٢ - أن إسحاق بن إبراهيم أورده الذهبي في «الضعفاء» وقال: (كذبه محمد بن عوف، وقال أبو داود: ليس بشيء) (١)، وقال أبو حاتم: (شيخ لا بأس به، ولكنهم يحسدونه، سمعت يحيى بن معين أثنى عليه خيراً) (٢).
وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم كثيراً)، وقال الألباني: (ضعيف جداً، وكذبه محدث حمص محمد بن عوف الطائي، وهو أعرف بأهل بلده) (٣).
وعلى هذا فالحديث ضعيف، لكن يشهد له ما بعده، ولعل الحافظ جمع بينهما لذلك.
وأما حديث وائل بن حجر ﵁، فقد أخرجه أبو داود (٩٣٢) والترمذي (٢٤٨) من طريق سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن حجر بن عنبس الحضرمي، عن وائل بن حجر قال: (سمعت رسول الله ﷺ قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: «آمين» ومدَّ بها صوته)، وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود: (ورفع بها صوته).
وقال الترمذي: (حديث حسن)، وقال الحافظ: (سنده صحيح) (٤)، وقال الألباني: (هذا إسناد جيد، ورجاله رجال الشيخين غير حجر بن عنبس، وهو صدوق كما قال في «التقريب») (٥).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (آمين) اسم فعل أمر معناه: اللهم استجب - عند الجمهور - فهو أمر بالتأمين عند خاتمة الفاتحة للدعاء الذي فيها، وفيها لغتان المدّ على وزن: فاعيل، والقصر على وزن: فعيل، قال الجوهري: (وتشديد الميم خطأ) (٦).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تأمين الإمام بعد قراءة
стр. 982
الفاتحة، ورفعه صوته بذلك، وهذا قول الجمهور من الشافعية والحنابلة وغيرهم (١).
وقال أبو حنيفة وأتباعه، وهو قول عند المالكية: يستحب خفض الصوت بها، لأن الأصل في الذكر خفض الصوت (٢)، والعمل بالحديث مقدم على مثل هذا التعليل.
وهذا الحديث ليس فيه تعرض لتأمين المأموم والمنفرد، ولم يذكر الحافظ شيئاً يتعلق بذلك.
وقد ورد حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه» (٣).
فهذا الحديث فيه أمر المأمومين بالتأمين، وهو للندب عند الجمهور (٤)، وظاهر الحديث أن تأمين المأموم يتأخر عن تأمين الإمام، لأنه رُتِّب عليه بالفاء، لكن في حديث آخر لأبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقولوا: آمين، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٥)، وهذا يدل على اقتران تأمين المأموم بتأمين الإمام ليقارن تأمين الملائكة، وذلك لأن التأمين لقراءة الإمام لا لتأمينه، فلذلك لا يتأخر عنه، ويكون معنى قوله: (إذا أمَّن الإمام فأمنوا) أي: إذا شرع في التأمين، والله تعالى أعلم.
стр. 983
حكم المصلي الذي لا يحسن شيئاً من القرآن
٢٨٥/ ١٩ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبي أَوْفَى ﵄ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآن شَيْئاً، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إلهَ إلاَّ اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلاَّ باللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ .. » الْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَالْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى: علقمة بن قيس بن الحارث الأسلمي، كان أبوه صحابياً - أيضاً ـ، وهو وأبوه من أهل بيعة الرضوان، شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض النبي ﷺ ، ثم تحول إلى الكوفة، ومات بها، وهو خاتمة من مات بالكوفة من الصحابة ﵃.
وقد ورد عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللهم صلّ على آل فلان»، فأتاه أبي بصدقته، فقال: «اللهم صلِّ على آل أبي أوفى» (١)، مات عبد الله سنة سبع وثمانين، وقد قارب مائة سنة ﵁ (٢).
стр. 984
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣١/ ٤٥٥، ٤٧٨ - ٤٧٩) وأبو داود (٨٣٢) في كتاب «الصلاة» باب «ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة» والنسائي (٢/ ١٤٣) وابن حبان (٥/ ١١٤) والدارقطني (١/ ٣١٣) والحاكم (١/ ٢٤١) من طريق إبراهيم السكسكي، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: فذكر الحديث .. بزيادة: قال: (يا رسول الله! هذا لله ، فما لي؟) قال: «قل: اللهم ارحمني وارزقني وعافني واهدني»، فلما قام قال هكذا بيده، فقال رسول الله ﷺ : «أما هذا فقد ملأ يده من الخير»، وهذه الزيادة لغير النسائي، ولابن حبان إلى قوله: (وعافني) لكن وقعت عنده من الطريق الآتي، وقد ذكر الحافظ أن الدارقطني صحح الحديث، ولم أجد ذلك في «سننه».
وإبراهيم السكسكي متكلم فيه، فضعفه أحمد، وشعبة على ما نقله عن ابن القطان، وقال النسائي: (ليس بذاك القوي، يكتب حديثه) (١).
لكن روى له البخاري في «صحيحه»، فقد ذكر الحافظ أن البخاري روى له حديثين أحدهما: في التفسير، والثاني: في الرقاق، وهو ينتقي من حديث الضعيف المعتبر في مثل هذه الأبواب (٢)، وقال ابن عدي: (لم أجد له حديثاً منكر المتن، وهو إلى الصدق أقرب منه إلى غيره، ويكتب حديثه، كما قال النسائي (٣))، وقال ابن عبد الهادي: (صالح الحديث) (٤)، وعلى هذا فهو حسن الحديث إن شاء الله.
وقد صحح الحديث شمس الحق آبادي (٥)، وحسنه الألباني (٦)، وقد تابع إبراهيمَ السكسكي طلحةُ بن مصرف عند ابن حبان (٥/ ١١٦) وفي إسناده الفضل بن موفَّق، ضعفه أبو حاتم وقال: (كان شيخاً صالحاً، وكان يروي أحاديث موضوعة) (٧)، وإذا كان في سند هذا الحديث من يروي أحاديث
стр. 985
موضوعة لم يصلح للتقوية، لكن يشهد لحديث الباب حديث المسيء كما تقدم أول «صفة الصلاة»، وقد احتج به الإمام أحمد على هذه المسألة، كما في «مسائل ابنه» (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من عجز عن قراءة الفاتحة في الصلاة لضيق الوقت عن تعلمها، أو فقد معلم، أو نحو ذلك من الأعذار، فإنه يأتي بدلها بالأذكار الواردة في هذا الحديث، وليس في الحديث ما يقتضي التكرار، فالظاهر أنها تكفي مرة، ثم يركع، والله أعلم.
стр. 986
كيفية القراءة في الصلاة
٢٨٦/ ٢٠ - عَنْ أَبي قَتَادَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، فَيَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ - في الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَينِ - بِفَاتِحَة الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَاناً، ويُطَوِّلُ الرَّكْعَةَ الأُولَى، ويَقْرَأُ في الأُخْرَيَيْنِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من كتاب «الأذان»، منها: باب «القراءة في الظهر» (٧٥٩) ومسلم (٤٥١) من طريق يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في الأوليين .. ) بيائين تثنية الأُولى، والمراد الركعة الأولى والثانية، وكذا الأخريين مثنى الأخرى، والمراد الركعة الثالثة والرابعة من صلاة الظهر والعصر.
