Полный текст (608 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
المنقار أصهب القرطمتين سبجي الجناحين كأنما خطا بقلمين دري الدفتين فضي الحقيبة والبطن والكشحين أرجواني الساقين والقدمين معتدل الهامة جاحظ الحدقتين رحب الأذنين والمنخرين وساع الحوصلة والشدقين محدد النكبين والركبتين سبط الذنب والكفين طويلُ العنق والقوادم والفخدين قصير الخوافي والساقين عريض الصدر والدفتين والوظيفتين غليظ القصب أجش الهدرة منتصب الهامة ذكي الحركة بعيد الذرقة. ووصف ابن المعتز حماماً طلبه من إنسان: أريد حرمي الطرق عاجي المنقار أغنَ الهدير ذا ذنبٍ قصير يسحبُ حوصلته إذا هدر وتروح صفقته إذا صفق قرطاسي الدفتين سبجي الجناحين كأن رجليه خاضتا دماً أو شربتا عندما وكأن عينيه جمرة ورأسه زبدة. وقلت في حمام أبلق:
(ومُتفقاتِ الشكل مُختلفاته ... لبسنَ ظلاماً بالصباح مرقّعا)
(أخّذْنَ من الكافور أنفاً ومِنسراً ... وخَضّبن بالحناءِ كفاً وإصبعا)
(وتدنو بأبصارٍ إذا ما أدرتَها ... جلونَ عقيقاً للعيونِ مرصعا)
(تطيرُ بأمثالِ الجُلام كأنّها ... جنادلُ تدحوها ثلاثاً وأربعا)
(تبوع بها في الجوّ من غير فترةٍ ... كأن مجاذيفاً تبوعُ بها معا)
(إذا هيَ عبّت في الغديرِ حسبتها ... تزقُّ فراخاً في المغادر جُوَّعا)
وقال بعضهم في عين العقعق:
(يُقَلِّبُ عينين في رأسهِ ... كأنهما نقطتا زئبق)
ومن المختار في الديك ما أنشده الجاحظ:
(كأن الديكَ ديكُ بني نميرٍ ... أمير المؤمنين على السريرِ)
والناس يستحسنون قول ابن المعتز في الديك:
стр. 492
(صفق إما إرتياحه لسني ... الصبح وإما على الدُّجى أسفا)
وقال ديك الجن:
(أوفى بصبغ أبي قابوس مفرقهُ ... كدرةِ التاج لما عُلَّيت شرفا)
وقوله
(صبغ أبي قابوس)
يعني شقائق النعمان، وهذا كلامٌ بعيدُ المتناول ظاهر التكلف. وقلت فيه:
(متوجٌ بعقيقٍ مقرطٌ بلجينِ ... عليه قرطق وشي مشمر الكفين)
(قدزينَ النحر منه ثنتان كالودرتين ... حتى إذا الصبح يبدو مطرز الطرتين)
(دعا دعا طروبٍ مصفق الكفين ... يزهي بتاجٍ وطوقٍ كأنه ذو رُعين)
وقال السري الرفاء:
(كشفَ الصباح قناعهُ فتألقا ... وسطا على الليل البهيم فأطرقا)
(وعلا فبشرَ بالصباح مدرعٌ ... بالوشي توج بالعقيق وطوقا)
(مُرخى فضولِ التاجِ في لَبَّاته ... ومُشّمرُ ثوباً عليهِ مغمقا)
وقال ابن المعتز:
(وقامَ فوقَ الجدارِ مشترفٌ ... كمثلِ طرفٍ أعلاهُ أسوارُ)
(رافعُ رأسٍ طوراً وخافضهُ ... كأنما العُرْف منه مِنشار)
ومن أجود ما قيل في وصف النعام قول عدي بن زيد:
(ومكانٍ زعل ظلمانهُ ... كرجالِ الحُبش تمشي بالعمد)
فقال شبه أعناقها إذا مدت بالعمد. ومن أحسن تشبيه أخذه العماني:
(كأنها حين مدت عنقها حرقا ... سودُ الرجالِ تعادي بالمزاريق)
وكان ينبغي أن يقول
(مدت أعناقها)
والذي قال ردئٌ، وقد جاء مثله. وقال ابن أبي عيينة:
(يا جنةً فاتت الجنانَ فما ... تبلغها قيمةٌ ولا ثمن)
(ألفتُها فاتخذُتها وطناً ... أنَ فؤادي لحبها وطن)
стр. 493
(أنظر وفكّر فيما تطيفُ به ... أنَ الأريبَ المفكر الفطنُ)
(من سفنٍ كالنعام مقبلةٍ ... ومن نعام كأنها سفنُ)
ومثله قوله:
(زر وادي القصرِ نعم القصرُ والوادي ... وحبذا أهلهُ من حاضر بادي)
(ترقى قراقيرهُ والعيسُ واقفةٌ ... والضبُّ والنونُ والملاحُ والحادي)
وقول الآخر:
(كأنّ بالسَّهب على خربائه ... عرشاً يخرّ الريحُ في قصبائه)
(يضحك جنُ الأرضِ من نحائه ... كأنّ قوسَ الغيمِ من ورائه)
يعني الغبار المنعرج خلفه. وقلتُ في فاختة:
(مررتُ بمطرابِ الغداةِ كأنّها ... تُعلُّ مع الاشراقِ راحاً مُفلفَلا)
ويروي
(تعل رحيقاً في الغصون مفلفلا)
:
(منمرة كدراء تحسبُ أنها ... تجللُ من جلدِ السحابةِ مفصلا)
(بَدَتْ تجتلي للعينِ طوقاً ممسكاً ... وطرفاً كما ترنو الخريدةُ أكحلا)
(لها ذنبٌ وافي الجوانبِ مثل ما ... تُقشِّرُ طلعاً أو تجردُ مِنصلا)
(إذا حلقّت في الجوّ خلتَ جناحَها ... يردُ صغيراً أو يحرك جُلجلا)
(وقال أبو نواس في جباريات:
(يخطرنَ من برانس قُشوب ... من حبرٍ عولينَ بالتذهيبِ)
(فهن أمثالُ النصارى الشيب)
وقلت في قبجة:
(أهديتُها كالهديّ آنسةٍ ... وهي سليلُ النواشزِ النفرِ)
(تلبسُ سمُّورةً مُشمّرةً ... تصونُ أطرافها من العفرِ)
(وقد جرى المسكُ من محاجرها ... فضمَّ لبَّاتها مع الثغر)
стр. 494
(تخطرُ في حلةٍ مصدرةٍ ... كأنّ أكمامها من الحِبر)
(واحمرّ منقارُها ومنخرها ... تفتحُ الوردِ في ندَى السحر)
(كأنّها حينَ نقط قرطمها ... تضربُ ياقوتةً على دُرَرِ)
وقال أبو نواس في طير الماء:
(كأنما يصفرنَ من ملاعق ... صرصرة الأقلام في المهارق)
ونقله إلى موضع آخر فقال أيضاً:
(يصفرُ أحياناً إذا لم يهزجْ ... من مثلِ حرفٍ المجدحِ المغنج)
المجدح: ما يجدح به السويق، والمغنج: المعطف. وأحسن ما شبه به ذلك قول بعض الأعراب يصف طيراً أنشده الأصمعي:
(يضربنَ أحناكاً إلى الماءِ كلّها ... لبيقٌ كمفروج المناقيشِ أسجحِ)
لبيقٌ: أي رفيق بذلك حاذق به، يقول هذه الأحناك لبيقة بالشرب، والمفروج: المفتوح ما بينه. وقلت في الخطاف:
(وزائرةٍ في كلِّ عامٍ تزورنا ... فيخبرُ عن طيبِ الزمانِ مزارها)
(تخبرُ أنَّ الجوَّ رقَ قميصهُ ... وأنَ الرّياضَ قد توشّى إزارها)
(وأنَ وجُوهَ الغُدرِ راقَ بياضها ... وأنَ وجوهَ الأرضِ راع اخضرارها)
(تحنُّ إلينا وهي من غيرِ شكلنا ... فتدنو على بُعدٍ من الشكل دارُها)
(فيعجبنا وسطَ العراصِ وقوعُها ... ويُؤنسنا بينَ الديارِ مطارُها)
(أغارَ على ضوءِ الصباحِ قميصُها ... وفازَ بألوانِ الليالي خِمارُها)
(تصيحُ كما صرّت نعالُ عرائس ... تمشت إليها هندها ونوارها)
(تجاورُنا حتى تشبَّ صغارُها ... وتقضي لباناتِ النفوسِ كبارها)
ولم أسمع في ذلك أحسن من قول بعض المحدثين:
(وغريبة حنّتْ إلى أوطانها ... جاءت تبشرُ بالزمانِ المقبل)
стр. 495
(فرشت حناح الآبنوسِ وسطرت ... بالعاج فيهِ وقهقهتْ بالصندلِ)
وقلت في أصواتها:
(أيا عجباً من آنس لك نافرٍ ... يعاودُ وُصلاً وهو في حالِ هاجرِ)
(يزور على بعدِ المكان ولم يردِ ... وصالاً فقل في زائر غيرِ زائر)
(له في الذُّرى شذرٌ يمرُ وينثني ... كما حَرك الكعبين كفُ مُقامِر)
وهذا معنى لم أسبق إليه. وقال أبو نواس في أصوات الخطاف:
(كأن أصواتها في الجوّ طائرة ... صوتُ الجُلامِ إذا ما قصّت الشعرا)
وقال ابن المعتز في البازي:
(فارسُ كفٍ مائلِ كالأسوارِ ... ذو جُؤجُؤٍ مثلِ الرُّخامِ المرمارِ)
(أو مصحفٍ منمنمٍ بأسطارٍ ... ومقلة صفراءَ مثلِ الدّينارِ)
(يرفع جفناً مثلَ حرفِ الزُّنار ... )
وهذا تشبيه في غاية الاصابة. ومن أحسن ما قيل في منسر البازي قول أبي نواس:
(ومنسرٍ أكلفَ فيه شنج ... كأنه عقدُ ثمانينا)
وقال ابن المعتز في عين البازي وأجاد فيه:
(ومقلةٍ تصدقهُ إذا رَمَقْ ... كأنها نرجسةٌ بلا ورق)
وقال أبو النواس:
(في هامةٍ علياءَ تهدي مِنسراً ... كعطفةِ الجيم بكفَ أعسرا)
وقال ابن المعتز في بزاة:
(وفتيان غدوا والليل داجٍ ... وضوءُ الصبح متهمُ الطلوعِ)
(كأن بُزاتهم أمراءُ جيشٍ ... على أكتافها صدأٌ الدُّروعِ)
وقال في عين البازي
(كأنها في الرأس مسمار ذهب ... )
стр. 496
وقال أيضاً:
(ومنسر عضب الشباه دام ... كعقدك الخمسينَ بالإبهامِ)
(وخافق للصيدِ ذي اصطلام ... ينشرهُ للنهضِ والإقدامِ)
(كنشرك البردَ على المستامِ ... )
وقال أيضاً:
(ذي جؤْجؤ محبر موشيّ ... ومقلةٍ تلحقُ بالقصيّ)
(كأنها دينارُ صيرفيّ ... واتصلت براته القُوهِيّ)
(صاف كغصن الذهب المجلي ... )
وقال أيضاً: أقمر من ضرب قمرِ ... يصقلُ حملاقاً شديدَ الطحرِ)
(كأنه مكتحلٌ متبرٌ ... في هامةٍ لمّتْ كلِمَ الفقرِ)
(تريح إن راح لأمرِ بهر ... من منخرٍ رحبٍ كعقدِ العشرِ)
وقلت في الصقر:
(وصَلَتَان فلتان أنمَر ... كأنه إذا هوى للأعفرِ)
(معنبرٌ يهوي إلى مزعفرِ ... بأبيضٍ من البزاةِ أقمر)
(منمنم الصدرِ كصدرِ الدفتر ... بمثل أهداب جفون الأحور)
وقلت:
(بصلتانٍ سلطٍ جسورِ ... تخالهُ في مفصلٍ مزرور)
(ضمَ جناحيهِ على سمُّور ... معوّج المنسرِ والأظفور)
