← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

كيفية الهوي إلى السجود ٣١٠/ ٤٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قبل ركبتيه». أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ. وَهُوَ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ: ٣١١/ ٤٥ - رَأَيْتُ رسول الله ﷺ : إذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبلْ يَدَيْه. أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ. فإنَّ لِلأَوَّلِ شَاهِداً مِنْ حدِيثِ: ٣١٢/ ٤٦ - ابْنِ عُمَرَ ﵁ صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَذَكَرَهُ الْبُخَاريُّ مُعلَّقاً مَوْقُوفاً. الكلام عليها من وجهين: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» (٨٤٠) والترمذي (٢٦٩) والنسائي (٢/ ٢٠٧) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن محمد بن عبد الله بن الحسن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعاً. وقد اختلف العلماء في هذا الحديث فصحَّحه قوم، وضعفه آخرون، فممن صحَّحه عبد الحق، والسيوطي، وأحمد شاكر، والألباني (١) والحافظ كما هنا في «بلوغ المرام».

стр. 1052

وضعفه الأئمة الكبار أمثال: البخاري والترمذي والدارقطني والبيهقي، وأعلُّوه بتفرد الدراوردي، عن شيخه محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بالنفس الزكية، وتفرد شيخه به، نصَّ على ذلك الدارقطني، والبيهقي وغيرهما (١). فأما الدراوردي ففيه كلام لأهل العلم، وأعدل الأقوال فيه أنه ثقة، فإن حدَّث من كتابه فهو صحيح، وإن حدَّث من حفظه أو من كتب غيره فإنه يهم ويجيء ببواطيل من القلب وغيره، ذكر ذلك الإمام أحمد وغيره (٢)، وعليه فما تفرد به فهو محل نظر. وأما محمد بن الحسن فقد وثقه النسائي (٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤)، لكن قال البخاري بعد أن ساق حديثه هذا: (ولا يتابع عليه، ولا أدري أسمع من أبي الزناد أم لا؟) (٥)، وقال ابن عدي: (لا يتابع عليه، لم يسمع، سمعت ابن حماد يذكره عن البخاري) (٦)، وذكر ابن سعد أنه كان قليل الحديث، وكان يلزم البادية (٧)، ومن هذه صفته فإنه يُتوقف في حديثه، فلا يقبل عند التفرد. فإن قيل: إنه لم يتفرد به، فقد تابعه عبد الله بن نافع، عن محمد بن عبد الله به، أخرجه أبو داود (٨٤١) والترمذي (٢/ ٥٦) والنسائي (٢/ ٢٠٧) ولفظه عند أبي داود والنسائي: (يَعْمِدُ أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل)، وعند الترمذي: (يعمد أحدكم فيبرك في صلاته بَرْكَ الجمل). فالجواب: أن هذا الحديث ليس فيه ذكر تقديم اليدين على الركبتين من هذا الطريق، والمتابعة في علم المصطلح هي رواية الحديث بلفظه أو معناه، وهذا غير متحقق في رواية عبد الله بن نافع، ثم إن غاية ما يدل عليه هو النهي

стр. 1053

عن بروك كبروك الجمل، وبروكه معروف عنه الجميع بالمعاينة، وهو أنه يقدم يديه في البروك قبل رجليه، بدليل أنه يثني خفيه أولاً قبل ركبتيه، فإذا قدم المصلي يديه قبل ركبتيه في السجود - كما في رواية الدراوردي - فقد شابه البعير. وأما الشاهد الذي ذكره الحافظ هنا، فقد أخرجه ابن خزيمة (٦٢٧) والدارقطني (١/ ٣٤٤) والحاكم (١/ ٢٦٦) والبيهقي (٢/ ١٠٠) وذكره البخاري تعليقاً (٢/ ٢٩٠ فتح) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبي ﷺ يفعل ذلك، قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، وسكت عنه الذهبي. وهذا الشاهد فيه نظر من وجهين: الأول: أنه جاء من طريق الدراوردي، ورواية الدراوردي عن شيخه عبيد الله بن عمر ضعيفة، بل منكرة، كما نص على ذلك الحفاظ، كالإمام أحمد، وأبي حاتم، والنسائي، وابن رجب وغيرهم (١)، وقد نقل المزي عن أبي داود أنه قال: (روى عبد العزيز عن عبيد الله أحاديث منكرة) (٢)، ثم إن هذا المروي عن ابن عمر قد روي عنه خلافه، كما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن أبي ليلى، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه، ويرفع يديه إذا رفع قبل ركبتيه (٣). الثاني: أن رفع الحديث إلى النبي ﷺ ضعفه أهل العلم، كالبيهقي وغيره، فإنه قال بعد أن ذكر حديث أبي هريرة بسنده: (ولعبد العزيز الدراوردي إسناد آخر ولا أراه إلا وهماً) (٤)، وبهذا يتبين أن حديث أبي هريرة

стр. 1054

لا شاهد له، ثم إن متنه فيه اضطراب، فقد روي باللفظ المذكور، وروي بلفظ: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل) (١). أما الحديث الثاني: وهو حديث وائل بن حجر، فقد أخرجه أبو داود (٨٣٨) في كتاب «الصلاة» باب «كيف يضع ركبتيه قبل يديه؟» والترمذي (٢٦٧) والنسائي (٢/ ٢٠٧) وابن ماجه (٨٨٢) من طريق يزيد بن هارون، أخبرنا شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: (رأيت النبي ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه). وقد ضعَّف هذا الحديث قوم، وصحَّحه آخرون، فممَّن ضعفه البيهقي والدارقطني والألباني وغيرهم (٢)، وحجتهم: تفرد شريك بن عبد الله القاضي به، وليس هو بالقوي، وممن صححه الترمذي والطحاوي والخطابي والبغوي وابن القيم وغيرهم (٣)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، فإن شريك بن عبد الله تكلم فيه علماء الجرح والتعديل ما بين مضعف له وهم قلة، وموثق له مطلقاً، أو موثق له مع جواز الغلط والوهم عليه، فيكون ثقة ضعيف الضبط، والأكثرون على هذا، وخلاصة ما قيل فيه: أنه ثقة صدوق يهم، فإن حدَّث من كتابه فصحيح، وإن حدث من حفظه فإن كان قبل ولايته القضاء فصحيح أيضاً إذا لم يُعنعن، وإن كان بعدها ففي حديثه تخليط واضطراب، لأنه تغير وساء حفظه (٤)، لكن ما ذكر في هذا الحديث ليس مما يضيَّع، فإنه يتردد عليه في اليوم والليلة خمس مرات غير النوافل، فمثل هذا يحفظ، على أنه قد روى هذا الحديث عنه يزيد بن هارون الواسطي - كما تقدم - وسماعه منه قديم قبل ولايته القضاء، كما صرح بذلك ابن حبان (٥) وغيره، وقد رواه بالعنعنة، لكن

стр. 1055

تابعه همام بن يحيى البصري من ثلاث طرق عند أبي داود (٨٣٩) والبيهقي (٢/ ٩٨ - ٩٩) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٥) والطريق الثالث مرسل صحيح. والحديث له شاهد من حديث أنس ﵁ قال: (رأيت رسول الله ﷺ كبر فحاذى بإبهامه أذنيه، ثم ركع حتى استقر كل مفصل منه، وانحطَّ بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه)، أخرجه الدارقطني (١/ ٣٤٥) والحاكم (١/ ٢٢٦) والبيهقي (٢/ ٩٩) وقال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولا أعرف له علة) وسكت عنه الذهبي، وقد أخرجه ابن حزم في المحلى (٤/ ١٢٩) محتجاً به في مقام المعارضة لمذهبه - وهو وجوب تقديم اليدين قبل الركبتين - ولم يذكر له علة، ولو علمها لبادر بذكرها، لأن ذلك ينفعه في مقام تضعيف الدليل المعارض (١). وقد ضعفه بعض العلماء بجهالة العلاء بن إسماعيل، وقد تفرد به، وبقية رجاله رجال الصحيح، فالحديث فيه مقال، ولحديث وائل شاهدان آخران عن أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ﵄، وهما ضعيفان. الوجه الثاني: هذه الأحاديث فيها بيان صفة الهوي في السجود، وهي من المسائل التي كثر فيها الكلام، حتى قال الشوكاني: (إن المقام من معارك الأنظار، ومضايق الأفكار) (٢)، وقال النووي: (ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من السنة) (٣)، وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن المصلي يهوي إلى السجود بتقديم الركبتين ثم اليدين، وقد عزاه ابن المنذر إلى عمر بن الخطاب ﵁ وإلى إبراهيم النخعي، ومسلم بن يسار، وسفيان الثوري، وإلى الشافعي، وأحمد، وإسحاق وأصحاب الرأي (٤)، واستدلوا بحديث وائل بن حجر ﵁.

