الوجه الرابع: الحديث دليل على مشروعية الدعاء بهذا الدعاء في الصلاة، إما في السجود، أو في آخر التشهد قبل السلام، وهو دعاء عظيم علَّمه النبي ﷺ الصديق ﵁.
وهو دعاء شامل جامع لأنواع الأدعية، ففيه الاعتراف بالذنب وأن جميع الخلق عاجزون عن مغفرته، ثم إظهار الافتقار إلى الله بسؤال المغفرة والرحمة منه، ثم الثناء عليه تعالى بما يناسب المطلوب، وهذا كمال الدعاء.
ومع كون الصديق ﵁ أفضل الصحابة ﵃ وأكملهم علماً وعملاً، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة ومع ذلك يقال له قل: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً)، فهذا يدل على أنه ينبغي للمؤمن أن يعترف بالتقصير وظلمه لنفسه وأن يقوم مقام الذل والانكسار بين يدي ربه، فإن هذا من أعظم الأسباب في قبول دعائه وتوبة الله عليه ونجاته وإصلاح قلبه، والله تعالى أعلم.
стр. 1087
كيفية السلام من الصلاة
٣٢٠/ ٥٤ - عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ ﵁ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فَكَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ»، وَعَنْ شِمَالِهِ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بسندٍ صَحِيحٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، بابٌ «في السلام» (٩٩٧) من طريق موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة بن وائل، عن أبيه ﵁ قال: (صليت مع النبي ﷺ … ) الحديث.
وقد اختلفت كلمة العلماء في ثبوت لفظة: (وبركاته) في التسليمة الثانية، فلم يذكرها عبد الحق وابن الأثير والزيلعي (١)، وليست في طبعة محمد محيي الدين لسنن أبي داود، وثبتت في النسخة الهندية، وفي طبعة الدعاس، وقد تكون عن الهندية.
وقد عزاها لأبي داود الحافط في «البلوغ» - في بعض الطبعات (٢) ـ وفي «التلخيص»، كما عزاها له ابن دقيق العيد، وابن عبد الهادي، فكل هؤلاء عزوا الحديث لأبي داود بإثبات اللفظة (٣).
стр. 1088
وقد وردت - أيضاً - في حديث ابن مسعود ﵁ عند ابن ماجه، كما ذكر الحافظ (١)، وليست في طبعة محمد فؤاد عبد الباقي، وذكر الأرنؤوط في تعليقه على «شرح السنة» للبغوي (٢) أنها ثابتة في نسخة خطية لسنن ابن ماجه في دار الكتب الظاهرية، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ (٣)، ووردت - أيضاً - عند ابن خزيمة (١/ ٣٥٩).
وروى الحديث ابن حبان (٥/ ٣٣٣) بإسقاطها من التسليمة الأولى، وإثباتها في الثانية، لكنها ثبتت في كلتا التسليمتين في «موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان» (٤).
وأخرج حديث ابن مسعود ﵁ عبد الرزاق (٢/ ٢١٩) موقوفاً عليه بإثباتها، وأخرج - أيضاً - (٢/ ٢٢٠) عن عمار بن ياسر موقوفاً عليه بإثباتها، ولما ذكر الحافظ طرقاً عدة لزيادة (وبركاته) رداً على النووي الذي قال: (إنها زيادة فردة)، قال: (فهذه عدة طرق ثبت فيها (وبركاته) بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النووي - إنها رواية فردة) (٥).
وهذا الحديث صححه الحافظ - هنا - مع أنه ذكر في «التقريب» أن علقمة بن وائل لم يسمع من أبيه، وقد نَقَلَ ذلك عن العسكري عن ابن معين (٦)، فيكون في هذا السند انقطاع، وصححه النووي، وقال: (وأشار بعضهم إلى تضعيفه) (٧).
والصواب تصحيحه، وأما قول الحافظ: (إن علقمة لم يسمع من أبيه) ففيه نظر، فقد نص البخاري والترمذي على أنه سمع منه (٨)، والدليل على ذلك تصريحه بالتحديث في أحاديث رواها عن أبيه، منها في «صحيح مسلم»
стр. 1089
(٤٠١)(١٦٨٠) و «في سنن النسائي» (٢/ ١٩٤) (١)، ولذا علق الشيخ عبد العزيز بن باز على كلام الحافظ في «التقريب» وصوب سماعه من أبيه (٢).
الوجه الثاني: دلت السنة على أنه ﷺ كان يسلم تسليمتين عن يمينه وعن شماله، وهذا مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر ذلك ابن المنذر (٣)، وهو قول ابن المبارك والإمام أحمد وإسحاق.
وقد بلغت الأحاديث في إثبات التسليمتين مبلغ التواتر، حيث روى ذلك تسعة عشرة صحابياً، كما ذكر ذلك في «نظم المتناثر» (٤) وسرد أسماءهم، وأوصلها المعلق على «سبل السلام» إلى تسعة وعشرين (٥)، ومن ذلك حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يسلم عن يمينه وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله (٦)».
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (كنت أرى رسول الله ﷺ يسلم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياض خديه) (٧).
وعند الطبراني من حديث المغيرة، وفيه: ( .. وكان يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر) (٨)، والمشهور في مذهب الحنابلة أن التسليمتين من أركان الصلاة.
والقول الثاني: أن التسليمة الثانية ليست بواجبة، وهذا قول المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة، وصاحب «الشرح
стр. 1090
الكبير» عبد الرحمن بن قدامة (١)، وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة أنها جائزة (٢).
واستدلوا بأحاديث عن عائشة وسلمة بن الأكوع وسهل بن سعد وغيرهم ﵃ فيها الاقتصار على تسليمة واحدة، وقد طعن العلماء في بعض هذه الأحاديث (٣)، وهي لا تصل إلى درجة أحاديث التسليمتين، فإن رواتها أكثر عدداً - كما تقدم - وهي أصح سنداً.
فالقول بأن المصلي يسلم تسليمتين أحوط وأبرأ للذمة، فإن من سلم تسليمتين فصلاته جائزة على جميع الأقوال، والنبي ﷺ قد واظب عليهما، وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد تكون أحاديث التسليمة الواحدة محمولة على بيان الجواز، وأحاديث التسليمتين لبيان الأكمل والأفضل، كما قال النووي (٤). والله أعلم.
الوجه الثالث: صيغة السلام: (السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله)، هذا هو المحفوظ الذي نقله عدد من الصحابة ﵃ كما تقدم عن ابن مسعود ﵁.
وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله ﷺ قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله .. الحديث)، وفي رواية عنه قال: (صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم … الحديث) (٥).
وهذا فيه دليل على جواز الاقتصار على قول: (السلام عليكم)، وهو
стр. 1091
قول الجمهور من أهل العلم، وجاء في حديث الباب زيادة: (وبركاته)، وفيها قولان:
الأول: أن الأفضل عدم زيادتها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، لأن أكثر الرواة لم يذكروها، كابن مسعود وجابر بن سمرة وغيرهما ﵄.
الثاني: أنه يجوز زيادتها، بناء على ثبوتها في رواية أبي داود من حديث وائل، والله تعالى أعلم.
стр. 1092
الذكر بعد الصلاة
٣٢١/ ٥٥ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: «لَا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها في كتاب «الأذان» باب «الذكر بعد الصلاة» (٨٤٤) ومسلم (٥٩٣) من طريق ورَّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: (أملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتابه إلى معاوية أن النبي ﷺ كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة … ) ثم ذكر الحديث، وعند مسلم: (أن رسول الله ﷺ إذا فرغ من الصلاة وسلم .. ).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (في دبر كل صلاة مكتوبة) بضم الدال والباء، ويجوز إسكانها، كعُشُر وعُشْر، وهذا هو المشهور، أعني ضم الدال، والدبر من كل شيء عقبه ومؤخره وطرفه، ويطلق على ما له صلة بالشيء بعده، ولفظة: (دبر الصلاة) قد يراد به آخر جزء من الصلاة، وهو ما قبل السلام، وقد يراد به ما يلي آخر جزء من الصلاة، وهو ما بعد السلام، فإن كان دبر الصلاة صالحاً لآخرها فتفسيره به أولى، وإلا فهو لما بعد السلام، والمراد هنا: الثاني، بدليل رواية مسلم المتقدمة: (كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: لا إله إلا الله … ) وإلا
стр. 1093
فدبر الصلاة ما قبل السلام، كما في دبر الحيوان فإنه متصل به، إذ هو آخر جزء منه، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١).
قوله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له) تقدم معنى ذلك في آخر باب «الوضوء».
قوله: (له الملك) أي: ملك جميع الأشياء في ذواتها وصفاتها والتصرف فيها خلقاً وتدبيراً، وقدم الخبر (له) على المبتدأ لإفادة الحصر والاختصاص، والمعنى: أن الملك لله وحده.
قوله: (وله الحمد) أي: له الوصف بالكمال حباً وتعظيماً لعلو صفاته وجزيل هباته.
زاد الطبراني من طريق أخرى عن المغيرة (يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير … ) (٢)، وقد سقطت جملة (يحيي ويميت) من «المعجم الكبير»، وأثبتها ابن حجر (٣) في نقله عن الطبراني بالسند نفسه، وقال: (رواته موثقون) (٤)، والظاهر أنها زيادة غير محفوظة (٥).
قوله: (وهو على كل شيء قدير) صيغة عموم، تشمل كل شيء في السماء والأرض، ومعنى (قدير) أي: ذو قدرة كاملة لا يعتريها عجز.
قوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت … ) تقدم معنى ذلك في دعاء الرفع من الركوع، حديث (٢٩٦).
وقد وقع بعد قوله: (لا مانع لما أعطيت) زيادة: (ولا راد لما قضيت) عند عبد بن حميد (٦)، والطبراني (٧)، وقد ذكرها الحافظ ابن حجر بسنده، عن شيخه أبي الفضل بن الحسين الحافظ، ثم قال: (سمعت شيخنا يقول: (هذا حديث صحيح، رواته ثقات) (٨)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (هذا سند
стр. 1094
جيد) وقد فاتت هذه الزيادة الألباني، فلم يذكرها مع الزيادة الأولى التي تقدمت (١)، إلا إن كان لا يرى صحتها، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن هذه اللفظة اشتهرت في هذا الذكر، ولم تقع في الطرق المشهورة (٢).
وقد جاء في رواية: (ثلاث مرات) (٣)، لكن قال الحافظ ابن رجب: (هذه زيادة غريبة) (٤).
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية ذكر الله تعالى بعد الصلاة المكتوبة بهذا الذكر، وظاهر الحديث أنه لا يأتي به إلا مرة واحدة، لكن دلت الرواية المتقدمة عند أحمد والنسائي وابن خزيمة أنه يقول ذلك ثلاث مرات، وقد يشكل على هذا إعراض الشيخين عنها مع روايتهما للحديث، فالظاهر أنها غير محفوظة، كما أفاده الحافظ ابن رجب.
ومن الذكر بعد الصلاة ما جاء في حديث أبي الزبير قال: (كان ابن الزبير ﵁ يقول دبر كل صلاة حين يسلم: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون) وقال: كان رسول الله ﷺ يهلِّل بهنَّ دبر كل صلاة) (٥)).
وللذكر بعد الصلاة شأن عظيم، حثَّ عليه النبي ﷺ ورغَّب فيه قولاً وفعلاً، وقد دل على ذلك مجمل قوله تعالى: ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠]، قال ابن عباس ﵁: (أمره أن يسبح في أدبار الصلوات كلها) (٦)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]،
стр. 1095
وهذا الذكر جاء بيانه بالسنة، وقال النووي: (أجمع العلماء على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاء فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعددة) (١)، وذكر ابن رجب أن ما بعد الصلاة من المواضع التي يتأكد فيها الذكر (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1096
بيان نوع من الأدعية في أدبار الفريضة
٣٢٢/ ٥٦ - عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ ﵁ قَال: إنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: «اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أُرَدَّ إلَى أَرْذَل الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو سعد بن مالك بن أُهَيْب القرشي الزهري المكي، أبوه مالك مشهور بكنيته، أحد السابقين الأولين، شهد بدراً وما بعدها، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وآخرهم موتاً، وأحد الستة من أهل الشورى الذين اختارهم عمر ﵁، وكان جيد الرمي، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، قال ﵁: (ما جمع رسول الله ﷺ أبويه لأحد قبلي، لقد رأيته يقول لي: «يا سعدُ ارمِ فداك أبي وأمي، وإني لأول المسلمين رمى المشركين بسهم … » الحديث) (١).
ومناقبه كثيرة، وكان مجاب الدعوة، وقصته في ذلك مع أهل الكوفة مشهورة، وهي في الصحيحين.
