حرام بن عمرو النجاري الأنصاري، مشهور بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم، والدة أنس، وقد أخرج الإمام أحمد من طريق ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «لَصَوْتُ أبي طلحة أشد على المشركين من فئة») (١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه من طريق علي بن جُدعان، عن أنس، ولفظه: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» وإسناده ضعيف، لضعف علي بن جُدعان، لكن تابعه ثابت البناني كما سلف، مات أبو طلحة ﵁ سنة أربع وثلاثين (٢).
قوله: (عن لحوم الحمر الأهلية) الحمر: بضمتين جمع حمار، والأهلية: نسبة إلى الأهل، أي: الحيوان الأليف، احترازاً من الحمر الوحشية؛ لأنها حلال.
قوله: (فإنها رجس) جملة تعليلية، والرجس: بكسر الراء وسكون الجيم: كل شيء يستقذر، كما تقدم.
والضمير (فإنها) يحتمل عوده على الحمر، فيكون عرقها وريقها ودمع عينيها وما يخرج من أنفها نجساً، ويحتمل عوده على اللحم الذي في القدور فيكون اللحم نجساً، وما تقدم يكون طاهراً.
الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية النداء لبيان المهمات من الأحكام وغيرها، وجواز أن يكون ذلك بواسطة مبلغ يكون موثوقاً به، أما غير الثقة فلا يجوز.
ويستفاد منه جواز اتخاذ المترجم، الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، بشرط أن يكون أميناً عارفاً باللغتين، لئلا يقع في الخطأ أو يحرّف الكلام عن مواضعه.
الوجه الرابع: جواز جمع اسم الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ومثل ذلك قوله ﷺ : « … أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما … » (٣).
стр. 107
وأما ما ورد في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (١)، فأجيب عنه بأجوبة منها:
الأول: وهو المشهور أن الإنكار على هذا الخطيب؛ لأن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات، وثَنَّى الضمير في حديث الباب؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما تعليم حكم، فكلما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، ذكره النووي (٢).
الثاني: أنه ثنى الضمير هنا إيماءً إلى أن ما نهى الله عنه فقد نهى رسوله عنه، وكذا العكس فهما متلازمان، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعاراً بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، ذكره في شرح كتاب «التوحيد» (٣)، ونسبه للبيضاوي وغيره.
الثالث: أن هذا من خصائصه ﷺ ، فيجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنع على غيره؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، ذكره السيوطي ونسبه للعز بن عبد السلام (٤)، وقد أشار القرطبي إلى ذلك (٥).
الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن لحمها ودمها وبولها وروثها كله نجس، لقوله: «ينهيانكم» وقوله: «فإنها رجس»، والأصل في النهي التحريم، والأصل في الرجس - وهو القذر - وجوب الاجتناب.
стр. 108
وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بدنه وعرقه وسؤره وريقه ونحو ذلك، على قولين:
الأول: أنها نجسة، فلو شرب حمار من ماء وبقي بعد شربه شيء فهو نجس، وكذا عرقه وما يسيل من أنفه. وهذا مذهب الإمام أحمد، ودليله حديث الباب، ووجه الدلالة: أنه إذا كان الحمار الأهلي نجساً فإن سؤره وما ذكر يكون نجساً.
القول الثاني: أنها طاهرة، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (١)، وصاحب «الإنصاف» (٢)، واستدلوا بما يأتي:
١ - أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبونها، ولا يخلو ركوبها من عرق، ولو كانت نجسة لبين النبي ﷺ ذلك، لحاجة الناس إلى هذا البيان.
٢ - أنه لا يمكن التحرز منها لمقتنيها، فأشبهت الهرة المنصوص عليها في قوله ﷺ : «إنها من الطوافين عليكم»، فإذا عفي عن الهرة لتطوافها فالحمار من باب أولى، ولا سيما أهل الحمر الذين اعتادوا ركوبها.
وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله ـ؛ لقوة مأخذه، وهو الأليق بسماحة الشريعة، وبُعدها عن الحرج والمشقة.
قالوا: وأما ما استدل به القائلون بنجاسة ريقها وعرقها فليس صريحاً في تحريم ما ذكر، فإن معنى (رجس) أي: محرمة، كما في اية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ .. ﴾ [المائدة: ٩٠]، ويحتمل أن المراد بذلك لحمها الذي كان في قدورهم فإنه نجس؛ لأن ذَبْحَ ما لا يحل أكله لا يطهره الذبح، ولهذا قال ابن القيم: (دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة) (٣)، والله أعلم.
стр. 109
طهارة لعاب الإبل
٢٦/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلتِهِ، وَلُعَابُها يَسِيلُ عَلَى كَتِفي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو عمرو بن خارجة بن المُنْتَفِق الأسدي، عداده في أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غَنْم، وشهر بن حوشب (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٢١٢)، والترمذي (٢١٢١) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وفي هذا السند ضعف، من أجل شهر بن حوشب، قال في «التقريب»: (صدوق كثير الإرسال والأوهام)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٤٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة.
والحديث له طرق وشواهد، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده الكثيرة، ومنها حديث أنس ﵁ قال: (إني لَتحتَ ناقةِ رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابها، فسمعته يقول .. الحديث) (٢).
стр. 110
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (بمنى) بكسر الميم، اسم مكان من مشاعر الحج، سمي بذلك لأنه تُمنى فيه دماء الهدايا، أي: تُراق بالذبح والنحر.
قوله: (وهو على راحلته) جملة حالية، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، يقال: رحلت البعير، أي: شددت عليه رحله، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحِلْسٍ ورَسَنٍ …
قوله: (ولعابها) اللعاب: بضم اللام ما سال من الفم، يقال: لَعَبَ يَلْعَبُ - بفتحتين - سال لعابه من فمه، ولعاب النحل: العسل.
قوله: (على كتفي) يحتمل الإفراد والتثنية، والكتف: بفتح الكاف وكسر التاء، هو عظم عريض خلف المنكب، وعند أحمد في إحدى رواياته، والترمذي: (يسيل بين كتفيَّ) بالتثنية.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للخطيب أن يكون على مكانٍ عالٍ كمنبر وكرسي ونحوهما؛ لأنه أظهر لصوته، وأبلغ في الإعلام، وأهيب للسامعين، وأسهل للسؤال.
الوجه الخامس: الحديث دليل على حرصه ﷺ على تبليغ الأحكام للأمة، وذلك بالخطبة، وأنه ينبغي لمن ولي أمر الحجاج أن يخطب فيهم بمنى، ليعلمهم بقية أحكام المناسك من الرمي والنحر والحلق والطواف.
الوجه السادس: فيه دليل على جواز الخطبة والموعظة على الراحلة وأن هذا مباح لوجود المصلحة، ولأنه لا يتكرر ولا يطول، وقد ورد أن النبي ﷺ وقف عشية عرفة على راحلته (١)، وأما ما ورد من النهي عن ذلك فهو محمول على ما إذا أجحف بالدابة، وذلك بأن يركبها لا لمعنى يوجبه، وإنما ليستوطن
стр. 111
ظهرها ويتخذه مقعداً (١)، وقد ورد من طريق يحيى بن عمرو السيباني - بالسين المهملة - عن أبي مريم، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض، فعليها فاقضوا حاجتكم» (٢).
الوجه السابع: الحديث دليل على طهارة لعاب البعير وأنه ليس بنجس؛ لأن الظاهر أن النبي ﷺ رأى اللعاب يسيل على كتف عمرو بن خارجة ﵁ ولم يأمره بغسله، وإقراره على الشيء من سنته، ولو فُرض أنه ﷺ لم يعلم فإن الله تعالى يعلم، ولو كان نجساً لم يقره الله عليه، فإقراره عليه دليل على طهارته.
ومثل البعير في ذلك سائر بهيمة الأنعام من البقر والغنم وغيرهما من كل حيوان مباح الأكل، فلعابه وبوله وروثه وسائر فضلاته كلها طاهرة.
