← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

الجسد وأسافله، وأعضاء كسبه وسعيه، فيكمل ذل العبد وعبادته لله ، لأن السجود عليها إذلال لها لله رب العالمين. ويستثنى من ذلك من عجز عن السجود ببعض الأعضاء كإحدى يديه أو أنفه ونحو ذلك فإنه يسجد على بقية الأعضاء، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. الوجه الرابع: دل الحديث بمفهومه أنه لا يجوز للمصلي أن يرفع عضواً من أعضائه حال سجوده، كاليد والرجل أو الأنف ونحو ذلك، فإن فعل لم يصح سجوده؛ لأنه لم يسجد على هذا العضو الذي رفعه، وبه يتبين خطأ من يسجد على جبهته ويرفع أنفه، أو يرفع قدميه أو أحدهما، أو يضع أحدهما على الأخرى. وهذا إن كان الرفع من ابتداء السجدة إلى آخرها، فإن رفع العضو ثم وضعه في أثناء السجدة فقد أدى الركن، لكن لا ينبغي له ذلك، لأن الأصل أن تبقى الأعضاء على الأرض مدة السجود. وقد ورد في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أسجد على سبع: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين» (١). وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يَمُسَّ أنفُه الأرض» (٢). الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يجب على المصلي كشف شيء من هذه الأعضاء لو كان مستوراً، بل يسجد على العضو ولو مع الساتر، كشراب الرجلين أو اليدين، أو ما يلبس في الشتاء غطاء للرأس والجبهة ونحو ذلك، لأمرين:

стр. 1017

الأول: أن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها. الثاني: ما ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن الحسن أنه قال: (كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه) (١). أما سجود المصلي على حائل من غير أعضاء السجود فلا يخلو: ١ - إما أن يكون منفصلاً، كسجادة فلا بأس به ولا كراهة فيه، لما ورد عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ صلّى على الخُمْرة (٢)، والخمرة: بالضم، على وزن غرفة، مصلى صغير يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها (٣). لكن يستثنى من ذلك أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه دون بقية بدنه، فهذا ينهى عنه لأمرين: الأول: أن في ذلك موافقة للرافضة وتشبهاً بهم؛ لأنهم يسجدون على قطعة من المَدَرِ، كالفخار. الثاني: رفع التهمة، والذي ينبغي للمسلم اتقاء مواضع التهم. ٢ - وإن كان الحائل متصلاً بالمصلي كثوبه أو طرف عمامته أو طرف غطاء رأسه، فهذا يكره السجود عليه، إلا لحاجة كشدة حر، ونحوه، لحديث أنس ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود. وفي لفظ: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) (٤)، قال الحافظ ابن

стр. 1018

حجر: (فيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل، لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة) (١). وبهذا تبين أن ما يفعله بعض المصلين من بسط طرف غطاء رأسه على الأرض عند السجود مع وجود الفرش في المساجد أن هذا لا ينبغي، لعدم الحاجة إليه، مع ما فيه من كثرة الحركة كلما أراد أن يبسط ذلك، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ما ذكروا إلا عند الحاجة، ولا حاجة مع فرش المساجد، اللهم إلا أن تكون الفرش فيها غبار والمصلي عنده حساسية فمثل ذلك عذر إن شاء الله تعالى. الوجه السادس: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن كفّ ثوبه عند السجود، وذلك بأن يرفعه من أسفل، أو يطويه حتى يربطه على بطنه، لأن ذلك ليس من تمام الزينة التي تطلب من المصلي، وقد يكون من باب الكبر، لئلا يتلوث ثوبه إذا باشر التراب. وقد ذكر النووي أن هذا النهي يراد به التنزيه، فلو صلّى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، وذكر أن الطبري احتج على ذلك بالإجماع (٢)، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن عليه الإعادة (٣). ولا يدخل في ذلك كف الغترة حول العنق يميناً أو شمالاً، لأنها تلبس على هذه الصفة، والله أعلم.

стр. 1019

بيان ما يفعل باليدين عند السجود ٢٩٨/ ٣٢ - عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٢٩٩/ ٣٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدْتَّ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» رَوَاهُ مُسْلمٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن مالك بن جندب الأزدي ﵁ وبحينة اسم أمه، بنت الحارث بن عبد المطلب، فإذا قيل: عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، فإنه يقرأ مالك بالتنوين، وابن بحينة بدل من عبد الله لا من مالك، ويكتب ابن بحينة بالألف، لأنه نُسب إلى أمه، ولأنه ليس صفة لمالك، بل صفة لعبد الله، وهو صحابي، وأبوه صحابي، وأمه صحابية، أسلم قديماً، وكان ناسكاً فاضلاً، وهو ممن روى صفة صلاة النبي ﷺ ، ذكر ابن سعد إنه نزل بطن «ريم» على ثلاثين ميلاً من المدينة، وذكر أن رسول الله ﷺ في سفر الهجرة هبط بطن «ريم» ثم قدم قباء (١)، مات ابن بحينة في بطن «ريم» سنة ست وخمسين، على أحد الأقوال (٢). والراوي الثاني هو: البراء - بفتح الباء فراء مخففة ثم همزة ممدودة ـ

стр. 1020

ابن عازب بن الحارث الأوسي الأنصاري ﵄، له ولأبيه صحبة، شهد غزوة أحد وما بعدها، ولم يحضر غزوة بدر لصغر سنه. روى عن النبي ﷺ جملة من الأحاديث، وروى عن أبيه وأبي بكر وعمر وغيرهما من أكابر الصحابة ﵃، وروى عنه من الصحابة: أبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وعبد الله بن إياد، نزل الكوفة، ومات فيها سنة اثنتين وسبعين (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «يبدي ضَبْعيه (٢) ويجافي في السجود» (٨٠٧)، ومسلم (٤٩٥) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، أن رسول الله ﷺ … فذكره. وأما حديث البراء، فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود» (٤٩٤) من طريق عبد الله بن إياد، عن البراء بن عازب ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ … فذكره). الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (إذا صلّى) أي: إذا سجد، وقد ورد بهذا اللفظ عند مسلم من طريق آخر. قوله: (فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي: باعد بين يديه، أي: عضديه مثنى عضد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والمراد فرَّج بينهما وبين جنبيه، فنحى كل يد عن الجانب الذي يليها، بدليل ما بعده. قوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) أي: يظهر، وقوله: (إبطيه) مثنى:

стр. 1021

إبط، بكسر الهمزة وسكون الباء، وهو باطن المنكب، ويكون لونه أبيض من لون بقية الجلد غالباً لاختفائه عن المؤثرات الخارجية من الهواء والشمس، وإنما كان يرى بياضهما، لاحتمال أن شعر إبطيه ﷺ كان خفيفاً، فلا يتضح للناظر من بُعْدٍ سوى بياض الإبطين، أو أنه كان ﷺ ينتف إبطيه حتى تبقى بيضاء. الوجه الرابع: الحديث دليل على هيئة السجود الموافقة للسنة، وهو ما اجتمع فيه ثلاث صفات: الأولى: إبعاد العضدين عن الجنبين حال السجود والمبالغة في ذلك، وذلك لتنال اليدان حظهما من الاعتماد والاعتدال في السجود، ويبتعد الساجد عن مظاهر الكسل والفتور. وهذه السنة مشروعة ما لم يؤذ من بجانبه، فإن حصل ذلك ترك المجافاة، لأن درء المفاسد بإشغال المصلين أو إيذائهم أولى من جلب المصالح بهذه الصفة. وقد ورد في حديث ميمونة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ إذا سجد لو شاءت بَهْمَةٌ أن تمر بين يديه لمرَّت) (١). الصفة الثانية: وضع الكفين على الأرض، وهما من أعضاء السجود، كما تقدم، وقد دلّت السنة على بسطهما مضمومتي الأصابع إلى القبلة، كما سيأتي. الصفة الثالثة: رفع الذراعين عن الأرض، لأن الرسول ﷺ أمر برفعهما ونهى عن بسطهما، وقال: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب» (٢). وقد ذكر بعض الفقهاء أنه إذا طال السجود وراء الإمام فله أن يعتمد

стр. 1022

بمرفقيه على فخذيه، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: اشتكى أصحاب النبي ﷺ إلى النبي ﷺ مشقة السجود عليهم إذا تفرجوا، فقال: «استعينوا بالرُّكَبِ» (١)، والصواب أنه مرسل، لكن يعضده عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٢) والله تعالى أعلم.