قوله: (بفاتحة الكتاب وسورتين) أي: في الركعتين، في كل ركعة سورة، لما ورد في رواية البخاري: (بفاتحة الكتاب وسورة سورة) (١)، والسورة: طائفة من القرآن الكريم مسماة باسم خاص، ذات أول وآخر.
قوله: (ويسمعنا الآية أحياناً) أي: يجهر بها حتى يُسمعها من خلفه،
стр. 987
والآية لغة: العلامة، وسُمي بها الجزء من القرآن، لأنه علامة على أن القرآن كلام الله، أو لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي قبلها عن الذي بعدها وانفصاله، أي: أنها علامة على أن الكلام له ابتداء وانتهاء، وقوله: (أحياناً) جمع حين، والحين هو الزمان قَلَّ أو كثر.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قراءة الفاتحة في كل ركعة من الصلاة حتى الصلاة السرية، لأن أبا قتادة ﵁ ذكرها في كل الركعات الأربع، وقد تقدم في أول «صفة الصلاة» أن النبي ﷺ أمر بها المسيء في صلاته، وقال له: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في كل ركعة من الركعتين الأوليين في صلاتي الظهر والعصر، وفي حكمهما المغرب والعشاء، وكذلك الصبح، وقراءة السورة مع الفاتحة سنة على قول جمهور أهل العلم، لأنه لا يجب إلا الفاتحة، قال ابن قدامة: (لا نعلم خلافاً أن قراءة السورة بعد الفاتحة مسنونة) (١)، لكن لا ينبغي الاقتصار عليها.
قال في «الإقناع وشرحه»: (ويكره الاقتصار في الصلاة على الفاتحة، لأنه خلاف السنة المستفيضة) (٢).
الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية تطويل الركعة الأولى على الثانية في صلاتي الظهر والعصر، وكذا صلاة الفجر.
ولعل هذا - والله أعلم - مقصود به أن يدرك الصلاة من لم يأت بَعْدُ، ولكون المصلين أقوى نشاطاً، وقد ورد في آخر حديث أبي قتادة بالإسناد المقدم: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى) (٣).
وقد عارض ذلك حديث أبي سعيد الآتي الذي يدل على أن الركعتين الأوليين سواء في مقدار القراءة، وسيأتي بيان ذلك وتوجيهه إن شاء الله تعالى.
стр. 988
وتطويل الركعة الأولى على الثانية سنة أَخَلَّ بها كثير من الأئمة في هذا الزمان، لأنهم يقرأون بقصار السور، فتكون الركعتان الأوليان متقاربتين.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز الجهر ببعض الآيات في الصلاة السرية أحياناً، وذلك لتنبيه الغافل، أو لبيان أن الإمام يقرأ وأنه ليس بساكت، ويحتمل أن إسماعه ﷺ من خلفه ليس مقصوداً، وإنما كان يحصل بسبق اللسان للاستغراق في التدبر، وقوله: (أحياناً) يدل على تكرر ذلك منه.
الوجه السابع: الحديث دليل على مشروعية الاقتصار على الفاتحة في الركعتين الأخريين من صلاة الظهر والعصر وكذا العشاء وثالثة المغرب.
وقد ورد في حديث أبي سعيد الآتي ما يفيد جواز الزيادة على الفاتحة، وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك.
الوجه الثامن: استدل بالحديث من قال: إن قراءة سورة كاملة أفضل من قراءة بعض سورة طويلة، وذلك لارتباط بعضها ببعض في ابتدائها وانتهائها، بخلاف قدرها من سورة طويلة.
قال ابن القيم: (وكان من هديه ﷺ قراءة السورة كاملة، وربما قرأها في الركعتين، وربما قرأ أول السورة، وأما قراءة أواخر السور وأوساطها فلم يحفظ عنه) (١).
ولعل ابن القيم يقصد أنه لا يقرأ من أثناء السورة في الفريضة، وإلا فقد ثبت عنه أنه قرأ في سنة الفجر آيات من السور، فكان أحياناً يقرأ في الركعة الأولى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ التي في سورة البقرة [١٣٦]، وفي الثانية: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ التي في آل عمران [٥٢]، وقد ورد ذلك في حديث ابن عباس ﵄ (٢).
والقاعدة أن ما ثبت في النفل ثبت في الفرض ما لم يرد مخصص، وقد يؤيد ذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
стр. 989
لكن السنة والأفضل أن يقرأ سورة كاملة في كل ركعة، ليبقى ارتباط الآيات بعضها ببعض، ولئلا يقف الإمام على ما لا ينبغي الوقوف عليه، فإن شق فلا حرج أن يقسمها بين الركعتين، فقد ورد عن عبد الله بن السائب ﵁ قال: (صلى لنا النبي ﷺ الصبح بمكة، فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون، أو ذكر عيسى - شك أحد الرواة - أخذت النبي ﷺ سَعْلة فركع، وعبد الله بن السائب حاضر (١)).
وثبت أن الرسول ﷺ قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين (٢)، وعلى الإمام أن يختار الموضع المناسب للوقف، والله تعالى أعلم.
стр. 990
مقدار القراءة في الصلاة
٢٨٧/ ٢١ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]. وَفِي الأُخْريَينِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ. وَفِي الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قدْرِ الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، والأُخْرَيَينِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذلِكَ.
رَوَاهُ مُسْلمٌ.
٢٨٨/ ٢٢ - وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ ﵀ قَالَ: كَانَ فُلَانٌ يُطِيلُ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي المغْرِبِ بِقِصَارِ المُفَصَّل وَفِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِهِ وفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِهِ. فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (مَا صَلَّيْتُ وَرَاء أَحَدٍ أَشْبَهُ صَلَاةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ هذَا). أَخْرَجَهُ النَّسَائيُّ بِإسْنَادٍ صَحِيح.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو سليمان بن يسار الهلالي، مولى ميمونة أم المؤمنين ﵂، وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، ومن كبار التابعين، كان فقيهاً فاضلاً، ثقة عابداً، ورعاً حجة، هكذا وصفه العلماء، كأبي زرعة والعجلي وغيرهما، روى عن عدد من الصحابة، وهو أحد الفقهاء السبعة، مات سنة مائة وثلاث، على أحد الأقوال، وكان مولده سنة سبع وعشرين، ﵀ (١).
стр. 991
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث أبي سعيد، فأخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «القراءة في الظهر والعصر» (٤٥٢) من طريق منصور، عن الوليد بن مسلم، عن أبي الصديق، وهو بكر بن عمرو الناجي، عن أبي سعيد ﵁ به.
