← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ما قطع من الحي فهو مَيِّتٌ ١٥/ ١٥ - عَنْ أَبِي وَاقِدٍ الليْثِي ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهيمَةِ - وَهِيَ حَيَّةٌ - فَهُوَ مَيِّتٌ». أَخْرَجه أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَاللَّفْظُ لَهُ. أكثر العلماء يذكرون هذا الحديث في كتاب الأطعمة والصيد، كأبي داود والترمذي وصاحب المنتقى وغيرهم، ولعل الحافظ ذكره هنا لبيان أن هذا المقطوع لو وقع في ماء أو غيره فهو نجس إن كان من حيوان ميتته نجسة، كما سيأتي - إن شاء الله ـ. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو واقد الليثي، مشهور بكنيته، مختلف في اسمه، فقيل: الحارث بن عوف، نصَّ على ذلك الترمذي، وقيل غير ذلك، أسلم قديماً، وشهد بدراً على الأصح، وهو يُعَدُّ من أهل المدينة، وخرج إلى مكة، فجاور بها سنة، ومات سنة ثمان وستين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (٢٨٥٨) في كتاب «الصيد» بابٌ «في صيدٍ قُطِعَ منه قطعة»، والترمذي (١٤٨٠) من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي واقد.

стр. 72

والحديث حسنه الترمذي؛ لأن في إسناده عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، وهو متكلم فيه، وقد أورده الذهبي في «الضعفاء»، وقال: («ثقة» قال ابن معين: في حديثه ضعف) (١)، وقال أبو حاتم: (فيه لين، يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وقال ابن عدي: (بعض ما يرويه منكر لا يتابع عليه، وهو في جملة من يكتب حديثه من الضعفاء) (٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ). وقد ورد الحديث من طريق عبد الله بن جعفر، ثنا زيد بن أسلم به، أخرجه الحاكم (٤/ ١٢٣، ١٢٤) وقال: صحيح الإسناد، وتعقبه الذهبي بقوله: (ولا تشدَّ يدك به)، وذلك لأن الذهبي ذكر عبد الله بن جعفر في «الضعفاء» وقال: (ضعفوه) (٣)، وقال في التقريب: (ضعيف)، لكن بإضافة هذا الطريق إلى الطريق الأول يَقْوى الحديث، وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار أحسن حالاً من عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني، فإن ابن دينار أخرج له البخاري، ومع ذلك ففيه كلام، كما تقدم (٤). وقد جاء الحديث من رواية أبي سعيد الخدري ﵁ من طريق عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، أخرجه الحاكم (٤/ ٢٣٩) وقال: (صحيح على شرط الشيخين) وسكت عنه الذهبي، وتعقبه الألباني: بأن الأويسي لم يخرج له مسلم شيئاً، فالحديث على شرط البخاري فقط، وهو ثقة، فالإسناد صحيح (٥)، لكن رواه سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عطاء مرسلاً. أخرجه الطحاوي في «المشكل» (٤/ ٢٣٨) ورواه عبد الرحمن بن مهدي كما في «المستدرك» (٤/ ١٣٨) عن زيد بن أسلم، عن النبي ﷺ مرسلاً، وتابعه معمر كما في المصنف (٤/ ٤٩٤) لعبد الرزاق، قال الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٦٠): (المرسل أشبه بالصواب).

стр. 73

الوجه الثالث: اختصر الحافظ الحديث، فلم يذكر إلا الشاهد منه، وأول الحديث عن أبي واقد ﵁ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يَجُبُّون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم، قال: (ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة) وهذا لفظه عند الترمذي، وعند أبي داود بدون ذكر سبب الحديث. الوجه الرابع: في شرح ألفاظه: قوله: (ما قطع .. ) يجوز أن تكون (ما) موصولة أو شرطية، ويكون قوله: (فهو ميت) جواب الشرط، أو خبراً للمبتدأ وهو (ما) الموصولة، واقترن الخبر بالفاء لشبه الموصول بالشرط في العموم. قوله: (من البهيمة) هي ذوات الأربع من الإبل والبقر والغنم، أو كُلُّ حي لا يميز، وهذا أعم من الأول، و (من) بيانية، وسبب الحديث يدل على أن المراد بالبهيمة الإبل والغنم. قوله: (فهو ميت) هكذا في بعض نسخ البلوغ، والذي في الترمذي: (فهو مَيْتة)، وهي بسكون الياء، يقال: مَيْتة - بالتخفيف - وميّتة - بالتشديد ـ، والتخفيف أكثر (١)، والميتة ما لم تلحقه الذكاة، ومعنى (فهو ميتة) أي: حرام كالميتة، لا يجوز أكله؛ لأنه ميت بزوال الحياة عنه، وكانوا يفعلون ذلك في حال الحياة - كما تقدم - فنهوا عنه. الوجه الخامس: اعتبر العلماء لفظ هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الأحكام، يدل على أن ما قطع من البهيمة في حال حياتها من سنام بعير، أو ألية شاة، ونحو ذلك، فهو ميتة محكوم بنجاستها، إذ الميتة كذلك، فيحرم أكله والانتفاع به، قال ابن تيمية: (وهذا متفق عليه بين العلماء) (٢). وهذا عام مخصوص بما قطع من حيوان ميتته طاهرة، كالجراد والسمك، فيكون طاهراً، فما وقع منه في ماء فهو طاهر. كما يستثنى من ذلك الشعر والصوف والوبر والريش إذا قُصَّ بدون أصوله، والله أعلم.

стр. 74

باب الآنية الآنية: جمع إناء، كأسقية وسقاء، والجمع القليل آنية، والكثير: أواني، والآنية هي: الأوعية، والمراد هنا الأواني التي يكون فيها ماء الوضوء، وما هو أعم من ذلك من الطعام والشراب. ومناسبة ذكرها هنا: أنه لما كان الماء جوهراً سيالاً لا بد له من وعاء، ناسب ذكرها بعد أحكام المياه، ليعلم المسلم حكم آنيته التي يستعملها؛ لأن الشارع قد نهى عن بعضها، فتعلقت بها أحكام. والأصل في الآنية: الحل والطهارة، لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ووجه الدلالة: أن الله تعالى امتنَّ على خلقه بما في الأرض جميعاً، ولا يمتن إلا بمباح، إذ لا منة في محرم، وخُصَّ من ذلك ما دل الدليل على تحريمه، والله أعلم.

стр. 75

تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ١٦/ ١ - عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمانِ ﵄، قَالَ: قَالَ النبيُّ ﷺ : «لَا تَشْرَبُوا فِي انِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا في صِحَافِهَا، فإنَّهَا لَهُمْ في الدُّنْيَا، وَلَكُمْ في الآخِرَةِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. هذا الحديث محله كتاب الأطعمة والأشربة، لكن ذكره الحافظ - كغيره - في هذا الباب لإفادة تحريم الوضوء في انية الذهب والفضة؛ لأنه استعمال لهما. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو حذيفة بن اليمان بن جابر العبسي ﵁، واسم اليمان: حُسيل، كما ورد في صحيح مسلم، أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر فصدهما المشركون، كما روى ذلك مسلم أيضاً (١)، وشهدا غزوة أحد، فقتل المسلمون أباه لأنهم لم يعرفوه (٢)، وذكر ابن إسحاق أن حذيفة تصدق بدية أبيه على المسلمين. روى حذيفة ﵁ كثيراً عن النبي ﷺ وقال: لقد حدثني رسول الله ﷺ ما كان وما يكون إلى قيام الساعة، وكان يسمى صاحب السر لأن النبي ﷺ أَسرَّ إليه بأسماء المنافقين، الذين أرادوا المكر بالنبي ﷺ في مرجعه من تبوك، شهد حذيفة غزوة الخندق وما بعدها، وفتوح العراق، واستعمله عمر ﵁ على المدائن، فلم يزل بها حتى مات سنة ست وثلاثين، بعد مقتل عثمان ﵁

