الثالث: الشك في الزيادة أو النقصان إذا لم يترجح عنده أحدهما، وهذا في حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
الرابع: الشك في الزيادة والنقصان إذا ترجح عنده أحدهما، وذلك في حديث ابن مسعود - أيضاً ـ.
ومشروعية سجود السهو من محاسن هذه الشريعة، فإن النسيان لا يسلم منه أحد، ولا بد من وقوعه في هذه العبادة العظيمة، وقد وقع من النبي ﷺ ، ففيه جبر للنقصان الذي حصل في الصلاة، وفيه إرضاء للرحمن بإتمام عبادته وتدارك طاعته، وفيه إرغام للشيطان الذي هو سبب النسيان والسهو، وقد أشار النبي ﷺ إلى ذلك في حديث أبي سعيد ﵁ كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1122
حكم من نسي التشهد الأول في الصلاة
٣٣٠/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله ابن بُحَيْنَةَ ﵁ أَنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَييْنِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وهُو جَالِسٌ. وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن، قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ. أَخْرَجَهُ السَّبْعَةُ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ، وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ، مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنَ الجُلوسِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الأذان»، باب «من لم ير التشهد واجباً؛ لأن النبي ﷺ قام من الركعتين ولم يرجع» (٨٢٩) ومسلم (٥٧٠) وأبو داود (١٠٣٤) والترمذي (٣٩١) والنسائي (٣/ ١٩) وابن ماجه (١٢٠٦) وأحمد (٣٨/ ٧) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن الأعرج، عن عبد الله ابن بحينة الأسدي به.
وأما زيادة مسلم فهي عند البخاري - أيضاً - في كتاب «السهو»، باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٣٠)، وعند مسلم (٥٧٠)(٨٦) من طريق الليث عن ابن شهاب به، ولعل غرض الحافظ من إيرادها أمران:
الأول: دلالتها على أن الإمام يكبر في كل سجدة، وهي تكبيرة الانتقال، بخلاف اللفظ الأول فإنه لا يدل على ذلك.
الثاني: أن فيها بيان أن السجود خاص بالسهو، كما سيأتي إن شاء الله.
стр. 1123
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فقام ولم يجلس) زاد الضحاك بن عثمان، عن الأعرج: (فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته) (١).
قوله: (ولم يجلس) لفظ الصحيحين (فلم يجلس)، وفي رواية للبخاري: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وهذا تأكيد لقوله: (فقام).
قوله: (كبر وهو جالس) جملة حالية متعلقة بقوله: (كبر) أي: أنشأ التكبير وهو جالس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من نسي التشهد الأول حتى قام إلى الثالثة أنه لا يرجع إليه، ويجبره بسجود السهو قبل السلام، لقوله: (قبل أن يسلم) وقد دلت زيادة ابن خزيمة - عند من يرى صحتها - على أن الإمام لا يرجع ولو سبح به المأموم، وهذا كله إذا ذكر التشهد بعد أن استتم قائماً، سواء شرع في القراءة أم لا، لأنه انتقل إلى الركن الذي يليه وهو القيام، لكن إن ذكره قبل أن ينهض، أي: قبل أن تفارق فخذاه ساقيه فإنه يجلس ويتشهد، وليس عليه شيء.
وقد خص الفقهاء ﵏ سجود السهو في باب النقص، بنقص الواجبات، وأما نقص الأركان كنسيان سجدة فلا تجبر بسجود السهو، بل لا بد من الإتيان بها على تفصيل في كتب الفقه.
وأما ترك السنن كالاستفتاح والتعوذ ونحوهما أو رفع اليدين، فإن كان من عادته أن يأتي به سُنَّ له أن يسجد على أحد القولين، لعموم: (فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين) (٢)، وإن لم يكن من عادته الإتيان به ولم يخطر بباله فلا يسجد لتركه، إذ لا موجب لهذه الزيادة، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن المأموم يتابع إمامه إذا قام عن التشهد الأول ناسياً ولا يجلس، وإن لم يكن المأموم ناسياً.
стр. 1124
الوجه الخامس: استدل بهذا الحديث من قال: إن التشهد الأول واجب، لأن النبي ﷺ لما تركه سجد له، وليس بركن، لأن الركن لا يجبره سجود السهو، وهذا قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وطائفة منهم إسحاق والثوري وأبو ثور وداود، وحكى الطحاوي مثله عن مالك (١).
وعكس آخرون، فقالوا: إن الحديث دليل على عدم وجوب التشهد الأول، لأنه لو كان واجباً لرجع إليه، وقد أشار البخاري إلى هذا (٢)، وهذا فيه نظر، والصواب الأول، أخذاً بظاهر الحديث.
الوجه السادس: الحديث دليل على وقوع السهو من النبي ﷺ لأنه من النسيان، والنسيان من طبيعة البشر، ولذا قال النبي ﷺ : «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني»، متفق عليه من حديث ابن مسعود ﵁ وسيأتي.
قال ابن القيم: (وكان سهوه في الصلاة من تمام نعمة الله على أمته، وإكمال دينهم، ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو) (٣).
وأما حديث: (إني لأنسى أو أُنَسَّى لأَسُنَّ) (٤)، فقد جاء عن مالك أنه بلغه أن الرسول ﷺ قال: … فذكره.
وهو حديث لا أصل له، وإنما هو من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة، كما نص على ذلك الحفاظ، كابن عبد البر والعراقي وابن حجر وغيرهم (٥)، وهي ضعيفة؛ لأنها معضلة أو منقطعة، ثم إن ظاهره معارض لحديث ابن مسعود الثابت في الصحيحين، لأنه يدل على أنه ﷺ لا ينسى بباعث البشرية وإنما ينسيه الله ليشرع، والصواب أنه ينسى لأنه بشر، ولا ينافي هذا أنه يترتب على نسيانه فوائد وأحكام كما ذكر ذلك ابن القيم، والله تعالى أعلم.
стр. 1125
حكم من سلَّم ناسياً قبل تمام صلاته
٣٣١/ ٢ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: صلَّى النَّبيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَي العَشِيِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي الْقَوْم أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَرَجُلٌ يَدْعُوهُ النَّبيُّ ﷺ ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، أَنَسيْتَ؟ أَمْ قُصِرَت؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَر»، فَقَالَ: بَلَى قَدْ نَسِيتَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمْ، ثُمَّ كَبَّر، فَسَجَدَ مِثلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ، فَكَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَو أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: صَلَاةَ الْعَصْرِ.
وَلأَبِي دَاوُدَ، فَقَالَ: «أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، فَأَوْمَأَوا: أَيْ نَعَمْ.
وَهِيَ فِي «الْصَّحِيحَيْن» لكِن بِلَفْظِ: فَقَالُوا.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَلَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَقَّنَهُ الله ذلِكَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، أولها في كتاب «الصلاة»، باب «تشبيك الأصابع في المسجد وغيره»، وفي كتاب «السهو» باب «من يكبر في سجدتي السهو» (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣) من طريق أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة به، وله طرق
стр. 1126
كثيرة وألفاظ عديدة في الصحيحين وغيرهما، وقد أشار الحافظ هنا إلى شيء من ذلك.
ورواه مسلم (٥٧٣)(٩٩) من طريق داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال: (سمعت أبا هريرة يقول: صلَّى لنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم في ركعتين … ) الحديث.
