Полный текст (608 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
(نؤمُّ أبا الحسين وكان قدما ... فتى أعمارُ موعدة قصارُ)
(تحنُ عِداته أثر التقاضي ... وتنتجُ مثل مانتج العِشارُ)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن المغيرة بن محمد قال كلم المأمون في الحسين ابن الضحاك الخليع أن يردَ عليهِ رزقه فقال المأمون: أليسَ هو القائل في الأمين:
(فلَا فرحَ المأمون بالملك بعدَه ... ولا زال في الدنيا طريداً مشردا)
فما زالوا به حتى أذن له أن ينشده فأنشده:
(ابن لي فإني قد ظمئتُ إلى الوعدِ ... متى تنُجز الوعدَ المؤكّد بالعهدِ)
(أُعيذك من صدَ الملوك وقد ترَى ... تقطع أنفاسي عليك من الوجدِ)
(فما لي شفيعٌ عندَ حُسنك غيرهُ ... ولا سببٌ إلا التمسك بالوُدَّ)
(أيبخلُ فرد الحسنِ فرد صفاتِه ... عليّ وقد أفردته بهوى فردِ)
فاستحسن الناسُ هذا التشبيب فلما قال:
(رأى اللهُ عبد الله خير عباده ... فملكهُ واللهُ أعلم بالعبدِ)
قال هذه بتلك وقد عفونا عنك. فقال يا أمير المؤمنين فأتبع عفوك بإحسانك فأمر برد أرزاقه عليه وكانت في كل شهر خمسمائة دينار فقال المأمون لولا أني نويت العفو عنه وجعلت ذلك وعداً له من قبل ما فعلته، وإنما ذكر العهد في تشبيبه فذكرنيه. وماأحسن ما قاله بعض ملوك العجم: البخل بعد وعد يضعف قبحه على البخل قبله فما قولك في أمر البخل أحسن منه وأجمل.
(ما قيل في الضحك والبشر عند السؤال)
أول من أتى بذلك زهير في قوله:
(تراهُ إذا ما جئته مُتهلِّلاً ... كأنك مُعطيه الذي أنت سائلُهْ)
ولو قال مكان (إذا ما جئته) (إذا ما سألته) لكان أجود. ومن الجيد في ذلك قول أبي نواس:
стр. 562
(بشرهمُ قبلَ النوالِ اللاحقِ ... كالبرقِ يبدو قبل جودٍ دافقِ)
(والغيثُ يخفي وقعهُ المرامق ... إن لم يجده بدليلِ البارق)
وأخذه أبو تمام هذا فقال:
(يستنزلُ الأملَ البعيدَ ببشرهِ ... بُشرى المخيلة بالغياث المغدقِ)
(وكذا السحائبُ قلما تدعو إلى ... معروفها الرُّوّاد ما لم تبرقِ)
وتبعهُ البحتري فقال:
(كانت بشاشُتك الأولى التي بدأتْ ... بالبشرِ ثم أقتبلنا بعدها النَّعما)
(كالمُزنة استؤنفَتْ أولى مخيلتها ... ثم استهلت بغزر تابعَ الدِّيَما)
وقال أبو عبد الله القطر بلي قلت للبحتري وقعت دون أبي تمام في هذا المعنى فقال لعمري ولكن سأرضيك فيه فقال في أبي الصقر:
(يُوليك صدرَ اليوم قاصية الغنى ... بفوائد قد كنَّ أمسِ مواعدا)
(سُوم السحائبِ ما بدأنَ بوارقا ... في عارضٍ إلا ثنينَ رواعدا)
والرعد لا يكون إلا ومعه الغيثُ فكأنه قال إلا ثنين مواطراً ثم رده فقال:
(إنما البشرُ روضةٌ فإذا ... أعقب بذلاً فروضةٌ وغدِيرُ)
وقال البحتري:
(ملكٌ عندهُ على كلَ حالِ ... كرمٌ زائدٌ على التقديرِ)
(وكأنّا من وعدِهِ ونداه ... أبداً بين روضة وغدير)
وقال:
(ضحكات في إثرهنَّ العطايا ... وبروق السحابِ قبلَ رُعودهْ)
وله أيضاًُ:
(متهللٌ طلقٌ إذا وعدَ الغنى ... بالبشر أتبع بشرَه بالنائلِ)
(كالمزن إن سطعتْ لوامعُ برقه ... أجلتْ لنا عن ديمة أو وابل)
وأنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا الصولي لنفسه:
стр. 563
(لست تلاقي سائلاُ برد ... تعيد بشر سؤدد وتبدي)
(كالبرقِ يأتيك أمامَ الرَّعدِ ... بشرى الغيوثِ بحبابِ رغدِ)
(يلقى بك الطالبُ نجمَ السعدِ ... بلغت في الأعمار أقصى العدِ)
(فصل في تعمية الأشعار)
عمى عبد كان للأحول على أبي صالح محمد بن عبيد الله بيتاً غلط فيه ورسمه:
(نظيف خفيف نظيف فايق ... نظيف مقيل بعلب نظيف)
(طريف مدل فايق نظيف ... فايق مقبل نظيف فايق)
(رشيق بدر معلب لمن ... نظيف مهذب معشوق نظيف)
مهذب ملاحظ رشيق مغاضب نظيف. فأخرجه وكان البيت:
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حفلُ)
وكان الجواب الصادر:
(ألا أيها الشخصُ الذي كان نزهة ... يحصِّنهُ سترٌ من الله مسبل)
(لماذا هتكت الستر عنك تعمداً ... ولستَ بحمدِ اللهِ ممن يُجهل)
(رأيتك قد عميتَ بيتاً رسمتهُ ... بكلَ خطاءٍ فهو مثلك أحولٌ)
(وكان لمتبولِ الفؤادِ معذبٌ ... أخي حسرةُ بالهجرِ والصدِّ يُقتلٍِ)
(فقالَ وقد رامَ السلوَ فلم يجد ... وبات كئيباً بالياً يتململُ)
(إذا قلتُ أسلو دامت العينُ بالبكا ... دماءً وحقنها مدامعُ حُفَّلُ)
وعمى حمزة الأصفهاني على أبي جعفر محمد بن أيوب بيتاً رسمه:
(نرجس خيري بنفسج حماحم ... شاهسفرم اقحوان نسرين)
(نسرين أقحوان نسرين مرزنجوش ... ورد ياسمين نسرين)
(زعفران نمام سُوسن أفرنجمشك ... آس منثور مرزنجوش)
(بنفسج بلحية ياسمين مرزنجوس ... نسرين نمام منثور)
стр. 564
خيري منثور أقحوان زعفران سيسنبر خزامى بنفسج مرزنجوش. فأخرجه وكان البيت:
(كفى حزناً أنَ الجوادَ مُقتَّرٌ ... عليهِ ولا مَعرُوفَ عند بخيل)
فكان الجواب الصادر:
(فِداك أبا يعلى أخٌ لك لم يَزَلْ ... يَعدُّك ذخراً عندَ كلَ جليلِ)
إلى أن قال:
(فقالَ وقد جابَ البلادَ فلم يجد ... أخا ثروةٍ يسخى لهُ بفتيل)
(كفى حزناً أنَ الجوادَ مقترٌ ... عليهِ ولا معروفَ عندَ بخيلِ)
ومن أحسن ما قيل في هذا قول أبي سعيد الأصفهاني وقد عمى عليه زياد بن جعفر الهمداني بيتاً فأخرجه وكان الجواب:
(إذا العارضُ السحُ بالوبلِ جادا ... وأنزل غيثاً أغاثَ البلادا)
(وأسرجَ فيهِ وميضُ البروقِ ... مصابيحَ تزهو منه اتقادا)
(وثج فما شكَ ذو ناظر ... رأى سيلهُ أنَّ فيهِ مزادا)
(فعمَ بشؤبوبه سادتي ... وخصَ بأغزرِ سقى زيادا)
(زياد بن جعفر المستجار ... لصرفِ الزمانِ إذا ما تمادى)
(فداؤك نفسي وإن سمتني ... غناءً طويلاً حماني الرُّقادا)
(أتتني الطيورُ فساترنني ... ببيت تعمقت فيهِ عنادا)
(إلى أن تمكنتُ من صيدها ... وقد صدتها إذ عرفتُ المصادا)
(وقلتُ لها غرِّدي بالذي ... كتمتِ فأسرعنَ نحوي انقيادا)
(وأنشدتُ بيتاً مُعادَ الفصول ... ولستَ ترى فيه معنى مُعادا)
(ومن ذلَ قلَ ومن قلَ ذلَ ... ومن سادَ جادَ ومن جاد سادا)
(أردتَ سقاطي فما نلتهُ ... فنلتُ المنى وبلغتُ المرادا)
(وأبقاك ربي بقاء النعيم ... عليك وملاك منه وزادا)
стр. 565
وكتب إلى أبي عبد الله جعفر بن القاسم الكرخي جواباً عن معمى:
(دمعي على الخدِّ سكبُ ... ونارُ شوقي تشبُ)
(وليس يبقى على ما ... يلقاه قلبي قلبُ)
(للهِ عهد الليالي ... إذ مورد العيش عذبُ)
(وإذ شبابيَ لدنٌ ... وغصنُ قدّي شطب)
(يا جعفر القوم يا من ... يدعي إذا جلَ خطب)
(فداكَ عبدٌ مشوقٌ ... إلى لقائك صبُّ)
(أبعدتني وسواءٌ ... بعدٌ لديّ وقرب)
(أخلاطٌ طيبٍ أتتني ... منها يبيسٌ ورطب)
(قربتْها نارُ طبعٍ ... يدوم والنارُ تخبو)
(عودٌ ومسكٌ ذكيٌ ... وعنبرٌ مستحبُ)
(أوردتُها نارَ فكري ... ففاحَ شرقٌ وغرب)
(وهبَ للفهم منها ... روائحٌ لا تهبُ)
(فنلت بالشمِ مالم ... ينله عجمٌ وعُرب)
(بيتا كما أهتزَ روضٌ ... أو أكملَ الوشي عصب)
(شيبٌ وسنٌ وجهلٌ ... هذا لعمرك صعب)
(بجعفرٍ وأخيه ... نالَ الورى ما أحبوا)
(نفسي فداكم وما قد ... أهلَ يالحج ركب)
(ذنبي انقطاعي إليكم ... إن عدَ للناس ذنب)
(فذاك للخلق كهفٌ ... وذاك للمجدِ قطب)
(ليثٌ إذا عضَ دهر ... غيثٌ إذا إشتدَ جدبُ)
(لي منهما اليومَ رأىٌ ... يُرى غداً وهو كسبُ)
والتعمية أن تجعل مكان كل حرف من البيت اسماً على مثال ما تقدم فإذا
стр. 566
مضت الكلمة تدير دائرة على ذلك حتى تأتي على آخر البيت. ووجه استخراج المعمى أن تنظر إلى الأسماء التي جعلت مكان الحرف فما تكرر منها وكثر في البيت فظن أنه للألف وربما لم يصدق هذا الظن ولكنه الأمر الأكثر فاطلب بعده اللام فإنها تقع بعد الألف كثيراً وانظر إلى ما طال في البيت من الكلمات فإذا رأيت الألف في أولها فظن بالثانية أنها لام وربما تكرر ذلك في موضعين من البيت وثلاثة، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضاً أن يقع بعد الاسم إذا ظننت أنه الألف حرفان على صورة واحدة في مثل اللبيب والليل والليث وفي قولك الله وما أشبه ذلك، ومما يستدل به على معرفة اللام أيضاً أن يقع في البيت كلمة على حرفين وقد عرفت الألف واللام فتكون الكلمة تزداد يقيناً في الألف واللام وإذا صحت لك الألف واللام رأيت في البيت كلمة على حرفين والثاني منهما ألف فظن أنها (ما) أو (ذا) أو (يا) لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا صحت الميم من (ما) ثم رأيت كلمة على حرفين فظن بها أنها (من) فإن رأيت كلمة على حرفين وأولها ألف فظن بالثاني أنه نون أو واو أو ميم، فإذا عرفت الألف في أول كلمة ورأيت قبلها حرفاً فظن أنه واو أو فاء أو باء أو كاف فإذا عرفت الألف ورأيتها وقد وقعت آخر البيت فظن بالحرف الذي قبلها أنه هاءٌ أو كاف لأن ذلك أكثر ما يقع فإذا تكررت لك هذه الحروف في البيت وقفت منه على أكثره، ثم تعمد إلى الحروف التي يقل تكرارها في البيت فتنظر إلى الكلمة الرباعية أو الخماسية فتظن أنها أبداً أن فيها أحد الحروف الستة اللام والراء والنون والفاء والتاء والميم لأنها لا تخلو من حرف منها أو حرفين. ولا ينفع ما مثلناه من هذه الأمثلة إلا مع جودة الفريحة وشدة الذكاء والفطنة ومع النشاط وصدق الشهوة. وذكر بعض أهل العلم وأظنه أبا الحسن العروضي أنه عمي له قول الشاعر:
(وكن ذاكراً بيت النويبغ إنه ... سيحلو على سمع اللبيب ويعذبُ)
فكانت تعميته: زيد بكر عمرو سعد بدر بكر بدر سهل صقر فهد بدر شهر
стр. 567
عمرو زيد صقر سهل رشد بدر عمرو حمد قصر عقر مكر شهر زيد بدر فخر شهر صقر قصر سلم فخر بدر شهر شهر سهل صقر سهل زيد صقر فخر سعد سهل صقر. قال فأول ما استخرجت منه الألف لأنها أكثر ما فيه من الحروف ثم عرفت بعدها اللام لأنهما واقعتان في قوله (النويبغ) وفي قوله (اللبيب) فلما صحت الألف واللام رأيت اللام قد تكرر فعلمت أنها لا تتكرر إلا في مثل اللبيب واللطيف وكان أقربها في ظني اللبيب، عمدت بعد ذلك إلى الكلمة الثالثة فرأيت الباء والياء فيهما وبقي الحرف الثالث فعرضته على الحروف فخرج لي بيت وبيد ويبش وبيض وبيع وبين فلم أجزم على شئ منها فتركتها موقوفة ثم قصدت إلى الكلمة السابعة فرأيت فيها اللام والباء فلم أشك أن الحرف الأول العين وأن الكلمة (على) ثم قصدت الكلمة الثامنة فرأيت العين في آخرها فطلبت على هذا المثال ما آخره عين فجاءني جمع ورجع ودمع وسمع فتركتها موقوفة ثم عمدت إلى الكلمة الأخيرة فرأيت فيها ما تبينته وعرفته الياء والعين والباء فعمدت إلى الياء والعين فوضعتهما مع سائر الحروف فخرج لي: يعتب ويعجب ويعذب ويعرب ويعطب وما شاكل ذلك فقابلت ما خرج من وجوه الكلمة الأخيرة على ما يقرب في المعنى مع إدخال اللبيب بينهما فصح لي أن الثامنة (سمع) وأن الأخيرة يعذب وعلمت أن زيداً في أول الكلمة الأخيرة واو فلما صح (على سمع البيب) لم أشك أن الكلمة السادسة (سيحلو) قد ظهرت فيه السين والياء واللام والواو والألف فلما عرضت الكلمة مع سائر الحروف لم يطابق يعذب في المعنى إلا يحلو فلما ظهر ذلك علمت بالمعنى والوزن جميعاً أن الذي ظهر من البيت يدل على أنه في ذكر شئ فيه كناية في وسط البيت وأولها ألف والنون تليها كثيراً فأدى الوزن إلى أن بعدها هاء وأن الكلمة (إنه) فلما ظهرت النون وكنت قد عرفت الواو من الكلمة الأخيرة علمت أن أول كلمة في البيت (وكن) بغير شك وأن الثانية (ذاكرا) لأن الذال ظهرت في يعذب والألف معروفة والكاف قد بانت من الكلمة الأولى والألف الثانية
стр. 568
معروفة بقيت الراء فلما عرضتها على سائر الحروف لم يجئ غير الراء ثم قصدت إلى الكلمة الرابعة فلم أجد فيها حرفاً غير ظاهر قد عرفته إلا الغين فقط فلم أدر ما هو فلولا أن الوزن أدى إليه بعد طول تعب لك يكن يظهر فلما علمت أنها (النويبغ) لم أشك أن الثالثة (بيت) وظهر البيت كله. ومن المعمى بغامض الحساب قول ابن طباطبا:
(إن رحت ما في يديه ملتمساً ... وكنتُ أشكو إليهِ ضيقَ يدي)
(أحصت ألوفا يسراهُ أربعة ... منقوصة سبعة من العددِ)
وفي هذا المعنى شئ كثير هذا أجوده فاعرف ذلك. وقلت في ضرب من المعمى:
(وأصفرٌ تحمرٌ أطرافه ... يا حسنهُ منْ مطرف مُعلمِ)
(صدَّره الانسانُ في بيتهِ ... وهو مهانٌ ليسَ بالمكرم)
(والمرءُ قد يعلو على ظهره ... وهو سليم الدِّين لم يأثم)
(وهو على ما كان من ذلّة ... سُمِّى باسم الملك الأعظمِ)
أعني حصيراً والملك يسمى حصيراً، قال الشاعر:
(ومقامه غلب الرّقاب كأنهم ... جندٌ لدى باب الحصير قيامُ)
وقلت:
(وميت لا يكاد المرء يدفنه ... إلا إذا عادَ حياً بعدما ماتا)
(وميّت غيبوا في الأرض جُثَّته ... عمداً لكي يجعلوا الأحياء أمواتا)
الأول الذكر والثاني الفخ. ومن مليح المعمى ما أخبرنا به أبو أحمد قال حدثنا ابن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثنا عبد الحميد بن عقبة قال حدثني أبو عثمان المازني قال هجا أبو عيينة إسماعيل بن جعفر بن سليمان بشعر موري فلم يفهمه وكان كلما جاءه من يأنس به عرضه عليه حتى دخل رجل فأقرأه إياه وهو قوله:
(إني أحاجيك فاعلمنَّ فما ... لؤلؤةٌ منك قد ثقبناها)
(وكرمةٍ من أبيك منبتها ... حتى إذا أينعتْ قطفناها)
(تخبرنا ما هما وما سُبُلٌ ... تشعبت منك قد سلكناها)
стр. 569
(لم نمش فيها ريثاً ولا عجلاً ... ولم نطأها وقد وطئناها)
(فإن تصبها فأنت ذو فطن ... وحاجتي أنْ تصيب معناها)
فقال أيها الأمير أنه كلامٌ ردئ أكره أن أستقبلك به فقال هاته قال أما اللؤلؤة فالبنت وأما الكرمة من أبيك فالأخت وأما السبل التي تشعبت فالأم لم نطأها بالاقدام ووطأناها بالفعل وقال الآخر يذكر دعوة يدعو بها على رجل:
(وسارية لم تسر في الأرض تبتغي ... محلاً ولم يقطع بها البيدَ قاطعٌ)
(سرت حيثُ لم تسرِ الركاب ولم تنخ ... لورد ولم يقصر لها القيد مانع)
(تكرّ وراءَ الليلِ والليلُ مظلمٌ ... إذا قرعَ الأبوابَ منهنّ قارعُ)
(إذا وفدت لم يردد اللهُ وفدها ... على أهلها واللهُ راءٍ وسامعُ)
(وإني لأرجو الله حتى كأنني ... أرى بجميلِ الظنّ ما الله صانعُ)
(أحسن ما قيل في تقبيل اليد)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن خالد عن أبي بكر بن محمد بن خلاد الباهلي عن محمد بن الفضل عن أبي الزناد عن عبد الرحمن عن ابن أبي ليلى عن عبد الله بن عمر قال كنت في غزوة في بعض مصالح رسول الله
فتلقانا العدو فحاص الناس حيصة فكنت فيمن حاص ثم قلنا حين رجعنا إلى أنفسنا كيف ننظر في وجوه القوم وقد بؤنا بغضب من الله ثم قلنا نأتي المدينة فنبيت بها ثم نخرج فلا يرانا أحدٌ فلما أتينا المدينة قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله
فأتيناه فلما خرج إلى الصلاة قلنا يا رسول الله نحن الفرارون. قال (بل أتنم الكرارون) فقبلنا يده قال ثم قلنا يا رسول الله إنا هممنا بكذا فقال إنا فئة المسلمين ثم قرأ ﴿إلا متحرفا فالقتالِ أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغض من الله﴾ . وبإسناد لنا أن ابن أبي ليلى قبل يد أبي مسلم فقال له رجل أتقبل يد أبي مسلم فقال له رجلٌ أتقبل يد أبي مسلم؟ قال أو ليس أبو عبيدة قبل يد عمر؟ قال أوتجعل أبا مسلم مثل عمر؟ قال أوتجعلني
стр. 570
مثل أبي عبيدة. وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زكريا عن محمد بن عبيد الله العتبي قال قبل رجلٌ يد المهدي فقال يد أمير المؤمنين أحق يد بتقبيل لعلوها في المكارم وطهرتها من الماء ثم وأنك ليوسفي العفو إسمعيلي الصدق شعبي الرفق فمن أرادك بريدة خوف أو سوء فجعله الله طريد خوفك وحصيدة سيفك. ومن أجود ما قيل في ذلك من الشعر ما أنشدنا أبو أحمد عن الصولي لإبراهيم بن العباس في الفضل بن سهل قال أنشدنا ثعلب وأبو ذكوان:
(لفضلِ بن سهل يدٌ ... تقاصرَ عنها المثلْ)
(فبسطتها للغِنى ... وسطوتُها للأجل)
(وباطنها للندَى وظاهرُها للقبل)
فأخذه ابن الرومي فقال للقسم بن عبيد الله ﵀:
(أصبحتَ بين خصاصةٍ وتجمّل ... والمرءُ بينهما يموتُ هزيلا)
(فأمدد إليّ يداً تعوَّد بطنُها ... بذلَ النوالِ وظهرها التقبيلا)
وقال أيضاً
(له راحةٌ فيها الحطم وزمزم ... )
وقلت:
(فظاهرُها للناس ركنٌ مقبلٌ ... وباطنهُا عين من الجواد عيلم)
(هو البحر لاعينٌ من الجودِ عيلمٌ ... عفاء على عين من الجود عيلم)
(يجلُ عن تقبيلِ ظاهرِ كفه ... وباطنها عن أن تقاس بزمزم)
ومما جاء في كراهة ذلك ما أخبرنا به أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العتبي قال إستأذن رجل هروان الجعدي في تقبيل يده فأبى وقال إنها لمن العربي ذلة ومن العجمي خدعة فلا حاجة لي في أن تذل لي أو تخدع فاعفني من ذلك.