وأما حديث سليمان بن يسار، فقد أخرجه النسائي في كتاب «الافتتاح» باب «القراءة في المغرب بقصار المفصل» (٢/ ١٦٧ - ١٦٨) من طريق الضحاك بن عثمان، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: (ما صليت وراء أحد أشبه برسول الله ﷺ من فلان، فصليت وراء ذلك الإنسان، وكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف في العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في العشاء بالشمس وضحاها وأشباهها، ويقرأ في الصبح بسورتين طويلتين)، هذا لفظ النسائي، وبه يتبين أن الحافظ تصرف في بعض ألفاظه.
وأخرجه أحمد (١٤/ ١٠٢) بهذا الإسناد، أن أبا هريرة ﵁ قال: (ما رأيت رجلاً أشبه صلاةً برسول الله ﷺ من فلان)، لإمام كان بالمدينة، قال سليمان بن يسار: (فصليت خلفه، فكان يطيل الأوليين من الظهر، ويخفف الأخريين، ويخفف العصر، ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل، ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل، ويقرأ في الغداة بطوال المفصل .. )، ويظهر أن الحافظ لفق لفظ البلوغ من هذا وذاك، والله أعلم.
والحديث إسناده قوي، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير الضحاك بن عثمان، فقد روى له مسلم، وقد تكلم فيه بعض الأئمة من قبل حفظه، ولخص الحافظ حاله في التقريب فقال: (صدوق يهم)، فيكون حديثه من قبيل الحسن إن شاء الله تعالى.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (كنا نحزر) بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي ماضي حزر، من باب «نصر»، ومعناه: نَخْرُصُ ونقدر ونقيس، قال في «المصباح
стр. 992
المنير»: (حزرت الشيء: قدرته، وحزرت النخل: خرصته» (١).
قوله: (قدر ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]): قدرها ثلاثون آية، في كل ركعة من الأوليين في الظهر، كما ورد في حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ آخر، وسيأتي.
قوله: (قدر النصف من ذلك) أي: خمس عشرة آية في كل ركعة من الأخريين في الظهر، وظاهر هذا أنه كان يقرأ غير الفاتحة في الأخريين، كما سيأتي.
قوله: (كان فلان .. ) يريد به أميراً كان على المدينة، كما ورد في رواية أحمد المتقدمة.
قوله: (المفصل) أي: سور المفصل، وهو يبدأ من سورة (ق) إلى نهاية سورة (الناس) على أرجح الأقوال (٢)، وهو اختيار الشيخ عبد العزيز بن باز (٣)، سمي المفصل لكثرة الفواصل بين سوره بالبسملة على الصحيح، وطوال المفصل من (ق) إلى (عبس)، وأوسطه منها إلى (الضحى) وقصاره منها إلى آخر المصحف، ويقابل المفصل المطوَّل، وهو من أول القرآن إلى الحجرات.
الوجه الرابع: حديث أبي سعيد ﵁ دليل على مشروعية تطويل القراءة في الأوليين من الظهر، وعلى استحباب التخفيف في العصر، وذلك بأن تكون القراءة في الأوليين على النصف من الظهر، وقد ورد حديث أبي سعيد: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك) (٤).
стр. 993
وظاهر الحديث يقتضي أن الركعة الأولى والثانية سواء، وهذا يخالف حديث أبي قتادة ﵁ المتقدم: (ويطول الركعة الأولى)، وفي رواية أن النبي ﷺ (كان يطول الركعة الأولى من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية .. ) (١)، وقد اختلف العلماء في الإجابة عن ذلك:
فمنهم من سلك مسلك الترجيح فرجَّح حديث أبي قتادة على حديث أبي سعيد لأمرين:
الأول: أنه متفق عليه، وحديث أبي سعيد في مسلم فقط.
الثاني: أن حديث أبي قتادة جاء بصيغة الجزم، وحديث أبي سعيد قال: (حزرنا قيامه)، وفرق بين الجزم بالشيء وبين حزره وتقديره، على أنه قد يقال: إن التقدير بقراءة الآيات تقدير زمني، لا يلزم منه الفعل.
وسلك آخرون مسلك الجمع وهو أن الرسول ﷺ يفعل هذا أحياناً، ويفعل هذا أحياناً، وهذا وجيه جداً لأمرين:
الأول: أن القاعدة في الأصول أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين فهو أولى من الترجيح، لأن الجمع عمل بكلا الدليلين، أما الترجيح ففيه ترك لأحدهما.
الثاني: أن الصلاة تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، وقد تنوعت كثير من أقوالها وأفعالها، كما تقدم، وكما سيأتي، فيكون تنوع مقدار القراءة من هذا الباب، والله أعلم.
الوجه الخامس: حديث أبي سعيد ﵁ فيه دليل على أنه ﷺ كان يقرأ زيادة على الفاتحة في الأخرين، لأن الفاتحة سبع آيات، وقد ذكر أن قراءته فيها قدر خمس عشرة آية، وقد تقدم في حديث أبي قتادة أنه يقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب، فيؤخذ منه أنه لا يزيد على فاتحة الكتاب، قال ابن قدامة: (أكثر أهل العلم يرون أن لا تسن الزيادة على فاتحة الكتاب في غير
стр. 994
الركعتين الأوليين … ) (١) وهذا قول أصحاب الرأي ومالك وأحد قولي الشافعي، واعتبره النووي قولاً قديماً (٢)، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣).
والقول الثاني: أنه يقرأ بسورة مع الفاتحة في الأخريين، وهو القول الآخر للشافعي، وهو المنصوص عليه في «الأم» (٤)، ورواية عن أحمد، وعبر عنها صاحب «الإنصاف» بالسنية، ودليل هؤلاء حديث أبي سعيد هذا.
والظاهر أن يقال في الجمع بينهما مثل ما تقدم، بأنه ﷺ كان يفعل هذا تارة، ويقتصر فيها على الفاتحة تارة، لكن ينبغي التنبه إلى أن المأموم إذا فرغ من الفاتحة قبل ركوع إمامه في الأخريين فإنه يقرأ سورة، لأن الصلاة لا سكوت فيها في مثل هذه الحال.
الوجه السادس: في حديث سليمان بن يسار إيضاح وتفصيل لهدي النبي ﷺ في القراءة في الصلوات الخمس، وأنه في الظهر يطيل، كما تقدم في حديث أبي قتادة، وفي العصر يخفف، كما في حديث أبي سعيد، وكان في العشاء يقرأ في الأوليين من أوساط المفصل، أما المغرب فكان يقصر فيها، فيقرأ مع الفاتحة بقصار المفصل، وهذا في بعض الأحيان، وليس يديم ذلك كما يوهمه ظاهر هذا الحديث، فإنه لم تكن سنته المداومة على القصار، بل كان يقرأ تارة بقصاره، وتارة بأوساطه، وقرأ بطواله، فقرأ بالطور، والمرسلات، وقرأ بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [محمد: ١]، وقرأ بالأعراف في الركعتين، كما تقدم.
وفي الفجر كان يقرأ من طوال المفصل، والإطالة فيها - والله أعلم - ليدركها المتأخر بنوم أو غفلة، ولأنها ركعتان، ولأن الناس بعد نوم وراحة فعندهم نشاط لسماع كلام الله تعالى والاستفادة منه - والله المستعان ـ، ولأن
стр. 995
الملائكة تشهدها؛ ولهذا عبَّر الله تعالى عن صلاة الفجر بالقرآن في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، وذلك - والله أعلم - لمزيد العناية به فيها وإطالته.