стр. 1023

هيئة أصابع اليدين في الركوع والسجود ٣٠٠/ ٣٤ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ كَانَ إذَا رَكَعَ فَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَإذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ الحَاكِمُ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الحاكم مفرقاً في موضعين من المستدرك: الأول: (١/ ٢٢٤) من طريق عمرو بن عون، ثنا هشيم، عن عاصم بن كليب، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا ركع فرَّج بين أصابعه). والثاني: (١/ ٢٢٦) من طريق الحارث بن عبد الله الخازن، ثنا هشيم به، بلفظ: (أن النبي ﷺ كان إذا سجد ضم أصابعه). وقال الحاكم عن كلا الإسنادين: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه). وأخرجه بهذه الصفة ابن خزيمة (٥٩٤، ٦٤٢) من طريق الحارث بن عبد الله بهذا الإسناد. وأخرجه ابن حبان (٥/ ٢٤٧، ٢٤٨) في موضع واحد من طريق الحارث بن عبد الله بهذا الإسناد، وعلى هذا فلفظ «البلوغ» مثل لفظ ابن حبان، ولو عزاه إليه الحافظ لكان أحسن، أو جمع بينهما فقدم ابن حبان ثم الحاكم. وقول الحاكم: (صحيح على شرط مسلم … ) صحيح بالنسبة للإسناد الأول، وفيه نظر بالنسبة للإسناد الثاني، فإن الحارث بن عبد الله لم يخرج له

стр. 1024

مسلم، ولا أحد من أصحاب الكتب الستة، وقد ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (مستقيم الحديث) (١)، وقال الذهبي: (صدوق) (٢). وفي الإسناد هشيم، وهو ابن بشير، مدلس، وقد عنعنه، وقد نقل الحافظ عن الإمام أحمد أنه قال: (لم يسمع هشيم من عاصم بن كليب وذكر جماعة آخرين، وقد حدث عنهم) (٣). وقد حسن هذا الحديث الهيثمي (٤) وقال الألباني: (صحيح، لولا عنعنة هشيم) (٥)، وسكت عنه الحافظ هنا في «البلوغ». وله شاهد من حديث أبي مسعود البدري ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ وفيه: (ثم ركع فجافى يديه، ووضع يديه على ركبتيه، وفرج بين أصابعه) (٦). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في أصابع اليدين حال الركوع تفريجهما فوق الركبة كالقابض عليها، لأن ذلك أمكن من الركوع وأثبت لحصول تسوية ظهره برأسه، وهي سنة مطلوبة، كما تقدم. أما في حال السجود فالسنة ضم الأصابع مع بسطها، ليحصل بذلك كمال استقبال القبلة بها، وهو أعون على تحملها في أثناء السجود، والله تعالى أعلم.

стр. 1025

صفة قعود من صلى جالساً ٣٠١/ ٣٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُول اللهِ ﷺ يُصَلِّي مُتَرَبِّعاً. رَوَاهُ النَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه النسائي في كتاب «قيام الليل وتطوع النهار»، باب «كيف صلاة القاعد» (٣/ ٢٢٤) وابن خزيمة (١٢٣٨) من طريق أبي داود الحَفَري (١) عن حفص، عن حميد، عن عبد الله بن شقيق، عن عائشة ﵂، قالت: … فذكرته. قال النسائي عقبه: (لا أعلم أحداً روى هذا الحديث غير أبي داود، وهو ثقة، ولا أحسب هذا الحديث إلا خطأ، والله تعالى أعلم). وهذا الحديث صححه الحاكم (١/ ٢٧٥) وسكت عنه الذهبي، وأخرجه ابن حبان (٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧) وصححه الألباني (٢). أما كلام النسائي فليس فيه الجزم بتضعيفه لأمرين: الأول: أن حكمه بالخطأ ظني، وأبو داود الحفري - وهو عمر بن سعيد بن عبيد - ثقة، ثم إن هذه الجملة الأخيرة لا توجد في «السنن الكبرى» (٢/ ١٤٣) الذي هو أصل الصغرى «المجتبى»، بل قال مغلطاي: إنها في بعض النسخ من «المجتبى».

стр. 1026

الثاني: أن أبا داود الحفري لم ينفرد به، فقد تابعه محمد بن سعيد الأصبهاني، ثنا حفص بن غياث به، أخرجه الحاكم (١/ ٢٥٨) وعنه البيهقي (٢/ ٣٠٥)، قال الحافظ: (وفي هذا تعقب على النسائي في دعواه تفرد أبي داود الحفري) (١) والأصبهاني ثقة، وحفص بن غياث ثقة - أيضاً - إلا أنه في الآخر ساء حفظه، فقد يكون هذا الحديث مما أخطأ فيه (٢)، وحميد هو الطويل كما في «الكبرى» وعند ابن حبان والبيهقي (٣). الوجه الثاني: استدل الفقهاء بهذا الحديث على أن الأفضل للمصلي إذا كان يصلي جالساً أن يتربع في محل القيام (٤). وصفة التربع: أن يجعل باطن القدم اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن القدم اليسرى تحت الفخذ اليمنى، ويضع الكفين على الركبتين، لأجل التفريق بين قعود القيام والقعود الذي في محله، إذ لو كان مفترشاً لم يكن هناك فرق بين الجلوس في محله وبين الجلوس الذي هو بدل من القيام. قالوا: ولأن التربع أكثر راحة وخشوعاً، بخلاف ما إذا جلس على رجله اليسرى مفترشاً فقد يتعب، ولا سيما إذا طالت القراءة، كما في صلاة الليل، وهذا قول الجمهور. ولو صلّى على غير هذه الحال أجزأ، لأن التربع - كما يقول المروزي - لم يأت في شيء من الأخبار إلا في هذا الحديث وفيه ما تقدم، ولم يثبت في كيفية جلوس المصلي قاعداً عن النبي ﷺ شيء، وفي حديث عمران بن حصين ﵄: (صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً)، وسيأتي إن شاء الله في باب «صلاة المسافر والمريض».