стр. 1056

والقول الثاني: أن المصلي يهوي إلى السجود بتقديم يديه قبل ركبتيه، وهو قول مالك، والأوزاعي، ورواية عن أحمد (١)، واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁. القول الثالث: أنه مخير في تقديم أيهما شاء، وهو مروي عن مالك، كما ذكر النووي (٢)، وقد أجمعوا على أن الصلاة بكلتا الصفتين جائزة، وإنما الخلاف في الأفضل. والذي يظهر - والله أعلم - هو القول الأول، وقد اختاره جمع من أهل العلم، منهم ابن المنذر، فإنه قال: (وحديث وائل بن حجر ثابت، وبه نقول) وقال الطحاوي: (فلما اختلف عن النبي ﷺ فيما يبدأ بوضعه في ذلك، نظرنا في ذلك، فكان سبيل تصحيح معاني الآثار: أن وائلاً لم يختلف عنه، وإنما الاختلاف عن أبي هريرة ﵁، فكان ينبغي أن يكون ما روي عنه لما تكافأت الروايات فيه ارتفع، وثبت ما روى وائل، فهذا حكم تصحيح معاني الآثار في ذلك … ) (٣)، وكذا اختار هذا القول الخطابي (٤)، وابن القيم (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٦) إضافة إلى ما تقدم من أنه قول أكثر أهل العلم. ووجه ذلك ما يلي: ١ - أن الحديث له متابع وشواهد، وإن كان فيها مقال فأقل أحوالها أن تفيد أن هذا الحكم له أصل مع تعدد الطرق والرواة، وحديث أبي هريرة ﵁ فيه ضعف، ولا متابع له على التحقيق. ٢ - أن حديث وائل يوافق حديث أبي هريرة الذي فيه نهي المصلي عن بروك كبروك الجمل، لأن المصلي إذا قدم ركبتيه لم يشابه الجمل الذي يقدم

стр. 1057

يديه، والنهي في الحديث عن الكيفية، لأنه قال: (كما يبرك الجمل)، وفي رواية: (كبروك البعير)، والبعير إذا برك يقدم يديه، بدليل أنه يثني خفيه أولاً قبل ركبتيه، فيبرك مقدمه قبل مؤخره، وهذا مشاهد، وركبتا البعير وكل ذوات الأربع في اليدين، ولو كان المراد بالحديث نَهْيَ المصلي أن يقدم ركبتيه وأمْرَهُ بأن يقدم يديه لكان لفظه: (فلا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه)، وبهذا يكون حديث أبي هريرة موافقاً لحديث وائل من حيث المعنى، فكل منهما دال على النهي عن الكيفية والصفة، لا عن العضو الذي يسجد عليه، ولا ريب أن الجمع بين الروايات أولى من اختلافها وتضادها، أما آخر حديث أبي هريرة وهو قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) فقد ذكر ابن القيم أنه انقلب على بعض الرواة، وأنَّ صحته (وليضع ركبتيه قبل يديه) (١) حتى يوافق آخره أوله وحتى يتفق الحديثان، وقد ورد بهذا اللفظ كما تقدم. ٣ - أن تقديم الركبتين أرفق بالمصلي، وأقرب إلى الوضع المناسب للبدن، فإن أول ما يلي الأرض منه ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه، والنهوض بعكس ذلك، قال الخطابي: (هذا أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل، وفي رأي العين) (٢)، ومن المقرر أن أفعال الصلاة وهيئاتها لا تخالف الجبلة ولا طبيعة البدن. ٤ - أن هذا هو الموافق للمنقول عن الصحابة ﵃ كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود، وكذا جماعة من التابعين، كما تقدم فيما نقله ابن المنذر، وقد روى ابن أبي شيبة شيئاً من ذلك، أكثرها بأسانيد صحيحة (٣). وهذا مع القدرة على تقديم الركبتين، فإن كان عاجزاً لكبر أو مرض قدَّم ما هو أهون عليه، والله أعلم.

стр. 1058

صفة اليدين حال جلوس التشهد ٣١٣/ ٤٧ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إذَا قَعَدَ لِلتَّشَهُّدِ وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَالْيُمْنَى عَلَى الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِين، وَأَشَارَ بِإصْبعِهِ السَّبَّابَةِ. رَوَاهُ مُسْلمٌ. وَفي رِوَايَةٍ لَهُ: وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، وأَشَارَ بِالّتِي تَلِي الإبْهَامَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة» باب «صفة الجلوس في الصلاة، وكيفية وضع اليدين على الفخذين» (٥٨٠) (١١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان إذا قعد في التشهد … الحديث. والرواية المذكورة من طريق مالك، عن مسلم بن أبي مريم، عن علي بن عبد الرحمن المعاوي، أنه قال: (رآني عبد الله بن عمر وأنا أعبث بالحصى في الصلاة، فلما انصرف نهاني، فقال: اصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، فقلت: وكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى، وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (وعقد ثلاثة وخمسين) صورة هذا العقد أن يقبض الخنصر مع البنصر إلى الراحة قبضاً متساوياً، ويحلق حلقة بالوسطى مع الإبهام، وهذه

стр. 1059

طريقة حسابية معروفة عند العرب، فالثلاثة لها حلقة بين الإبهام والوسطى، والخمسين يقبض لها الخنصر والبنصر. قوله: (وأشار بإصبعه السبابة) الإصبع: بكسر الهمزة وفتح الباء على المشهور، والسبابة: هي الإصبع التي تلي الإبهام، سميت بذلك لأنهم كانوا يشيرون بها عند السب والمخاصمة، وتسمى أيضاً: المسبحة والسبَّاحة؛ لأنه يشير بها المسبح عند التهليل إشارة إلى التوحيد. قوله: (وقبض أصابعه كلها) أي: أصابع يده اليمنى، والمراد قبضها على الراحة. قوله: (وأشار بالتي تلي الإبهام) أي: الإصبع التي تلي الإبهام، وهي السبابة، وهذا وصف كاشف لتحقيق السبابة. الوجه الثالث: الحديث دليل على صفة اليدين حال جلوس التشهد، وأن المصلي يضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على اليسرى، أما هيئة الأصابع فإن أصابع اليمنى لها صفتان، كما في حديث ابن عمر ﵄ بروايتيه: الأولى: أن يقبض الخنصر والبنصر، ويحلق حلقة بالوسطى مع الإبهام ويرفع السبابة يدعو بها. الثانية: أن يقبض الخنصر والبنصر والوسطى، ويضم إليها الإبهام، وتبقى السبابة مرفوعة يدعو بها. أما أصابع اليسرى فإنها تكون مبسوطة مضمومة غير مفرجة، وأطرافها إلى القبلة، وقد ورد في حديث ابن عمر ﵄ من طريق معمر، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، وفي آخره: (ويده اليسرى على ركبتيه اليسرى باسطها عليها) (١). والصفة الثانية لأصابع اليسرى: أن يعطف أصابعها على الركبة، لحديث