(كالجيم في منقطع السطور ... )
وقلت في عصفورة يقال لها السقا:
(ومفتنَّة الألوانِ بيضٌ وجوهها ... ونمرٌ تراقيها وصفرٌ جنوبُها)
(كأنّ دراريعاً عليها قصيرةً ... مرقعةً أعطافُها وجيوبُها)
(تعدلُ ألوانَ الأغاني كأنما ... تعدلُ أوزانَ الأغاني عريبها)
(تسامُ إستقاءً في العشا إذا عرى ... وعطلَ أيام المصيفِ ذنوبُها)
وكان الأصمعي يتعجب من حسن بيت الطرماح في صفة الظليم مجتاب. وقلت في بلابل:
стр. 497
(مررتُ بدكنِ القمصِ سودِ العمائمِ ... تغني على أعرافٍ غيدٍ نواعمِ)
(زُهينَ بأصداغ تروقُ كأنها ... نجومٌ على أعضادِ أسود فاحم)
(ترى ذهباً ألقتهُ تحتَ مآخر ... لها ولجيناً بطنه بالمقادم)
(فيا حسنَ خلقٍ من نضارٍ وفضةٍ ... وخزٍِّ وديباج أحمّ وقاتم)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أبي ذكوان وأبي خليفة عن التوزي قال قال عمرو بن الحارث الجمحي ما رأى الأصمعي مثل نفسه قال الرشيد يوماً أنشدونا أحسن ما قيل في وصف العقاب فعذر القوم ولم يأتوا بشئ فقال الأصمعي أحسن ما قيل فيها:
(باتتْ يورَّقها في وكرِها سغبٌ ... وناهضُ يخلسُ الأقواتَ من فيها)
وقال امرؤ القيس:
(كأن قلوبَ الطيرِ رَطباً ويابساً ... لدى وَكرِها العنابُ والحشفُ البالي)
فقال الرشيدُ ما بعل القوم بشئ إلا وجدت عندك فيه شيئاً. وقال آخر في الغراب:
(وجرى ببينهم غداةَ تحملوا ... من ذي الأبارقِ شاجحٌ يتفيدُ)
(شنج النسا خرقُ الجناح تخاله ... في الدارِ إثر الظاعنينَ مُقَيدُ)
وقال آخر في عقعق:
(إذا بارك الله في طائرٍ ... فلابارك الله في عقعق)
(طويل الذنابي قصير الجناح ... متى ما يجد غفلةً يسرق)
(يُقلِّب عينينِ في رأسهِ ... كأنهما قطرتا زئبق)
وقال آخر في الزنابير:
(لها حماةٌ كأنها شعرِ ... تظهرُ مسودةَ وتستترُ)
(قد أذهبت فلي الجبينِ غرَّتهُ ... إذ فضِّضتْ في جيادِنا الغرَر)
وقلت في ظبية داجنة وقمارى:
стр. 498
(فيها مؤانسةٌ لنا وحشيةٌ ... تومي بناظرها إلى ظمياء)
(تختالُ في مَتصْندلٍ متكفر ... تبراً أضرَ بفضةٍ بيضاء)
(ودقيقة الأطراف وهي جسيمةٌ ... ريِّا تمرمرُ في متونِ ظِماء)
(ومغنياتٍ من وراءِ ستائرٍ ... مشقوقة الأوساطِ والأحناءِ)
(غنَّتْ فلم تحوج إلى مشهورةٍ ... وشَدَتْ فلم تفقر إلى الميلاء)
(تبدو على أعناقهنَّ أهلةٌ ... سودٌ تبدلُ ظلمةً بضياءِ)
(الفصل السادس من الباب العاشر)
(في ذكر بقية الحيوان من السنور والقنفذ والفأرة والحية والعقرب والحرباء والضب والبق والبراغيث وما يجري مع ذلك) كتب الصاحب أبو القاسم في وصف قنفذ: قد أتحفتك يا سيدي بعلق نفيس يتعجب المتأمل من أحواله ويحار الناظر في أوصافه ويتبلد المعتبر في آياته فما تعرف بديهة النظر أمن الحيوان هو أم من الجماد أم هو من الشجر أم من النبات ومن الناطق هو أم من الصامت أم من الحار أم من البارد أم من الرطب أم من اليابس حتى إذا أعطى متدبره النظر أوفى حقوقه والفحص أكمل شروطه علم أنه حي سلاحه في حضنه ورامٍ سهامه في ضمنه مقاتل رماحه على ظهره ومخاتلٌ سره خلاف جهره ومحارب حصنه من نفسه يلقاك بأخشن من حد السيف ويستتر بألين من مسه حتى إذا حذر جمع أطرافه فتحسبه رابية قتاد أو كرة حرشف ومتى أمن بسط أكنافه وهي أمضى من الأجل وأرمى من ثعل إن رأته الأراقم رأت حينها أو عاينت الأساود عانيت حتفها صعلوك ليل لا يحجم عن دامسه وحارس ظلام لا يجبن في حنادسه شعر:
(كمغشم الفتيانِ غير مهبَّل ... سهّد إذا ما نام ليلُ الهوجلِ)
стр. 499
لجرمه من الضب شبه ومن الفأر شكل ومن الورل نسبة ومن الدلدل سبب ولم أعمه عليك وهو أنقد ولذلك قيل من لم يذق غماضا ولم يرقد حثاثا بات بليلة الأنقد، وذكره الشهيم وهو الشيظم وأثناه عيمة معرفة لا يدخل الألف واللام عليها كتحوط ودجلة وكحل، ولا أعنيك هو القنفذ، ومن أحواله أن العرب تسلخ جلده فتخرجه كالشحمة البيضاء وتجعله من أنفس مآكلها وأفخر مطاعمها حتى تراه أرفع من الأفاعي وأنفع من الجرذان وتدعي جهلة الأعراب أنه من مراكب الشيطان وهو ألطفُ من الفرس حساً وأصدق سمعاً وقد جاء في المثل (أسمع من قنفذ) ومن أو ابده أنه يَسود إذا هرم ويصير كأبر ما يكون من الكلاب وأعظم ويشبهُ به ركب المرأة عقب النتف والنورة ولذلك قال ابن طارق في أرجوزة له:
(يصيرُ بعدَ حلقهِ ونورِتهْ ... كقنفذِ القفَ اختبى في فَروته)
ويشبه الساعي والنمام به لخبثه ومكره واضطرابه في ليله قال أيمن به خريم:
(كقنفذِ الرملِ لا تخفى مدارجهُ ... خبٌ إذا نامَ ليلُ الناسِ لم ينم)
وقال عبدة بنِ الطبيب:
(قومٌ إذا دَمسَ الظلامُ عليهم ... حدجوا قنافذَ بالنميمة تمرعُ)
وقال جرير:
(يَدبّون حولَ ركياتهم ... دبيبَ القنافذِ في العرفج)
فخذه يا سيدي ممتعاً واقبله شاكراً بري فيه فاحتط عليه احتياط الشحيح على ماله والجبان على روحه وارغب إلى الله تعالى في حفظه واسأله إطالة عمره وهو حسبي ونعم الوكيل. ولم أسمع في صفة الهرة أظرف من قول ابن طباطبا العلوي الاصفهاني قال فيها:
(أرِقتْ مُقلتي لحبَ عَرُوس ... طفلةٍ في الملاح غيرِ شموس)
(فتنتني بظلمةٍ وضياءٍ ... إذ بَدتْ لي كالعاج في الأبنوس)
стр. 500
(تتلقّى الظلامَ من مُقلتيها ... بشعاع يحكي شُعاعَ الشموس)
(ذات دَل قصيرة كلما قامت ... تهادى طويلة في الجلوس)
(لم تزل تسبغُ الوضوءَ وتنقى ... كلَ عضوٍ لها مس التنجيسٍ)
(دأبها ساعةَ الطهارةِ دفنُ العنبرِ ... الرطبِ في الحنوطِ اليبيس)
ومن أجود ما قيل في الحية قول النابغة:
(صلُ صفا لا ينطوي من القصَرْ ... طويلةُ الأطرافِ من غيرِ خَفَر)
(مهروتةُ الشدقينِ حولاءُ النظَرْ ... تفترُ عن عُوج حِداد كالابَرْ)
(داهية قد صغرت من الكبر ... )
وقال الآخر:
(خُلِقتْ لهازمُهُ عرين ورأسه ... كالقرص فطلح من دقيقٍ شعيرِ)
(فكأنَّ شدقيةِ إذا إستعرضتهُ ... شِدْقا عجوزٍ مضمضَتْ لطهورِ)
وأجاد خلف في قوله:
(ثم أتى بحيةٍ ما تنجي ... أبتر مثل يبذقِ الشطرنجِ)
وليس من شعر المحدثين في الحية أحسن من قول ابن المعتز:
(كأنني ساورتني يومَ بينهم ... رقشاءُ مجدولة في لونها بلقُ)
(كأنها حين تبدو من مكامنها ... غصنٌ تَفتح فيهِ النورُ والورق)
(ينسل منها لسانٌ تستغيثُ به ... كما تعوذَ بالسبابةِ الغرقُ)
وقوله أيضاً:
(أنعتُ رقشاء لا يحيى لديغتها ... لوقدِها السيف لم يعلق بهِ بللُ)
(تلقى إذا انسلختْ في الأرض جلدتها ... كأنّها كمُ درع قدهُ بطلُ)
وقلت:
(وخفيفةِ الحركاتِ تقترعُ الربىِ ... كالبرقِ يلمعُ في الغَمام الرائح)
(منقوطة تحكي بطونَ صحائف ... أبانَ تبدو من بطونِ صفائحِ)
(ترضى من الدنيا بظلَ صخيرةٍ ... ومن المعايش باشتمامِ روائح)
стр. 501
وهذا من قولهم إن الحية إذا هرمت لم تحتج إلى الطعم واكتفت بالنسيم)
وقال أعرابي:
(وحنشٍ كحلقةِ السوارِ ... غايتهُ شبرٌ من الأشبارِ)
(كأنهُ قضيبُ ماءٍ جاري ... يفترُ عن مثل تلظّي النار)
وقال آخر:
(يرقونه فكأنما ... يعنى برُقْيتهِ سواه)
وقال أبو العباس ثعلبُ يقالُ إنه لم يسمع في صفة الحية أحسن من هذا البيت وأنشد:
(كأنما لسانهُ على فيهِ ... دخانُ مصباحٍ ذكتْ ذواكيه)
وقال عبد الصمد بنُ المعدل في العقرب:
(يا ربَ ذي إفكٍ كثير خُدعه ... يبرزُ كالقرنينِ حينَ يطلعهُ)
(في مثلِ ظهرِ السبتِ حينَ تلطعه ... أسودُ كالسّيحةِ فيه مصبعه)
(لا تصنعُ الرقشاءُ مالا تصنعه ... )
وقلت فيها أيضاً:
(وإذا شتوتُ أمنتُ لسعةَ عقربٍ ... كالنارِ طارتْ من زنادِ القادحِ)
(قد خلتها تمشي بسبحة عابدٍ ... كلا لقد تمشي بصعدةٍ رامح)
وقال آخر:
(يحملُ رُمحاً ذا كعوبٍ مُشتهر ... فيه سنانٌ كالحريقِ يستعرْ)
(أنفَ تأنيفاً على حسنِ قدرِ ... تأنيف أنفِ القوسِ شُدَّت بالوتر)
ومن أحسن ما قيل في الحرباء وهي دويبة شبيهة بالعظاءة تأتي شجرة التنضبة فتمسكُ بيديها غصنين منها وتقابل الشمس بوجهها فكلما زالت عين الشمس عن ساق منها خلت يديها عنه وأمسكت بساق آخر حتى تغيب الشمس فتسبح في الأرض وترتع قال أبو داود:
(أنَّى أتيحَ لها حرباءُ تنضبة ... لا يرسلُ الساقَ إلا ممسكاً ساقا)
والعرب تقول أحزمُ من الحرباء لأنها لاترسل غصناً إلا أمسكت بآخر،