стр. 1027

ولم يذكر فيه صفة صلاته قاعداً، فدل على أنه يصلي قاعداً على أيّ حال شاء متوركاً أو مفترشاً أو متربعاً أو متوكئاً (١)، والنبي ﷺ قد ثبت أنه صلى جالساً ولم يرد في ذلك بيان كيفية جلوسه (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 1028

ما يقول المصلي بين السجدتين ٣٠٢/ ٣٦ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي». رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلاَّ النَّسَائيَّ، وَاللَّفْظُ لأبي دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٨٥٠) في كتاب «الصلاة»، باب «الدعاء بين السجدتين» والترمذي (٢٨٤) وابن ماجه (٨٩٨) والحاكم (١/ ٢٦٢، ٢٧١) من طريق كامل أبي العلاء، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ .. فذكره، وهذا لفظ أبي داود إلا أن فيه: (وعافني واهدني وارزقني) وعند الترمذي وابن ماجه: (واجبرني) بدل (عافني) وعند ابن ماجه: (وارفعني) بدل (اهدني) فتكون الكلمات بمجموع الروايات سبع كلمات. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكامل بن العلاء التميمي ممن يجمع حديثه). وقد تفرد أبو العلاء بهذا الحديث، وهو مختلف فيه، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سفيان، وقال ابن عدي: (أرجو أن لا بأس به)، وقال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال في موضع آخر: (ليس به بأس) (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ)، وبقية رجاله رجال الشيخين.

стр. 1029

الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (اغفر لي) فعل دعاء من: غفر يغفر غفراً، من باب «ضرب» وأصل الغفر: الستر والتغطية، والمغفرة من الله تعالى ستره للذنوب، ووقاية العبد آثامها، بعفوه عنها بفضله ورحمته. قوله: (وارحمني) فيه طلب رحمة الله التي يتم بها حصول المطلوب، بعد أن سأل المغفرة التي يتم بها زوال المرهوب. والرحمة صفة من صفات الله تعالى تقتضي إنعامه وإحسانه على عبده من إيجاده، ثم هدايته في الدنيا إلى ما يصلحه، ثم إسعاده في الآخرة إن آمن واتقى، وكل ما لله تعالى على خلقه من الإحسان والإنعام فهو شاهد برحمة تامة وسعت كل شيء، فلا حدود ولا منتهى لرحمة الله تعالى. قوله: (واهدني) فعل دعاء يراد به طلب الهداية، والمعنى: دلني وألزمني، وهذا يشمل هداية الدلالة إلى طريق الحق والصواب، وهداية التوفيق للإيمان والعلم النافع والعمل الصالح. قوله: (وعافني) فعل دعاء يراد به طلب العافية، وذلك بأن يرفع الله عنه الأسقام والبلايا، فإن كان مريضاً في بدنه فعليه أن يستحضر ذلك حال الدعاء، وأعظم الأمراض وأكثرها مرض القلوب إما بالشهوات المهلكة، أو بالشبهات المضلة، وذلك - والعياذ بالله - سبب شقاوة العبد، فعلى العبد أن يستحضر ذلك - أيضاً ـ. قوله: (وارزقني) فعل دعاء يراد به طلب الرزق، وهو اسم عام لما يقوم به الدين من العلم والإيمان والعمل الصالح، وما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، فعلى العبد أن يستحضر هذه المعاني العظيمة عند هذا الدعاء. قوله: (واجبرني) الجبر: مأخوذ من جبرت الوهن والكسر إذا أصلحته، فالجبر يكون من النقص الذي يعتري العبد في جميع أحواله، وهذا دعاء بالجبر الذي حقيقته إصلاح العبد ودفع جميع المكاره عنه، والله جل وعلا

стр. 1030

يجبر ضعف الضعفاء من عباده، ويجبر كسر القلوب المنكسرة من أجله، الخاضعة لعظمته وجلاله، بما يفيض عليها من أنواع كراماته وأصناف المعارف والأحوال الإيمانية، ويجبر المصاب فيوفقه للثبات والصبر ويعوضه من مصابه أعظم الأجر إذا قام بواجب ذلك. قوله: (وارفعني) دعاء بطلب الرفعة، وهذا شامل للرفعة في الدنيا بعلو المنزلة والذكر الحسن، والرفعة في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة. الوجه الثالث: استدل الفقهاء بهذا الحديث على مشروعية هذا الدعاء في الجلسة بين السجدتين، وقد ورد في حديث حذيفة ﵁ أنه ﷺ كان يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» (١)، فالجلوس بين السجدتين محل دعاء، فينبغي للمصلي أن يدعو بهذا الدعاء المأثور، وإن أضاف إليه دعاء بسؤال الجنة أو النجاة من النار أو صلاح قلبه أو عمله أو صلاح المسلمين وما أشبه ذلك فلا بأس به. وقد جاء في بعض الروايات تقييده بصلاة الليل، وهذا لا ينفي مشروعية هذا الدعاء في الفريضة، لما تقدم من أن ما جاز في النفل جاز في الفرض، إلا ما دل الدليل على تخصيصه به، وقد حكى الترمذي ذلك عن الشافعي وأحمد وإسحاق، وقال: (إنهم يرون هذا جائزاً في المكتوبة والتطوع) (٢). وقد نص الفقهاء - ومنهم الحنابلة - على أن الواجب من ذلك مرة واحدة، والأفضل أن يكررها، لحديث حذيفة ﵁. والدعاء بما جاء في هذا الحديث يتضمن جلب خير الدنيا والآخرة، ودفع شر الدنيا والآخرة، فإن الرحمة تُحصِّل الخير، والمغفرة تقي الشر، والهداية توصل إلى هذا وهذا، والرزق ما به قوام البدن والروح والقلب، كما تقدم (٣).

стр. 1031

حكم الجلوس بعد السجود قبل النهوض للثانية أو الرابعة ٣٠٣/ ٣٧ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ أَنَّهُ رأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وَتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً. رَوَاهُ الْبُخَاريُّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «من استوى قاعداً في وتر من صلاته ثم نهض» (٨٢٣) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، قال: (أخبرنا مالك بن الحويرث الليثي .. فذكره). الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الجلوس قليلاً إذا نهض من السجود إلى القيام عقب الفراغ من الركعة الأولى والثالثة، وهو المراد بقوله: (فإذا كان في وتر من صلاته .. )، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، وهي جلسة لطيفة تسكن فيها حركة الجوارح سكوناً بيناً، كالجلوس بين السجدتين، وليس فيها ذكر ولا دعاء. وقد اختلف العلماء فيها هل هي من سنن الصلاة وهيئاتها كالتجافي وغيره، أو أنها لا تشرع إلا عند الحاجة، على قولين: الأول: أنها سنة من سنن الصلاة، وهذا هو المشهور عن الإمام الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد (١) وانتصر له النووي (٢)، واختاره الشيخ

стр. 1032

عبد العزيز بن باز (١) لحديث مالك هذا، ولحديث أبي حميد الساعدي عندما وصف صلاة النبي ﷺ في عشرة من الصحابة، فقد ورد فيه ثم عاد فسجد، ثم رفع رأسه، وقال: (الله أكبر، ثم ثنى رجله اليسرى، ثم قعد عليها حتى رجع كل عظم إلى موضعه، ثم قام … ) (٢). فتكون هذه الجلسة ثبتت في المعنى عن أحد عشر صحابياً، أبو حميد وتسعة معه، ورواية مالك بن الحويرث التي معنا. وقد ورد ذكر جلسة الاستراحة في حديث المسيء صلاته من طريق ابن نمير، في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) (٣). ولو أخذ على ظاهره لدلَّ على وجوب جلسة الاستراحة، وهذا لم يقل به أحد - كما ذكر الحافظ - لكن نبه البخاري على وهم هذه اللفظة، فإنه عقبه بقوله: قال أبو أسامة في الأخير: (حتى تستوي قائماً) (٤)، وأخرجه البيهقي من طريق أبي أسامة بهذا اللفظ، وأشار إلى الوهم (٥)، ثم إن جلسة الاستراحة ليس فيها طمأنينة، فهذا مما يدل على ضعفها، وعلى فرض أن هذه اللفظة محفوظة فإنها تحمل على الجلوس للتشهد، فهو الذي يناسبه الطمأنينة، والله أعلم. القول الثاني: أنها ليست بسنة من سنن الصلاة، وإنما السنة أن ينهض على صدر قدميه ولا يجلس، وهذا القول حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ (٦)، وهؤلاء من أحرص الناس على مشاهدة أفعال