ورواه أبو داود (١٠٠٨) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب به، ولفظه: (فأقبل رسول الله ﷺ على القوم فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فأومأوا، أي: نعم … ) قال أبو داود: ولم يذكر (فأومأوا) إلا حماد بن زيد، وهذه الرواية عند البخاري (١٢٢٨) ومسلم (٥٧٣) من طريق مالك، عن أيوب به، بلفظ قال رسول الله ﷺ : «أصدق ذو اليدين؟»، فقال الناس: (نعم).
وفي رواية أخرى لأبي داود (١٠١٢) من طريق محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سلمة وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة بهذه القصة، قال: (ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك).
وهذا حديث منكر بهذه الزيادة، لأن محمد بن كثير بن أبي عطاء يروي المناكير خاصة عن الأوزاعي، وهذا منها (١).
واعلم أن هذا الحديث له طرق كثيرة بألفاظ متعددة، وقد اشتمل على فوائد كثيرة، أوصلها بعضهم إلى مائة وخمسين فائدة، وقد جمع طرقه وألفاظه وتكلم عليها الحافظ العلائي في كتابه: «نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد» وهو مطبوع، وقد أثنى عليه الحافظ ابن حجر (٢).
وسأقتصر - هنا - على الفوائد المتعلقة بهذا الباب دون غيرها خشية الإطالة.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إحدى صلاتي العشي) بفتح العين المهملة وكسر الشين وتشديد الياء، أصله من العَشَاءِ، وهو الظلمة، وهو من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من زوال الشمس إلى الصباح، وهو الأقرب.
стр. 1127
وقد جاء في رواية الصحيحين: (صلَّى بنا النبي ﷺ الظهر أو العصر … ) بلفظ الشك، وفي رواية للبخاري بلفظ: (الظهر) بغير شك، وعند مسلم: (العصر) والظاهر أن هذا الاختلاف من الرواة، أو من أبي هريرة ﵁ ويدل لذلك رواية النسائي من طريق ابن عون، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: (صلّى النبي ﷺ إحدى صلاتي العشي، قال أبو هريرة: لكني نسيتها … ) (١)، وفي رواية أن الذي نسي هو ابن سيرين، ومثل هذا لا يؤثر في الحديث، لأن المقصود أنها رباعية، وكلها صلاة عَشِيٍّ.
قوله: (ثم قام إلى خشبة) هي ما غلظ من العيدان، وفي رواية لمسلم: (ثم أتى جذعاً في قبلة المسجد).
قوله: (فوضع يده عليها) في رواية (فاتكأ عليها كأنه غضبان) أي: يشبه الغضبان في انقباضه وتشوش فكره، وكأن هذا - والله أعلم - من أجل نقصان صلاته، أو أنه كان في حال صلاته مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وحمله على أن صلى ركعتين وسلم (٢)، ولعل الصحابة ﵃ عبروا بالغضب عما ظهر عليه، وإلا فلا موجب له في هذا الوقت.
قوله: (فهابا أن يكلماه) الهيبة: إجلال ومخافة ناشئة عن إعظام، يقال: رجل مهيب ومهوب، أي: يهابه الناس، وإنما هاب أبو بكر وعمر تكليم النبي ﷺ لشدة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوة المعرفة توجب الهيبة (٣).
قوله: (وخرج سَرَعَانُ الناس) بفتح السين والراء، هم الأوائل الذين يسرعون الخروج من المسجد بعد انقضاء الصلاة، ويجوز إسكان الراء، كما نقله القاضي عياض (٤)، ويجوز ضم السين وإسكان الراء، فيكون جمع سريع كقضيب وقضبان وكثيب وكثبان.
قوله: (قُصرت الصلاة) بضم القاف وكسر الصاد، بلفظ الخبر، أي:
стр. 1128
أن الله تعالى قصرها، على اعتقاد وقوع قصرها إلى ركعتين، لأنهم في زمان الوحي والنسخ، والذي في البخاري - هنا - (أقصرت الصلاة؟) بلفظ الاستفهام، أما لفظ الكتاب فهو رواية للبخاري من طريق ابن عون، عن ابن سيرين به (١)، ويجوز في ضبطها فتح القاف وضم الصاد، كما ذكره النووي (٢).
قوله: (ذا اليدين) وفي رواية (يقال له: ذو اليدين)، وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: (وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له ذو اليدين … ) والمشهور أنه الخرباق بن عمرو، وهو سُلميٌّ من بني سليم.
قوله: (أنسيت أم قصرت؟) أي: أذهلت فسلَّمت قبل تمام الصلاة، أم أن الصلاة قصرت وردت إلى ركعتين؟
فذو اليدين غلب عليه حرصه على تعلم العلم واعتنائه بأمر الصلاة، وأبو بكر وعمر غلب عليهما احترام النبي ﷺ وتعظيمه، مع علمهما بأنه سيبين أمر ما وقع.
قوله: (لم أنس ولم تقصر) نفى ﷺ النسيان بناء على ظنه أنه أتم صلاته، ونفى القصر بناء على يقينه أن حكم إتمام الصلاة لم يتغير، فلما انتفى القصر عن يقين تعين أن يكون ناسياً، ولهذا قال ذو اليدين: بلى، قد نسيت.
وظاهر هذا السياق أنه رجع إلى قول ذي اليدين وحده، لكن ورد روايات أخرى: (فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم)، وفي رواية أبي داود المذكورة: (فقال: أصدق ذو اليدين؟)، وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقول ذي اليدين، لأنه يعارض ما كان يظنه من إتمام الصلاة، فطلب النبي ﷺ ما يرجح قوله.
قوله: (ولم يسجد حتى يقنه الله ذلك) أي: لم يسجد ﷺ سجدتي السهو حتى يقنه الله تعالى أنه سلم من ركعتين، إما بوحي أو بتذكيره إياه لما سأل القوم عما قاله ذو اليدين، وعلم أبو هريرة ذلك إما من قرائن الأحوال، أو بإخباره ﷺ ، وهذه زيادة منكرة، كما تقدم.
стр. 1129
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سلم ناسياً قبل تمام صلاته ثم ذكر أو ذُكّر قريباً وجب عليه إتمامها فوراً، ولا يمنع من ذلك كلامه أو انتقاله من موضعه، لأن ذلك مبني على اعتقاده تمام صلاته، لقوله: (فقال: أصدق ذو اليدين؟؟ فقالوا: نعم) فهو كلام عمد، لكنه لإصلاح الصلاة.
وأما رواية: (فأومأوا) فيحتمل أنها من تصرّف بعض الرواة، لأنه ظن أنه لا يتكلم لأنه في صلاة، ورواية: (فقالوا) لا غرابة فيها، لأنهم ظنوا أن الصلاة قد انتهت أو أنهم تكلموا لمصلحتها.
أما من يتيقن أن الإمام قد سها وأن الصلاة لم تتم فإنه يبقى في محل الجلوس ولا يتكلم ولا ينصرف.