стр. 502
ويشبهُ به الرجل الحصيف الذي لا يترك سبباً إلا أخذ بسبب أمتن منه. قال ابن الرومي في امرأة ورقيبها:
(ما بالها قد حُسِّنت ورقيبُها ... أبداً قبيحٌ قُبِّح الرقباءُ)
(ما ذاك إلا أنها شمسُ الضُحى ... أبداً يكونُ رقيبها الحِرباءُ)
وقال بعض العلماء: الحرباء فارسيةٌ معربة وأصلها خورباء أي حافظ الشمس، وخور اسم للشمس بالفارسية. وكان ذو الرمة أنعت العرب للحرباء قال:
(ودَوِّيّةٍ جرداء جدَّاء خيَّمت ... بها صبواتُ الصيفِ من كل جانبْ)
(كأنَ يدي حربائها متمسكاً ... يدا مُذنب يستغفرُ الله تائبْ)
وقال أيضاً:
(وقد جعل الحرباء يصفرُّ لونهُ ... ويخضرُّ من حرَ الهجيرِ غباغبه)
(ويسبح بالكفينِ سبحاً كأنه ... أخو فجرة أوفى به الجذعُ صالبُهْ)
وقال ايضاً:
(يصلى بها الحرباء للشمس مائلا ... على الجذل إلا أنه لا يُكبِّر)
(إذا حولَ الظلَ العشىُ رأيته ... حنيفاً وفي قرنِ الضحى يتنصَّرُ)
وهذه تشبيهاتٌ مصيبةٌ عجيبةُ الإصابة دالةٌ على شدة الحذق وثقوب الذهن، وقد أجمعت العرب أن ذا الرمة أحسنهم تشبيهات. وقال ابن المعتز:
(ومهمهٍ فيه بيضاتُ القطا كِسرا ... كأنها في الأفاحيصِ القواريرُ)
(كأنَ حربائها والشمسُ تَصهرهُ ... صال لنا من لهيبِ النارِ مقرور)
وهذا تشبيهٌ مصيببٌ أيضاً إلا أن للأول ماءً وطلاوةِ ليس لذا ومن أحسن ما قيل في الضب قول الحماني
(ترى ضبّها متسعاً رأسه ... كما مدَ ساعِده الأقطعُ)
(له ظاهرٌ مثل بردِ الوشيّ ... وبطنٌ كما حسر الأصلع)
(هو الضبُ ما مدَ سكانه ... فإذ ضمّه فهو الضُّفدعَ)
ومن أجود ما قيل في البعوض وأجمعه قول بعضهم أنشده أبو عثمان:
стр. 503
(إذا البعوضُ زجلتْ أصواتها ... وأخَذَ اللحن مُغنياتها)
(لم تُطربِ السامع خافضاتها ... وأرقَ العينينِ رافعاتها)
(صغيرةٌ كبيرةٌ أذاتها ... يقصر عن بُغْيتها بُغاتها)
(ولا يصيب أبداً رُماتها ... رامحة خرطومها قناتها)
وقال آخر:
(حنانة أعظمها أذاها ... )
وقال ابن المعتز:
(بتُ بليلٍ كلّهِ لم أطرفِ ... قرقسهُ كالزيبر المنتَّفِ)
(يثقبُ الجلدَ وراء المطرفِ ... حتى ترى فيه كشكل المِصحفِ)
(أو مثل روس العصفر المندَّف ... )
وقلت:
(غناءٌ يسخنُ العينَ ... وينفي فَرَحَ القلبِ)
(ولا يأتي على الزمرِ ... ولا يجري مع الضّرب)
(غِناءُ البقَ بالليلِ ... ينافي طرَبَ الشّربِ)
(إذا ما طرَقَ المرء ... جرى في طلقِ الكرب)
(نحيفٌ راحِ كالشنَ ... ولكنْ بات كالوطب)
(إذا ما نقبَ الجلدَة ... أخفى موضعَ النَّقب)
(سوى حمرٍ خفياتٍ ... تحاكي نقطَ الكتبِ)
وقد ذكروا أن كل معنى للأوائل أخذه المتأخرون وتصرفوا فيه إلا قول عنترة في الذباب فإنه لم يتعرض له ولو رامة من رامه لا فتضح وهو قوله:
(وترى الذبابَ بها يُغني وحدَهُ ... زجلاً كفعل الشاربِ المترنمِ)
(هزجاً يحكُ ذراعَه بذراعهِ ... فعلَ المكبَ على الزنادِ الأجذمِ)
وقلت:
(وبدا فغناني البعوضُ مُطرباً ... فهرقتُ كأس النوم إذ غناني)
(ثم انبرى البرغوثُ ينقطُ أضلعي ... نقطَ المعلمُ مُشكلَ القرآن)
(حتى إذا كشفَ الصباحُ قِناعَه ... قرأتْ ليَ الذبانُ بالألحانِ)
стр. 504
وكتب أبو القسم الآمدي: وصار كاتب الديوان أفرغ من حجام ساباط وحسبك أيدك الله أن كاتب الديوان في هذا الوقت شيخٌ كان يخلفني ويخلف من كان يلي الديوان قبلي يُعرفُ بابن نوح حسن الشيبة عظيم الهامة كثير الصمت لو رأيته لقلتَ هذا نوح النبي & سمتاً ووقاراً وليس له عملٌ خلف سلته إلا صيد الذبانِ فهو أعلم خلق الله بأجناسها إذا مر به ذبانَ يطيرُ عرفه بطيرانه قبل أن يسقط فيقول هذا ذكرٌ وهذا أنثى وهذا ربيعيٌ وهذا صيفي وهذا مُلحٌ وهذا لجوجٌ يسقط على العين والأنف ويطرد فيعود وهذا يلسع وهذا ليس بلساع وهذا يقع على الأقذار وهذا نزهٌ عيوف لا يقع إلا على المآكل الحلوة والأشياء العذبة وهذا من صيد الليث وهو جنس من العناكب وليس هذا من صيده وهذا يقع في شبكة الخدرنق وهو العنكبوت الطويل الأرجل وهذا يسفدُ وهو يطير وهذا لا يسفد إلا واقعاً وهذا مما يدخل رأسه في رؤوس الذبان السبعة التي تقع في الأكحال لأنه أقرح وهذا إن وقع رأسه في كحل عمي من يكتحل به لأنه أحمر الجبهة وهذا يقبل بدنه على خرطومه وهذا لا يقبل وهذا هزجٌ مغنٍ وهذا صموتٌ وهذا يُنذرُ وهذا يبشرُ بطنينه وزمزمته فيصدق فيما يعدُ ويوعد ويكون ذلك أخذاً بالكف. وقد ألف فيها كتابا حسنا فيه نوادر وعبر. وظننته قد نظر في باب الذباب والبعوض من كتاب الحيوان واستقى من هناك ففاتحتة فاذا هو لايعرف الجاحظ ولا سمع بكتاب الحيوان قط ونظرت فإذا أبو عثمان لم ينته في معرفة الذباب إلى شئ مما انتهى إليه وعرفه. ومن أجود ما قيل في البراغيث قول بعضهم وقد ظرف في ذلك:
(فيا لعبادِ اللهِ ما لقبيلةٍ ... إذا ظهرتْ في الأرضِ شدُ مُغيرها)
(فلا الدينُ ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معدٍ يضِيرُها)
وقال آخر:
(هنيئاً لأهل الرّيِّ طيبُ بلادهم ... وأن أميرَ الرِّيِّ يحيى بنُ خالدِ)
стр. 505
(بلادٌ إذا جنَ الظلامُ تقاقرت ... براغيثها من بينِ مثنى وواحدِ)
(ديازجةٌ سودُ الجلودِ كأنّها ... نعالُ بريدٍ أرسلتْ في المزاود)
وقلت:
(ومن براغيث تنفي النوم عن بصري ... كأنّ جَفنيَّ عن عيني قَصيرَانِ)
(يطلبنَ مني ثأراً لستُ أعرفهُ ... إلا عدواة سودانٍ لبيضان)
وقد شكاهن الرماح الأسدي فأحسن في قوله:
(تطاولَ بالفسطاس ليلي ولم يكن ... بحنو الفضَا ليلي عليّ يطولُ)
(يؤرقني حدبُ صغارٌ أذلةٌ ... وإنّ الذي يؤذينهُ لذليلٌ)
(إذا ما قتلناهنَ أضعفنَ كثرةً ... علينا ولا ينعى لهنَ قتيلُ)
(ألا ليتَ شعري هل أبيتنَ ليلةً ... وليس لبرغوثٍ إليّ سبيلُ)
وقال ابن بالمعتز:
(وبراغيث إن ظفرنَ بجسمي ... خلتُ في كلِّ موضعٍ منهُ خالا)
وأما القمل فأعجب ما قيل فيه قول بعضهم:
(للقملِ حولَ أبي العلاءِ مصارعٌ ... من بينِ مقتولٍ وبين عقيرِ)
(وكأنهنَ إذا عَلونَ قميصَهُ ... فردٌ وتوأمَ سمسمٍ مقشورِ)
وقد أبدع جرير في قوله:
(ترى الصيبانَ عاكفةً عليهِِ ... كعنفقة الفرزدقِ حين شابا)
وقلت في النمل:
(وحيٍ أناخوا بالمنازلِ باللوى ... فصاروا بها بَعدَ القطارِ قطينا)
(إذا اختلفوا في الدارِ ظلتْ كأنهاِ ... تبددُ فيها الريحُ بزرَ قطونا)
(إذا طرقوا قِدري مع الليلِ أصبحتْ ... بواطنُها مثلَ الظوِاهرِ جُونا)
(لهم نظرةٌ يُمنى ويُسرَى إذا مشوا ... كما مرَ مرعوبٌ يخافُ كمينا)
(ويمشون صفاً في الديارِ كأنّما ... يجرونَ خيطاً في الترابِ مُبينا)
(ففي كلَ بيتٍ من بيوتيَ قريةٌ ... تضُمُّ صُنوفاً مِنهُمُ وفنُونا)
стр. 506
(فيا مَنْ رأى بيتاً يضيقُ بخمسةٍ ... وفيهِ قرياتٌ يَسعن مئينا)
قالوا ومن الأبيات الجامعة للشر قول بعض القدماء:
(به البقُ والحمّى وأسدٌ خفيةٌ ... وعمرو بنُ هند يعتدي ويجورُ)
(وبالمصر برغوثٌ وبقٌ وحصبةٌ ... وحُمّى وطاعونٌ وتلك شرور)
(وبالبدو جوعٌ لايزالُ كأنَّهُ ... دخانٌ على حدِّ الأكامِ يمورُ)
(ألا إنما الدنيا كما قالَ رَبنُّا ... لأحمدَ حزنٌ تارَةً وسرورُ)
وقلت في الجراد:
(أجنحةُ كأنها أرديةٌ من قصبِِ ... لكنها منقوطةٌ مثل صدورِ الكُتبِ)
(وأرجل كأنّها ... مناشرٌ من ذهب)
وقلت:
(وأعرابية ترتادُ زاداً ... فتمرقُ من بلادٍ في بلادِ)
(غدتْ تمشي بمنشارٍ كليلٍ ... تبوعُ به قرارةَ كلَ وادي)
(وتنشر في الهواء رداءَ شرب ... على أرجائه نقطُ المدادِ)
(وتلبسُ تحتَ ذاك عطاف لاذٍ ... على أكنافه ودع الجساد)
ومن عجيب ما قيل في الفأر ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن سعيد عن الرياشي قال دخل أعرابي البصرة فاشترى خبزاً فأكله الفأر فقال في ذلك:
(عجّلْ ربُ الناسِ بالعقابِ ... لعامراتِ البيتِ بالخرابِ)
(كحل العيونِ وقس الرقابِ ... مجردات أحبل الأذنابِ)
(مثل مدارِ الطفلةِ الكعابِ ... كيف لها بأنمر وثّاب)
(مُنهرتِ الشدقِ حديدِ النابِ ... كأنما يكشرُ عن حرابِ)
(يفرسها كالأسد الوثابِ ... )
آخر الباب العاشر من كتاب ديوان المعاني والحمد لله حق حمده وصلواته على محمد وآله وصحبة والخلفاء الراشدين من بعده.