стр. 1033

النبي ﷺ وهيئاته في الصلاة، وقد ساق ابن المنذر، ومن قبله ابن أبي شيبة ما ورد عن هؤلاء الصحابة ﵃ بأسانيد صحيحة (١). قال النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب النبي ﷺ ، فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة والثالثة قام هو ولم يجلس (٢). وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والمشهور من مذهب أحمد، وعزاه النووي إلى الكثيرين أو الأكثرين (٣). وحملوا الأحاديث الواردة فيها على أنها فُعِلَتْ بسبب الضعف للكبر، لا لأنها مقصودة للقربة، لأن مالك بن الحويرث إنما قدم على النبي ﷺ بعد أن كبر ﷺ ، وذلك أثناء تجهزه لغزوة تبوك، وهي سنة تسع، فكان يجلس هذه الجلسة لكبره، فمع هذا الاحتمال لا تثبت المشروعية على وجه الإطلاق. قالوا: ولأنها لو كانت سنة دائمة لذكرها كل من وصف صلاة النبي ﷺ لتوفر الهمم والدواعي على نقلها، ومن هؤلاء صحابة ملازمون للنبي ﷺ ، كما تقدم. وقد ذكر الأصوليون في مبحث الأفعال النبوية أن النبي ﷺ قد يفعل العبادة بأجزائها الواجبة والمندوبة كالصلاة - مثلاً - بياناً لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ويفعل في أثنائها بعض الأفعال المباحة، كما وقع في الحج، ولذا قال أبو الحسن التميمي: (الذي انتهى إليَّ من قول أبي عبد الله - يعني الإمام أحمد - أن فعل النبي ﷺ موقوف على ما يضامه من الدليل) (٤). وهذا كلام دقيق، فقد تكون جلسة الاستراحة مما فعله ﷺ بياناً، وقد تكون من الأفعال المباحة للحاجة إليها - كما تقدم - ويكون دليل ذلك ما انضم إليه من أن واصفي صلاة النبي ﷺ لم يذكروها.

стр. 1034

قال القاضي عياض بعد حكايته قول الشافعي المتقدم: (وقال مالك في كافة الفقهاء .. لا يجلس ولكن ينهض كما هو، وحملوا حديث ابن الحويرث على أنه كان من فعله ﵇ ليدل على الجواز أو لشكوى) (١). قال الحافظ قاسم بن قُطْلُوبُغا لما ذكر ما ورد عن الصحابة أنهم ينهضون على صدور أقدامهم: قال الشيخ الإمام مجد الدين عبد السلام بن تيمية الحراني في شرح «هداية أبي الخطاب»: (وقد أجمع الصحابة على ذلك، فلا جرم حمل حديث مالك بن الحويرث وما في معناه على ما ذكر القاضي ﵀ عن كافة الفقهاء ﵏ (٢). وقد اختار هذا القول جمع من أهل العلم منهم ابن القيم (٣)، والشيخ عبد الرحمن السعدي (٤)، والشيخ محمد بن إبراهيم (٥). لكن من أخذ بالقول الأول وهو أنها سنة فله ذلك، إلا إذا كان مأموماً فإنه لا يجلس جلسة الاستراحة، بل يتابع إمامه فيقوم معه، لأن أفعال المأموم تقع بعد أفعال الإمام بدون مهلة، لقوله ﷺ : «إذا ركع فاركعوا وإذا سجد فسجدوا وإذا كبر فكبروا … ». ولهذا إذا ترك الإمام التشهد الأول وجب على المأموم متابعته في ترك الواجب، ولا يجوز له أن يتأخر عنه ليفعله، فإذا كان يتابعه في ترك الواجب فلأن يتابعه في ترك المستحب من باب أولى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الأقوى أن متابعة الإمام أولى من التخلف لفعل مستحب، والله أعلم) (٦).

стр. 1035

مشروعية القنوت في النوازل ٣٠٤/ ٣٨ - عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَنَتَ شَهْراً، بَعْدَ الرُّكُوعِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مَنَ أحياء الْعَرَبِ، ثمَّ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٠٥/ ٣٩ - وَلأحْمَدَ وَالدَّارَقُطْنيِّ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَزَادَ: فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا. ٣٠٦/ ٤٠ - وَعَنْهُ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَقْنُتُ إلا إذَا دعَا لِقَوْمٍ، أَوْ دَعَا عَلَى قَوْمٍ. صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. ٣٠٧/ ٤١ - وعَنْ سَعد بْنِ طَارقٍ الأشْجَعِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لأبِي: يَا أَبَتِ! إنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَبِي بكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَليٍّ، أَفَكانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْفَجْرِ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، مُحْدَثٌ. رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، إلاَّ أَبَا دَاوُدَ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي الكوفي، وثقه أحمد وابن معين والعجلي، وقال ابن عبد البر: (لا أعلمهم يختلفون في أنه ثقة عالم)، روى له البخاري في التعاليق، وروى له مسلم والأربعة، مات في حدود الأربعين بعد المائة. وأبوه طارق بن أشيم بن مسعود الأشجعي، قال البخاري: (له

стр. 1036

صحبة) (١)، سكن الكوفة، قال مسلم: (تفرد ابنه بالرواية عنه)، وله عنده حديثان: أحدهما في كتاب «الإيمان»، والثاني في «الدعوات» (٢). الوجه الثاني: في تخريجها: أما الحديث الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «المغازي»، باب «غزوة الرجيع، ورِعْلٍ وذكوان … » (٤٠٨٩)، ومسلم في كتاب «المساجد»، باب «استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزل بالمسلمين نازلة» (٦٧٧) (٣٠٤) من طريق هشام، عن قتادة، عن أنس ﵁، وهذا لفظ مسلم. والحديث الثاني: أخرجه أحمد (٢٠/ ٩٥) والدارقطني (٢/ ٣٩) من طريق أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك ﵁ به، ولفظ أحمد: (ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا). وعند الدارقطني: قال الربيع بن أنس: (كنت جالساً عند أنس بن مالك فقيل له: إنما قنت رسول الله ﷺ شهراً، فقال: ما زال رسول الله يقنت الغداة حتى فارق الدنيا)، وهذا الحديث ضعيف، لأن فيه ثلاث علل: الأولى: سوء حفظ أبي جعفر الرازي، وهو عيسى بن ماهان، قال عنه أحمد والنسائي: (ليس بالقوي)، وقال أبو زرعة: (شيخ يهم كثيراً)، وقال ابن حبان: (يحدث بالمناكير عن المشاهير) (٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ). الثانية: أن الربيع بن أنس البكري صدوق له أوهام، كما قال الحافظ في «التقريب»، قال ابن حبان: (الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في حديثه اضطراباً كثيراً) (٤). الثالثة: نكارته لمخالفته ما ثبت في الصحيحين، كما في اللفظ الأول