ومما يدل على ذلك حديث جابر بن سمرة ﵁، وفيه: (قال: أُصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم»، قال: أُصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا») (٣)، فأذن له ﷺ أن يصلي في مرابض الغنم، ومرابضها لا تخلو من بولها وروثها، وذكر النووي: أن هذا متفق عليه بين العلماء (٤).
وأما النهي عن مبارك الإبل فليس من أجل النجاسة؛ لأن النبي ﷺ أذن للعرنيين أن يلحقوا بإبل الصدقة ويشربوا من ألبانها وأبوالها (٥)، وإنما لما ورد في حديث البراء بن عازب ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: «لا تصلوا في مبارك الإبل، فإنها من الشياطين … » (٦) الحديث).
الوجه الثامن: فيه دليل على تيقظ الصحابي وحفظه للحديث، وذلك بنقل الحالة التي قارنت سماعه من النبي ﷺ ، والله أعلم.
стр. 112
بيان كيفية إزالة المني من الثوب
٢٧/ ٤ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَغْسِلُ الْمَنِيَّ، ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ في ذلِكَ الثَّوْبِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فيه. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٢٨/ ٥ - وَلِمُسْلِمٍ: لَقَدْ كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرْكاً، فَيُصَلِّي فِيه.
وَفِي لَفْظٍ لَهُ: لَقَدْ كُنْتُ أَحُكُّهُ يَابِساً بِظُفْرِي مِنْ ثَوْبِهِ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂، تزوجها النبي ﷺ في مكة بعد موت خديجة ﵂، وقد ورد عنها أن رسول الله ﷺ تزوجها وهي ابنة ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع، ومكثت عنده تسعاً (١)، وكانت أحبَّ نسائه إليه، قال فيها ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٢)، وقال فيها لأم سلمة: «والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها» (٣)، وما توفى الله نبيه ﷺ إلا في يومها وفي بيتها وقد أسندته إلى صدرها، ولم تلد للنبي ﷺ شيئاً، على الصواب، وسألته أن
стр. 113
تكتني، فقال: «اكتني بابن أختك»، فاكتنت أم عبد الله. وأخرج ابن حبان في «صحيحه» ما يدل على أنه ﷺ كناها بذلك. كانت على جانب كبير من الفضل والعلم والعقل والفهم، وما توفيت حتى نشرت في الأمة علماً كثيراً، وكانت وفاتها في المدينة في رمضان سنة ثمان وخمسين (١).
الوجه الثاني: في تخريجهما:
أما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (٢٢٩) باب «غسل المني وفركه»، ومسلم في «الطهارة» (٢٨٩) من طريق سليمان بن يسار قال: (أخبرتني عائشة ﵂ .. )، واللفظ المذكور لمسلم، وفيه تصريح سليمان بن يسار بالسماع من عائشة ﵂، ومثله في سياق البخاري، وفيه رد على من قال بأن سليمان لم يسمع من عائشة.
وأما الحديث الثاني فقد أخرجه مسلم (٢٨٨) من طريق علقمة والأسود: (أن رجلاً نزل بعائشة، فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه .. ) الحديث.
واللفظ الثاني أخرجه مسلم (٢٩٠) من طريق عبد الله بن شهاب الخولاني قال: (كنت نازلاً على عائشة فاحتلمت في ثوبيَّ، فغمستهما في الماء، فرأتني جارية لعائشة: فأخبرتها فبعثت إليّ عائشة، فقالت: ما حملك على ما صنعت بثوبك؟ قال: قلت: رأيت ما يرى النائم في منامه، قالت: هل رأيت فيهما شيئاً؟ قلت: لا، قالت: فلو رأيت شيئاً غسلته، لقد رأيتني وإني لأحكه من ثوب رسول الله ﷺ يابساً بظفري).
وقد تبين من ذلك أن البخاري لم يخرج حديث الفرك، ولكنه أشار إليه في الترجمة على عادته، ولعل هذا هو غرض الحافظ من ذكر رواية مسلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظهما:
قوله: (كان يغسل .. ) صيغة المضارع بعد لفظة (كان) تدل على كثرة
стр. 114
التكرار والمداومة على الفعل، ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك.
قوله: (المني) من الرجل ماء أبيض ثخين، يتدفق في خروجه دفقة بعد دفقة، ويخرج بشهوة، ويعقبه فتور وارتخاء؛ لأن الشهوة تسكن بخروجه، والمني هو أحد أربعة أشياء تخرج من قُبل الإنسان.
الثاني: المذي: وهو ماء رقيق لزج يخرج عند الشهوة والانتشار، كما يحصل عند الملاعبة وتذكر الجماع، وسيأتي - إن شاء الله - الكلام عليه في أحاديث «نواقض الوضوء».
الثالث: الودي: بفتح الواو وسكون الدال، وهو ماء أبيض كَدِرٌ ثخين يشبه المني في الثخانة، ويخالفه في الكدرة، لا رائحة له، يخرج عقب البول وهو في الشتاء أكثر منه في الصيف، وهو نجس إجماعاً.
الرابع: البول: وهو سائل تفصله الكليتان عن الدم، لتخرجه من الجسم، ويحوي ما يزيد على حاجه الإنسان من الماء والأملاح، فيجتمع في المثانة حتى تدفعه خارج الجسم.
قوله: (أفركه) بضم الراء، ماضيه فركته عن الثوب فركاً، من باب قتل، وهو أن تحكه بيدك حتى يتفتت ويتقشر ما علق به.
قوله: (فركاً) مصدر للتأكيد، والغرض منه نفي احتمال المجاز، لئلا يحتمل أن المراد فركه مع الغسل، فلما جيء بالمصدر تبين أن المراد فركه لا غسله معه.
قوله: (فيصلي فيه) الفاء للتعقيب، وهذا يؤكد الفرك وأنه لم يقع بين الفرك والصلاة غسل، بل ورد عند ابن خزيمة (١): (أنها كانت تَحُتُّ المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلّي).
قوله: (أحكه يابساً) من باب (قتل) أيضاً، تقول: حككت الشيء حكاً: قشرته وفركته ليذهب أثره، و (يابساً) حال من المفعول؛ أي: جافاً لا رطوبة فيه.
стр. 115
الوجه الرابع: الحديث دليل على طهارة مني الآدمي، وأن هدي النبي ﷺ فيه غسل رطبه وفرك يابسه، وهذا دليل على طهارته، وعدم نجاسته؛ لأن فرك الثوب منه يابساً وصلاته فيه من غير غسل دليل على طهارته، وهذا المشهور عند الحنابلة والشافعية (١).
وقالت الحنفية والمالكية: إن مني الآدمي نجس، ولا بد في طهارته من الماء، سواء أكان يابساً أم رطباً، وقالت الحنفية: رطبه لا بد فيه من الماء، ويابسه يطهره الفرك (٢)، واستدلوا بحديث عائشة المذكور، وفي رواية: (كنت أغسل الجنابة من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وإن بقع الماء في ثوبه).
ووجه الدلالة: أن الغسل لا يكون إلا عن نجس، والمقرر في الأصول، أن المضارع بعد لفظة (كان) يدل على المداومة والإكثار من ذلك الفعل - كما تقدم ـ، وهذا يشعر بتحتم الغسل.
وأجابوا عن أحاديث فرك المني بأجوبة غير ناهضة، كقولهم: إنه ليس من لازم الفرك الطهارة، وقولهم: إن الثوب الذي كانت عائشة تفركه هو ثوب النوم، وليس ثوب الصلاة، إلى غير ذلك مما ظاهره التكلف والتعسف.
كما استدلوا بأن المني خارج من أحد السبيلين، وكل خارج من سبيل فهو نجس.
قالت الحنفية: وكان القياس يقتضي غسل يابسه - أيضاً - لكونه نجساً، ولكنه ترك للأحاديث الواردة في فركه دون غسله.
والراجح أن المني طاهر لقوة دليله، فإنه لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله، كما تغسل سائر النجاسات، كالدم النجس وغيره دون الاكتفاء بفركه؛ لأن النجس لا يزيله من الثوب الفرك دون الغسل.
стр. 116
ولا تعارض بين حديث الغسل وحديث الفرك، لإمكان الجمع، وذلك بحمل الغسل على الاستحباب والتنظيف، لا على الوجوب جمعاً بين الأدلة (١)؛ لأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فإنه لا ملازمة بين الغسل والتنجيس، لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين والدهن وغيرها مما يصيب البدن أو الثوب، ثم إنه لم يثبت أمر بغسل المني، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز.
ومما يؤيد ذلك ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بِعِرْق الإذخر، ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابساً، ثم يصلي فيه) (٢)، وهذا صريح في طهارة المني لا يحتمل تأويلاً (٣)، ويفيد مع ما قبله أن المشروع إزالة أثر المني وعدم تركه على الثوب حتى على القول بطهارته.
ومما يؤيده - أيضاً - ما ورد عن إسحاق بن يوسف الأزرق قال: (حدثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب، فقال: «إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة») (٤).
وأما قولهم: بأنه خارج من سبيل، وكل خارج من سبيل فهو نجس، فهذا استدلال بمحل النزاع على محل النزاع، فلا يقبل، ثم إن قياسه على كل خارج بجامع الاشتراك في المخرج منقوض بالفم، فإنه مخرج النخامة
стр. 117
والبصاق الطاهرين، والقيء النجس - على قول الجمهور ـ، وكذا الدبر مخرج الريح الطاهر، والغائط النجس، وكون المني يخرج من مخرج البول لا يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر.
الوجه الخامس: الحديث دليل على فضل عائشة ﵂ وخدمتها للنبي ﷺ ، فيؤخذ من ذلك الحث على خدمة المرأة زوجها في غسل ثيابه وتنظيف منزله، وطبخ طعامه، ونحو ذلك مما جرت به العادة، وهو من حسن العشرة وجميل الصحبة، والله أعلم.
стр. 118
كيفية تطهير الثوب من بول الغلام والجارية
٢٩/ ٦ - عَنْ أَبي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : «يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ». أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو السمح، مولى رسول الله ﷺ ، ويقال له: خادم رسول الله ﷺ ، قيل: إن اسمه إياد، روى عن النبي ﷺ حديثاً واحداً، وروى عنه مُحِلُّ بن خليفة الطائي، قال ابن عبد البر: يقال: (إنه ضلَّ ولا يُدرى أين مات)، ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
الحديث أخرجه أبو داود (٣٧٦) في كتاب «الطهارة»، باب «بول الصبي يصيب الثوب» من طريق محل بن خليفة، حدثني أبو السمح، قال: (كنت أخدم النبي ﷺ فكان إذا أراد أن يغتسل قال: «ولني قفاك»، فأوليه قفاي، فأستره به، فأُتي بحسن أو حسين ﵄ فبال على صدره، فجئت أغسله، فقال: «يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام»)، وأخرجه النسائي مفرقاً في موضعين، نصفه الأول في باب «ذكر الاستتار عند الاغتسال» (٢٢٤) (١/ ١٢٦) ونصفه الثاني في باب «بول الجارية» (٣٠٤) (١/ ١٥٨)، فظن بعض العلماء أن لأبي السمح حديثين، وإنما هما حديث واحد بإسناد واحد، فرَّقه النسائي، كما ذكر الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة «أبي السمح».
стр. 119
وأخرج - أيضاً - الحاكم (١/ ١٦٦) نصفه الثاني وصححه، ووافقه الذهبي، ونقل البيهقي عن البخاري أنه قال: (حديث أبي السمح هذا حديث حسن) (١).
والحديث له شواهد منها: حديث علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في الرضيع: «ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية». قال قتادة: هذا إذا لم يطعما الطعام، فإذا طعما غسلا جميعاً (٢).
ومنها: حديث أم الفضل لبابة بنت الحارث قالت: (كان الحسين بن علي ﵄ في حجر النبي ﷺ فبال عليه، فقلت: البس ثوباً وأعطني إزارك حتى أغسله، قال: «إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر» (٣).
وورد في بول الغلام خاصة حديث أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه رسول الله ﷺ في حجره، فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله (٤)، ومن هذا يتبين أن البخاري ومسلماً لم يخرجا في صحيحيهما أحاديث التفرقة بين بول الغلام والجارية، إلا أن البخاري استحسن حديث أبي السمح، كما تقدم.
стр. 120
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (الجارية) هي الفتية من النساء، سميت بذلك لخفتها، والمراد هنا: الصغيرة التي في زمن الرضاع.
قوله: (ويرش) أي: يصب عليه الماء بحيث يعم مكان البول، وفي حديث علي ﵁ المتقدم (يُنضح) وفي حديث أم قيس: (فدعا بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله)، والفرق بين الغسل والنضح، أن الغسل أن يغمره الماء وينزل عنه، وفي النضح لا يشترط أن ينزل عنه، بل يكاثره بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتردده وتقاطره.
قوله: (الغلام) هو الابن الصغير، من الولادة إلى البلوغ، وقد يطلق على ما بعد البلوغ مجازاً باعتبار ما كان عليه، والمراد به هنا: زمن الرضاع، لما جاء في حديث علي ﵁ عند الترمذي بلفظ: (بول الغلام الرضيع .. ).
الوجه الرابع: الحديث دليل على التفريق بين بول الغلام وبول الجارية، وأنه يجب فيهما استعمال الماء، وإنما التفرقة في كيفية الاستعمال، وهو أن بول الغلام يكفي رشه بالماء رشاً يعم مكان البول، ولا يحتاج إلى غسل ولا عصر، وقد ورد في حديث أم قيس - عند مسلم ـ: (فدعا رسول الله ﷺ بماء فنضحه على ثوبه ولم يغسله غسلاً)، وأما بول الجارية فيغسل كغيره.
الوجه الخامس: أن هذا الحكم - وهو نضحه ورشه - مقيد بما إذا لم يأكل الطعام كما قيده به الراوي، وهو قتادة ﵀، وفي حديث أم قيس: (لم يأكل الطعام)، وعند مسلم: (لم يبلغ أن يأكل الطعام)، ومعنى: (لم يأكل الطعام)، أي: لم يكن الطعام قوتاً له لصغره، وإنما قوته اللبن سواء أكان لبن ادمية أم بهيمة أم كان حليباً مجففاً - كما هو الآن - لأن المعنى واحد، وليس المراد أنه لم يدخل جوفه شيء قط؛ لأنه يسقى الأدوية والسكر ويحنك حين الولادة، فإذا تغذى بالطعام صار بوله كبول الكبير، ولو كان أحياناً يشرب لبناً.
الوجه السادس: قال ابن القيم: (إن التفرقة بين بول الغلام والجارية من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها.
стр. 121
والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه:
أحدها: كثرة حمل الرجال والنساء للذكور، فتعم البلوى ببوله، فيشق عليه غسله.
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقاً هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر، وسببه حرارة الذكر، ورطوبة الأنثى، فالحرارة تخفف من نتن البول، وتذيب منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق) (١).
وقد ذكر ابن ماجه عن أبي اليمان المصري قال: (سألت الشافعي عن حديث النبي ﷺ «يرش من بول الغلام، ويغسل من بول الجارية» والماءان جميعاً واحد، قال: لأن بول الغلام من الماء والطين، وبول الجارية من اللحم والدم، ثم قال لي: فهمت؟ أو قال: لقِنْتَ؟ قلت: لا، قال: إن الله تعالى لما خلق ادم خلقت حواء من ضلعه القصير، فصار بول الغلام من الماء والطين، وصار بول الجارية من اللحم والدم، قال لي: فهمتَ؟ قلت: نعم، قال لي: نفعك الله به) (٢).
قال ابن الملقِّن: (وهذا عزيز حسن، لا يعدل عنه إلى غيره، والعجب أن أصحابنا - أي: الشافعية - أهملوا ذلك في كتبهم، وهو قول إمامهم .. ) (٣).
الوجه السابع: ليس في تجويز النضح من بول الغلام دليل على طهارته، بل هو نجس، ولكنه من أجل التخفيف في إزالته، قال النووي: (وقد نقل بعض أصحابنا الإجماع على نجاسته، وأنه لم يخالف فيه إلا داود الظاهري) (٤).
الوجه الثامن: الحديث يدل بمفهومه على أن عَذِرَةَ الصغير يستوي فيها الغلام والجارية، فلا بد فيها من الغسل كبقية النجاسات؛ لأنهما سواء في جميع الأحوال، لكن فرقت السنة بينهما في البول، فبقي ما عداه - وهو العذرة - على الأصل، والله أعلم.
стр. 122
كيفية تطهير الثوب من دم الحيض
٣٠/ ٧ - عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ - فِي دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ ـ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄، أسلمت قديماً في مكة بعد إسلام سبعة عشر إنساناً، وتزوجها الزبير بن العوام، وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير، فوضعته بقباء عام الهجرة - على الأصح - وكانت تلقب بذات النطاقين، وقد أخرج ابن سعد بسنده عن أسماء قالت: (صنعت سُفْرَةً (١) للنبي ﷺ في بيت أبي بكر حين أراد أن يهاجر إلى المدينة، فلم نجد لسفرته، ولا لسقائه ما نربطهما به فقلت لأبي بكر: والله ما أجد شيئاً أربطه به إلا نطاقي، قال: فشقيه اثنين، فاربطي بواحد منهما السقاء، وبالآخر السفرة، ففعلت، فلذلك سميت ذات النطاقين) (٢)، قال الحافظ: (وسنده صحيح)، روت أسماء عن النبي ﷺ ، وروى عنها ابناها عبد الله، وعروة ابنا الزبير، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير، وغيرهم.
عاشت أسماء ﵂ إلى أن ولي ابنها عبد الله بن الزبير الخلافة، ثم إلى أن قتل سنة ثلاث وسبعين، وماتت بعده بقليل، قال هشام بن عروة عن أبيه:
стр. 123
(بلغت أسماء مائة سنة، لم يسقط لها سن، ولم ينكر لها عقل، ﵂ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «غسل الدم» (٢٢٧)، وفي كتاب «الحيض» باب «غسل دم المحيض» (٣٠٧) والترجمة الأولى أعم من الثانية، كما ذكر الحافظ (٢)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٩١)، كلاهما من طريق فاطمة بنت المنذر، عن جدتها أسماء ﵂ به، واللفظ لمسلم.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (في دم الحيض) هو دم طبيعي يعتاد الأنثى في أوقات معلومة، عند بلوغها وقابليتها للحمل، وسيأتي بيان ذلك في بابه إن شاء الله.
قوله: (تَحُتُّهُ) بفتح المثناة، وضم المهملة، وتشديد المثناة الفوقانية، من باب قتل، أي: تحكه وتَقْشُره بطرف حجر أو عود، وقد أخرجه ابن خزيمة بلفظ: «فحكيه ثم اقرصيه بالماء»، وفي لفظ: «فَلْتَحُكَّهُ» (٣)، والمراد بذلك إزالة عينه، ليهون غسله بالماء.
قوله: (ثم تَقْرُصُهُ بالماء) بفتح المثناة الفوقية، وسكون القاف وضم الراء والصاد المهملتين، من باب نصر ينصر، أي: تدلك الدم بأطراف أصابعها بالماء، ليتحلل بذلك ويخرج ما شربه الثوب منه.
قوله: (ثم تنضحه) بفتح الضاد المعجمة، من باب فتح يفتح، أي: تغسله بالماء، وقد جاء ذلك صريحاً في حديث عائشة قالت: (كانت إحدانا تحيض ثم تقترص الدم من ثوبها عند طهرها فتغسله، وتنضح على سائره، ثم تصلي فيه) (٤)، فحديث عائشة هذا يفسر حديث أسماء، وأن النضح يراد به الغسل، فأما
стр. 124
نضحها على سائره فهو رش لا غسل، وإنما فعلت ذلك لتطيب نفسها؛ لأنها لم تنضح على مكان فيه دم، وإنما غسلته، والنضح على مكان لا دم فيه دفعاً للوسوسة (١).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن دم الحيض نجس يجب غسل قليله وكثيره، ونجاسته مجمع عليها؛ لأنه ﷺ أمر بغسله من الثوب قبل أن يصلى فيه، قال ابن بطال: (حديث أسماء أصل عند العلماء في غسل النجاسات من الثياب) (٢)، وقد استدل به العلماء على نجاسة الدم، قال الشافعي: (وفي هذا دليل على أن دم الحيض نجس، وكذا كل دم غيره) (٣). وبوّب عليه البخاري في كتاب «الوضوء» بقوله: «باب غسل الدم» (٤)، ويُعفى عن يسيره على الرَّاجح من قولي أهل العلم (٥).
وأما الخارج من غير السبيلين كدم الرعاف، والسن، والجروح، ونحوها ففيه قولان:
الأول: أنه نجس، فيجب غسله، ويُعفى عن يسيره، كما سيأتي، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، بل نقل غير واحد الإجماع على نجاسته، ومنهم: ابن حزم، وابن عبد البر، وابن رشد، والنووي، والعيني، وغيرهم (٦).
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة» قول الإمام أحمد: (إنه لم يختلف المسلمون في الدم) أي: على أنه نجس (٧).
كما استدلوا على نجاسته بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا
стр. 125
عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، والرجس يطلق في كلام العرب على الشيء المستقذر، والمراد هنا: الاستقذار الشرعي، وهو النجاسة (١)؛ لأن الاستقذار اللغوي لا يفيد بمفرده النجاسة، وكلام الشرع يحمل على الحقيقة الشرعية، وليس على الحقيقة اللغوية.
القول الثاني: أنه طاهر، عدا دم الحيض، وهذا قول الشوكاني (٢)، وتبعه على ذلك صدّيق حسن خان (٣)، ثم الألباني، والشيخ محمد بن عثيمين (٤).
واستدلوا بأدلة، منها:
١ - أن الأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة، ولا نعلم دليلاً يوجب غسل الدم إلا دم الحيض، مع دعاء الحاجة إلى بيان ما يصيب الإنسان من جروح أو رعاف، ونحوهما، لا سيما والصحابة ﵃ أهل جهاد، والمجاهد تكثر جراحه، ولو كان الدم نجساً لكانت الحاجة داعية إلى بيان وجوب غسله وإزالة أثره من البدن والثياب.
٢ - قصة الصحابي الذي رماه المشرك بثلاثة أسهم وهو قائم يصلي في الليل، فمضى في صلاته والدماء تسيل منه، وذلك في غزوة ذات الرقاع (٥).
٣ - جاء عدة آثار عن الصحابة ﵃ ظاهرها طهارة الدم، وأنه لا يجب غسله، ومن ذلك ما رواه محمد بن سيرين، عن يحيى بن الجزار: (أن
стр. 126
ابن مسعود ﵁ صلَّى وعلى بَطْنِهِ فَرْثٌ ودَمٌ من جَزُورٍ نَحَرَهَا فلم يتوضَّأ) وفي لفظ: (فلم يُعِدِ الصلاة) (١).
وعن بكر بن عبد الله المزني قال: (رأيت ابن عمر ﵄ عصَرَ بَثْرَةً في وجهه، فخرج شيء من دمه، فَحَكَّهُ بين أصبعيه، ثم صلّى ولم يتوضأ) (٢).
وعن عطاء بن السائب قال: (رأيت عبد الله بن أبي أوفى بزَق دماً، ثم صلَّى، ولم يتوضأ) (٣).
والقول بطهارة الدم له حظ من النظر، والآية التي استدل بها القائلون بالنجاسة نوقشت من قبل الفريق الآخر من وجهين:
الأول: أن الآية لم تسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل وردت فيما يحرم أكله، لقوله سبحانه: ﴿عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، ولا تلازم بين التحريم والنجاسة، فقد يكون الشيء حراماً وهو طاهر كالسموم، وقد يكون طاهراً وهو حرام، كطعام الغير بلا إذنه أو إذن الشارع (٤).
الثاني: أن الرجس هنا ليس المراد به النَّجَسَ، بل المراد به الخبيث الذي لا يحل أكله، والرجس قد يراد به النجاسة المعنوية، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥]، وقد يراد به النجاسة الحسية لقيام الدليل، كقوله ﷺ في الروثة: «إِنَها رِجْس» (٥).
فيبقى الاستدلال بالإجماع إن لم يشكل عليه ما ورد عن الصحابة ﵃،
стр. 127
وقد توارد على نقله كثيرون، وما قيل من أن العلماء يتبع بعضهم بعضاً في نقل الإجماع يرده نسبة الإجماع إلى الإمام أحمد، وهو من المتشددين في نقل الإجماع، وما ورد عن الصحابة ﵃ قد يكون محمولاً على اليسير الذي يُعفى عنه.
فيترجح القول بالتطهر من الدم، مع ما في ذلك من الاحتياط وإبراء الذمة، واتِّقاء الشبهات التي مَن اتَّقاها فقد استبرأ لدينه وعرضه، ويستثنى من ذلك دم الجرح المستمر، لمشقة التحرز منه (١)، والله أعلم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على وجوب تنظيف الثوب من دم الحيض، وذلك بِحَتِّ يابسه بظفر أو عود أو حجر ونحوها، ليزول جِرْمُهُ، ثم دلكه بالماء، ثم غسله بعد ذلك لتزول بقية النجاسة، ومراعاة هذا الترتيب هو الأمثل في إزالة النجاسة اليابسة.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز صلاة المرأة في ثياب حيضها إذا طهرتها، لقوله: «ثم تصلي فيه»، وهذا دليل على أنه لا يصلى في الثياب النجسة إنما يصلى في الثياب الطاهرة، وهذا من أقوى الأدلة على وجوب تطهير الثوب للصلاة.
الوجه السابع: استدل بالحديث من قال: إنه لا بد من الماء في إزالة النجاسة، وأن غيره من المائعات لا يقوم مقامه، وهذا قول الشافعية والمالكية والراجح من مذهب الحنابلة (٢).
والصواب جواز إزالة النجاسة بكل ما يزيلها من ماء أو غيره، كالخل وماء الورد ونحوهما، وهذا قول الحنفية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وانتصر له ودافع عنه (٣)؛ لأن المقصود إزالة النجاسة، وغير الماء يشارك الماء في ذلك، والشرع كما أحال على الماء في تطهير النجاسة أحال على غيره مما يشاركه في التطهير، ففي حديث أبي سعيد ﵁: «إذا جاء أحدكم إلى
стр. 128
المسجد فلينظر، فإن رأى في نعليه قذراً أو أذى فليمسحه وليصل فيهما»، وسيأتي إن شاء الله، وقال ﷺ في ذيل المرأة: «يطهره ما بعده» (١).
وأما حديث الباب فلا دليل فيه على تعيين الماء؛ لأن الشرع نص على الماء؛ لأنه أيسر على الناس وأسهل تناولاً، وليس فيه ما يدل على تعيين الماء، فإن الأمر به في بعض النجاسات لا يستلزم الأمر به مطلقاً.
وما دام أن إزالة النجاسة من الأمور التي يعقل معناها وليست من الأمور التعبدية، فأيُّ مزيل لها يعتبر كافياً، ولا يتعين الماء، بل ربما كانت المزيلات الأخرى أقوى من الماء في الإزالة، ولا سيما في عصرنا، حيث ظهرت المعقمات والمطهرات الكيماوية التي لا تبقي للنجاسة لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، لما لها من الأثر في التطهير والتعقيم، والله أعلم.
стр. 129
العفو عن أثر لون دم الحيض
٣١/ ٨ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَتْ خَوْلَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإنْ لَمْ يَذْهَبِ الدَّمُ؟ قَالَ: «يَكْفِيك الْمَاءُ، وَلَا يَضُرُّك أَثَرُهُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَنَدُهُ ضعِيفٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه أبو داود بمعناه (٣٦٥) في كتاب «الطهارة» باب «المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها» من طريق قتيبة بن سعيد قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁ … ، وقد جاء هذا الحديث في السنن التي رواها عن أبي داود ابن الأعرابي، وأما رواية اللؤلؤي فليس فيها؛ ولذا لم يذكره المنذري في «مختصره».
وأخرجه أحمد (١٤/ ٣٧١، ٥٠٣، ٥٠٤) بهذا الإسناد، وأخرجه البيهقي (٢/ ٤٠٨) من طريق عبد الله بن وهب وعثمان بن صالح، كلاهما عن ابن لهيعة، بهذا الإسناد.
والحديث ضعفه المصنف، والظاهر أن ذلك من أجل ابن لهيعة، فقد ضعفه المحققون من أهل العلم، أمثال أبي حاتم ويحيى بن سعيد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. قال ابن معين: (كان ضعيفاً لا يحتج بحديثه)، وقال النسائي: (ليس بثقة)، وقد ساء حفظه بعد احتراق كتبه، لكن روايته إذا حدَّث عنه أحد العبادلة الثلاثة: (عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ) أمثل من غيرها على قول جماعة من الحفاظ، وهذا الحديث من رواية قتيبة بن سعيد، وهو لم يكتب حديث ابن لهيعة إلا من كتب عبد الله بن وهب، ثم يسمعه من ابن لهيعة، وابن وهب إنما سمع من ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، قال أبو داود: (سمعت قتيبة يقول: كنا لا نكتب حديث ابن لهيعة
стр. 130
إلا من كتب ابن أخيه، أو كتب ابن وهب إلا حديث الأعرج) (١)، وقد ورد من طريق عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة - كما عند البيهقي ـ، فلعله بذلك يقوى (٢)، على رأي من يقبل رواية القدماء عنه، أما من يرى تضعيفه مطلقاً فإنه يرى أن رواية العبادلة عنه وإن كانت أمثل لكن هذا لا يقتضي قوته والاحتجاج به، ولابن حبان كلام نفيس في حال ابن لهيعة، حيث يقول ما خلاصته: وجب التنكب عن رواية المتقدمين عنه قبل احتراق كتبه، لما فيها من الأخبار المدلسة عن الضعفاء والمتروكين، ووجب ترك الاحتجاج برواية المتأخرين عنه بعد احتراق كتبه، لما فيها مما ليس من حديثه (٣).
وأما نسبة الحديث إلى الترمذي فهي وهم من الحافظ ﵀ ولهذا عزاه المزي إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي (٤)، وأخرجه ابن الملقن ولم يذكر الترمذي (٥)، وكذا فعل الحافظ نفسه في «فتح الباري» و «التلخيص» (٦)، فإنه عزاه إلى أبي داود، ولم يذكر الترمذي.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (قالت خولة) هي بنت يسار، كما عند أبي داود وغيره، وقد ورد الحديث عند الطبراني وسماها خولة بنت حكيم الأنصارية (٧) لكنه ضعيف؛ لأنه من رواية الوازع بن نافع، وهو منكر الحديث متروك.
قوله: (ولا يضرك أثره) أي: بقية لون الدم بعد الغسل.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يعفى عما بقي من أثر لون دم الحيض بعد الاجتهاد في الغسل، لقوله: «ولا يضرك أثره» ولعموم قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، لأنه من المعلوم أن الغسل قد لا يُذْهِبُ اللون، ثم إن مجرد اللون ليس خبثاً، وإنما الخبث هو عين النجاسة وقد زالت، فيبقى اللون لا أثر له، لكن لا بد من الاجتهاد في إزالة اللون، وهذا
стр. 131
غرض المصنف من إيراد حديث أبي هريرة ﵁ بعد حديث أسماء ﵂؛ لأن الدم مستقذر، وربما نسبها من راه على ثوبها إلى التقصير في إزالته.
الوجه الرابع: ظاهر الحديث أنه يكفي الماء في إزالة دم الحيض، ولا يجب استعمال شيء اخر من الحوادِّ كحجر أو عود ونحوهما، لقوله: «الماء يكفيك».
لكن ورد في حديث أم قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله ﷺ عن دم الحيض يصيب الثوب، فقال: «حكيه … واغسليه بماء وسدر» (١).
فأمرها بغسل دم الحيض بالماء والسدر، والسدر من الحواد، فيقيد به ما أُطلق في غيره، ويخص استعمال الحاد بدم الحيض، ويحمل قوله: «ولا يضرك أثره» أي: بعد استعمال الحاد.
الوجه الخامس: اعلم أنه قد تبين من مسألة العفو في باب «النجاسات» أن الشريعة قصدت بذلك التخفيف عن المكلفين ورفع الحرج، إما لعموم البلوى، كما في الدم والقيح الحاصل بسبب البثرات والدمامل، أو أثر الاستجمار بعد استيفاء شروطه، وإما لدفع مشقة الاحتراز كما هو الحال في أصحاب الحدث الدائم، كمن به سلس بول، والمستحاضة ونَحوهما، وكذا بلل الباسور والناسور (٢)، وإما لعسر إزالتها، كلون النجاسة وريحها بعد التطهير إذا عسر زوالهما، وإما لكونها يسيرة كالنجاسة التي ينقلها ذباب إلى ثوب آدمي أو بدنه، وكالبول بمقدار رأس الإبرة يقع على الثوب، وقد تتداخل بعض هذه الحِكَمِ فتختصر (٣).
وينبغي أن يُعلم أن هذه الحكم ضوابط لما يعفى عنه من النجاسات، فتبقى مهمة طالب العلم في تحقيق المناط، وهو هل هذه النجاسة داخلة في عفو الشارع عنها لدخولها تحت أحد هذه الضوابط أو لا؟ والله تعالى أعلم.
стр. 132
باب الوضوء
الوضوء بضم الواو: الفعل، وبفتحها: الماء المتوضأ به، على المشهور، كالسَّحور، فإن أريد الفعل ضم الحرف الأول.
والوضوء لغة: النظافة والإنارة، قال الشاعر:
أضاءتْ لهم أحسابُهم ووجوهُهم … دُجَى الليل حتى نَظَّمَ الجَزْعَ ثَاقِبُهُ
أي: أنارت لهم.
سمي الوضوء بذلك لتحسينه فاعله في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا بإزالة الأوساخ والأقذار، وفي الآخرة: بالنور الذي يحصل منه، كما في قوله ﷺ : «تدعون يوم القيامة غراً محجلين من اثار الوضوء». أخرجه البخاري، ومسلم، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
والوضوء شرعاً: التعبد لله تعالى بغسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة، وهذا من باب التغليب؛ لأن الرأس يمسح.
ومناسبة هذا الباب لما قبله: أن المصنف لما ذكر الماء الذي يُتطهر به، وما يؤثر عليه من النجاسات وما لا يؤثر به، وذكر انيته التي يحفظ فيها، شرع في بيان المقصود مما تقدم وهو الوضوء، فما مضى في الأحاديث السابقة وسائل يتوصل بها إلى عبادة الوضوء المذكورة في الباب.
والوضوء من أعظم شروط الصلاة، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ» (١)، وعن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تقبل صلاة بغير
стр. 133
طهور» (١)، وكان الأولى بالمصنف أن يورد هذين الحديثين في أوائل باب الوضوء، أو في باب «شروط الصلاة» كما فعل ابن دقيق العيد وابن عبد الهادي، لبيان أن الوضوء شرط لصحة الصلاة (٢).
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الطهور شطر الإيمان … »، وفي لفظ: «الوضوء شطر الإيمان»، وفي لفظ آخر: «إسباغ الوضوء شطر الإيمان» (٣)، وقد رجح النووي أن المراد بالإيمان: الصلاة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، والطهور شرط لصحتها، فصار كالشطر، ولا يلزم في الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً، والله أعلم (٤).
стр. 134
حكم السواك عند الوضوء
٣٢/ ١ - عَن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كلِّ وُضُوءٍ». أَخْرَجَهُ مَالِكٌ، وَأَحمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ، وذكره البخاري تعليقاً.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٦٦) (١١٥) موقوفاً من طريق ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: (لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء)، قال ابن عبد البر: (هذا الحديث يدخل في المسند (أي: المرفوع) لاتصاله من غير ما وجهٍ، ولما يدل عليه اللفظ) (١)، أي: في قوله: (لأمرتهم).
وأخرجه مرفوعاً أحمد (١٦/ ٢٢)، والنسائي في «الكبرى» (٣/ ٢٩١)، وابن خزيمة (١٤٠) كلهم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعاً كما في البلوغ.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، وقد علّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب «الصيام» (٤/ ١٥٨ فتح)، ولفظه: «عند كل وضوء».
وأخرجه مالك (١١٤) ومن طريقه البخاري (٨٨٧)، والنسائي (١/ ١٢) عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: «عند كل صلاة»،
стр. 135
وأخرجه مسلم (٢٥٢) من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بنحوه، وليس عند مالك لفظة (عند كل صلاة)، والحديث له طرق متعددة في الصحاح والمسانيد والسنن (١).
وقد ذكر الترمذي أن أحاديث السواك رواها جماعة من الصحابة ﵃، عَدَّ منهم - مع أبي هريرة - سبعة عشر، منهم: أبو بكر الصديق، وعلي، وابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو، وعائشة، وحذيفة، وزيد بن خالد، وغيرهم (٢).
وقد ذكر العلماء أن أحاديث فعل السواك والحث عليه عند الوضوء وغيره بلغت حد التواتر، ذكر ذلك الكتاني، وذكر واحداً وثلاثين صحابياً رووا ذلك (٣).
وقد ذكر الحافظ أحاديث السواك وتكلم عنها في «التلخيص» (٤).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (لولا) هذا حرف امتناع لوجود، أي: إنها تدل على امتناع شيء لوجود شيء اخر، وفي هذا الحديث تدل على امتناع إلزام النبي ﷺ أمته بالسواك عند كل وضوء لوجود المشقة عليهم بذلك.
قوله: (أن أشق) أي: أثقل عليهم، من المشقة وهي الشدة (٥)، يقال: شق عليه، أي: ثقَّل، أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه، و (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مبتدأ، والخبر محذوف وجوباً، أي: لولا المشقة موجودة.
قوله: (على أمتي) أي: جماعتي، والمراد بهم أمة الإجابة، وهم من امن به واتبعه؛ لأنهم هم الذين يمتثلون بفعل المأمور واجتناب المحظور، لا أمة الدعوة - وهم كل من كان موجوداً بعد بعثة النبي ﷺ .
стр. 136
قوله: (لأمرتهم) أي: لألزمتهم، فالمراد بالأمر هنا: الإيجاب والإلزام؛ لأن المشقة لا تكون إلا مع الإلزام والإيجاب، أما الأمر الذي لا إلزام فيه - وهو المستحب - فلا مشقة فيه لجواز تركه، وعند النسائي من طريق عبد الرحمن السراج، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لفرضت عليهم السواك مع كل وضوء» (١).
قوله: (بالسواك) السواك - بكسر السين ـ: اسم للعود الذي يستاك به من الأراك وغيره، ويقال: المسواك - بكسر الميم - ويطلق السواك على الفعل وهو التسوك، أي: دلك الفم بالمسواك لتنظيف الأسنان واللسان واللِّثَةِ، والمسواك مشتق من السَّوْكِ وهو الدلك، قال ابن دريد: (سُكت الشيء أسوكه سوكاً: إذا دلكته، ومنه اشتقاق المسواك … ) (٢)، ويجمع على سُوُك - بضم السين والواو - ككتاب وكتب، ويجوز تخفيفه بإسكان الواو، وفي السواك فوائد عظيمة، ذكرها ابن الملقن (٣).
والمراد - هنا - الفعل لئلا يحتاج السياق إلى تقدير: (باستعمال السواك).
قوله: (مع كل وضوء)، وفي رواية: «عند كل وضوء» ومعناهما واحد، لأنهما ظرفان، والمراد بكل منهما: وقت فعل الوضوء، وهو يحتمل أن المراد قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ مباشرة، أو أن المراد أثناء الوضوء وذلك عند المضمضة، وسيأتي ذلك إن شاء الله.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأمر بالسواك للندب لا للإيجاب، ووجه الدلالة: أن كلمة (لولا) تمنع الشيء لوقوع غيره، فصار الوجوب ممنوعاً لوجود المشقة، ولو كان السواك واجباً لأمرهم به شق أو لم يشق.
стр. 137
والقول بأن السواك غير واجب بل مستحب هو قول جمهور أهل العلم، بل ادعى بعضهم فيه الإجماع، وحكي عن داود الظاهري وإسحاق بن راهويه القول بوجوبه لورود الأمر به، لكن قال النووي: (هذا النقل عن إسحاق غير معروف ولا يصح عنه) (١)، وكذا نسبة الوجوب إلى داود، ومما يؤكد ذلك أن ابن حزم الظاهري ذكر أن السواك سنة (٢)، والله أعلم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على استحباب السواك عند الوضوء، وهذا غرض الحافظ ﵀ فإنه صَدَّرَ أحاديث الوضوء بهذا الحديث، واختار رواية: «مع كل وضوء» مع أن رواية: «عند كل صلاة» في الصحيحين، وقد فعل هذا الترمذي فإنه ساق أحاديث السواك قبل باب «الوضوء»، وقد سلك كثير من الفقهاء هذا المسلك، فذكروا السواك من «سنن الوضوء».
ولم يحدد في الحديث مكان السواك من الوضوء، فلذا اختلف العلماء على قولين:
١ - أنه قبل أن يبدأ بالوضوء، فيستاك ثم يتوضأ، وهذا قال به جماعة من الحنفية، والمالكية، والشافعية (٣)، وكأنهم أخذوا برواية: «عند كل وضوء».
٢ - أن السواك في أثناء الوضوء، وذلك عند المضمضة، فإذا بلغ المضمضة جمع بينها وبين السواك، وهذا قول الجمهور (٤)، واستدلوا برواية: «مع كل وضوء» فإن (مع) تفيد المصاحبة، والمصاحبة فيها نوع من المداخلة، كالصاحب يداخل صاحبه فيخالطه في عشرته وعيشه، فيكون السواك على هذه الرواية داخل الوضوء.
стр. 138
ولكلا القولين وجهة، ولكن الأظهر من ناحية استقراء هدي النبي ﷺ أن يكون السواك قبل الوضوء؛ لأنه لم يحفظ عنه ﷺ أنه تسوك أثناء المضمضة.
وقد ورد في حديث ابن عباس ﵄ لما بات عند خالته ميمونة ووصف قيام النبي ﷺ لصلاة الليل وفيه: (فاستيقظ وتسوك وتوضأ .. )، وهذه إحدى روايات مسلم.
الوجه الخامس: يقول الدكتور عبد الله السعيد: (إن الحكمة التي اتخذناها من قول الرسول ﷺ بأمره بالاستياك عند كل وضوء هو أن المسواك لا يزيل فضلات الأكل والرواسب المخاطية واللعابية أو الجيرية، بل يزحزح ويحرك هذه الرواسب من مواضعها التي علقت بها وخصوصاً ما بين الأسنان والشقوق والأخاديد التي على سطوحها، فالمضمضة هي الوسيلة لطرح وإزالة الرواسب للخارج، والتي كانت قد تحركت بفعل المسواك، ومن هنا تظهر الحكمة البالغة في قوله ﷺ : «عند كل وضوء»، فلذلك يجب بعد تنظيف الأسنان المضمضة، كما أمر الرسول ﷺ ، وكما بيّن لنا ذلك طب الأسنان الحديث، ويقول الدكتور «هوبرت»، والدكتور «بارفت»: «يجب أن يعرف المريض أن تفريش الأسنان يزحزح فضلات الأكل، ولكن لا يزيلهما فلذلك فإن التمضمض ضروري ومهم .. ») (١).
الوجه السادس: تقدم أن الحديث ورد في الصحيحين بلفظ: «عند كل صلاة»، فيكون دليلاً على تأكد السواك عند فعل كل صلاة فريضةً كانت أو نافلة، حتى صلاة الصائم بعد الزوال، كالظهر والعصر؛ لأن الصلاة صلة بين العبد وربه ﵎، فينبغي أن يكون العبد على أكمل هيئة وأحسن حال، إظهاراً لشرف العبادة، ولذا كانت الطهارة شرطاً لصحة الصلاة، ومن تكميل الطهارة تنظيف الفم بالسواك مما علق به من أوساخ، قد تحمل روائح كريهة.
стр. 139
وقد ذكر النبي ﷺ للسواك فائدتين عظيمتين فقال: «السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب» (١).
الوجه السابع: يستفاد مما تقدم أن السواك مسنون عند الوضوء، وعند فعل الصلاة، والسنة في هذا صريحة صحيحة، قال العيني: (فإن قلت: كيف التوفيق بين رواية: «عند كل وضوء» ورواية: «عند كل صلاة»؟ قلت: السواك الواقع عند الوضوء واقع للصلاة لأن الوضوء شرع لها) (٢).
وظاهر ذلك أن الحنفية لا يقولون بالسواك عند الصلاة، وأن الحديث فيه تقدير؛ أي: عندَ كلِّ وضوءِ صلاة، قالوا: لأن السواك من إزالة القذر، وهو لا ينبغي عمله في المسجد، ولأنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم، وهو ناقض عندهم، وهذا منصوص عليه في بعض كتبهم.
والصواب العمل بالسنة، وأن السواك مشروع عند الوضوء وعند القيام إلى الصلاة، وقد رد العلامة شمس الحق ابادي على بعض الحنفية، وبيّن أن الحديث لا يحتاج إلى تقدير، وأن السنة صريحة في السواك عند الصلاة (٣)، وذكر ابن الهمام الحنفي في شرح «الهداية» من مواضع استحباب السواك القيام إلى الصلاة وعند الوضوء (٤).
الوجه الثامن: هذا الحديث من أدلة الأصوليين على أن الأمر المطلق يحمل على الوجوب، ووجه الاستدلال: أن لفظ (لولا) يفيد انتفاء الأمر بالسواك لوجود المشقة على الأمة، والندب في السواك ثابت، فدل على أن الأمر لا يصدق على الندب، بل على ما فيه مشقة وهو الوجوب، والله أعلم.
стр. 140
كيفية وضوء النبي ﷺ
٣٣/ ٢ - عَنْ حُمْرَانَ: أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ دَعَا بِوَضُوءٍ، فَغَسَل كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَاسْتَنْشَقَ، وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إلَى المِرفَقِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ اليُسْرى مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثمَّ غَسَلَ رِجْلَه اليُمْنَى إِلى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ الْيُسْرَى مِثْلَ ذلِكَ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة راوييه، وهما:
١ - حُمران: وهو حُمران بن أبان بن خالد، ثقة من التابعين، من سبي عين التمر، أعتقه عثمان ﵁، فتحول إلى البصرة، ومات بها سنة خمس وسبعين، ﵀.
