← Адаб

Адаб · id 6909

ديوان المعاني

أبو هلال العسكري

Полный текст (608 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

(ولما تمادتْ عذتُ منها بحميّة ... كمنْ ترك الرمضاء وانفل في الجمر) (وما منها إلا بلاءٌ وفتنةٌ ... وضرُ على الأحرار يا لك من ضر) من مرض لمرض الجفون: أنشدني أبو أحمد عن الصولي قال أنشدني أبو عبيد الله ابن عبد الله لنفسه: (تمارضتَ لما لم تكنْ لك علةٌ ... وقلتَ شهيدي ما بطرفي من القسم) (فلا تجعلنْ سقماً بطرفك علةً ... فقد كانَ ذاك السقم في صحةِ الجسمِ) وقال غيره: (أحببتُ من أجلهِ منْ كان يشبهه ... وكلُ شئ من المعشوقِ معشوق) (وقد حلبت بجسمي سُقْم مقلته ... كأنَّ جسمي مِن عينيهِ مسروق) وقال الأخطل: (كيف يضني بعد ما ... كان الضَّنى عوناً لعينهْ) وقال ابن الرومي وقد مرض فتخلفَ اخوانه عن عيادته: (عليلكم لا يعادُ من عللهْ ... وضيفكم لا يسَدّ من خللهْ) (لا إن جفوتم دنا المماتُ ولا ... إن زُرتمُ تنسؤنَ في أجلهْ) (ما ضرَ مجفوَّكم جفاؤكمُ ... بالأمس في جسمه ولا أملهْ) وأنشدني أبو أحمد عن الصولي لمحمد بن محمد بن إبراهيم اليزيدي: (مالي مرضتُ فلم تعدْ ... ورغبتُ فيك فلم تُجد) (الحبُ يذهبهُ الأذى ... فاحذرْ عليه ولا تعد) وهذا شعرٌ مطبوعٌ مختار، والبيت الأخير مأخوذ من قول الأعرابي: (فإني رأيتُ الحبَ في القلبِ والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحبُ يذهبُ) وقلت: (وقد عادني الأخوانُ من كلِّ جانب ... وما قصروا في العرفِ والفضل والبرَ) (فلمْ لم تكنْ فيهم فيكمل حسنهم ... أيا ظالماً أخلى النجومَ من البدرِ) (وإذ كنتَ لم تنهضْ إليَّ ولم تكد ... فلم لمْ تسلْ عني فتخبر عن أمري) (ومالك لم تبعثْ إليَّ بأسطرٍ ... تمجمجها إحدى يمينك في ظهر)

стр. 527

(تضنُ بتسليم وزرةِ ساعةٍ ... فكيف يُرحي جودُ كفيك بالوفر) (فإن كنتَ لا تبقي على الحال بيننا ... فهلا تخاف سوء بادرةِ الشعرِ) (إذا لمْ تكونوا للحقوقِ فمنْ لها ... وأنتم كرامُ الناسِ في البدوِ والحضر) (وأنتَ إذا أنحيتَ تفري أديمَها ... فما ذنبُ ذي جهلٍ فرَى مثلَ ما تفري) (وما لعداة العلم تذكرُ عيبهم ... وأنت على أمثالِ غايرهم تجري) ومن الغريب البديع مدح الموت وهو قول ابن الرومي: (قد قلت إذْ مدحوا الحياةَ فأكثروا ... للموتِ ألفُ فضيلةٍ لا تعرفُ) (فيها أمانُ لقائهِ بلقائهِ ... وفراقُ كلِّ معاشرٍ لا يُنصِفُ) ومن أحسن ما قيل في مكابدة النفس عند الموت قوله أيضاً: (بات الأميرُ وباتَ بدرُ سمائنا ... هذا يُودَّعنا وهذا يكسفُ) ولعل ذلك مأخوذٌ من قول الأول: (ألمْ يبلغك والأنباء تنمى ... وللدنيا بأهليها صروفُ) (صريعٌ لم يُوسدهُ قريب ... ولم يشركه في الشكوى أليفُ) (يظلُ كأنه قمرٌ منيرٌ ... يجولُ على محاسنهِ كسوفُ) ولهذا البيت رونقٌ عجيبٌ وطلاوة حسنة. ومن عجيب ما جاء في وصف المصيبة قول حذيفة بن اليمان: إن الله تعالى لم يخلق شيئاً إلا صغيراً ثم يكبر إلا المصيبة فأنها خلقت كبيرة ثم تصغر. وهذا قول مصيبٌ لا يتمارى به ومنه أخذ قوله: (وكما تَبلى وجوهٌ في الثّرى ... فكذا يَبلى عليهنَ الحزنُ) ولا أعرف في التعزي عن المصيبة كاملاً أحسن تقسيماً من قول الأعرابي ومات له ثلاثة بنين في يوم واحد فدفنهم وعاد إلى مجلسه فجعل يتحدث كأن لم يفقد واحداً فليمَ على ذلك فقال: ليسوا في الموت ببدع ولا أنا في المصيبة بأوحد ولا جدوى للجزع فعلام تلومونني. فهذه الثلاثة الأقسام لا رابع لها.

стр. 528

وعزي رجل رجلاً وقد ولدت امرأته ابناً وماتت في نفاسها فقال أعظم الله أجرك فيما أبادو أجزل حظك فيما أفاد. ولا أعرف أحداً أجاد هذا المعنى كما أجاده عبد الملك بن صالح الكاتب: أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال قيل للرشيد إن عبد الملك بن صالح يعد كلامه ويفكر فيه فلذلك بانت بلاغته فأنكر ذلك الرشيد وقال هو طبعٌ فيه ثم أمسك حتى جاء يوماً ودخل عبدُ الملك فقال للفضل بن الربيع إذا قرب من سريري فقل له ولد لأمير المؤمنين في هذه الليلة ابنُ ومات له ابنٌ فقال له الفضل ذلك فدنا عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعلها واحدة بواحدةٍ ثواب الشاكرين وأجر الصابرين. فلما خرج قال الرشيد أهذا الذي زعموا أنه يتصنع للكلام ما رأى الناس أطبع من عبد الملك في الفصاحة قط. وعزي أعرابي رجلاً قفال لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها. أحسن ما قيل في مدفون قول ابن الرومي في بستان جارية أم علي بنت الراس: (لله ما ضمنتْ حفيرتُها ... من حُسنِ مرأىً وطُهر مُختبرِ) (أضحتْ من الساكني حفائرِهمْ ... سُكنى الغوالي مداهنَ السررِ) (لو علمَ القبرُ من أتيحَ لهُ ... لانخفضَ القبرُ غير محتفرِ) وهذا البيت مأخوذ من قول الأول: (لو علمَ القبرُ من يواري ... تاهَ على كلِّ مَنْ يليه) وقالوا أحسن مرثيه للعرب ابتداءً قول أوس بن حجر: (أيتها النفسُ أجملي جَزَعاً ... إن الذي تحذرينَ قد وقعا) وأحسن مرثية لمحدث ابتداءً قول أبي تمام الطائي: (أصمَّ بك الداعي وإن كانَ اسمعا ... وأصبحَ مغنى الجودِ بعدك بلقعا) فقال فيها: (فتىً كان شرباً للعفاةِ ومرتعى ... فأصبح للهنديةِ البيضِ مرتعا)

стр. 529

(إذا ساءَ يوماً في الكريهةِ منظراً ... تصلاهُ علماً أن سيحسنُ مسمعا) (فإن ترم عن عمرٍ تدانى به المدى ... فخانك حتى لم يجدْ فيك منزعا) (فما كنتَ إلا السيفَ لاقي ضربيةً ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا) وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول متمم بن نويرة في أخيه مالك قتل في الردة قتله خالد بن الوليد: أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا أبو بكر بن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال كان متمم بن نويرة قدم العراق فأقبل لا يرى قبراً إلا بكى عنده فقيل له يموت أخوك بالملا وتبكي على قبره بالعراق! فقال: (لقد لامني عندَ القبورِ على البكا ... رفيقي لتذرافِ الدموع السوافك) هذا البيت غير مختار الرصف عندي وفي ألفاظه زيادة على معناه: (أمنْ أجلِ قبرٍ بالملا أنت نائحٌ ... على كلَ قبر أو على كلَ هالكِ) (فقلت له أنَ الشجي يبعثُ الشجى ... فدعني فهذا كلهُ قبرُ مالك) يقول قد ملأ الأرض مصابه عظماً فكأنه مدفون بكل مكان. وهذا أبلغ ما قيل في تعظيم الميت. ومنه أخذ القائل قوله أخبرنا به أبو أحمد عن ابن الأنباري عن ثعلب عن الرياشي لرجل يرثي عمر بن عبد العزيز وهو عندي من أرثى ما قيل: (لهفي عليك للهفة من خائف ... كنتَ المجيرَ لهُ وليسَ مجيرُ) (عمتْ صنائعهُ فعمَ مصابهُ ... فالناسُ فيهِ كلهم مأجورُ) (فالناسُ مأتمهمْ عليهِ واحدٌ ... في كلَ وادٍ رنةٌ وزفيرُ) (يثني عليك لسان من لم تولهِ ... خيراً لأنك بالثناءِ جدير) (ردَّتْ صنائعه إليه حياتَه ... فكأنه من نشرها منشورُ) والصحيح أن يقول (منشرٌ) لأنه يقال أنشر الله الموتى فنشرواهم. وقالوا أرثى بيت قالته العرب قول المحدث: (على قبرهِ بينَ القبورِ مهابةٌ ... كما قبلها كانَتْ على صاحبِ القبرِ)

стр. 530

وقالوا بل قول الآخر: (أرادوا ليخفوا قبرهُ عن عدوهِ ... فطيبُ ترابِ القبرِ دلَ على القبرِ) وقالوا أرثاه قول ابن مناذر: (أنعى فتَى الجودِ إلى الجود ... ما مثل من أنعى بموجودِ) (أنعى فتًى مصَ الثرى بعده ... بقيّة الماءِ من العودِ) وأخبرنا أبو أحمد قال سمعت محمد بن يحيى قال سمعت محمد بن يزيد يقول لو سئلتُ عن أحسن أبيات تعرف في المراثي لم أختر على أيبات الخريمي: (ألم ترني أبني على الليث بنيةً ... وأحثي عيلهِ التربَ لا أتخشعُ) (وأعددته ذُخراً لكلَ ملمةٍ ... وسهمُ المنايا بالذَّخائرِ مُولعُ) (وأني وإن أظهرتُ مني جلادةً ... وصانعتُ أعدائي عليه لموجعُ) (ولو شئتُ أن أبكي دماً لبكيتهُ ... عليهِ ولكن ساحةُ الصبرِ أوسع) وقال أبو عمر بن العلاء أرثى بيت قول عبدة: (فما كانَ قيسٌ هلكهُ هلك واحدٍ ... ولكنه بُنيانُ قوم تهدَّما) وقال خلف الأحمر أرثى بيت: (الآن لما كنتَ أكمل من مشى ... وافتر نابك عن شباة القارح) (وتكاملت فيك المروءة كلها ... وأعنتَ ذلك بالفعالِ الصالح) وقال الأصمعي أرثى بيت للعرب: (ومن عجبٍ أن بتَ مستشعرَ الثّرى ... وزدت بما زودّتني مُتمتعا) (ولو أنني أنصفُتك الودَ لم أبتْ ... خلافك حتى ننطوي في الثرى معا) ومن أحسن ما قيل في بقايا آثار الميت قول الحسين بن مطير: (فتى عيشَ في معروفهِ بعدَ موتهِ ... كما كانَ بعدَ السيلِ مجراه مرتعا)