стр. 1060

عبد الله بن الزبير قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى، وأشار بإصبعه السبابة، ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى، ويلقم كفه اليسرى على ركبته) (١). وقد أغفل الحافظ هذه الروايات التي تدل على صفة اليد اليسرى، وليته أشار إليها كعادته في تتبع روايات الحديث وألفاظه. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المصلي يرفع سبابته يشير بها، ولعل الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد، وقد روى نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه، وأشار بإصبعه، وأشبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ : «لهي أشد على الشيطان من الحديد» يعني السبابة (٢). لكن إذا أشار بها هل يحركها أو لا؟ اختلفت الأحاديث في هذا، ففي حديث وائل بن حجر: (ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها، يدعو بها) (٣). وقد نص ابن خزيمة على أنه ليس في شيء من الأخبار يحركها، إلا في هذا الخبر، زائدة ذكره (٤)، وعليه فهو لفظ شاذ، انفرد به زائدة بن قدامة من

стр. 1061

بين أصحاب عاصم بن كليب، وعدها بعض العلماء من زيادة الثقة، وقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة ثبت)، ومن هؤلاء الألباني (١)، وهذا هو الذي يشعر به صنيع الإمام البيهقي، فإنه قال: (يحتمل أن المراد بالتحريك: الإشارة، لا تكرير تحريكها) (٢)، ومعلوم أن التأويل فرع التصحيح، وإلا لبادر بالحكم عليها بالشذوذ، وقد أفتى بمقتضاها الشيخ عبد العزيز بن باز (٣). لكن قد يقال: إن زائدة بن قدامة قد انفرد بهذه اللفظة من بين أصحاب عاصم بن كليب، وهم ثقات أثبات، يزيدون على عشرة أنفس، كلهم يقتصر على ذكر الإشارة بالسبابة دون تحريكها، مما يدل على أن زائدة وَهِمَ فيها، ثم إن روايتهم مؤيدة بالأحاديث الصحيحة التي فيها الإشارة بالسبابة بدون تحريك، وفي حديث ابن الزبير: (وكان يشير بإصبعه إذا دعا، ولا يحركها) (٤)، وكذا ورد في حديث ابن عمر عند مسلم بلفظ: (ورفع إصبعه

стр. 1062

اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها) (١)، وعليه فالثابت هو رفع السبابة أو الإشارة بها، كما في صحيح مسلم، وأما التحريك نفياً أو إثباتاً فلم يثبت منه شيء، إلا على قول من أخذ بزيادة (يحركها) في حديث وائل كما تقدم، بناء على قاعدة المثبت مقدم على النافي، وعلى قاعدة الأخذ بزيادة الثقة مطلقاً، ولو خالف العدد الكثير. وقد قال بعدم تحريكها الحنابلة - في الصحيح من المذهب - وكذا الشافعية، وهو قول الحنفية، واختاره بعض المالكية، ومنهم: ابن رشد، وابن العربي، واختاره ابن حزم (٢). والقول الثاني: مشروعية تحريك الإصبع، وهو قول بعض الشافعية والحنابلة، والمالكية، وبه قال ابن القيم، والألباني، وابن باز، وابن عثيمين (٣)، واستدلوا بحديث وائل، وأيَّدوا ذلك بأمور ثلاثة: ١ - أن وائل بن حجر له عناية خاصة بنقل صفة صلاة النبي ﷺ ، ولا سيما جلوس التشهد، فإنه ذكر مكان المرفق على الفخذ وصفة أصابع اليد اليمنى ورَفْعَ السبابة وغير ذلك. ٢ - أن زائدة بن قدامة ثقة ثبت شديد التثبت في روايته عن شيوخه، قال عنه ابن حبان: (كان من الحفاظ المتقنين، وكان لا يَعُدُّ السماع حتى يسمعه ثلاث مرات، وكان لا يحدث أحداً حتى يشهد عنه عدل أنه من أهل السنة) (٤)، وقال الدارقطني: (من الأثبات الأئمة) (٥)، وهو وإن خالفه الأكثر

стр. 1063

فقد تكون هذه الزيادة منه تفسيراً للإشارة الواردة في الروايات الأخرى. ٣ - أن التعبير بالمضارع (يشير بها) قد يستفاد منه التحريك، لأنه يفيد التجدد والحدوث، ثم إن الإشارة نفسها لا تنافي التحريك كما يفهم من معاجم اللغة (١). والقول الثالث: جواز الأمرين: التحريك، أو الإشارة بدون تحريك، لأن كلاًّ منهما ورد في الآثار الصحاح المسندة عن النبي ﷺ ، واختار ذلك القرطبي (٢) والصنعاني (٣). والذي تبين من بحث هذه المسألة أن تحريك السبَّاحة تفرد به زائدة بن قدامة، فمن أخذ بها مشى على قاعدة قبول الزيادة إذا كانت من عدل حافظ متقن ضابط، كزائدة بن قدامة، ومن ردها مشى على قاعدة: قبولُ الزيادة وردُّها متوقف على القرائن، ومنها: كثرة العدد (٤)، وقد خالف - هنا - زائدة بن قدامة الجمَّ الغفير من الأئمة الثقات عن عاصم بن كليب، فلم يذكرها أحد منهم، مما يدل على أنه قد وَهِمَ فيها، على أن من يرى التحريك يقول: حتى على فرض عدم ثبوت رواية (يحركها) فإن الإشارة تجامع تحريك الإصبع، والله تعالى أعلم. الوجه الخامس: دلَّ قوله: (كان إذا قعد للتشهد … )، أن هذه الصفة في اليد اليمنى، وهي القبض والتحليق خاصة بجلوس التشهد، دون الجلسة بين السجدتين، وهذا هو الذي فهمه العلماء المتقدمون، فلم يقل بمشروعيتها فيها أحد من السلف، ولم يعقد لها أي ترجمة في كتب الحديث، ولم يرد لها ذكر في كتب الفقه (٥)، وهذا يدل على أنه لم يرد نصٌّ صريح في مشروعيتها،

стр. 1064

وما ورد من نصوص عامة فهي من العام الذي أريد به الخصوص، أو أنها من باب حمل المطلق على المقيد، وما أحسن ما قاله ابن رُشَيد ﵀: (إذا أطلق في الأحاديث الجلوس في الصلاة من غير تقييد فالمراد جلوس التشهد) (١)، ويؤيد ذلك بعض روايات حديث ابن الزبير ﵁ قال: (كان إذا جلس في اثنتين أو في الأربع يضع يديه على ركبتيه، ثم أشار بإصبعه) (٢)، فقيد الإشارة في جلسة التشهد الأول والأخير، فدل على عدم الإشارة في غير ذلك. ومن قال بها من المتأخرين أَخَذَ بظاهر كلام لابن القيم (٣)، واستدل بعموم الأحاديث التي ورد فيها تحريك السبابة في الجلوس في الصلاة، كما في حديث وائل، وفيه: (ثم جلس، فافترش رجله اليسرى، ثم وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، وذراعه اليمنى على فخذه اليمنى، ثم أشار بسبابته ووضع الإبهام على الوسطى، حلق بها، وقبض سائر أصابعه، ثم سجد … ) (٤) والله تعالى أعلم.

стр. 1065

كيفية التشهد ٣١٤/ ٤٨ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الْتَفَتَ إلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ للهِ، والصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلهَ إلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعجَبَهُ إليْهِ، فَيَدْعُو». مُتَّفَقٌ عَلَيْه، وَاللّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَلِلنَّسَائيِّ: كُنَا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ. وَلأحْمَدَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ النَّاسَ. ٣١٥/ ٤٩ - وَلِمُسْلمٍ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ: «التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَواتُ الطَّيِّبَاتُ للهِ .. » إلَى آخِرِهِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث ابن مسعود ﵁ فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان» باب «التشهد في الآخرة» (٨٣١) ومسلم (٤٠٢) من طريق الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود به. وأخرجه النسائي في الكبرى (١/ ٣٧٨) بهذا الإسناد، ولفظه: (كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال رسول الله ﷺ : لا تقولوا هكذا، فإن الله هو السلام، ولكن

стр. 1066

قولوا التحيات لله … »، والحديث في الصحيحين بهذا اللفظ، دون قوله: (قبل أن يفرض علينا التشهد) فهي التي عند النسائي، كما قال الحافظ، ولعل غرض الحافظ من إيرادها الاستدلال بها على فرضية التشهد، والله أعلم. وأخرجه أحمد (٦/ ٢٨) من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن عبد الله قال: (علمه رسول الله ﷺ التشهد وأمره أن يعلمه الناس، التحيات لله … )، وهذا إسناد ضعيف، لانقطاعه، فإن أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود لم يسمع من أبيه، وفيه - أيضاً - خُصيف الجزري، قال عنه في «التقريب»: (صدوق سيء الحفظ). وأما حديث ابن عباس، فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «التشهد في الصلاة» (٤٠٣) من طريق الليث بن سعد، عن أبي الزبير، عن سعيد بن جبير وعن طاوس، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: فذكره. وحديث التشهد من الأحاديث المتواترة، وقد ذكر الكتاني أنه روي عن أربعة وعشرين صحابياً، ثم ذكرهم (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (التحيات لله) جمع تحية، والتحية التعظيم، وهي كل قول أو فعل دال على التعظيم، وتفيد العموم، وجمعت لاختلاف أنواعها من التحيات القولية والفعلية، فإنه سبحانه أولى بجمع التحيات من كل من سواه، واللام في لفظ (لله) للاستحقاق، والمعنى: أن جميع التعظيمات وكل ما يدل على السلام والملك والبقاء فهو لله تعالى مختص به لا يستحقه سواه، ومن ذلك الخضوع والركوع والسجود والخشوع، فكله لله تعالى وحده. قوله: (والصلوات) أي: جميع الصلوات لله تعالى لا أحد يستحقها، فرضها ونفلها. قوله: (والطيبات) أي: جميع الأقوال والأفعال له تعالى، وكل ما طاب

стр. 1067

من صفة أو قول أو فعل فهو ثابت لله تعالى، لأن الله طيب وصفاته وكلماته وأفعاله طيبة، وله - أيضاً - من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب، كما قال النبي ﷺ : «لا يقبل الله إلا طيباً» (١). فعلى المصلي أن يستحضر هذه المعاني، ولا يقول هذا اللفظ على أنه ذكر وثناء فحسب. قوله: (السلام عليك أيها النبي) أي: السلامة من كل آفة ومكروه، وهي جملة خبرية متضمنة معنى الدعاء، ولهذا اختير لفظ السلام الذي هو اسم الله الذي يذكر على الأعمال، لاجتماع معاني الخيرات فيه وانتفاء عوارض الشر عنه، فيكون مصدراً بمعنى السلامة. وأتى بلفظ الخطاب للحاضر، تنزيلاً له بمنزلة المواجه، لقربه من القلب وقوة استحضارك له حين السلام عليه، كأنه حاضر أمامك تخاطبه، وهذا خاص بالنبي ﷺ وإلا فإن خطاب الآدمي في الصلاة مبطل لها، لأن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وهذا الدعاء شامل للسلامة من مخاوف الدنيا والآخرة، ولهذا شرع حتى بعد وفاة النبي ﷺ . قوله: (ورحمة الله) الرحمة من صفات الله اللائقة بجلاله، ومن آثارها إنعامه وإحسانه على مخلوقاته الذي لا يعد ولا يحصى، كما تقدم، وهذا دعاء للنبي ﷺ بحصول المطلوب وهي الرحمة بعد الدعاء له بالسلامة من المرهوب. قوله: (وبركاته) جمع بركة، وهي خيراته الكثيرة المستمرة، وأصل البركة: النماء والزيادة، وبركاته على نبيه ﷺ في حياته ما يبارك له في مطعمه ومشربه، وكل شأن من شؤون حياته، وبعد مماته بكثرة أتباعه وانتشار شريعته. قوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) علينا: أي معشر الأمة الإسلامية، ومنهم المصلي نفسه ومن معه من المصلين إن كان في جماعة،

стр. 1068

والعباد: جمع عبد، وهو المتذلل لله تعالى بالطاعة، والصالحين: جمع صالح، وهو القائم بما عليه من حقوق الله وحقوق عباده، قال الترمذي الحكيم: (من أراد أن يحظى بهذا السلام الذي يسلمه الخلق في الصلاة فليكن عبداً صالحاً، وإلا حرم هذا الفضل العظيم) (١). قوله: (أشهد أن لا إله إلا الله … ) تقدم شرح الشهادتين في آخر باب «الوضوء». قوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) اللام لام الأمر، وأصلها: الكسر، لكنها تسكن بعد حروف العطف، وهذا أمر إباحة لا إيجاب، والمعنى: فليقل ما يختار من الدعاء مما يحبه من خيري الدنيا والآخرة، وظاهر ذلك أن الأمر بالدعاء قبل فرض الصلاة على النبي ﷺ في التشهد. قوله: (قبل أن يفرض علينا التشهد) أصل التشهد: قول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله) والمراد به هنا: التحيات لله والصلوات … إلخ، وأطلق عليه اسم التشهد من باب إطلاق البعض على الكل، لكون التشهد أهمَّ ما فيها، لأنه أشرف الأذكار. الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب التشهد في آخر الصلاة، لقوله: (إذا صلّى أحدكم فليقل التحيات .. ) وهذا أمر، والأصل فيه الوجوب، ولقول ابن مسعود ﵁: (قبل أن يفرض علينا التشهد) وهو ركن من أركان الصلاة، وهذا بالنسبة للتشهد الأخير، أما الأول فليس بركن، بدليل أن النبي ﷺ عندما نسيه جبره بسجود السهو، وهذا هو المشهور عند الفقهاء. الوجه الرابع: ورد في السنة صيغ كثيرة للتشهد، عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة وابن عمر وغيرهم ﵃ وليس بينها إلا اختلاف يسير، وبأي تشهد تشهد مما صح عن النبي ﷺ جاز، نص الإمام أحمد على ذلك، وقد أثنى العلماء على تشهد ابن مسعود، لأنه متفق عليه، قال البزار: (أصح

стр. 1069

حديث في التشهد عندي حديث ابن مسعود، روي عنه من نيف وعشرين طريقاً … ) ثم سرد أكثرها، وقال: (لا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد ولا أشهر رجالاً … )، قال الحافظ: (ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك) (١). وقد اعتنى النبي ﷺ بهذا التشهد وعلمه ابن مسعود ولقنه إياه كما يلقنه السورة من القرآن، كما ورد في بعض الروايات، وذلك لما يشتمل عليه من تعظيم الله تعالى وتمجيده والإخلاص له والشهادة بوحدانيته وصدق رسوله ﷺ والتسليم والترحم والتبريك عليه ﷺ وما يتضمنه من السلام الخاص بالمصلي والأمة الإسلامية وجميع عباد الله الصالحين في السماء والأرض. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن للمصلي أن يدعو في آخر التشهد بما أحب لقوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه) فهو إطلاق للداعي أن يدعو بما أراد، وأفضلُ ذلك الأدعيةُ الواردة في هذا الموضع، وله أن يدعو بما أحب من خيري الدنيا والآخرة، فإن الدعاء عموماً عبادة. الوجه السادس: ظاهر الحديث أن الأمر بالدعاء بعد التشهد قبل فرض الصلاة على النبي ﷺ في التشهد، لأن الأحاديث دلت على أن الصلاة مقدمة على الدعاء، كما سيأتي إن شاء الله، والله تعالى أعلم.

стр. 1070

من آداب الدعاء في التشهد ٣١٦/ ٥٠ - عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً يَدْعُو فِي صَلَاتِهِ، لَمْ يَحْمَدِ اللهَ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبيِّ، فَقَالَ: «عَجِلَ هذَا» ثمَّ دَعَاهُ، فَقَالَ: «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاء عَلَيْهِ، ثمَّ يُصَلِّي عَلى النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالحَاكمُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو فضالة - بفتح الفاء - بن عبيد الأنصاري الأوسي ﵁، أسلم قديماً، وأول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وكان ممن بايع تحت الشجرة، سكن الشام، وولاه معاوية قضاء دمشق، ومات في خلافة معاوية ﵁، سنة ثلاث وخمسين، على أحد الأقوال (١). الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه أبو داود (١٤٨١) في كتاب «الصلاة» باب «الدعاء» والترمذي (٣٤٧٧) والنسائي (٣/ ٤٤ - ٤٥) وأحمد (٣٩/ ٣٦٣) وابن حبان (١٩٦٠) والحاكم (١/ ٢٣٠ - ٢٦٨) كلهم من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، ثنا حيوة، أخبرني أبو هانئ حميد بن هانئ أن أبا عليٍّ عمرو بن مالك حدثنا أنه سمع فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ يقول: … فذكره، وفي ألفاظه

стр. 1071

اختلاف بين هذه المصادر، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر، فإن عمرو بن مالك لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، روى له أصحاب السنن والبخاري في «الأدب المفرد»، وحيوة: هو ابن شريح بن صفوان. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (عجل هذا) أي: في الدعاء حيث أتى به قبل الحمد والصلاة، وحقه أن يكون بعدهما. قوله: (تحميد ربه والثناء عليه) إما عطف تفسيري، لأن الحمد والثناء بمعنى واحد، أو يراد بالثناء ما هو أعم من الحمد بأي عبارة، فيكون من عطف العام على الخاص. قوله: (ثم يصلي) بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: ثم هو يصلي، فيكون من باب عطف جملة خبرية على جملة إنشائية، وليس من عطف الفعل على الفعل بدليل أنه لم يُجزم. الوجه الرابع: الحديث دليل على أدب من آداب الدعاء، وهو تقديم الحمد والثناء على الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ ثم الدعاء بما شاء، وهذا الأدب متحقق في التشهد، كما في حديث ابن مسعود وغيره، فإن أحاديث التشهد تتضمن ما ذكر من الحمد والثناء في أول التشهد، ثم الصلاة على النبي ﷺ ، ثم الدعاء بعد ذلك، والدعاء بهذه الصفة أفضل وأقرب إلى الإجابة. وظاهر سياق الحافظ لهذا الحديث في هذا الموضع أن هذا الدعاء الذي سمعه الرسول الله ﷺ من هذا الرجل كان في جلوس التشهد، قال ابن القيم: (لأنه ليس في الصلاة موضع يشرع فيه الثناء على الله ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء إلا في التشهد آخر الصلاة، فإن ذلك لا يشرع في القيام ولا في الركوع ولا السجود اتفاقاً، فعلم أنه إنما أراد به آخر الصلاة حال الجلوس في التشهد) (١).

стр. 1072

ولا مانع من الأخذ بعمومه في كل دعاء سواء كان ذلك في الصلاة أو خارجها، ولا سيما حال السجود إذا طال كما في صلاة التهجد. وقد ذكر المجد ابن تيمية أن في هذه الأحاديث حجة لمن لا يرى الصلاة على النبي ﷺ فرضاً في التشهد (١)، حيث لم يأمر تاركها بالإعادة، ويعضده قوله - في حديث ابن مسعود بعد ذكر التشهد - (ثم ليتخير من المسألة ما شاء) لكن قد يقال: إنه لا يلزم من وجوبها الأمر بإعادة الصلاة لمن تركها، والله أعلم.

стр. 1073

كيفية الصلاة على النبي ﷺ ٣١٧/ ٥١ - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاري ﵁ قَالَ: قَالَ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَمَرَنَا اللهُ أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَسَكَتَ، ثمَّ قَالَ: «قُولُوا: اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَالسَّلَامُ كَمَا عَلِمْتُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِيهِ: فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ، إذَا نَحُنُ صَلَّيْنَا عَلَيْكَ فِي صَلَاتِنَا؟ الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو مسعود، عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري، ﵁، شهد العقبة الثانية وهو صغير، وجزم البخاري بأنه شهد غزوة بدر (١)، وقيل: لم يشهدها، وإنما نزلها فنسب إليها، وشهد غزوة أحد وما بعدها، نزل الكوفة ومات بها في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ سنة أربعين، وقيل: بعدها (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة على النبي ﷺ بعد

стр. 1074

التشهد» (٤٠٥) من طريق مالك، عن نُعيم بن عبد الله المجمر، أن محمد بن عبد الله بن زيد الأنصاري (١) أخبره عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: (أتانا رسول الله ﷺ ونحن في مجلس سعد بن عبادة، فقال بشير بن سعد: … ) فذكر الحديث. وأما زيادة ابن خزيمة فقد أخرجها (٧١١) من طريق محمد بن إسحاق قال: (وحدثني في الصلاة على رسول الله ﷺ إذا المرء المسلم صلّى عليه في صلاته، محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو به). وأخرجه - أيضاً - أبو داود (٩٨١) والنسائي في الكبرى (٩/ ٢٦) وأحمد (٢٨/ ٣٠٤) وابن حبان (١٩٥٩) والدارقطني (١/ ٣٥٤) والحاكم (١/ ٢٦٨) والبيهقي (٢/ ١٤٦) بهذا الإسناد، منهم مَنْ ذكر هذه الزيادة، ومنهم من لم يذكرها، وقال الدارقطني: (هذا إسناد حسن متصل). وقد دافع ابن القيم عما أعلت به هذه الزيادة، وهو تفرد ابن إسحاق (٢)، ولعل الحافظ أورد زيادة ابن خزيمة هذه لمناسبتها هنا، حيث دلت على أن مراد الصحابة كيفية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، ليتم الاستدلال بذلك على أن المراد في قعود التشهد. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (قال بشير بن سعد) وهو بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي والد النعمان بن بشير ﵄ شهد بيعة العقبة وما بعدها، وقد وقع السؤال من صحابة آخرين غير بشير بن سعد، كأبي هريرة، وكعب بن عجرة، وزيد بن خارجة، وغيرهم (٣) ﵃. قوله: (أمرنا الله أن نصلي عليك) أي: في قوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وكأن هذا السؤال منهم عن كيفية الصلاة عليه

стр. 1075

حصل بعد نزول الآية، فهم سألوا عن كيفية الصلاة عليه وصفتها، لأنه لما تقدم لهم أن السلام بلفظ مخصوص فهموا منه أن الصلاة - أيضاً - لها لفظ مخصوص. قوله: (فسكت) لفظ مسلم: (فسكت رسول الله حتى تمنينا أنه لم يسأله) وفي رواية الطبراني: (فسكت حتى جاء الوحي) وإنما تمنى الصحابة أنه لم يسأله خشية أن يكون ﷺ كره سؤاله لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. قوله: (اللهم صَلِّ على محمد) أي: أثنِ عليه بالذكر الجميل في الملأ الأعلى، وهذا أحسن ما قيل في معنى صلاة الله على نبيه، كما قاله أبو العالية، وذكره عنه البخاري في «صحيحه» (١). قوله: (وآل محمد) أي: أتباعه على دينه، ويدخل فيهم دخولاً أولياً أتباعه من قرابته لأنهم آل من جهتين: من جهة الاتباع، ومن جهة القرابة. قوله: (كما صليت على آل إبراهيم) الكاف للتشبيه، وهذا هو المشهور عند كثير من أهل العلم، لكن يرد عليه القاعدة البلاغية، وهي أن المشبه به أقوى من الشبه وهنا بالعكس، لأن محمداً ﷺ وآله أفضل من إبراهيم وآله، وقد أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة كثيرة، أوصلها الحافظ إلى عشرة (٢)، وقد ذكرها قبله ابن القيم وزيف أكثرها، ثم قال: (والأحسن منه أن يقال هو ﷺ من آل إبراهيم، فإبراهيم أبوه، فكأنه سئل للرسول ﷺ الصلاة مرتين مرة باعتبار الخصوص ومرة باعتبار العموم) (٣). والأحسن أن تكون الكاف للتعليل، وما مصدرية، أي: كصلاتك على آل إبراهيم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، أي: لهدايته إياكم. والمعنى: كما أنعمت بالصلاة على آل إبراهيم فأنعم بالصلاة

стр. 1076

على محمد وآل محمد، فهو من باب التوسل إلى الله تعالى بنعمه السابقة على نعمه المطلوبة، ومجيء الكاف للتعليل مقرر في كتب النحو (١)، وقد ذكر الحافظ هذا المعنى (٢). قوله: (وبارك على محمد وعلى آل محمد) هذا فعل دعاء، فهو دعاء بإنزال البركة على الرسول ﷺ وعلى آله، وتقدم معنى البركة. قوله: (في العالمين) جمع عالم، وهو كل من سوى الله تعالى، والمعنى: أظهر الصلاة والبركة على محمد وعلى آله في العالمين، كما أظهرتها على إبراهيم وآله في العالمين، وقد ذكر ابن القيم بعض خصائص بيت إبراهيم ﵇. قوله: (إنك حميد مجيد) الجملة تعليلية، وحميد: فعيل بمعنى فاعل أو مفعول، فعلى الأول: بمعنى حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، وعلى الثاني: بمعنى محمود، فيحمد لما له من صفات الكمال وجزيل الإفضال، ومجيد: فعيل بمعنى فاعل، أي: ماجد، والمجد: كمال العظمة والسلطان. ومناسبة ختم الدعاء بهذين الاسمين العظيمين: أن المطلوب تكريم الله لنبيه، وثناؤه عليه، وزيادة تقريبه، وذلك مما يلزم طلب الحمد والمجد، ففي ذلك إشارة إلى أنهما كالتعليل للمطلوب، أو هو كالتذييل له، والمعنى: أنك فاعل ما تستوجب به الحمد والمجد من النعم المترادفة، كريم بكثرة الإحسان إلى جميع عبادك (٣). قوله: (والسلام كما علمتم) بفتح العين مبنياً للمعلوم، وبضمها وتشديد اللام مكسورة مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله (٤)، والمراد بذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته).

стр. 1077

الوجه الرابع: الحديث دليل على كيفية الصلاة على النبي ﷺ في الصلاة، وقد ورد في ذلك أحاديث اشتملت على صيغ متنوعة، فإن أمكن للمصلي أن يأتي بهذه الصيغ وينوع في صلاته فيأتي بهذه الصفة تارة وبغيرها تارة أخرى فهذا أفضل، لما تقدم في قاعدة العبادات الواردة على وجوه متعددة، وإن اقتصر على صيغة واحدة فلا بأس، لكن على المسلم أن يتقيد بالوارد دون زيادة أو نقصان، وقد نقل ابن القيم إجماع المسلمين على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، وقال: (هو أهم مواطن الصلاة وآكدها) (١). الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال بوجوب الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد الأخير، لقوله: (قولوا: اللهم صلِّ على محمد) وهذا أمر، والأمر للوجوب، وهذا قول الشافعي (٢)، ورواية عن أحمد، اختارها الخرقي (٣)، وهو قول أبي عوانة حيث بوَّب بما يفيد الوجوب (٤)، وهو اختيار ابن العربي (٥)، وقد نصره ابن القيم (٦)، كما اختار ذلك الصنعاني (٧)، ورجحه الألباني (٨)، والشيخ عبد العزيز بن باز، والمشهور في مذهب الحنابلة أنها ركن (٩). واعترض على الاستدلال بهذا الحديث بأن فيه الأمر بمطلق الصلاة عليه وهو يقتضي الوجوب في الجملة، فيحصل الامتثال ولو خارج الصلاة، وأجيب عنه: بأن رواية ابن خزيمة المذكورة تعيَّن فيها محل الصلاة عليه ﷺ ، وهو مطلق الصلاة، لكن ليس فيها ما يفيد إيقاعها بعد التشهد. وأجاب عن ذلك الحافظ البيهقي، فقال: (وقوله في الحديث: «قد علمنا كيف نسلم عليك» إشارة إلى السلام على النبي ﷺ في التشهد، فقوله: «كيف نصلي عليك» أيضاً يكون المراد به في القعود للتشهد) (١٠)، وكذا قال ابن

стр. 1078

القيم، ومما يؤيد ذلك أن الإمام مسلماً ساق هذا الحديث في أحاديث صفة الصلاة مما يدل على أن المراد سؤالهم عن كيفية الصلاة في الصلاة، ولذا قال القاضي عياض: (هذا هو الأظهر) (١)، وهذا الحديث من أقوى أدلة القائلين بالوجوب، ولهم أدلة أخرى كلها معلولة. القول الثاني: أن الصلاة على النبي ﷺ لا تجب بعد التشهد، بل هي سنة، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، ورواية عن أحمد (٢)، وحكاه النووي عن الجمهور (٣) واختاره ابن المنذر (٤)، والشوكاني (٥). واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم في بيان التشهد، وفي آخره قال: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ولو كانت الصلاة عليه ﷺ بعد التشهد واجبة لعلمهم إياها، ولم يتركهم حتى يسألوا عنها، لأن هذا موضع تعليم وبيان، وموضع التعليم لا يؤخر فيه بيان الواجب، كما أشار إلى معنى ذلك ابن المنذر. فالأقوال ثلاثة: أنها واجبة، وقيل: ركن، وقيل: سنة، ومعلوم اصطلاح الفقهاء في التفريق بين واجبات الصلاة وأركانها، والقول بالوجوب قوي - في نظري - فإنه يتحصل من مجموع الأدلة الأمر بالصلاة على النبي ﷺ في الصلاة؛ لصحة رواية ابن خزيمة المبينة للمراد، بناء على أن المراد بالصلاة الحقيقة الشرعية، وقد تقدم في حديث فضالة بن عبيد الأمر بالدعاء والصلاة على النبي ﷺ قبل، والأدلة إذا اجتمعت شد بعضها بعضاً. الوجه السادس: ظاهر هذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأول - أيضاً - لقول الصحابة ﵃: (فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا)، فقال: (قولوا اللهم صلِّ على محمد … ) فلم يخص تشهداً دون تشهد.

стр. 1079

وبه قال الإمام الشافعي (١)، وهو الصحيح عند أصحابه، كما صرح به النووي (٢)، واختاره الوزير ابن هبيرة الحنبلي (٣)، ورجحه الشيخ عبد العزيز بن باز (٤)، والألباني (٥). والقول الثاني: أن الصلاة على النبي ﷺ لا تشرع في التشهد الأول، وهو القول القديم للشافعي، وهو الذي صححه كثير من أصحابه، وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد (٦)، واستدلوا بما تقدم في حديث ابن مسعود من عدم ذكر الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد. وقد ورد في حديث ابن مسعود في التشهد، وفي آخره: (ثم إن كان في وسط الصلاة نهض حين يفرغ من تشهده، وإن كان في آخرها دعا بعد تشهده بما شاء الله أن يدعو ثم يسلم) (٧). والقول الأول قوي، فإن التشهد الأول وإن كان مبنياً على التخفيف، كما في حديث ابن مسعود ﵁ لا سيما في حق الإمام، لكن التخفيف قد يحصل مع الاتيان بالتشهد، ومن تركه فلا حرج عليه أخذاً بقول الجمهور، فإن فرغ المأموم من التشهد الأول قبل قيام إمامه تأكد في حقه الصلاة على النبي ﷺ ، لأن الصلاة ليس فيها سكوت إلا في حال قراءة الإمام، والله أعلم.

стр. 1080

ما يستعاذ منه في الصلاة ٣١٨/ ٥٢ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ ومِنْ عَذَابِ القَبْرِ ومِنْ فِتْنَةِ المَحْيا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيْحِ الدَّجَالِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِيْ رِوَايَة لِمُسْلِم: (إِذَا فَرغَ أَحَدُكُم مِنَ التَّشَهُّدِ الأْخِيرِ). الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «ما يستعاذ منه في الصلاة» (٥٨٨) من طريق حسان بن عطية، عن محمد بن أبي عائشة، عن أبي هريرة، وعن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : … فذكره). وعزوه للبخاري وهم من الحافظ، فإن البخاري لم يخرج هذا الحديث من قوله ﷺ ، وإنما من فعله، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الجنائز»، باب «التعوذ من عذاب القبر» (١٣٧٧) من طريق يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر … ) الحديث، وأخرجه مسلم - أيضاً - (١٣٢ - ٥٨٨) بهذا الإسناد وهذا السياق، وأخرجه البخاري في كتاب «الصلاة»، باب «الدعاء قبل السلام» (٨٣٢) ومسلم (٥٨٩) من طريق عروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ كان يدعو في الصلاة.

стр. 1081

وأما الرواية المذكورة فهي عند مسلم من طريق الأوزاعي، حدثنا حسان بن عطية، حدثني محمد بن أبي عائشة، أنه سمع أبا هريرة يقول: (قال رسول الله ﷺ : … ) فذكره، ولعلَّ غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية تفسير المراد بالتشهد في الرواية الأولى، وأنه التشهد الأخير، وليس الأول. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (إذا تشهد أحدكم) أي: قرأ التشهد، وهو التحيات لله … إلخ، والمراد به: التشهد الأخير، كما في رواية مسلم، وهذا ظاهر، لبناء التشهد الأول على التخفيف، كما تقدم، ولما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁ عند أحمد أن النبي ﷺ كان يدعو في آخر صلاته. قوله: (فليستعذ بالله من أربع) أي: فليطلب العوذ، وأصل العوذ والعياذ: الالتجاء والاعتصام. قوله: (من أربع) في رواية: (استعيذوا بالله من خمس: … فذكرها) (١)، وهذا على اعتبار المحيا والممات اثنتين، وفي حديث الباب واحدة. قوله: (يقول: اللهم إني أعوذ بك) هذه الجملة بيان لما يستعاذ منه، فهي من التفصيل بعد الإجمال. قوله: (من عذاب جهنم) أي: النار العظيمة البعيدة القعر، ولفظ (جهنم) من أسماء النار. وهذه الاستعاذة تشمل الاستعاذة من الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم من الكفر والمعاصي، والاستعاذة من العقوبة والنكال، نسأل الله السلامة. قوله: (ومن عذاب القبر) أصل القبر: مدفن الميت، والمراد به هنا: ما هو أعم من ذلك، وهو ما بين الموت وقيام الساعة وإن لم يدفن الميت، كالذي يحترق ويكون رماداً، أو تأكله السباع، ونحو ذلك.

стр. 1082

والمراد بعذاب القبر: ما يحصل للميت في قبره من أليم النكال مما يحصل للبدن والروح معاً، والروح قد تتصل بالبدن وقد تنفصل عنه. قوله: (ومن فتنة المحيا والممات) الفتنة: الامتحان والابتلاء، والمحيا والممات: أي الحياة والموت، ويحتمل زمان ذلك، لأن ما كان معتل العين من الثلاثي قد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد، وفتنة المحيا: ما يعرض للإنسان في حال الحياة من فتن وابتلاء بالشبهات التي يلتبس عليه بسببها الحق بالباطل، أو بالشهوات التي ينهمك بسببها في حب الدنيا والتعلق بها، حتى يكون ذلك سبباً في زيغه وضلاله وانهماكه في الملذات. وأما فتنة الممات ففيها قولان: الأول: ما يكون عند الموت ساعة الاحتضار، وأضيفت إلى الموت لقربها منه، ونص عليها وإن كانت من فتنة الحياة، لعظيم خطرها حيث إن الشيطان يكون أحرص على إغواء بني آدم في تلك الساعة الحرجة، لأنها خاتمة الحياة، وعليها مدار سعادته أو شقائه. القول الثاني: أن المراد بفتنة الممات: ما يحصل للميت بعد موته حين يسأل في قبره عن ربه ودينه ونبيه، وعلى ذلك مدار تنعيم الميت في قبره أو تعذيبه. قوله: (ومن شر فتنة المسيح الدجال) المراد بفتنة المسيح الدجال: صده الناس عن شرع الله تعالى بما يأتي به من أسباب الفتنة، وخصَّها بالذكر وإن كانت من فتنة المحيا، لأنها أعظم فتنة على وجه الأرض، كما ورد عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال» (١). والمسيح الدجال: رجل أعور يخرج في آخر الزمان يدَّعي الربوبية، مكتوب بين عينيه: ك ف ر، أي كافر، يقرؤها المؤمن وإن لم يكن قارئاً، سُمِّيَ مسيحاً: لأنه ممسوح العين، أو لأنه يمسح الأرض بسيره فيها.

стр. 1083

وسُمي دجالاً: لكثرة دجله، فهي صيغة مبالغة، والدجل: الكذب والتمويه، وقد وردت الأخبار الصحيحة بخروجه في آخر الزمان من ناحية المشرق، وخروجه من أشراط الساعة العظام، نسأل الله أن يعيذنا ويعصمنا منه. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي مأمور بالاستعاذة بالله تعالى من هذه الأربع في التشهد الأخير من كل صلاة فرضاً ونفلاً، وقد كان النبي ﷺ يستعيذ من هذه الأربع، وأَمَرَ الأمة بها، فاجتمع فيها القول والفعل. والأمر بالدعاء بالاستعاذة منها في الصلاة دليل العناية بها، فإن وقاية العبد منها سبب للفلاح في الدنيا والآخرة، فإنها أمور عظيمة يشتد البلاء، ويعظم الخطر في وقوعها. والجمهور من أهل العلم على استحباب هذا الدعاء، فيكون الأمر للندب، والنبي ﷺ قد علم الأمة دعوات كثيرة يدعون بها بعد التشهد الأخير. وقالت الظاهرية بالوجوب (١)، وبه قال طاوس بن كيسان اليماني؛ لفعل النبي ﷺ وأمره به، وقد قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، واختار هذا القول الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: (إن القول بالوجوب قول قوي للأمر بها). وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير، عن طاوس، عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن، يقول «قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم … » الحديث)، قال مسلم بن الحجاج: (بلغني أن طاوساً قال لابنه: أدعوت بها في صلاتك؟ فقال: لا، قال: أعد صلاتك، لأن طاوساً رواه عن ثلاثة أو أربعة أو كما قال) (٢). وظاهر ذلك أن طاوساً يعتقد وجوب هذا الدعاء، وكأنه تمسك بظاهر الأمر به، كما تقدم، ويحتمل أن يكون أمر ابنه بالإعادة تغليظاً عليه، لئلا يتهاون بتلك الدعوات فيتركها، فيحرم فائدتها وثوابها، والله تعالى أعلم.

стр. 1084

بيان شيء من أدعية الصلاة ٣١٩/ ٥٣ - عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق ﵁ أَنهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي قَالَ: قلْ: «اللهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْماً كَثِيراً، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيْمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو أبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي ﵁، ولد بعد الفيل بسنتين وستة أشهر، أول خلفاء هذه الأمة بعد نبيها ﷺ ، وصاحبه قبل البعثة وبعدها، سبق إلى الإيمان برسول الله ﷺ ، وكان معه طول إقامته في مكة، وهاجر بصحبته، وشهد غزواته كلها، ومناقبه كثيرة، بايعه الصحابة ﵃ بالخلافة فقام بها خير قيام، من النصح والحزم والجد والجهاد، حتى أتاه اليقين بعد أن أتم في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام، فتوفي في المدينة سنة ثلاث عشرة، عن ثلاث وستين سنة، ودفن مع النبي ﷺ في حجرة عائشة ابنته ﵂ خلف النبي ﷺ ، ورأسه بحذاء صدر النبي ﷺ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «الدعاء قبل السلام» (٨٣٤) ومسلم (٢٧٠٥) من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر ﵄، أنه قال لرسول الله ﷺ : … فذكره.

стр. 1085

وفي هذا الحديث رواية صحابي عن صحابي، وظاهر رواية الليث عن يزيد أنه من مسند الصديق ﵁، وخالف عمرو بن الحارث الليث، فجعله من مسند عبد الله بن عمرو .. أخرجه مسلم (٢٧٠٥) (٤٨) من طريق عبد الله بن وهب، أخبرني رجل سماه، وعمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول إن أبا بكر الصديق قال لرسول الله ﷺ : (علمني يا رسول الله دعاء أدعو به في صلاتي … ) ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة الحديث. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (علمني … ) أمر بمعنى الاسترشاد. قوله: (أدعو به في صلاتي) ظاهره عموم الصلاة في السجود أو في جلوس التشهد، وظاهر صنيع البخاري أن المراد: الدعاء في آخر التشهد، فإنه بوب عليه بقوله: (باب الدعاء قبل السلام) - كما تقدم - وهو ظاهر صنيع الحافظ هنا. قوله: (إني ظلمت نفسي) أصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والمعنى: نقصت نفسي حقها بالذنوب، وهو إما تقصير في أداء ما أُمر به أو ارتكاب ما نُهي عنه. قوله: (ظلماً كثيراً) أي: عدده، وفي رواية لمسلم (كبيراً) أي: قدره. قوله: (فاغفر لي مغفرة) أمر بمعنى الدعاء، والمعنى فاستر وتجاوز. قوله: (مغفرة) بالتنكير لغرض التعظيم. قوله: (من عندك) وصفت بذلك للزيادة في تعظيمها، لأن الذي من عند الله عظيم لا يحيط به وصف، أو لبيان محض فضل الله تعالى بهذه المغفرة، وأنها تفضل من الله تعالى وإن لم يكن العبد أهلاً بعمل ولا غيره. قوله: (وارحمني) أي: أدخلني في رحمتك. قوله: (إنك أنت الغفور الرحيم) هذه الجملة تعليل لما قبلها وثناء على الله تعالى بما يناسب المطلوب.

стр. 1086

الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة، إما في السجود، أو في آخر التشهد قبل السلام، وهو دعاء عظيم علَّمه النبي ﷺ الصديق ﵁. وهو دعاء شامل جامع لأنواع الأدعية، ففيه الاعتراف بالذنب وأن جميع الخلق عاجزون عن مغفرته، ثم إظهار الافتقار إلى الله بسؤال المغفرة والرحمة منه، ثم الثناء عليه تعالى بما يناسب المطلوب، وهذا كمال الدعاء. ومع كون الصديق ﵁ أفضل الصحابة ﵃ وأكملهم علماً وعملاً، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومع ذلك يقال له قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)، فهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يعترف بالتقصير وظلمه لنفسه وأن يقوم مقام الذل والانكسار بين يدي ربه، فإن هذا من أعظم الأسباب في قبول دعائه وتوبة الله عليه ونجاته وإصلاح قلبه، والله تعالى أعلم.

стр. 1087

كيفية السلام من الصلاة ٣٢٠/ ٥٤ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بسندٍ صَحِيحٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، بابٌ «في السلام» (٩٩٧) من طريق موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ … ) الحديث. وقد اختلفت كلمة العلماء في ثبوت لفظة: (وبركاته) في التسليمة الثانية، فلم يذكرها عبد الحق وابن الأثير والزيلعي (١)، وليست في طبعة محمد محيي الدين لسنن أبي داود، وثبتت في النسخة الهندية، وفي طبعة الدعاس، وقد تكون عن الهندية. وقد عزاها لأبي داود الحافط في «البلوغ» - في بعض الطبعات (٢) ـ وفي «التلخيص»، كما عزاها له ابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، فكل هؤلاء عزوا الحديث لأبي داود بإثبات اللفظة (٣).

стр. 1088

وقد وردت - أيضاً - في حديث ابن مسعود ﵁ عند ابن ماجه، كما ذكر الحافظ (١)، وليست في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، وذكر الأرنؤوط في تعليقه على «شرح السنة» للبغوي (٢) أنها ثابتة في نسخة خطية لسنن ابن ماجه في دار الكتب الظاهرية، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ (٣)، ووردت - أيضاً - عند ابن خزيمة (١/ ٣٥٩). وروى الحديث ابن حبان (٥/ ٣٣٣) بإسقاطها من التسليمة الأولى، وإثباتها في الثانية، لكنها ثبتت في كلتا التسليمتين في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (٤). وأخرج حديث ابن مسعود ﵁ عبد الرزاق (٢/ ٢١٩) موقوفاً عليه بإثباتها، وأخرج - أيضاً - (٢/ ٢٢٠) عن عمار بن ياسر موقوفاً عليه بإثباتها، ولما ذكر الحافظ طرقاً عدة لزيادة (وبركاته) رداً على النووي الذي قال: (إنها زيادة فردة)، قال: (فهذه عدة طرق ثبت فيها (وبركاته) بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النووي - إنها رواية فردة) (٥). وهذا الحديث صححه الحافظ - هنا - مع أنه ذكر في «التقريب» أن علقمة بن وائل لم يسمع من أبيه، وقد نَقَلَ ذلك عن العسكري عن ابن معين (٦)، فيكون في هذا السند انقطاع، وصححه النووي، وقال: (وأشار بعضهم إلى تضعيفه) (٧). والصواب تصحيحه، وأما قول الحافظ: (إن علقمة لم يسمع من أبيه) ففيه نظر، فقد نص البخاري والترمذي على أنه سمع منه (٨)، والدليل على ذلك تصريحه بالتحديث في أحاديث رواها عن أبيه، منها في «صحيح مسلم»

стр. 1089

(٤٠١) (١٦٨٠) و «في سنن النسائي» (٢/ ١٩٤) (١)، ولذا علق الشيخ عبد العزيز بن باز على كلام الحافظ في «التقريب» وصوب سماعه من أبيه (٢). الوجه الثاني: دلت السنة على أنه ﷺ كان يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر ذلك ابن المنذر (٣)، وهو قول ابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق. وقد بلغت الأحاديث في إثبات التسليمتين مبلغ التواتر، حيث روى ذلك تسعة عشرة صحابياً، كما ذكر ذلك في «نظم المتناثر» (٤) وسرد أسماءهم، وأوصلها المعلق على «سبل السلام» إلى تسعة وعشرين (٥)، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (٦)». وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خديه) (٧). وعند الطبراني من حديث المغيرة، وفيه: ( .. وكان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر) (٨)، والمشهور في مذهب الحنابلة أن التسليمتين من أركان الصلاة. والقول الثاني: أن التسليمة الثانية ليست بواجبة، وهذا قول المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة، وصاحب «الشرح

стр. 1090

الكبير» عبد الرحمن بن قدامة (١)، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة أنها جائزة (٢). واستدلوا بأحاديث عن عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد وغيرهم ﵃ فيها الاقتصار على تسليمة واحدة، وقد طعن العلماء في بعض هذه الأحاديث (٣)، وهي لا تصل إلى درجة أحاديث التسليمتين، فإن رواتها أكثر عدداً - كما تقدم - وهي أصح سنداً. فالقول بأن المصلي يسلم تسليمتين أحوط وأبرأ للذمة، فإن من سلم تسليمتين فصلاته جائزة على جميع الأقوال، والنبي ﷺ قد واظب عليهما، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد تكون أحاديث التسليمة الواحدة محمولة على بيان الجواز، وأحاديث التسليمتين لبيان الأكمل والأفضل، كما قال النووي (٤). والله أعلم. الوجه الثالث: صيغة السلام: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، هذا هو المحفوظ الذي نقله عدد من الصحابة ﵃ كما تقدم عن ابن مسعود ﵁. وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله .. الحديث)، وفي رواية عنه قال: (صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم … الحديث) (٥). وهذا فيه دليل على جواز الاقتصار على قول: (السلام عليكم)، وهو
следующие страницы →