وهكذا لو زاد الإمام ونبهوه ولم يرجع فإنهم لا يتابعونه في الزيادة، بل يجلسون وينتظرون حتى يسلِّم بهم أو يسلِّمون قبله، والانتظار أحسن، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، لكن الصحابة ﵃ التبس عليهم الأمر فخشوا أن يكون قد جاء تغيير في الحكم، فلذا سلموا معه وخرج من خرج، لأن الزمان زمن وحي ونسخ، وأما الآن فقد انتهى الأمر فلم يبق إلا السهو.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الإمام لا يرجع إلى قول واحد من المأمومين إذا كان يظن خلافه حتى يتثبت من غيره، لأن النبي ﷺ لم يقبل قول ذي اليدين وحده، وإنما أقبل على الصحابة فسألهم، ولولا أنه سيرجع إلى قولهم لما سألهم، وكذا يدل عليه حديث ابن مسعود الآتي لما صلّى النبي ﷺ خمساً فقالوا: (أحدث في الصلاة شيء؟) قال: «وما ذاك؟»، قالوا: (صليت خمساً … ) الحديث.
والقول برجوع الإمام إلى قول المؤتمِّين به هو قول مالك وأحمد، وقد نص الفقهاء على أنه لو سبح به اثنان لزمه الرجوع ما لم يجزم بصواب نفسه. فإن جزم بصواب نفسه لم يرجع إلى قول من خالفه ولو كثروا.
стр. 1130
والقول الثاني: أنه إن سبح به واحد وغلب على ظنه صدقه أخذ بقوله، على القول بجواز البناء على غلبة الظن؛ لأنه خبر ديني فيقبل فيه خبر واحد ثقة، كوقت الصلاة وطهارة الماء ونجاسته، وهذا قول أبي حنيفة وإسحاق، وهو وجه في مذهب الحنابلة في الزيادة فقط (١)، والله أعلم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن من سلَّم ناسياً قبل تمام صلاته فإنه يسجد سجدتي السهو بعد السلام، فيكبر عند السجود والرفع منه، ثم يسلم بعدهما، وأما التشهد ففيه خلاف سيأتي إن شاء الله.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن الأفعال الكثيرة التي ليست من جنس الصلاة إذا وقعت سهواً أو مع ظن تمام الصلاة لا تفسد بها الصلاة، بل ينبني بعضها على بعض ولا يستأنفها، وقد جاء في حديث عمران ﵁: (أنه قام فدخل الحجرة) (٢).
قال الحافظ ابن رجب: (هذه الرواية تدل على أن الخروج من المسجد لا يمنع البناء على الصلاة لمن سلم عن نقص) (٣)، والله تعالى أعلم.
стр. 1131
حكم التشهد بعد سجدتي السهو
٣٣٢/ ٣ - عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى بِهِمْ، فَسَهَا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالْتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٠٣٩) في كتاب «الصلاة»، باب «سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم» والترمذي (٣٩٥) والحاكم (١/ ٣٢٣) من طريق محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، حدثني أشعث، عن محمد بن سيرين، عن خالد - يعني الحذاء - عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين به.
وهذا إسناد صحيح، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وإنما اتفقا على حديث خالد الحذاء، عن أبي قلابة، وليس فيه ذكر التشهد لسجدتي السهو) وسكت عنه الذهبي.
وهذا فيه نظر، فإن أشعث وهو ابن عبد الملك الحمراني وإن كان ثقة إلا أنه لم يُخَرَّجْ له في الصحيحين، كما ذكر الذهبي نفسه (١)، وقد تفرد أشعث بذكر التشهد وخالف غيره من الثقات، فقد رواه جماعة آخرون عن خالد الحذاء، ولم يذكروا التشهد، كما ذكر ذلك البيهقي، فهذه الزيادة مخالفة للثقات الحفاظ المتقنين، أمثال شعبة ووهيب بن خالد وإسماعيل بن علية وغيرهم، وأشعث ليس مقاوماً لهؤلاء، بل هو دونهم في الإتقان والحفظ
стр. 1132
بكثير، ومما يؤيد ذلك أن محمد بن سيرين قيل له: (فالتشهد؟) قال: (لم أسمع في التشهد شيئاً).
وقد أخرج مسلم هذا الحديث (٥٧٤) من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ صلّى العصر، فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له: (الخرباق)، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله، فذكر له صنيعه، وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: (أصدق هذا؟) قالوا: (نعم)، فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم.
وليس في هذا السياق ذكر التشهد، وعليه: فهي زيادة شاذة، كما قال ابن المنذر، والبيهقي، وابن حجر (١).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود السهو إذا كان بعد السلام فإنه يتشهد له ثم يسلم، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والمالكية والحنفية (٢).
والقول الثاني: أنه إذا سجد بعد السلام، سلم بعد سجوده بدون تشهد، وهذا قول الأوزاعي والشافعي وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، لحديث عمران عند مسلم: (فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين، ثم سلم) وتقدم بتمامه، فلم يذكر التشهد، ولو فعله النبي ﷺ لنقل إلينا، وأما إثبات التشهد في حديث الباب فهو زيادة شاذة، قال ابن عبد البر: (أما التشهد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي ﷺ (٤)، وقال النووي: (إنه لم يصح عن النبي ﷺ منه شيء) (٥)، وهذا هو الراجح، والله تعالى أعلم.
стр. 1133
حكم من شك ولم يترجح عنده شيء
٣٣٣/ ٤ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى أَثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْن عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإنْ كَانَ صَلَّى خَمْساً شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإنْ كَانَ صَلَّى تماماً كَانَتَا تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٥٧١) في كتاب «المساجد»، باب «السهو في الصلاة والسجود له» من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته ولم يترجح عنده أحد الأمرين فإنه يطرح الشك ويعمل باليقين، وهو الأقل، فيتم صلاته ويسجد للسهو قبل أن يسلم ثم يسلم، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، وقد نقل النووي الإجماع على ذلك (١).
وورد - أيضاً - عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلّى أو اثنتين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثاً فليبن على ثنتين، وإن لم يدر ثلاثاً صلّى أو أربعاً
стр. 1134
فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» (١).
فإذا شك في الركعة الثانية هل هي الثانية أو الثالثة ولم يترجح عنده شيء جعلها الثانية، ثم أكمل صلاته وسجد للسهو.
وقد بيَّن النبي ﷺ الحكمة من ذلك وهو أنه إن كان صلّى خمساً فإن السجدتين يشفعن له صلاته، أي: تكون صلاته شفعاً بهاتين السجدتين، لأن المطلوب بالظهر والعصر والعشاء الشفع فكأنهما قاما مقام ركعة، ولو زاد ذلك على أربع.
وإن كان صلّى تماماً ولم يحصل له نقص كانتا إرغاماً للشيطان، أي: إغاظة وإذلالاً له، لأنه لبَّس على المصلي صلاته وأراد إفسادها، فجعل الله تعالى هاتين السجدتين طريقاً إلى جبر صلاته، وردّاً للشيطان خاسئاً ذليلاً مبعداً عن مراده، وكملت صلاة العبد وامتثل أمر الله تعالى بالسجود الذي عصى به إبليس ربه.
والإرغام من الرَّغام - بالفتح - وهو التراب، يقال: (أرغم الله أنفه)، أي: ألصقه بالتراب، وهو كناية عن الذل والهوان.
الوجه الثالث: دل هذا الحديث مع حديث ابن بحينة - المتقدم - على أن سجود السهو قبل السلام محفوظ في حالين:
الأولى: إذا كان عن نقص، كما في حديث ابن بحينة لما قام النبي ﷺ عن التشهد الأول قبل السلام.