стр. 531

وفي هذه القصيدة: (أيا قبرَ معنٍ كنت أولَ حفرةٍ ... من الأرض خطتْ للسماحة مضجعا) (ويا قبرَ معن كيفَ واريتَ شخصه ... ولو كان حياً ضقتَ حتى تصدعا) (فلما مضى معنٌ مضى الجودُ والندى ... وأصبحَ عرنينُ المكارم أجدعا) وأنا أقول إن هذه الأبيات أرثى ما قيل في الجاهلية والاسلام. وقالوا أرثى بيت قيل قول مهلهل في كليب: (نبئتُ أنَّ النارَ بعدك أوقدتْ ... واستبَّ بعدك يا كليبُ المجلسُ) (وتكلموا في أمر كلَ عظيمة ... لو كنتَ شاهدهم إذاً لم ينبسوا) وكان كليب إذا أوقد ناراً لم يوقد أحدٌ ناراً ولم ينزل ضيفٌ إلا عليه وإذا جلس مجلساً لم يتكلم فيه أحد إلا هو. وقالوا أحسن ما قيل في المراثي قول متمم بن نويرة في أخيه مالك: ( ... وكن كندْمانَي جذيمةَ حقبةً ... من الدهرِ حتى قيلَ لن نتصدعا) (فلما تفرقنا كأني ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا) وليس في المحدثين أحسن مراثي من أبي تمام فمن ذلك قوله: (غدا غودة والمجدُ نسجُ ردائِه ... فلم ينصرفْ إلا وأكفانهُ الأجرُ) (فأثبتَ في مستنقعِ الموتِ رجلهُ ... وقال لها من تحتِ أخمصكِ الحشر) (فتى ماتَ بينَ الضّربِ والطعن ميتةً ... تقومُ مقامَ النصرِ إنْ فاتَه النصرُ) (فتى سلبتْه الخيلُ وهو لها حمى ... وبزتهُ نارُ الحربِ وهو لها جمر) (كأن بني نبهانَ يومَ وفاتهِ ... نجومِ سماءٍ خرَ من بينها البدرُ) (مضى طاهرَ الأثوابِ لم تبقَِ روضةٌ ... غداةَ ثوى إلا اشتهتْ إنها قبرُ) (وكيف احتمالي للسحاب صنعية ... بإسقائه قبراً وفي لحدهِ البحرُ) ولولا كراهة الإطالة لا وردت القصيدة كلها إذ ليس فيها إلا مختارٌ.

стр. 532

وقوله في إدريس بن بدر السامي: (أإدريسُ ضاع المجدُ بعدك كلُّه ... ورأي الذي يرجوهُ بعدك أضيعُ) (وضلَ بك المرتادُ من حيث يهتدي ... وضرت بك الأيامُ من حيث تنفعُ) (وتبسطُ كفاً في الخطوبِ كأنما ... أناملُها في البأسِ والجودِ أذرعُ) (ولم أنسَ سعي الجود حول سريره ... باكسسفِ بالٍ يستقيمُ ويظلعُ) (وقد كانَ يدعى لابس الصبرِ حازماً ... فقد صار يُدعى حازماً حين يجزعُ) وقوله في بني حميد: (عهدي بهم تستنيرُ الأرضُ إن نزلوا ... فيها وتجتمعُ الدنيا إذا اجتمعوا) (ويضحكُ الدهرُ منهم عن غَطارفةٍ ... كأنَ أيامَهم منْ أُنسِها جُمع) (فيما الشماتة إعلاناً بأسدِ وغى ... أفناهُم الصبرُ إذْ أبقاهم الجزعُ) وقوله أيضاً: (إذا فقدَ المفقودُ من آل مالكٍ ... تقطعَ قلبي رحمةً للمكارمِ) (خليليَّ من بعد الأسى والجوَى قفا ... ولا تقفا فيضَ الدُّموع السّواجمِ) (ألمّا فهذا مصرعُ البأسِ والندى ... وحسبكما إن قلتُ مصرعُ هاشمِ) (ألم تريا الأيامَ كيفَ فجعننا ... به ثمَّ قد شاركننا في المآتمِ) (خطوْنَ إليه من نداهُ وبأسِه ... خلائق أوقى من سيور الثمائم) وقد كثرت علة محاسنه في هذا الباب فما أدري ما أوردُ وما أترك. وقد أحسن القائل: (وسميته يحيى ليحيا ولم يكنْ ... إلى ردَ أمرٍ الله فيهِ سبيلُ) (تيممتُ فيه الفالَ حين رزُقته ... ولم أدرِ أنَّ الفالَ فيه يفيلُ) وأخذ أبو تمام قول الفرزدق في جارية له ماتت وفي بطنها غلام: (وجفن سلاح من معدّ رُزئته ... ) والبيت: (وفي جوفه من دارم ذو حفيظة ... لو أنَ الليالي أنسأته لياليا)

стр. 533

وكان وجه الكلام أن يقول (وفي جوفه ذو حفيظة من دارم) فقال أبو تمام وزاد زيادة أسقط بها بيت الفرزدق حتى صار لا قيمة له معها وهو قوله في ابنين لعبد الله بن طاهر قد ماتا صغيرين في يومٍ واحدٍ: (نجمانِ شاءَ الله أن لا يطلعا ... إلا ارتدادَ الطرفِ حتى يأفلا) (إن الفجيعةَ بالرياض نواضراً ... لأجل منها بالرياضِ ذوابلا) (لو ينسيان لكان هذا غاربا ... للمكرماتِ وكانَ هذا كاهلا) (لهفي على تلك الشواهدِ فيهما ... لو أمهلتْ حتى تكونَ شمائلا) (لغدا سكونُهما حِجاً وصباهما ... حِلماً وتلك الأريحيّةُ نائلا) (إنَّ الهلالَ إذا رأيتَ نموَّهُ ... أيقنتَ أن سيكون بدراً كاملا) ثم قال يوسيه: (إن ترزَ في طَرفيْ نهارٍ واحدٍ ... رُزءين هاجا لوعة وبلابلا) (فالثقل ليس مضاعفاً لمطيةٍ ... إلا إذا ما كان وهماً بازلا) ثم قال أيضا: (شمخت خلالك أن بؤسيك مرء ... أو أن تذكّرَ ناسياً أو غافلا) (إلا مواعظ قادها لك سمحة ... أسجاج لُبِّك سامعاً أو قائلا) (هل تكلفُ الأيدي بهزّ مُهّندٍ ... إلا إذا كان الحسامُ الفاصلا) وقالوا ليس للعرب مرثية أجود من قصيدة كعب بن سعد التي يرثي فيها أخاه أبا المغوار ويقول فيها: (أتى دونَ حلوِ العيشِ حتى أمرهُ ... نكوبٌ على آثارهنَ نُكوبُ) (هوتْ أمهُ ما يَبعثُ الصبحُ غاديا ... وماذا يؤدِّي الليلُ حينَ يؤوبُ) (حليمٌ إذا ما الحلم زين أهلَه ... مع العلمِ في عينِ العدوِّ مهيبُ)

стр. 534

(هوتْ أمهُ ماذا تضمنَ رحلهُ ... من الجودِ والمعروف حينَ ينوب) (فتى أريحي كيف يهتزُّ للندى ... كما اهتزَّ من ماءِ الحديدِ قضيب) (حليفُ الندى يدعو الندَى فيجيبهُ ... قريباً ويدعوه الندَى فيجيب) (فإن تكنِ الأيامُ أحسنَ مرَّة ... إليّ فقد عادتْ لهنَ ذنوبُ) (وحدَثتماني إنما الموتُ بالقرى ... فكيف وهذي هضبةٌ وكثيبُ) وقال فيها: (وداعٍ دعانا من يجيب إلى الندى ... فلما يجبه عند ذاك مجيب) (فقلت ادع أخرى وارفض الصوتَ مسمعا ... لعلَ أبا المغوارِ منك قريبٌ) ومن عجيب المراثي قول الرقاشي في البرامكة: (الآن استرحنا واستراحتْ ركابنا ... وقلَ الذي يجدي ومن كان يجتدي) (فقلْ للمطايا قد أمنتِ من السُّرَى ... وطيِّ الفيافي فدفداً بعد فدفدِ) (وقلْ للمنايا قد ظفرت بجعفر ... ولن نظفري من بعدهِ بمسّود) (وقلْ للعطايا بعدَ فضل تعطلي ... وقل للرزايا كلّ يوم تجدَّدي) (ودونك سيفاً برمكياً مُهنّداً ... أصيبَ بسيفِ الهاشميّ المهندِ) ومن جيد المراثي قول الآخر: (سأبكيك للدُّنيا وللدِّين أنني ... رأيتُ يدَ المعروفِ بعدك شلتِ) (ربيعٌ إذا ضنَ الغمامُ بمائهِ ... وليثٌ إذا ما المشرفيةُ سلتِ) وقد أحسن أبو الحسن بن الأنباري القول في ابن بقية حين صلب: (عُلوٌّ في الحياةِ وفي المماتِ ... بحقٍ أنتَ إحدى المعجزات) (كأنَّ الناسَ بعدك حينَ قاموا ... وفودُ نداك أيامَ الصلات) وهذا البيت مأخوذٌ من قول ابن المعتز في عبد الله بن سليمان حين توفي: (وصلوا عليه خاشعين كأنهم ... قيامٌ خضوعٌ للسلامِ عليه)