وهو قائد القادسية، والذي بنى الكوفة، وسماها باسمها، وافتتح مدائن فارس، وطرد الأعاجم، مات سنة خمس وخمسين على الراجح، بالعقيق في قصره، وحمل إلى المدينة، ودفن في البقيع (٢) ﵁ وأرضاه.
стр. 1097
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها كتاب «الجهاد»، باب «ما يُتعوذ من الجبن» (٢٨٢٢) قال: (حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا أبو عوانة، حدثنا عبد الملك بن عمير، سمعت عمرو بن ميمون الأودي قال: كان سعد يعلم بنيه هؤلاء الكلمات، كما يعلم المعلم الغلمان الكتابة، ويقول: إن رسول الله ﷺ كان يتعوذ منهن دبر الصلاة … )
لفظ البلوغ هو لفظ البخاري في كتاب الدعوات (٦٣٧٠)، أما لفظه في «الجهاد» فليس فيه الجملة الأولى.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (يتعوذ بهن) لفظ البخاري في «الجهاد»: (منهن).
قوله: (دبر كل صلاة) بالنصب على الظرفية، ويراد به آخر التشهد، أو ما بعد السلام، والأول هو المراد هنا، وكان الأولى بالمصنف أن يورد هذا الحديث في أدعية آخر التشهد المتقدمة، فيقدمه على حديث المغيرة حتى يكون مع الدعوات الماضية، كحديث أبي بكر ﵁ والمؤلف جمع الأحاديث في هذا الباب، وهي أحاديث الأدعية والأذكار لكنه لم يرتبها، ولعله قصد جمعها فقط، والله أعلم.
قوله: (أعوذ بك من البخل) بضم الباء وإسكان الخاء مصدر بَخُلَ - بالضم - بُخْلاً، من باب «قَرُبَ» وهو في اللغة: منع الفضل والإمساك عن البذل، ويقابله الجود، وفي الشرع: منع الواجب، أي: منع الرجل القادر العطاء بالمعروف من ماله.
قوله: (وأعوذ بك من الجبن) بضم الجيم وإسكان الباء، مصدر جَبُنَ - بالضم - جبناً، من باب «قرب» وهو ضَعْفٌ في القلب يمنع صاحبه من الإقدام في المواضع الشريفة، كالجهاد، والنطق بكلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما فيه عز الإسلام وأهله.
قوله: (وأعوذ بك من أن أرد إلى أرذل العلم) يقال: رَذُلَ الشيء
стр. 1098
ـ بالضم - رذالة، والوصف أرذل، بمعنى أردأ، وأرذل العمر هو بلوغ الهرم والخَرَفِ. فيكون بمنزلة الطفل، ضعيف البنية، سخيف العقل، قليل الإدراك.
قوله: (وأعوذ بك من فتنة الدنيا) المراد بها: الإنهماك في شهواتها وملذاتها بحيث يكون همه جمعها والحرص عليها، حتى تلهيه عن القيام بالواجبات التي خلق لها، وتصده عن ذكر الله تعالى وما فيه سعادته وفلاحه.
الوجه الرابع: الحديث دليل على فضل الدعاء والاستعاذة بالله تعالى من هذه الأخلاق الذميمة والأحوال السيئة، وهي البخل والجبن والرد إلى أرذل العمر وفتنة الدنيا وعذاب القبر، وهي أمور عظيمة في السلامة منها سعادة العبد وفلاحه.
ويكون ذلك في دبر الصلاة، والمراد هنا: ما قبل السلام، لأن دبر الشيء ما اتصل به - كما تقدم - ولأن هذا هو الأليق بقوله ﷺ : «ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه»، فكل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة فإنه يحمل على آخرها قبل السلام؛ ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي ﷺ إلى الدعاء فيه.
وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وهو أن ما ورد من الدعاء في دبر الصلاة فيراد به ما قبل السلام، لأن هذا هو اللائق بحال المصلي فإنه مقبل على ربه يناجيه. ويتضرع إليه، ولا سيما قرب إنهاء هذه العبادة العظيمة التي شرع له فيها الثناء على ربه بكلمات التحية، ثم اتباع ذلك بالصلاة على النبي ﷺ ، ثم أُمر بالدعاء بما يحب من خيري الدنيا والآخرة.
أما ما بعد السلام فهو حال انصراف، فالثناء والذكر أولى في هذه الحال، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣]، فكل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة فإنه يحمل على ما بعدها؛ ليطابق الآية الكريمة.
وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، ونقله عنه تلميذه ابن القيم (٢)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز.
стр. 1099
لكن يستثنى من ذلك ما ورد من الأدعية معيَّناً بعد السلام، وهذا قليل، فهذا يعمل به في محله، مثل الاستغفار ثلاثاً، فإنه دعاء بطلب المغفرة.
ومثل ما ورد عن البراء ﵁ قال: (إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «ربِّ قني عذابك يوم تبعث أو تجمع عبادك (١)»، فإن ظاهره أن هذا الدعاء بعد السلام؛ لقوله: (يقبل علينا بوجهه)، لكن حكم الألباني على هذه الرواية بالشذوذ، لأن الحديث بجميع طرقه ورد فيه أن هذا الدعاء عند النوم.
وهذه الرواية من طريق ثابت بن عبيد، عن عبيد بن البراء، عن البراء به، وعبيد هذا ليس بالمشهور (٢)، والله تعالى أعلم.
стр. 1100
ما يقوله المصلي بعد انصرافه من الصلاة
٣٢٣/ ٥٧ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ اللهَ ثَلَاثاً، وَقَالَ: «اللهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإكْرَامِ»، رَوَاهُ مُسْلمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته» (٥٩١) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن أبي عمار - اسمه شداد بن عبد الله - عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان ﵁، قال: (كان رسول الله ﷺ … ) فذكره، وفي آخره، قال الوليد: (فقلت للأوزاعي كيف الاستغفار؟) قال: (تقول: أستغفر الله، أستغفر الله).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا انصرف من صلاته) أي: سلم منها، وقد دل حديث عائشة ﵂ الآتي على أن هذا الذكر محله بعد السلام.
قوله: (أستغفر الله ثلاثاً) الاستغفار: طلب المغفرة، وذلك دليل الشعور بالخطأ والتقصير، والاستغفار هنا في غاية المناسبة، كما سيأتي إن شاء الله.
قوله: (اللهم أنت السلام) هذا اسم من أسماء الله تعالى، كما ورد في القرآن، ومعناه: الذي سلم من كل عيب، وبريء من كل آفة ونقص يلحق المخلوقين، فهو الذي سلمت ذاته وصفاته من كل عيب ونقص، وسلمت
стр. 1101
أفعاله عن كل شر وظلم، وهو السلام الحق من كل وجه.