стр. 1037

الدال على أنه ﷺ قنت شهراً يدعو على أحياء من أحياء العرب ثم تركه، فيكون متنه مخالفاً لرواية الثقات ممن هم أكثر عدداً، وأوثق رواية، وهم الذين نفوا قنوته ﷺ على الدوام. وأما الحديث الثالث فقد أخرجه ابن خزيمة (٦٢٠) من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس ﵁ .. فذكره. قال ابن عبد الهادي: (هذا إسناد صحيح، والحديث نص في أن القنوت مختص بالنازلة) (١)، وصححه أيضاً الألباني (٢). وأما الحديث الرابع، فقد أخرجه النسائي في كتاب «التطبيق»، باب «ترك القنوت» (٢/ ٢٠٣) والترمذي (٤٠٢) وابن ماجه (١٢٤١) وأحمد (٢٥/ ٢١٤) من طريق يزيد بن هارون، عن أبي مالك الأشجعي، سعد بن طارق قال: قلت لأبي .. فذكره، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (قنت شهراً) القنوت في اللغة يطلق على عدة معانٍ منها: دوام الطاعة، وطول القيام، والسكوت، والدعاء، وهو أشهرها. وعند الفقهاء: القنوت: الدعاء في الصلاة قائماً، وهذا معنى (قنت) هنا. قوله: (يدعو على أحياء من أحياء العرب) الأحياء: جمع حي، والحي: القبيلة من العرب، والمراد بهم ما ورد في حديث أنس ﵁ قال: (بعث النبي ﷺ سبعين رجلاً لحاجة، يقال لهم: القراء، فعرض لهم حيَّان من بني سُليم: رِعْلٌ وذكوان عند بئر يقال لها: بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، إنما نحن مجتازون في حاجة للنبي ﷺ ، فقتلوهم، فدعا النبي ﷺ عليهم شهراً في صلاة الغداة، وذلك بدء القنوت، وما كنا نقنت) (٣)، وقد ذكر

стр. 1038

ابن هشام أن سرية بئر معونة سنة أربع من الهجرة (١). قوله: (يا أبتِ) منادى حذفت منه ياء المتكلم، وعوض عنها تاء التأنيث، وبنيت على الكسر لتدل على الياء المحذوفة، والأصل: يا أبي، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ﴾ [مريم: ٤٢] فقد قرأ السبعة إلا ابن عامر بالكسر، وهذا هو الأكثر في هذا المنادى، وهو كلمة (أب) المضاف للياء. قوله: (أي بني) منادى بـ (أي)، والأصل أنها لنداء البعيد، لكن قد ينزل القريب منزلة البعيد للإشعار بأنه رفيع القدر ذو مكانة عالية. قوله: (محدث) أي: أمر مبتدع في الدين لم يرد به الشرع، والظاهر أن المراد بذلك المداومة على القنوت وأن ذلك محدث، لأنه إنما يشرع عند الحاجة إليه في بعض الأحيان كما سيأتي، ويحتمل أنه ما صلى خلفهم في الوقائع فسماه محدثاً، والعلم عند الله تعالى. الوجه الرابع: الأحاديث الثلاثة دليل على مشروعية القنوت في النوازل، وقد نقل ابن منظور عن ابن سيده أنه قال: النازلة: الشدة من شدائد الدهر تنزل بالناس (٢)، نسأل الله العافية، وقد مثل لها العلماء بالزلازل والجدب والسيول والمجاعات ونحو ذلك، والظاهر أن هذه لا قنوت فيها، لأنها أمر نزل من الله تعالى، بل يشرع له ما دلَّت عليه السنة من صلاة الاستسقاء عند الجدب، وما ورد من بعض الآثار عن الصحابة ﵃ في الصلاة عند الزلزلة، كما سيأتي ذلك إن شاء الله. وإنما يشرع القنوت عند تسلط الأعداء على المسلمين وديارهم، فيدعو لهم ويدعو على أعدائهم، لفعل النبي ﷺ ، فقد دعا النبي ﷺ على من قتل القراء في بئر معونة، ودعا للمستضعفين من أهل مكة، كما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر ويرفع رأسه: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد»، ثم يقول

стр. 1039

وهو قائم: «اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لَحيان ورِعْلاً وذكوان» (١)). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة، وإذا سَمَّى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً) (٢). فعلى الإمام في قنوت النازلة أن يلزم الاختصار وأن يدعو بالدعاء المناسب لذلك، وأن يبتعد عن الإطالة أو التفاصيل التي لا داعي لها، لأن ذلك أجمع للقلب، وأقرب إلى المراد، وأبعد عن المشقة على المأمومين. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن القنوت يكون بعد الرفع من الركوع، وعلى هذا أكثر الأحاديث، ويجوز القنوت قبل الركوع، لما ورد عن أنس بن مالك ﵁ وقد سئل عن القنوت بعد الركوع أو عند فراغه من القراءة؟ قال: (لا، بل عند الفراغ من القراءة) (٣). وعن أنس أنه سئل عن القنوت فقال: (قبل الركوع وبعده) (٤)، ومن أبواب البخاري باب (القنوت قبل الركوع وبعده). ولعل الحكمة - والله أعلم - في كون القنوت في حال الاعتدال دون حال السجود الذي هو مظنة الإجابة، لأن المطلوب في قنوت النازلة أن يشارك المأموم إمامه في الدعاء ولو بالتأمين، ولهذا اتفقوا على أنه يجهر به، أفاد ذلك الحافظ (٥).

стр. 1040

الوجه السادس: المتتبع للسنة يجد أن أكثر الأحاديث تدل على أنه ﷺ كان يقنت عند الحاجة والنازلة في صلاة الفجر، وقد تقدم في حديث أنس في قصة القراء الذين قتلوا في بئر معونة (فدعا النبي ﷺ شهراً في صلاة الغداة). وكذا ورد في حديث ابن عمر ﵄ (١)، وحديث أبي هريرة (٢) ﵁. وقد وقع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة، وهي تعيين الصلاة التي يقنت فيها، والتحقيق في ذلك أنه يقنت بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل فريضة من الصلوات الخمس التي ورد القنوت فيها، لا سيما أول نزول النازلة، لأن الناس أحوج إلى كثرة الدعاء، فإذا خَفَّتِ النازلة قنت في الفجر والمغرب، فإذا خفت قنت في الفجر، فإذا أقلعت أمسك عن القنوت. فقد ورد في حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يقنت في صلاة المغرب والفجر (٣)، وعن أبي هريرة ﵁ قال: (لأقربن لكم صلاة رسول الله ﷺ ، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة الظهر والعشاء الأخيرة، وصلاة الصبح بعدما يقول: «سمع الله لمن حمده»، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكفار (٤)). الوجه السابع: حديث أبي مالك الأشجعي فيه دليل على أن الاستمرار في القنوت في صلاة الفجر محدث وليس بمشروع، وإنما يفعل ذلك عند الحاجة في بعض الأحيان، لأن أباه قد صلّى خلف النبي ﷺ وهو ابن عشر سنين، وصلّى وراء الخلفاء الراشدين ﵃ ولم يسمع أحداً منهم يقنت في الفجر بغير سبب، ولو كان سنة راتبة لكانت الهمم والدواعي متوفرة

стр. 1041

على نقله، ولم يتركه الصحابة ﵃، ولا سيما الخلفاء الراشدون الذين يؤمون الناس، فمثل ذلك لا يخفى. وما ورد من أحاديث تدل على المداومة فهي ضعيفة لا تقوم بها حجة، ثم هي معارضة بما هو أقوى منها، والله تعالى أعلم.