الثانية: إذا كان عن شكٍّ لم يترجح فيه أحد الأمرين، والله تعالى أعلم.
стр. 1135
حكم من زاد أو شك وترجح عنده أحد الأمرين
٣٣٤/ ٥ - عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ . فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَلكَ؟» قَالوا: صَلَّيْتَ كَذَا، قَالَ: فَثَنَى رِجْلَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَسَجَدَ سَجْدَتَينِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: «إنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنسَى كَمَا تَنْسُونَ، فَإذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُوني، وَإذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ، فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: «فَلْيُتِمَّ، ثُمَّ يُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدْ»، وَلِمُسْلِمٍ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ سَجْدَتَي السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها كتاب «الصلاة»، باب «التوجه نحو القبلة حيث كان» (٤٠١) ومسلم (٥٧٢) من طريق منصور، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قال عبد الله: … فذكره، وهذا لفظ مسلم، وأما رواية البخاري التي ذكر الحافظ فهي بهذا الإسناد في الباب المذكور، ولعله ذكرها، لأنها صريحة في أن السجود بعد السلام، بخلاف اللفظ الأول: (فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين) فليس فيه موضع السجود.
ورواه مسلم (٥٧٢)(٩٥) من طريق الأعمش، عن إبراهيم به، وفيه: (أن النبي ﷺ سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام)، وغرض الحافظ من هذه الزيادة بيان أن الكلام الذي بعد السلام وقبل السجود لا يؤثر، لأنه من
стр. 1136
مصلحة الصلاة، وذلك أنهم قالوا: (يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟)، قال: «وما ذلك؟»، قالوا: (صليت كذا).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا زاد في صلاته ركعة فصلى الظهر - مثلاً - خمساً أنه يسجد للسهو بعد السلام، وصلاته صحيحة، وهذا مبني على ما إذا لم يذكر الزيادة حتى فرغ منها، والصحابة ﵃ لم ينبهوا النبي ﷺ لهذه الزيادة مع علمهم بها، لظنهم أن الصلاة قد طرأ عليها تغيير بالزيادة، ولهذا لما سلم قالوا له: (يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟).
فإذا ذكر المصلي الزيادة في أثنائها وجب عليه الرجوع عنها، ووجب عليه سجود السهو، وصلاته صحيحة.
ومثل زيادة الركعة القيام أو القعود أو السجود، ونحو ذلك.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المصلي إذا شك في صلاته وترجح عنده أحد الأمرين فإنه يتحرى الصواب، وقد فُسِّر الصواب بالأخذ بغالب الظن وأن يتحرى ما هو الأرجح، وهو الأقرب إلى فهمه وضبطه، فيبني عليه، سواء أكان زيادة أم نقصاناً، ثم يسجد للسهو بعد السلام، كأن يشك في عدد الركعات أصلى ثلاثاً أم أربعاً فيتم ويسجد للسهو.
وظاهر الحديث أنه يبني على غالب ظنه إماماً كان أو منفرداً، وهذا رواية عن أحمد (١).
وذهب آخرون إلى أن الإمام يبني على غالب ظنه، لأن عنده من ينبهه إذا أخطأ، وأما المأموم والمنفرد فيبني على اليقين وهو الأقل (٢)، والأول أظهر لدلالة الحديث.
الوجه الرابع: دلَّ هذا الحديث مع حديث أبي هريرة المتقدم على أن سجود السهو بعد السلام يكون في حالين:
стр. 1137
الأولى: إذا سلم قبل تمام صلاته ثم أتمها، كما في حديث أبي هريرة لما سلم عن ركعتين، وكما في حديث عمران لما سلم عن ثلاث، وكذا إذا كان عن زيادة، كما في حديث ابن مسعود هذا.
وقد اعتبر العلماء السلام قبل إتمام الصلاة من باب الزيادة، لأنه زاد سلاماً في أثناء صلاته.
الثانية: إذا كان السجود عن شكٍّ ترجح فيه أحد الأمرين، كما دل على ذلك حديث ابن مسعود هذا.
الوجه الخامس: دل قوله: (إذا شك أحدكم في صلاته) وكذا غيره من الأحاديث المتقدمة على أن سجود السهو مشروع في صلاة النافلة، كما هو مشروع في صلاة الفريضة، لأن الجبران وإرغام الشيطان يحتاج إليه في صلاة النفل، كما يحتاج إليه في صلاة الفرض، وقد ترجم البخاري في كتاب «السهو» بقوله: باب «السهو في الفرض والتطوع» (١).
وذكر عن ابن عباس أنه سجد سجدتين بعد وتره، وذكر حديث أبي هريرة الآتي في شرح حديث عبد الله بن جعفر، وهذا قول الجمهور، وقد خالف بعض السلف، كما ذكر الحافظ، فقالوا: لا يسجد في صلاة التطوع، والله أعلم.
стр. 1138
ما جاء في السجود للشك بعد السلام
٣٣٥/ ٦ - وَلأحْمَدَ، وَأَبي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ مَرْفُوعاً: «مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ، فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ»، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٠٣٣) في كتاب «الصلاة»، باب «من قال بعد التسليم» والنسائي (٣/ ٣٠) من طريق حجاج بن محمد، وأخرجه أحمد (٣/ ٢٧٥) والنسائي - أيضاً - (٣/ ٣٠) وابن خزيمة (١٠٣٣) من طريق روح بن عبادة كلاهما عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن مسافع، أن مصعب بن شيبة أخبره، عن عتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر به.
وهذا إسناد ضعيف، عبد الله بن مسافع هو المكي الحجبي، روى له أبو داود والنسائي والترمذي هذا الحديث لا غير، وقد ذكره البخاري، وأبو حاتم والمزي ومن بعدهم الحافظ ابن حجر ولم يذكروا فيه جرحاً ولا تعديلاً (١)، وكذا الذهبي (٢). وذكر الشيخ أحمد شاكر أن تصحيح ابن خزيمة لحديثه هذا توثيق له، وقال: (ولم يذكره البخاري والنسائي في الضعفاء) (٣).
стр. 1139
أما مصعب بن شيبة فهو ضعيف، قال أحمد: (روى أحاديث مناكير)، وقال أبو حاتم: (لا يحمدونه، وليس بالقوي) وقال النسائي: (منكر الحديث) وقد وثقه ابن معين والعجلي (١).
وأما شيخ مصعب، عتبة بن محمد بن الحارث بن نوفل الهاشمي فقد قال عنه النسائي: (ليس بمعروف)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢) وقال عنه في «التقريب»: مقبول، وقد نقل ابن قدامة عن الأثرم أن هذا الحديث لا يثبت (٣)، وقد ضعفه الألباني (٤).
ثم إن الحديث في سنده ومتنه اضطراب، أما سنده فقد أخرجه النسائي (٣/ ٣٠) من طريق ابن المبارك، والوليد بن مسلم، عن ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن عتبة به، ولم يذكر فيه مصعب بن شيبة.
وأما اضطراب متنه، فقد روي: (فليسجد سجدتين بعد ما يسلم) كما هو لفظ البلوغ، وروي عند أحمد: (فليسجد سجدتين وهو جالس) دون قوله: (بعد ما يسلم)، وظاهره أنه قبل التسليم.