قوله: (ومنك السلام) أي: السلامة، والمعنى: منك يرجى السلام ويستفاد، لأنك واهب ذلك في الدنيا والآخرة.
قوله: (تباركت) تقدم في شرح دعاء الاستفتاح، عند الحديث (٢٧٢).
قوله: (يا ذا الجلال والإكرام) في حديث عائشة الآتي: (تباركت ذا الجلال والإكرام) والجلال مصدر الجليل، يقال: جليلٌ بَيِّنُ الجلالة، والجلال: عِظَمُ القدر والتناهي في ذلك، والمعنى: أن الله تعالى هو المستحق أن يُجَلَّ ويكرم، فلا يجحد ولا يكفر به.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يشرع للمصلي إذا سلم من صلاته أن يقول: (أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام). وظاهر الحديث أن هذا الذكر هو أول ما يبدأ به المصلي بعد الانصراف، وهذا الذكر بعد السلام في غاية المناسبة، فإن فيه إشارة إلى أن المصلي لم يقم بحق عبادة ربه، لأنه لا يخلو غالباً من الوساوس والخواطر في صلاته، فشرع له الاستغفار بعد انتهاء صلاته، تداركاً لما فاته من الخشوع، وجبراً لما حصل فيها من الخلل.
وقد دلت السنة على أن الإمام يقول ذلك قبل أن يستقبل المأمومين، كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإكرام»، وفي رواية: «يا ذا الجلال والإكرام» (١)).
وأما زيادة لفظ: (وتعاليت) بعد لفظ: (تباركت)، فهي وإن كانت من ألفاظ الثناء على الله تعالى ووردت في أحاديث أخرى - كما تقدم في دعاء القنوت - إلا أنه لا أصل لها في هذا الموضع، والله أعلم.
стр. 1102
ب يان نوع من الأذكار بعد الفريضة
٣٢٤/ ٥٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثاً وثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ المائَةِ: لَا إلهَ إلاَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ، وإن كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ». رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَفِي روَايةٍ أُخْرَى: أَنَّ التّكْبِيرات أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد»، باب «استحباب الذكر بعد الصلاة» (٥٩٧) من طريق أبي عبيدٍ المَذْحِجيِّ، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة ﵁ به.
وأما الرواية المذكورة فليست من حديث أبي هريرة، كما هو ظاهر صنيع الحافظ، وإنما هي في حديث كعب بن عجرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «معقبات لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة» (١).
ومعنى (معقبات) أي: تفعل مرة بعد أخرى في أعقاب الصلاة.
стр. 1103
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية هذا الذكر بعد الصلاة المفروضة، وظاهر الحديث الإطلاق، لكنه محمول على الصلاة المفروضة، بدليل حديث كعب بن عجرة من باب حمل المطلق على المقيد، وصفته أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وتمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
الصفة الثانية: أن يقول سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين، وهاتان في صحيح مسلم.
والصفة الثالثة: وردت في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة فقراء المهاجرين، وفيه: (تسبحون، وتكبرون، وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة .. الحديث) (١).
والصفة الرابعة: ما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: (تسبحون في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدون عشراً، وتكبرون عشراً) (٢)، وفي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: (قال: رسول الله ﷺ : «خلَّتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشراً، ويحمده عشراً، ويكبره عشراً»، قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يعقد بيده، قال: «فتلك خمسون ومئة باللسان، وألف وخمس مئة في الميزان … ») الحديث (٣).
ومعنى (خلتان) خصلتان، ومعنى (خمسون ومئة باللسان) أي: في يوم وليلة (وألف وخمس مئة في الميزان) أي: لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
стр. 1104
والصفة الخامسة: ما ورد في حديث زيد بن ثابت ﵁ قال: أُمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين، ويكبروا أربعاً وثلاثين، فأُتي رجل من الأنصار في منامه فقيل له: (أمركم رسول الله ﷺ أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وتحمدوا الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبروا ثلاثاً وثلاثين؟ قال: نعم، قال: فاجعلوها خمساً وعشرين، واجعلوا فيها التهليل، فلما أصبح أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له)، فقال: (اجعلوها كذلك) (١).
والأفضل أن يأتي المصلي بهذه الصفة تارة، وبهذه تارة أخرى؛ لما تقدم في العبادات الواردة على صفات متعددة، والله تعالى أعلم.
стр. 1105
بيان نوع من الأدعية في أدبار الصلاة
٣٢٥/ ٥٩ - عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ قَويٍّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٣٦/ ٤٢٩) وأبو داود (١٥٢٢) في كتاب «الصلاة» باب «في الاستغفار» والنسائي (٣/ ٥٣) من طريق عقبة بن مسلم، حدثني أبو عبد الرحمن الحُبُلي، عن الصُّنابحي، عن معاذ بن جبل ﵁ به.
وإسناده صحيح، صححه النووي (١)، والحافظ ابن حجر (٢)، والشيخ عبد العزيز بن باز.
والحديث له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أتحبون أن تجتهدوا في الدعاء؟ قولوا: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، أخرجه أحمد (١٣/ ٣٦٠) ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٩/ ٢٢٣)، وإسناده صحيح.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لا تدعن) أي: لا تتركن، يقال: ودع الشيء يدعه ودعاً إذا
стр. 1106
تركه، والمشهور عند النحاة أن العرب أماتوا ماضي (يدع) ومصدره، واستغنوا عنه بـ (ترك)، لكن ورد في الحديث عنه ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» (١)، فيحمل قول النحاة على قلة الاستعمال، وإلا فقد ورد في هذا الحديث مصدر الفعل (٢).
قوله: (على ذكرك) هذا شامل لجميع أنواع الذكر، من قراءة القرآن والثناء على الله تعالى والاشتغال بالعلم النافع ونحو ذلك، وقدم الذكر على الشكر، لأن العبد إذا لم يكن ذاكراً لم يكن شاكراً، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].
قوله: (وشكرك) الشكر: أن تظهر آثار نعمة الله تعالى على لسان عبده ثناءً، وعلى قلبه اعترافاً، وعلى جوارحه انقياداً، ويصرف نعمه فيما يحبه ويرضاه، ويستعين بها على طاعته، ويحذر من صرفها في معصيته.