стр. 535

(كأنك قائمٌ فيهم خطيباً ... وكلهمُ قيامٌ للصلاتِ) (مددتَ يديك نحوهمُ جميعا ... كمدِّكها إليهمْ بالهباتِ) (ولما ضاقَ بطنُ الأرضِ عن أن ... يضمَّ عُلاك من بعدِ المماتِ) (أصاروا الجوَّ قَبرك واستنابوا ... عن الأكفانِ ثوبَ السافياتِ) (فلم أرَ قبلَ جذعِك قطُ جذعاً ... تمكنَ من عناقِ المكرماتِ) ومن جيد ما قيل في عظم شأن الميت قول ابن المعتز: (هذا أبو القاسم في نعشهِ ... قوموا انظرُوا كيف تزولُ الجبالُ) وقول أبي تمام: (بني مالك قد نيّهَتْ خاملَ الثرى ... قبورٌ لكم مستشرفات المعالمِ) (رواكد قيد الكفَ من متناولٍ ... وفيها عُلاً لا يرتُقى بالسلالمِ) وقلت: (سائل القبرَ كيفَ أضمرتَ قدساً ... وأباناً ويَذّبُلاً وحراءَ) (من رأى البدرَ بالتراب توارَى ... أو على ذروةِ النعوشِ تراءى) وقال ابن المعتز وأحسن: (تعالوا نزر قبر السماحةِ والرفد ... ولا نعتذر من دمعِ عينٍ على خدِّ) (لقد عشتَ لم يَعَلَقْ بفعلكِ ذمةٌ ... ومتَ على رغمِ المحامدِ والمجدِ) وقال أيضاً: (ألستَ ترى موتَ العلى والمحامد ... وكيفَ دفّنا الخلقَ في قبر واحدِ) (وللدَّهرِ أيامٌ يُسئنَ عوامداً ... ويحسنَ إن أحسنَّ غيرَ عوامدِ) وقال دعبل بن علي الخزاعي: (حنطتهُ يا نَصرُ بالكافور ... ورفعتهُ للمنزلِ المهجورِ) (هلاّ ببعضِ خلالهِ حنطتهُ ... فيضوعُ أفقُ منازلٍ وقبورِ)

стр. 536

وقلت: (على الرغم من أنف المكارم والعلى ... غدتْ داره قفراً ومغناه بلقعا) (ألم ترَ أن البأسَ أصبحَ بعدهُ ... أشلَ وأنَ الجودَ أصبحَ أجدعا) (فمرا على قبرِ المسودِ وانظرا ... إلى المجدِ والعلياءِ كيف تخشعا) (فإن يكَ واراه الترابُ فكبّرا ... على الجودِ والمعروفِ والفضلِ أربعا) (ولا تسأما نَوْحاً عليهِ مُكرَّراً ... ونَوحاً لفقدِ العارفاتِ مُرجّعا) (فما كان قيسٌ هلكهُ هلكُ واحد ... ولكنّه بنيانُ قوم تضعضعا) (ولا تحسبا أني أواريهِ وحدهُ ... ولكنني واريتهُ والنَّدَى معا) ومن بارع المراثي قول ديك الجن الحمصي: (ماتَ حبيبٌ فمات ليثٌ ... وغاضَ بحرٌ وباخَ نجمُ) (سَمَتْ عيونُ الرَّدَى إليهِ ... وهي إلى المكرماتِ تسمو) (ما أمك اجتاحتِ المنايا ... كلُ فؤاد عليك أمُّ) ومما جاء في صفة القبر قول الشاعر: (ورَسمُ دارٍ مُقفرُ الجنابِ ... يزدادُ عُمراناً على الخرابِ) وقالوا أصدق ما قيل في صفة الدنيا قول أبي نواس: (إذا إمتحنَ الدنيا لبيبٌ تكشَّفتْ ... له عن عدوٍ في ثيابِ صديقِ) وهو مأخوذٌ من قول جرير في وصف النساء: (دعينَ الهوى ثم ارتمينَ قلوبنا ... بأسهم أعداءٍ وهنَ صديق) وقالوا بل أصدق ما قيل في صفة الدنيا قول الأول: (حُتوفها رصدٌ وعيشُها نكدٌ ... وصفوها رتقٌ وملكُها دُوَلُ) وقلت: (ما بالُ نفِسك لا تهوَى سلامتَها ... فأنت في عَرَضِ الدنيا ترغبها) (دارٌ إذا أتتِ الآمالُ تعمُرها ... جاءت مقدمةُ الآجالِ تخرِبها) (أصبحتَ تطلبُ دنيا لستَ تدركُها ... فكيف تُدركُ أخرى لستَ تطلبها) ومن جيد ما قيل في الزهد قول ابن المعتز:

стр. 537

(نسيرُ إلى الآجال في كلِّ لحظةٍ ... وأيامُنا تطوَى وهنَ مراحلُ) (ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنه ... إذا ما تخطته الأمانيُّ باطل) وقلت: (ألستَ تَرى موتَ العلا والفضائل ... وكيفَ غروبُ النجم بين الجنادلِ) (فما للمنايا أغفلتْ كلَ ناقصٍ ... ونقبنَ في الآفاقِ عن كلَ فاضل) (على الرِّغم من أنفِ العُلا سبقَ الرَّدَى ... بكلَ كريمِ الفعلِ حرِ الشمائل) (على أنَ من أبقتهَ ليسَ بخالدٍ ... وليسَ امرؤٌ يرجو الخلودَ بعاقل) (رأيتُ المنايا بينَ غادٍ ورائحٍ ... فما للبرايا بينَ ساهٍ وغافل) (ولم أرَ كالدنيا حبيباً مضرةُ ... ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كباطلِ) وقال ابن المعتز: (كم بدارِ الموتِ من ذي إرْبَة ... عجزتْ منهُ على الموتِ الحِيَلْ) (ومُلوك بليتْ أيديهم ... ولقد كانت مطايا للقبل) وقلت: (فتعجبتُ كيفَ لانحذرُ الموت ... وأنفاسُنا خُطانا إليه) وقرأت للجاحظ كلاماً مفقود النظير معدوم الشبيه لا أعرف لأحد مثله وهو: أيها المستدل على أمور الدنيا كفاك بها على نفسها دليلاً ويومها لك من غدها تشبيهاً وتمثيلاً تالله لقد أطلعتك بمؤتلفاتها على حدوث تأليفها وأثبتت لك الصانع بآثار صنعته فيها ووقفتك على معرفة كمالها بما توافى فيك من أجزائها ودلتك بتحليل المركبات فيها على انحلال تركيبها. ووقفتك بقطع الشمس والقمر قطرها على إدبارها وانقطاعها فكشف لك انتهاء حدودها عن تناهي أمدها وأبان لك دؤوب اطراد نهارها وليلها وتتابع دوران بروجها ونجومها وتعاقب أزمنة بردها وحرها واعتدالها وحركات نيرانها ورياحها ومياهها أنه مسوقة محثوثة إلى أمدها كما تحث براياها بالأوقات الجارية إلى آجالها. ثم قال وتحدث ما تخوفك به طوارق أحداثها وتوطنك على إيطان جثمانها حدثاً من أحداثها لا تمسك منها بعروة إلا شهدت على أشكالها فأية نصيحة أصدق لك من نصيحتها أوعظة أشفى

стр. 538

وأبلغ من عظتها أو شهادة أصح وأعدل من شهادتها بالفناء على نفسها، ألم تر أجزاءها مؤتلفة بالاجتماع مختلفة بالطباع يهلك بعضها بعضاً ويعود إبرامها نقضاً، فيا ناسياً للصخر وتهدمه وللحديد وتثلمه واثقاً ببقاء لحمه ودمه ومساعفاً لشبقه وقرمه إذكر أن جسدك وشيكا مفارقك وأنه وإن جددته مخلقك وأنك تطلقه في شهواته ويوثقك وتبقى عليه من التعب ويوبقك ففيم تشتغل به عن مصلتحك وعلام تتكل في عقبيك إلى أن قال وتقوى على الزهد فيما يتنافسه الجهال بذكر الموت وفجأته وبغتاته ووضوح آياته وغموض ميقاته وانخذال المحالة عن دفعه ويأس النفوس من منعه عند غوصه عليها في الأبدان وتخليله لها من الأعظم والأعصاب والعروق واللحم والإهاب حتى يسوقها من الإغماض والأوصال سياق رهاق مضيق للخناق محقق للفراق مؤيس من التلاق عند إحساسه بموت جسده عضواً فعضواً وفقدان قوته جزءً جزءً وهي تمرح في الصدر حشرجة وفي الجوانح رجرجة وفي اللهوات غرغرة وفي الحلقوم خرخرة بالنزع الجاذب والعلن الكاذب والفواق الدائب والأنفاس الذواهب فهناك تنفس الصعداء وتوقد البرحاء وفي سمعه وبصره بقية يرمق بها أولاده يتامى ونساءه أيامي وأمواله نهبى وجموعه شتى ووجوه الشامتين به مشرقة والدموع من أحبته مستبقة والجيوب عليه مشققة والشعور مقطعة والخدود باللطم مبقعة وذلك غير عائد عليه ولا عليهم بمنفعة في كلام طويل. ومن جيد ما قيل في إفضاء السلامة بصاحبها إلى الهلاك قول النمر بن تولب: (تداركْ ما قبلَ الشبابِ وبعدَهُ ... حوادثَ أيامٍ تمرُ وأغفل) (يودُ الفتى طولَ السلامةِ والغنى ... فكيفَ ترى طولَ السلامة يفعل) (يُرَدُّ الفتى بعد اعتدالٍ وصِحّةٍ ... ينوءُ إذا رام القيامَ ويحمل) وقيل لرجل من الأوائل: ما كان سبب موت أخيك؟ قال كونه فأحسن ما شاء. وقال بعضهم في معناه: (ما بالُ من آفته بقاؤهُ ... نغصَ عيشي كله فناؤهُ)

стр. 539

وقال آخر في نحوه: (فإنَّ الداء أكثر ما تراهُ ... من الأشياء تحلو في الحلوقِ) ومن جيد ما قيل في موت الولد قول ابن الرومي: (بكاؤكما يشفي وإن كانَ لا يجدي ... فجودا فقد أودي نظيركما عندي) (توفى حمامُ الموتِ أوسطَ صبيتي ... فللَّه كيفَ اختارَ واسطةَ العقدِ) (طواهُ الرّدَى عني فأضحى مَزَارهُ ... بعيداً على قرب قريباً على البعدِ) (عجبت لقلبي كيفَ لم ينفطِرْ له ... ولو أنه أقسى من الحجر الصَّلدِ) (وما سرَّني أن بعتهُ بثوابهِ ... ولو أنه التخليد في جنةِ الخلدِ) (ولا بعتهُ طوعاً ولكنْ غُصِبتُه ... وليسَ على ظلمِ الحوادثِ من مُعدي) وأما موت الأخ فقد روينا فيه خبراً مليحاً أخبرنا به أبو طاهر محمد بن يوسف قال أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن بكر قال حدثنا أيوب بن سليمان قال حدثني يوسف قال حدثنا صهيب بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن عمرو قال حدثنا إسماعيل ابن عياش عن عبد الله بن دينار قال قدم لقمان من سفرٍ فلقى غلاماً له فقال له فعل أبي؟ قال مات قال ملكت أمري فما فعلت أمي؟ قال ماتت قال ذهب همي قال فما فعلت أختي؟ قال ماتت قال سترت عورتي قال فما فعلت امرأتي؟ قال ماتت قال جدد فراشي قال فما فعل أخي؟ قال مات قال: أوه انقطع ظهري انتهى. وذكر قدامة بن جعفر أن أبا جعفر المنصور لمادفن ابنه جعفر الأصغر قال للربيع كيف قال مطيع بن إياس فأنشده: (يا أهل بكوا لقلبي القرح ... وللدموع الذوارفِ السفيح) (راحوا بيحي ولو تطاوعني ... الأقدار لم تبتكرْ ولم ترحِ) (يا خيرَ من يحسن البكاء له ... اليوم ومنْ كانَ أمسِ للمِدَحِ) (قد شمتُ الحزنَ بالسرورِ وقد ... أديلَ مكروهُه من الفرحِ)