وقد ورد في معنى هذا الحديث، حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاء الشيطان فلبس عليه حتى لا يدري كم صلّى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس» (٥).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود السهو للشك يكون بعد السلام، وقد تقدم ما يعارض ذلك في حديثي أبي سعيد وابن مسعود ﵄ وفيهما أن السجود للشك قبل السلام إن بنى على اليقين، وبعده إن بنى على غالب ظنه.
وقال بعض العلماء: لا معارضة بين هذه الأحاديث؛ لأن الأمر في ذلك واسع والكل جائز.
стр. 1140
ثم إن ظاهر هذا الحديث أن المصلي إذا شك فليس عليه إلا سجدتان، وقد أخذ بذلك طائفة من السلف، ومنهم الحسن البصري، وقال الجمهور من أهل العلم: إن من شك في صلاته ولم يترجح عنده شيء بنى على اليقين وهو الأقل، وأكمل صلاته ثم سجد للسهو، لحديث أبي سعيد المتقدم الذي دل على أن الواجب على الساهي أمران:
الأول: البناء على الأقل.
الثاني: سجود السهو.
وعلى هذا فليس في حديث أبي هريرة وحديث عبد الله بن جعفر أكثر من أن رسول الله ﷺ أمر بسجدتين عند السهو في الصلاة، وليس فيهما بيان ما يصنعه من وقع له ذلك، وإنما هذا مستفاد من أحاديث أخرى بينت الواجب على من حصل له شك، والله تعالى أعلم.
стр. 1141
حكم رجوع من قام عن التشهد الأول
٣٣٦/ ٧ - عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَاسْتَتَمَّ قَائِماً، فَلْيَمْضِ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، وَإنْ لَمْ يَسْتَتِمَّ قَائِماً فَلْيَجْلِسْ وَلَا سَهْوَ عَلَيْهِ»، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، والدارَقُطْنيُّ وَاللّفْظُ لَهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٠٣٦) في كتاب «الصلاة»، باب «من نسي أن يتشهد وهو جالس»، وابن ماجه (١٢٠٨) والدارقطني (١/ ٣٧٨) من طريق جابر - يعني الجعفي - قال: ثنا المغيرة بن شبيل الأحمسي، عن قيس بن أبي حازم، عن المغيرة بن شعبة مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف كما قال الحافظ - هنا (١) ـ كما ضعفه النووي (٢)، لأن فيه جابر بن يزيد الجعفي، وهو رافضي متروك، كما قال الدارقطني وغيره، وقال البيهقي: (لا يحتج به)، وقال أبو داود: (وليس في كتابي عن جابر الجعفي إلا هذا الحديث)، ولعله يشير بذلك إلى ضعف جابر الجعفي، وهذا الحديث مداره عليه (٣).
وقد ذكر الألباني متابعاً لجابر الجعفي، عند الطحاوي، من طريق
стр. 1142
إبراهيم بن طهمان، عن المغيرة بن شبيل، عن قيس بن أبي حازم قال: صلّى بنا المغيرة بن شعبة … وذكر تمام الحديث (١).
وهذا الإسناد إن كان على ظاهره فهو متابع صحيح، كما ذكر الألباني، وإلا فيحتمل أنه سقط بعد ابن طهمان اسم شيخه، وهو جابر الجعفي، لأن مدار الحديث عليه، كما تقدم، وهو سَقْطٌ إما من الناسخ، أو الطابع، أو من شيخ الطحاوي إبراهيم بن مرزوق، فإن الدارقطني قال عنه: (ثقة، إلا أنه كان يخطئ، فيقال له، فلا يرجع) (٢)، وقد صرح شعيب الأرنؤوط ومن معه في تحقيق «المسند» (٣): أن اسم جابر الجعفي قد سقط من مطبوع الطحاوي، ثم رجعت إلى «إتحاف المهرة» وليس فيه إثبات جابر.
ومما يؤيد ذلك أن كتب الرجال تذكر جابراً في شيوخ ابن طهمان، وفي تلاميذ المغيرة بن شبيل ولا تذكر المغيرة من شيوخ ابن طهمان، ولا ابن طهمان من تلاميذ المغيرة (٤)، كما هو ظاهر هذا الإسناد، ولهذا ضعَّف الحافظ هذا الحديث - هنا - وفي «التلخيص»، ولم يذكر له طريقاً أخرى، وكذا ضعفه العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن من سها عن القعود للتشهد الأول فقام واستتم قائماً أنه يمضي ولا يعود إليه، لاشتغاله بفرض القيام، ويأتي مكان ذلك بسجود السهو، وتقدم ذلك في حديث ابن بحينة أول الباب، ولم يبين في هذا الحديث محل سجدتي السهو، لكن تقدم أن محلهما قبل السلام.
وإن ذكر قبل أن ينتصب قائماً فإن عليه الرجوع والإتيان بالتشهد، سواء كان إلى القيام أقرب أو إلى القعود - على أحد القولين - وهو ظاهر الحديث، ورجح شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا يرجع مطلقاً (٥).
стр. 1143
وظاهر الحديث أنه لا سجود عليه إذا رجع، لأنه استدرك الواجب فأتى به، وهذا مبني على صحة الحديث بالمتابعة المتقدمة، وعليه ذَكَرَ كثير من الفقهاء - ومنهم فقهاء الحنابلة - الحالات الثلاث لمن قام عن التشهد الأول (١).
القول الثاني: أنه يجب عليه سجود السهو لهذه الزيادة، وهي مفارقة محل الجلوس إلى القيام، ويؤيد ذلك آثار عن الصحابة كأنس ﵁ كما ذكر الحافظ (٢).
وقد رجح الشيخ عبد العزيز بن باز وجوب السجود في هذه الحال، وقال: (إن هذا يدل على ضعف حديث المغيرة هذا، لأن السهو لازم لمن قام ولو رجع وأتى بالتشهد).
وهذا هو الصحيح من المذهب عند الحنابلة (٣)، وهذا كله في حق الإمام والمنفرد، أما المأموم فلو ترك التشهد ناسياً وجلس إمامه، وجب عليه الرجوع مطلقاً، سواء استتم قائماً أم لا؟ لوجوب متابعة الإمام كما تقدم أول الباب، والله تعالى أعلم.
стр. 1144
سهو المأموم يتحمله الإمام
٣٣٧/ ٨ - عَنْ عُمَرَ ﵁ عَنِ النّبِيِّ ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الإمَامِ سَهْوٌ، فَإنْ سَهَا الإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ». رَوَاهُ البزَّار وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (١/ ٣٧٧) من طريق خارجة بن مصعب، عن أبي الحسين المديني، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ليس على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه السهو، وإن سها من خلف الإمام فليس عليه سهو، والإمام كافيه».
وهذا إسناد ضعيف جداً، لأن فيه خارجة بن مصعب، قال عنه الإمام أحمد: (لا يكتب حديثه)، وقال ابن معين: (ليس بشيء) (١)، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (متروك، وكان يدلس عن الكذابين، ويقال: إن ابن معين كذبه).
وفيه أبو الحسين المديني، وهو مجهول (٢)، وأما عزو الحديث للبزار فلم أقف عليه فيه، ولا عزاه الحافظ له في «التلخيص»، وأما عزوه للبيهقي فإنه لم يروه مسنداً، كما عند الدارقطني، وإنما ذكره معلقاً، وضَعَّفَهُ.