стр. 1042

ما يقال في قنوت الوتر ٣٠٨/ ٤٢ - عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَليٍّ ﵄ قَالَ: عَلّمَنِي رسُولُ اللهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ الْخَمْسَةُ. وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: «وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ». زَادَ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فِي آخِرِهِ: «وَصَلَّى اللهُ عَلَى النَّبِيِّ». ٣٠٩/ ٤٣ - وَلِلْبَيْهَقيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا دُعَاءً نَدْعُو بِهِ في الْقُنُوتِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. وَفِي سَنَدِهِ ضَعْفٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، سِبْطُ رسول الله ﷺ وريحانته، ولد في النصف من شهر رمضان، سنة ثلاث من الهجرة على الصحيح، وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وكان سِنُّهُ وقت وفاة النبي ﷺ ثمان سنوات، ومع ذلك حفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وكان حليماً ورعاً فاضلاً، وعن أبي بكرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ على المنبر والحسن إلى جنبه ينظر إلى الناس مرة، وإليه مرة، ويقول: «ابني هذا

стр. 1043

سيد، ولعل الله أن يصلح به فئتين من المسلمين» (١)، وقد وقع ذلك عندما بايعه الناس بعد أبيه، فبقي نحو سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراء خراسان، ثم جمع الجيوش العظيمة وخرج إلى الشام لقتال معاوية الذي كان والياً عليها وقت ولاية أبيه علي ﵁ على العراق، فالتقى الجيشان في موضع يقال له: (مَسْكِن)، فهال الحسن أن يقتتل المسلمون، فخلع نفسه من الخلافة، وسَلَّمَ الأمر لمعاوية، حقناً للدماء، وجمعاً للكلمة، وشرط على معاوية شروطاً للصلح، وصار ذلك من مناقبه العظيمة، وتحقق بذلك ما قاله النبي ﷺ ، وانصرف الحسن إلى المدينة، وبقي بها إلى أن مات، سنة خمسين على أحد الأقوال (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث الحسن بن علي ﵄ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «القنوت في الوتر» (١٤٢٥) والترمذي (٤٦٤) والنسائي (٣/ ٢٤٨) وابن ماجه (١١٧٨) وأحمد (٣/ ٢٤٥) من طريق أبي إسحاق، عن بُريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي قال: (قال الحسن بن علي: … فذكره). وإسناده صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الترمذي: (هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه .. ولا نعرف عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر شيئاً أحسن من هذا). وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وصححه النووي، والألباني (٣)، لكن طعن بعض الحفاظ كابن خزيمة في لفظة: (في قنوت الوتر) وذلك لأن شعبة رواه عن بُريد بن أبي مريم كما في «المسند» (٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩) ولم يذكر القنوت ولا الوتر، ولفظه: (كان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت … )، وشعبة أوثق من كل من رواه عن بُريد، كأبي إسحاق وابنه

стр. 1044

يونس، وعلى قاعدة المحققين في زيادة الثقة يحكم على هذه اللفظة بالشذوذ، ولا يكون هذا الدعاء مختصاً بالقنوت (١). وأخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ٧٣) رقم (٢٧٠٧) وفي «الدعاء» (٧٤٤) من طريق عمرو بن مرزوق، عن شعبة به، بزيادة: (ولا يعز من عاديت)، وهي زيادة شاذة تفرد بها عمرو بن مرزوق عن جميع من رووه عن شعبة (٢). وأخرجه النسائي من وجه آخر - كما قال الحافظ - فقال في «السنن»: (٣/ ٢٤٨) حدثنا ابن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم، عن موسى بن عقبة، عن عبد الله بن علي، عن الحسن بن علي قال: (علمني رسول الله ﷺ هؤلاء الكلمات في الوتر قال: قل: «اللهم اهدني فيمن هديت .. »، وفي آخره قال: «تباركت ربنا وتعاليت، وصَلَّى الله على النبي محمد»). وإسناد هذه الزيادة ضعيف، قال الحافظ ابن حجر: (هذه الزيادة في هذا السند غريبة لا تثبت، لأن عبد الله بن علي لا يعرف، وقد جوَّز الحافظ عبد الغني أن يكون هو عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، وجزم المزي بذلك، فإن يكن كما قال فالسند منقطع (٣) … )، وجزم في «التلخيص» بأن السند منقطع (٤)، وذلك لأن عبد الله بن علي بن الحسين بن علي، والده علي بن الحسين المعروف بزين العابدين، وقد أدرك من حياة عمه الحسن ﵁ نحو عشر سنين، فكيف يكون عبد الله قد سمع من الحسن بن علي، فالسند ضعيف إما لانقطاعه بهذا الاعتبار، أو لجهالة راويه على الاعتبار الأول. وقد رواه الحاكم (٣/ ١٧٢) من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحسن به، ولم يذكر الصلاة على النبي ﷺ ، وإسماعيل بن إبراهيم وثقه ابن معين، والنسائي، وقال أبو حاتم (لا بأس به)، وقال الدارقطني: (ما علمت إلا

стр. 1045

خيراً، أحاديثه صحاح نقية) وهذا بخلاف يحيى بن عبد الله بن سالم فقد قال فيه النسائي: (مستقيم الحديث) وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (ربما أغرب) (١) ووثقه الدارقطني، ونقل الساجي عن ابن معين أنه قال فيه: (صدوق، ضعيف الحديث) (٢). وأما حديث ابن عباس ﵄ فقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٠٩) من طرق عن عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن هرمز أن بُريد بن أبي مريم أخبره قال: (سمعت ابن عباس ومحمد بن علي وهو ابن الحنفية بالخيف يقولان: كان النبي ﷺ يقنت في صلاة الصبح وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات: «اللهم اهدني فيمن هديت … »). وأخرجه البيهقي أيضاً (٢/ ٢١٠) من طريق الوليد بن مسلم، ثنا ابن جريج به، عن عبد الله بن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت من صلاة الصبح: «اللهم اهدنا فيمن هديت .. »)، فجعله من مسند ابن عباس وحده. وهذا إسناد ضعيف، قال الحافظ: (ابن هرمز المذكور شيخ مجهول، والأكثر أن اسمه عبد الرحمن، وليس هو الأعرج الثقة المشهور، وصاحب أبي هرمز) (٣)، وقال الألباني: (لم أجد من ذكر عبد الرحمن هذا، أما الأعرج فهو ثقة معروف) (٤)، وعلى هذا فالقنوت في صلاة الصبح بهذا الدعاء لم يثبت، والله أعلم. الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما: قوله: (اللهم اهدني فيمن هديت) أي: يا الله، دلني وألزمني الهداية، وهذا شامل لهداية الإرشاد التي ضدها الضلال، وهداية التوفيق التي ضدها الغي، وتقديم بيان ذلك في الدعاء بين السجدتين.

стр. 1046

قوله: (فيمن هديت) أي: اجعلني معدوداً في جملة من هديت مندرجاً في زمرتهم، وهذا فيه توسل إلى الله تعالى بفعله ، فكأنه قال: كما هديت غيري فاهدني. قوله: (وعافني فيمن عافيت) أي: ارزقني العافية عن كل نقص في الدنيا أو الدين، يؤثر على صلاح العبد وسيره إلى الله تعالى، فهو يسأل ربه العافية من أسقام الدين، وهي أمراض القلوب التي مدارها على الشهوات المهلكة والشبهات المضلة، وأن يعافيه من أمراض الأبدان التي تؤدي إلى اعتلال البدن، وفقد قوته ونشاطه الذي هو قوام عمله لدينه ودنياه. قوله: (وتولني فيمن توليت) أي: كن لي ولياً ومعيناً وناصراً، تحفظني عن كل مخالفة ونظر إلى غيرك. قوله: (وبارك لي فيما أعطيت) أي: أنزل البركة فيما أعطيتني من العلم والمال والجاه والولد وغير ذلك، وحذف المتعلق لإرادة التعميم، والله تعالى إذا بارك لعبده في شيء فليس لبركته منتهى. قوله: (وقني شر ما قضيت) (ما) موصولة: أي: شر الفعل الذي قضيت به علي، أو مصدرية، أي: شر قضائك، والمراد: المقضي، لا نفس القضاء الذي هو فعل الله تعالى لأنه خير مطلقاً، والمعنى: اجعل لي وقاية من عندك تقيني شر ما قضيته عليَّ ودبرته، وذلك بأن تحفظني من شر الفعل الذي قضيت به عليَّ وشر ما يقترن به من السخط والجزع الذي يمنع الثواب، لأن ما قضاه الله تعالى على عبده قد يكون خيراً، إذا كان يلائم العبد من العلم والصحة والمال والولد الصالح وما أشبه ذلك، وقد يكون شراً إذا كان لا يلائم العبد من الجهل والمرض والفقر والولد غير الصالح ونحو ذلك، وهذا وإن كان شراً فهو في الحقيقة خير، لأنه ينطوي تحته حكم عظيمة، ومصالح كثيرة للعبد، ولهذا قال النبي ﷺ : «والشر ليس إليك» (١).