стр. 540

فبكى المنصور ثم قال: صاحب هذا القبر أحق بهذا الشعر، ثم أذن للناس فدخلوا ونصبت الموائد فلم يقدر أن يمد يده من الجزع الذي كان خامره فقام شبيب بن شيبة فأنشده قول الثقفي في ابنه علي وكان شرطة عبيد الله بن العباس باليمن فقتله بشر بن أرطأة فقال يرثيه: (لعمري لقد أوْدَى ابنُ أرطأةَ فارساً ... بصنعاءَ والليث الهزبر أبي الأجر) (تأملْ فإن كانَ البكا رَدَّ هالكاً ... على أحدٍ فاجهدْ بُكاك على عمرِو) فسري عنه وأكل مع الناس ورفع الحزن مع رفع الطعام. ومن عجيب المراثي قول الأشجع: (مضى ابن سعيد حين لم يبقَ مشرقٌ ... ولا مغربٌ إلا لهُ فيهِ مادحُ) (وما كنتُ أدري ما فواضلُ كفه ... على الناس حتى غيبتهُ الصفائحُ) (فأصبحَ في لحدٍ من الأرضِ ميتاً ... وكانَ بهِ حياً تضيقُ الأباطحُ) (سأبكيك ما فاضتْ دُمُوعي وإن تغض ... فحسبك مني ما تحنُ الجوانحُ) (كأنْ لم يمتْ حيٌّ سِواكَ ولم تقمْ ... على أحدٍ إلا عليك النوائحُ) (لئن حسنتْ فيك المراثي وقيلها ... لقد حسنتْ من قبلُ فيك المدائحُ) (وما أنا من رزءٍ وإن جَلّ جازعٌ ... ولا بسرورٍ بعدَ موتك فارح) وأنشدنا أبو قاسم عبد الوهاب بن إبراهيم قال أنشدنا العقدي قال أنشدنا أبو جعفر عن المدائني لعرفجة بن شريك يرثي أوساً: (رأيتُ المنايا تصطفي سَرَواتنا ... كأنَّ المنايا تبتغي من تفاخِره) (فما كانَ قيسٌ عاجزاً غير إنهُ ... حمى أنفه من أن يضيعَ مجاورُه) (وطابَ لوردِ الموتِ نفساً ولم يخمْ ... وقد ضاقَ بالنكس اللئيم مصادِرُه) (فصادفَ رق الموت حراً سميدعاً ... إذا سئلَ المعروفَ لانت مكاسره) (حمى أنفه أوس ولم يثن وجههُ ... ويفني الحياءُ المرءَ والرمح شاجِره) ومن ههنا أخذ أبو تمام قوله:

стр. 541

(وقد كان فوتُ الموت سهلاُ فردَّهُ ... عليهِ الحفاظ المرُ والخلقُ الوعرُ) وعزى ابن السماك الرشيد عن ابن له مات فقال: أما بعد فإن استطعت أن يكون شكرك الله حين أخذه أكثر من شكرك لله حين وهبه فافعل فإنه حين قبضه أحرز لك هبته ولو بقي لم تسلم من فتنته، عجباً لجزعك على ذهابه وتلهفك على فراقه أرضيت الدار لنفسك فترضاها لولدك أما هو فقد خلص من الكدر وبقيت معلقاً بالخطر والسلام. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمداًُ لا يحصى عدده ولا يبلغ أمده، وصلواته على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين المختارين وسلم. (هذا كتاب المبالغة) (في صفة أشياء مختلفة يختم بها كتاب ديوان المعاني وهو:) ٣ - (الباب الثاني عشر منه فأول ذلك) (القول في الحنين إلى الأوطان) أخبرنا أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان قال قال أبو سرح سمعني أبو دلف أنشد: (لا يمنعنك خفضُ العيشِ في دعةٍ ... نزوعُ نفسٍ إلى أهلٍ وأوطانِ) (تلقى بكلَ بلادٍ أنتَ ساكنها ... أهلاً بأهل وجيراناً بجيرانِ)

стр. 542

فقال: هذا ألأم بيت قالته العرب. قال أبو هلال ﵀: النزوع ههنا ردئ والجيد النزاع، وإنما جعل أبو دلف هذا البيت الأم بيت لأنه يدل على قلة رعاية وشدة قساوة وحنين الرجل إلى أوطانه منقبة من علامات الرشد لما فيه من الدلائل على كرم الطينة وتمام العقل. وقالت الحكماء: حنين الرجل إلى وطنه من علامات الرشد. وقال بزرجمهر: من أمارات العاقل بره بإخوانه وحنينه إلى أوطانه ومداراته لأهل زمانه. وقال أعرابي: لا تشك بلداً فيه قبائلك ولا تجف أرضاً فيها قوابلك. وقالت العرب: أكرم الخيل أشدها خوفا من السوط وأكيس الصبيان أشدهم بغضاً للمكتب وأكرم الصفايا أشدها حنيناً إلى أوطانها وأكرم المهارة أشدها ملازمة لأمهاتها وأكرم الناس آلفهم للناس. وقد بين الله تعالى فضل الوطن وكلف النفوس به في قوله تعالى ﴿ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ فجعل خروجهم من ديارهم كفؤ قتلهم لأتفسهم ومنه قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ وقول تعالى: ﴿ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا﴾ فجعل إخراجه إياهم من ديارهم بدلاً من العذاب المستأصل لهم لشبهه به عندهم. وقال بعض الحكماء: الخروج من الوطن أحد السبابين والجلاء أحد القتلين. وقال يحيى بن طالب: (إذا إرتجلت نحو اليمامة رفقةٌ ... دعاني الهوى وارتاح قلبي إلى الذكرِ) (يقولونَ إنَّ الهجرَ يشفي من الهوى ... وما ازددتُ إلا ضعف ما بي على الهجرِ) وكان كثيرٌ من العرب ممن يعتزي إلى فضل كرم لا ينتجعون وكذلك كانت قريش. وقال الحارث بن ظالم: (رفعتُ الرُّمح إذ قالوا قُريشٌ ... وشبهت الشمائل والقبابا)

стр. 543

(ولو أني أطاوعُ كنتُ فيهم ... وما سيرتُ أتبع السحابا) وقال الحويدرة: (وتقيمُ في دار الحفاظ بيوتنا ... زمناً ويظعنُ غيرنا للأمرعِ) والأمرع جمع لا واحد له من لفظه، وكانوا يسمون منزلهم دار الحفاظ لأنهم كانوا يقيمون فيه لقرى الأضياف وإعطاء الفقير وصلة المسكين وابن السبيل. وقال أبو تمام: (كم منزل في الأرضِ يألفهُ الفتى ... وحنينهُ أبداً لأوّل منزلِ) وقد قالت الهند: حرمة بلدك عليك مثل حرمة أبويك لأن غذاءك منهما وغذاءهما منك. وقال آخر: أرض الرجل ظئره وداره مهده. وقال آخر: الحنين إلى الوطن من رقة القلب ورقة القلب من الرعاية والرعاية من الرحمة والرحمة من كرم الفطرة وكرم الفطرة من طهارة الرشد وطهارة الرشد من كرم المحتد قال الشاعر: (لقربُ الدَّار في الاقتار خيرٌ ... من العيش المُوسّع في اغترابِ) وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أهله كما تتقوت الحبة ببل المطر إذا أصاب الأرض. وقال أفلاطن: غذاء الطبيعة من أنجع أدويتها. وقال يدواي كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة تتطلع إلى هوائها وتنزع إلى غذائها. وقلنا: ليس الإنسان أقنع بشئ منه بوطنه لأنه يتبرم بكل شئ ردئ ويتذمم من كل شئ كريه إلا من وطنه وإن كان ردئ التربة كريه الغذاء ولولا حب الناس للأوطان لخرب أخابث الأرض والبلدان، قال الشاعر: (ألا ليت شعري هل تحننَّ ناقتي ... بصحراء من نجران ذات ثرى جعدِ) (وهل تنفضنَّ الريحُ أفنانَ لمتي ... على لاحقِ الأطلين مطمر ورد) (وهل أردن الدهر حسمي مزاحم ... وقد ضَربْتهُ نفحةٌ من صبا نجد) وذكر بن الرومي العلة التي يحب الوطن لأجلها وليس له في ذلك امام إلا

стр. 544

أحمد بن إسحاق الموصلي فإنه قال: (أحبُ الأرضَ تسكنها سليمى ... وإن كانتْ بواديها الجدوب) (وما دهري بحب تراب أرض ... ولكنْ من يحلُّ بها حبيبٌ) وقال ابن الرومي: (ولي وطنٌ آليتُ أن لا أبيعهُ ... وألا أرى غيري له الدهرَ مالكا) (عهدتُ به شرخَ الشبابِ ونعمةً ... كنعمةٍ قوم أصبحوا في ظلالكا) (فقد ألفتهُ النفسُ حتى كأنهُ ... لها جسدٌ لولاهُ غودرتُ هالكا) (وحبّبَ أوطانَ الرجالِ إليهم ... مآربُ قضاها الشبابُ هُنالكا) (إذا ذكروا أوطانهمْ ذكرتهمُ ... عهود الصبا فيها فحنوا ذلكا) (وقد ضامني فيه اللئيم وغرَّني ... وها أنا منهُ معصمٌ بحبالكا) (فإن أخطأتني من يمينك نعمة ... فلا تخطئنه نقمةٌ من شمالكا) وقلت في نحو من ذلك: (ثوى في حفرةِ العانات يمنٌ ... تغلغل في المنازل والرباع) (وإن تهوَ البقاع فليس غرواً ... هوى أهل البقاع هوى البقاعِ) وقال ابن الرومي: (فإذا تصورَ في الضمير وجدتهُ ... وعليه أفنانُ الشباب تميدُ) وقيل لأعرابي كيف تصنع بالبادية إذا اشتد القيظ وانتعل كل شئ ظله؟ فقال وهل العيش إلا ذاك يمشي أحدنا ميلا ويرفض عرقاً ثم ينصب عصاه ويلقي عليها كساءه ويجلس يكتال الريح فكأنه في إيوان كسرى. وذكر أعرابي بلده فقال رملةٌ كنت جنين ركامها ورضيع غمامها. وقالت أعرابيةٌُ: إذا كنت في غير أهلك فلا تنس نصيبك من الذل. وقال الشاعر في معناه (نصيبك من ذلِّ إذا كنت خاليا ... ) وقلت: (حسبتُ الخيرَ يكثر في التنائي ... فكانَ الخيرُ أكثر في التداني)