(الحض على السلام)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن إبراهيم بن عبد الله النمري عن الضحاك بن مخلد عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله & (إذا
стр. 571
جاء أحدكم المجلس فليسلم فإن قام والقوم جلوس فليسلم فإن الأولى ليست بأحق من الآخرة) وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن إبراهيم بن فهد عن عبد الله بن رجاء عن سعيد بن سلمة عن أبي بكر عن نافع عن ابن عمر أن رجلا مر برسول الله
وهو يهرق الماء فسلم عليه الرجل فرد عليه فقال إنه ما حملني على الرد عليك إلا أني خشيت أن تقول سلمت عليه فلم يرد علي فإذا رأيتني هكذا فلا تسلم علي فإنك إن تفعل لا أرد عليك السلام) وعنه ﵇ (تمام التحيةِ أخذٌ باليد) وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العباس بن بكار عن المفضل الضبي عن جدته عن مكعت الأسدي قال أتيت رسول الله ﷺ فقلت:
(يقولُ أبو مُكعت صادقاً ... عليك السلامُ أبا القاسم)
(سلام الإله وريحانه ... وروح المصلين والصائم)
فقال رسول الله
(عليك السلامُ تحيةُ الموتى) قال المصنف تقول العرب للميت (عليك السلام) قال الشاعر:
(عليك أبا بشر سلامٌ ورحمةٌ ... وقد بنْتَ منا كلنا لك حامدُ)
(فلا يُبعدَنك اللهُ ميتاً فإنما ... حياةٌ الفتى سيراً إلى الموتِ قاصدُ)
وقال عبدة بن الطبيب:
(عليك سلامُ الله قيس بن عاصم ... ورحمتهُ ما شاءَ أنْ يترحما)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن ابن عائشة قال دخل الحسن بن الكناني على عبد الله بن جعفر ذي الجناحين فأنشده قوله فيه:
(عليك السلامُ أبا جعفرٍ ... وسيد فهر لدى المحضر)
(فأنتَ المهذَّبُ من هاشم ... وخير قريشٍ إذا تذكر)
стр. 572
فقال له عبد الله أخطأت مرتين (عليك السلام) أكثر ما تستعمل هذه للأموات وقد أمكنك أن تقول (سلامٌ عليك أبا جعفر) ثم جعلت لي ما كان لرسول الله
ووصفتني بصفته، قال فاستمع البيت الذي سقت له ما سقت قال هاته فقال:
(فهذي ثيابي قد أخلقتْ ... وقد عضَّني زمنٌ منكرُ)
فقال عبد الله هذي ثيابي لك بها، ودعا بغيرها ودفعها إليه.
(السلام على الكفار)
حدثنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن العباس بن بكار عن أبي بكر الهذلي قال سلم نصراني علي الشعبي فقال له الشعبي وعليك السلام ورحمة الله، فقال له رجل سبحان الله تقول لهذا النصراني ورحمه الله! فقال الشعبي أليس في رحمة الله يعيش قال بلا قال فما وجه الإنكار علي عافاك الله تعالى وإيانا برحمته.
(رد السلام بالإشارة)
حدثنا أبو أحمد عن الصولي عن العباس بن الفضل الأسفاطي عن ثابت عن عبد العزيز عن هشام بن سعدٍ عن نافع عن عبد الله قال خرجنا مع رسول الله
إلى البقيع فقام فصلى فجاءت الأنصار تسلم عليه قال فسألت بلالاً كيف كان يردُ عليهم قال كان يشير إليهم بيده. وأنشدنا عنه عن محمد الأسدي عن أبي هفان عن أبي محلم لأبي طراد أسعد بن البكا البكري:
(مررنا فقلناها السلام عليكمُ ... فبلغها ضيق المحل غَيورُ)
(وما كنت أدري أن في الخير ربية ... ولا إنّ رجعاً بالسلام يضير)
(ما جاء في المصافحة)
وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الأسفاطي عن يعقوب بن حميد عن إسحاق ابن إبراهيم بن سعيد عن صفوان بن سليم عن إبراهيم بن عبيد بن رفاهة عن ابن
стр. 573
أبي ليلى عن حذيفة قال قال النبي & (إذا لقي المؤمن المؤمن فصافح أحدهما صاحبه تناثرت الخطايا بينهما كما يتناثر ورق الشجر) . وقال الحسن: المصافحة تزيد المودة. وحدثنا عنه عن الغلابي عن ابن عائشة قال دخل سوار العنبري على المنصور فقال يا أمير المؤمنين على ما أحدث الناسُ اليوم أم على ما كان عليه الأوائل؟ قال بل على ما كان عليه، فدنا فصافحه. وأخبرنا عنه قال سمعت إبراهيم بن المنذر يقول دخل الفقهاء على المتوكل ونحن وقوف بين يديه فاستدناهم فكلٌ قبل يده إلا إسحاق بن إسرائيل فإنه قال يا أمير الؤمنين ما ينقصك أن أقبل يدك ولم يقبل يد المتوكل وقد حدثني الفضل ابن عياض عن هشام بن حسان عن الحسن قال المصافحة تزيد في المودة ويبقى بها المؤمنين فبسط المتوكل يده فصافحه، وصله المتوكل بأكثر مما وصل به أصحابه. وأنشدنا عنه عن أحمد بن إبراهيم المازحي لبعض شعراء الشام:
(تصافحت الأكفُ وكان أشهى ... إلينا لو تصافحت الخدُودُ)
(نموت إذا التقى كفٌّ وكفٌّ ... فكيفَ إذا التقى جيدٌ وجيد)
وقال آخر:
(فصافحتُ من لاقيتُ في البيتِ غيرها ... وكلُ الهوَى مني لمنْ لم أصافحْ)
وقال أبو العتاهية يهجو عبد الله بن معن بن زائدة:
(أختُ بني الشيبان مرَّتْ بنا ... ممسوطةً كوراً على بغلِ)
(قد نقطتْ في كفِّها نقطةً ... مخافةَ العينِ من الكحلِ)
(لقيتهُ يوماً فصافحته ... فقال دع كفي وخذ رجلي)
(حياك الله وبياك)
معنى حياك الله سلام عليك، والتحية أيضاً الملك فحياك الله على هذا التأويل ملكك الله، والتحية البقاء، وهو على هذا التأويل أبقاك الله، قال الأصمعي بياك
стр. 574
أضحكك، وقال علي الأحمري أرادوا بوأك منزلاً فقال بياك للاتباع كما قالوا الغدايا والعشايا، وقال ابن الأعرابي معناه قصدك بالتحية وبيت الشئ قصدته واعتمدته. وحدثنا عنه عن زياد بن خليل التستري عن إبراهيم بن بشار الرمادي عن سفيان عن محمد بن سوقة قال أتانا ميمون بن مهران فقلت له حياك الله فقال مه هذه تحية الشباب قل حياك الله بالسلام. وحدثنا عنه عن المغيرة بن محمد عن إسحاق الموصلي قال نزل الطماح العقيلي بقوم من بني تميم فأحسنوا إليه فأراد الرحيل عنهم فقال:
(حيَّاكم اللهُ فإني مُنقلبْ ... بشكرِ إحسانكم كذا يجبْ)
(وإنما الشاعر كالكلبِ الكلِب ... يملك عند رغبٍ وإنْ رهبْ)
(لا يرعوي لمبغض ولا مُحبّ ... أكثر ما يأتي على فيهِ الكذبْ)
وأنشدنا عنه عن المبرد لعمارة:
(حيَّا الآله خيالها من دانِ ... لو كانَ زارَ زيارةَ اليقظان)
(لو كانَ عَرَّج أو تعللَ ساعة ... حتى نسأله عن الأوطانِ)
(كفانِ شيدتا بناءَ محامدٍ ... لمهذّبٍ هشّ أخي إخوان)
(تلقى له دعة الكهولِ وحلمهم ... وتقاهُم وحلاوة الفتيان)
وأنشدنا عنه عن أحمد بن إبراهيم:
(حياكَ من لم تكن ترجو تحيتهُ ... لولا الدراهمُ ما حّياكَ إنسانُ)
(قولهم مرحبا)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن محمد بن زيد المبرد النحوي عن أبي عثمان المازني قال لما أتى الرشيد الرقة تلقاه محمد بن ذؤيب العماني فأنشده:
(هارون يا ابن الأكرمينَ حسباً ... لما ترحَّلتَ وكنتَ كثبا)
(من أرض بغداد تؤم المغربا طابت لنا ريح الجنوب والصبا)
стр. 575
(ونزلَ الغيثُ لنا حتى رَبا ... ما كانَ من نشرٍ وما تصوّبا)
(فمرحباً ومرحباً ومرحبا ... )
فقال الرشيدُ وبك مرحباً وأهلا، ووصله بصلة سنية. وحدثنا عنه عن عبيد الله بن عبد الله قال لما دخل أبو مضر أنشده سعيد بن الوليد المعروف بالبطين:
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الجودِ طاهرِ بن الحسينِ)
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي الغرتينِ في الدولتينِ)
(مرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً ... بابن ذي المحتدينِ في المصرينِ)
(مرحباً مرحباً بمن كفهُ البحرُ ... إذا فاضَ مُزبد العبرينِ)
فوصله وقدمه. وقديماً ما استعلموا مرحباً في كلامهم، (ومنه) قول طفيل الغنوي:
(وبالسهل ميمون النقيبةِ قوله ... لملتمس المعروفِ أهلٌ ومرحبُ)
وأخبرنا عنه عن محمد بن العباس اليزيدي عن محمد بن الحسن الزرقي عن الحسين بن علي العلوي المديني عن بعض أصحابه عن المازني قال كان أعرابي يلزمنا وكان فصيحاً فقال له علي بن جعفر بن سليمان وكان جافياً لا يعطيه شيئاً إلا مرحباً فقال فيه الأعرابي:
(وما مَرْحباً إلا كريح تنسمتْ ... إذا أنتَ لم تخلطْ نوالاً بمرحبِ)
ومثل هذا قول جحظة البرمكي:
(قائلٌ إن شدوتُ أحسنتَ زدني ... وبأحسنتَ لا يباعُ دقيقُ)
وأخبرنا عنه عن أبي العيناء قال استأذن رجل على الحسن بن سهل فقيل له من أنت قال رجل أمر له الأمير يوم كذا بعشرة آلاف درهم فأمر بإدخاله فلما رآه قال مرحباً بمن توسل إلينا بنا وشكر إحساننا إلينا، وأكرمه. وأخبرنا عنه قال سمعت إبراهيم بن المدبر الكاتب الضبي يثني على ابن الجهم في
стр. 576
صداقته ومروءته فقال في ذلك كنت واقفاً بين يدي المتوكل وقد جئ برأس إسحاق بن إسماعيل وجهٍ به بغا، فارتجل علي بن الجهم شعراً وقال:
(أهلاً وسهلاً بك من رسول ... جئتَ بما يشفي من الغليلِ)
(بجملة تغني عن التفصيلِ ... برأس إسحاق بن إسماعيل)
ومر بأبيات فاستحسن ذلك المتوكل ووصله بصلةٍ سنية، قال وأنشدني ثعلب:
(فمالك نعمةٌ سلفتْ إلينا ... وكيفَ وأنتَ تبخلُ بالسلامِ)
(سوَى أن قلتَ لي أهلاً وسهلاً ... وكانت رَمية من غير رام)
وقلت:
(تضنُ بتسليم وزورةِ ساعةٍ ... فكيفَ يُرَجّى جودُ كفيك بالوفرِ)
وأنشدنا عنه عن أبي موسى محمد بن موسى مولى بني هاشم قال أنشدني عبد السلام ابن رغبان الحمصي المعروف بديك الجن لنفسه:
(بأبي وإن قلتُ لهُ بأبي ... من ليسَ يعرفُ غيرَه أربي)
(قَرْطسْتُ عشراً في مَوَدَّتهِ ... لبلوغِ ما أمّلتُ من طلبي)
(ولقد أراني لو مددْتُ يدي ... شهرين أرمي الأرضَ لم أصب)
أنشدنا عنه قال أنشدنا عبد الله بن المعتز لنفسه:
(قلتُ يوماً لها وحركتِ العود ... بمِضرابها فغنَّتْ وغنَّى)
(ليتني كنتُ ظهرَ عودِك يوماً ... فإذا ما أخذتهِ صرتُ بطنا)
(فبكتْ ثم أعرضتْ ثم قالتْ ... مَن بهذا أنباكَ في النومِ عنّا)
(قلتُ لما رأيتُ ذلك منها ... بأبي ما عليك أنْ أتمَنَّى)
قال وسمعت محمد بن عبيد الله بن يحيى الوزير يقول دخل أبو العيناء إلى أبي فقال له كيف حالك فقال أبو العيناء أنت أعزك الله الحال فانظر كيف أنت لي فوصله ووقع له بأرزاقه وحدثنا عنه عن عون بن محمد الكندي عن عبيد الله. عمر قال قيل لرجل من قريش كيف حالك؟ فقال كيف حالُ من يهلك ببقائه ويسقم بصحته ويؤتى من مأمنه. ومثله:
стр. 577
(ما حال من آفته بقاؤه ... نغصَ عيشي كله فناؤه)
وقال سعيد بن حميد:
(لكَ عبدٌ فلو سألت ... بهِ كيفَ حالهُ)
(يا قريباً مزارهُ ... وبعيداً نوالهُ)
(حاضراً لي صدوده ... حينَ يرجى وصاله)
(مسعدٌ لي مقاله ... فاتكٌ لي مطاله)
(محسنٌ في كلامه ... ومسئٌ فعالهُ)
(ما جاء في أطال الله بقاك)
أول من قاله عمر ﵁ روى عن رفاعة بن رافع قال شهدت نفراً من أصحاب رسول الله
فيهم عمر وعثمان وعليٌ وطلحة والزبير وسعدٌ يذكرون الموؤدة فاختلفوا فيها فقال عمر أنتم أصحاب رسول الله
تختلفون فكيف بمن بعدكم فقال عليٌ ﵇ إنها لا تكون موؤودة حتى يأتي عليها الحالات السبع فقال له عمر صدقت أطال الله بقاك. قال ابن لهيعة المعنى لا تكون موؤدة حتى تكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم لحماً ثم تظهر ثم تستهل فحينئذ إذا دفنت فقد وئدت وليس كما يقول بعض الناس إن المرأة إذا تدوات فأسقطت فقد وأدت. وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد ابن يحيى عن عبد الله بن شبيب قال كتب إلي بعض إخواني من البصرة إلى المدينة: أطال الله بقاك كما أطال جفاك وجعلني فداك إن كان في فداؤك شعر:
(كتبت ولو قدرتُ هوىً وشوقاً ... إليك لكنتُ سطراً في الكتاب)
قال الشيخ أبو هلال رحمه الله تعالى: والبيت لأبي تمام.
(جعلت فِداك)
دخل الزبير على النبي & وهو عليلٌ فقال ما يعمدك جعلني الله فداك فقال
стр. 578
النبي & (يا زبير أما تركتَ أعرابيتك بعدُ) وحدثنا عنه عن يحيى بن علي عن أبي أيوب المديني عن إسحاق قال حجبني خادمٌ لجعفر بن يحيى يقال له نافذ فانقطعت عنه فسأل عني فعرفه سبب انقطاعي فقال قل له إن حجبك إنسانٌ فافعل به لا يكنى قال فجئت فحجبني فكتبت إليه ارتجالاً في الحال:
(جُعلتُ فداءَك من كلِّ سوءٍ ... إلى حسنِ رأَيك أشكو أُناساً)
(يحولونَ بيني وبينَ الدخولِِ ... فما أنْ أسلم إلا اختلاسا)
(وأنفذتُ أمركَ في نافذٍ ... فما زاده ذاك إلا شِماسا)
فضحك لما قرأ الأبيات وأدخلني وقال أفعلت يا أبا إسحاق فقلت بعض ذلك، وتقدم إلى نافذ وغيره أن لا أحجب متى حضرت.
(دعاء المكاتبة)
حدثنا عنه عن أبي ذكوان قال سمعت إبراهيم بن العباس يقول ما أظن قول الكتاب: وقدمني الله قبلك مأخوذ إلا من قول الأغر بن كاسر في أخيه صقر:
(أخي أنت في دينٍ ودُنيا كلاهما ... أسرُ بأن تبقى سليماً وأفخرُ)
(إذا ما أتى يومٌ يفرِّقُ بيننا ... بموتِ فكن أنت الذي يتأخر)
فقيل له هذا يروى لحاتم فقال وما على من لا يدري أن ينسب شيئاً إلى غير قائله. فأما قولهم (وأتم نعمته عليه وزاد في إحسانه إليه) فهو من قول عدي بن الرقاع:
(صلّى الآله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها)
قالوا وأول من قال (وأسأله أن يصلي على محمد) إسحاق بن سليمان بن علي. وأنشد للسري في ضد قولهم مت قبلك وإن الحظ عنده أن يكون هو ومن يحب يموتان في وقت واحد:
(لامت قبلك يا أخي لا باخلاً ... بالنفسِ عنك ولا تمتْ قبلي)
(وبقيتَ لي وبقيتُ فيك مُمتَّعاً ... بالبرَ والنعماءِ والفضلِ)
стр. 579
(حتى إذا قصد الحمامُ لنا ... من بعدِ عمرٍ وارد الحبل)
(مُتنا جميعاً لا يُؤخَّرُ واحد ... عن واحدٍ لمرارةِ الثكلِ)
(وكفاك من نفسي شهيدٌ ناطقٌ ... يا صاحِ أنك عندها مِثلي)
وفي نحو ذلك قول الآخر:
(إني لأشفقُ أن أُؤخرها ... بعدي وأكره أن أقدِّمها)
وقال يعقوب بن الربيع:
(فلو أنها إذْ حانَ وقتُ حِمامها ... أحكمُ في أمري لشاطرتها عمري)
(فحلّ بنا المقدارُ في ساعة معاً ... فماتت ولا أدري ومتُ ولا تدري)
وقريب منه قول الآخر:
(لا متَّ من قبلي ولا متُ من ... قبلك بل عشنا إلى الحشرِ)
(حتى نُوافي الموتَ في ساعةٍ ... لا أنتَ تدري بي ولا أدري)
(كيف أصبحت)
حدثنا عنه عن أيوب بن سليمان بن داود المهلبي عن محمد بن عباد قال كان جرير ابن حازم يقول: العربُ تقول كيف أصبحت من نصف الليل إلى نصف النهار وكيف أمسيتَ من نصف الزوال إلى نصف الليل الأول، وتقول في يومك كان الليلة كذا إلى الزوال فإذا زالت الشمس قلت البارحة، هذا معروفٌ عندهم، وحدثنا عنه عن الفضل بن الحباب عن التنوخي قال العرب تقول صبحتك الأنعمة بطينات الأطعمة وحدثنا عنه عن البلعي عن أبي حاتم عن الأصمعي قال قيل لأبي عمرو بن العلاء كيف أصبحت قال أصبحت كما قال الربيع بن ضبع الفزاري:
(أصبحتُ لا أحملُ السلاحَ ولا ... أملكُ رأسَ البعيرِ إن نفراً)
(والذَّئْبُ أخشاهُ إن مررتُ بهِ ... وحدي وأخشى الرياحَ والمطرا)
وحدثنا عنه عن أبي ذكوان عن التنوخي عن الفراء قال كنتُ عند الكسائي
стр. 580
فقال له رجلٌ كيف أصبحت؟ فقال أصبحت كما قال الصمة بن عبد الله بن طفيل القشيري:
(أصبحتُ مالي من عز ألوذ بهِ ... إلا التعرز بعد السيف والبدن)
(تعرضة جانب الأدنون جانِبها ... والأهلُ بالشام والإخوانُ باليمنِ)
وأنشدنا عنه قال أنشدنا محمد بن يزيد المبرد النحوي قال أنشدني المازني عن أبي زيد:
(كيف أصبحتَ كيف أمسيتَ مما ... يثبتُ الودَ في فؤادِ الكريمِ)
وحدثنا عنه عن محمد بن الفضل بن الأسود عن عمر بن شبة عن الحسين ابن الضحاك الخليع قال كنت في المسجد الجامع بالبصرة إذ دخل علينا أبو نواس وعليه جبة خز جديد فقلتُ له من أين لك هذه يا أبا علي؟ فلم يخبرني فتوهمت أنه أخذها من مويس بن عمران لأنه دخل من باب بني تميم فقمت فأجد مويساً وقد لبس جبة أخرى فقلت:
(كيف أصبحتَ يا أبا عمرانِ ... يا كريمَ الإخاءِ والإخوانِ)
فقال صبحك الله به وأسمعك خيراً. فقلتُ:
(إنَ لي حاجةً فرأيك فيها ... إننا في قضائها سيانِ)
فقال هاتها على اسم الله تعالى فقلت:
(جُبة من جبابك الخزِّ حتى ... لا يراني الشتاءُ حيثُ يراني)
قال خذها، ومد كمه فذرعتها وجئت فقال أبو نواس من أين لك هذه؟ قلت من حيثُ كانت لك تلك. وحدثنا عنه عن وكيع عن علي بن عبد الله بن حمزة بن عتبة اللهبي قال دخلت على محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزومي أعوده فقلت له كيف أصبحت فقال كما قال الشاعر:
стр. 581
(إن الليالي أسرعت في نفضي ... أخذن بعضي وتركن بعضي)
(أقعدني من بعد طول نهضي ... )
وقيل لأعرابي كيف أصبحت؟ فقال أصبحت والله كما قال الشاعر:
(يا خيرُ إني قد جعلتُ أشتمر ... أرفعُ من ثوبيَ ما كنت أجُرّ)
وحدثنا عنه عن الغلابي عن محمد بن عبد الرحمن التيمي عن أبيه قال لقي بكر بن عبد الله المزني أبا تميمة الهجيمي فقال كيف أصبحت أبا تميمة؟ فقال أصبحت بين ذنوب قد سترها الله علي ما يقدر أحدٌ أن يعيرني منها بذنب وبين محبةٍ قد ألقاها الله في قلوب الناس لستُ لها بأهل وقد خفتُ أن أهلك بين هذين وأنا ضعيف الشكر. قال وقيل لقريبة الدبيرية كيف أصبحت؟ فقالت:
(بخيرٍ على أنَّ النوَى مطمئنةٌ ... بليلى وإنَ العينَ يجري مَعينها)
وقيل لأعرابي كيف أصبحت؟ قال بخير أحتسب على الله بالحسنةِ ولا أحتسب على نفسي بالسيئة. وقال رجلٌ لأبي العيناء وقد كبر وضعف: كيف أصبحت؟ فقال في الداء الذي يتمناه الناس لأعدائهم. وحدثنا عنه عن الغلابي عن إبراهيم عن عمر عن أبي عبيدة قال قيل للنمر بن تولب كيف أصبحت يا أبا ربيعة؟ فقال ارتجالاً على البديه:
(أصبحتُ لا يحملُ بعضي بعضا ... أشكو العروقَ النابيات نبضا)
(كما تشكي الأرجبي الغرضا ... كأنما كان شبابي قرضا)
وحدثنا عنه عن القاسم بن إسماعيل عن محمد بن سلام عن ابن داب قال قيل لمحارب بن دثار كيف أصبحت؟ فقال أصبحت كما قال الشاعر الأعشى:
(أرقتُ وما هذا السهادُ المؤرِّقُ ... وما بي من سُقمٍ وما بي عشقُ)
(ولكنْ أراني ما أزال بحادثٍ ... أغادي بما لم يُمسِ عندي وأطرقُ)
وحدثنا عنه عن المقدمي عن أبي عمر بن خلاد قال قال الربيع الحاجب لأبي العتاهية كيف أصبحت فقال:
стр. 582
(أصبحتُ والله في مضيق ... هل منْ دليلٍ على الطريقِ)
(أفٍ لدنيا تلاعبتْ بي ... تلاعبَ الموج بالغريقِ)
(أصبتُ فيها دُريهماتٍ ... فبغضتني إلى الصديقِ)
وحدثنا عنه عن علي بن الصباح عن بشر بن مسعود المازني قال كان لسفيان بن عيينة جارٌ سئ الحال فحسنت حاله فقال له سفيان كيف أصبحت وكيف حالك لقد سررت بما صرت إليه بعد غم بما كنت فيه فدعا الرجل له ومضى، فقال له بعض جلسائه كيف تكلم هذا؟ قال هو جارٌ قال إنه قد صار صراطاً لهؤلاء، قال سفيان إن كان في الناس أحدٌ طلب الدنيا من حيث يستحق فهذا. وحدثنا عنه عن المغيرة بن محمد المهلبي قال قدم أبو العتاهية البصرة إلى عيسى بن جعفر فأقام شهوراً ثم أعتل فقال:
(أصبحتُ بالبصرة ذاغربة ... أدفَعُ من همّ إلى كرْبَه)
(أطلبُ عُتبي من حبيب نأى ... وليسَ لي عُتبي ولا عُتبه)
وحدثنا عنه عن المبرد قال قال الجماز لأبي العالية كيف أصبحت؟ قال على غير ما يحب الله وغير ما أحب وغير ما يحب إبليس لأن الله تعالى يحب أن أطيعه ولاأعصيه ولست كذلك وإبليس يحب أن أعصي الله ولا أطيعه ولست كذلك وأنا أحب أن أكون على غابة الثروة والصحة ولست كذلك. حدثنا عنه عن الحسن بن الحسين الأزرق عن العباس بن محمد عن عمرو بن الحارث عن محمد بن سلام قال قال أبو حراثة وهو من بني ربيعة بن حنظلة ليزيد بن المهلب: كيف أصبحت أصلح الله الأمير؟ قال كما تحب يا أبا حراثة قال لو كنت كذا لكنت قائماً مثلي وكنت أنا قاعداً في مقعدك وكان قميص ابني المرقوع على ابنك والتومتان اللتان في أذن ابنك على ابني. قال يزيد فالحمد لله الذي جعلك كذا وجعلني كذا، فقال إلا أني في ضيق أنتظر سعةً وأنت في سعة تنتظر ضيفاً. وحدثنا عنه عن أبي العيناء عن العتبي قال قيل لأعرابي كيف
стр. 583
أصبحت قال أصبحت أعثر بالعبرة وأقيد بالشعرة وأفزع من النعرة. وحدثنا عنه عن الغلابي عن دماذ عن الهيثم بن عدي قال كان هرم بن سنان المزني قد آلى على نفسه أن لا يسلم عليه زهير إلا وهب له غرة من ماله فأشفق عليه زهير من ذلك وكان يمر بالمجلس وهرم فيهم فيقول أنعموا صباحاً غير هرم خيركم تركت ففخر عقبة بن كعب بن زهير بذلك في قوله:
(إني لأصرفُ نفسي وهي صاديةٌ ... عن مصعبٍ ولقد بانت ليَ الطرق)
(رعوي عليه كما أرعى على هرم ... قبلي زهيرٌ وفينا ذلك الخلقُ)
(مدحُ الكرام وسعىٌ في مسرتهم ... ثم الغنى ويدُ الممدوح منطلقُ)
ومثله قول حاجز الأزدي:
(وإني لأستبقي إذا العسرُ مسني ... بشاشةَ وجهي حينَ تبلى الطبائعُ)
(فأعفي ثرى قومي ولو شئتُ نولوا ... إذا ما تشكى الملحفُ المتضارع)
(مخافةَ أن أقلي إذا جئتُ زائراً ... وترجعني نحوَ الرجالِ المطامع)
ومن مليح ما قيل في فديتك:
(فدتك النفس وهي أقلُ بذلٍ ... صلي حسن المقال بحسنِ فعلِ)
(أريني منك في أمري نهوضاً ... يبين أن شغلك بي كشغلي)
وأخبرنا عنه عن محمد بن خلف بن المرزبان قال اجتمع عندي أحمد بن أبي طاهر والناشي ومحمد بن عروس فدعوت لهم مغنية فجاءت ومعها رقيبة لم ير الناس أحسن منها قط فلما شربوا أخذ الناشي رقعة فكتب فيها /
(فديتك لو أنهم أنصفوا ... لردُّوا النواظرَ عن ناظريك)
(تَردِّينَ أعيننا عن سواك ... وهل تنظر العينُ إلا إليك)
(ألا يقرؤا ويحهم ما يرونَ ... من وحي حسنك في وجنتيك)
(وقد جعلوك رقيباً علينا ... فمن ذا يكون رقيباً عليك)
стр. 584
قال فشغفنا بالأبيات فقال ابن أبي طاهر أحسنت والله وأجملت قد والله حسدتك هذه الأبيات ووالله لا جلست وقام وخرج من ساعته ولم يعد إلى الشرب بقية يومه.
(ما جاء في الدعاء للخارج إلى السفر)
أخبرنا عنه عن إبراهيم بن فهد الساجي عن نصر بن علي عن عبد الله بن داود عن مسعر عن ميسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال ودع رسول الله & رجلاً أراد سفراً فقال (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) وحدثنا عنه عن أبي علي العتابي قال رأيت أبا شراعة القيسي آخذاً بسفينة إبراهيم بن المدبر وقد عزل عن البصرة وهو يريد الخروج وأبو شراعة ينشده:
(ليت شعري أيَّ قوم أجدبوا ... فأغيثوا بك من طولِ العجفْ)
(نَزَلَ الرحبُ من الله بهم ... وحُرمناك لذنبٍ قد سلف)
(إنما أنتَ ربيعٌ باكرٌ ... حيثما صَرَّفه الله انصرفْ)
(يا أبا إسحاق سِرْ في دعةٍ ... حيثما شئتَ فما منك خلفْ)
وأخبرنا عنه عن الغلابي عن الزبير قال ودع ابن المعافي صديقاً له أراد سفراً فأنشده عند وداعه:
(خلفَ الله الذي خلفته ... ووقاك اللهُ وعثاءَ السفرْ)
(إنني أشكرُ ما أوليتني ... لم يضع حسن بلاء من شكر)
(ردَّك اللهُ إلينا سالماً ... بعدَ غنم واغتباطٍ وظفر)
стр. 585
(الدعاء للقادم من السفر)
أنشدنا عنه لمحمد بن عبد الله الأخيطل:
(أقدمُ قدمتَ قدومَ عارضِ مُزنةٍ ... يهتزُّ بينَ أهابِها الفضفاضِ)
(من كلِّ مثعبة الرِّياح ثقيلةٍ ... تمشي به مشي الوجى المنهاض)
(مُسودةٌ مُبيضةٌ فكأنها ... دُهمٌ مولوعةٌ الشوى ببياض)
وقال ابن الرومي:
(قدومُ سعادةٍ وقفولُ يمن ... هي السرَّاء تمحقُ كلَ حُزنِ)
(أظلتك السلامة ما تغنَّتْ ... مُطوَّقة على فننٍ تغني)
قوله (أظلتك السلامة) في غاية الرشاقة وأحسن منه قوله: تمحق كل حزن.