قوله: (وحسن عبادتك) العبادة الحسنة هي العبادة الخالصة لله تعالى الموافقة للشرع.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية هذا الدعاء في دبر الصلاة، وهو دعاء جامع شامل مع إيجازه وقلة ألفاظه، فإن من رزقه الله الإعانة على ذكره وشكره وحسن عبادته فقد تَمَّ أمره، وكملت أسباب سعادته، لأن الدين متضمن ذلك كله، فإنه ذكرٌ لله تعالى، وثناءٌ عليه، وشكر لإنعامه وجزيل إفضاله، ومن تمام ذلك أن يحسن عبادة ربه ويؤديها على الوجه الأكمل.
والدبر في هذا الحديث يحتمل أن يكون مراداً به ما قبل السلام، أو ما بعد السلام، والأفضل أن يكون ما قبل السلام لأمرين.
الأول: ما تقدم أن الدبر هو آخر الشيء وطرفه ومؤخرته، وطرف الصلاة هو التشهد الأخير ما قبل السلام.
стр. 1107
الثاني: أن ما قبل السلام موضع دعاء، كما تقدم في حديث ابن مسعود ﵁، فيكون الأنسب لهذا الدعاء ما قبل السلام، ويؤيد ذلك رواية النسائي: (فلا تدع أن تقول في كل صلاة … ) فإن نسيه قبل السلام وأتى به بعده فلا بأس؛ لأن كلاًّ منهما يسمى دبراً، كما تقدم.
الوجه الرابع: في الحديث فضيلة ومنقبة لمعاذ ﵁ حيث خصه الرسول ﷺ بهذا الدعاء، وقبل ذلك قال له: «والله إني لأحبك»، ففيه مزيد تشريف منه ﷺ لمعاذ وترغيب له في ما يريد أن يلقي عليه من هذا التوجيه.
ووصية النبي ﷺ لواحد من الصحابة وصية للأمة كلها، لأن شريعته عامة، ولكن ذلك يدل على مزية لهذا الشخص حيث خصه بهذا العلم حتى يعمل به ويحمله ويبلغه الناس، والله تعالى أعلم.
стр. 1108
فضل آية الكرسي بعد المكتوبة
٣٢٦/ ٦٠ - عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَا الْمَوْتُ». رَوَاهُ الْنَّسَائيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
هو أبو أمامة، إياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري الخزرجي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، والصحيح ما ذكر، على ما قرره ابن عبد البر، وذكر أنه لم يشهد بدراً، لأن أمه قد مرضت، فرده النبي ﷺ ، فلما رجع النبي ﷺ وجدها قد ماتت، فصلى عليها، وإذا أُطلق أبو أمامة فالمراد به هذا، وإن أريد الباهلي قُيِّد به، كما صنع الحافظ هنا حيث أطلق، وفي ثالث أحاديث كتاب «الطهارة» حيث قيده (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٩/ ٤٤) وعزاه المنذري في «الترغيب» (٢/ ٤٥٣) إلى ابن حبان في كتاب «الصلاة» المفرد، ولم يخرجه في «صحيحه» وهو من طريق محمد بن حِمْيَر، حدثني محمد بن زياد الألهاني، قال: (سمعت أبا أمامة يقول: … ) فذكره.
والحديث تفرد به النسائي من بين أصحاب الكتب الستة، ولم يذكره في «الصغرى» ومحمد بن حمير: وثقه ابن معين، وقال النسائي والدارقطني: (لا
стр. 1109
بأس به)، وقال أبو حاتم: (يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال يعقوب بن سفيان: (ليس بالقوي) (١).
والحديث مروي عن محمد بن حمير من عدة طرق، وله شواهد ذكرها الألباني (٢)، وقد صححه المنذري (٣)، وابن عبد الهادي (٤)، وابن القيم، وابن كثير (٥)، والألباني، وضعفه ابن تيمية (٦)، وعبد الرحمن المعلمي (٧)، ولعلَّ من ضعفه نظر إلى تفرد محمد بن حمير به، وأن شواهده معلولة.
وقد ذكر ابن الجوزي هذا الحديث في «الموضوعات» (٨) فأخطأ خطأ فاحشاً، ولذا انتقده العلماء كابن حجر، وابن عبد الهادي (٩).
وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١١٤) من طريق محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن حمير به، وزاد: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وهي زيادة منكرة تفرد بها محمد بن إبراهيم الحمصي - كما ذكر الطبراني - وهو متهم، كما يستفاد من «الكامل» لابن عدي (١٠)، و «المقتنى» للذهبي (١١)، وغيرهما. وأما قول المنذري: (وإسناده بهذه الزيادة جيد) (١٢)، وكذا قول الهيثمي (١٣) فهو مردود، لما تقدم.
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة، وهي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وأن قراءتها سبب من أسباب دخول الجنة، ومع أن الدبر
стр. 1110
يحتمل ما قبل السلام أو ما بعد السلام - كما تقدم - إلا أن المراد هنا ما بعد السلام، لأن ما قبل السلام ليس محلاً للقرآن، وإنما محله القيام، فهذه قرينة على أن المراد ما بعد السلام.
وكذا يشرع قراءة المعوذتين ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، لحديث عقبة بن عامر ﵁ قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوذات دبر كل صلاة) (١).
قال العيني: (والحكمة في هذا أن الشيطان - عليه اللعنة - لم يزل يوسوس به وهو في الصلاة، وما قدر على قطعه عن الصلاة، ثم لما فرغ يقبل إليه إقبالاً كلياً حتى يرفعه في معصميه، فأمر عند ذلك أن يستعيذ بالمعوذات من الشيطان حتى لا يظفر عليه، ولا يتمكن منه) (٢)،
و (المعوِّذات) بالكسر جمع معوِّذة بصيغة اسم الفاعل، أي: محصنة، ونسبة التحصين إليها مجاز، والمراد: سورة الفلق وسورة الناس، - كما مرَّ - فالمراد بالجمع ما فوق الواحد، أو جمعهما باعتبار أن ما يستعاذ منه كثير فيهما (٣)، أو باعتبار آيات السورتين وأما على رواية الترمذي: (بالمعوذتين) فلا إشكال، والله تعالى أعلم.
стр. 1111
وجوب الاقتداء به ﷺ في صلاته
٣٢٧/ ٦١ - عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي»، رواه البخاري.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث تقدم تخريجه في باب «الأذان» الحديث (١٩٦)، وقد أخرجه أصحاب الكتب الستة وأحمد، لكن هذه الجملة المذكورة هنا انفرد بها البخاري عن بقية أصحاب الكتب الستة، وجاءت عند أحمد (٣٤/ ١٥٧ - ١٥٨) بلفظ: (وصلوا كما تروني أصلي).