стр. 545

(ذكرتُ مقامنا بسراة حُزوى ... فسرت مع الوساوس في عنان) (ألا لله حزمٌ واصطبارٌ ... تقاسمه بنياتُ الزَّمان) (عزيزٌ أضمرتهُ نوى شطون ... فظلَ من المهانةِ في ضمان) (يناطُ إلى العزيز إذا تبوَّى ... بمنزل غربةٍ طرف الهوانِ) وقال آخر: يحن اللبيب إلى وطنه كما يحن النجيب إلى عطفه. وقلت: (إذا أنا لا أشتاقُ أرضَ عشيرتي ... فليسَ مكاني في النهى بمكينِ) (من العقل أن أشتاقَ أول منزلٍ ... عنيتُ بخفضٍ في ذراهُ ولين) (وروض رعاهُ بالأصائلِ ناظري ... وغصن ثناهُ بالغداةِ يميني) وقال ابن المولى: (سررتُ بجعفرٍ والقرب منه ... كما سرَ المسافرُ بالإيابِ) (كممطورٍ ببلدتهِ فأضحى ... غنياً عن مطالعة السحابِ) وهو من قول الآخر: (فكنتُ فيهمْ كممطور ببلدتهِ ... فسرَ أن جمعَ الأوطانَ والمطرا) وفضل بعضهم السفر على المقام واحتج بقول الله تعالى ﴿علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله﴾ قال فقسم الحاجات فجعل أكثرها في البعدُ، وقال تعالى: ﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله﴾ قال فاخرج الكلام مخرج العموم ولم يخص أرضاً دون أرضِ ولا قرباً دون بعد، وينشد في هذا المعنى قول أبي تمام: (وطولُ مُقام المرءِ في الحيَ مخلقٌ ... لديباجتيهِ فاغتربْ تتجددِ) (فإني رأيتُ الشمسَ زِيدتْ محبةً ... إلى الناس إذ ليستْ عليهم بسرمدِ) وقال في الحث على الأسفار والطلب والتزهيد في المقام والدعة: الراحة

стр. 546

عقلةٌ في الحركات ومن غلى دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء. وقال عبد الله بن وهب: حب الهوينا يكسب الضنى، وقال أبو المعافى: (وإنَّ التواني أنكحَ العجرَ بنتهِ ... وساقَ إليها حينَ أنكحها مهرا) (فراشاً وطيئاً ثمَ قال لها أتكي ... فقصرا كمالا بُد أن تلد الفقرا) وقال نهيك بن أساف: (أأمّ نُهيك إرفعي الطرفَ صادِقاً ... ولا تيأسِي أن يثرَي الدهر بائس) (سيغنيك سعي في البلادِ وغربتي ... وبعل التي لم تحظَ في البيت جالس) أخبرنا أبو أحمد عن ابن دريد عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قال أكثم بن صيفي: ما يودني أني مكفي وأني أسمنت وألينت، قيل ولم ذاك قال مخافة عادة العجز. وفي الحديث المرفوع (سافروا تغنموا) وقال الشاعر وذم طول الضجعة: (فإن تأتياني بالشتاء وتلمسا ... مكان فراشي فهو بالليل باردُ) وقال آخر: (أبيض بسامَ برودٌ مضجعه ... واللقمةُ الفردُ مراراً تشبعهُ) وقال الحطيئة يهجو القعود والراحة: (دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي) وقال أبو عبادة البحتري: (وقد سألتُ فما أعطيتُ مرغبةً ... وكان حقيَ أن أُعطي ولم أسلِ) (أرمي بظني ولا أعدو الخطاءَ به ... فاعجبْ لاخطاءِ رامٍ من بني ثُعَلِ) (أسيرُ إذ كنت في طولِ المقام بها ... أكدي لعليَ أجدى عند مُرتحلي) (شرق وغرب فعهد العاهدين بما ... طالبت في ذملان الأنيق الذمل)

стр. 547

(ولا تقل أممٌ شتَّى ولا فرق ... فالأرض من تربةٍ والناس من رجلِ) وقال بشار بن برد: (تخاف المنايا إذ ترحلَ صاحبي ... كأنَ المنايا في المقام يناسيه) أخذه من قول الأعشى: (وكم مِن رَدٍ أهلَه لم يَرِمْ ... ) والأول أجود سبكاً وأفصحُ لفظاً. وأخبرنا أبو أحمد عن الجوهري عن أبي زيد قال قال أبو الحسن كان خالد بن عبد الله القسري يطعم الأعراب في حطمه أصابتهم في كل يوم يطعم ثلاثين ألف انسان خبزاً وسويقاً وتمراً فقيل لأعرابي لو أتيت خالداً فإنه يطعم الأعراب فقال: (يقولُ ابنُ حجاج تجهزْ ولا تمت ... هُزالا بحرَّان تعاوى كِلابها) (فقد خبرَ الركبان أنَ جديدَه ... تباح ورغفانا شباعاً رِغابُها) (وماء فراتٍ ما اشتهيتُ وقريةَ ... تدبُ دبيبَ النملِ فيك شرابُها) (فأقسم لا أبتاعُ رُغفانَ خالد ... بأرواحِ نجدٍ ما أقامَ تُرابُها) (إذا باحت بالعُرمتين وصارةٌ ... رِياح الخزامى حينَ تندى رِحابها) وأخبرنا أبو أحمد قال حدثنا أبو بكر بن دريد قال حدثنا الفضل بن محمد العلاف قال لما قدم بغاببتي نمير كنت كثيراً ما آتيهم فلا أعدم أن ألقى منهم الفصيح فجئت يوماً إليهم في عقب مطر فإذا شابٌ جميلٌ قد نهكه المرض فليس به حَراك وإذا هو ينشد: (ألا ياسني برقٍ على قللِ الحمى ... ليهنك من برقٍ عليّ كريمُ) (لمعتَ اقتداء الطرفِ والقومُ هُجَّع ... فهيجت أسقاماً وأنت سقيمُ) (فهل من مُعير طرفَ عينٍ خلية ... فإنسانُ طرف العامريّ كليمُ) (رمى قلَبه البرقُ اليمانيُّ رميةً ... بذكر الحمى وهناً فباتَ يهيم) قال فقلت إن فيما بك لشغلاً عن الشعر قال صدقت ولكن البرق أنطقني.

стр. 548

وقال عبد الله بن محمد الفقعسي: (ألا ليت شعري هل أبيتينَ ليلة ... بسلع ولم تغلقْ عليَّ دروبُ) (وهل أحدٌ باد لنا وكأنه ... حصان أمام المقربات جنيب) (يحول السراب الطلح بيني وبينه ... فيبدو لعيني تارةً ويغيب) (فإني لأرعى النجمَ حتى كأنني ... على كلِّ نجمٍ في السماء رقيبُ) (وأشتاقُ للبرقِ اليماني إذا بدا وأزدادُ شوقاً إن تهبّ جَنوب) وله أيضاً: (ومنْ حاجتي لولا الحياءُ وأنني ... أرى الناسَ قد أغروا بعيب صبا الكهلِ) (مسيري مع الفتيانِ في طلقِ الهوى ... أباري مطاياهم على سلسلٍ رسلِ) (فلم يبقَ من تلك اللذاذةِ عندهم ... وعنديَ غيرُ الذكر للعهدِ والأهلِ) وقال أعرابيٌ: (أمُغترباَ أصبحتَ في رامهرمزٍ ... ألا كل كعبيّ هناك غريبُ) (إذا راحَ ركبٌ مصعداً إنَّ قلبهُ ... مع الرائحينَ المصعدينَ جنيبُ) (وإنَّ الكثيبَ الفردَ من أيمن الحمى ... ليحلو بسمعي ذكرهُ ويطيبُ) (تفوقتُ ذرّات الصبا في ظلالهِ ... إلى أن أتاني بالفطام مشيبُ) (إذا هبَ عُلوي الرِّياح استمالني ... كأني لعلويِّ الرياح نسيبُ) ومما يجري مع ذلك قول الآخر: (إذا عقدَ القضاءُ عليك أمراً ... فليسَ يحلهُ غيرُ القضاءِ) (فما لكَ قد أقمتَ بدارِ ذُلٍّ ... ودارُ العزَ واسعة الفضاء) (تبلغ بالكفاف فكل شئٍ ... من الدنيا يؤولُ إلى إنقضاء) وقال امرئ القيس: (وقد طَوَّفْتُ في الآفاقِ حتى ... رضيتُ من السلامةِ بالإيابِ)

стр. 549

وقال البحتري: (وكانَ رجائي أن أؤوبَ مُمَلَّكاً ... فصارَ رجائي أن أؤوب سليما) (فصل في مدح الاخوان) من أحسن التشبيه في مدح الأخ ما أنشدني أبو علي بن أبي حفص عن جعفر بن محمد: (أخٌ لي كأيام الحياةِ أخاؤهُ ... تلوّن ألواناً عليّ خطوبُها) (إذا عبتُ منه خلةً فهجرتهُ ... دعتني إليه خَلةُ لا أعيبُها) وقال البحتري: (قدمتَ فأقدمتَ الندى يحمل الرضا ... إلى كلِّ غضبانٍ على الدهرِ عاتبِ) (وجئت كما جاء السحابُ محرِّكاً ... يديك بأخلاق تفي بالسحائبِ) (فعادتْ بك الأيامُ وهي كواكبٌ ... جلا الدهرُ منها عن خُدودِ الكواعبِ) (وما أنسَ لا أنسَ اجتذابَك همّتي ... إليك وتزييني بأعلى المراتبِ) (فيا خيرَ مصحوبٍ إذا أنا لم أقمْ ... بشكرِك فاعلمْ أنني شرُ صاحبِ) وكتب بعضهم: لست أذم من أيامنا إلا قصرها وطول الحسرة على أثرها. وقريبٌ من المعنى الأول قول الآخر: (خليلٌ إذا ما جئتُ أبغيه حاجةً ... رجعت بما أبغي ووجهي بمائه) (بلوت رجالاً بعده في إخائهم ... فما ازددت إلا رغبة في إخائه) وقال دعبل بن علي: (أخٌ لي عاداهُ الزمانُ فأصبحتْ ... مذمّمة فيما لديه المطالبُ) (متى ما تذوقهُ التجاربُ صاحباً ... من الناس ردته إليك التجاربُ) وقال إبراهيم بن العباس:

стр. 550

(ومؤمل للنائبات إذا ... هبَ الزمان باذره هبَّا) (لما رآني نهب حادثة ... جعل الذخائر دونها نهبا) وقال أيضاً: (ولكنَ الجوادَ أبا هشام ... وفي العهد مأمون المغيب) (بطئُ العهد ما استغنيت عنهُ ... وطلاعٌ عليك مع الخطوبِ) والبيت الأخير يشير إلى قول جرير (وإني لعف الفقر مشترك الغنى ... ) ونحوه قول إبراهيم أيضاً: (أسدٌ ضارٍ إذا هيجتهُ ... وأبٌ برٌ إذا ما قدرا) (يعرفُ الأبعدُ إن أثرى ولا ... يعرفُ الأدنى إذا ما افتقرا) وقال أيضاً: (ولكنَ عبدَ اللهِ لما حوى الغنى ... وصارَ له من بين إخوانه مالُ) (رأى خلةً منهم تسدُ بمالهِ ... فساهمهمْ حتى استوتْ بهمُ الحال) ونحوه قوله أيضاً: (بدا حينَ أثرَى بإخوانهِ ... ففلل عنهمْ شباه العدمْ) (وذكره الحزمُ غبَ الأمور ... فبادَرَ قبلَ انتقال النعمْ) ومما هو في هذا السبيل ما كتب بعضهم: ما شخصتُ حتى شخص عقلي فصار عديلك واستقل ودي فأضحى زميلك ولا مطمع لي في مستقرهما حتى تستقر النوى بك وتحقق الأماني فيك ولك. وقال أبو تمام: (ليالي نحنُ في غفلاتِ عيش ... كأنَ الدهرَ منها في وثاقِ) (وأياماً لنا وله لدانا ... عرِينا في حواشيها الرقاقِ) وفي هذا الموضع أيضاً قوله:

стр. 551

(أأيامنا ما كنتِ إلا مواهباً ... وكنت بإسعافِ الحبيبِ حبائبا) (سنغربُ تجديداً لعهدك في البكا ... فما كنتِ في الأيام إلا غرائبا) وقلت في فضل الصديق على القريب: (رأيتُ بالودَ عن القربى غنى ... وليسَ بالقربَى عن الودِّ غنى) (وصاحب الودِّ حُسامٌ منتضى ... يزينُ في السلم ويكفي في الوغى) وقلت أيضاً في قوله: (ليسَ حدُ الحسام أكفى وأغنى ... من أخ ذي كفاية وغناءِ) (وأخُ المرءِ عصمةٌ في بلاءٍ ... يعتريهِ وزينةٌ في الرخاءِ) وقال شبيب بن البرصاء: (إذا المرءُ أغراهُ الصديقُ بدالهُ ... بأرض الأعادي بعض ألوانها الربد) ومن أجود ما قيل في الاغضاء عن الأخ قول النابغة: (ولستَ بمستبقٍ أخاً لا تلمهُ ... على شعثٍ إيُّ الرجالِ المهذبُ) وقال بشار بن برد: (إذا كنتَ في كلَ الأمورِ معاتباً ... صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتُبه) (فعشْ واحداً أو صِلْ أخاك فإنهُ ... مقارفُ ذنبٍ مَرَّة ومجانبهْ) (إذا أنتَ لم تَشرب مراراً على القذى ... ظمئتَ وأيُّ الناسِ تصفو مشاربُهُ) وقال آخر: ألبس أخاك على تصنُّعه ... فلربَّ مُفتضح على النص) (ما ظلتُ أفحص عن أخي ثقةً ... إلا ذممتُ عواقبَ الفحصِ) وقال آخر: (ومنْ ذا الذي ترضى سجاياهُ كلها ... كفى المرء نبلاً أن تعدَ معائيه) وكتب الصاحب في فصل: وتمثلت لي أخلاقك التي لولاها لم يسلس الماء ولم يرق الهواء ولم ترع الحقوق والذمم ولم يعرف المجد والكرم أخلاقٌ جددٌ غير

стр. 552

أخلاق لا تأخذ الأيام جدتها ولا تثهج الليالي بردتها. ومن جيد ما قيل في إظهار الرغبة في الإخوان قول أبي فراس بن حمدان: (قل لإخواننا الجفاةِ رويداً ... إذ رجونا إلى احتمال الملال) (إن ذاك الصدودَ من غير جُرم ... لم يَدَع فيّ موضعاً للوصال) (أحسنوا في وصالكم أو فسيئوا ... لاعدمناكم على كلَ حالِ) وقلت في معناه: (كم قد منحتك حسناً ... وليس منك جزاءُ) (ترَى يضرُّك أن لوْ ... يكون منك وفاءُ) (لا تبلنا بصدود ... إنَ الصدودَ بلاءُ) (بل مالنا منك بد ... فاصنع بنا ما تشاء) وأنشدنا أبو أحمد: (اذكر أخانا تولى اللهُ صحبتهُ ... إني وإن كنتُ لا ألقاهُ ألقاهُ) (اللَّهُ يعلمُ أني لستُ أذكره وكيفَ يذكره من ليس ينساه) وقال الخريمي: (أخٌ لي كَذوبُ الشهدِ طعمُ إخائهِ ... إذا اختلفتْ بيضُ الليالي وسودُها) (كأمنيةِ الملهوفِ حزماُ ونائلاً ... وعوناً على عمياءِ أمرٍ يكيدُها) (لهِ نعمٌ عندي ضعفتُ بشكرها ... على أنهُ في كلَ يومٍ يزيدُها) (تحملَ عني شكرها فأراحني ... وللشكرِ مرقاةٌ كؤودٌ صعودها) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدني أبو إسحاق الشطبي قال أنشدنا حماد الراوية:

стр. 553

(تصفحتُ إخواني بعينِ عنايةٍ ... فأصلحتُ منها كلَ ما أفسدَ الدهرُ) (وأرضاك عفو الشكر دونَ إجتهادهِ ... وفي دون ما أوليت ما اجتهد الشكرُ) ومن مليح ما قيل في مدح الزمان: (رقَ الزمانُ لفاقتي ... ورثى لطولِ تحرُّقي) (فأنالني ما أشتهي ... وأراحَ مما أتقي) (فلأعفرنَ له الكثيرَ ... من الذنوبِ السُّبَّقِ) (حتى جنايتهُ بما ... فعلَ المشيب بمفرقي) (في ذم الإخوان والرفقاء وما يجري مع ذلك) من قديم ما يروى في ذلك قول لبيد بن ربيعة: (ذهبَ الذين يُعاشُ في أكنافهمْ ... وبقيت في خلفٍ كجلدِ الأجربِ) وضمنه جحظة البرمكي فقال: (قومٌ أحوالُ نَيلَهم فكأنني ... حاولتُ نتفُ الشعرِ من آنافِهِمْ) (قمْ فاسقنيها بالكبيرِ وغنّني ... ذهبَ الذينَ يُعاشُ في أكنافهم) وأنشدنا أبو القسم عن العقدي عن أبي جعفر لأبي الشيص: (وصاحبٍ كان لي وكنتُ له ... أشفقَ من والدٍ على ولدِ) (كنا كساقٍ يمشي بها قدمٌ أو كذراعٍ نيطتْ إلى عضدِ) (حتى إذا دانت الحوادثُ منْ ... خطوي وحلَ الزمانُ من عقدي)

стр. 554

(أحولَّ عني وكان ينظرُ منْ ... عيني ويرمي بساعدي ويدي) (وكانَ لي مؤنساً وكنتُ له ... ليس بنا حاجةٌ إلى أحدِ) (حتى إذا استرفدتْ يدي يدَه ... كنت كمسترفدٍ يدَ الأسد) ومن جيد ما قيل في ذي الوجهين: (تعاشرُني ضحكاً كأنك ناصحٌ ... وعينك تُبدي أنَّ قلبك لي دوِي) (لسانك لي شهدٌ وقلبك علقمٌ ... وشرُّك مبسوطٌ وخيرك ملتوي (أراك إذا لم أهو شيئاً هويتهُ ... ولستَ لما أهوى من الشئ بالهوِي) (عدوُّك يخشى صولتي إن لقيته ... وأنت عدوِّي ليس ذاك بمستوي) (وكم موطن لولايَ طحتَ كما هوى ... بإجرامه من قُلة النيقِ مُنهوي) (كأنك ان قيل ابنُ عمك غانمٌ ... شج أو عميدٌ أو أخو مغلة جوي) (بدا منك غشٌ طالما قد كتمته ... كما كتمتَ داءَ ابنها أم مُدَّوِي) وقريبٌ من ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال أخبرنا أبو ذكوان عن الرياشي قال سمعت أبا عبيدة يقول دخل رجلٌ الكوفةَ فنزل بآل عطارد فلم يضيفوه ورأى لهم أبينةً عاليةً فقال ارتجالاً: (تناهوا برفع الدُّور حتى كأنها ... جبال وما شدى بخير شعابها) (فليسوا بفتيان السماحة والنَّدَى ... ولكن فتيانا تسوَّى ثيابها) (فقد أصبحتْ أضيافُ آل عُطارِدٍ ... خماصاً مطاياها خفاقاً عيابها) ومن ذلك قول الشاعر: (لعمري لقد أعطيتَ بُرداً وحُلةً ... وعراك من ثوبِ السماحةِ سالبهُ) (فما يكُ من خيرٍ فما تستطيعه ... وما يك من شرٍ فإنك صاحبُه) وقال يزيد المهلبي: (فإذا غنيت فكلهم لي خاتلٌ ... وإذا افتقرت فكلهم لي جافي) وما أكثر أحدٌ في ذم الزمان إكثار إبراهيم بن العباس فمن جيد قوله:

стр. 555

(كم أخٍ كانَ مني فلما ... أن رأى الدَهرَ جفاني جفاني) (مُستعدٌّ لي بسهم فلما ... أن أرى الدَّهرَ رماني رماني) وقال غيره: (إحذَرْ مودةَ ماذقٍ ... شابَ المرارةَ بالحلاوَهْ) (يُحصي العيوبَ عليك أيامَ ... الصداقةِ للعدواة) وقال إبراهيم: (بلوتُ الزمانَ وأهلَ الزَّمان ... وكلٌ بلومٍ وذمٍ حقيق) (فأوحشني من صديقي الزمان ... وآنسني بالعدو الصديق) وقوله: (أخ كنت آوي منهُ عندَ ادّكارِه ... إلى ظل آباءٍ من العزِ باذخ) (سمعت نوبُ الأيامِ بيني وبينه ... فأقلعنَ منا عن ظلومٍ وصارخ) (وإني وإعدادي لدهري محمداً ... كملتمس إطفاء نارٍ بنافخ) وقال بعض الجعفرين: (إن الجديدينِ في طولِ اختلافهما ... لا يفسدانِ ولكن أفسد الناسِ) (فلا يغرنك أضغانٌ مُزملةٌ ... قد يُركبُ الدبر الدامي بأحلاسِ) قالوا هو من قول زفر بن الحارث: (وقد ينبتُ المرعى على دِمن الثرىِ ... وتبقى حزازاتُ النفوسِ كما هيا) قالوا يعني الرجل يظهر لك الود ويضمر خلافه كالنبات الحسن ينبت على القذر فيصير رائق الظاهر خبيث الباطن، وقال آخرون: الدمنة حيثُ تنزلُ الإبلُ فتدمن بالأبوال والأبعار فلا تنبت شيئاً فإذا طال عليه العهد وسفته الرياح وأصابته السماء نبت بعد حين، فيقول قد ينبت ذاك وهو مما لا ينبت ويتغير بالنبات وتبقى حزازات القلوب لا تتغير، وهذا التفسير هو الصحيح لأن ألفاظ البيت تقتضيه والأول فاسدٌ لأنه ليس على مقتضاها. وقال أبو فراس بن حمدان في ذم الإخوان فأجاد: (تناساني الأصحابُ إلا عُصيبَةً ... ستلحقُ بالأخرى غداً وتحولُ)