стр. 507
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أراد بنا من عاجل الخير وآجله ومؤتنفه وراهنه فجعل لنا في أنفسنا مواعظ وفي أبداننا زواجر يرشدنا ويهدينا ويكفنا عما يردينا من مرض بعد صحة وشيبة بعد شيبة لنعتبر بتغير الأحوال علينا وتغير الحدثان إيانا حمداً تتألف أشتاتهُ وتتصل مواده وصلى الله على محمد وآله.
(هذا كتاب المبالغة)
(في صفة الشباب والشيب والخضاب والعلل والموت والمراثي) والزهد وما يجري مع ذلك وهو:
(الباب الحادي عشر من كتاب ديوان المعاني)
فأول ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي قال سمعتُ ابن الأعرابي يقولُ لا أعرفُ في التفجع على الشباب وفي ذم الشيب أحسن من قول أبي حازم الباهلي على قرب عهده:
(لا تكذبنَ فما الدُّنيا بأجمعها ... من الشبابِ بيومٍ واحدٍ بدلُ)
(شَرْخ الشبابِ لقد أبقيتَ لي أسفاً ... ما جدَ ذكرك إلا جّدَّ لي ثكلُ)
(كفاك بالشيب ذنباً عندَ غانيةٍ ... وبالشبابِ شفيعاً أيها الرجلُ)
стр. 508
وأحسن منه عندي قول منصور النمري:
(ما تنقضي حسرةٌ مني ولا جزعُ ... إذا ذكرتُ شباباً ليس يرتجعُ)
(بانَ الشبابُ ففاتتني بشرتهِ ... صروفُ دهرٍ وأيام لنا خُدعُ)
(ما كنتُ أوفي شبابي كنهَ غرتهِ ... حتى انقضى فإذا الدنيا لهُ تبع)
قوله
(فأذا الدنيا له تبع)
من أشرف كلام وأنبله وأجمعه وأوجزه، وسمعه الرشيد فقال نعم لا خير في دنيا لا يخطر فيها ببرد الشباب. وقال محمود الوراق:
(لا يحسن النسك والشباب ... ولا البطالاتُ والخضابُ)
(كلُ نعيمٍ وكلُ عيشٍ ... قبلَ الثلاثينَ يُستطابُ)
وقال غيره:
(فقالتْ وهل بعدَ الثلاثينَ مَلعب ... فقلتُ وهل قبلَ الثلاثينَ ملعبُ)
وأخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال حدثنا الفضل بن الحباب الجمحي قال حدثنا محمد بن سلام قال من كلام يونس بن حبيب: الكبر وكل عيب والعزل وكل ذم والولاية وكل مدح والشباب وكل صحة واليسار وكل فضيلة والفقر وكل ذلة. وقال ابن المعتز:
(لهفي على دَهر الصبا القصيرِ ... وغصنهِ ذي الورقِ النضيرِ)
(وسكرهِ وذنبهِ المغفورِ ... وَمَرح القلوبِ في الصُّدورِ)
(وطولِ حبلٍ الأملِ المجرورِ في ظلِّ عيشٍ غافلٍ غريرِ)
(أغدو وجنى الصبا أميري ... ملء العيونِ الغانياتِ الحورِ)
وقال الحماني:
(وأيامهُ الغُرُ مثلُ الخطوطِ ... في المسكِ فوقَ خدودِ الحسانِ ( ...
стр. 509
(لياليَ أنت جُذيلُ الصِّبا ... وأيامه وعُذيق الغواني)
وقال أيضاً:
(أيام كنتُ من الغواني ... كالسوادِ من القلوبِ)
(فإذا أستطعنَ خبأني ... بين المخانقِ والجيوب)
وقال أبو عبد الله بن المعتز:
(يا قلبُ ليسَ إلى الصبا من مرجعٍ ... فاحزنْ فلستَ بمثلهِ مفجوعا)
وقال يصف نفسه في شبيته:
(من بعدِ ما قد كنتُ أيَّ فتىً ... كقضيبِ بانٍ ناعمٍ رطبِ)
(فإذا رأتني عينُ غانيةٍ ... قالت أو ابدُ طرفها حسبي)
ونحوه قوله:
(إذا ما تمشت فيَّ عينُ خريدةٍ ... فليستْ تخطّاني إلى من ورائيا)
وقال أعرابي:
(سقى اللُّه أياماً لنا وليالياً ... لهنَ بأكنافِ الشبابِ ملاعبُ)
(إذا العيشُ عضٌ والشبابُ بغرةٍ ... وشاهدُ آفاتِ المحبينَ غائبُ)
وإنما آتي بالبيت والبيتين لأني أعتمد الفقرة فأوردها وأقصد النادرة فأكتبها وأتوخى المعنى الشريف واللفظ الظريف فأزفهما إليك وأجلوهما عليك ولو تحذلقت في المعاني وأضفتُ إلى كل شئ منها شكله وقرنتُ إليه مثله أو أكثرت من عدد ما أورده من الأبيات لصار كل فصل من فصول كتابنا باباً طويلاً وكل باب منه كتاباً كبيراً حتى يكون جديراً بالإملال والإضجار وداخلاً في حد الإكثار والإهذار ونعوذ بالله منهما. وقلت في معنى ابن المعتز:
(تذكرُ إذا أنتَ قضيبٌ رطيب ... عليه للحسنِ رداءٌ قشيبْ)
(خالطَ ماءَ الحسنِ في وجههِ ... ماءُ شبابٍ لم يَرقه المشيبْ)
(إذا مشى يخطر في بردهِِ ... غابر فيه الشكل حسنٌ رطيبْ)
(كنتَ قضيبَ البانِ لم يقتضبْ ... وأنتَ من بعدُ قضيبٌ قضيبْ قضيبْ)
(فاللهو مُغبرٌ مقادِيمه ... معفرُ الوجهِ حريبٌ سليب)
стр. 510
(خذ بنصيبٍ من سرورِ الصبا ... فما لشيخٍ من سرورٍ نصيبْ)
وأول من بكى الشباب وذم المشيب عبيد بن الأبرص في قوله:
(والشيبُ شينٌ لمن أمسى بساحتهِ ... لله درُ سواد الله الخالي)
وقال مُزاحم العقيلي:
(عزاء على ما فاتَ من وصلِ خلّةٍ ... وريق شبابٍ سلهُ الشيبُ منجلي)
(ومثل ليالينا بخطمة فاللوى ... بلينَ وأيام قصار بمأسلِ)
وقد أحسن أبو العتاهية في قوله:
(عريتُ من الشبابِ وكانَ غضّاً ... كما يَعرى من الوَرَقِ القضيبُ)
(ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يوماً ... فأخبرهُ بما فعلَ المشيبُ)
وقلت:
(قوامٌ كما شاءَ المشيبُ معوجٌ ... ووجهٌ كما لا تشتهيه مُشنّجُ)
(وفرعٌ جلاه الشيبُ حتى كأنّما ... تغشَّاه معروفٌ من الصُّبحِ أبلجُ)
(وعهدي به بالأمس جَوْناً كأنما ... تجلّله عرفٌ من الليلِ أدعجُ)
(لياليَ جاءتك الليالي عرائساُ ... تَروقُ وتصبي أو تضوعُ وتأرجُ)
(حسانَ الوجوهِ كالرياضِ أنيقة ... تخيطُ لها كفُ الغمامِ وتنسج)
(رِقاقُ جلابيبِ النسيم أريجةٌ ... لها نكهةٌ كالمسكٍِ أبانَ يُمزَجُ)
وقال رؤبةَ وأحسن في ذلك:
(كرَ الجديدانِ بنا وانطلقا ... ولا يجدانِ إذا ما أخلقا)
стр. 511
(ولو يبيعانِ الشبابَ أنفقا ... والشيب لا سوقَ له إن سُوِّقا)
وقال المقنع أظنه:
(وذادت عن هواه البيض بيضٌ ... لها في مفرقِ الراسِ إنتشار)
(جديدٌ واللبيسٌ أعزُّ منه ... وأحرَى أنْ ينافسَهُ التجار)
وقد أحسن الفرزدق في قوله:
(وفي الشيبِ لذاتٌ لخادعِ نفسهِ ... ومن قبلهِ عيشٌ تعلّلَ جادبُهْ)
ومن الشعر الجذل السهل المطيع الممتع القريب البعيد الممكن المتعذر قول النمري:
(ومنازل لك بالحمى ... وبها الخليطُ نزولُ)
(أيامهنَ قصيرةٌ ... وسرورهنَ طويلُ)
(وسعودهنَ طوالع ... ونحوسُهُنَّ أفولُ)
(والمالكية والشباب ... وقينةٌ وشَمولُ)
ومن أبلغ ما قيل في كراهة الشيب قول البحتري:
(وددتُ بياضَ السيفِ يومَ لقينني ... مكانَ بياضِ الشيبِ حَلّ بمفرقي)
وقد أحسن أبو تمام الاحتجاج للشيب في قوله:
(فأصغري أنّ شيباً لاحَ بي حدثاً ... وأكبري أنني في المهدِ لم أشبِ)
(لا تنكري منه تجديداً تجللهِ ... فالسيفُ لا يُزدرَى إن كان ذا شطب)
(ولايروعنك إيماضُ القتيرِ بهِ ... فأنَ ذاك إبتسامُ الرأي والأدب)
ووجدت بيتاً فاسد السبك فأصلحته وقلت:
(نجومُ مشيبٍ في ظلامِ شبيبةٍ ... وما حسنُ ليلٍ ليسَ فيهِ نجومُ)
وقال أبو عبد الله الأسباطي:
(لا يرعكِ المشيب با ابنةَ عبد الله ... فالشيب زينةٌ ووقار)
(وإنما تحسنُ الرياضُ إذا ما ... ضحكت في خلالها الأنوار)
وقال الخوارزمي متأخر:
стр. 512
(وقالوا أفِقْ من سكرةِ اللهو والصِّبا ... فقد لاحَ صبحٌ في دُجاكَ عجيبُ)
(فقلت لهم كفُّوا الملامَ وأقصروا ... فإنَّ الكرّى عندَ الصباحِ يطيبُ)
وهذا معنى مليح أظنه ما سبق إليه. وأول من تهاون بالشيب جرير في قوله:
(يقولُ العاذلاتُ علاكَ شيبٌ ... أهذا الشيبُ يمنعني مراحي)
وتبعه الناس فمن أحسنهم قولاً فيه ابن الرومي حيث يقول:
(لاحَ شيبي فرحتُ أمرحُ فيهِ ... مَرَحَ الطرفِ في العذارِ المحلى)
(وتولى الشبابُ فازددت غياً ... في ميادينِ باطلي إذ تولّى)
(إنَ من ساءهُ الزمانُ بشئٍ ... لأحقُ امرئٍ بأن يتسلى)
وهذا من قول أحمد بن زياد الكاتب:
(ولما رأيتُ الشيبَ حلَ بياضُه ... بمفرقِ رأسي قلتُ للشيب مرحبا)