فينبغي للإمام أن يتحرى الاقتداء بالنبي ﷺ ويصلي مثل صلاته التي كان يصليها بأصحابه، وقد قال ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وعلى الإمام أن يراعي حال من خلفه ممن يحتاج إلى التخفيف من كبير السن أو ضعيف القوة أو صاحب الحاجة، والله تعالى أعلم.
стр. 996
القراءة في صلاة المغرب
٢٨٩/ ٢٣ - عَن جُبَيْرِ بْنِ مُطعِم ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بالطُّور. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الصلاة» باب «الجهر في المغرب» (٧٦٥) ومسلم (٤٦٣) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه ﵁ قال: … فذكره.
وقد رواه عن ابن شهاب - أيضاً - جمع، منهم: سفيان، وابن وهب، ومعمر، كما عند مسلم.
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية الجهر في صلاة المغرب، وبهذا بوب البخاري، كما تقدم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية تطويل القراءة في صلاة المغرب في بعض الأحيان، لأن الرسول ﷺ قرأ في المغرب بالطور، وهي من طوال المفصل، وفيه دليل على أنه لا ينبغي للإمام المداومة على قصار المفصل - كما تقدم - وقد ذكر ابن القيم أن المداومة خلاف السنة (١)، وهو فعل مروان بن الحكم، ولهذا أنكر عليه زيد بن ثابت ﵁ فقال: (ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل، وقد سمعت النبي ﷺ يقرأ بطولى الطوليين) (٢).
стр. 997
وعن ابن عباس ﵁ قال: إن أم الفضل بنت الحارث سمعته يقرأ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: ١] فقالت: (يا بني لقد ذكرتني بقراءة هذه، إنها لآخر ما سمعت رسول الله ﷺ يقرأ بها في المغرب (١)).
وعن عائشة ﵂ أن الرسول ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف فرَّقها في ركعتين (٢).
الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة أداء ما تحمله الراوي في حال الكفر، وكذا الفسق إذا أداه في حال العدالة، وذلك لأن جبير بن مطعم حينما سمع قراءة النبي ﷺ سورة الطور كان كافراً، وبَلَّغَها وهو مسلم، لأن العبرة بحال الأداء لا بحال التحمل، والله تعالى أعلم.
стр. 998
ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة
٢٩٠/ ٢٤ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٩١/ ٢٥ - وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «يُدِيمُ ذلِكَ».
الكلام عليهما من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الجمعة» باب «ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة» (٨٩١) ومسلم (٨٨٠) من طريق سعد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ به.
وأما حديث ابن مسعود ﵁، فقد رواه الطبراني في «الصغير» (٢/ ٨٠) قال: (حدثنا محمد بن بشر بن يوسف الأموي الدمشقي، حدثنا دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ ﴿تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، يديم ذلك).
قال الطبراني: (لم يروه عن عمرو بن قيس إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد بن مسلم، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن محمد بن بشر)، ورواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٢/ ١٥٠) من طريق الطبراني بدون هذه الزيادة.
стр. 999
قال الهيثمي: (رجاله موثقون) (١)، وشيخ الطبراني محمد بن بشر، له ترجمة في «تاريخ دمشق» وغيره، قال ابن عدي: (كان أروى الناس عن هشام بن عمار، كان عنده كتبه كلها وراقة)، وقال الدارقطني: (صالح) (٢)، وبقية رجاله ثقات، وفي بعضهم كلام من جهة التدليس أو الاختلاط، كما يؤخذ من «التقريب».
وقد أخرجه ابن ماجه (١/ ٢٧٠) من طريق عمرو بن أبي قيس، عن أبي فروة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود ﵁، وليس فيه (يديم ذلك) والنفس لا تطمئن لثبوت هذه الزيادة، ثم إن أبا حاتم والدارقطني قد صوَّبا إرساله (٣).
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، كل سورة بكمالها، وذلك - والله أعلم - لاشتمالهما على ذكر مبدأ الخلق وغايته، وهو كائن في يوم الجمعة، فإن فيه تَمَّ خلق السماوات والأرض، وفيه خلق آدم، وفيه أُخرج من الجنة ليكون نسله في الأرض، وفيه تقوم الساعة، فيكون البعث والجزاء، فالمقصود أن يتذكر الناس بما كان في ذلك اليوم، وفي ذلك اعتبار، ويتذكروا ما سيكون، وفي ذلك استعداد.
وإذا كانت قراءتهما سنة ثابتة فينبغي للأئمة أن يحافظوا عليها، فإن من الأئمة من يتساهل بذلك فلا يقرؤها، بحجة أنها طويلة، وبعضهم يفرِّق سورة السجدة في الركعتين، وبعضهم يفرِّق سورة (هل أتى) في الركعتين، وكل هذا خلاف السنة.
وسياق الحديث عن أبي هريرة يشعر بمواظبة النبي ﷺ على قراءتهما أو الإكثار من ذلك، وفي حديث ابن مسعود الذي أشار إليه الحافظ التصريح
стр. 1000
بمداومة النبي ﷺ على ذلك، لكن زيادة (يديم ذلك) غير محفوظة، وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية على أنه لا ينبغي المداومة على قراءتهما، بحيث يتوهم الجهال أنها واجبة وأن تاركها مسيء، بل ينبغي تركها أحياناً لعدم وجوبها (١) وهذا مطلب صالح، لكن المحافظة على السنة كما حافظ عليها النبي ﷺ أولى، وفي الإمكان التنبيه على أنها غير واجبة بالكلام والتذكير.
وَذَكَرَ - أيضاً - أنه لا يستحب أن يقرأ في فجر الجمعة بسورة فيها سجدة أخرى باتفاق الأئمة، لأن استحباب قراءة (الم) السجدة، و (هل أتى)، ليس لأجل السجدة، بل لأجل ما جاء في هاتين السورتين كما تقدم، والسجدة جاءت اتفاقاً، والله تعالى أعلم.
стр. 1001
مشروعية السؤال عند آية الرحمة في صلاة النفل
٢٩٢/ ٢٦ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فَمَا مَرّتْ بِهِ أَيَةُ رَحْمَةٍ إلاَّ وَقَفَ عِنْدَهَا يَسْأَلُ، وَلَا آيَةُ عَذَابٍ إلاَّ تَعَوَّذَ مِنْهَا. أَخْرَجَهُ الخَمْسَةُ، وَحَسَّنَه الترْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده» (٨٧١) والنسائي (٣/ ٢٢٥) والترمذي (٢٦٢) وابن ماجه (١٣٥١) وأحمد (٣٨/ ٢٧٥ - ٣٦٩) من طريق الأعمش قال: (سمعت سعد بن عبيدة، عن المستورد، عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حذيفة ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ فكان يقول في ركوعه: «سبحان ربي العظيم»، وفي سجوده: «سبحان ربي الأعلي»، قال: «وما مرَّ بآية رحمة إلا وقف عندها فسأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ منها»)، وهذا لفظ أحمد، وإنما ذكرته لأنه قريب من لفظ «البلوغ».