стр. 556

(فمن قبلُ كانَ الغدرُ في الناس سُبّهً ... وذمَّ زمانٍ واستلامَ خليل) (وفارق عمرو بنُ الزبيرِ شقيقَه ... وخلّى أميرَ المؤمنين عقيلُ) (ومن الذي يبقى على الدهر إنهم ... وإنْ كثُرتْ دعواهمُ لقليلُ) (وصرنا نَرَى أنَّ المتارِكَ مُحسنٌ ... وان خليلا لا يضرُّ وصولُ) (أقلّبُ طرفي لا أرى غيرَ صاحبٍ ... يميلُ مع النعماءِ حيثُ تميلُ) وقلت: (إلى كم تستمر على الجفاء ... ولا ترعى حُقوقَ الأصدقاءِ) (فمن لي أن أرَى لك مثلَ فعلي ... فنصبح في الودادِ على استواءِ) (ألا أني لأعرفُ كلَ شئٍ ... سوى خلقِ الرعايةِ والوفاءِ) (عريتَ من الوفاءِ ليس بدعاً ... لأنك قد عريتَ من الحياءِ) (فإن ترجع إلى الحسنى وإلا ... فخيرُ سبيلنا تركُ اللقاءِ) (وإن كانَ التقاربُ ليس يُجدي ... فما الاجداءُ إلا في التنائي) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدني ابن لنكك البصري لنفسه يذم الزمان: (يا زماناً ألبسَ ... الأحرار ذلاً ومهانَهْ) (لستَ عندي بزمان ... إنما أنتَ زُمانَهْ) وقلت: (زمانٌ كثوبِ الغولِ فيهِ تلونٌ ... فأولهُ صفوٌ وآخرهُ كدرُ) وقال آخر في خلاف ذلك: (أرى حُللاً تصانُ على رجال ... وأعراضاً تهانُ فلا تصانُ) (يقولونَ الزَّمان به فسادٌ ... وهم فسدوا وما فسدَ الزَّمانُ) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر بن دريد: (مشى فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكبَ الأعالي بارتفاعِ الأسافلِ) وقال أبو الشعر موسى بن سحيم: (متى ما تفكر في الزمانِ وأهلهِ ... ثقل لاعبٌ هذا وليسَ بلاعبِ)

стр. 557

وأنشدنا الآخر أيضاً: (تبلدَ هذا الدهرَ فيما رَجوته ... على أنه فيما أحاذِره نَدب) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة لمحمد بن يعقوب بن داود: (لا تعجبنك عمامتي ... فالفقرُ من تحتِ العمامة) (والفقرُ في زمنِ اللئامَ ... لكلَ ذي كرم علامه) وقلت في قريب منه: (وليسَ ينفكُ كشخانٌ يجاذبنا ... علامةُ الحرَ أن يبلى بكشخانِ) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة البرمكي لنفسه: (ربَ قد ضاقت النفوسُ ... وقد قلَّت الحِيلْ) (فلكٌ لا يدورُ ... إلا بما تشتهي السفلْ) وقال أبو تمام: (على أنها الأيامُ قد صرنَ كلها ... عجائب حتى ليسَ فيها عجائبُ) (ومن عادةِ الأيام أنَّ صُروفَها ... إذا سرَ منها جانبٌ ساء جانبُ) وقال قابوس بن وشمكير: (قلْ للذي بصروفِ الدهرِ عيَّرنا ... هل عاندَ الدَّهرُ إلا من له خطرُ) (فإن تكنْ نشبتْ أيدي الزمانِ بنا ... ومسّنا من تمادي بُؤسه ضَررُ) (ففي السماءِ نجومٌ غير ذي عدد ... وليسَ يكسفُ إلا الشمسُ والقمرُ) (أما ترى البحرَ يعلو فوقه جيفٌ ... وتستقرُ بأقصى قعره الدُّرَر) وقريبٌ من هذا ما قلته: (إن كنتَ تسلم من شغبِ الزمان ولا ... أعطى السلامة منه كلما شغبا) (فالعاصفاتُ إذا مرَّتْ على شجرٍ ... حطمنه وتركن البقلَ والعشبا) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا جحظة البرمكي لنفسه في المعنى الأول:

стр. 558

(يقولونَ زُرنا واقضِ واجبَ حقنا ... وقد أسقطتْ حالي حقوقهمُ عني) (إذا أبصروا حالي ولم يأنفوا لها ... ولا لهم أنفتُ لهم منّي) وأنشدنا أبو علي بن أبي حفص قال أنشدني أبو جعفر للعطوي: (ليَ خمسونَ صديقاً ... بين قاضٍ وأميرِ) (لبسوا الوفرَ فلم أخلع ... بهمْ ثوبَ الفقيرِ) (كلهمْ كالَ ليّ الحر ... مانَ بالصّاعِ الكبيرِ) ومن ههنا أخذ ابن الرومي قوله: (سألتُ قفيزينِ من حنطة ... فجدتَ بكرٍ من المنع وافي) وقد تقدم. وقلت: (أليس صعباً أن ترى كاشحاً ... مالك يُدٌ من مداراته) (أصبحت في دار إساآته ... أعداد أنفاسي وساعاته) وأنشدني عم أبي لأبي الأسد الدينوري: (ليتك أدَّبتني بواحدةٍ ... تقنعني منك آخرَ الأبدِ) (تحلفُ لي لا تبرُّني أبداً ... فإنّ فيها برداً على كِبدي) (اشفِ فؤادي مِنِّي فإنّ به ... عليّ قرحاً نكأته بِيَدي) (إن كانَ رزقي إليك فارمِ به ... في ناظري حيةٍ على رصدِ) (فكيفَ أخطأت لا أصبت ولا ... تهضت من عثرة إلى سَدَدِ)

стр. 559

(لو كنتُ حُراً كما زعمت وقد ... كَدَدتني بالمطالِ لم أعُد) (لكنني عُدتُ ثم عُدت فإن ... عدتُ إلى مثلِ هذه فعد) (قد صرتُ من سوءِ ما بليتُ به ... أكْنَى أبا الكلبِ لا أبا الأسدِ) وقلت: (العين تذرف والفؤاد يذوبُ ... والوجد يحضر والعزاء يغيبُ) (ولقلة الكرماء أنت مضيعٌ ... ولكثرة الجهالِ أنت غريب) (تالله لم تخطئك أسباب الغنى ... إلا لأنك عاقلٌ وأديب) (فاصبر فقد عزّاك عن دركِ الغنى ... أن ليسَ يدركه أغرُ نجيبُ) (عابوا قطوبي ان تعذرَ مطلبي ... أرأيتَ بدراً ليس فيه قطوب) (وشحوب جسمي من مواصلة السرى ... هل من هلالٍ ليسَ فيهِ شحوب) (ولقد يَدلُ على كمال كرامتي ... أني إلى قلبِ الكريم حبيبُ) (ولقد جلا حزني وفرّج كربتي ... أنَّ اللئيم لرؤيتي مكروبُ) (لا تلعبنَ فمن ورائك طالبٌ ... ومن العجائبِ لاعبٌ مطلوبُ) وقال أبو تمام: (هب من له شئٌ يريدُ حجابهُ ... ما بال لا شئ عليه حجابُ) (ما زالَ وسواسي لقلبي خادعا ... حتى رجا مطراً وليس سحاب) (ما إنْ سمعتُ ولا أراني سامعاً ... يوماً بصحراء عليها بابُ) (ما كنت أدري لا دريت بأنه ... يجري بأفنية البيوتَ سرابُ) (فصل فيما قيل في فضل الوعد ومدح الإنجار) أخبرنا أبو أحمد قال أخبرنا الصولي قال حدثنا ابن زكريا عن ابن دينار قال حدثنا محمد بن عبيد الله العتبي قال كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد بن برمك في حاجة لرجل فقال عده عني قضاءها فقال وما يدعوك أعزك الله إلى العدة مع وجود القدرة؟ فقال له يحيى هذا قول من لم يعرف موضع الصنائع من القلوب إن الحاجة إذا

стр. 560

لم يتقدمها موعد ينتظر به تجحها لم تتجاذب الأنفس بسرورها ولم تتلذذ بتناولها وإن الوعد تطعم والإنجاز طعام. وليس من فاجأ طعام كمن وجد رائحته وتمطق له وتطعمه ثم طعمه فدع الحاجة تحتم بالوعد ليكون لها عند المصطنع حسن موقع ولطف محل وحلاوة ذوق. وأخبرنا أبو أحمد قال حدثنا الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد قال أخبرنا البحتري عن خارجة بن مسلم بن الوليد عن أبيه قال سألت الفضل بن سهل حاجةً فقال أسوفك اليوم بالوعد وأحبوك غداً بالإنجاز فإني سمعت يحيى بن خالد يقول المواعيد شباك الكرام يصطادون بها محامد الإخوان وإن كان المعطي لا يعد لارتفعت مفاخر إنجاز المواعيد وبطل فضل صدق القول. وقال عيسى بن ماهان لجلسائه إني أحب أن أهب بلا وعد وأحب أن أعد لأخرج بالإنجاز من جملة المخلفين وأدخل في عداد الوافين ويؤثر عني كرم المنجزين فإن من سبق فعله وعده وصف بكرمٍ فرد وسقط عنه جميع ما ذكرت. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال أخبرني عون بن محمد قال ذكر العتابي المأمون فقال إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ونتجه بالنجح وأرضعه بالزيادة وشيبه بالتعهد وهرمه باستتمامه من جهاته وهنأه بترك الامتنان به. ومن عجيب ما جاء في الحث على الإنجاز ما حدثني به أبو أحمد عن الصولي عن يموت بن المزرع قال حدثنا عبد الصمد بن المعذل قال شكا رجلٌ جعفر بن يحيى إلى أبيه بأنه وعده ومطل به. فوقع: يا بني أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى فكونوا سواءً في الأقوال والأفعال فإن الحر يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته فإن أخفق أمله كان سبباً لذمه واتهامه وسوء ظنه حتى يوارى قبح ذلك وحسن تقيته فأنجذ الوعد وإلا فقصر القول فإنه أعذر والسلام. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن يونس عن الحميدي عن سفيان قال سمعت الزهري يقول: حقيق على من أزهر بالوعد أن يثمر بالفعل. ومن جيد ما مدح به المنجز قول أبي تمام:

стр. 561

(نؤمُّ أبا الحسين وكان قدما ... فتى أعمارُ موعدة قصارُ) (تحنُ عِداته أثر التقاضي ... وتنتجُ مثل مانتج العِشارُ) وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المغيرة بن محمد قال كلم المأمون في الحسين ابن الضحاك الخليع أن يردَ عليهِ رزقه فقال المأمون: أليسَ هو القائل في الأمين: (فلَا فرحَ المأمون بالملك بعدَه ... ولا زال في الدنيا طريداً مشردا) فما زالوا به حتى أذن له أن ينشده فأنشده: (ابن لي فإني قد ظمئتُ إلى الوعدِ ... متى تنُجز الوعدَ المؤكّد بالعهدِ) (أُعيذك من صدَ الملوك وقد ترَى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجدِ) (فما لي شفيعٌ عندَ حُسنك غيرهُ ... ولا سببٌ إلا التمسك بالوُدَّ) (أيبخلُ فرد الحسنِ فرد صفاتِه ... عليّ وقد أفردته بهوى فردِ) فاستحسن الناسُ هذا التشبيب فلما قال: (رأى اللهُ عبد الله خير عباده ... فملكهُ واللهُ أعلم بالعبدِ) قال هذه بتلك وقد عفونا عنك. فقال يا أمير المؤمنين فأتبع عفوك بإحسانك فأمر برد أرزاقه عليه وكانت في كل شهر خمسمائة دينار فقال المأمون لولا أني نويت العفو عنه وجعلت ذلك وعداً له من قبل ما فعلته، وإنما ذكر العهد في تشبيبه فذكرنيه. وماأحسن ما قاله بعض ملوك العجم: البخل بعد وعد يضعف قبحه على البخل قبله فما قولك في أمر البخل أحسن منه وأجمل. (ما قيل في الضحك والبشر عند السؤال) أول من أتى بذلك زهير في قوله: (تراهُ إذا ما جئته مُتهلِّلاً ... كأنك مُعطيه الذي أنت سائلُهْ) ولو قال مكان (إذا ما جئته) (إذا ما سألته) لكان أجود. ومن الجيد في ذلك قول أبي نواس:

стр. 562

(بشرهمُ قبلَ النوالِ اللاحقِ ... كالبرقِ يبدو قبل جودٍ دافقِ) (والغيثُ يخفي وقعهُ المرامق ... إن لم يجده بدليلِ البارق) وأخذه أبو تمام هذا فقال: (يستنزلُ الأملَ البعيدَ ببشرهِ ... بُشرى المخيلة بالغياث المغدقِ) (وكذا السحائبُ قلما تدعو إلى ... معروفها الرُّوّاد ما لم تبرقِ) وتبعهُ البحتري فقال: (كانت بشاشُتك الأولى التي بدأتْ ... بالبشرِ ثم أقتبلنا بعدها النَّعما) (كالمُزنة استؤنفَتْ أولى مخيلتها ... ثم استهلت بغزر تابعَ الدِّيَما) وقال أبو عبد الله القطر بلي قلت للبحتري وقعت دون أبي تمام في هذا المعنى فقال لعمري ولكن سأرضيك فيه فقال في أبي الصقر: (يُوليك صدرَ اليوم قاصية الغنى ... بفوائد قد كنَّ أمسِ مواعدا) (سُوم السحائبِ ما بدأنَ بوارقا ... في عارضٍ إلا ثنينَ رواعدا) والرعد لا يكون إلا ومعه الغيثُ فكأنه قال إلا ثنين مواطراً ثم رده فقال: (إنما البشرُ روضةٌ فإذا ... أعقب بذلاً فروضةٌ وغدِيرُ) وقال البحتري: (ملكٌ عندهُ على كلَ حالِ ... كرمٌ زائدٌ على التقديرِ) (وكأنّا من وعدِهِ ونداه ... أبداً بين روضة وغدير) وقال: (ضحكات في إثرهنَّ العطايا ... وبروق السحابِ قبلَ رُعودهْ) وله أيضاًُ: (متهللٌ طلقٌ إذا وعدَ الغنى ... بالبشر أتبع بشرَه بالنائلِ) (كالمزن إن سطعتْ لوامعُ برقه ... أجلتْ لنا عن ديمة أو وابل) وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا الصولي لنفسه:

стр. 563

(لست تلاقي سائلاُ برد ... تعيد بشر سؤدد وتبدي) (كالبرقِ يأتيك أمامَ الرَّعدِ ... بشرى الغيوثِ بحبابِ رغدِ) (يلقى بك الطالبُ نجمَ السعدِ ... بلغت في الأعمار أقصى العدِ) (فصل في تعمية الأشعار) عمى عبد كان للأحول على أبي صالح محمد بن عبيد الله بيتاً غلط فيه ورسمه: (نظيف خفيف نظيف فايق ... نظيف مقيل بعلب نظيف) (طريف مدل فايق نظيف ... فايق مقبل نظيف فايق) (رشيق بدر معلب لمن ... نظيف مهذب معشوق نظيف) مهذب ملاحظ رشيق مغاضب نظيف. فأخرجه وكان البيت: (إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حفلُ) وكان الجواب الصادر: (ألا أيها الشخصُ الذي كان نزهة ... يحصِّنهُ سترٌ من الله مسبل) (لماذا هتكت الستر عنك تعمداً ... ولستَ بحمدِ اللهِ ممن يُجهل) (رأيتك قد عميتَ بيتاً رسمتهُ ... بكلَ خطاءٍ فهو مثلك أحولٌ) (وكان لمتبولِ الفؤادِ معذبٌ ... أخي حسرةُ بالهجرِ والصدِّ يُقتلٍِ) (فقالَ وقد رامَ السلوَ فلم يجد ... وبات كئيباً بالياً يتململُ) (إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حُفَّلُ) وعمى حمزة الأصفهاني على أبي جعفر محمد بن أيوب بيتاً رسمه: (نرجس خيري بنفسج حماحم ... شاهسفرم اقحوان نسرين) (نسرين أقحوان نسرين مرزنجوش ... ورد ياسمين نسرين) (زعفران نمام سُوسن أفرنجمشك ... آس منثور مرزنجوش) (بنفسج بلحية ياسمين مرزنجوس ... نسرين نمام منثور)

стр. 564

خيري منثور أقحوان زعفران سيسنبر خزامى بنفسج مرزنجوش. فأخرجه وكان البيت: (كفى حزناً أنَ الجوادَ مُقتَّرٌ ... عليهِ ولا مَعرُوفَ عند بخيل) فكان الجواب الصادر: (فِداك أبا يعلى أخٌ لك لم يَزَلْ ... يَعدُّك ذخراً عندَ كلَ جليلِ) إلى أن قال: (فقالَ وقد جابَ البلادَ فلم يجد ... أخا ثروةٍ يسخى لهُ بفتيل) (كفى حزناً أنَ الجوادَ مقترٌ ... عليهِ ولا معروفَ عندَ بخيلِ) ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي سعيد الأصفهاني وقد عمى عليه زياد بن جعفر الهمداني بيتاً فأخرجه وكان الجواب: (إذا العارضُ السحُ بالوبلِ جادا ... وأنزل غيثاً أغاثَ البلادا) (وأسرجَ فيهِ وميضُ البروقِ ... مصابيحَ تزهو منه اتقادا) (وثج فما شكَ ذو ناظر ... رأى سيلهُ أنَّ فيهِ مزادا) (فعمَ بشؤبوبه سادتي ... وخصَ بأغزرِ سقى زيادا) (زياد بن جعفر المستجار ... لصرفِ الزمانِ إذا ما تمادى) (فداؤك نفسي وإن سمتني ... غناءً طويلاً حماني الرُّقادا) (أتتني الطيورُ فساترنني ... ببيت تعمقت فيهِ عنادا) (إلى أن تمكنتُ من صيدها ... وقد صدتها إذ عرفتُ المصادا) (وقلتُ لها غرِّدي بالذي ... كتمتِ فأسرعنَ نحوي انقيادا) (وأنشدتُ بيتاً مُعادَ الفصول ... ولستَ ترى فيه معنى مُعادا) (ومن ذلَ قلَ ومن قلَ ذلَ ... ومن سادَ جادَ ومن جاد سادا) (أردتَ سقاطي فما نلتهُ ... فنلتُ المنى وبلغتُ المرادا) (وأبقاك ربي بقاء النعيم ... عليك وملاك منه وزادا)

стр. 565

وكتب إلى أبي عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي جواباً عن معمى: (دمعي على الخدِّ سكبُ ... ونارُ شوقي تشبُ) (وليس يبقى على ما ... يلقاه قلبي قلبُ) (للهِ عهد الليالي ... إذ مورد العيش عذبُ) (وإذ شبابيَ لدنٌ ... وغصنُ قدّي شطب) (يا جعفر القوم يا من ... يدعي إذا جلَ خطب) (فداكَ عبدٌ مشوقٌ ... إلى لقائك صبُّ) (أبعدتني وسواءٌ ... بعدٌ لديّ وقرب) (أخلاطٌ طيبٍ أتتني ... منها يبيسٌ ورطب) (قربتْها نارُ طبعٍ ... يدوم والنارُ تخبو) (عودٌ ومسكٌ ذكيٌ ... وعنبرٌ مستحبُ) (أوردتُها نارَ فكري ... ففاحَ شرقٌ وغرب) (وهبَ للفهم منها ... روائحٌ لا تهبُ) (فنلت بالشمِ مالم ... ينله عجمٌ وعُرب) (بيتا كما أهتزَ روضٌ ... أو أكملَ الوشي عصب) (شيبٌ وسنٌ وجهلٌ ... هذا لعمرك صعب) (بجعفرٍ وأخيه ... نالَ الورى ما أحبوا) (نفسي فداكم وما قد ... أهلَ يالحج ركب) (ذنبي انقطاعي إليكم ... إن عدَ للناس ذنب) (فذاك للخلق كهفٌ ... وذاك للمجدِ قطب) (ليثٌ إذا عضَ دهر ... غيثٌ إذا إشتدَ جدبُ) (لي منهما اليومَ رأىٌ ... يُرى غداً وهو كسبُ) والتعمية أن تجعل مكان كل حرف من البيت اسماً على مثال ما تقدم فإذا
следующие страницы →