(ولو خلتُ أني إن كففتُ تحيتي ... تنكبَ عني رمتُ أن يتنكَّبا)
(ولكنْ إذا ما الكرهُ حلَ تسامحتْ ... بهِ النفس يوماً كان للكرهِ أذهبا)
وفي ألفاظ هذه الأبيات زيادة على معناها، وأبيات ابن الرومي متوازنة اللفظ والمعنى مع إصابة تشبيهه في وقوله:
(مرح الطرفِ في العذار المحلى ... )
وقد بالغ في ذم الشيب أبو تمام فقال:
(دقةٌ في الحياةِ تدْعى جمالاً ... مثل ما سمِّيَ اللديغ سليما)
(غرةٌ مرةٌ إلا إنما كنت ... أغرّاً أيامَ كنت بهيما)
وقال ابن المعتز:
(لقد أبغضتُ نفسي في مشيبي ... فكيفَ تحبّني الخودُ الكعابُ)
وقلت:
(فلا تعجبا أن يعبنَ المشيبَ ... فما عبنَ مِنْ ذاك إلا معيبا)
(إذا كانَ شيبي بغيضاً إليَّ ... فكيفَ يكون إليها حبيبا)
(وقد كنتُ أرفُل بردَ الشبابِ ... قشيباً وأرفُلُ وشْياً قشيبا)
стр. 513
(إذا ملتُ ملتُ قضيباً رطيبا ... وإن صلت صلت قضيباً قضوبا)
ومن مليح ما قيل في الشيب وهزء النساء من صاحبه قول كشاجم:
(ضَحكت من شيبةٍ ضحكتْ ... في سوادِ اللمةِ الرجلهْ)
(ثم قالتْ وهي هازلةٌ ... جاءَ هذا الشيبُ بالعجله)
(قلتُ من حبيك لا كِبر ... شابَ رأسي فانثنتْ خجلهْ)
(وثنتْ جَفناً على كحلٍ ... هي منه الدهرَ مُكتحله)
(أكثرتْ منهُ تُعجُّبها ... وهي تجنيهِ وتضحكُ لهْ)
ومن مليح ما قيل في ذلك وغريبه قول الآخر:
(فظللتُ أطلبُ وصلها بتعطفٍ ... والشيبُ يغمزُها بان لا تفعلي)
وذكر مسلم بن الوليد كراهة الشيب وكراهة مفارقته إذا جاء فأحسن حيث يقول:
(الشيب كرهٌ وكرهٌ أن يفارقني ... أحبب بشئٍ على البغضاءِ مودودُ)
فتبعه علي بن محمد الكوفي فقال:
(بكى للشيبِ ثم بكى عليهِ ... فكانَ أعزّ فقداً من شبابِ)
(فقلْ للشيبِ لا تبرح حميداً ... إذا نادَى شبابُك بالذهاب)
ونقله إلى موضع آخر فقال:
(لعمرك للمشيبُ علىَ مما ... فقدتُ من الشبابِ أشدّ فَوتا)
هذا البيتُ مضطربُ اللفظ والرصف والصنعة فاعتبره:
(تمليتُ الشبابَ فكانَ شيباً ... وأبليت المشيبَ فصارَ مَوتا)
وكان من تمام الصنعة أن يقول
(أشد فقداً)
لقوله
(فقدت من الشباب)
وقلت:
(والشيب زورٌ يجتوى وقربُه ... لا يرتضى وفقدهُ لا يشتهي)
(قد يشتهي كلُ امرئٍ بُلوغَه ... وقلَ من يبلغه إلا شكا)
(كأنما الشبابُ كانَ فرقةً ... له من الأنفسِ حبٌ وقِلى)
وقد أجاد الأعرابي في قوله في صفة الشيب: أكره ضيف وأبغض طيف أحب
стр. 514
غائب وأفجع آيب. وقلت:
(تكلف مدحَ الشيبِ عندي مُعَّمرٌ ... وهل يمدحنَّ الشيبُ إلا تكلفا)
(فقلت أنظرني أو لا منه مؤلماً ... لقلبِ فتًى أو آخراً منه مُتلفا)
(تصرَّم من عمري ثلاثونَ حِجةً ... لبستُ بها ثوبَ الشبّابِ مُطرَّفا)
(شبابٌ أطارَ الوجدَ عنّي غيابُهُ ... وصرفُ زمانٍ لم أجد عنه مصرفا)
(أقمتُ به صدرَ السرورِ فلم يَزَلْ ... به الشيبُ حتى ردّه مُتحنِّفَا)
(فطِرْ بجناحِ اللهوِ في زَمَنِ الصِّبا ... فأخِلق به إنْ شئتَ أنْ يتحيفا)
(تناولَ وخْط الشيب أطرافَ عارضي ... فأصبحَ ليلاً بالصباحِ مُشنَّفا)
ومن المشهور قول دعبل الخزاعي:
(لا تعجبي يا سلمَ من رجلٍ ... ضحك المشيبُ برأسهِ فبكى)
ومما يحتج به للمشيب على الشباب أن الشباب قلما يبقى أكثر من أربعين سنة وقد يعيش المرء في الشيب التسعين والمائة، وقال امرؤ القيس في ذلك:
(ألا انَّ بعدَ الفقرِ للمرءِ قنوةَ ... وبعد المشيبِ طولَ عمرٍ ومَلبَسَا)
وقال أعرابي:
(ما بالُ شيخ قد تخدّد لحمهُ ... أبلى ثلاثَ عمائم ألوانا)
(سوداءُ داجيةٌ وسحقٌ مفوّفُ ... وأجدّ لوناً بعد ذاك هجانا)
(قصّر الليالي خطوهُ فتدانى ... وحنونَ قائمَ ظهرهِ فتحاني)
(والموتُ يأتي بعد ذلك كلهِ ... وكأنما يعني بذاك سوانا)
لا أعرف في وصف الشيب من أول ما يبتدئ إلى أن ينتهي أحسن من هذا، وقوله
(وكأنما يعني بذاك سوانا)
من أبلغ ما يكون من الموعظة. وقلت:
(وشبابٍ خفَ نازله ... ليته عادَ كما كانا)
(ومشيب آبَ نازلهُ ... ليته إذ كان ما بانا)
стр. 515
(خانني دهرٌ وثقت بهِ ... رُبَ موثوقٍ به خانا)
وأنشدنا أبو أحمد:
(وأنكرتُ شمسَ الشيبِ في ليلِ لمنى ... لعمري لليلي كانَ أحسنَ من شمسي)
(كأنَ الصبا والسمت يطمسُ نورهُ ... عروسُ أناسٍ ماتَ في ليلةِ العُرسِ)
ومن بديع الاستعارة في الشيب قول البحتري:
(في الشيبِ زجرٌ لهُ لو كانَ ينزجرُ ... وبالغٌ منهُ لولا أنه حجرُ)
(إبيضَّ ما اسودَ من فوديهِ وارتجعتْ ... جلية الصُّبحَ ما قد أغفلَ السَّحرُ)
(وللفتى مهلةٌ في الحبَ واسعةٌ ... ما لم يمتْ في نواحي رأسهِ الشَّعَرُ)
ولا أعرف في الشيب أجمع من قول أبي تمام:
(غدا الشيبُ مختَطاً بفوديَّ خُطةً ... سبيلُ الرّدَى منها إلى النفسِ مهيعُ)
(هو الزورُ يجفى والمعاشرُ يُجتوى ... وذو الألفِ يُقلى والجديدُ يرقعُ)
(لهُ منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصع ... ولكنهُ في القلبِ أسودُ أسفعُ)
(ونحن نرحيهِ على الكرهِ والرِّضا ... وأنفُ الفتى في وجههِ وهو أجدعُ)
ومن أعجب ما سمعت في الخضاب قول بعضهم:
(عجبَتْ لمّا رأتني ... غادةٌ ما بين غيدِ)
(ضحكَتْ إذ أبصرتْني ... قد تزينتُ لعيدِ)
(ثم نادينَ جميعاً ... يا عتيقاً في جديدِ)
(غرَّنا منكَ خضابٌ ... قد تراءى من بعيد)
(لا تغالطنا فما ... تصلح إلا للصُّدُودِ)
وقال ابن الرومي:
(فدعتهُ إلى الخضابِ وقالتْ ... إنّ دفنَ المعيبِ غيرُ مُعيبِ)
стр. 516
وقال:
(عذارٌ كمثلِ الأتحمي مطرزٌ ... وفرعٌ كلونِ العبقري محبرُ)
(وقد كانَ من صبغِ الشبابِ ممسّكاً ... فأصبحَ في كفَ المشيبِ مكفرُ)
(فقلْ للعذولِ أقصرِ الآن إنني ... على الرَّغمِ من أنفِ الصبابةِ مُقصرُ)
(كَفَاك تكاليفَ الملامِ كواكبٌ ... من الشيبِ في ليلِ الشبيبة تزهرُ)
(لوائح من تحت الخضابِ كأنما ... سنى الصبح في وجهِ الدجنة يكشر)
وأول من ذكر أنه شاب من غير كبر ابن مقبل في وقوله:
(ما شبتُ من كبرٍ ولكني أمرؤٌ ... عالجت قرعَ نوائبِ الدهرِ)
(فرأيتها عضلا موقحة ... عزت فما تُسطاع بالكسرِ)
(فلذاك صرت معَ الشبيبة نازلا ... في غير منزلتي من العمر)
ومن أجود ما قيل في تقارب الخطو قول أبي الطمحان:
(حنتني حادثاتُ الدهر حتى ... كأني خاتلٌ أدنو لصيدِ)
(قريب الخطو يحسبُ من رآني ... ولستُ مقيداً أني بقيد)
وقد أحسن الآخر في قوله أيضاً:
(الدَّهرُ أبلاني وما أبليتهُ ... والدهرُ غيّرني وما يتغيّرُ)
(والدهرُ قيّدني بقيدِ مُبرَمٍ ... فمشيْتُ فيه وكلِّ يومٍ يقصرُ)
وقوله
(وكل يوم يقصر)
من أحسن العبارة عن ازدياد الضعف وتقاصر الخطو في كل يوم. ومن أعجب ما قيل في الصلع قول الأعرابي:
(قد ترك الدهر عصاتي صفصفا ... فصار رأسي جبهةً إلى القفا)
(كأنما قد كان ربعاً فعفا ... يمسي ويضحي للمنايا هدفا)
ومثله قول الآخر:
(ثم حسرت عن صفاةٍ تلمع ... فأقبلتْ قائلةً تسترجعُ)
(ما رأس ذا إلا جبيناً أجمع ... )
стр. 517
ومثله أيضاً:
(جلاه عن أهلِ الهوى قبح الجلا ... جبين وجهٍ وجبينٌ في القفا)
وقال ابن الرومي في معناه يهجو رجلاً يجذب طرته من قفاه إلى وجهه:
(يجذبُ من نقرته طُرةً ... إلى مدى تقصرُ عن نيله)
(فوجههُ يأخذ من رأسه ... أخذَ نهارِ الصيفِ من ليلهْ)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي لخلف بن خليفة:
(وقام إلى رأسهِ حاذقٌ ... فصيرَ من رأسهِ قرعَهْ)
(يُريكَ بريقاً كطست الجلا ... بيض كما نصب الطلعه)
(فما شوق عيني إلى قرة ... كشوقِ يميني للصَّلْعه)
(يكادُ وإن لم يردها الضميرُ ... تشوقُ الحليم إلى صَفْعه)
(فملنا عليهِ بأيماننِا ... نسائلهُ عن خبرِ الوقعة)
وقال مالك بن أسماء:
(أو أرى بذيّال على العقبِ جُثّتي ... إذا الصلعُ وارَوا هامَهم بالقلانسِ)
(تودُ النساء المبصراتي أنَّهُ ... يعار فيستأجرنه للعرائسِ)
وقلت في مدح الحلق:
(قُتل الشعر من خفيف ثقيل ... وكثيرٍ على الرؤوسِ قليل)
(ضِيق الشعر حينَ طال قليلاً ... ضامَه اللهُ من قصيرٍ طويل)
(إنما الحلقُ راحةٌ وجمالٌ ... فاشدُدِ الكفّ بالمريحِ الجميلِ)
(ما أرى للحسامِ يصدأ حُسناً ... إنما الحسنُ للحسامِ الصقيلِ)
ويشبهون الرأس المحلوق بالصخرة أخبرنا أبو أحمد قال
أخبرنا أبو بكر بن دريد عن عبد الرحمن عن عمه قال كان يزيد بن الطثرية زير نساء يتحدث إليهن فتحدث إلى امرأة من بني أسد فهويها وهويته فخطبها إلى أبيها فرده، وخطبها ابن عم له فزوجه فدخل عليها ابن عمها وهي تقول:
стр. 518
(لم يبق إلا شبحاً وعظما ... وأدمعاً تنهلُ منها سجما)
(علمت ما بي فجفوت علماً ... من سئمَ الوصل تجني الجرما)
فنهاها زوجها أن تتمثل فأنشأت تقول:
(تمثلتُ بيتاً ثم أذريتُ دمعةً ... فمن لامني فيه فبدَّل ما بيا)
(فما أشرف الايفاع إلا صبابةً ... وما أضربُ الأمثال إلا تداويا)
فأتى الزوج أباها فأخبره فأتاها أبوها فقال والله لأن تمثلت لأضربن ظهرك وبطنك، فدخل عليها زوجها وهي تقول:
(فإن تضربوا ظهري وبطني كلاهما ... فليس لقلب بين جنبيَّ ضاربُ)
فاشتد ذلك على زوجها وهم بطلاقها وخرج مغضبا وإذا يزيد بفنائه وهو يقول:
(تراءتْ وأستارٌ من البيتِ دونَها ... إلينا وحانت غفلةُ المتفقدِ)
(بعيني مهاةٍ تحدرُ الدمعُ منهما ... بريمين شتى من دموعٍ واثمدِ)
فجمع أهل بيته وإخوته وأتى أخاه واستعداه عليه فضربه أخوه وحلقه. فقال وهو يحلق:
(أقول لثورٍ وهو يحلقٌ لمتي ... بعقفاءَ مردودٌ عليها نصابها)
(تَرفق بها يا ثورُ ليس ثوابُها ... بهذا ولكن غير هذا ثوابها)
(فيا رُبّ يوم قد تغلل وسطها ... أنامل رخصات حديث خضابها)
(تولى بها ثورٌ تزفُ كأنها ... سلاسل درع لينها وانسكابها)
(وأصبح رأسي كالصخيرةِ أشرَفتْ ... عليها عقابٌ ثم طارت عقابها)
وقد أحسن الفرزدق الاستعارة في وصف الشيب وهو قوله:
(والشيب ينهض بالشبابِ كأنَّهُ ... ليلٌ يصيحُ بجانبيهِ نهارُ)
ولأبي إسحاق الصابي أبيات في الصلع لم يسبق إلى معناها قالها على وجه المجون:
(لما رماني الزمانُ بالصّلعِ ... وقلَّ مالي وضاقَ متسعي)
стр. 519
(حاسبتُ عن لمتي مزينها ... حسابَ شيخ للحقّ متبعِ)
(قلتُ له اقنع من أصلِ واجبها ... بالثلثِ مما به عملتَ معي)
(واعملْ على أنها مزارعةٌ ... شكوتُ فيها شكاةَ مُتضع)
(فاحطط خراجَ الذي أصبتَ به ... واستوفِ مني خراجَ مُزدرَعِ)
ومما جاء في مدح الصلع ما أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال ألح رجلٌ النظر إلى أمير المؤمنين علي ﵇ فقال له إلى أي شئ تنظر؟ قال إلى بطن مندح وهامةٍ صلعاء فقال ﵇ أما البطن فأسفله طعم وأعلاه علم وأما الهامةُ فكما قال الشاعر:
(بنى لنا المجدَ آباءُ لهن شرفٌ ... صُلعُ الرؤوسِ وسيما السؤددِ الصلعُ)
وقال آخر:
(كفى حَزناً أني أدبِ على العصا ... فيأمنُ أعدائي ويبغضني أهلي)
(ويوصي بي الوغدُ الضعيفُ مخافةً ... عليَّ وما قام الحواضنُ عن مثلي)
(أقيمُ العصا بالرجلِ والرجلَ بالعصا ... فما عدّلت ميلي عصايَ ولا رجلي)
وقال محمود الوراقُ في ذم الخضاب:
(يشيبُ الناسُ في زمنٍ طويل ... ولي في كلَ ثالثةٍ مشيبُ)
(وأخفي الشيبَ جهدي وهو يبدو ... كما غطى على الريبِ المريبُ)
وقلت:
(جريت لعارضِ غيثِ الليالي ... تحالك لونه فابيضَّ جُلُّه)
(وصرت تقصّ ما يبيضُ منه ... أتحلقه إذا ما ابيضَّ كلُّه)
(تعزّ عن الشبيبةِ والهَ عنها ... فإن الليلَ ليسَ يدوم ظله)
(وخلَ الشيبَ يضحكُ ناجذاهِ ... فإنَّ الصبحَ لا يخفى مطله)
(وإن حلت عرى اللذاتِ فيهِ ... فلستَ بعاقدٍ ماجذ حبله)
стр. 520
(الفصل الثاني من الباب الحادي عشر)
(في ذكر العلل والأمراض والمراثي والتعازي والزهد) أحسن ما قيل في الرمد قول الواثق أنشدناه أبو أحمد عن الصولي قال وجدتُ مع هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات من شعر الواثق بالله في خادم له قد اشتكت عينه:
(لي حبيبٌ قد طال شوقي إليه ... لا أسميهِ من حذاري عليه)
(لم تكن عينهُ لتجحدَ قتلي ... ودمي شاهدٌ على جفنيه)
ومن ههنا أخذ هذا المعنى فتدوول قال ابن الرومي أو الناجم:
(قالوا اشتكت عينهُ فقلتُ لهم ... من كثرةِ القتلِ مسها الوَصَبُ)
(حُمرتها من دماء من قتلت ... والدمُ في النّصلِ شاهدٌ عجب)
ومن بديع ذلك وغريبه ما أنشدناه أبو أحمد عن الصولي أيضاً:
(يكسِر لي طرفاً به حمرةٌ ... قد خلطَ النّرجِسَ في وردهِ)
(ما احمرت العينُ ولكنه ... يكحلها من وردتيْ خدِّهِ)
أخذه من بعض أهل زمانه:
(قالوا بدت في عينه حمرةٌ ... قد حازها من وردة الخد)
(فقلت لم يرمد ولكنه ... يصافح النرجسَ بالوردِ)
ومن مليح ما قيل في شكاية الحبيب قول العباس بن الأحنف:
(زعموا لي أنها صارتْ تحم ... ابتلى الله بهذا من زعمْ)
(اشتكتْ أكمل ما كانت كما ... يكسف البدر إذا ما قيل تم)
ومما قيل في اصفرار اللون من العلة قول أبي تمام:
(معدن الحسنِ والملاحة قد أصبح ... للسّقم مَعدِناً وقراراً)
стр. 521
(لم تشن وجهه الجميلَ ولكن ... حَملت ورد جنتيهِ بهارا)
ونحوه قول أحمد ابن إسحاق الطالقاني:
(لقد حلّتِ الحمّى بساحةِ خَدّهِ ... فأبدلتِ التّفاحَ بالسوسنِ الغضَ)
والأصل في ذلك قول عبد نبي الحسحاس أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو إسحاق الشطبي قال حدثنا ابن أبي سعيد قال حدثنا الخزامي قال حدثنا عبد الملك الماجشون عن يوسف بن عبد العزيز الماجشون قال كتب عبد الله بن عامر إلى عثمان بن عفان: إني اشتريت لك عبداً حبشياً شاعراً. فكتب إليه عثمان لا حاجة لي فيه فإن قصارى الشاعر منهم أن يهجو أعراضهم ويشبب بكريماتهم فاشتراه بنو الحسحاس وكان يكسرُ في كلامه فقال يوسف فحدثني من رآه في شجرة واضعاً إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر وينسب بأخبث نسيب ويقول:
(ماذا يُريدُ السقامُ من قمرٍ ... كلُ جمالٍ لوجههِ تبعُ)
(ما يبتغي خابَ من محاسنها ... أما لهُ في القباحِ متسّع)
(لو كانَ يبغي الفداءَ قلتُ له ... ها أنا دونَ الحبيبِ يا وجع)
ثم يقول لنفسه (أحسنك والله) يريدُ أحسنت. وكان كما حدث عثمان ﵁ فإنه ما زال يهجو مواليه ويشبب بفتياتهم حتى قتلوه فضحكت منه امرأةٌ وقد ذهبوا ليقتلوه فقال فيها:
(فإن تضحكي مني فيا ربَ ليلةٍ ... جعلتكِ فيها كالقباء المفرّجِ)
وقال أيضاً:
(ولقد تحدرَ من جبينِ فتاتكم ... عَرَقٌ على وجهِ الفراشِ وطيبُ)
ومن عجيب ما يُروي له قوله يمدح نفسه:
(إن كنتُ عبداً فنفسي حُرةٌ كرماً ... أو أسودَ اللونِ إني أبيضُ الخلقِ)
وهذا أحسن ما مدح به أسود. ومن أحسن ما وصف به نحول العليل قول أبي نواس الحسن بن هانئ:
стр. 522
(يا قمراً للنصفِ من شهرهِ ... أبدى ضياءً لثمان بقين)
ومن أحسن ما قيل في تهوين الحمى على المحموم قول محمد بن زياد الكاتب:
(قالوا محمدٌ المحمدُ موجعُ ... والشمسُ تكسفُ ساعةً وتعودُ)
(فلئن حُممت فلا حُممت فإنها ... داءُ الأسودِ وفي الرجالِ أسودُ)
وهذا عندي أحسن من قول البحتري:
(وما الكلبُ محموماً وإن طال عُمرهُ ... ألا إنما الحمى على الأسدِ الوردِ)
على أنه معنى مولد وشئ تدعيه العامة ولا تعرف صحته. وقلت:
(وقد سرَّني أني رأيتُكَ واطئاُ ... على عقبي داءٍ تراخَى فأدبرا)
(وقد ظلّ يبغي رائدَ البرءِ مورداً ... لديكَ ويبغي فارِطَ السّقمِ مصدرا)
(ولا غرْوَ أن يغشاك عارضُ علةٍ ... فإني رأيتُ الوردَ يغشى الغضنفرا)
(ولو كنتَ نجماً ما كسفتَ وإنما ... كسوفُك إن أمسيتَ بدراً مُنوّرا)
ومن ذلك قول علي بن العباس النونجتي:
(لئنْ تخطّتْ إليك نائبةٌ ... حطّتْ بقلبي ثقلاً من الألمِ)
(فالدهرُ لا بُدّ محدثٌ طبعاً ... في صفحتيْ كلِّ صارمٍ خَذمِ)
وفي ألفاظ هذا البيت زيادة على معناه. وقال أيضاً في رجَل اعتل:
(طالَ فكري تعجّباً لمصوغٍ ... ذهباً كان يقبلُ الأقذاءَ)
(والحسامُ الهذاذ يزدادُ حُسناً ... كلما زادهُ الصقالُ جلاءً)
والرغبة من هذين البيتين في معناهما وأما سبكهما ووصفهما فلا خير فيه والبيت الثاني أصلح والبيت الأول متكلف جداً. وقال عبد الصمد بن المعذل يذكر الحمى:
(فطوراً ألقيها سُخنةً ... وطوراً ألقيها فَتره)
стр. 523
(وقد أعقبتْ خلفي حِدَّةً ... وأورثني إلفها ضجره)
(للعبد إن غاظني لطمةٌ ... وللحرِّ إن ساءني زجره)
(ويربو الطحالُ إذا ما شبعت ... فتعلوا الترائب والصدره)
(وأمسى كأني من معدتي ... لبستُ ثيابي على ذُكره)
(أسائلُ أهلي عن سحنتي ... وأمنحهم نظرةً نظره)
(وأجزع إن قيل بي صفرةٌ ... وأشفقُ إن قيلَ بي حُمره)
ومن أجود ما قيل في الفصد قول ابن الرومي:
(أيها البدرُ لم تَزَل في كمال الأمرِ ... بدراً وفي النماء هلالاً)
(كيفَ كانت عقبى افتصادك كانت ... صحةً مستفادةً واندمالا)
(واعتدلاُ بينَ المزاج كما أوتيتَ ... في الخلقِ والخلاقِ اعتدالا)
(فعلَ الله ذاك إنك ما زلت ... لمرضي ما ارتضى فعَّالا)
وفي الفصد شعرٌ كثيرٌ ليس في أكثر ما مر بي مختارٌ إلا ما أنشدتهُ لعلي بن عبد العزيز الجرجاني:
(ياليتَ عيني تحملتْ ألمكِ ... وليتَ نفسي تقسمتْ سقمكْ)
(أو ليتَ كفّ الطبيب إذ فصدتْ ... عرقك أجرى من ناظريَّ دمك)
(أعرتهُ حسنَ وجنتيك كما ... تعيره إن لثمتَ من لثمك)
(طرفك أمضى من حدِّ مبضعهِ ... فالحظ بهِ العرقَ واغتنم ألمك)
ومن مليح ما قيل في الزكام ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن أبي ذكوان الجرمي قال دعا عيسى بن علي عبد الله بن المقفع إلى الغداء فقال: أعزك اللهُ لستُ يومي هذا للكرام باكيل. قال ولم؟ قال لأني مزكومٌ والزكمة قبيحة الجوار مانعة من عشرة الأحرار. قال وكانت عجوز من بني عجل تقول: حقر من يحقر الزكام. ولم يمر بي في الصداع شئ مليح أثبته لك غير أني سمعت لبعضهم أبياتاً في صغر العمامة حتى أشبهت عصابة يعصب بها الصداع وهي هذه الأبيات:
стр. 524
(وقدّمتَ إلي وعداً بأنك مُلبسي ... ثياباً إليهنَ المحاسنَ تنسبُ)
(فلا تكسني منهنَ إلا عمامةً ... بأمثالها الأمثالُ في النقص تضربُ)
(يقولُ أناسٌ لي إذا ما لبستها ... أرأسك هذا من صداعُ معصبُ)
على أن رصفها ليس بمختار. ولبشار بيت حسنٌ فيه ذكر الصداع وهو قوله:
(حلَ من قلبهِ مَحَلَ شرابٍ ... يشتهى شربهُ ويخشى صُدَاعهْ)
وقد قارب الآخر:
(لطيرتي بالصداعِ نالتْ ... فَوقَ منالِ الصداعِ مِني)
(وجدتُ فيهِ إتفاقَ سوءٍ ... صدَّعنّي مثل صدَّعني)
وقلت في المعنى الأول:
(يقومُ بقامةٍ كنواةِ قسبٍ ... وينشر لحية مثلَ الشراع)
(عليهِ عمامةٌ قصرت وذفت ... فتحسبهُ تعصبَ من صُداعَ)
وقال بعضهم في الجدري:
(وجههُ للحسنِ معدنْ ... فتأملْ وتبيّنْ)
(نقطٌ من جدري ... كدباقي معَيَّنْ)
وأما النقرس فقد مربي فيه أبياتٌ جيادٌ أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن سوار بن أبي شراعة عن عبد الله بن محمد الدمشقي الكاتب عن محمد بن الفضل ابن إسماعيل بن علي بن عبد الله أن أبا الفضل ناله نقرس في رجله فدخل إليه أبوه إسماعيل يعوده فقال له كيف أنت يا بني؟ فقال:
(أشكو إلى الله ما أصبتُ بهِ ... من ألمٍ في أناملِ القدمِ)
(كأنني لم أطأ بها كَبِداً ... من حاسدٍ سرَّ قلبهُ ألمي)
(والحمد لله لا شريكَ لهُ ... لحمي للأرضِ بعدها ودمي)
(ما مِنْ صحيحٍ إلا ستنقله ... الايامُ من صحة إلى سقم)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المبرد وأبي العيناء قال كان أبو علي الحرمازي
стр. 525
في ناحية عمرو بن مسعدة وكان يجري عليه فخرج عمرو إلى الشام مع المأمون وتخلف الحرمازي ببغداء لنقرس ناله فقال:
(أقامَ بأرض الشام فاختلَّ جانبي ... ومطلبهُ بالشام غُير قريبِ)
(ولا سيما من مفلسٍ حلفَ نقرس ... أما نقرسٌ في مفلسٍ بعجيب)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا قال ذكر أعرابي رجلاً قد أثرى فقال قد تنقرس، وذلك لقول الناس إن النقرس يعرض لذوي النعمة والترفة، ومنه قول الأعرابي:
(فصرتُ بعدَ الفقرِ والتأيس ... يخشى عليَّ القومُ داءَ النقرسِ)
ويقال للرجل العالمِ نقرس وللداهية نقرس قال الملتمس ( ... يخشي عليك من الحباء النقرس)
ومن مليح النوادر ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرع قال حضر الجماز عند أبي يوماً ودخل رجلٌ فقال له ما أخرك عنا فقال أصابتني خلفه أما تري وجهي فقال الجماز ما أبين الاختلاف على وجهك. وقال المتنبي في الحمى:
(وزائرتي كأنَ بها حياءً ... فليسَ تزورُ إلا في الظلامِ)
(جعلتُ لها المطارفَ والحشايا ... فعافتها وباتتْ في عظامي)
(إذا ما فارقتني غسَّلتني ... كأنا عاكفانِ على حرام)
وهذا البيت معيب لأن الغسل غير مقصور على الحرام وحده بل هو من الحلال والحرام جميعا فليس لتخصيص الحرام به وجه. وقلت في حمى نالتني:
(وأخبر أني رحتُ في حلة الضنى ... لياليَ عشراً ضامها اللهُ من عشرِ)
(تنفضني الحمَّى ضحى وعشيةً ... كما انتفضتْ في الدجنِ قادمتيْ نَسر)
(تذرُ عليّ الورس في وضح الضحى ... وتبدله بالزعفرانِ لدَى العصرِ)
(إذا انصرفتْ جاء الصداع مشمراً ... فأربى عليها في الأذيةِ والشرَ)
(وتجعل أعضائي عيوناً دوامعا ... تواصل بين السكب والسجم والهمرِ)
(فتحسبه طلاًّ على أقحوانة ... وعهدي به يحكي حباباً على حمر)
стр. 526
(ولما تمادتْ عذتُ منها بحميّة ... كمنْ ترك الرمضاء وانفل في الجمر)
(وما منها إلا بلاءٌ وفتنةٌ ... وضرُ على الأحرار يا لك من ضر)
من مرض لمرض الجفون: أنشدني أبو أحمد عن الصولي قال أنشدني أبو عبيد الله ابن عبد الله لنفسه:
(تمارضتَ لما لم تكنْ لك علةٌ ... وقلتَ شهيدي ما بطرفي من القسم)
(فلا تجعلنْ سقماً بطرفك علةً ... فقد كانَ ذاك السقم في صحةِ الجسمِ)
وقال غيره:
(أحببتُ من أجلهِ منْ كان يشبهه ... وكلُ شئ من المعشوقِ معشوق)
(وقد حلبت بجسمي سُقْم مقلته ... كأنَّ جسمي مِن عينيهِ مسروق)
وقال الأخطل:
(كيف يضني بعد ما ... كان الضَّنى عوناً لعينهْ)
وقال ابن الرومي وقد مرض فتخلفَ اخوانه عن عيادته:
(عليلكم لا يعادُ من عللهْ ... وضيفكم لا يسَدّ من خللهْ)
(لا إن جفوتم دنا المماتُ ولا ... إن زُرتمُ تنسؤنَ في أجلهْ)
(ما ضرَ مجفوَّكم جفاؤكمُ ... بالأمس في جسمه ولا أملهْ)
وأنشدني أبو أحمد عن الصولي لمحمد بن محمد بن إبراهيم اليزيدي:
(مالي مرضتُ فلم تعدْ ... ورغبتُ فيك فلم تُجد)
(الحبُ يذهبهُ الأذى ... فاحذرْ عليه ولا تعد)
وهذا شعرٌ مطبوعٌ مختار، والبيت الأخير مأخوذ من قول الأعرابي:
(فإني رأيتُ الحبَ في القلبِ والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُ يذهبُ)
وقلت:
(وقد عادني الأخوانُ من كلِّ جانب ... وما قصروا في العرفِ والفضل والبرَ)
(فلمْ لم تكنْ فيهم فيكمل حسنهم ... أيا ظالماً أخلى النجومَ من البدرِ)
(وإذ كنتَ لم تنهضْ إليَّ ولم تكد ... فلم لمْ تسلْ عني فتخبر عن أمري)
(ومالك لم تبعثْ إليَّ بأسطرٍ ... تمجمجها إحدى يمينك في ظهر)
стр. 527
(تضنُ بتسليم وزرةِ ساعةٍ ... فكيف يُرحي جودُ كفيك بالوفر)
(فإن كنتَ لا تبقي على الحال بيننا ... فهلا تخاف سوء بادرةِ الشعرِ)
(إذا لمْ تكونوا للحقوقِ فمنْ لها ... وأنتم كرامُ الناسِ في البدوِ والحضر)
(وأنتَ إذا أنحيتَ تفري أديمَها ... فما ذنبُ ذي جهلٍ فرَى مثلَ ما تفري)
(وما لعداة العلم تذكرُ عيبهم ... وأنت على أمثالِ غايرهم تجري)
ومن الغريب البديع مدح الموت وهو قول ابن الرومي:
(قد قلت إذْ مدحوا الحياةَ فأكثروا ... للموتِ ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ)
(فيها أمانُ لقائهِ بلقائهِ ... وفراقُ كلِّ معاشرٍ لا يُنصِفُ)
ومن أحسن ما قيل في مكابدة النفس عند الموت قوله أيضاً:
(بات الأميرُ وباتَ بدرُ سمائنا ... هذا يُودَّعنا وهذا يكسفُ)
ولعل ذلك مأخوذٌ من قول الأول:
(ألمْ يبلغك والأنباء تنمى ... وللدنيا بأهليها صروفُ)
(صريعٌ لم يُوسدهُ قريب ... ولم يشركه في الشكوى أليفُ)
(يظلُ كأنه قمرٌ منيرٌ ... يجولُ على محاسنهِ كسوفُ)
ولهذا البيت رونقٌ عجيبٌ وطلاوة حسنة. ومن عجيب ما جاء في وصف المصيبة قول حذيفة بن اليمان: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فأنها خلقت كبيرة ثم تصغر. وهذا قول مصيبٌ لا يتمارى به ومنه أخذ قوله:
(وكما تَبلى وجوهٌ في الثّرى ... فكذا يَبلى عليهنَ الحزنُ)
ولا أعرف في التعزي عن المصيبة كاملاً أحسن تقسيماً من قول الأعرابي ومات له ثلاثة بنين في يوم واحد فدفنهم وعاد إلى مجلسه فجعل يتحدث كأن لم يفقد واحداً فليمَ على ذلك فقال: ليسوا في الموت ببدع ولا أنا في المصيبة بأوحد ولا جدوى للجزع فعلام تلومونني. فهذه الثلاثة الأقسام لا رابع لها.
стр. 528
وعزي رجل رجلاً وقد ولدت امرأته ابناً وماتت في نفاسها فقال أعظم الله أجرك فيما أبادو أجزل حظك فيما أفاد. ولا أعرف أحداً أجاد هذا المعنى كما أجاده عبد الملك بن صالح الكاتب: أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قيل للرشيد إن عبد الملك بن صالح يعد كلامه ويفكر فيه فلذلك بانت بلاغته فأنكر ذلك الرشيد وقال هو طبعٌ فيه ثم أمسك حتى جاء يوماً ودخل عبدُ الملك فقال للفضل بن الربيع إذا قرب من سريري فقل له ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابنُ ومات له ابنٌ فقال له الفضل ذلك فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعلها واحدة بواحدةٍ ثواب الشاكرين وأجر الصابرين. فلما خرج قال الرشيد أهذا الذي زعموا أنه يتصنع للكلام ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قط. وعزي أعرابي رجلاً قفال لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها. أحسن ما قيل في مدفون قول ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراس:
(لله ما ضمنتْ حفيرتُها ... من حُسنِ مرأىً وطُهر مُختبرِ)
(أضحتْ من الساكني حفائرِهمْ ... سُكنى الغوالي مداهنَ السررِ)
(لو علمَ القبرُ من أتيحَ لهُ ... لانخفضَ القبرُ غير محتفرِ)
وهذا البيت مأخوذ من قول الأول:
(لو علمَ القبرُ من يواري ... تاهَ على كلِّ مَنْ يليه)
وقالوا أحسن مرثيه للعرب ابتداءً قول أوس بن حجر:
(أيتها النفسُ أجملي جَزَعاً ... إن الذي تحذرينَ قد وقعا)
وأحسن مرثية لمحدث ابتداءً قول أبي تمام الطائي:
(أصمَّ بك الداعي وإن كانَ اسمعا ... وأصبحَ مغنى الجودِ بعدك بلقعا)
فقال فيها:
(فتىً كان شرباً للعفاةِ ومرتعى ... فأصبح للهنديةِ البيضِ مرتعا)
стр. 529
(إذا ساءَ يوماً في الكريهةِ منظراً ... تصلاهُ علماً أن سيحسنُ مسمعا)
(فإن ترم عن عمرٍ تدانى به المدى ... فخانك حتى لم يجدْ فيك منزعا)
(فما كنتَ إلا السيفَ لاقي ضربيةً ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا)
وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول متمم بن نويرة في أخيه مالك قتل في الردة قتله خالد بن الوليد: أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال كان متمم بن نويرة قدم العراق فأقبل لا يرى قبراً إلا بكى عنده فقيل له يموت أخوك بالملا وتبكي على قبره بالعراق! فقال:
(لقد لامني عندَ القبورِ على البكا ... رفيقي لتذرافِ الدموع السوافك)
هذا البيت غير مختار الرصف عندي وفي ألفاظه زيادة على معناه:
(أمنْ أجلِ قبرٍ بالملا أنت نائحٌ ... على كلَ قبر أو على كلَ هالكِ)
(فقلت له أنَ الشجي يبعثُ الشجى ... فدعني فهذا كلهُ قبرُ مالك)
يقول قد ملأ الأرض مصابه عظماً فكأنه مدفون بكل مكان. وهذا أبلغ ما قيل في تعظيم الميت. ومنه أخذ القائل قوله أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن ثعلب عن الرياشي لرجل يرثي عمر بن عبد العزيز وهو عندي من أرثى ما قيل:
(لهفي عليك للهفة من خائف ... كنتَ المجيرَ لهُ وليسَ مجيرُ)
(عمتْ صنائعهُ فعمَ مصابهُ ... فالناسُ فيهِ كلهم مأجورُ)
(فالناسُ مأتمهمْ عليهِ واحدٌ ... في كلَ وادٍ رنةٌ وزفيرُ)
(يثني عليك لسان من لم تولهِ ... خيراً لأنك بالثناءِ جدير)
(ردَّتْ صنائعه إليه حياتَه ... فكأنه من نشرها منشورُ)
والصحيح أن يقول (منشرٌ) لأنه يقال أنشر الله الموتى فنشرواهم. وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول المحدث:
(على قبرهِ بينَ القبورِ مهابةٌ ... كما قبلها كانَتْ على صاحبِ القبرِ)
стр. 530
وقالوا بل قول الآخر:
(أرادوا ليخفوا قبرهُ عن عدوهِ ... فطيبُ ترابِ القبرِ دلَ على القبرِ)
وقالوا أرثاه قول ابن مناذر:
(أنعى فتَى الجودِ إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجودِ)
(أنعى فتًى مصَ الثرى بعده ... بقيّة الماءِ من العودِ)
وأخبرنا أبو أحمد قال سمعت محمد بن يحيى قال سمعت محمد بن يزيد يقول لو سئلتُ عن أحسن أبيات تعرف في المراثي لم أختر على أيبات الخريمي:
(ألم ترني أبني على الليث بنيةً ... وأحثي عيلهِ التربَ لا أتخشعُ)
(وأعددته ذُخراً لكلَ ملمةٍ ... وسهمُ المنايا بالذَّخائرِ مُولعُ)
(وأني وإن أظهرتُ مني جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عليه لموجعُ)
(ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتهُ ... عليهِ ولكن ساحةُ الصبرِ أوسع)
وقال أبو عمر بن العلاء أرثى بيت قول عبدة:
(فما كانَ قيسٌ هلكهُ هلك واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما)
وقال خلف الأحمر أرثى بيت:
(الآن لما كنتَ أكمل من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح)
(وتكاملت فيك المروءة كلها ... وأعنتَ ذلك بالفعالِ الصالح)
وقال الأصمعي أرثى بيت للعرب:
(ومن عجبٍ أن بتَ مستشعرَ الثّرى ... وزدت بما زودّتني مُتمتعا)
(ولو أنني أنصفُتك الودَ لم أبتْ ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا)
ومن أحسن ما قيل في بقايا آثار الميت قول الحسين بن مطير:
(فتى عيشَ في معروفهِ بعدَ موتهِ ... كما كانَ بعدَ السيلِ مجراه مرتعا)
следующие страницы →