الوجه الثاني: الحديث دليل على وجوب الاقتداء به ﷺ في صلاته، وأننا نصلي مثل ما كان يصلي في الأفعال والأقوال، لأنها أتم هيئات الصلاة، وكل فعل فعله ﷺ في محل ما من الصلاة فهو المشروع في ذلك المحل، ولا يجوز إحداث شيء في الصلاة يخالف ما فعله ﷺ .
والأصل في الأوامر الوجوب، ولا يخرج عن هذا الأصل إلا ما دل الدليل على أنه غير واجب، فما داوم عليه دل على أنه واجب، وما تركه في بعض الأحيان دل على أنه غير واجب.
ويؤكد وجوب الاقتداء به ﷺ كون صلاته ﷺ بياناً لمجمل قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وهو أمر قرآني يفيد الوجوب، وبيان المجمل الواجب واجب، كما تقرر في الأصول، وتقدم شيء من ذلك عند أول حديث في باب «صفة الصلاة» فارجع عليه.
стр. 1112
وظاهر الحديث أنه خاص بما شاهدوه من الأفعال، كالقيام والركوع والسجود ونحو ذلك، لأنه قال: (كما رأيتموني)، إلا أن تفسَّر الرؤية بالعلم، أي: صلوا كما علمتموني أصلي.
وصلاته ﷺ قد اشتملت على أفعال وأذكار، ويكون المعنى: افعلوا وقولوا ما علمتم أني أفعله وأقوله، بأي طريق من طرق العلم، لأن من الأقوال ما لا يعلمونه بالصلاة خلفه، كالأقوال السرية من القراءة والأذكار، لأن ذلك لا يعلم إلا بالتعليم منه ﷺ أو من غيره من الصحابة الذين نقلوا للأمة ذلك.
وقد بيَّن النبي ﷺ صفة الصلاة للأمة بالقول، كما تقدم في أحاديث الباب وبالفعل، فقد صلى مرة على المنبر ثم قال: «إنما صنعت هذا لتأتموا بي، ولِتَعَلَّموا صلاتي» (١).
стр. 1113
صفة صلاة المريض
٣٢٨/ ٦٢ - عَنْ عِمْرَانَ بِنْ حُصَيْنٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي الْنَّبيُّ ﷺ : «صَلِّ قَائِماً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»، رَوَاهُ الْبُخَارِي.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «تقصير الصلاة»، باب «إذا لم يطق قاعداً صلى على جنبه»، (١١١٧) من طريق الحسين المكتب، عن ابن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي ﷺ عن الصلاة فقال: «صَلِّ قائماً … » الحديث.
وقد وقع في بعض نسخ «بلوغ المرام» زيادة: ( … فعلى جنب وإلا فأومئ)، ولا أصل لها من رواية البخاري، وإنما هي في روايات أخرى.
الوجه الثاني: الحديث دليل على صفة صلاة المريض وأن لها ثلاث مراتب:
الأولى: أن يصلي قائماً إن قدر عليه ولو كهيئة الراكع أو معتمداً على عصا أو جدار ونحوهما.
الثانية: أن يعجز عن القيام أو يلحقه مشقة شديدة، كأن يتألم ألماً شديداً يؤدي إلى فوات الخشوع وعدم الطمأنينة، فيصلي قاعداً يومئ بالركوع والسجود، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه، ولم يبين صفة القعود فدل على أنه كيفما قعد جاز، سواء تربع أو افترش أو اتكأ أو احتبى، واستحب الفقهاء
стр. 1114
أن يكون متربعاً على أليتيه، ويكف ساقيه إلى فخذيه، لما تقدم من حديث عائشة ﵂ قالت: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي متربعاً) (١).
ولأن التربع في الغالب أكثر ارتياحاً من الافتراش، وليحصل التفريق بين قعود القيام، والقعود الذي في محله.
فإن قدر على الصلاة قائماً منفرداً وجالساً مع الجماعة، فقيل: يخيَّر بينهما، ومال إليه ابن قدامة (٢)، وقيل: صلاته في الجماعة أولى، وقيل: يصلي منفرداً قائماً، قال صاحب «الإنصاف»: (هو الصواب) (٣)، لأن القيام ركن لا تصح الصلاة إلا به مع القدرة عليه، وهذا قادر، والجماعة واجبة تصح الصلاة بدونها.
والأظهر هو القول الثاني، وهو أنه يحضر الجماعة ويصلي جالساً، لأن مصالح حضور الجماعة لا يوازيها شيء من المصالح، وأيضاً إذا وصل إلى محل الجماعة وصار عاجزاً عن القيام لم يكن واجباً عليه، وكان جلوسه في حقه بمنزلة القيام في حق القادر، فيكون حَصَّلَ مصلحة الجماعة، ولم تفته مصلحة القيام، والله أعلم (٤).
المرتبة الثالثة: إذا عجز عن القعود صلّى مضطجعاً على جنبه، وإطلاق الحديث يدل على أنه مخير بين الجنب الأيمن والأيسر، والأفضل أن يفعل ما هو أسهل له، فإن تساويا فالأيمن أفضل، ويكون وجهه إلى القبلة، وإن لم يكن عنده من يوجهه إلى القبلة صلّى على حسب حاله، ويومئ برأسه إلى صدره قليلاً للركوع، ويومئ أكثر للسجود.
المرتبة الرابعة: أن يصلي مستلقياً على ظهره ورجلاه إلى القبلة، والأفضل أن يرفع رأسه قليلاً، ليتجه إلى القبلة، لأن في ذلك نوع استقبال، ولأن هذا أقرب ما يكون إلى صفة القائم، إذ لو قام تكون القبلة أمامه، ودليل
стр. 1115
هذه الصفة عموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١)، فإذا استطاع شيئاً مما يفعل في الصلاة وجب عليه، لأنه مستطيع له.
وقد ورد في هذه الصفة حديث علي ﵁ وفيه: (فإن لم يستطع صلى مستلقياً ورجلاه إلى القبلة) (٢).
المرتبة الخامسة: إذا لم يستطع الإيماء برأسه فالمذهب عند الحنابلة أنه يوميء بطرفه، فيغمض عينه قليلاً للركوع، فإذا قال: (سمع الله لمن حمده)، فتح طرفه، فإذا سجد أغمض أكثر (٣)، ودليلهم عبارة وردت في حديث علي المتقدم: (فإن لم يستطع أومأ بطرفه)، وهذه الجملة لا وجود لها في حديث علي ﵁ لا عند الدارقطني ولا عند البيهقي، والظاهر أنها لا تثبت، والحديث ضعيف، كما تقدم.