стр. 1047

ومعناه: أن ما يقدره الله تعالى على عبده قد يكون شراً إذا كان لا يلائمه، لكن فعل الله تعالى ليس بشر، لأن أفعاله كلها خير وحكمة، وفيها مصالح عظيمة علمها من علمها وجهلها من جهلها، فباعتبار نسبتها إلى العبد قد تكون شراً، وباعتبار نسبتها إلى الله تعالى لكونه قضاها وقدرها ليست بشر بل هي خير. قوله: (فإنك تقضي ولا يقضى عليك) جملة تعليلية، والفاء قد ثبتت في رواية الترمذي وإحدى روايات النسائي. والمعنى: إنه لا يعطي تلك الأمور العظام إلا من كملت قدرته وقضاؤه ولم يوجد منها شيء في غيره، والله تعالى يقضي بما أراد ولا أحد يقضي على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر: ٢٠]. قوله: (إنه لا يذل من واليت) الضمير للشأن، ويذل: بفتح الياء وكسر الذال المعجمة، من باب «ضرب» أي: لا يضعف ولا يهون من واليت، وهي الدلالة الخاصة. قوله: (ولا يعز من عاديت) هذه الجملة عند الطبراني والبيهقي، و (يعز) بفتح الياء وكسر العين، من باب «ضرب» من العز، وهو ضد الذل، والمعنى: لا يَغْلِبُ من عاديته ولا ينتصر بل هو ذليل، لأن من والاه الله فهو منصور، ومن عاداه فهو مغلوب ومقهور. وهذا ليس على عمومه، بل قد يعرض أحوال يَعِزّ فيها الكفار، ويذل فيها المؤمنون، كما حصل للنبي ﷺ وأصحابه في غزوة أحد، ويكون في ذلك مصالح عظيمة، أو يكون معنى الحديث: عزاً كاملاً أو عزاً مطرداً، فإن ما يحصل لغير المؤمنين عزٌّ مؤقت ثم يزول. قوله: (تباركت ربنا وتعاليت) تباركت: أي تعاظمتَ وتزايد برك وإحسانك، وتعاليت: من التعالي وهو العلو، وزيدت التاء للمبالغة، والمعنى: لك علو الذات وعلو الصفة، فالله تعالى فوق كل شيء، وهو موصوف بصفات الكمال.

стр. 1048

ولعل الحكمة - والله أعلم - في الإتيان بضمير الجمع في قوله: (ربنا) دون ما تقدم من قوله: (اهدني .. إلخ) أن ذلك مقام سؤال ودعاء، وهو مناسب للتذلل والانكسار، وهذا مقام ثناء على الرب ، فناسب الإتيان بضمير الجمع، إما إشارة إلى العجز عن قيام المرء بمفرده بأداء حق ثنائه، أو إشارة إلى الرفعة بهذه الإضافة الشريفة إلى الرب جل وعلا. الوجه الرابع: استدل بهذا الحديث من قال: بمشروعية القنوت في صلاة الوتر واستحبابه فيه، وأن يدعو بهذا الدعاء الجامع لخيري الدنيا والآخرة، ويدعو به الإمام بصيغة الجمع، مراعاةً لحال المأمومين وتأمينهم عليه. ويصلي على النبي ﷺ في آخر دعائه، وهذا وإن لم يثبت في دعاء القنوت متصلاً به - كما تقدم - فقد ثبت ذلك عن بعض الصحابة ﵃. فقد أخرج إسماعيل القاضي بسنده عن عبد الله بن الحارث أن أبا حليمة - معاذ الأنصاري - كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت (١). وكذا ورد عن أُبَيِّ بن كعب عندما صلّى بالناس قيام رمضان في عهد عمر ﵁ أنه صلّى على النبي ﷺ في آخر القنوت (٢). وإن زاد الإمام بعض الأدعية المأثورة فحسن، وإن دعا بما يناسب بعض الأحوال العارضة، كالاستغاثة حال الجدب، أو الدعاء بنصرة المسلمين عند تسلط الأعداء، ونحو ذلك جاز، لكن على الإمام في دعاء القنوت في رمضان مراعاة ثلاثة أمور: الأول: أن يحرص على الأدعية الواردة في الكتاب والسنة، وأن يجتنب

стр. 1049

السجع والتكلف، والدعاء المخترع، والتفاصيل الدقيقة التي تجعل الدعاء إلى الوعظ والترهيب أقرب، وعليه أن يختار الجوامع من الأدعية، لقول عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك) (١)، وإن بدأه بحمد الله تعالى والثناء عليه، ثم الصلاة على النبي ﷺ فهو أولى (٢)، لحديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: (سمع رسول الله ﷺ رجلاً يدعو في صلاته لم يُمَجِّد الله تعالى، ولم يصلِّ على النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «عَجَّلَ هَذَا»، ثم دعاه فقال له أو لغيره: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَليَبْدَأْ بِتَحْمِيد ربِّهِ جَلَّ وعَزَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ» (٣). الثاني: ألاّ يطيل إطالة تشق على المأمومين، تؤدي إلى فتورهم وتسبب شكواهم، وقد قال النبي ﷺ لمعاذ ﵁ لما أطال في صلاة الفريضة: «أفتَّان أنت يا معاذ» (٤)؟ فكيف بالإطالة في دعاء القنوت، بل في أدعية مخترعة وأساليب مسجوعة؟!. الثالث: أن يدعو الإمام بصوته المعتاد؛ فإنه أقرب إلى الإخلاص والتضرع، وأعظم في الأدب والتعظيم، وأدل على إحساس الداعي بقربه من ربه، وعليه أن يبتعد عن كل ما ينافي الضراعة والابتهال، أو يدعو إلى الرياء والإعجاب وتكثير المصلين خلفه من التلحين والتطريب أو التمطيط أو تصنع البكاء ونحو ذلك مما ظهر على بعض الأئمة في هذا الزمان، والله المستعان. واعلم أنه لم يصح عنه ﷺ أنه قنت في الوتر. وإنما أُخذت سُنية

стр. 1050

القنوت من تعليم النبي ﷺ الحسن بن علي ﵄ الدعاء المأثور، كما تقدم - على القول بثبوت لفظة: (قنوت الوتر) - ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يداوم عليه. قال الحافظ ابن حجر: (قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي ﷺ شيء، ولكن عمر كان يقنت) (١)، وقال الإمام ابن خزيمة: (ولست أحفظ خبراً ثابتاً عن النبي ﷺ في القنوت في الوتر … ) (٢). وعلى هذا فمداومة أئمة المساجد على القنوت في رمضان بحيث لا يتركونه إلا قليلاً يحتاج إلى دليل، لأنه مخالف للسنة، والله تعالى أعلم.

стр. 1051

كيفية الهوي إلى السجود ٣١٠/ ٤٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قبل ركبتيه». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ. وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ: ٣١١/ ٤٥ - رَأَيْتُ رسول الله ﷺ : إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبلْ يَدَيْه. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ. فإنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِداً مِنْ حدِيثِ: ٣١٢/ ٤٦ - ابْنِ عُمَرَ ﵁ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَاريُّ مُعلَّقاً مَوْقُوفاً. الكلام عليها من وجهين: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» (٨٤٠) والترمذي (٢٦٩) والنسائي (٢/ ٢٠٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. وقد اختلف العلماء في هذا الحديث فصحَّحه قوم، وضعفه آخرون، فممن صحَّحه عبد الحق، والسيوطي، وأحمد شاكر، والألباني (١) والحافظ كما هنا في «بلوغ المرام».

стр. 1052

وضعفه الأئمة الكبار أمثال: البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأعلُّوه بتفرد الدراوردي، عن شيخه محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بالنفس الزكية، وتفرد شيخه به، نصَّ على ذلك الدارقطني، والبيهقي وغيرهما (١). فأما الدراوردي ففيه كلام لأهل العلم، وأعدل الأقوال فيه أنه ثقة، فإن حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإن حدَّث من حفظه أو من كتب غيره فإنه يهم ويجيء ببواطيل من القلب وغيره، ذكر ذلك الإمام أحمد وغيره (٢)، وعليه فما تفرد به فهو محل نظر. وأما محمد بن الحسن فقد وثقه النسائي (٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، لكن قال البخاري بعد أن ساق حديثه هذا: (ولا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟) (٥)، وقال ابن عدي: (لا يتابع عليه، لم يسمع، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري) (٦)، وذكر ابن سعد أنه كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية (٧)، ومن هذه صفته فإنه يُتوقف في حديثه، فلا يقبل عند التفرد. فإن قيل: إنه لم يتفرد به، فقد تابعه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله به، أخرجه أبو داود (٨٤١) والترمذي (٢/ ٥٦) والنسائي (٢/ ٢٠٧) ولفظه عند أبي داود والنسائي: (يَعْمِدُ أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)، وعند الترمذي: (يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بَرْكَ الجمل). فالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه ذكر تقديم اليدين على الركبتين من هذا الطريق، والمتابعة في علم المصطلح هي رواية الحديث بلفظه أو معناه، وهذا غير متحقق في رواية عبد الله بن نافع، ثم إن غاية ما يدل عليه هو النهي

стр. 1053

عن بروك كبروك الجمل، وبروكه معروف عنه الجميع بالمعاينة، وهو أنه يقدم يديه في البروك قبل رجليه، بدليل أنه يثني خفيه أولاً قبل ركبتيه، فإذا قدم المصلي يديه قبل ركبتيه في السجود - كما في رواية الدراوردي - فقد شابه البعير. وأما الشاهد الذي ذكره الحافظ هنا، فقد أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧) والدارقطني (١/ ٣٤٤) والحاكم (١/ ٢٦٦) والبيهقي (٢/ ١٠٠) وذكره البخاري تعليقاً (٢/ ٢٩٠ فتح) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك، قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي. وهذا الشاهد فيه نظر من وجهين: الأول: أنه جاء من طريق الدراوردي، ورواية الدراوردي عن شيخه عبيد الله بن عمر ضعيفة، بل منكرة، كما نص على ذلك الحفاظ، كالإمام أحمد، وأبي حاتم، والنسائي، وابن رجب وغيرهم (١)، وقد نقل المزي عن أبي داود أنه قال: (روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث منكرة) (٢)، ثم إن هذا المروي عن ابن عمر قد روي عنه خلافه، كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه (٣). الثاني: أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ ضعفه أهل العلم، كالبيهقي وغيره، فإنه قال بعد أن ذكر حديث أبي هريرة بسنده: (ولعبد العزيز الدراوردي إسناد آخر ولا أراه إلا وهماً) (٤)، وبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة

стр. 1054

لا شاهد له، ثم إن متنه فيه اضطراب، فقد روي باللفظ المذكور، وروي بلفظ: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل) (١). أما الحديث الثاني: وهو حديث وائل بن حجر، فقد أخرجه أبو داود (٨٣٨) في كتاب «الصلاة» باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» والترمذي (٢٦٧) والنسائي (٢/ ٢٠٧) وابن ماجه (٨٨٢) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه). وقد ضعَّف هذا الحديث قوم، وصحَّحه آخرون، فممَّن ضعفه البيهقي والدارقطني والألباني وغيرهم (٢)، وحجتهم: تفرد شريك بن عبد الله القاضي به، وليس هو بالقوي، وممن صححه الترمذي والطحاوي والخطابي والبغوي وابن القيم وغيرهم (٣)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، فإن شريك بن عبد الله تكلم فيه علماء الجرح والتعديل ما بين مضعف له وهم قلة، وموثق له مطلقاً، أو موثق له مع جواز الغلط والوهم عليه، فيكون ثقة ضعيف الضبط، والأكثرون على هذا، وخلاصة ما قيل فيه: أنه ثقة صدوق يهم، فإن حدَّث من كتابه فصحيح، وإن حدث من حفظه فإن كان قبل ولايته القضاء فصحيح أيضاً إذا لم يُعنعن، وإن كان بعدها ففي حديثه تخليط واضطراب، لأنه تغير وساء حفظه (٤)، لكن ما ذكر في هذا الحديث ليس مما يضيَّع، فإنه يتردد عليه في اليوم والليلة خمس مرات غير النوافل، فمثل هذا يحفظ، على أنه قد روى هذا الحديث عنه يزيد بن هارون الواسطي - كما تقدم - وسماعه منه قديم قبل ولايته القضاء، كما صرح بذلك ابن حبان (٥) وغيره، وقد رواه بالعنعنة، لكن

стр. 1055

تابعه همام بن يحيى البصري من ثلاث طرق عند أبي داود (٨٣٩) والبيهقي (٢/ ٩٨ - ٩٩) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٥) والطريق الثالث مرسل صحيح. والحديث له شاهد من حديث أنس ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ كبر فحاذى بإبهامه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه، وانحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه)، أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٥) والحاكم (١/ ٢٢٦) والبيهقي (٢/ ٩٩) وقال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة) وسكت عنه الذهبي، وقد أخرجه ابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٩) محتجاً به في مقام المعارضة لمذهبه - وهو وجوب تقديم اليدين قبل الركبتين - ولم يذكر له علة، ولو علمها لبادر بذكرها، لأن ذلك ينفعه في مقام تضعيف الدليل المعارض (١). وقد ضعفه بعض العلماء بجهالة العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وبقية رجاله رجال الصحيح، فالحديث فيه مقال، ولحديث وائل شاهدان آخران عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ﵄، وهما ضعيفان. الوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها بيان صفة الهوي في السجود، وهي من المسائل التي كثر فيها الكلام، حتى قال الشوكاني: (إن المقام من معارك الأنظار، ومضايق الأفكار) (٢)، وقال النووي: (ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من السنة) (٣)، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن المصلي يهوي إلى السجود بتقديم الركبتين ثم اليدين، وقد عزاه ابن المنذر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وإلى إبراهيم النخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، وإلى الشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي (٤)، واستدلوا بحديث وائل بن حجر ﵁.
следующие страницы →