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، رجاله ثقات رجال الشيخين، غير مستورد - وهو ابن الأحنف - فإنه من رجال مسلم.
والحديث أصله في مسلم (٧٧٢) مختصراً ومطولاً بهذا الإسناد، ولفظه: (قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت يصلي بها في الركعة فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مرَّ بآية فيها
стр. 1002
تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤال سأل، وإذا مرَّ بتعوُّذ تعوَّذ، ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، فكان ركوعه نحواً من قيامه، ثم قال: «سمع الله لمن حمده»، ثم قام طويلاً قريباً مما ركع، ثم سجد فقال: «سبحان ربي الأعلى» فكان سجوده قريباً من قيامه).
وكان الأولى أن يشير الحافظ إلى أن الحديث أصله في مسلم، كما هي عادته في مثل ذلك، لا سيما أن الإسناد واحد.
وقوله: (وحسنه الترمذي)، الموجود في جامع الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وكذا نقله المزي في «تحفة الأشراف» (٣/ ٤١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه ينبغي للمصلي أن يتدبر ما يقرأه في الصلاة، وأن يسأل إذا مرَّ بآية فيها سؤال، وأن يتعوذ إذا مرَّ بآية فيها تعوُّذ.
وهذا كان في تهجده ﷺ في صلاة الليل، لأنه كان يطيل الصلاة، ويكثر القراءة، فكان يفعل ما ذكر، وهذا يدل على حضور القلب، والمبالغة في تدبر القرآن، ولم يحفظ عنه هذا الدعاء في الفرائض، ومن هنا اختلف العلماء في ذلك.
فذهب بعض العلماء إلى أن الفرض والنفل سواء، لأن ما ثبت في الفرض ثبت في النفل إلا بدليل.
والقول الثاني: أن هذا لا يشرع في صلاة الفرض، لا سيما في حق الإمام، لأن عدم نقله في الفرض يدل على أن الأَولى تركه لأمرين:
الأول: أنه لم ينقل فيما نعلم، ولو كان سنة لنُقل، لأن الصحابة ﵃ نقلوا صفة صلاة النبي ﷺ نقلاً دقيقاً، وقد نقلوا ذلك في النفل، ولم ينقلوه في الفرض، مع توفر الهمم والدواعي على نقله في الفرض أكثر من النفل، وقد سأل أبو هريرة ﵁ النبي ﷺ عن سكوته بين التكبير والقراءة، فلو كان يسكت عن القراءة للسؤال والتعوذ لنقل ذلك، لكن مع هذا فليس فيه دليل ينص على المنع، لأن غاية ما فيه أنه دعاء وتسبيح، وقد قال النبي ﷺ : «إن
стр. 1003
هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (١).
الثاني: أن الدعاء في الفريضة لا سيما من الإمام قد يسبب التطويل على المأمومين، فيشق عليهم، والمطلوب هو التخفيف، كما سيأتي - إن شاء الله - في باب «الإمامة».
هذا بالنسبة للإمام والمنفرد.
أما المأموم فإن كان في صلاة السر فهو كالإمام والمنفرد، وإن كان في صلاة الجهر فإن أشغله السؤال والتعوذ عن الإنصات المأمور به كما لو كانت آية السؤال أو العذاب في أثناء قراءة الإمام فإنه يترك ذلك، وينصت لإمامه، إلا إن كان إمامه يسكت بحيث يتمكن من السؤال، فيكون حكمه كما تقدم، وإن لم يشغله بل أعانه على تدبر قراءة إمامه ولم يشغل من كان معه لم يكره له بل يستحب على أحد القولين، والله تعالى أعلم.
стр. 1004
النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود
٢٩٣/ ٢٧ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَلَا وَإني نُهيتُ أَنْ أَقْرَأَ القُرْآنَ رَاكِعاً أَوْ سَاجِداً، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود» (٤٧٩) من طريق سفيان بن عيينة، أخبرني سليمان بن سحيم، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن أبيه، عن ابن عباس قال: كشف رسول الله ﷺ الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال: «أيها الناس: إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له، ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فعظموا فيه الرب) التعظيم: وصف الرب بصفات العظمة والإجلال والكبرياء، والمراد هنا: سبحان ربي العظيم.
قوله: (فقمن أن يستجاب لكم) بفتح القاف وكسر الميم بعدها نون صفة مشبهة أي: حقيق وجدير أن يستجاب دعاؤكم، ويجوز فتح الميم (قَمَنٌ) ويكون مصدراً فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، ومن كسر الميم ثَنَّى وجمع وأنَّث، لأنه صفة مشبهة، كما تقدم، ومثله: قمين، فإنه وصف.
стр. 1005
الوجه الثالث: الحديث دليل على النهي عن قراءة القرآن في حال الركوع والسجود، وفي معنى ذلك - أيضاً - حديث علي ﵁ قال: (نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ راكعاً أو ساجداً)، وفي رواية: (نهاني رسول الله ﷺ عن القراءة في الركوع والسجود، ولا أقول: نهاكم) (١).
وذلك لأن القراءة محلها القيام أو القعود في حق من يعجز عن القيام، والقرآن أشرف الكلام، فناسب أن يكون في حال القيام، وهي حال الرفعة تعظيماً لكلام الله تعالى وتكريماً للقارئ القائم مقام الكليم، أما الركوع والسجود فحالتا ذل وانكسار وانخفاض، فيناسب فيه تعظيم الرب ودعاؤه والتضرع بين يديه.
الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب تعظيم الرب في حال الركوع ويكون ذلك بالصيغة الواردة في حديث حذيفة ﵁ المتقدم: ( .. ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم … ، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى … ). وقد ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قال رسول الله ﷺ : «اجعلوها في ركوعكم»، فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال: «اجعلوها في سجودكم» (٢)).
стр. 1006
وظاهر الحديث أن ذلك واجب، وهو قول الإمام أحمد، وذهب الجمهور إلى أن ذلك سنة، وليس بواجب، بدليل حديث المسيء صلاته، لأن الرسول ﷺ لم يعلمه التسبيح، ولو كان واجباً لأمره به، والقول بالوجوب هو الراجح، وأما دليل الجمهور فقد تقدم الجواب عن مثله في الكلام على حديث المسيء فراجعه.
الوجه الخامس: مشروعية الدعاء في السجود والإكثار منه لأنه محل إجابة، وظاهر إطلاق لفظ: (الدعاء) أنه لا يختص بالمأثور، بل يدعو في صلاته في حال سجوده بأي دعاء كان من طلب خيري الدنيا والآخرة والاستعاذة من شرهما.
وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (١)، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - في دعاء التشهد (ثم يدعو بما شاء). والله تعالى أعلم.
стр. 1007
من أدعية الركوع والسجود
٢٩٤/ ٢٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ في رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: «سُبْحَانَكَ اللهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، منها: في كتاب «الأذان» باب «التسبيح والدعاء في السجود» (٨١٧) ومسلم (٤٨٤) من طريق منصور، عن أبي الضُّحَى (١)، عن مسروق، عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول القرآن»)، وهذا لفظ الصحيحين.