стр. 76

بأربعين ليلة (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأطعمة» باب «الأكل في إناء مُفَضَّض» (٥٤٢٦) قال: حدثنا أبو نُعيم، حدثنا سيف بن أبي سليمان، قال: سمعت مجاهداً يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى أنهم كانوا عند حذيفة، فاستسقى، فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين، كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي ﷺ يقول: «لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في انية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة» هذا لفظ البخاري، وفيه (ولنا) بدل (لكم) وقد جاء في رواية أخرى للبخاري في «اللباس» بلفظ: «لكم» (٥٨٣٠، ٥٨٣٣). وأخرجه مسلم (٢٠٦٧) (٥) من طريق ابن أبي ليلى بلفظه في «اللباس»، ولم يذكر «لكم في الآخرة»، لكن وردت من طريق ابن عكيم عن حذيفة (٢٠٦٧) (٤) في «اللباس» أيضاً. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (لا تشربوا) الخطاب للرجال الحاضرين، ويدخل فيهم كل من يتأتى له الخطاب من الرجال والنساء. قوله: (في صحافها) الصحاف: جمع صحفة، وهي الإناء الذي يشبع الخمسة (٢)، والظاهر أن هذا غير مراد هنا، فإن الصحفة التي لا تكفي إلا واحداً يحرم أن تكون من الذهب والفضة - أيضاً ـ. قوله: (فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة) جملة تعليلية لما تقدم، والضمير (لهم) للكفار وإن لم يتقدم لهم ذكر، لكنه مفهوم من السياق، كقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص:

стр. 77

٣٢] أي: الشمس، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أي: الأرض، والمعنى: أن الكفار هم الذين يستعملون أواني الذهب والفضة في الدنيا؛ لأنه ليس عندهم دين يمنعهم من ذلك، وليس المراد إباحتها لهم؛ لأن الكفار لا يجوز لهم التمتع بنعم الله وهم على كفرهم، فأنتم أيها المسلمون منهيون عن التشبه بهم، وستكون لكم في الآخرة مكافأة لكم على تركها في الدنيا، ويُمنعُها أولئك جزاء لهم على معصيتهم في الدنيا، وقد ورد في حديث البراء بن عازب ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع ونهانا عن سبع، ومنها: «وعن الشرب في الفضة، فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة» (١)، وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب في انية الفضة والذهب في الدنيا لم يشرب فيهما في الآخرة، وانية أهل الجنة الذهب والفضة» (٢)، وهذه هي العلة من تحريم استعمال أواني الذهب والفضة على المسلمين، وهي علة منصوص عليها، لكن أضاف العلماء عللاً أخرى منها: ١ - أنها وسيلة إلى الخيلاء والتكبر. ٢ - أن فيها كسراً لقلوب الفقراء. وهي علل فيها نظر، قال ابن القيم: (والصواب أن العلة - والله أعلم - ما يكسب استعمالها القلب من الهيئة والحالة المنافية للعبودية منافاة ظاهرة، ولهذا علل النبي ﷺ بأنها للكفار في الدنيا، إذ ليس لهم نصيب من العبودية التي ينالون بها في الآخرة نعيمها، فلا يصلح استعمالها لعبيد الله في الدنيا، وإنما يستعملها من خرج عن عبوديته ورضي بالدنيا وعاجلها من الآخرة) (٣). الوجه الرابع: الحديث دليل على النهي عن الأكل والشرب في أواني الذهب والفضة، وهذا النهي للتحريم، والعلة في ذلك التشبه بالكفار، قال

стр. 78

شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولهذا كان العلماء يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة تشبهاً بالكفار) (١). وهذا الحكم عام في حق الرجال والنساء، سواء أكان الإناء ذهباً خالصاً أم مخلوطاً بذهب، وسواء أكان فضة خالصة أم مخلوطاً بها، لما ورد من طريق يحيى بن محمد الجاري: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من شرب من إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم» (٢). الوجه الخامس: اختلف العلماء هل تحريم أواني الذهب والفضة مختص بالأكل والشرب كما هو ظاهر الحديث، أو أنه عام في جميع وجوه الاستعمال؟ فالجمهور من أهل العلم على تحريم جميع وجوه الاستعمال، قال القرطبي: (الحديث دليل على تحريم استعمال أواني الذهب والفضة في الأكل والشرب، ويلحق بهما ما في معناهما، مثل: التطيب والتكحل، وما شابه ذلك، وبتحريم ذلك قال جمهور العلماء سلفاً وخلفاً .. ) (٣)، قالوا: لعموم الحديث، وشمول المعنى الذي حرم بسببه، وإنما فُرِّقَ بين الرجال والنساء في التحلي لما يقصد منهن من غرض الزينة للأزواج والتجمل لهم. قالوا: وخُصَّ في الحديث ذكر الأكل والشرب لأن هذا هو الأغلب استعمالاً، وما عُلِّقَ به الحكم لكونه أغلب فإنه لا يقتضي تخصيصه به، وإذا

стр. 79

نُهي الإنسان عن الأكل والشرب - وهما أكثر حاجة - فما دونهما من وجوه الاستعمال من باب أولى. ويرى اخرون (١) منهم: الصنعاني (٢) والشوكاني (٣) والشيخ محمد بن عثيمين (٤): أن التحريم خاص بالأكل والشرب، وأما استعمال الأواني في غير الأكل والشرب كالتطيب والتكحل والوضوء والغسل ونحوها فهو جائز، وهؤلاء أخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: لأن النبي ﷺ نهى عن شيء مخصوص، وهو الأكل والشرب فيها، فدل على أن ما عداهما جائز، ولو أراد عموم الاستعمال لنهى عنه، ولم يخصَّ ذلك بالأكل والشرب، قالوا: لأن الأكل والشرب فيهما هو مظهر الفخر والخيلاء في الغالب. كما استدلوا بما ورد عن عثمان بن عبد الله بن مَوْهِب قال: (أرسلني أهلي إلى أم سلمة بقدح من ماء، فجاءت بجلجل من فضة فيه شعر من شعر النبي ﷺ ، وكان إذا أصاب الإنسان عين أو شيء بعث إليها مِخْضَبَهُ، فاطلعتُ في الجلجل فرأيت شعراتٍ حُمْراً) (٥)؛ فهذا استعمال لآنية الفضة في غير الأكل والشرب، وأم سلمة هي راوية الحديث، كما سيأتي إن شاء الله. قال الشوكاني: (وقياس سائر الاستعمالات على الأكل والشرب قياس مع الفارق، فإن علة النهي عن الأكل والشرب، هي التشبه بأهل الجنة حيث يطاف عليهم بانية من فضة، وذاك مناط معتبر للشارع، كما ثبت عنه (لما رأى رجلاً متختماً بخاتم من ذهب، فقال: «ما لي أرى عليك حلية أهل الجنة؟» أخرجه الثلاثة من حديث بريدة .. ) (٦).

стр. 80

وهذا القول، وإن كان فيه وجاهة، لكن الورع والاحتياط اجتناب أواني الذهب والفضة بجميع وجوه الاستعمال، سواء أكان للأكل أم للشرب أم لغيرهما من وجوه الاستعمال، كالوضوء والغسل والادهان والتطيب وغير ذلك، أخذاً بعموم المعنى والعلة، كما تقدم، ورجح هذا الشيخ عبد الرحمن السعدي (١)، كما رجحه الشيخ العلامة الأثري عبد العزيز بن باز، وقال: (إن هذا هو الصواب). وحديث أم سلمة واقعة عين يطرقها الاحتمال، فمن ذلك أنه يحتمل أن الإناء كان مموهاً بفضة لا أنه كله فضة، ومنها أنه إناء صغير جعل فيه شعرات، ومثل ذلك لا يكون كبيراً، ومنها أن الرواة اختلفوا في لفظه، هل هو بالقاف (من قَصَّة) أو بالفاء (من فضة) وإن كان الحافظ قال: إن الصحيح عند المحققين أنه بالفاء (٢)، والمقصود أن أحاديث النهي أقوى من ذلك، فالأخذ بها أحوط وأبرأ للذمة، والله ولي التوفيق.

стр. 81

تحريم الشرب في آنية الفضة ١٧/ ٢ - عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «الَّذِي يَشْرَبُ فِي إنَاءِ الْفِضَّةِ إنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لعل الحافظ أورده مع أن الحكم مأخوذ من الحديث الذي قبله، لما فيه من الوعيد الشديد، والعذاب الغليظ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهي أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة بن المغيرة، القرشية المخزومية ﵂ مشهورة بكنيتها، معروفة باسمها، أسلمت قديماً، وزوجها أبو سلمة، وكان ابن عمة رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة، فمات عنها بعد غزوة أحد، وكانت تحبه، وهو ابن عمها، فقالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرْني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها. وهي التي روت هذا الحديث، كما أخرجه مسلم في صحيحه (١) تقول: فلما مات أبو سلمة قلت: أيُّ المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ ، ثم إني قلتها فأخلف الله لي رسول الله ﷺ . فخطبها ﷺ بعد انقضاء عدتها، وتزوجها في السنة الرابعة من الهجرة، توفيت في المدينة سنة اثنتين وستين، وهي اخر زوجات النبي ﷺ موتاً، ﵅ جميعاً (٢).