٢ - عثمان: وهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وثالث خلفاء المسلمين، أسلم قديماً على يد أبي بكر ﵁، وهاجر الهجرتين، وتزوج ابنة النبي ﷺ رقية، فلما توفيت زوّجه أختها أم كلثوم، فسمي ذا النورين، بَشَّرَهُ النبي ﷺ بالجنة، وشهد له بالشهادة، وبايع عنه بيعة الرضوان؛ لأنه ﷺ بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فضرب إحدى يديه على الأخرى، وقال: «هذه عن عثمان»، تولى الخلافة بعد أمير المؤمنين عمر ﵁، بمبايعة أهل الشورى إياه، في أول يوم من محرم سنة أربع وعشرين، وقتل شهيداً يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة بعد العصر، ودفن ليلة السبت سنة خمس وثلاثين، وقبره معروف في
стр. 141
البقيع، ﵁ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء ثلاثاً ثلاثاً» برقم (١٥٩)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٢٦) من طريق إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن زيد الليثي، عن حمران به.
وهذا لفظ مسلم، وتمامه: (ثم قال رسول الله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه»، قال ابن شهاب: (وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة).
وللحديث طرق أخرى، وألفاظ متعددة، فقد رواه عن ابن شهاب رواة اخرون في الصحيحين والسنن والمسانيد.
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (دعا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، أي: طلب ماء يتوضأ به.
قوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات) كفيه: مثنى (كف) وهي الراحة مع الأصابع، وحَدُّها مفصل الذراع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن.
قوله: (ثم تمضمض) أي: أدار الماء في فمه، تقول: مضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: تمضمضت الحية في جُحرها، أي: تحركت.
قوله: (واستنشق) الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى باطن الأنف.
قوله: (واستنثر) الاستنثار: إخراج الماء من الأنف، ولم يرد في طرق هذا الحديث في الصحيحين ذكر العدد في المضمضة والاستنثار، لكن ورد ذلك عند أبي داود من طريقين في حديث عثمان هذا (٢)، وورد - أيضاً - في
стр. 142
حديث أبي هريرة وعلي ﵄، وسيأتي ذكرهما - إن شاء الله ـ.
قوله: (ثم غسل وجهه) الوجه: مأخوذة من المواجهة، سمي بذلك لأنه يواجه به، وحَدُّهُ من منابت الشعر المعتاد إلى ما نزل من اللحية والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً.
قوله: (إلى المرفق) إلى: للغاية، والغالب عدم دخول نهاية الغاية في حكم ما قبلها، نحو: قرأت الكتاب إلى الصفحة الأخيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلا إذا وجدت قرينة تدل على الدخول، نحو: صمت المفروض من أوله إلى اليوم الأخير، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقد دلت السنة على دخول المرفق في المغسول، والسنة بيان للقران، وذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١).
والمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء، هو مفصل العضد من الذراع، وجمعه مرافق؛ قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] سمي بذلك لأنه يُرتفق به في الاتكاء ونحوه، أي: يستعان به.
قوله: (ثم مسح برأسه) أي: أمرَّ يده عليه مبلولة بالماء، وحد الرأس: منابت الشعر من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، والباء للإلصاق؛ لأن الماسح يلصق يده بالممسوح.
قوله: (إلى الكعبين) مثنى كعب، والكعبان: عظمان ناتئان في أسفل الساق، و (إلى) بمعنى: (مع) بدليل حديث أبي هريرة المذكور قريباً.
قوله: (نحو وُضوئي هذا) أي: شبه وضوئي، وهو بضم الواو؛ لأن
стр. 143
المراد به فعل الوضوء، وقد ورد عند أبي داود: «توضأ مثل وضوئي هذا» (١)، وإنما قال: (نحو) في رواية الصحيحين، ولم يقل: (مثل) لأن حقيقة مماثلة وضوء النبي ﷺ لا يقدر عليها غيره، لكن ثبت التعبير بالمماثلة كما في رواية أبي داود المذكورة، فيكون التعبير بـ (نحو) من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازاً، أو يكون المعول على ما في الصحيحين.
الوجه الرابع: فضيلة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وحرصه على تعليم العلم، نشراً للسنة، ونصحاً للأمة، فينبغي للعلماء وطلاب العلم أن ينشروا السنن بين الناس، وألا يكتفوا بوضوحها ومعرفة الناس لها إجمالاً، فإن عثمان ﵁ بين صفة وضوء النبي ﷺ بالفعل، مع أنه أمر معروف، ولا سيما في القرن الأول.
الوجه الخامس: هذا الحديث هو أحد الأحاديث التي بينت صفة وضوء النبي ﷺ على الكمال، قال ابن الملقن: (هو أصل عظيم في صفة الوضوء) (٢). وتقدم كلام ابن شهاب الزهري.
ولذا جعله الحافظ أصلاً في بيان صفة وضوء النبي ﷺ ، وجعل ما بعده من الأحاديث مكملات له.
وسأتكلم - إن شاء الله - عن فوائده، دون المسائل التي لها أحاديث مستقلة ستأتي، فهذه أترك الكلام عليها إلى حينه.
الوجه السادس: جواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء، لقول حمران: (إن عثمان ﵁ دعا بوضوء)، وقد حكى ابن الملقن الإجماع على جواز ذلك من غير كراهة (٣).
ويدخل في ذلك صب الماء على المتوضئ، لما ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم
стр. 144
جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي، فتوضأ، ومسح على خفيه) (١).
الوجه السابع: أن عثمان ﵁ سلك في بيان صفة وضوء النبي ﷺ مسلك البيان بالفعل دون القول؛ لأن الوصف بالفعل أسرع إدراكاً، وأدق تصويراً، وأرسخ في النفس؛ لأن البيان بالقول يعتمد على الألفاظ، والألفاظ يطرقها الاحتمال في المعنى، ويستفاد من ذلك أنه ينبغي للمعلم أن يسلك أقرب الطرق لإيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب، وفي مقدمة ذلك وسائل الإيضاح التي تعين على الفهم ورسوخ العلم.
الوجه الثامن: مشروعية الوضوء بهذه الكيفية، فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يده اليمنى مع مرفقه ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، وهذه صفة وضوء النبي ﷺ .
الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية غسل الكفين ثلاث مرات، وهذا سنة؛ لأن الوارد فيه فعل مجرد، كما في حديث عثمان هذا، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وحديث علي ﵁ عند أصحاب السنن وغيرهم، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي (٢).
وليس غسلهما واجباً؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء في القران - كما في اية المائدة - وبدأ بغسل الوجه، ولم يذكر غسل الكفين، قال ابن قدامة: (وليس غسلهما بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه) (٣). اهـ.
والحكمة من غسلهما أنهما الة الغسل، بهما يؤخذ الماء، وتدلك الأعضاء، فناسب تطهيرهما قبل ذلك.
стр. 145
وهذا الغسل لغير القائم من النوم، أما غسلهما بعد القيام من النوم فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى.
وظاهر الحديث أنه يغسل الكفين بغرفة واحدة، لقوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات)، وفي رواية لمسلم: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما)، وفي حديث ميمونة قالت: (وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً .. ) الحديث (١).
الوجه العاشر: الحديث دليل على استحباب التثليث في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين والرجلين، وقد بوّب البخاري ﵀ في كتاب الوضوء على هذا الحديث بقوله: «باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً» - كما تقدم - ودلالته على ذلك ظاهرة.
ويجوز زيادة بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، لما ورد في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه مرتين، ومسح رأسه مرة (٢).
قال النووي: (فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثاً ثلاثاً كما قدمنا، وإنما كانت مخالفتها من النبي ﷺ في بعض الأوقات، بياناً للجواز، كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ لأن البيان واجب عليه ﷺ ، فإن قيل: البيان يحصل بالقول؟ فالجواب: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل، والله أعلم) (٣).
الوجه الحادي عشر: لا تجوز الزيادة في الوضوء على ثلاث مرات،