والقول الثاني: أنه إذا عجز عن الإيماء سقطت عنه الصلاة لعجزه عنها، وهذا رواية عن الإمام أحمد، وهو قول أبي حنيفة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (هذا القول أصح في الدليل، لأن الإيماء بالعين ليس من أعمال الصلاة، ولا يتميز فيه الركوع من السجود ولا القيام من القعود، بل هو نوع من العبث الذي لم يشرعه الله تعالى، وأما الإيماء بالرأس فهو خفضه، وهذا بعض ما أمر الله به المصلي) (٤).
стр. 1116
والقول الثالث: أنه تسقط عنه الأفعال لعجزه عنها دون الأقوال لقدرته عليها، والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وعلى هذا ينوي القيام بقلبه فيكبر ويقرأ، ثم ينوي الركوع فيكبر ويسبح، ثم ينوي القيام ويقول: (سمع الله لمن حمده … إلخ)، وهذا القول ذكره صاحب «الإنصاف» (١)، وهو وجيه جداً.
وأما قول العامة: إنه يومئ بالإصبع فهذا لا أصل له في السنة، ولم يقل به أحد من أهل العلم فيما أعلم، والله أعلم.
стр. 1117
حكم المريض العاجز عن السجود
٣٢٩/ ٦٣ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ الْنَّبيَّ ﷺ قَالَ لِمَرِيضٍ - صَلَّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَرَمَى بِهَا - وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنْ اسْتَطَعْتَ، وَإِلا فَأَوْمِ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ». رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، وَلَكِنْ صَحَّحَ أَبُو حَاتِمٍ وَقْفَهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٦) وفي «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٢٢٥) والبزار (١/ ٢٧٥ مختصر الزوائد) من طريق أبي بكر الحنفي، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ به.
قال البزار: (لا نعلم رواه أحد عن الثوري إلا الحنفي، هذا الإسناد صحيح)، وقال البيهقي: (هذا الحديث يُعَدُّ في أفراد أبي بكر الحنفي عن الثوري) وهذا الحديث أعله أبو حاتم (١) بالوقف على جابر ﵁ فإنه سئل عنه فقال عن رفعه: (هذا خطأ، إنما هو: عن جابر ﵁، قوله: «إنه دخل على مريض» فقيل له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعاً، فقال: ليس بشيء، هو موقوف).
وقد ذكر الحافظ (٢) متابعاً ثالثاً عند البزار، وهو عبد الوهاب بن عطاء، ثنا سفيان به، ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٣٠٦)، ولهذا قال في
стр. 1118
«المعرفة»: (وهذا الحديث يعد في أفراد أبي بكر الحنفي، وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء عن الثوري) (١) وللحديث طريق أخرى عند أبي يعلى في مسنده (٢/ ٣٢٩) قال: (حدثنا حفص بن أبي داود، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: عاد رسول الله ﷺ مريضاً وأنا معه … وذكر الحديث بمعناه) وإسناده ضعيف جداً، لأن فيه حفص بن أبي داود، وهو حفص بن سليمان الأسدي صاحب عاصم، وهو حجة في القراءة، لكن متروك الحديث.
وللحديث شاهد من حديث ابن عمر ﵄ أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ١٦٩) وقال الألباني: (هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات) (٢).
وله طريق أخرى عند الطبراني في «الأوسط» (٨/ ٤٢) قال عنه الهيثمي: (رجاله موثقون، ليس فيهم كلام يضر، والله أعلم) (٣).
وقد أعل حديث الباب بعنعنة أبي الزبير، فإنه كان مدلساً، وقد أعله بذلك عبد الحق (٤) وتبعه على ذلك الألباني، وقال: (والذي لا شك فيه أن الحديث بمجموع طرقه صحيح) (٥).
فمن صحَّح الحديث فذلك لما له من الطرق والشواهد، وقال: إن إعلاله بالوقف ليس بقادح فيه، فإن مثل ذلك له حكم الرفع، كما قال الشيخ عبد العزيز بن باز، فيكون الموقوف مؤيداً للمرفوع، ثم إن الأصل أن الرفع زيادة من ثقة، فتقبل في مثل ذلك.
وأما إعلاله بعنعنة أبي الزبير عن جابر ففيه نظر، فإن الصواب فيها الاتصال إلا في أحاديث قليلة، والذي يظهر أنها صحيفة كتبها سليمان بن قيس اليشكري عن جابر، سمع بعضها أبو الزبير، وحدث ببعضها عن جابر مباشرة، وسليمان بن قيس ثقة، فعلى التسليم بعدم سماع أبي الزبير من جابر
стр. 1119
فالساقط هو سليمان، وهو ثقة، ولهذا أخرج مسلم في «صحيحه» أحاديث أبي الزبير عن جابر بالعنعنة، ويقوِّي قبول روايته أنه أعرف بضبط أحاديث جابر، أثنى عليه العلماء بذلك، وأما من اعتمد تضعيفه فقد مشى على قاعدة: الموقوف يُعِلُّ المرفوع، ولا يكون مؤيداً له.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المريض العاجز عن السجود على الأرض يسجد في الهواء، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، ولا حاجة إلى أن يضع شيئاً يسجد عليه من وسادة أو غيرها، وهذا هو الراجح من قولي أهل العلم أخذاً بهذا الدليل، كما أنه إذا لم يستطع السجود على الأرض فلا يضع يديه على الأرض، وإنما يضعهما على ركبتيه كهيئة جلوس الصلاة، لحديث ابن عمر ﵄ رفعه قال: (إن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم وجهه فليضع يديه، وإذا رفع فليرفعهما) (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 1120
باب سجود السهو وغيره
هذا الباب ذكر فيه الحافظ ﵀ أحاديث سجود السهو، وأحاديث سجود التلاوة والشكر.
وإضافة السجود إلى السهو وما ذكر معه من إضافة الشيء إلى سببه، أي: باب السجود الذي سببه السهو، أو التلاوة، أو الشكر، والإضافة بمعنى اللام، والسهو لغة: نسيان الشيء والغفلة عنه، قال في «القاموس»: (سها في الأمر: نسيه وغفل عنه)، والمراد هنا: نسيان شيء من الصلاة.
قال ابن الأثير: (السهو في الشيء: تركه عن غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾) [الماعون: ٥] (١).