стр. 82

الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الأشربة» (٥٦٣٤) باللفظ المذكور من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن أم سلمة، وهو يروى عن خالته (١)، وأخرجه مسلم (٢٠٦٥) ولفظه: «الذي يشرب في انية الفضة .. » وأخرجه - أيضاً - من طريق علي بن مسهر، عن عبيد الله بن عبد الله العمري، عن نافع، عن زيد بن عبد الله، عن عبد الله بن عبد الرحمن، ولفظه: «إن الذي يأكل ويشرب في انية الفضة والذهب». قال الإمام مسلم ﵀: (وليس في حديث أحد منهم ذكر الأكل والذهب إلا في حديث ابن مسهر)، وعلي بن مسهر تقدم توثيقه عن أحمد وابن معين والعجلي وغيرهم (٢)، فتكون هذه الزيادة شاذة من جهة الرواية، وإن كانت صحيحة من جهة المعنى، وقد أخرج مسلم حديث أم سلمة من طريق عثمان بن مرة، حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، عن خالته أم سلمة، قالت: (قال رسول الله ﷺ : «من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم») (٣). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (إنما يجرجر) يجرجر: بضم الياء وفتح الجيم وسكون الراء، ثم جيم مكسورة ثم راء، من الجرجرة وهي: صوت وقوع الماء في الجوف، يقال: جرجر فلان الماء في حلقه، إذا جرعه جرعاً متتابعاً يسمع له صوت. قوله: (نار جهنم) يجوز نصبه ورفعه، أما النصب - وهو المشهور - فعلى أنه مفعول (يجرجر) باعتبار أنه فعل متعد بمعنى: يتجرع، ويؤيد ذلك رواية عثمان بن مرة، كما تقدم، بلفظ: «فإنما يجرجر في بطنه ناراً من جهنم» والمعنى: أن من شرب بانية الفضة فكأنما يتجرع في بطنه نار جهنم، كقوله

стр. 83

تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. وأما الرفع، فعلى أنه فاعل (يجرجر) باعتبار أنه فعل لازم، والمعنى: أن النار تصوت في بطنه، من قولهم: جرجرت النار، إذا صوتت، أي: صار لها صوت. قوله: (جهنم) أي: النار العظيمة، البعيدة القعر - أعاذنا الله منها - وهي اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة. سميت بذلك إما لبعد قعرها، من قولهم: بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر، وقيل: مشتقة من الجهومة وهي الغلظة، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب، فتكون ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث المعنوي. الوجه الرابع: الحديث دليل على تحريم الشرب في انية الفضة وأن ذلك من كبائر الذنوب، لقوله: «إنما يجرجر في بطنه نار جهنم»، وقد دل الحديث بمفهوم الأَوْلَى على تحريم الشرب في الذهب؛ لأنه أعظم من الفضة؛ لكونه أضيق استعمالاً منها، فإنه يجوز منها ما لا يجوز من الذهب؛ كالخاتم للرجل يجوز من الفضة ولا يجوز من الذهب. الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الجزاء من جنس العمل، وأن من شرب في انية الفضة وجرجر الماء في جوفه فإنه سيجرجر يوم القيامة نار جهنم في بطنه، إلا أن يتوب فيتوب الله عليه، والله أعلم.

стр. 84

طهارة جلد الميتة إذا دبغ ١٨/ ٣ - عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا دُبغَ الإهَابُ فَقَدْ طَهُرَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَعِنْدَ الأرْبَعَةِ: «أيُّمَا إهَابٍ دُبغَ». ١٩/ ٤ - وعَنْ سَلَمَةَ بنِ الْمُحَبِّقِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «دِبَاغُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ طُهُورُهَا». صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. ٢٠/ ٥ - وعَنْ مَيْمُونَةَ ﵂، قَالَتْ: مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بشَاةٍ يَجُرُّونَهَا، فَقَالَ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إهَابَهَا؟» فَقَالُوا: إنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: «يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ». أَخْرَجَهُ أبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي. الأول: سلمة بن المحبِّق الهذلي، بكسر الباء المشددة وفتحها، كما ذكر النووي (١)، قيل: اسم المحبِّق، صخر، وقيل: ربيعة .. يكنى أبا سنان، روى عنه ابنه سنان، وجَوْنُ بن قتادة، والحسن البصري، روى اثني عشر حديثاً (٢). الثاني: ميمونة ﵂. وقد سبق التعريف بها في شرح الحديث «الثامن». الوجه الثاني: في تخريجها: حديث ابن عباس ﵄ أخرجه مسلم في كتاب «الحيض» باب «طهارة

стр. 85

جلود الميتة بالدباغ» (٣٦٦) بهذا اللفظ، من طريق زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن وَعْلة، عن ابن عباس ﵄، وبلفظه أخرجه أبو داود (٤١٢٣) بالسند المذكور، وأخرجه الترمذي (١٧٢٨)، والنسائي (٧/ ١٧٣)، وابن ماجه (٣٦٠٩) عن ابن عباس ﵄ بالسند المذكور، ولفظه: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وبهذا يتبين أن الحافظ قد وهم في قوله: (وعند الأربعة) لأن لفظ أبي داود كلفظ مسلم، كما تقدم، والله أعلم. وأما حديث سلمة بن المحبِّق فقد أخرجه ابن حبان (٤٥٢٢) من رواية جون بن قتادة، عن سلمة .. ولفظه: (أن رسول الله ﷺ أتى في غزوة تبوك على بيت في فنائه قربةٌ معلقةٌ، فاستسقى، فقيل له: إنها ميتة - أي: جلد ميتة - فقال: «ذكاة الأديم دباغه»، وجون بن قتادة ذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين، غير أن صحابيه وهو سلمة لم يرو له الشيخان ولا أحدهما. وأخرجه أحمد بهذا الإسناد (٢٥/ ٢٥٠) ولفظه: «دباغها طهورها أو ذكاتها»، وهو قريب من لفظ الحافظ في «البلوغ» .. بخلاف لفظ ابن حبان فهو مختلف عنه، كما تقدم، وأخرجه أبو داود (٤١٢٥)، والنسائي (٧/ ١٧٣ - ١٧٤)، ولفظ الكتاب هو لفظ حديث عائشة أخرجه ابن حبان برقم (١٢٩٠)، وأخرجه أحمد (٤٢/ ١١٩)، والنسائي (٧/ ١٧٤) وغيرهما. وقد نقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان، وهو صحيح لغيره؛ لأن جون بن قتادة مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، ونقل الذهبي عن الإمام أحمد قوله: (لا يعرف) (٢)، ونقل المزي عن علي بن المديني: أنه معروف، وقال في موضع اخر: (الذين روى عنهم الحسن من المجهولين: .. فذكرهم، وذكر منهم جون بن قتادة) (٣)، وقال الحافظ في «التقريب»: (لم تصح صحبته،

стр. 86

وهو مقبول) أي: إذا توبع وإلا فليّن الحديث، كما نص الحافظ على ذلك في المقدمة، وروى الترمذي حديثه في «العلل»، وقال: (لا أعرف لجون بن قتادة غير هذا الحديث، ولا أدري من هو؟) (١)، ولكن الحديث صحيح بشواهده، ومنها حديث ابن عباس وميمونة ﵃ وغيرهما. وأما حديث ميمونة فأخرجه أبو داود (٤١٢٦)، والنسائي (٧/ ١٧٤ - ١٧٥) من طريق عبد الله بن مالك بن حذافة، عن أمه العالية بنت سبيع أنها قالت: كان لي غنم بأُحد، فوقع فيها الموت، فدخلتُ على ميمونة زوج النبي ﷺ فذكرت ذلك لها، فقالت لي ميمونة: لو أخذتِ جلودها فانتفعتِ بها، فقلت: أو يَحِلُّ ذلك؟ قالت: نعم، مَرَّ رسول الله ﷺ على رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار، فقال لهم رسول الله ﷺ : «لو أخذتم إهابها»؟ قالوا: إنها ميتة، فقال رسول الله ﷺ : «يطهرها الماء والقرظ». وعبد الله بن مالك بن حذافة لم يوثقه غير ابن حبان، وأمه العالية قال العجلي عنها: (مدنية، تابعية، ثقة) (٢)، وقال الذهبي: (روت عن ميمونة، تفرد عنها ولدها عبد الله بن مالك، لكن وثقها العجلي) (٣). والحديث سكت عنه الحافظ، لكن له شواهد تؤيده، وقد صححه الألباني (٤)، ومن شواهده ما ورد عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ مرَّ بشاة ميتة، فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟» قالوا: إنها ميتة، قال: «إنما حَرُمَ أكلها» (٥). الوجه الثالث: في شرح ألفاظها: قوله: (إذا دبغ) الدِّباغة: مصدر دَبَغَ الجلد يدبغه دبغاً ودباغة، ومعناه: إزالة النتن والرطوبة من الجلد بمواد خاصة، والدِّباغُ والدِّبغُ: ما يدبغ به،

стр. 87

يقال: الجلد في الدِّباغ، والدباغة: بالكسر اسم للصنعة، وقد يجعل مصدراً، كما تقدم. قوله: (الإهاب) بكسر الهمزة، وجمعه: أُهُب بضمتين، مثل كتاب وكُتُب، ويجوز فتحهما، هو الجلد قبل أن يدبغ، وعليه يدل الحديث، قال أبو داود: (فإذا دبغ لا يقال له: إهاب، إنما يسمى شَنَّاً وقِرْبة .. ) ثم حكى ذلك عن النضر بن شميل (١)، وقال الأزهري: (كل جلد عند العرب إهاب) (٢). وقد ورد في صحيح البخاري حديث عمر ﵁ وفيه: (فإذا أُهُبٌ معلقة .. ) (٣)، و (أل) في الإهاب لاستغراق الجنس، بدليل الرواية التالية: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». قوله: (فقد طهر) بضم الهاء وفتحها، من بابي قتل وقَرُب، وقد رجح النووي (٤) الفتح، والطهر: هو النقاء من الدنس والنجَس. قوله: (طهورها) بضم الطاء وفتحها، فالضم على معنى: تطهيرها، والفتح على معنى: أداة تطهيرها، مثل: الوَضوء، والطَّهور: وهو ما يعد للتطهير. قوله: (لو أخذتم إهابها) (لو) إما أنها للتمني بمعنى: (ليت) وفيه معنى العرض، أو شرطية حذف جوابها أي: لكان حسناً، قاله السندي (٥). قوله: (يطهرها) ظاهره أنه يعود على الميتة، وإلا لقال: يطهره، أي: الجلد، فإما أنه على حذف مضاف، أي: يطهر جلد الميتة، أو أن المراد الجنس، أي يطهر الأُهُب. قوله: (القرظ) بفتحتين، حب معروف، يخرج في غُلُف كالعدس، من شجر العِضَاه، يستعمل في الدبغ، ويقوم مقامه الأرطى وشبهه؛ لأن النص على القرظ لا يدل على عدم إجزاء ما سواه، وإنما هو لمجرد التمثيل، أو لأنه كان هو المشهور والمعروف في ذلك الوقت، وفي زماننا هذا يكون دباغ

стр. 88

الجلود في المصانع الكبيرة، وبواسطة المستحضرات الكيماوية، وذلك جائز؛ لأن المقصود نزع الفضول وتنشيف الجلد من الرطوبات، فبأي شيء حصل كان مجزئاً. الوجه الرابع: حديث ابن عباس ﵄ دليل على أن أيَّ إهاب دبغ فقد طهر، لما تقدم من العموم في قوله: «إذا دبغ الإهاب» وفي قوله: «أيما إهاب» و (أل) و (أي) من صيغ العموم، سواء أكان من حيوان طاهر في حال حياة، كالإبل والبقر والغنم، أم من حيوان غير طاهر، كالكلب والخنزير، وهذا قول داود وأهل الظاهر، ورجحه الشوكاني، وقال: (لأن الأحاديث الواردة في هذا الباب لم يُفَرَّقْ فيها بين الكلب والخنزير وما عداهما)، وقال أيضاً: (فالحق أن الدباغ مطهر، ولم يعارض أحاديثه معارض، من غير فرق بين ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وهو مذهب الجمهور)، وقال: (إنه تقرر في الأصول أن العام لا يُقصر على سببه، فلا يصح تمسكهم بكون السبب شاة ميمونة) (١). الوجه الخامس: استدل بحديث سلمة وميمونة ﵄ من قال: إن الدباغ يطهر جلد الميتة التي تُحِلُّها الذكاة، وهي كل حيوان مأكول اللحم، لقوله: «دباغ جلود الميتة ذكاتها»، وفي لفظ: «دباغ الأديم ذكاته»، وفي لفظ: «فإن ذكاتها دباغها» فشبه الدبغ بالذكاة، والذكاة لا تؤثر إلا في مأكول اللحم، فكذا الدباغ؛ لأن المشبه يأخذ حكم المشبه به، وهذا قول في مذهب الحنابلة، رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وصححه الشيخ عبد الرحمن السعدي (٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، وذكر النووي: أنه مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه (٤). أما ما لا تُحِلُّه الذكاة فلا يطهر بالدباغ وإن كان طاهراً في حال الحياة، كالهرة فلا يطهر جلدها بالدبغ؛ لأن الذكاة لا تحلها، وإنما جعلت طاهرة في

стр. 89

حال الحياة لمشقة التحرز منها - كما تقدم في الطهارة - وهذه العلة تنتفي بالموت، فتعود إلى أصلها، وهو النجاسة، فلا يطهر الدباغ جلدها. والقول بأن الأحاديث عامة، وأنه يدخل في ذلك جميع أنواع الجلود قول قوي، لكن أظهر الأقوال وأقربها للصواب أن ذلك فيما يؤكل لحمه، وأن الورع يقتضي ترك ما سوى ذلك، عملاً بقول النبي ﷺ : «من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» (١)، وقوله ﵊: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٢). واعتبار الدباغ طهوراً لجلد الميتة من رحمة الله تعالى بعباده، لينتفع به من يحتاج إليه من الفقراء وغيرهم، فقد تعرض الحاجة للاستفادة من جلد الميتة، فاستثناه الشرع من عموم تحريمها المنصوص عليه في القران. ونأخذ من هذا أن الأحوط عدم لبس الفرا المصنوعة من جلود السباع، وهي موجودة في الأسواق بكثرة في هذا العصر، وإن كانت طاهرة على قول من يرى العموم، ويؤيد عدم لبسها حديث المقدام بن معديكرب أن رسول الله ﷺ (نهى عن لبوس جلود السباع والركوب عليها) (٣). الوجه السادس: هذه الأحاديث الدالة على أن الدباغ يطهر جلد الميتة أصح من حديث عبد الله بن عُكيم قال: (أتانا كتاب رسول الله ﷺ : أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) (٤)، وهو دليل القائلين بأن الدباغ لا يطهر جلد الميتة، وهو المذهب عند الحنابلة (٥)، وهذا الحديث أعله العلماء بالاضطراب في سنده، فإن ابن أبي ليلى راويه عن عبد الله بن عكيم تارة

стр. 90

يحدث عنه، وتارة يحدث عن أشياخ من جهينة، وأعلوه بالاضطراب في متنه فَرُوي قبل موته ﷺ بثلاثة أيام، وروي بشهر، وروي بشهرين، وروي بأربعين يوماً، كما أُعلَّ بالاختلاف في صحبة عبد الله بن عكيم، فقد قال البخاري: (أدرك زمان النبي ﷺ ، ولا يعرف له سماع صحيح) (١)، وما كان هذا شأنه لا يقف في مقابلة الأحاديث الصحيحة، وهي تدل على ضعفه، فإنها أظهر وأصح وأنفع للأمة، وأقرب إلى أصول الشريعة وقواعدها، فتكون أولى، على أن من أهل العلم من أجاب عن هذه العلل بما لا يتسع له المقام، فإن صح الحديث جُمع بينه وبين حديث ابن عباس ﵄ وغيره بأن الإهاب اسم لما لم يدبغ - كما تقدم ـ، فيكون نهياً عن استعمال جلد الميتة قبل دباغته، وقَوَّى ذلك الحافظ ابن حجر (٢)، وقال الحازمي: (ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى: «إهاباً»، وبعد الدباغ يسمى جلداً ولا يسمى إهاباً، وهذا معروف عند أهل اللغة، ليكون جمعاً بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (٣). الوجه السابع: في حديث ميمونة ﵂ وما قبله دليل على جواز استعمال الجلد بعد الدبغ في اليابسات كالقمح والشعير، والمائعات كالماء واللبن والسمن والعسل ونحو ذلك، لقوله: «يطهره الماء والقرظ»، وإذا طهر صار حكمه حكم غيره من الأعيان الطاهرة، وتقدم في حديث سلمة بن المحبِّق (فإذا قربة معلقة)، مما يدل على أنه استعمل في الماء، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ بل أقرهم عليه. وعن ابن عباس ﵄ عن سودة زوج النبي ﷺ قالت: (ماتت لنا شاة فدبغنا مَسْكها ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شناً) (٤)، وقوله: (مَسْكها) بفتح الميم وسكون المهملة: هو الجلد، والله أعلم.

стр. 91

حكم آنية أهل الكتاب ٢١/ ٦ - عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأْكُلُ فِي انِيَتهِمْ؟ قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا فِيهَا، إلاَّ أَنْ لا تَجِدُوا غَيْرَهَا، فَاغْسِلُوهَا، وَكُلُوا فِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو ثعلبة الخشني، صحابي مشهور بكنيته، والخُشَني: بضم الخاء المعجمة فشين معجمة مفتوحة فنون، نسبة إلى خُشين بن النَّمِر من قُضاعة، حذفت ياؤه عند النسب، اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافاً كثيراً (١)، وذكر الحافظ أن الأكثر على أن اسمه جرثوم (٢)، بايع أبو ثعلبة النبي ﷺ بيعة الرضوان، وضَرَب له بسهمه في خيبر، وأرسله إلى قومه فأسلموا، وهو من أهل البادية يعتمد الصيد، وله أسئلة مع النبي ﷺ ، منها هذا السؤال عن انية أهل الكتاب، وبعده سؤال عن الصيد، نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين، وهو ساجد، ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: أخرجه البخاري في «كتاب الصيد» في ثلاثة مواضع منه، من طريق أبي إدريس الخولاني، عنه (٥٤٧٨)، (٥٤٨٨)، (٤٥٩٦)، وأخرجه مسلم في «أحاديث الصيد» (١٩٣٠). والحديث روي عن أبي ثعلبة بعدة ألفاظ، من عدة طرق، في المسند

стр. 92

والصحيحين والسنن، وقد اقتصر الحافظ على موضوع سؤاله عن الآنية، دون سؤاله عن الصيد بقوسه وبكلبه المعلم، واللفظ المذكور في الكتاب لم أجده في الصحيحين بلفظه هكذا، وأقرب الألفاظ إليه ما في البخاري في كتاب «الصيد»، باب «صيد القوس» (٥٤٧٨). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (إنا بأرض قوم أهل كتاب) أي: أنا وقبيلتي خُشين، والمراد بالأرض: الشام، وأهل الكتاب: اليهود والنصارى، والظاهر أن المراد بهم - هنا النصارى ـ، وقد كان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام وتنصّروا، منهم: ال غسان، وتنوخ، وبَهْز، وبطون من قضاعة، منهم بنو خشين ال أبي ثعلبة. قوله: (فاغسلوها) ظاهر الأمر الوجوب، والأمر بغسلها قبل استعمالها لظن نجاستها، لعدم ابتعادهم عن النجاسات من خمر ولحم خنزير ونحوهما، وسيأتي بيان ذلك. قوله: (وكلوا منها) هذا أمر إباحة؛ لأنه جاء بعد الاستفهام في قوله: (أفنأكل في انيتهم؟) وبعد النهي في قوله: «لا تأكلوا فيها». الوجه الرابع: الحديث دليل على حرص الصحابة ﵃ على السؤال عما يعنيهم، وما يشكل عليهم، وهذا هو الواجب على كل مسلم، فيسأل عن أمر دينه وعما يجهل، ليعبد الله على بصيرة، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧]. الوجه الخامس: الحديث دليل على اجتناب الأكل في أواني أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يتورعون عن النجاسات، وربما وضعوا فيها الخمر، وطبخوا فيها الميتة والخنزير. وهنا تعارض الأصل، وهو (الأصل في الأشياء الطهارة) مع غلبة الظن؛ وهو هنا (عدم توقيهم النجاسة)، فرجحت غلبة الظن حيث قويت، ويؤيد ذلك لفظ أبي داود: (إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير،

стр. 93

ويشربون في انيتهم الخمر .. ) (١). الوجه السادس: الحديث دليل على جواز استعمال انية أهل الكتاب بالشرطين المذكورين في الحديث، وهما: ألا يوجد غيرها، وأن تغسل. أما الشرط الأول: فالمقصود به التورع والاحتياط، فلا تستعمل أوانيهم ولو بعد غسلها إلا إذا لم يوجد غيرها. وأما الشرط الثاني: فالمراد به حصول اليقين من طهارتها، والأمر بغسلها ليس للوجوب وإنما هو للاستحباب، بدليل أن طعام أهل الكتاب حل لنا، كما قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وطعامهم يكون في أوانيهم، فدل ذلك على أنه لا يجب غسلها، ويكون ذلك هو الصارف للأمر في الحديث عن الوجوب إلى الاستحباب، جمعاً بين الأدلة، إلا أن يوجد ما يوجب غسلها، كوجود خمر فيها، أو وجود ميتة مما ذبحوه بالخنق أو بالوقيذ، فتغسل لذلك، وعليه يدل لفظ أبي داود المتقدم، والله أعلم.

стр. 94

جواز استعمال آنية المشركين ٢٢/ ٧ - عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأصْحَابَهُ تَوَضَّأُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ﵁، أسلم عام خيبر، وكان صاحب راية خزاعة عام الفتح، قال ابن عبد البر: كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، بعثه عمر بن الخطاب ﵁ إلى البصرة ليفقه أهلها، ومات فيها سنة اثنتين وخمسين (١). الوجه الثاني: في تخريجه: الظاهر أن الحافظ يقصد بهذا الحديث ما أخرجه البخاري في كتاب «التيمم» باب «الصعيد الطيب وضوء المسلم» (٣٤٤) من طريق عوف الأعرابي، عن أبي رجاء العطاردي، عن عمران، وما أخرجه مسلم في «قضاء الصلاة الفائتة» (٦٨٢) من طريق سلم بن زرير العطاردي قال: سمعت أبا رجاء العطاردي، عن عمران … ، وهو كما قال الحافظ: (حديث طويل)، لكن ليس فيه أن النبي ﷺ توضأ من مزادة مشركة، وأنا أذكر الحديث بتمامه لفائدته، قال عمران: (كنا في سفر مع النبي ﷺ وإنا أسرينا، حتى إذا كنا في اخر الليل وقعنا وقعة، لا وقعةَ أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، وكان أول من استيقظ فلانٌ ثم فلان ثم فلان - يسميهم أبو رجاء،

стр. 95

فنسي عوف - ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يُوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر ورأى ما أصاب الناس - وكان رجلاً جليداً - فكبَّر ورفع صوته بالتكبير، فما زال يكبر ويرفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، قال: «لا ضير - أو لا يضر - ارتحلوا»، فارتحل فسار غير بعيد، ثم نزل، فدعا بالوضوء فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انفتل من صلاته إذ هو برجل معتزل لم يصلِّ مع القوم، قال: «ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟» قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: «عليك بالصعيد، فإنه يكفيك»، ثم سار النبي ﷺ فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل، فدعا فلاناً - كان يسميه أبو رجاء، نسيه عوف - ودعا علياً، فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأة بين مَزادتين - أو سطيحتين - من ماء على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ قالت: عهدي بالماء أمسِ هذه الساعة، ونَفَرْنا خلوفاً، قالا لها: انطلقي إذاً، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله ﷺ ، قالت: الذي يقال له: الصابئ، قالا: هو الذي تعنين، فانطلقي، فجاءا بها إلى النبي ﷺ وحدثاه الحديث، قال: «فاستنزِلوها عن بعيرها»، ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين - أو السطيحتين - وأوكأ أفواههما، وأطلق العَزَالى (١)، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من شاء، واستقى من شاء، وكان اخر ذاك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: «اذهب فأفرغه عليك»، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وايم الله لقد أُقْلِعَ عنها، وإنه ليخيل إلينا أنها أشد مِلأةً منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ : «اجمعوا لها»، فجمعوا لها - من بين عجوة ودقيق وسويقة - حتى جمعوا لها طعاماً، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئاً، ولكن الله هو

стр. 96

الذي أسقانا»، فأتت أهلها، وقد احتبست عنهم، قالوا: ما حبسك يا فلانة؟ قالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه - وقالت بأصبعيها الوسطى والسبابة فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض - أو إنه لرسول الله حقاً، فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين ولا يصيبون الصِّرْم (١) الذي هي منه، فقالت يوماً لقومها: ما أرى أن هؤلاء القوم يدعونكم عمداً، فهل لكم في الإسلام؟ فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام). فهذا السياق كما ترى ليس فيه أنه ﷺ توضأ من المزادة، لكن ورد في سياقه عند البيهقي (١/ ٢١٨، ٢١٩): (فمضمض في الماء فأعاده في أفواه المزادتين أو السطيحتين .. ) قال الألباني: (إسناده صحيح) (٢). فهذا يدل على استعماله ﷺ لمزادة المشركة، فيدل على طهارة انية الكفار، وأما الوضوء فلعل الحافظ قصد به كونهم ملأوا قربهم وإداواتهم، ومن ضمن استعمالاتهم للماء الوضوء به، والله أعلم. وقد كثر ورود الحديث في كتب الفقه بهذه الصيغة التي ذكر صاحب «البلوغ»، وقد ذكرها المجد في «المنتقى»، ولم يتكلم عنها الشوكاني بشيء (٣)، أما ابن دقيق العيد فقد ساق طرفاً من حديث عمران من قوله: (ودعا النبي ﷺ بإناء فأفرغ فيه من أفواه المزادتين .. ) (٤). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (إن النبي ﷺ وأصحابه) قَصَد بذلك دفع توهم اختصاص ذلك بالنبي ﷺ . قوله: (توضأوا) تقدم سياق الحديث، وأنه ليس فيه ذلك صراحة، لكن

стр. 97

يؤخذ من كونهم فقدوا الماء، ثم حصل لهم ذلك - بفضل الله تعالى - من ماء المرأة المشركة، ومن ضمن استعمالهم له أنهم يتوضؤون منه. قوله: (مزادة) بفتح الميم والمعجمة، هي الراوية، وهي قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، وتسمى أيضاً: السطيحة. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز استعمال أواني المشركين، ما لم يتيقن فيها النجاسة، فإن الصحابة ﵃ استقوا من هذا الماء وشربوا، وهذا يدل على أنهم سيتوضأون منه. الوجه الخامس: الحديث دليل على طهارة جلد الميتة بالدباغ؛ لأن المزادتين من جلود ذبائح المشركين، وذبائحهم ميتة. الوجه السادس: جواز أخذ الإنسان من ماء غيره الذي حازه إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لا سيما إذا كان الأخذ لا يضر صاحبه، فيجوز أن يأخذ ما يدفع عطشه ولو بالقوة؛ لأنه يدفع عن نفسه العطش، ولا يضر صاحبه، وهذا على تقدير أن المرأة لها عهد، وقيل: إنما أخذوا من مائها؛ لأنها كافرة حربية. الوجه السابع: في الحديث معجزة ظاهرة من أعلام النبوة، فإن الله تعالى أنزل البركة في هذا الماء حتى شرب منه الناس واستقوا، وعادت المزادتان كما كانتا، وقد جاء في رواية الصحيحين: (فشربنا عطاشاً أربعون رجلاً حتى روينا، فملأنا كل قربة معنا وإداوة غير أنا لم نسق بعيراً، وهي تكاد تَنِضُّ من المِلْء) (١)، أي: تسيل. وعند مسلم: (تكاد تنضرج من الماء) أي: تنشق، قال ابن حجر: (قوله: «تعلمين ما رزئنا من مائك شيئاً» أي: ما نقصنا، وظاهره أن جميع ما أخذوه من الماء مما زاده الله تعالى وأوجده، وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطاً، وهذا أبدع وأغرب في المعجزة) (٢)، والله تعالى أعلم.

стр. 98

جواز إصلاح الإناء بسلسلة من الفضة ٢٣/ ٨ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ ﷺ انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «فَرْضِ الخُمُسِ»، باب «ما ذكر من درع النبي ﷺ وعصاه وسيفه وقدحه .. » (٣١٠٩) وهذا لفظه، وتمامه قال عاصم: (رأيت القدح وشربت فيه)، وعاصم مات سنة مائة واثنتين أو ثلاث وأربعين، وأخرجه - أيضاً - في كتاب «الأشربة» (٥٦٣٨) من طريق عاصم الأحول، عن ابن سيرين، عن أنس ﵁. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (قدح) بفتحتين، إناء يشرب به الماء، وجمعه أقداح. قوله: (انكسر) في رواية للبخاري في «الأشربة»: (فانصدع) أي: انشق. قوله: (فاتخذ) ظاهر ذلك أن المراد النبي ﷺ ، ويؤيده قول ابن سيرين: (إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضة، فقال أبو طلحة: لا تغيرن شيئاً صنعه رسول الله ﷺ فتركه) (١)، فهذا يؤكد أن الذي اتخذ السلسلة هو رسول الله ﷺ ، وأن القدح لم يتغير عما كان عليه على عهد رسول الله ﷺ ، وحلقة الحديد التي أراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من فضة أو ذهب غير السلسلة.

стр. 99

قوله: (مكان الشَّعْب) بفتح الشين المعجمة وسكون العين المهملة، أي: الصدع والشق. قوله: (سِلسلةً) بكسر السين، أي: سلكاً من الفضة، أو قطعة منها تصل بين طرفي الشق. الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إصلاح الإناء المنكسر بسلسلة من الفضة عند الحاجة إلى ذلك، وأن المحرم كون الإناء من فضة، أما كونه يربط بفضة قليلة فلا بأس بذلك؛ لأن مصلحتها ظاهرة، والغالب كون الإناء صغيراً، فلا يحتاج إلى شيء كثير من الفضة، وأما ما تقدم في حديث ابن عمر: (أو إناء فيه شيء من ذلك) فهو - على فرض صحته (١) ـ لا يعارض هذا الحديث، لأن (شيئاً) عام، وهذا مخصص له، قاله الشوكاني (٢). الوجه الرابع: الحديث دليل على أن ذلك مختص بالفضة لورود النص به، أما الذهب فلا يجوز استعماله في مثل ذلك؛ لأنه أغلى ثمناً وأشد تحريماً، ولأنه لو كان جائزاً لاستعمله النبي ﷺ في الإناء؛ لأنه أبعد عن الصدأ بخلاف الفضة. الوجه الخامس: الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أنه متى أمكن إصلاح أوانيه أو نحو ذلك من أثاث منزله، فإنه يصلحه، ولا يرمي به ويشتري بدله؛ لأن إصلاحها من الاقتصاد وتدبير المال. وفي هذا درس تربوي لمن يحبون التجديد ومتابعة الحديث من المركب والأثاث واللباس، والقديم يباع بأبخس الأثمان، إن لم يُرمَ ما يمكن رميه، وهذا من سوء التدبير وعدم رعاية المال، والله المستعان.

стр. 100

باب إزالة النجاسة وبيانها هذا الباب عقده المؤلف ﵀ لمسألتين: الأولى: في وجوب إزالة النجاسة، وكيفية إزالتها وتطهير محلها، وبيان ما يعفى عنه منها. الثانية: في بيان جنس النجاسة التي تجب إزالتها. والمراد هنا: النجاسة الحكمية، وهي التي تقع على محل طاهر، فينجس بها، وأما النجاسة العينية أو الحقيقية فهي أعيان مستقذرة شرعاً لا تصح الصلاة معها في الجملة، كالبول والغائط والدم، ونحو ذلك، وهذه لا بحث فيها؛ لأنه لا يمكن تطهيرها في ذاتها؛ لأن عينها نجسة. والأصل في الأعيان: الطهارة، فما ثبت شرعاً أنه نجس فهو نجس، وإلا أخذ بالأصل. يقول الشوكاني: (الأصل في كل شيء أنه طاهر؛ لأن القول بنجاسته يستلزم تعبد العباد بحكم من الأحكام، والأصل عدم ذلك، والبراءة قاضية بأنه لا تكليف بالمحتمل حتى يثبت ثبوتاً ينقل عن ذلك، وليس من أثبت الأحكام المنسوبة إلى الشرع بدون دليل بأقل إثماً ممن أبطل ما قد ثبت دليله من الأحكام، فالكل إما من التقول على الله تعالى بما لم يقل، أو من إبطال ما قد شرعه لعباده بلا حجة) (١).

стр. 101

نجاسة الخمر ٢٤/ ١ - عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلاًّ؟ قَالَ: «لَا». أَخْرَجَه مُسْلِمٌ. غرض المؤلف ﵀ من إيراد هذا الحديث في هذا الباب بيان نجاسة الخمر، ومن قبله فعل ذلك ابن دقيق العيد في «الإلمام»، وابن عبد الهادي في «المحرر»، وإلا فالمحدثون يذكرونه في كتاب «الأشربة»، كما فعل مسلم والترمذي، وكذا فعل المجد ابن تيمية في «المنتقى» وغيرهم، لكن أورده المصنف أخذاً برأي الجمهور - كما سيأتي - وهو أن الخمر نجسة. والكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (١٩٨٣) في «الأشربة» من طريق سفيان - هو الثوري - عن السدي، عن يحيى بن عباد، عن أنس ﵁، وأخرجه الترمذي في «البيوع» (١٢٩٤)، وقال: (حديث حسن صحيح)، وأخرجه أبو داود في «الأشربة» (٣٦٧٥) بهذا الإسناد، ولفظه أن أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمراً، قال: «أهرقها»، قال: أفلا أجعلها خلاًّ؟ قال: «لا». الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (سئل عن الخمر) الخمر: ما أسكر العقل من عصير كل شيء أو نقيعه، سواء كان من العنب أو التمر أو غيرهما، وقد يكون السائل أبا طلحة كما في رواية أبي داود، وقد يكون غيره.

стр. 102

قوله: (تتخذ خلاًّ) الضمير يعود على الخمر، وهي مؤنثة، وقد تذكّر، والخَلُّ: بفتح الخاء وتشديد اللام، هو ما حَمُض من عصير العنب ونحوه، والظاهر أن هذا السؤال كان بعد تحريم الخمر. والمراد باتخاذها خلاًّ هو علاجها حتى تصير خلاًّ بعدما تشتد وتقذف الزبد، وذلك بوضع شيء فيها، كبصل أو خبز أو خميرة أو حجر ونحو ذلك، أو ينقلها من الظل إلى الشمس أو بالعكس، أو يخلطها بالخل أو غير ذلك من طرق تخليلها. الوجه الثالث: تقدم أن المؤلف ساق هذا الحديث في باب النجاسات لبيان نجاسة الخمر، وهذه مسألة اختلف العلماء فيها على قولين: الأول: أن الخمر نجسة باشتدادها وإسكارها، فإن النجاسة هي القذارة، وهي بشدتها صارت قذرة يجب اجتنابها، فإذا أصابت البدن أو الثوب أو الإناء وجب غسله للنجاسة، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وهو مذهب الظاهرية (١)، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٣)، والشيخ عبد العزيز بن باز، رحم الله الجميع. الثاني: أن الخمر طاهرة، ونسبه القرطبي إلى ربيعة بن عبد الرحمن شيخ الإمام مالك، والليث بن سعد، والمزني (٤)، وهو قول داود الظاهري وجماعة من الفقهاء، واختار هذا القول الصنعاني (٥) والشوكاني (٦)، وأحمد شاكر (٧). استدل الجمهور على نجاستها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].

стр. 103

ووجه الدلالة من وجهين: الأول: أن الله تعالى سمى الخمر رجساً، والرجس يقع على الشيء المستقذر النجس، والنجس حرام، وقد سمى الله تعالى النجاسات من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير رجساً. الثاني: أن الله تعالى قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، وهذا يفيد اجتناب الخمر من كل وجه، فلا يجوز شربها ولا بيعها ولا تخليلها ولا المداواة بها ولا غير ذلك. كما استدلوا بحديث أبي ثعلبة المتقدم في حكم أواني أهل الكتاب، ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أمر أبا ثعلبة الخشني وقومه بغسل أواني أهل الكتاب التي يطبخون فيها الخنزير، ويشربون فيها الخمر، وأن لا يستعملوها إلا إذا لم يجدوا غيرها، بعد أن يغسلوها، والأمر بغسلها دليل نجاستها، ولو كانت طاهرة لم يأمرهم ﷺ بغسلها. واستدل القائلون بطهارتها بما يلي: ١ - حديث أنس ﵁ أن الخمر لما حرمت خرج الناس وأراقوها في الأسواق (١)، ووجه الدلالة: أن الصحابة أراقوا الخمر في طرقات المدينة، ولم ينههم النبي ﷺ عن ذلك، ولو كانت نجسة لنهاهم عن ذلك، كما نهى عن التخلي في الطرق. ٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة، حتى يقوم دليل النجاسة، ولم يَروا في الأدلة التي ساقها القائلون بالنجاسة ما يوجب الانتقال عن هذا الأصل، لأنها أدلة غير صريحة في المراد. والذي يظهر - والله أعلم - القول بنجاسة الخمر، لقوة أدلة القائلين بذلك، ولا سيما حديث أبي ثعلبة، فإنه سأل الرسول ﷺ عن الأواني التي يطبخ فيها الخنزير والأواني التي يشرب فيها الخمر فكان الجواب لهما معاً: «إن لم تجدوا غيرها فارحضوها واطبخوا فيها واشربوا»، ولأن القول بنجاستها

стр. 104

مما يعين على إتلافها وعدم إبقائها، بخلاف ما لو قيل بطهارتها، فإنه قد يُتساهل في إبقائها والابتعاد عنها. وأما من قال بطهارتها فليس له دليل سوى إراقة الخمر في شوارع المدينة، وهذا لا ينهض دليلاً على الطهارة؛ لأنه لم يكن للصحابة ﵃ مجارٍ تحت الأرض لتصريف الفضلات، وإخراجها خارج المدينة فيه بعض الحرج، ولأن الخمر التي أريقت ليست من الكثرة بمكان حتى تعم جميع الطرق، بحيث لا يبقى للمارة طريق يمشون فيه، ثم إن الطرق التي أريقت فيها الخمر ليست مواضع للصلاة، بل هي مواضع للاستطراق، وعلى فرض أنه يشق الاحتراز منها فربما وطئها المار، فنقول: إذا وطئها فإن رجله أو نعله يطهره ما بعده من الأرض الطاهرة - كما ثبت في السنة - بل قد يقال: إن هذا الدليل دليل على النجاسة؛ لأن الطاهر لا يراق في الشوارع، وإنما ينتفع به في أي وجه من وجوه الانتفاع. الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه لا يجوز تخليل الخمر، ولا تطهر بالتخليل بفعل فاعل، بل تبقى على نجاستها. ووجه الدلالة من الحديث: أنه ﷺ أجاب من سأله عن حكم اتخاذ الخمر خلاًّ بالنفي، وهذا دليل على تحريمه. ولأنه وجبت إراقتها، فترك إراقتها مع تخليلها معصية لا يترتب عليها طهارة خَلِّها، فيكون عدم جواز تخليلها من باب سدّ الذريعة، ولأن الرسول ﷺ صرح بعدم جواز تخليل خمر الأيتام - كما تقدم في رواية أبي داود - ولو كان ذلك جائزاً لكان اليتيم أحوج إلى التخليل؛ لأن مال اليتيم أولى الأموال بالحفظ والتثمير والرعاية، لكن لو تخللت بنفسها بدون فعل فاعل، فالذي عليه جمهور أهل العلم أنه لا حرج فيها؛ لأنه زال شرها بزوال ما فيها من المسكر، والخل مباح، فقد ورد عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ سأل أهله الأُدْمَ، فقالوا: ما عندنا إلا خلّ، فدعا به، فجعل يأكل به ويقول: «نِعم الأُدْمُ الخَلُّ، نِعم الأُدْمُ الخَلُّ» (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 105

نجاسة الحمر الأهلية ٢٥/ ٢ - وعَنْهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا طَلْحَةَ، فَنَادَى: «إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، فَإنَّهَا رِجْسٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في مواضع، منها: كتاب «الصيد والذبائح»، باب «لحوم الحمر الأنسية» (٥٥٢٨)، ومسلم كذلك (١٩٤٠) من طريق محمد بن سيرين، عن أنس ﵁، وزاد مسلم: «من عمل الشيطان»، واللفظ المذكور قريب من لفظ البخاري، إلا أنه لم يذكر اسم المنادي، وإنما ورد ذكره عند مسلم. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (لما كان يوم خيبر) أي: غزوة خيبر، وهي في أواخر المحرم سنة سبع، ونسبه ابن القيم (١) إلى الجمهور، وخيبر بلدة تبعد عن المدينة حوالي مائة وستين كيلاً، ومعناها بلسان اليهود: الحصن، وهي اسم لحصون ومزارع لليهود. و (يوم) مرفوع على أنه فاعل لـ (كان) التامة. قوله: (أمر رسول الله ﷺ أبا طلحة) هو زيد بن سهل بن الأسود بن

стр. 106

حرام بن عمرو النجاري الأنصاري، مشهور بكنيته، كان من فضلاء الصحابة، وهو زوج أم سليم، والدة أنس، وقد أخرج الإمام أحمد من طريق ثابت البناني، عن أنس ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «لَصَوْتُ أبي طلحة أشد على المشركين من فئة») (١)، وإسناده صحيح على شرط مسلم، وأخرجه من طريق علي بن جُدعان، عن أنس، ولفظه: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة» وإسناده ضعيف، لضعف علي بن جُدعان، لكن تابعه ثابت البناني كما سلف، مات أبو طلحة ﵁ سنة أربع وثلاثين (٢). قوله: (عن لحوم الحمر الأهلية) الحمر: بضمتين جمع حمار، والأهلية: نسبة إلى الأهل، أي: الحيوان الأليف، احترازاً من الحمر الوحشية؛ لأنها حلال. قوله: (فإنها رجس) جملة تعليلية، والرجس: بكسر الراء وسكون الجيم: كل شيء يستقذر، كما تقدم. والضمير (فإنها) يحتمل عوده على الحمر، فيكون عرقها وريقها ودمع عينيها وما يخرج من أنفها نجساً، ويحتمل عوده على اللحم الذي في القدور فيكون اللحم نجساً، وما تقدم يكون طاهراً. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية النداء لبيان المهمات من الأحكام وغيرها، وجواز أن يكون ذلك بواسطة مبلغ يكون موثوقاً به، أما غير الثقة فلا يجوز. ويستفاد منه جواز اتخاذ المترجم، الذي ينقل الكلام من لغة إلى أخرى، بشرط أن يكون أميناً عارفاً باللغتين، لئلا يقع في الخطأ أو يحرّف الكلام عن مواضعه. الوجه الرابع: جواز جمع اسم الله تعالى مع غيره في ضمير واحد، ومثل ذلك قوله ﷺ : « … أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما … » (٣).

стр. 107

وأما ما ورد في حديث عدي بن حاتم ﵁ أن رجلاً خطب عند النبي ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى» (١)، فأجيب عنه بأجوبة منها: الأول: وهو المشهور أن الإنكار على هذا الخطيب؛ لأن الخطبة شأنها البسط والإيضاح واجتناب الإشارات، وثَنَّى الضمير في حديث الباب؛ لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما تعليم حكم، فكلما قلَّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، ذكره النووي (٢). الثاني: أنه ثنى الضمير هنا إيماءً إلى أن ما نهى الله عنه فقد نهى رسوله عنه، وكذا العكس فهما متلازمان، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعاراً بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية، ذكره في شرح كتاب «التوحيد» (٣)، ونسبه للبيضاوي وغيره. الثالث: أن هذا من خصائصه ﷺ ، فيجوز له الجمع في الضمير بينه وبين ربه تعالى، وذلك ممتنع على غيره؛ لأن غيره إذا جمع أوهم إطلاقه التسوية، بخلافه هو فإن منصبه لا يتطرق إليه إيهام ذلك، ذكره السيوطي ونسبه للعز بن عبد السلام (٤)، وقد أشار القرطبي إلى ذلك (٥). الوجه الخامس: الحديث دليل على تحريم لحوم الحمر الأهلية، وأن لحمها ودمها وبولها وروثها كله نجس، لقوله: «ينهيانكم» وقوله: «فإنها رجس»، والأصل في النهي التحريم، والأصل في الرجس - وهو القذر - وجوب الاجتناب.

стр. 108

وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بدنه وعرقه وسؤره وريقه ونحو ذلك، على قولين: الأول: أنها نجسة، فلو شرب حمار من ماء وبقي بعد شربه شيء فهو نجس، وكذا عرقه وما يسيل من أنفه. وهذا مذهب الإمام أحمد، ودليله حديث الباب، ووجه الدلالة: أنه إذا كان الحمار الأهلي نجساً فإن سؤره وما ذكر يكون نجساً. القول الثاني: أنها طاهرة، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (١)، وصاحب «الإنصاف» (٢)، واستدلوا بما يأتي: ١ - أن النبي ﷺ وأصحابه كانوا يركبونها، ولا يخلو ركوبها من عرق، ولو كانت نجسة لبين النبي ﷺ ذلك، لحاجة الناس إلى هذا البيان. ٢ - أنه لا يمكن التحرز منها لمقتنيها، فأشبهت الهرة المنصوص عليها في قوله ﷺ : «إنها من الطوافين عليكم»، فإذا عفي عن الهرة لتطوافها فالحمار من باب أولى، ولا سيما أهل الحمر الذين اعتادوا ركوبها. وهذا القول هو الراجح - إن شاء الله ـ؛ لقوة مأخذه، وهو الأليق بسماحة الشريعة، وبُعدها عن الحرج والمشقة. قالوا: وأما ما استدل به القائلون بنجاسة ريقها وعرقها فليس صريحاً في تحريم ما ذكر، فإن معنى (رجس) أي: محرمة، كما في اية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾ .. ﴾ [المائدة: ٩٠]، ويحتمل أن المراد بذلك لحمها الذي كان في قدورهم فإنه نجس؛ لأن ذَبْحَ ما لا يحل أكله لا يطهره الذبح، ولهذا قال ابن القيم: (دليل النجاسة لا يقاوم دليل الطهارة) (٣)، والله أعلم.

стр. 109

طهارة لعاب الإبل ٢٦/ ٣ - عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ ﵁ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنًى، وَهُوَ عَلَى رَاحِلتِهِ، وَلُعَابُها يَسِيلُ عَلَى كَتِفي. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عمرو بن خارجة بن المُنْتَفِق الأسدي، عداده في أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غَنْم، وشهر بن حوشب (١). الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٢١٢)، والترمذي (٢١٢١) من طريق قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وفي هذا السند ضعف، من أجل شهر بن حوشب، قال في «التقريب»: (صدوق كثير الإرسال والأوهام)، وأخرجه النسائي (٦/ ٢٤٧) من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن قتادة، عن عمرو بن خارجة. والحديث له طرق وشواهد، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده الكثيرة، ومنها حديث أنس ﵁ قال: (إني لَتحتَ ناقةِ رسول الله ﷺ يسيل عليَّ لعابها، فسمعته يقول .. الحديث) (٢).

стр. 110

الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (بمنى) بكسر الميم، اسم مكان من مشاعر الحج، سمي بذلك لأنه تُمنى فيه دماء الهدايا، أي: تُراق بالذبح والنحر. قوله: (وهو على راحلته) جملة حالية، والراحلة: المركب من الإبل ذكراً كان أو أنثى، وبعضهم يقول: الراحلة: الناقة التي تصلح أن تُرحل، يقال: رحلت البعير، أي: شددت عليه رحله، وهو كل شيء يعد للرحيل، من وعاء للمتاع ومركب للبعير وحِلْسٍ ورَسَنٍ … قوله: (ولعابها) اللعاب: بضم اللام ما سال من الفم، يقال: لَعَبَ يَلْعَبُ - بفتحتين - سال لعابه من فمه، ولعاب النحل: العسل. قوله: (على كتفي) يحتمل الإفراد والتثنية، والكتف: بفتح الكاف وكسر التاء، هو عظم عريض خلف المنكب، وعند أحمد في إحدى رواياته، والترمذي: (يسيل بين كتفيَّ) بالتثنية. الوجه الرابع: الحديث دليل على أنه ينبغي للخطيب أن يكون على مكانٍ عالٍ كمنبر وكرسي ونحوهما؛ لأنه أظهر لصوته، وأبلغ في الإعلام، وأهيب للسامعين، وأسهل للسؤال. الوجه الخامس: الحديث دليل على حرصه ﷺ على تبليغ الأحكام للأمة، وذلك بالخطبة، وأنه ينبغي لمن ولي أمر الحجاج أن يخطب فيهم بمنى، ليعلمهم بقية أحكام المناسك من الرمي والنحر والحلق والطواف. الوجه السادس: فيه دليل على جواز الخطبة والموعظة على الراحلة وأن هذا مباح لوجود المصلحة، ولأنه لا يتكرر ولا يطول، وقد ورد أن النبي ﷺ وقف عشية عرفة على راحلته (١)، وأما ما ورد من النهي عن ذلك فهو محمول على ما إذا أجحف بالدابة، وذلك بأن يركبها لا لمعنى يوجبه، وإنما ليستوطن
следующие страницы →