذنيه شبا أظفارهِ)
وهذا مثل قوله:
(من كل أخدى ميسانِ المنكبِ ... يشبُ في القودِ شبوبَ المقربِ)
(يلحق أذنيه بحدّ المخلبِ ... )
المقرب: الكريم من الخيل يشد لكرمه بقرب البيوت، ميسان المنكب أي من سعة جلده يميس منكبه. ومن بديع الوصف قوله:
(كأنما الأظفورُ في قنابهِ ... موسى صناعٍ ردُ في نصابهِ)
(تراه في الحضر إذا هاهابه ... يكادُ أن يخرج من اها به)
أخذه من قول ذي الرمة:
(لا يذخران من الإيغال باقية ... حتى تكاد تفري عنهما الأهب)
والقناب: الغلاف. وقد أحسن في قوله وأجاد:
(فجاء يزجيها على شياتها ... شمّ العراقيبِ مُؤنفاتُها)
(مفروشة الأيدي شر نبثاتها ... مشرفة الأكتاف موفداتها)
(قود الخراطيم مخرطماتها ... غرّ الوجوهِ ومحجلاتها)
الموفدات: المشرفات، خرطوم مخرطهم مثل ليل أليل: ( ... كأن أقماراً على لبَّاتها ... ذل المآخير عملساتها)
(لتفثأ الأرنب عن حياتها ... إن حياة الكلب في وفاتها)
وقال ابن المعتز في سعة أشداق الكلاب:
стр. 489
(كأنها في حلقِ الأطواقِ ... ضواحك من سعة الأشداقِ)
وقال في شدة عدو الكلب
(كأنها تعجل شيئاً تحسبه ... )
من قول أبي نواس
(كأنما يُعجلن شيئاً لقْطا ... )
ومن بليغ ما قيل في شدة العدو قول الأحمر في الثور:
(وكأنما جهدت أليتهُ ... أن لا تمسَ الأرضَ أربعةُ)
ومن جيد وصف السرعة قول الحماني:
(يبادرُ الناظر وهو يبدُرُه ... كأنّ من يُبصرُهُ لا يبصرهُ)
وقال الأصمعي وأحسن ما قيل في صفة الذئب قول حميد بن ثور:
(ترى طرفيهِ ينسلانِ كلاهما ... كما أهتزَ عودُ النبعةِ المتتابعُ)
(ينام بأحدى مقليتهُ ويتقي ... بأخرى المنايا فهو يقظانُ هاجعُ)
وقال الأصمعي من أوجز الكلام قول الراجز في الذئب:
(أطلس يخفي شخصهُ غبارهُ ... في فمهِ شفرتهُ ونارهُ)
(هو الخبيث عينه فرارُه ... )
ومما يجري مع ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه عن أبي عمرو قال: رأيت باليمن غلاماً من جرم ينشد عنزاً فقلت له صفها يا غلام فقال: حسراء مقبلة شعراء مدبرة بين عثرة الدهسة وقنو الدبسة سجحاء الخدين خطلاء الأذنين قعساء الصورين كأن زنمتيها تتوا قلنسوة يالها أم عيال وثمال مال. الحسراء: التي قل شعر مقدمها، والشعراء: التي قد كثر شعرها، والغثرة غثرة كدرةٌ، والدهسة لون الأرض، والقنو شدة الحمرة، والدبسة حمرةٌ كدرةٌ، والسجحاء السهلة الخدين، والخطلاء الطويلة الأذنين المضطربتهما، والقعساء المتباعدة بين طرفي القرنين، والصور: القرن.
стр. 490
الزنمتان اللحمتان المعلقتان تحت حنك الشاة، والتتو ذؤابة القلنسوة. ولأعرابي في الذئب:
(وأطلس ملء العين يحملُ زورهُ ... وأضلاعهُ من جانبيه شوى النهدُ)
(له ذنبٌ مثل الشراع يمدُّه ... ومتنٌ كمتنِ القوس أعوجُ منأدُ)
(طواه الطوى حتى استمر مريرهُ ... فما فيهِ إلاّ الروحٌ والعظمُ والجلدُ)
(يُقضقضُ عضلاً في أسرتها الردى ... كقضقضةِ المقرُور أرعَدَه البرد)
(عَوَى ثم أقعى فارتجزتُ فهجتهُ ... فأقبل مثل البرق يتبعه الرعدُ البرد)
(وأتبعته أخرى وأضللتُ نصله ... بحيث تلوى اللبُ والرعْب والحقدُ)
وقال غيره في الفيل:
(أجردُ كالعود طويل النابين ... بعيد ما بينَ محطَ الرجلين)
(ينفض أذنين كفضلى بردين ... )
وقال ابن الرومي فيه:
(ولا أعضل النابين حامل مخطم ... به حجنٌ طوراً وطوراً به فَعَم)
(يقلب جثماناً عظيماً موثقاً ... يهدُّ بركنيه الجبالَ إذا زَحَم)
(ويسطو بخرطوم يطاوع أمرهُ ... ومشتبهات ما أصابَ بها عَثَم)
(ولست ترى بأساً يقوم لبأسهِ ... إذا أعملَ النابين في الناس أو صدم)
(الفصل الخامس من الباب العاشر)
في ذكر الطيور مما جاء من منثور الكلام في وصف الحمام قول بعضهم: بهرماني العينين عاجي
стр. 491
المنقار أصهب القرطمتين سبجي الجناحين كأنما خطا بقلمين دري الدفتين فضي الحقيبة والبطن والكشحين أرجواني الساقين والقدمين معتدل الهامة جاحظ الحدقتين رحب الأذنين والمنخرين وساع الحوصلة والشدقين محدد النكبين والركبتين سبط الذنب والكفين طويلُ العنق والقوادم والفخدين قصير الخوافي والساقين عريض الصدر والدفتين والوظيفتين غليظ القصب أجش الهدرة منتصب الهامة ذكي الحركة بعيد الذرقة. ووصف ابن المعتز حماماً طلبه من إنسان: أريد حرمي الطرق عاجي المنقار أغنَ الهدير ذا ذنبٍ قصير يسحبُ حوصلته إذا هدر وتروح صفقته إذا صفق قرطاسي الدفتين سبجي الجناحين كأن رجليه خاضتا دماً أو شربتا عندما وكأن عينيه جمرة ورأسه زبدة. وقلت في حمام أبلق:
(ومُتفقاتِ الشكل مُختلفاته ... لبسنَ ظلاماً بالصباح مرقّعا)
(أخّذْنَ من الكافور أنفاً ومِنسراً ... وخَضّبن بالحناءِ كفاً وإصبعا)
(وتدنو بأبصارٍ إذا ما أدرتَها ... جلونَ عقيقاً للعيونِ مرصعا)
(تطيرُ بأمثالِ الجُلام كأنّها ... جنادلُ تدحوها ثلاثاً وأربعا)
(تبوع بها في الجوّ من غير فترةٍ ... كأن مجاذيفاً تبوعُ بها معا)
(إذا هيَ عبّت في الغديرِ حسبتها ... تزقُّ فراخاً في المغادر جُوَّعا)
وقال بعضهم في عين العقعق:
(يُقَلِّبُ عينين في رأسهِ ... كأنهما نقطتا زئبق)
ومن المختار في الديك ما أنشده الجاحظ:
(كأن الديكَ ديكُ بني نميرٍ ... أمير المؤمنين على السريرِ)
والناس يستحسنون قول ابن المعتز في الديك:
стр. 492
(صفق إما إرتياحه لسني ... الصبح وإما على الدُّجى أسفا)
وقال ديك الجن:
(أوفى بصبغ أبي قابوس مفرقهُ ... كدرةِ التاج لما عُلَّيت شرفا)
وقوله
(صبغ أبي قابوس)
يعني شقائق النعمان، وهذا كلامٌ بعيدُ المتناول ظاهر التكلف. وقلت فيه:
(متوجٌ بعقيقٍ مقرطٌ بلجينِ ... عليه قرطق وشي مشمر الكفين)
(قدزينَ النحر منه ثنتان كالودرتين ... حتى إذا الصبح يبدو مطرز الطرتين)
(دعا دعا طروبٍ مصفق الكفين ... يزهي بتاجٍ وطوقٍ كأنه ذو رُعين)
وقال السري الرفاء:
(كشفَ الصباح قناعهُ فتألقا ... وسطا على الليل البهيم فأطرقا)
(وعلا فبشرَ بالصباح مدرعٌ ... بالوشي توج بالعقيق وطوقا)
(مُرخى فضولِ التاجِ في لَبَّاته ... ومُشّمرُ ثوباً عليهِ مغمقا)
وقال ابن المعتز:
(وقامَ فوقَ الجدارِ مشترفٌ ... كمثلِ طرفٍ أعلاهُ أسوارُ)
(رافعُ رأسٍ طوراً وخافضهُ ... كأنما العُرْف منه مِنشار)
ومن أجود ما قيل في وصف النعام قول عدي بن زيد:
(ومكانٍ زعل ظلمانهُ ... كرجالِ الحُبش تمشي بالعمد)
فقال شبه أعناقها إذا مدت بالعمد. ومن أحسن تشبيه أخذه العماني:
(كأنها حين مدت عنقها حرقا ... سودُ الرجالِ تعادي بالمزاريق)
وكان ينبغي أن يقول
(مدت أعناقها)
والذي قال ردئٌ، وقد جاء مثله. وقال ابن أبي عيينة:
(يا جنةً فاتت الجنانَ فما ... تبلغها قيمةٌ ولا ثمن)
(ألفتُها فاتخذُتها وطناً ... أنَ فؤادي لحبها وطن)
стр. 493
(أنظر وفكّر فيما تطيفُ به ... أنَ الأريبَ المفكر الفطنُ)
(من سفنٍ كالنعام مقبلةٍ ... ومن نعام كأنها سفنُ)
ومثله قوله:
(زر وادي القصرِ نعم القصرُ والوادي ... وحبذا أهلهُ من حاضر بادي)
(ترقى قراقيرهُ والعيسُ واقفةٌ ... والضبُّ والنونُ والملاحُ والحادي)
وقول الآخر:
(كأنّ بالسَّهب على خربائه ... عرشاً يخرّ الريحُ في قصبائه)
(يضحك جنُ الأرضِ من نحائه ... كأنّ قوسَ الغيمِ من ورائه)
يعني الغبار المنعرج خلفه. وقلتُ في فاختة:
(مررتُ بمطرابِ الغداةِ كأنّها ... تُعلُّ مع الاشراقِ راحاً مُفلفَلا)
ويروي
(تعل رحيقاً في الغصون مفلفلا)
:
(منمرة كدراء تحسبُ أنها ... تجللُ من جلدِ السحابةِ مفصلا)
(بَدَتْ تجتلي للعينِ طوقاً ممسكاً ... وطرفاً كما ترنو الخريدةُ أكحلا)
(لها ذنبٌ وافي الجوانبِ مثل ما ... تُقشِّرُ طلعاً أو تجردُ مِنصلا)
(إذا حلقّت في الجوّ خلتَ جناحَها ... يردُ صغيراً أو يحرك جُلجلا)
(وقال أبو نواس في جباريات:
(يخطرنَ من برانس قُشوب ... من حبرٍ عولينَ بالتذهيبِ)
(فهن أمثالُ النصارى الشيب)
وقلت في قبجة:
(أهديتُها كالهديّ آنسةٍ ... وهي سليلُ النواشزِ النفرِ)
(تلبسُ سمُّورةً مُشمّرةً ... تصونُ أطرافها من العفرِ)
(وقد جرى المسكُ من محاجرها ... فضمَّ لبَّاتها مع الثغر)
стр. 494
(تخطرُ في حلةٍ مصدرةٍ ... كأنّ أكمامها من الحِبر)
(واحمرّ منقارُها ومنخرها ... تفتحُ الوردِ في ندَى السحر)
(كأنّها حينَ نقط قرطمها ... تضربُ ياقوتةً على دُرَرِ)
وقال أبو نواس في طير الماء:
(كأنما يصفرنَ من ملاعق ... صرصرة الأقلام في المهارق)
ونقله إلى موضع آخر فقال أيضاً:
(يصفرُ أحياناً إذا لم يهزجْ ... من مثلِ حرفٍ المجدحِ المغنج)
المجدح: ما يجدح به السويق، والمغنج: المعطف. وأحسن ما شبه به ذلك قول بعض الأعراب يصف طيراً أنشده الأصمعي:
(يضربنَ أحناكاً إلى الماءِ كلّها ... لبيقٌ كمفروج المناقيشِ أسجحِ)
لبيقٌ: أي رفيق بذلك حاذق به، يقول هذه الأحناك لبيقة بالشرب، والمفروج: المفتوح ما بينه. وقلت في الخطاف:
(وزائرةٍ في كلِّ عامٍ تزورنا ... فيخبرُ عن طيبِ الزمانِ مزارها)
(تخبرُ أنَّ الجوَّ رقَ قميصهُ ... وأنَ الرّياضَ قد توشّى إزارها)
(وأنَ وجُوهَ الغُدرِ راقَ بياضها ... وأنَ وجوهَ الأرضِ راع اخضرارها)
(تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنا ... فتدنو على بُعدٍ من الشكل دارُها)
(فيعجبنا وسطَ العراصِ وقوعُها ... ويُؤنسنا بينَ الديارِ مطارُها)
(أغارَ على ضوءِ الصباحِ قميصُها ... وفازَ بألوانِ الليالي خِمارُها)
(تصيحُ كما صرّت نعالُ عرائس ... تمشت إليها هندها ونوارها)
(تجاورُنا حتى تشبَّ صغارُها ... وتقضي لباناتِ النفوسِ كبارها)
ولم أسمع في ذلك أحسن من قول بعض المحدثين:
(وغريبة حنّتْ إلى أوطانها ... جاءت تبشرُ بالزمانِ المقبل)
стр. 495
(فرشت حناح الآبنوسِ وسطرت ... بالعاج فيهِ وقهقهتْ بالصندلِ)
وقلت في أصواتها:
(أيا عجباً من آنس لك نافرٍ ... يعاودُ وُصلاً وهو في حالِ هاجرِ)
(يزور على بعدِ المكان ولم يردِ ... وصالاً فقل في زائر غيرِ زائر)
(له في الذُّرى شذرٌ يمرُ وينثني ... كما حَرك الكعبين كفُ مُقامِر)
وهذا معنى لم أسبق إليه. وقال أبو نواس في أصوات الخطاف:
(كأن أصواتها في الجوّ طائرة ... صوتُ الجُلامِ إذا ما قصّت الشعرا)
وقال ابن المعتز في البازي:
(فارسُ كفٍ مائلِ كالأسوارِ ... ذو جُؤجُؤٍ مثلِ الرُّخامِ المرمارِ)
(أو مصحفٍ منمنمٍ بأسطارٍ ... ومقلة صفراءَ مثلِ الدّينارِ)
(يرفع جفناً مثلَ حرفِ الزُّنار ... )
وهذا تشبيه في غاية الاصابة. ومن أحسن ما قيل في منسر البازي قول أبي نواس:
(ومنسرٍ أكلفَ فيه شنج ... كأنه عقدُ ثمانينا)
وقال ابن المعتز في عين البازي وأجاد فيه:
(ومقلةٍ تصدقهُ إذا رَمَقْ ... كأنها نرجسةٌ بلا ورق)
وقال أبو النواس:
(في هامةٍ علياءَ تهدي مِنسراً ... كعطفةِ الجيم بكفَ أعسرا)
وقال ابن المعتز في بزاة:
(وفتيان غدوا والليل داجٍ ... وضوءُ الصبح متهمُ الطلوعِ)
(كأن بُزاتهم أمراءُ جيشٍ ... على أكتافها صدأٌ الدُّروعِ)
وقال في عين البازي
(كأنها في الرأس مسمار ذهب ... )
следующие страницы →