ومعنى: (يتأول القرآن) أي: يعمل ما أُمر به فيه، ويدل على ذلك لفظ الصحيحين بالسند المذكور: (ما صلّى النبي ﷺ صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] إلا يقول فيها: «سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» (٢)).
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية قول المصلي في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) وأنه ينبغي الإكثار منه، وهو يدل على جواز الدعاء في الركوع من المأثور، وإن كان الدعاء في السجود أكثر، لأنه أمر فيه بالاجتهاد في الدعاء، وهذا يشعر بتكثير الدعاء، بخلاف الركوع فالكثير فيه تعظيم الرب ، كما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 1008
حكم التكبير ومواضعه من الصلاة
٢٩٥/ ٢٩ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثمَّ يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ» حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوع، ثُمَّ يَقُولُ وهو قَائمٌ: «رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ»، ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِداً، ثُمَّ يُكَبرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، ثمَّ يُكَبِّر حِينَ يَسْجُدُ، ثمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ، ثمَّ يَفْعَلُ ذلِكَ في الصَّلَاةِ كُلِّهَا، وَيُكَبِّر حِينَ يَقُومُ مِنَ اثْنَتَيْنِ بَعْدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «التكبير إذا قام من السجود» (٧٨٩) ومسلم (٣٩٢) من طريق الليث، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: ( … فذكره).
وهذا لفظ الصحيحين، إلا أن لفظ البخاري بهذا الإسناد: (ربنا لك الحمد) بدون واو، ومن طريق عبد الله بن صالح، عن الليث بالإسناد المذكور (ربنا ولك الحمد)، وقد أشار إليها البخاري.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يكبر حين يقوم) أي يقول: الله أكبر، وقت قيامه للصلاة، وهي تكبيرة الإحرام.
قوله: (سمع الله) أي: استجاب، والأصل في الفعل (سمع) أن يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١]،
стр. 1009
وقد يتعدى باللام إذا ضُمِّنَ معنى فعل آخر يتعدى باللام، وهو الفعل (استجاب) قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ولأن مجرد السمع لا يستفيد منه الحامد، فإن الله تعالى يسمع من حَمِدَهُ ومن لم يحمده، وإنما يستفيد بالاستجابة، لأن الذي يحمد الله تعالى يرجو الثواب، فإذا استجاب الله له فقد أثابه، وقد أشار ابن القيم إلى شيء من هذا (١).
قوله: (لمن حمده) أي: لمن وصفه بصفات الكمال حباً وتعظيماً.
قوله: (ربنا ولك الحمد) أي: يا ربنا، فهو منادى بحرف نداء مقدر، والواو عاطفة على مقدر، أي: يا ربنا أطعنا، ولك الحمد، فيكون في تقدير جملتين.
وهذا لفظ الصحيحين - كما تقدم - والصيغة الثانية: ربنا لك الحمد، وقد أخرجها البخاري وهي في حديث أبي هريرة، كما تقدم، وأخرجها مسلم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وسيأتي بعد حديث أبي هريرة هذا.
والصيغة الثالثة: اللهم ربنا لك الحمد، بزيادة (اللهم) وهي في حديث أبي هريرة ﵁ وسيأتي، وفي حديث ابن عباس ﵄ (٢).
والصيغة الرابعة: اللهم ربنا ولك الحمد، وهي في حديث أبي هريرة ﵁ (٣) وفيها من البلاغة تكرار النداء، فكأنه قال: يا الله يا ربنا.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية التكبير عند الدخول في الصلاة، وهو ركن لا تنعقد الصلاة إلا به، وعلى مشروعية التكبير حين الركوع، والسجود، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول.
وبهذا يتبين أن النبي ﷺ كان يكبر الله تعالى عند الافتتاح، وفي كل خفض ورفع، ما عدا الرفع من الركوع، وهذه التكبيرات واجبة على قول أحمد وجماعة من السلف والخلف (٤)، وهو الراجح لما يلي:
١ - قوله ﷺ : «إذا كبر الإمام فكبروا»، فتدخل تكبيرات الانتقال في عمومه.
стр. 1010
٢ - مواظبة النبي ﷺ عليه في كل صلاته فرضاً ونفلاً، وقد قال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلي»، فتكون هذه التكبيرات من تفسير الصلاة التي أمرنا بها.
٣ - أن التكبير شعار الانتقال من ركن إلى آخر، لأن أفعال الصلاة هيئات، فلا بد من شعار يدل على الانتقال من هيئة إلى هيئة.
القول الثاني: أن التكبيرات ليست بواجبة بل هي مستحبة، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك والشافعي ورواية عن أحمد (١)، لحديث المسيء، والراجح ما تقدم، وحديث المسيء تقدم الجواب عنه.
الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية قول: سمع الله لمن حمده حين الرفع من الركوع، وهذا في حق الإمام والمنفرد، وأما المأموم فإنه يقول: ربنا ولك الحمد، لحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإن من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» (٢)، وإنما عُدل عن التكبير إلى هذا الذكر عند الرفع من الركوع، لأن القيام الذي بعده محل تحميد لله يصدر من الإمام والمأموم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على مشروعية قول: ربنا ولك الحمد بعد القيام من الركوع، وهذا في حق الإمام والمنفرد، إلا المأموم فيقولها حين الرفع من الركوع بدلاً عن: سمع الله لمن حمده.
وبهذا يتبين أن الإمام والمنفرد يقولان الجملة الأولى حين الرفع من الركوع والثانية بعد القيام، وأما المأموم فيقول الجملة الثانية فقط حين الرفع من الركوع، وهذا على أحد القولين لأهل العلم، وهو الراجح، لأن حديث أبي هريرة نص في الموضوع: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد .. )، ولم يقل فقولوا: سمع الله لمن حمده، كما قال: إذا كبر الإمام فكبروا .. ، والله تعالى أعلم.
стр. 1011
ما يقوله بعد الرفع من الركوع
٢٩٦/ ٣٠ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: «اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّموَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ، وَمِلءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ - وَكلُّنَا لَكَ عَبْدٌ - اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِي لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ» رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع» (٤٧٧) من طريق سعيد بن عبد العزيز، عن عطية بن قيس، عن قَزَعَةَ، عن أبي سعيد الخدري قال: … فذكر الحديث.
وقد ورد ذلك - أيضاً - من حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم (٤٧٨) من طريقين أحدهما مختصر، والآخر مثل حديث أبي سعيد ﵁، دون قوله: (أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد)، ومن حديث علي ﵁ عند مسلم أيضاً (٧٧١) لكنه مختصر إلى قوله: (وملء ما شئت من شيء بعد).
وقد تقدم هذا الحديث في أدعية الاستفتاح، وورد الحديث أيضاً من طريقين عن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ مختصراً، كحديث علي ﵁، وله طريق ثالث، وفيه زيادة: (اللهم طهرني بالثلج والماء والبرد … ).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (ملء السماوات وملءَ الأرض) ملء: بالنصب والرفع، والنصب
стр. 1012
أشهر، على أنه صفة لموصوف محذوف، وهذا الموصوف منصوب على المصدر، والعامل فيه المصدر قبله، والتقدير: حمداً ملءَ السماوات.