وسجود السهو: سجدتان يأتي بهما المصلي لجبر الخلل في صلاته سهواً بزيادة أو نقصان أو شك.
وقد ورد في سجود السهو أحاديث كثيرة، وأهمها: حديث عبد الله ابن بحينة، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد، وحديث عمران، وحديث ابن مسعود ﵃، وكلها مذكورة هنا، وهي أربعة أنواع:
الأول: في النقص، وفي ذلك حديث عبد الله ابن بحينة، أول أحاديث الباب.
الثاني: في الزيادة، وفي ذلك حديث ابن مسعود ﵁ ومن الزيادة أن يسلم قبل تمام صلاته، ثم يذكر فيتمها، وفيه حديث أبي هريرة وحديث عمران بن حصين ﵄.
стр. 1121
الثالث: الشك في الزيادة أو النقصان إذا لم يترجح عنده أحدهما، وهذا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
الرابع: الشك في الزيادة والنقصان إذا ترجح عنده أحدهما، وذلك في حديث ابن مسعود - أيضاً ـ.
ومشروعية سجود السهو من محاسن هذه الشريعة، فإن النسيان لا يسلم منه أحد، ولا بد من وقوعه في هذه العبادة العظيمة، وقد وقع من النبي ﷺ ، ففيه جبر للنقصان الذي حصل في الصلاة، وفيه إرضاء للرحمن بإتمام عبادته وتدارك طاعته، وفيه إرغام للشيطان الذي هو سبب النسيان والسهو، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث أبي سعيد ﵁ كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1122
حكم من نسي التشهد الأول في الصلاة
٣٣٠/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله ابن بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وهُو جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلوسِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الأذان»، باب «من لم ير التشهد واجباً؛ لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع» (٨٢٩) ومسلم (٥٧٠) وأبو داود (١٠٣٤) والترمذي (٣٩١) والنسائي (٣/ ١٩) وابن ماجه (١٢٠٦) وأحمد (٣٨/ ٧) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي به.
وأما زيادة مسلم فهي عند البخاري - أيضاً - في كتاب «السهو»، باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٣٠)، وعند مسلم (٥٧٠)(٨٦) من طريق الليث عن ابن شهاب به، ولعل غرض الحافظ من إيرادها أمران:
الأول: دلالتها على أن الإمام يكبر في كل سجدة، وهي تكبيرة الانتقال، بخلاف اللفظ الأول فإنه لا يدل على ذلك.
الثاني: أن فيها بيان أن السجود خاص بالسهو، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1123
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فقام ولم يجلس) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج: (فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته) (١).
قوله: (ولم يجلس) لفظ الصحيحين (فلم يجلس)، وفي رواية للبخاري: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وهذا تأكيد لقوله: (فقام).
قوله: (كبر وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله: (كبر) أي: أنشأ التكبير وهو جالس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نسي التشهد الأول حتى قام إلى الثالثة أنه لا يرجع إليه، ويجبره بسجود السهو قبل السلام، لقوله: (قبل أن يسلم) وقد دلت زيادة ابن خزيمة - عند من يرى صحتها - على أن الإمام لا يرجع ولو سبح به المأموم، وهذا كله إذا ذكر التشهد بعد أن استتم قائماً، سواء شرع في القراءة أم لا، لأنه انتقل إلى الركن الذي يليه وهو القيام، لكن إن ذكره قبل أن ينهض، أي: قبل أن تفارق فخذاه ساقيه فإنه يجلس ويتشهد، وليس عليه شيء.
وقد خص الفقهاء ﵏ سجود السهو في باب النقص، بنقص الواجبات، وأما نقص الأركان كنسيان سجدة فلا تجبر بسجود السهو، بل لا بد من الإتيان بها على تفصيل في كتب الفقه.
وأما ترك السنن كالاستفتاح والتعوذ ونحوهما أو رفع اليدين، فإن كان من عادته أن يأتي به سُنَّ له أن يسجد على أحد القولين، لعموم: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٢)، وإن لم يكن من عادته الإتيان به ولم يخطر بباله فلا يسجد لتركه، إذ لا موجب لهذه الزيادة، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المأموم يتابع إمامه إذا قام عن التشهد الأول ناسياً ولا يجلس، وإن لم يكن المأموم ناسياً.
стр. 1124
الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن التشهد الأول واجب، لأن النبي ﷺ لما تركه سجد له، وليس بركن، لأن الركن لا يجبره سجود السهو، وهذا قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وطائفة منهم إسحاق والثوري وأبو ثور وداود، وحكى الطحاوي مثله عن مالك (١).
وعكس آخرون، فقالوا: إن الحديث دليل على عدم وجوب التشهد الأول، لأنه لو كان واجباً لرجع إليه، وقد أشار البخاري إلى هذا (٢)، وهذا فيه نظر، والصواب الأول، أخذاً بظاهر الحديث.
الوجه السادس: الحديث دليل على وقوع السهو من النبي ﷺ لأنه من النسيان، والنسيان من طبيعة البشر، ولذا قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني»، متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ وسيأتي.
قال ابن القيم: (وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو) (٣).
وأما حديث: (إني لأنسى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ) (٤)، فقد جاء عن مالك أنه بلغه أن الرسول ﷺ قال: … فذكره.
وهو حديث لا أصل له، وإنما هو من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة، كما نص على ذلك الحفاظ، كابن عبد البر والعراقي وابن حجر وغيرهم (٥)، وهي ضعيفة؛ لأنها معضلة أو منقطعة، ثم إن ظاهره معارض لحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين، لأنه يدل على أنه ﷺ لا ينسى بباعث البشرية وإنما ينسيه الله ليشرع، والصواب أنه ينسى لأنه بشر، ولا ينافي هذا أنه يترتب على نسيانه فوائد وأحكام كما ذكر ذلك ابن القيم، والله تعالى أعلم.
стр. 1125
حكم من سلَّم ناسياً قبل تمام صلاته
٣٣١/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَسيْتَ؟ أَمْ قُصِرَت؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَر»، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمْ، ثُمَّ كَبَّر، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَو أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةَ الْعَصْرِ.
وَلأَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَأَوْمَأَوا: أَيْ نَعَمْ.
وَهِيَ فِي «الْصَّحِيحَيْن» لكِن بِلَفْظِ: فَقَالُوا.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ الله ذلِكَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الصلاة»، باب «تشبيك الأصابع في المسجد وغيره»، وفي كتاب «السهو» باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣) من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به، وله طرق