(الدعاء للمهزوم)
حدثنا عنه عن الغلابي عن عبد الله بن الضحاك عن الهيثم بن عدي عن عوانه قال لما انهزم أسلم بن زرعة الكلبي من مرداس بن أذنية بآسك وكان في ألفي رجل، ومرداس الخارجي في أربعين رجلاً، وفيهم يقول شاعرهم
(أألفا مؤمن منكم زعمتم ... ويهزمكم بآسك أربعونا)
(كذبتم ليسَ ذَاك كما زعمتم ... ولكنّ الخوارجَ مؤمنونا)
(همُ الفئة القليلة قد علمتم ... على الفئة الكثيرة ينصرونا)
فدخل أسلم البصرة فقالت له امرأةٌ من قومه والله لأن تعيش حميداً خيرٌ من أن تموت شهيداً ولأن تدوم عبادتك بحياتك أزلف لك من أن تنقطع بمماتك،
стр. 586
قال ودخل على ابن زيادٍ فعنفه واستعجزه فقال أيها الأمير كنت في ألفين جميعهم مثلي وقاتلت أربعين كل واحدٍ منهم مثلي ويزيد علي ولأن يذمني الأمير حياً خيرٌ من أن يمدحني ميتاً. وحدثنا عنه عن القسم بن إسماعيل عن رفيع بن سلمة عن أبي عبيدة قال لما هزم أبو فديك أمية بن عبد الله بن خالد بن أسيد بهجر قدم البصرة في ثلاثة أيام فدخل عليه الناس وفيهم صفوان بن عبد الله بن الأهتم المنقري أبو خالد بن صفوان والناس لا يدرون كيف يدعي للمهزوم حتى قال صفوان أم والله أيها الأمير لقد تعرضت للشهادة جهدك وطلبتها طاقتك ووسعك فعلم الله فقرنا إليك وقلة عوضنا منك فاختار لنا عليك ببقائك ولم يختر لك علينا باستشهادك فالحمد لله الذي زين بك مصرنا وآنس ببقائك وحشنا وجلا بسلامتك غمنا. فعلم الناس كيف يدعى للمهزوم فسلكوا هذا المسلك. ومن أحسن الاعتذار للمهزوم قول فروة بن مسيك العطيفي وأجاد:
(فإن نهزم فهزّامونَ قدماً ... وإن نهزم فغير مهزمينا)
(وما إن طبّنا جبنٌ ولكنْ ... منايانا ودولة آخرينا)
فقوله (ودولة آخرين) من أحسن الاعتذار الواقع من المهزوم.
(الدعاء للمعزول)
أنشدنا عنه عن عون بن محمد الكندي لأبي تمام الطائي:
(ليهنك إن أصبحتَ مجتمعَ الشملِ ... وراعي المعالي والمحامي عن المجدِ)
(وإنك صنتَ الأمرَ فيما وليتهُ ... وفرقتَ ما بينَ الغوايةِ والرشدِ)
(فلا يحسب الأعداءُ عزلك مغنما ... فإنّ إلى الإصدارِ ما غاية الورد)
(وما كنتَ إلا السيفُ جردَ للوغى ... وأخمد فيه ثم رُدَ إلى الغمدِ)
وأخبرنا عنه عن الحسين بن يحيى قال حدثنا إسحاق قال عزل هشام بن إسماعيل
стр. 587
المخزومي عن المدينة فاشتد العزل عليه فقال له عروةُ بن أذينة:
(فإن تكن الأمارة عنك زالت ... فإنك للمغيرة والوليدِ)
(وقد مرَ الذي أصبحتَ فيهِ ... على مروانَ ثمَ على سعيد)
وأخبرنا عنه قال دخلت يوماً مع أبي العباس محمد بن يزيد النحوي إلى عبد الله ابن الحسين القطر بلى وقد صرف عن عمل فقال أقول لك ما قاله أبو عبادة البحتري:
(شهدَ الخرجُ إذ توليتهُ أنك ... في جمعهِ الأمينُ الأعفُ)
(حيثُ لا عند مجتبي منه إلظاظ ... ولا في سياق جابيهِ عُنفُ)
(سيرةُ القصدِ لا الخشونة عنفٌ ... لتعدي المدى ولا اللين ضعفُ)
(وعلى حالتيك يستصلحُ الناس ... إباءً من جانبيك وعطفُ)
(لن يُولي تلك الطساسيج إلا ... خلف منك آخرَ الدهرِ خلفُ)
(إنْ تشكت رعيةٌ سوءَ قبضٍ ... بك أو أعقبَ الولايةَ صرفَ)
(فقديماً تداولَ العسرُ واليسر ... وكلّ قذى على الريح يطفو)
(يفسدُ الأمر ثم يصلحُ عن قربٍ ... وللماءِ كدرةٌ ثم يصفو)
ولما عزل إبراهيم بن المدبر عن البصرة أنشده أبو صفوان الثقفي:
(أبا إسحاقَ إن تكن الليالي ... عطفنَ عليك بالعزلِ اللئيم)
(فلم أرَ صرفَ هذا الدهر يجري ... بمكروهٍ على غيرِ الكريمِ)
وقال أبو العتاهية في محمد بن هشام السدري:
(لا يهنأ الأعداء عزل ابن هاشمٍ ... فكلُ مُولى قصرهُ الصرفُ والعزلُ)
(لقد كان ميمونَ الولايةِ قابضاً ... يدَ الجورِ مبسوطاً به الحقُ والعدلُ)
(يَرُومُ رجالٌ حطهُ وهو سابقٌ ... أبى الله إلا أن يطولَ وأن يعلو)
(دعاء الأعياد)
أخبرنا عنه عن جبلة بن محمد الكوفي عن أبيه قال قال ابن شبرمة لعيسى
стр. 588
ابن موسى يوم أضحى: قبل الله منك الفرض والسنة واستقبل منك الخير والنعمة وقرن بالإقبال يومك.
(ما قيل في القيام للأجلاء)
أخبرنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الأكبر قال خضر بعض العرب مجلساً فجاء صديقٌ له فتلقاه من بعيد وقال:
(لئن قمتُ ما في ذاك عنديَ غضاضةٌ ... عليَّ وإني للشريفِ مُذلل)
(على أنه مني لغيرك ذلةٌ ... ولكنه بيني وبينك يجملُ)
ومن مشهور ما قيل في هذا المعنى:
(فلما بصرنا بهِ ماثلاً ... حللنا الحبى وابْتدَرْنَا القياما)
(فلا تنكرنَّ قيامي لهُ ... فإن الكريمَ يجلُ الكراما)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن يحيى البحتري لأبيه في عبيد الله بن عبد الله من قصيدة طويلة:
(ومُبجل وسطَ الرجالِ خُفوفهم ... لقيامهِ وقيامهم لقعودهِ)
(فالله يكلؤهُ لنا ويحوطهُ ... ويعزهُ ويزيدُ في تأييده)
وقال غيره:
(أتعجبُ أن أقومَ إذا بدا لي ... لأكرمهُ وأعظمهُ هِشامُ)
(فلا تعجبْ لإسراعي إليهِ ... فإنّ لمثلهِ خلقَ القيامُ)
وقال البحتري:
(يقومونَ من بعدٍ إذا بصروا بهِ ... لأبلجَ موفورِ الكرامةِ أروعِ)
(ويبتدرُ الراؤونَ منهُ إذا بدا ... سنى قمرٍ من سُدَّة الملكٍ مَطلعِ)
(إذا سارَ كفَ اللحظ عن كلِّ منظر ... سواه وغضَ السمعُ عن كلِّ مسمعِ)
стр. 589
(فلستَ ترى إلا إفاضةَ شاخصٍ ... إليهِ بعينٍ أو مشيراً بأصبعِ)
(ما قيل في شعبان وشهر رمضان وشوال)
فمنه قول الفرزدق وأجاد في ذلك:
(إذا ما مضى عشرونَ يوماً تحركت ... أراجيفُ بالشهرِ الذي أنا صائمه)
(وطارتْ رقاعٌ بالمواعيدِ بيننا ... لكيْ يلتقي مظلومُ قوم وظالمهْ)
(فإن شالَ شوالٌ تُشل في أكفنا ... كؤوسٌ تعادى العقلَ حينَ تسالمه)
ومعاني هذه الأبيات كلها متبكرة لم يسبق إليها الفرزدق. وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي عن الرياشي عن أبيه:
(وقفنا فلولا أننا راضنا الهوى ... لهتكنا عندَ الرقيبِ نحيبُ)
(ومن دونِ ما نلقاهُ من لوعةِ الهوى ... تُشَقُّ جيوبٌ بل تُشقُ قلوبُ)
(على أنَ شوالاً أشالَ بوصلنا ... ومرتعهُ للعاشقينَ خصِيب)
وأنشدنا أبو أحمد عن الصولي قال أنشدنا ابن بسام لنفسه:
(سقيا لشهرِ الصومِ من شهرِ ... عندي لهُ ما شاءَ من شكرٍ)
(كم من عزيزٍ فيهِ فُزنا به ... أنهضهُ الليلُ من الوكر)
(ومن إمامٍ كانَ لي وصلهُ ... إلى كحيلِ العينِ بالسحرِ)
(لو كانَ يدري بالذي خلفهُ ... أعجلهُ ذاك عن الوتر)
(وخلةٌ زارتك مُشتاقة ... في ليلةِ القدرِ على قدرِ)
(فانصرفَ الناسُ بما أمَّلوا ... وبُؤت بالآثام والوزرِ)
وأنشد المبرد للحارثي:
(شهرُ الصيام وإن عظَّمت حرمتهُ ... شهرُ طويلٌ بطئ السيرِ والحركهْ)
(يمشي الهوينا إذا ما رامَ فرقتنا ... كأنهُ بطةٌ تنجرُ في شبكه)
(لا يستقرُ فأما حينَ يطلبنا ... فلاسليك يُدانيهِ ولا سُلكه)
стр. 590
(كأنهُ طالبٌ ثأراً على فرس ... أجدُ في إثرِ مطلوب على رمكهْ)
(يا صدق من قالَ أيامٌ مباركةٌ ... إن كانَ يكنى عن اسم الطولِ بالبركهْ)
وقال آخر:
(مضى رمضانُ محموداً وأوفى ... علينا الفطرُ يقدمهُ السرورُ)
(وفي مرَ الشهورِ لنا فناءٌ ... ونحنُ نحبُّ أن تفنى الشهورُ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا الحسين بن يحيى قال كتب الحسين بن وهب إلى الحسن بن رجاء يوم شك وقد أفطر الواثق:
(هَززتكَ للصبوحِ وقد نهانا ... أميرُ المؤمنينَ عن الصيامِ)
(وعندي من قنان المصرِ عشرٌ ... تطيبُ بهنَ دائرةُ المدام)
(فكن أنتَ الجوابَ فليسَ شئٌ ... أحبّ إليَّ من حذفِ الكلامِ)
وقال غيره:
(أقول لصاحبيَّ وقد بدا لي ... هلالُ الفطرِ من تحتِ الغمام)
(سنسكرُ سكرةً شنعاءَ جهراً ... وننعرُ في قفا شهرِ الصيام)
وقال محمد بن عبد الله بن الحسين بن عبد الله الجعفري:
(هل لك في صهباءَ مشمولةٍ ... ليست من الدبسِ الذي ينبذُ)
(فإنَ شعبانَ على طيبهِ ... دربٌ إذا فكرتَ لا ينفذُ)
وقال أحمد بن يزيد:
(ألا سقياني من معتقةِ الخمرِ ... فلا عذرَ لي في الصبرِ أكثرَ من شهرِ)
(وإنْ كنتما لم تعلما فتعلما ... بأنَ زمانَ الصومِ ليس من العمرِ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي قال حدثنا أبو الحسن محمد بن أبي الموج الرازي وقال حدثني أبي قال كتب علي بن جبلة إلى أبي دلف يستسقيه نبيذاً في يوم عيد الفطر فوجه إليه بما كفاه وبمائتي دينار فقال علي بن جبلة
стр. 591
(وأبيض عجليُّ رأيتُ غمامةُ ... وأسيافهُ تقضي على الحِدْثَانِ)
(مَددتُ إليهِ ذمّتي فأجارها ... وأغنى يدي عن غيرهِ ولسانيِ)
(شربتُ وَرَوَّيْت النديمَ بماله ... وأدركت ثأرَ الراح من رمضانِ)
(وكانَ لشوالٍ عليّ ضمانةٌ ... فكانت عطايا جودهِ بضمانِ)
وحدثنا عن الصولي قال
حدثنا أبو ذكوان القسم بن إسماعيل قال
حدثنا التوزي عن أبي عبيدة قال أسلم أعرابي في أول الإسلام فأدركه شهر رمضان فجاع وعطش فقال الأعرابي يذكر ذلك:
(وجدنا دينكم سهلاً علينا ... شرائعهُ سوى شهرِ الصيامِ)
(فصل في معان مختلفة)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر بن دريد عن عمه قال كانت عند رجل من بني أسد ابنة عم له ورآها فدخل إليها يوماً وهي متغضبة فقال ما شأنك. قالت إنك لا تشبب بي كما يشبب الرجال بنسائهم، قال أفعل ثم أنشأ يقول:
(تمتْ عبيدةُ إلاّ في ملاحِتها ... والحسنُ منها بحيثُ الشمسُ والقمرُ)
(ما خالفَ الظبيُ منها حينَ تُبصِرُها ... إلا سوالفُهُ والجيدُ والنظرُ)
(قُلْ للذي عَابها من حاسد حَنق ... أقصر فرأسُ الذي قد عبتَ والحجر)
وأنشدنا للعديل بن الفرج العجلي:
(هل تقضينَ لمستهام حاجةً ... نيطت إليك بها حبالُ رجائهِ)
(أفنى تجلدهُ بقاءُ دموعهِ ... وأدامَ عَبرتهُ فناءُ عزائهِ)
وحدثنا أبو أحمد عن الصولي عن أحمد بن محمد الخراساني قال كنت في مجلس ابن ثوابة فناظره رجلٌ عن ضيعة له فاستقصى الحجة وأخذ بنفسه فقال ابن ثوابة
стр. 592
يا مابون فوثب الرجل وهو يقول:
(كلانا يرى الجوزاءَ يا جُمل أن بدت ... ونجمُ الثريا والمزارُ بعيدُ)
فتحدث الناس بها مدةَ. قال أبو بكر ويشبه هذا حديثاً حدثناه أبو العيناء قال خاصم يوماً جيلان القمي المقبول الزيادي فقال المقبول يا دعي فأنشأ جيلان يقول:
(بثينةُ قالت يا جميلُ أربتني ... فقلت كلانا يا بثين مُريبُ)
فبلغ هذا ابن عائشة التيمي فقال: جيلان في التمثل بهذا البيت في هذا الموضع أشعر من جميل قائله. أنشدنا أبو أحمد قال أنشدنا أبو بكر بن دريد لنفسه يهجو بعض النحويين:
(عفظير إن اختلفنا ... في الفعلِ من فاعلينِ)
(فقال قومٌ يثني ... لجمعنا الهمزتين)
(وقال قومٌ يعدّي ... بملتقى الساكنين)
(وأنتَ أعلم منا ... بذا وذاك وذين)
(لأنكَ الدهرَ فعلٌ ... يعتلُ من جهتينِ)
وأنشدني عم أبي ﵀:
(صحبتكم دهراً طويلاً لعسرتي ... أرجى نجاحاً والظنونُ فنون)
(فما نلتُ منكم طائلاً غيرَ أنني ... تعلمتُ ذلَ العيشِ كيفَ يكونُ)
وأنشدني أيضاً في مسجون:
(لئن حجبتك الحجبُ عنا فربما ... رأينا جلابيبَ السحابِ على الشمسِ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن المسيب عن ابن الرومي:
(خيرُ مال موزونه لذوي الحمد ... كما خيرُ حمدِهم مَوْزونهْ)
(وأصحُ الآراءِ ما ظنَ ذو الأفنِ ... بذي الرأي أنهُ مأفونه)
ومن ههنا أخذ المتنبي قوله:
(وإذا أتتك مذمَّتي من ناقصٍ ... فهي الشهادةُ لي بأني فاضلُ)
стр. 593
(والمحلُ الخلاءُ من كلِّ ضيفٍ ... ومضيف معطلٌ مسكونهُ)
(وأخسُ الرجالِ من راحَ فيهمْ ... مُسلمَ العرضِ سالماً ماعونهُ)
(أنفقِ المال قبل انفاقك العمرَ ... ففي الدهرِ ريبهُ ومنونهْ)
(لا تظننَ أنَّ مالك شئ ... كدم الجوفِ خيرهُ محقونهْ)
(قلما ينفعُ الثراءُ بخيلاً ... علقتْ في الثرَى المهيْلِ رهونْه)
(كلْ وأطعمْ فربما راع ريعاً ... زاكياً منْ تعولهُ وتمونهْ)
(وإذا ما ظننتَ شرّاً فخفهُ ... ربَ شرٍ يقينهُ مظنونهْ)
(كم ركونٍ جنى عليك حذاراً ... من أطالَ الركونَ قلَّ ركونهْ)
وأنشدنا أبو أحمد عن ابن الأنباري عن أبيه:
(يموتُ قومٌ فيحي العلمُ ذكرَهُمُ ... ويلحقُ الجهلُ أحياءَ بأمواتِ)
ونحوه قول دعبل:
(سأقضي ببيتٍ يحمدُ الناسُ أمرَهُ ... ويكثر من أهلِ الروايةِ حامله)
(يموت ردئ الشعرِ من قبلِ ربهِ ... وجيّده يبقى وإنْ ماتَ قائله)
أخبرنا أبو أحمد عن أبي بكر عن أبي عثمان عن التوزي عن أبي عبيدة عن خالد عن يونس: دخل الطرماحُ بن حكيم على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده قوله:
(وشيبني أنْ لا أزال مُناهِضاً ... بغيرِ غِنى أسمو بهِ وأبوعُ)
(وإنَّ رجالَ المالِ أضحوا ومالهم ... لهم عندَ أبوابِ الملوك شفيع)
(امخترمي ريبُ المنونِ ولم أنلْ ... من المالِ ما أعصى بهِ وأطيعْ)
فأمر له بعشرين ألفاً وقال له اعصي بها الآن وأطع إذا شئت.
стр. 594
(التفاضل بين الإخوان)
أنشدنا أبو أحمد عن أبي بكر:
(وبعضُ الأمرِ أصلحهُ ببعضٍ ... فإنَ الغثَّ يحملهُ السمينُ)
(ترى بينَ الرجالِ العينُ فضلاً ... وفيما أضمروا الفضلُ المبين)
(كلونِ الماءِ مشتبهاً وليست ... تخير عن مذاقتهِ العيون)
(الحث على موافقة الناس)
من أحسن ما ورد في ذلك قول الشاعر:
(الناسُ إن وافقتهم عذبوا ... أولاً فإنّ جناهمُ مرُ)
(كم منْ رياضٍ لا نظيرَ لها ... تُركتْ لأنّ طريقها وعرٌ)
وقلت:
(لما أدلّ أملني فسلوته ... من ذا يدلُ فلا يملُ محُّبه)
(تالله ما اتبُّعَ النبيُّ محمدٌ ... لو كانَ فظاً أو غليظاً قلبه)
(إغباب الزيارة)
قال مسلم بن الوليد:
(إني كثرتُ عليهِ في زيارتهِ ... فملَ والشئ مملولٌ إذا كثرا)
(قد رابني منهُ أني لا أزالُ أرى ... في عينهِ قصراً عني إذا نظرا)
وقال الكميتُ:
(ولو لم تغب شمس النهار لَملَّتِ ... )
فأخذه أبو تمام فقال:
(فإني رأيتُ الشمسَ زِيدتْ محبةً ... إلى الناس إذ ليستْ عليهم بسرمدِ)
ونقله آخر إلى ذكر الغيث:
(عليك بإقلالِ الزيارةِ إنها ... تكون متى دامت إلى الهجرِ مسلكا)
(فإني رأيتُ القطرَ يسأم دائبا ... ويطلبُ بالأيدي إذا هو أمسكا)
стр. 595
وقال آخر:
(وأغببتُ الزيارةَ لا ملالاً ... ولكنْ منْ محاذرةِ الملالِ)
وهذا كله من قول النبي & (زد غباً تزدد حباً) وقلت:
(ما زلتَ تلقاهُ فضاقَ صَدْرُه ... وعادَ من بعدِ الوصالِ هجرُهُ)
(من أكثر الغشيانَ خسَّ قدْرُهُ ... لو كثرَ الياقوتُ هانَ أمره)
(ولم يعزّ حُمرُهُ وصُفرُهُ ... ولا علا بين الأنامِ ذِكرهُ)
(في ذم العجائز قول الشاعر)
(رأيتُ البيضَ قد أعْرضنَ عني ... فمنْ لي أن تساعدَني عجوزُ)
(كأنَ مجامعَ اللحيينِ منها ... إذا حَسرتْ عن اللحيينِ كوز)
ومن المشهور قول الحرمازي:
(لا تنكحنَ عجوزاً إنْ دعيتَ لها ... واخلَعْ ثيابَك عنها ممعناً هربا)
(فإن أتَوْك وقالوا إنها نصفٌ ... فإنَ أطيبَ نصفيها الذي ذهبا)
وقال آخر:
(وما غرني إلاّ خضابٌ بكفِّها ... وكحلٌ بعينيها وأثوابها الصفرُ)
(وجاءوا بها قبلَ المحاقِ بليلةٍ ... فكانَ محاقاً كلهُ ذلك الشهرُ)
(ما ورد في فضل الحمام)
قال السري بن عبد الله الرفاء:
(أسعيدُ هلْ لكَ في زيارةِ منزلٍ ... تثنى عليهِ جوارحُ الزوارِ)
(رحب ترَى الجُدران فيهِ ينابعاً ... وترى السماء كثيرة الأقمار)
(ينضو حيُ الوجهِ ثوب حيائهِ ... فيهِ فيخطر كالجسام العاري)
(وترى على غدرانهِ بُهمَ الوغى ... يخطرنَ ما بين القنَا الخطارِ)
стр. 596
(سُلت سيوفهمُ بغيرِ بوارقٍ ... وجَرت خُيولهم بغيرِ غبارِ)
مع أبيات أخر غير مختارة الرصف. وقلت:
(قُم بنا نَنزل في خيرِ دارِ ... وهيَ إن ميزتَها شرُ دارِ)
(منزلٌ تخلعُ دينَك فيهِ ... حينَ تأتيهِ خليعَ الإزار)
(لا ترَى فيهِ الشموسَ نهاراً ... وترى الأقمارَ نصفَ النهّار)
(وعلى حيطانهِ أسدُ حربٍ ... فَوقَ أمهارٍ وفوقَ مِهار)
(شَهدُوا الحربَ بأرْماح زورٍ ... وسيوفٍ نابياتِ الشفار)
(وترى الأبدان حينَ أتته ... تكتسي الصحةَ وهي عواري)
(بينابيعَ كقضبانِ درٍ ... تتكافا من وراءِ الجِدار)
وقال عبد الله بن المعتز في ذم حمام:
(وحمامنا كالعجوز ... يشقى بها الواردُ)
(فبيتٌ لهُ منتنٌ ... وبيتٌ لهُ باردُ)
ولقد أخذ هذا اللفط بعينه بعض المحدثين وزاد فيه فقال:
(وحمّامُنا هذه كالعجوز ... تلذُّ ويشقى بها الواردُ)
(فبيتٌ لها منتنٌ ضيقٌ ... وبيتٌ لها واسعٌ باردُ)
ومن أجود ما قيل في صفة النورة قول الآخر:
(ومجرَّدٌ كالسيفِ أسلم نفسهُ ... لمجردٍ يكسوهُ مالا ينسجُ)
(ثوباً تمزِّقُهُ الأناملُ رقةً ... ويذيبهُ الماءُ القراحُ فيبهج)
(وكأنه لما ألتقى في خصره ... نصفان ذاعجُ وذا فيروزجُ)
(الشطرنج قلت فيه)
(إذا أعفيت الصهباء ... من قدحٍ ومن شجَ)
(وكانَ الكأسُ لا يجُدي ... ومزجي الراحَ لا يزجي)
(مجتاب شملة برجد بسراته ... قذرا واسلم ما سواه البرجد)
стр. 597
(وألغى اللهوَ من يلغى ... وأرجى الشربُ من يرجي)
(لأيام أخاضتنا ... من الأحزانِ في لجَ)
(فمنها الجسمُ في نقصٍ ... ومنها القلبُ في وهج)
(فما أنفكُ في حرٍ ... وإنْ أصبحتُ في ثلجِ)
(وما منْ شَرِّها ناجٍ ... وما من كيدها مُنجي)
(تمتعنا بمسموعٍ ... مليحِ النظم والنسج)
(ونتلو ذكرَ من نهوَى ... على نردٍ وشِطرَنج)
(كأنا منهُ في هرج ... ولسنا منهُ في هرج)
(تمشَّى الزنجُ للرُّوم ... وقامَ الرومُ للزنج)
(فما أحسنها بيضاً ... تمشينَ إلى دعج)
(أقمنا بيننا حَرْباً ... بلا عجٍ ولا ثجّ)
(شهدناها بلا طبلٍ ... ولا بوقٍ ولا صنج)
(وجئناها بلا سيفٍ ... ولا رُمح ولا زج)
(ترى أفراسنا تعدو ... بلا لجم ولا سرج)
(مشى الفرزانُ مُعوجاً ... لأمرِ غيرِ مُعوجِّ)
(ورخٌ ينتحي نهجاً ... فلا يعدو عن النهج)
(وفيلٌ ليسَ يحدوهُ ... يدا شلج ولا علج)
(وعند الشاهِ منصوبٌ ... لواءُ النصرِ والفلج)
(وحولي أوجهُ غُرٌ ... عليها سيمةُ السرجِ)
(إذا ما دونَ الحسنُ ... تراهمْ أولَ الدّرجِ)
(ما ورد في النرد)
وقال السري بن عبد الله الرفاء:
(ومحكمان على النفوسِ وربما ... لم يحكما فيهنَ حكما عادلا)
стр. 598
(يلقاهما المرزوقُ سعداً طالعاً ... ويراهما المحروم سعداً آفلاً)
(فإذا هما اصطحبا على كفِّ الفتى ... ضراء أو نفعاه نفعاً عاجلا)
(وأما القدح)
فأجود ما قيل فيه قول ابن مقبل:
(خروجٌ من الغمي إذا صكَ صكةَ ... بدا والعيونُ المستكفةُ تلمحُ)
(غدا وهو مجدولٌ وراحَ كأنهُ ... من المسِّ والتقليب بالكفِّ أفطح)
(إذا امتحنتهُ من معد عصابةٌ ... غدا ابهِ قبل المفيضين يقدح)
(انتظار الفرج)
أنشدنا أبو أحمد عن ابن دريد:
(إذا اشتملت على اليأسِ القلوبُ ... وضاقَ بما بهِ الصدرُ الرحيبُ)
(وأوطنت المكارهُ واطمأنَّتْ ... وأرستْ في مطامِنها الخطوبُ)
(أتاك على قيوط منك غوثٌ ... يمنُ بهِ اللطيفُ المستجيبُ)
(وكلُ الحادثاتِ إذا تناهتْ ... فمقرونٌ بها الفرج القريب)
وقلت:
(لكلَ ملمةٍ فرجٌ قريبٌ ... كمثلِ الليل يتلوهُ الصباحُ)
(وإنَ لكلَ صالحةٍ فساداً ... كذاك لكلَ فاسدةٍ صلاحَ)
(وللأيامِ أيدٍ باسطاتٌ ... وأفنيةٌ موسعةٌ فساحُ)
(وقد تأتي وأوجهها صباحٌ ... كما تأتي وأوجهها قباحُ)
(وللحالاتِ ضيقٌ وإتساعٌ ... وللدُّنيا إنفلاقٌ وانفتاح)
(فلا تجزعْ لها واصبرْ عليها ... فإنَ الصبرَ عقباهُ النجاح)
(وكلُ الحادثاتِ إذا تناهتْ ... فمقرونٌ بها الفرجُ المتاحُ)
(معنى آخر)
قد ينفعُ الأدبُ الأحداثَ في مهلٍ ... وليسَ ينفعُ بعدَ الكبرةِ الأدبُ)
стр. 599
(إنَ الغصونَ إذا قَوَّمْتها اعتدلتْ ... ولا يلينُ إذا قومتهُ الخشبُ)
وأجود ما قيل في ازدحام المنتجعين على أبواب المفضلين البيت المشهور:
(مَن أكثر الإحسانَ من فعلهِ ... وعمَ بالفضلِ جميعَ الأنامْ)
(يزدحمُ الناس على بابهِ ... والمشربُ العذبُ كثيرُ الزِّحام)
وقال أبو الهول:
(إذا السماء أبَتْ إلاّ محاذَرَةً ... سحَّتْ يد الفضل ياقوتاً وعقيانا)
(ترَى الرِّفاق إلى أبوابهِ زمراً ... وردَ القطا أقبلتْ مثنى ووحدانا)
(معنى آخر)
(ليسَ جودٌ أعطيتهُ بسؤالٍ ... قد يهزُ السؤالُ غيرَ جوادِ)
(إنما الجودُ ما أتاك ابتداءً ... لم تذق فيهِ ذلةَ الترداد)
(ومن أجود التشبيهات في المحجمة قول بعضهم)
(وخضراء لا من بناتِ الهديل ... يلففُ بالسير مِنقارها)
(كأنّ مشقَ عيونِ القطا ... إذا هنّ تؤمن آثارها)
وقال أيضاً في الحجامة:
(أما وأبيك لا أنساهُ تدمي ... مضاربُ سيفهِ البطلِ الكميا)
(وبَرقاً في أناملهِ إذا ما ... تألقَ فتّح الوردَ الجنيا)
(إذا ظمئتْ فراخُ أبيك يوماً ... سقاها من رقابِ الناس ريّا)
(وإن جَرحَ الأخادعَ مطمئناً ... كسا الوجناتِ ديباجاً بهيا)
(ولم أرَ مثلهُ يأتي عُقوقاً ... ويدعوهُ الورى برّاً تقيا)
وقال آخر:
(أبوك أوهى النجادُ عاتقه ... كم من كميّ أدمى ومن بطلِ)
(يأخذنَ من مالهِ ومن دمهِ ... لم يمس من ثأرهِ على وجلٍ)
стр. 600
(ومما قيل في خطل الرأي قول الآخر)
(عُذرك عندي بك مبسوطُ ... والعتبُ عن مثلك محطوطُ)
(ليس بمسخوطٍ فعالُ امرئ ... كلُ الذي يأتيهِ مسخوطُ)
وقال آخر:
(يا من يقلقله طنينُ ذبابِ ... ويفلُ عزمتهُ صريرُ البابِ)
(ضربَ السرادق في رُواقي بابهِ ... والدارُ تعجزُ عن مقيلِ ذبابِ)
(وأقامَ للبوابِ حاجبِ حاجبٍ ... أرأيتَ حاجبَ حاجبِ البوابِ)
(إفساد المعروف بالمن)
قال بعضهم:
(ألبانُ إبلِ تَعِلَّة بنِ مساورٍ ... ما دامَ يملكها عليَ حَرامُ)
(وطعام عمر وابن أوفى مثله ... ما دامَ يسلك في البطونِ طعام)
(إنَ الذين يسوغ في أحلاقهم ... زادٌ يمنُ عليهم للئامُ)
(لعنَ الإله تعلةَ بنَ مساورٍ ... لعناً يشنُ عليهِ من قُدام)
(من يعيب غيره وهو معيب)
من المشهور في ذلك قول الشاعر:
(أرَى كلَ إنسانٍ يرى عيبَ غيرهِ ... ويعمي عن العيب الذي وهو فيه)
(وما خيرُ من تخفى عليهِ عيوبهُ ... ويبدو له العيبُ الذي لأخيه)
ولأبي دلامة في معناه:
(إذا الناسُ غطوني تغطيت عنهمُ ... وإن بحثوا عني ففيهم مباحثُ)
следующие страницы →