стр. 1145
وقد وقع عزو الحديث إلى الترمذي في طبعة «محمد حامد الفقي» «للبلوغ»، وكذا في نسخ «سبل الإسلام»، والظاهر أن ذلك من النساخ، فإن الحافظ نفسه عزاه في «التلخيص» إلى الدارقطني فقط (١)، وقال الطيب آبادي في «التعليق المغني»: (أخرجه البيهقي والبزار، كما في بلوغ المرام) فلم يذكر الترمذي.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإمام يتحمل عن المأموم السهو، فإذا سها المأموم دون إمامه، كأن يجلس في قيام أو يقوم في جلوس سهواً ونحو ذلك، فلا سجود عليه، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل حكى ابن المنذر عن إسحاق أنه إجماع أهل العلم (٢).
وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً في سنده، لكن معناه صحيح، ومعلوم من سنة النبي ﷺ وهديه في صلاته، فإنه عَلَّمَ الصحابة ﵃ أحكام سجود السهو، ولم يأمر المأمومين إذا سهوا أن يسجد الواحد منهم، مع أن وقوع السهو منهم أمر لا يمكن لأحد إنكاره، ومع ذلك فلم ينقل أن أحداً منهم سجد بعد سلامه ﷺ ، ولو كان مشروعاً لفعلوه، ولو فعلوه لنقلوه، فلما لم ينقل دل على أنه لم يشرع، ولم يقع، ويدل لذلك عموم قوله ﷺ : «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه … » (٣)، فهذا يدل على أن المأموم يتابع إمامه، حتى إن متابعة الإمام مقدمة على الإتيان بالتشهد الأول إذا قام عنه الإمام، كما تقدم.
وقد حكى الصنعاني عن الهادي - من أئمة الزيدية - أن المأموم إذا سها في صلاته فإنه يسجد للسهو، خلافاً للجمهور - ومنهم إمامه زيد بن علي - ورجح الصنعاني هذا القول (٤)، وهو قول ضعيف، لا يعول عليه، ويرده ما تقدم، وبه يأخذ بعض الوافدين، كما نشاهدهم في الحرم المكي إذا سلم الإمام أتى الواحد منهم بسجدتين، فإذا سئل عن ذلك قال: إنه سها، والله المستعان.
стр. 1146
الوجه الثالث: استثنى العلماء ﵏ من تَحَمُّلِ السهو عن المأموم مسألة، وهي ما إذا كان المأموم مسبوقاً بركعة فأكثر فإنه يسجد للسهو إذا سها مع الإمام أو سها فيما انفرد به، وذلك ليجبر صلاته، لأن له حكم الانفراد بسبب الركعة أو الركعات التي فاتته، ولأنه إذا سجد بعد قضاء ما فاته لا يحصل منه مخالفة لإمامه.
أما المأموم الذي دخل مع إمامه من أول صلاته، فصلاته تامة ومنجبرة بصلاة إمامه.
الوجه الرابع: دل الحديث على أن سهو الإمام يوجب السجود على المأموم ولو لم يسهُ المأموم، وهذا دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وحكي فيها الإجماع.
وظاهر الحديث أن المأموم يتابع إمامه في سجود السهو ولو كان بعد السلام، وهذا ظاهر إذا كان المأموم قد دخل مع إمامه من أول الصلاة فإنه يسجد معه ولو بعد السلام.
فإن كان المأموم مسبوقاً وسجد الإمام بعد السلام فالمشهور عند الفقهاء أنه يسجد مع إمامه ولو بعد السلام، حتى قالوا: (إذا قام ولم يستتم قائماً لزمه الرجوع ليسجد مع إمامه).
والقول الثاني: أن الإمام إذا سجد للسهو بعد السلام لا يلزم المأموم متابعته، لأنها متعذرة، لأن الإمام سيسلم، ولو تابعه في السلام لبطلت الصلاة لوجود الحائل دونها وهو السلام، فإذا أتم المأموم قضاء ما فاته سجد للسهو بعد السلام إذا كان السهو فيما أدركه مع الإمام، وأما إذا كان السهو فيما مضى من صلاة الإمام قبل أن يدخل معه المأموم لم يجب عليه السجود في هذه الحال، والله تعالى أعلم.
стр. 1147
السجود يتكرر بتكرر السهو
٣٣٨/ ٩ - عَنْ ثَوْبَانَ ﵁ عَنْ النّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بعدما يُسَلِّمُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود (١٠٣٨) في كتاب «الصلاة»، باب «من نسي أن يتشهد وهو جالس» وابن ماجه (١٢١٩) من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عبيد الكَلاعي (١)، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان، به.
وهذا إسناد ضعيف، كما قال الحافظ، وضعفه البيهقي (٢) وعبد الحق وقال: (ليس إسناده مما تقوم به حجة) (٣)، وقال النووي: (هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف) (٤).
وعلة الحديث أنه من رواية زهير بن سالم العنسي، وقد قال عنه الدارقطني: (حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان ولم يسمع منه)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق فيه لين، وكان يرسل).
الوجه الثاني: الحديث دليل بظاهره على أن سجود السهو يتكرر بتكرر السهو في الصلاة، وأن كل سهو له سجدتان.
стр. 1148
والحديث ضعيف - كما مضى - ومخالف لظواهر الأدلة في هذا الباب من أن السجود لا يتعدد ولو تعدد السهو، لأنه لو لم يتداخل لسجد عقب السهو، فلما أُخِّرَ السجود إلى نهاية الصلاة دل على أنه إنما أخر ليجمع كل سهو في الصلاة، ويؤيد ذلك عموم قوله ﷺ : «إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين» (١)، ولأن النبي ﷺ في حديث ذي اليدين سها فسلم وتكلم بعد صلاته، وسجد لذلك سجوداً واحداً.
فلو ترك المصلي قول (سبحان ربي العظيم)، وقام عن التشهد الأول، وترك قول (سبحان ربي الأعلى) فهذه ثلاث أسباب توجب سجود السهو، فيكفي سجدتان.
وقيل إن الحديث يراد به العموم، والمعنى أن كل من سها في صلاته بأي سهو كان يشرع له سجدتان، ولا يختص ذلك بالمواضع التي سها فيها النبي ﷺ .
لكن إذا اجتمع سببان أحدهما يقضي أن يكون السجود قبل السلام كما لو قام عن التشهد الأول، والثاني يقتضي أن يكون السجود بعد السلام، كما لو زاد في هذه الصلاة ركعة، أو ركع في ركعة ركوعين، فالمذهب عند الحنابلة أنه يغلب ما قبل السلام على ما بعده (٢)، لأن المبادرة بجبر الصلاة قبل إتمامها أولى من تأخير الجابر، ويكون السجود قبل السلام آكد، وهذا هو القول الأول.
والقول الثاني: أنه ينظر إلى الأكثر فيغلب جانبه.
والقول الثالث: أنه يغلب أسبقهما وقوعاً، لأنه بمجرد وجوده اقتضى السجود وما بعده تابع له، وهذا كله مبني على القول بأنه يجزئه سجدتان ولو اختلف محلهما، وهذا هو المذهب.
والقول الرابع: لكل سهو سجدتان، ويسجد لكل سهو في محله،
стр. 1149
صححه في «الفائق»، وقدمه في «المحرر» (١)، وعزاه الموفَّق إلى الأوزاعي وجماعة، واستدل لهم بهذا الحديث (٢).
وما دام أن المسألة ليس فيها نص، والاختلاف فيها مبني على الاجتهاد، فيكون الأمر فيه سعة، وأن من سجد بعد السلام أو قبله فلا بأس إن شاء الله، والله تعالى أعلم.
стр. 1150
ما جاء في سجود التلاوة في المفصل
٣٣٩/ ١ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٥٧٨)(١٠٨) في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «سجود التلاوة» من طريق أيوب بن موسى، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعاً.
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية سجود التلاوة عند وجود سببه، وسيأتي حكمه إن شاء الله، ودليل - أيضاً - على ثبوت سجود التلاوة في المفصل، ومنه سورة الانشقاق والعلق، وهذا قول الجمهور من أهل العلم (١).
وذهب مالك في الرواية المشهورة عنه، والشافعي في قوله القديم إلى أن المفصل لا سجود فيه وأنه منسوخ، وهذا قول جماعة من الصحابة والتابعين، كما ذكر ابن عبد البر وأن ذلك ثابت عنهم بأسانيد صحيحة (٢)، جاء في «الموطأ»: (الأمر عندنا أن عزائم السجود إحدى عشرة سجدة، ليس في المفصل منها شيء) (٣).
стр. 1151
واستدلوا على ذلك بحديث أبي قدامة، عن مطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة (١)، وحديث زيد بن ثابت قال: (قرأت على رسول الله ﷺ النجم فلم يسجد فيها) وسيأتي.
والقول الأول هو الصواب، لأن الأصل بقاء الحكم وعدم النسخ، ويؤيد ذلك حديث أبي رافع قال: (صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة فقرأ إذا السماء انشقت فسجد فيها، فقلت له: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه) (٢) وفي رواية: (قلت: يا أبا هريرة هذه سجدة ما كنا نسجدها، قال: سجد بها أبو القاسم ﷺ وأنا خلفه، فلا أزال أسجد بها حتى ألقى أبا القاسم ﷺ (٣).
وظاهر قوله: (ما هذا؟) أنه استفهام إنكار من أبي رافع، ومثله ورد عن أبي سلمة مع أبي هريرة ﵁ في الصحيحين - أيضاً - وهو يشعر بأن العمل مستمر على خلاف ذلك، وأنه قد تُرِكَ السجود فيها، وهذا فيه نظر، كما قال الحافظ (٤): فإن أبا سلمة وأبا رافع لم ينازعا أبا هريرة، بل سكتا، لأن الحجة قد لزمتهما، لما أعلمهما بالسنة، ولم يحتجا عليه بأن العمل على خلاف ذلك، وهو يرى أن الحجة في السنة لا فيما خالفها، وأن مخالفها محجوج بها، وما أحسن قول ابن عبد البر: (فأيُّ عمل يدعى في خلاف رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين بعده؟) (٥).
وقد أجمع العلماء على أن إسلام أبي هريرة ﵁ كان سنة سبع من الهجرة، فدل على أن السجود في المفصل بعد الهجرة، وأما حديث ابن عباس فعنه جوابان:
стр. 1152
الأول: أنه حديث ضعيف، ضعفه البيهقي، وعبد الحق، والنووي، وابن حجر (١)، وغيرهم، لأن في إسناده أبا قدامة، واسمه الحارث بن عبيد، وهو لا يحتج به.
قال الإمام أحمد: (أبو قدامة مضطرب الحديث)، وفيه أيضاً مطر الوراق، وهو ضعيف، قال الحافظ في «التقريب»: (صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف)، فالأكثرون على تضعيفه من جهة حفظه، ولذا قال ابن عبد البر: (هذا عندي حديث منكر، يرده حديث أبي هريرة) (٢).
الثاني: على فرض صحته، فهذا الحديث نافٍ، وحديث أبي هريرة مثبت، والمثبت مقدم على النافي، لأن مع المثبت زيادة علم، فيقدم قوله، وأما حديث زيد فسيأتي الجواب عنه إن شاء الله تعالى.
стр. 1153
حكم سجدة سورة (ص)
٣٤٠/ ٢ - عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: ﴿ص﴾ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري (١٠٦٩) في كتاب «سجود القرآن»، باب «سجدة ص» من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ به.
الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية السجود في سورة (ص) وأنها سجدة مسنونة باقية، ولكنها ليست من عزائم السجود، أي: ليست من السجدات المؤكدات التي ورد في السجود فيها أمر أو تحضيض أو حث كغيرها من سجدات القرآن، وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود ﵊ أنه سجدها، وسجدها نبينا ﷺ اقتداء به، وقد ورد عن مجاهد أنه سأل ابن عباس من أين سجدت في (ص)؟ فقال: (أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قول: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]، فكان داود ممن أُمِرَ نبيكم ﷺ أن يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله ﷺ (١).
وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد في (ص) وقال: «سجدها داود توبة، ونسجدها شكراً» (٢)، ومعنى (نسجدها شكراً) أي: على قبول التوبة، وتوفيق الله تعالى إياه عليها، قاله السندي.
стр. 1154
الوجه الثالث: اختلف العلماء في سجدة (ص) داخل الصلاة، وسبب الخلاف: هل هي سجدة تلاوة أو سجدة شكر؟
فعند الشافعية في أصح الوجهين، والحنابلة على الصحيح من المذهب أنها سجدة شكر، فلا تشرع في الصلاة (١)، ولو سجد فيها بطلت صلاته، لأنه زاد في صلاته فعلاً مثله يبطل الصلاة.
القول الثاني: أنها سجدة تلاوة، كسائر السجدات في القرآن، فتسجد داخل الصلاة وخارجها، وهو قول الحنفية، والمالكية، وقول في مذهب الشافعية، وذكره ابن قدامة احتمالاً في مذهب الإمام أحمد (٢)، واختاره ابن حزم (٣).
وهذا هو الراجح إن شاء الله، لأن سبب السجود فيها القراءة المتعلقة بالصلاة، وقد رجح ذلك الشيخ عبد الرحمن السعدي، والشيخ عبد العزيز بن باز عليهما رحمة الله (٤).
ويجاب عن حديث ابن عباس بأن كونها توبة وشكراً لا ينافي كونها سجدة تلاوة وعزيمة، لأن العبادات كلها شكر لله تعالى، فلا يستلزم كونها شكراً ألا تكون للتلاوة، والله تعالى أعلم.
стр. 1155
حكم السجود في سورة النجم
٣٤١/ ٣ - وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ سَجَدَ بِالنَّجْمِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
٣٤٢/ ٤ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابتٍ ﵁ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ النَّجْمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي ﵁، ولد قبل مقدم النبي ﷺ إلى المدينة بإحدى عشرة سنة، فلما هاجر النبي ﷺ أسلم زيد، فأمره النبي ﷺ أن يتعلم خطَّ اليهود، وقال له: «تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمنهم على كتابي»، قال: فما مضى لي نصف شهر حتى حذقته، وكنت أكتب للرسول ﷺ إذا كتب اليهم (١).
شهد زيد غزوة الخندق، وهي أول مغازيه، وقيل: شهد غزوة أحد. وكان ممن جمع القرآن في عهد النبي ﷺ ، وقال له أبو بكر: (إنك رجلٌ شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه (٢)). وعهد عثمان ﵁ إليه مع ثلاثة نفر من قريش لجمع القرآن لتوحيده في مصحف واحد (٣).
توفي في المدينة سنة خمس وأربعين (٤).
стр. 1156
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما حديث ابن عباس فقد أخرجه البخاري في كتاب «سجود القرآن»، باب «سجود المسلمين مع المشركين» (١٠٧١) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس.
وأما حديث زيد بن ثابت فقد أخرجه البخاري في الكتاب المذكور، باب «من قرأ السجدة ولم يسجد» (١٠٧٢)(١٠٧٣) ومسلم (٥٧٧) من طريق يزيد بن خصيفة عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁ به.
الوجه الثالث: حديث ابن عباس دليل على ثبوت السجود في سورة (النجم) وتقدم ذلك، أما حديث زيد بن ثابت فقد استدل به من لا يرى السجود في سورة (النجم) كما تقدم، ويجاب عنه بأن تركه ﷺ للسجود في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً، لاحتمال أن يكون لبيان الجواز، قال الحافظ: (وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي) (١)، ومن قبل ابن حجر قال النووي بمثل هذا الاحتمال (٢).
وقيل: يحتمل أن ترك السجود فيها لأن زيداً هو القارئ ولم يسجد ولو سجد لسجد النبي ﷺ ، وقد ذكر هذا الجواب أبو داود (٣) والترمذي (٤)، وذكره - أيضاً - شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، والله تعالى أعلم.
стр. 1157
حكم سجدتي سورة الحج
٣٤٣/ ٥ - عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «المراسيل».
٣٤٤/ ٦ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهما، فَلَا يَقْرَأْهَا» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو عبد الله خالد بن معدان - بفتح الميم وسكون العين - الشامي الكَلاعي - بفتح الكاف - تابعي من أهل حمص، ثقة، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (لقي سبعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ … وكان من خيار عباد الله)، مات سنة أربع ومائة رحمه الله تعالى (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الأول فقد رواه أبو داود في «المراسيل» (٧٦) من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِيب، عن خالد بن معدان، أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين).
قال أبو داود عقبه: (وقد أُسند هذا ولا يصح) ونقله عنه البيهقي (٢) وهو مرسل حسن رجاله ثقات، إلا معاوية بن صالح، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق له أوهام)، ويقصد أبو داود بالمسند حديث عقبة الذي يليه.
стр. 1158
أما الحديث الثاني فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٥٩٣) وأبو داود (١٤٠٢) في كتاب «الصلاة» باب «تفريع أبواب السجود» والترمذي (٥٧٨) من طريق ابن لهيعة، عن مِشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: (قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟)، قال: «نعم، ومن لم يسجد فلا يقرأهما»، قال الترمذي: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي)، وقد ضعفه الحافظ - هنا - في «البلوغ»، ومن قبله النووي (١).
وسبب ضعفه أمران:
الأول: أنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، لاختلاطه بسبب احتراق كتبه سنة (١٧٠ هـ) على ما ذكره البخاري وغيره، ولتدليسه كما قال ابن حبان وغيره، ولكنه صرح بالتحديث كما عند أحمد وغيره، وقد رواه عنه عبد الله بن وهب كما عند أبي داود، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، ولهذا فإن ابن كثير لما ذكر هذا الحديث وذكر قول الترمذي المتقدم، قال: (وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح بالسماع، وأكثر ما نَقَمُوا عليه تدليسه) (٢)، والأئمة قد اختلفوا في رواية ابن لهيعة، فمنهم من ضعفها مطلقاً، ومنهم من قبلها مطلقاً، ومنهم من استثنى رواية العبادلة فقبلها وردَّ ما عداها، بحجة أنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه (٣).
الثاني: أن فيه مِشرح بن هاعان، وقد وثقه ابن معين، كما نقله عنه عثمان الدارمي، ثم أردف ذلك بقوله: (ومشرح ليس بذاك، وهو صدوق) (٤)، وقال ابن حبان: (يخطئ ويخالف) (٥)، وقال أيضاً: (يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها، والصواب في أمره ترك ما ينفرد به من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات منها) (٦)، ومع أنه يروي أحاديث مناكير إلا أن البيهقي يرى أن حديثه يعتضد بالمرسل الذي قبله، وأن كلاًّ منهما يقوي الآخر، فإنه قال: (هذا المرسل إذا انضم إلى رواية ابن لهيعة صار قوياً) (٧)،
стр. 1159
قال الشيخ عبد العزيز بن باز عن كلام البيهقي: (هذا جيد) (١)، كما يعتضد بحديث عمرو بن العاص عند أبي داود (١٤٠١) وابن ماجه (١٠٥٧) من طريق الحارث بن سعيد العُتَقي عن عبد الله بن مُنين، عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان.
وقد حسَّنه النووي (٢)، وضعفه عبد الحق (٣) والحافظ (٤) لأن فيه عبد الله بن مُنين، وهو مجهول كما قال ابن القطان، والراوي عنه وهو الحارث بن سعيد العتقي، وهو مجهول أيضاً، كما قال ابن القطان والذهبي.
كما يؤيد الحديث آثار عن الصحابة ﵃، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن ثعلبة أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح فسجد في الحج سجدتين (٥).
وأخرج عبد الرزاق، عن مالك، عن عبد الله بن دينار قال: (رأيت ابن عمر يسجد في الحج سجدتين) (٦).
وفي الباب آثار أخرى، وكلها تؤيد حديث الباب (٧)، أو تكون الحجة في مرسل خالد بن معدان، مع عمل الصحابة ﵃.
والحديث صححه الألباني في تخريج «المشكاة»، ثم رجع عن ذلك وضعفه في «ضعيف الترمذي» (٨).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن الحديث يتقوى بما ذكر، لكن في قوله: (ومن لم يسجد فلا يقرؤهما نكارة) (٩)، وهكذا حسَّن الحديث شعيب الأرنؤوط ومن معه في التعليق على «المسند» دون قوله: (فمن لم يسجد فلا
стр. 1160
يقرؤهما) (١)، ولعل وجه النكارة: مخالفة هذه الجملة لحديث زيد المتقدم، وحديث عمر الآتي بعد هذا.
الوجه الثالث: هذا الحديث وما ذكر معه من أحاديث وآثار دليل على أن سورة الحج فضلت على غيرها من سور القرآن بأن فيها سجدتين، ولا خلاف بين العلماء في ثبوت السجدة الأولى فيها، على ما نقله النووي (٢) وابن حجر (٣) وغيرهما.
وإنما الخلاف في السجدة الثانية وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].
فذهب مالك في رواية عنه والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وجماعة آخرين إلى أنها من مواضع السجود، للأدلة المتقدمة (٤).
وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه، وهي المذهب، وأحمد في رواية عنه، وابن حزم وجماعة (٥) إلى أنها ليست من مواضع السجود، لأن الله تعالى جمع بينها وبين الركوع فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فلم تكن سجدة، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَّبِكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، والأصل براءة الذمة ولم يثبت السجود فيها من طريق صحيح.
والقول الأول أرجح، لقوة أدلته، كما تقدم، وذكر الركوع في الآية لا يقتضي ترك السجود، كما ذُكِرَ البكاء في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقد سجد النبي ﷺ في سورة النجم، مع أنه قُرن السجود فيها