والمعنى: حمداً لو كان أجساماً لملأ السماوات والأرض، والمقصود به التمثيل والتقريب، لا حقيقة ذلك، لأن الكلام لا يقدر بالمكاييل ولا تحشى به الظروف، وإنما المراد به: تكثير العدد وتعظيم الحمد وتفخيم شأنه، وأن الله تعالى محمود على كل فعل أو خلق في السماوات والأرض وما بينهما، ذكر معنى هذا الخطابي (١).
وأما الرفع فعلى أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو.
والسماوات بلفظ الجمع، وقد جاء في حديث ابن أبي أوفى بلفظ الإفراد (ملء السماء والأرض)، وفي حديث ابن عباس: (ملء السماوات وملء الأرض وما بينهما) بزيادة: (بينهما)، ولعل تركها في الأحاديث الأخرى لإرادة العلويات والسفليات منهما، وهي شاملة لما بينهما، لأنه لا يخلو عنهما، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨].
قوله: (وملء ما شئت من شيء بعدُ) ظرف مبني على الضم لقطعه عن الإضافة مع إرادة المضاف إليه، وهو السماوات والأرض.
وهذا إشارة إلى أن حمد الله تعالى لا منتهى له ولا يحصيه عاد، ولا يجمعه كتاب، فأحال الأمر فيه على مشيئة الله تعالى، وليس وراء ذلك للحمد منتهى.
قوله: (أهلَ الثناء والمجد) بالنصب على الاختصاص، أو على النداء ويجوز رفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: أنت أهل الثناء والمجد.
والثناء: هو المدح بالأوصاف الكاملة، والمجد: هو العظمة ونهاية الشرف.
стр. 1013
قوله: (أحقُّ ما قال العبد) بالرفع إما أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: ذلك أحق ما قال العبد، والمراد ما سبق من الثناء والحمد، أحق ما قال العبد: أي: أصدقه وأثبته، وإنما جعل خبراً ليكون ما بعده مستأنفاً يتم الكلام بدونه، أو مبتدأ وجملة (لا مانع لما أعطيت) خبره، وجملة (وكلنا لك عبد) معترضة، لتأكيد التفويض لله تعالى.
و (أل) في العبد إما للجنس، أو للعهد، والمراد الرسول ﷺ ، والأول أظهر، لقوله: (وكلنا لك عبد).
قوله: (وكلنا لك عبد) فيها التنبيه على أنه تعالى مالك لجميع العباد، فإليه يرجع الأمر كله، ولم يقل: عبيد، مع عود الضمير على جمع، لأن القصد أن يكون الخلق بمنزلة عبد واحد وقلب واحد، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣].
قوله: (لا مانع لما أعطيت) أي: أردت إعطاءه، فإن من أعطى شيئاً لا مانع له، إذ الواقع لا يرتفع، ولا معطي لمن منعه الله، لأن قضاءه نافذ ، فما قَدَّرَ عطاءه وُجِدَ، وما قدر منعه لا يوجد، فلا يستطيع أحد أن يغير شيئاً من ذلك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: ٢].
قوله: (ولا ينفع ذا الجد منك الجد) الجد: بفتح الجيم، هو الحظ والغنى والبَخْتُ، و (من) بمعنى: عند، والمعنى: لا ينفع صاحب الغنى عندك غناه ولا حظه، وإنما ينفعه العمل بطاعتك، وإنما كان هذا أحق ما قال العبد لأن فيه التفويض إلى الله تعالى والإذعان له، والاعتراف بوحدانيته، وأن الحول والقوة والخير وغيره منه تعالى.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر بعد الرفع من الركوع، للإمام والمنفرد والمأموم، في الفرض والنفل، لما فيه من حمد الله تعالى والثناء عليه، وكمال التفويض له سبحانه، والاعتراف بكمال قدرته وعظمته وانفراده بالوحدانية وتدبير مخلوقاته، والله تعالى أعلم.
стр. 1014
الأعضاء التي يُسجد عليها
٢٩٧/ ٣١ - عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أنفِهِ - وَالْيَدَيْنِ، والرُّكْبَتَينِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «السجود على الأنف» (٨١٢) ومسلم (٤٩٠)(٢٣٠) من طريق عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: (قال النبي ﷺ : فذكره .. ، وفيه زيادة: ولا نَكْفِتُ الثياب ولا الشعر).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أُمرت) أي: أمرني الله ، وفي رواية للبخاري (١): (أُمر النبي ﷺ ، وفي رواية له - أيضاً ـ: (أمرنا) (٢)، قال الحافظ: (لما كان هذا السياق يحتمل الخصوصية عَقَّبَهُ المصنف بلفظ آخر دال على أنه لعموم الأمة) (٣).
قوله: (على سبعة أعظم) جمع عظم، وفي رواية للبخاري (أعضاء) (٤)، جمع عضو، وهو الجزء المستقل من الجسد.
وقد ذكرها النبي ﷺ إجمالاً، ثم فصلها ليكون أبلغ في حفظها وأشوق إلى تلقيها.
стр. 1015
قوله: (على الجبهة) هي أعلى الوجه، وقال الأصمعي: (هي موضع السجود) (١).
قوله: (وأشار بيده إلى أنفه) أي: ولم يقل: والأنف، إشارة أنه ليس عضواً مستقلاً، بل تابع للجبهة وأنهما عضو واحد، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية، وقد ورد في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عند مسلم: (الجبهة والأنف) وسيأتي.
قوله: (واليدين) أي: الكفين، كما في رواية مسلم (٢).
وهذا التفسير متعين، لئلا يعارضه حديث: (لا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب)، كما سيأتي.
قوله: (ولا نكفت الثياب ولا الشعر)، الكفت: هو الضم والكف والجمع، يقال: كفت الشيء يكفته، من باب «ضرب»: ضمه وقبضه، وفي رواية: (ولا أكف ثوباً ولا شعراً) (٣)، والمراد: شعر الرأس، والمعنى: لا نضمها ولا نجمعها، وذلك بأن يرفع ثوبه من أسفل عند السجود، أو يطويه حتى يحزمه على بطنه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء السبعة وهي: الجبهة، ويتبعها الأنف، والكفان، والركبتان، وأطراف القدمين، وهذا على الراجح من قولي أهل العلم.
لأن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، والأمة تبع له في ذلك، ويؤيده رواية (أُمرنا) - كما تقدم - وهذا هو الأصل، أن الأوامر والنواهي توجه إليه، والأمة تبع له في ذلك، إلا ما دل الدليل على تخصيصه به.
والحكمة من السجود على هذه الأعضاء لأجل أن يشمل السجود أعالي
стр. 1016
الجسد وأسافله، وأعضاء كسبه وسعيه، فيكمل ذل العبد وعبادته لله ، لأن السجود عليها إذلال لها لله رب العالمين.
ويستثنى من ذلك من عجز عن السجود ببعض الأعضاء كإحدى يديه أو أنفه ونحو ذلك فإنه يسجد على بقية الأعضاء، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الوجه الرابع: دل الحديث بمفهومه أنه لا يجوز للمصلي أن يرفع عضواً من أعضائه حال سجوده، كاليد والرجل أو الأنف ونحو ذلك، فإن فعل لم يصح سجوده؛ لأنه لم يسجد على هذا العضو الذي رفعه، وبه يتبين خطأ من يسجد على جبهته ويرفع أنفه، أو يرفع قدميه أو أحدهما، أو يضع أحدهما على الأخرى.
وهذا إن كان الرفع من ابتداء السجدة إلى آخرها، فإن رفع العضو ثم وضعه في أثناء السجدة فقد أدى الركن، لكن لا ينبغي له ذلك، لأن الأصل أن تبقى الأعضاء على الأرض مدة السجود.
وقد ورد في حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أُمرت أن أسجد على سبع: الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين» (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «لا صلاة لمن لم يَمُسَّ أنفُه الأرض» (٢).
الوجه الخامس: ظاهر الحديث أنه لا يجب على المصلي كشف شيء من هذه الأعضاء لو كان مستوراً، بل يسجد على العضو ولو مع الساتر، كشراب الرجلين أو اليدين، أو ما يلبس في الشتاء غطاء للرأس والجبهة ونحو ذلك، لأمرين:
стр. 1017
الأول: أن مسمى السجود يحصل بوضع الأعضاء على الأرض دون كشفها.
الثاني: ما ذكره البخاري معلقاً بصيغة الجزم عن الحسن أنه قال: (كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويداه في كمه) (١).
أما سجود المصلي على حائل من غير أعضاء السجود فلا يخلو:
١ - إما أن يكون منفصلاً، كسجادة فلا بأس به ولا كراهة فيه، لما ورد عن ميمونة ﵂ أن النبي ﷺ صلّى على الخُمْرة (٢)، والخمرة: بالضم، على وزن غرفة، مصلى صغير يعمل من سعف النخل، سميت بذلك لسترها الوجه والكفين من حر الأرض وبردها (٣).
لكن يستثنى من ذلك أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه دون بقية بدنه، فهذا ينهى عنه لأمرين:
الأول: أن في ذلك موافقة للرافضة وتشبهاً بهم؛ لأنهم يسجدون على قطعة من المَدَرِ، كالفخار.
الثاني: رفع التهمة، والذي ينبغي للمسلم اتقاء مواضع التهم.
٢ - وإن كان الحائل متصلاً بالمصلي كثوبه أو طرف عمامته أو طرف غطاء رأسه، فهذا يكره السجود عليه، إلا لحاجة كشدة حر، ونحوه، لحديث أنس ﵁ قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود.
وفي لفظ: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه) (٤)، قال الحافظ ابن
стр. 1018
حجر: (فيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل، لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة) (١).
وبهذا تبين أن ما يفعله بعض المصلين من بسط طرف غطاء رأسه على الأرض عند السجود مع وجود الفرش في المساجد أن هذا لا ينبغي، لعدم الحاجة إليه، مع ما فيه من كثرة الحركة كلما أراد أن يبسط ذلك، ولأن الصحابة ﵃ لم يفعلوا ما ذكروا إلا عند الحاجة، ولا حاجة مع فرش المساجد، اللهم إلا أن تكون الفرش فيها غبار والمصلي عنده حساسية فمثل ذلك عذر إن شاء الله تعالى.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن المصلي منهي عن كفّ ثوبه عند السجود، وذلك بأن يرفعه من أسفل، أو يطويه حتى يربطه على بطنه، لأن ذلك ليس من تمام الزينة التي تطلب من المصلي، وقد يكون من باب الكبر، لئلا يتلوث ثوبه إذا باشر التراب.
وقد ذكر النووي أن هذا النهي يراد به التنزيه، فلو صلّى كذلك فقد أساء، وصحت صلاته، وذكر أن الطبري احتج على ذلك بالإجماع (٢)، لكن حكى ابن المنذر عن الحسن البصري أن عليه الإعادة (٣).
ولا يدخل في ذلك كف الغترة حول العنق يميناً أو شمالاً، لأنها تلبس على هذه الصفة، والله أعلم.
стр. 1019
بيان ما يفعل باليدين عند السجود
٢٩٨/ ٣٢ - عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٩٩/ ٣٣ - وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدْتَّ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عبد الله بن مالك بن جندب الأزدي ﵁ وبحينة اسم أمه، بنت الحارث بن عبد المطلب، فإذا قيل: عن عبد الله بن مالك ابن بحينة، فإنه يقرأ مالك بالتنوين، وابن بحينة بدل من عبد الله لا من مالك، ويكتب ابن بحينة بالألف، لأنه نُسب إلى أمه، ولأنه ليس صفة لمالك، بل صفة لعبد الله، وهو صحابي، وأبوه صحابي، وأمه صحابية، أسلم قديماً، وكان ناسكاً فاضلاً، وهو ممن روى صفة صلاة النبي ﷺ ، ذكر ابن سعد إنه نزل بطن «ريم» على ثلاثين ميلاً من المدينة، وذكر أن رسول الله ﷺ في سفر الهجرة هبط بطن «ريم» ثم قدم قباء (١)، مات ابن بحينة في بطن «ريم» سنة ست وخمسين، على أحد الأقوال (٢).
والراوي الثاني هو: البراء - بفتح الباء فراء مخففة ثم همزة ممدودة ـ
стр. 1020
ابن عازب بن الحارث الأوسي الأنصاري ﵄، له ولأبيه صحبة، شهد غزوة أحد وما بعدها، ولم يحضر غزوة بدر لصغر سنه.
روى عن النبي ﷺ جملة من الأحاديث، وروى عن أبيه وأبي بكر وعمر وغيرهما من أكابر الصحابة ﵃، وروى عنه من الصحابة: أبو جحيفة، وعبد الله بن يزيد الخطمي، وعبد الله بن إياد، نزل الكوفة، ومات فيها سنة اثنتين وسبعين (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «يبدي ضَبْعيه (٢) ويجافي في السجود» (٨٠٧)، ومسلم (٤٩٥) من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، عن عبد الله بن مالكٍ ابن بحينة، أن رسول الله ﷺ … فذكره.
وأما حديث البراء، فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «الاعتدال في السجود، ووضع الكفين على الأرض، ورفع المرفقين عن الجنبين، ورفع البطن عن الفخذين في السجود» (٤٩٤) من طريق عبد الله بن إياد، عن البراء بن عازب ﵄ قال: (قال رسول الله ﷺ … فذكره).
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (إذا صلّى) أي: إذا سجد، وقد ورد بهذا اللفظ عند مسلم من طريق آخر.
قوله: (فرج بين يديه) بتشديد الراء، أي: باعد بين يديه، أي: عضديه مثنى عضد، وهو ما بين المرفق إلى الكتف، والمراد فرَّج بينهما وبين جنبيه، فنحى كل يد عن الجانب الذي يليها، بدليل ما بعده.
قوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) أي: يظهر، وقوله: (إبطيه) مثنى: