← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

البقيع، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» باب «الوضوء ثلاثاً ثلاثاً» برقم (١٥٩)، وأخرجه مسلم في «الطهارة» (٢٢٦) من طريق إبراهيم ابن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن زيد الليثي، عن حمران به. وهذا لفظ مسلم، وتمامه: (ثم قال رسول الله ﷺ : «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غُفر له ما تقدم من ذنبه»، قال ابن شهاب: (وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة). وللحديث طرق أخرى، وألفاظ متعددة، فقد رواه عن ابن شهاب رواة اخرون في الصحيحين والسنن والمسانيد. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (دعا بِوَضُوءٍ) بفتح الواو، وهو الماء الذي يتوضأ به، أي: طلب ماء يتوضأ به. قوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات) كفيه: مثنى (كف) وهي الراحة مع الأصابع، وحَدُّها مفصل الذراع، سميت بذلك لأنها تكف الأذى عن البدن. قوله: (ثم تمضمض) أي: أدار الماء في فمه، تقول: مضمضت الماء في فمي: حركته بالإدارة فيه، وتمضمضت بالماء: فعلت ذلك، وهي مأخوذة من قولهم: تمضمضت الحية في جُحرها، أي: تحركت. قوله: (واستنشق) الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى باطن الأنف. قوله: (واستنثر) الاستنثار: إخراج الماء من الأنف، ولم يرد في طرق هذا الحديث في الصحيحين ذكر العدد في المضمضة والاستنثار، لكن ورد ذلك عند أبي داود من طريقين في حديث عثمان هذا (٢)، وورد - أيضاً - في

стр. 142

حديث أبي هريرة وعلي ﵄، وسيأتي ذكرهما - إن شاء الله ـ. قوله: (ثم غسل وجهه) الوجه: مأخوذة من المواجهة، سمي بذلك لأنه يواجه به، وحَدُّهُ من منابت الشعر المعتاد إلى ما نزل من اللحية والذقن طولاً، ومن الأذن إلى الأذن عرضاً. قوله: (إلى المرفق) إلى: للغاية، والغالب عدم دخول نهاية الغاية في حكم ما قبلها، نحو: قرأت الكتاب إلى الصفحة الأخيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلا إذا وجدت قرينة تدل على الدخول، نحو: صمت المفروض من أوله إلى اليوم الأخير، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ فقد دلت السنة على دخول المرفق في المغسول، والسنة بيان للقران، وذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أنه توضأ فغسل وجهه، فأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى أشرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ (١). والمرفق: بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر الفاء، هو مفصل العضد من الذراع، وجمعه مرافق؛ قال تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] سمي بذلك لأنه يُرتفق به في الاتكاء ونحوه، أي: يستعان به. قوله: (ثم مسح برأسه) أي: أمرَّ يده عليه مبلولة بالماء، وحد الرأس: منابت الشعر من جوانب الوجه إلى أعلى الرقبة، والباء للإلصاق؛ لأن الماسح يلصق يده بالممسوح. قوله: (إلى الكعبين) مثنى كعب، والكعبان: عظمان ناتئان في أسفل الساق، و (إلى) بمعنى: (مع) بدليل حديث أبي هريرة المذكور قريباً. قوله: (نحو وُضوئي هذا) أي: شبه وضوئي، وهو بضم الواو؛ لأن

стр. 143

المراد به فعل الوضوء، وقد ورد عند أبي داود: «توضأ مثل وضوئي هذا» (١)، وإنما قال: (نحو) في رواية الصحيحين، ولم يقل: (مثل) لأن حقيقة مماثلة وضوء النبي ﷺ لا يقدر عليها غيره، لكن ثبت التعبير بالمماثلة كما في رواية أبي داود المذكورة، فيكون التعبير بـ (نحو) من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازاً، أو يكون المعول على ما في الصحيحين. الوجه الرابع: فضيلة أمير المؤمنين عثمان ﵁ وحرصه على تعليم العلم، نشراً للسنة، ونصحاً للأمة، فينبغي للعلماء وطلاب العلم أن ينشروا السنن بين الناس، وألا يكتفوا بوضوحها ومعرفة الناس لها إجمالاً، فإن عثمان ﵁ بين صفة وضوء النبي ﷺ بالفعل، مع أنه أمر معروف، ولا سيما في القرن الأول. الوجه الخامس: هذا الحديث هو أحد الأحاديث التي بينت صفة وضوء النبي ﷺ على الكمال، قال ابن الملقن: (هو أصل عظيم في صفة الوضوء) (٢). وتقدم كلام ابن شهاب الزهري. ولذا جعله الحافظ أصلاً في بيان صفة وضوء النبي ﷺ ، وجعل ما بعده من الأحاديث مكملات له. وسأتكلم - إن شاء الله - عن فوائده، دون المسائل التي لها أحاديث مستقلة ستأتي، فهذه أترك الكلام عليها إلى حينه. الوجه السادس: جواز الاستعانة في إحضار ماء الوضوء، لقول حمران: (إن عثمان ﵁ دعا بوضوء)، وقد حكى ابن الملقن الإجماع على جواز ذلك من غير كراهة (٣). ويدخل في ذلك صب الماء على المتوضئ، لما ورد عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: (بينا أنا مع رسول الله ﷺ ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثم

стр. 144

جاء فصببت عليه من إداوة كانت معي، فتوضأ، ومسح على خفيه) (١). الوجه السابع: أن عثمان ﵁ سلك في بيان صفة وضوء النبي ﷺ مسلك البيان بالفعل دون القول؛ لأن الوصف بالفعل أسرع إدراكاً، وأدق تصويراً، وأرسخ في النفس؛ لأن البيان بالقول يعتمد على الألفاظ، والألفاظ يطرقها الاحتمال في المعنى، ويستفاد من ذلك أنه ينبغي للمعلم أن يسلك أقرب الطرق لإيصال المعلومات إلى أذهان الطلاب، وفي مقدمة ذلك وسائل الإيضاح التي تعين على الفهم ورسوخ العلم. الوجه الثامن: مشروعية الوضوء بهذه الكيفية، فيغسل كفيه ثلاثاً، ثم يتمضمض، ويستنشق، ويستنثر، ثم يغسل وجهه ثلاثاً، ثم يده اليمنى مع مرفقه ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، وهذه صفة وضوء النبي ﷺ . الوجه التاسع: الحديث دليل على مشروعية غسل الكفين ثلاث مرات، وهذا سنة؛ لأن الوارد فيه فعل مجرد، كما في حديث عثمان هذا، وحديث عبد الله بن زيد ﵁ في الصحيحين، وحديث علي ﵁ عند أصحاب السنن وغيرهم، وحديث أبي هريرة ﵁ أخرجه الطبراني في الأوسط بإسنادٍ رجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي (٢). وليس غسلهما واجباً؛ لأن الله تعالى ذكر الوضوء في القران - كما في اية المائدة - وبدأ بغسل الوجه، ولم يذكر غسل الكفين، قال ابن قدامة: (وليس غسلهما بواجب عند غير القيام من النوم، بغير خلاف نعلمه) (٣). اهـ. والحكمة من غسلهما أنهما الة الغسل، بهما يؤخذ الماء، وتدلك الأعضاء، فناسب تطهيرهما قبل ذلك.

стр. 145

وهذا الغسل لغير القائم من النوم، أما غسلهما بعد القيام من النوم فهذا سيأتي إن شاء الله تعالى. وظاهر الحديث أنه يغسل الكفين بغرفة واحدة، لقوله: (فغسل كفيه ثلاث مرات)، وفي رواية لمسلم: (فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما)، وفي حديث ميمونة قالت: (وضعت لرسول الله ﷺ وضوء الجنابة فأكفأ بيمينه على يساره مرتين أو ثلاثاً .. ) الحديث (١). الوجه العاشر: الحديث دليل على استحباب التثليث في المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه وغسل اليدين والرجلين، وقد بوّب البخاري ﵀ في كتاب الوضوء على هذا الحديث بقوله: «باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً» - كما تقدم - ودلالته على ذلك ظاهرة. ويجوز زيادة بعض أعضاء الوضوء على بعض في الغسل، بأن يغسل بعض الأعضاء مرة، وبعضها مرتين، وبعضها ثلاثاً، لما ورد في حديث عبد الله بن زيد أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه ثلاثاً، وغسل يديه مرتين، ومسح رأسه مرة (٢). قال النووي: (فيه دلالة على جواز مخالفة الأعضاء، وغسل بعضها ثلاثاً وبعضها مرتين، وبعضها مرة، وهذا جائز، والوضوء على هذه الصفة صحيح بلا شك، ولكن المستحب تطهير الأعضاء كلها ثلاثاً ثلاثاً كما قدمنا، وإنما كانت مخالفتها من النبي ﷺ في بعض الأوقات، بياناً للجواز، كما توضأ مرة مرة في بعض الأوقات بياناً للجواز، وكان في ذلك الوقت أفضل في حقه ﷺ لأن البيان واجب عليه ﷺ ، فإن قيل: البيان يحصل بالقول؟ فالجواب: أنه أوقع بالفعل في النفوس، وأبعد من التأويل، والله أعلم) (٣). الوجه الحادي عشر: لا تجوز الزيادة في الوضوء على ثلاث مرات،

стр. 146

وقد نقل النووي الإجماع على كراهة الزيادة على الثلاث (١)، ودليل ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثاً ثلاثاً، قال: «هذا الوضوء، فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم» (٢). قال الترمذي بعد حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ توضأ ثلاثاً ثلاثاً قال: (والعمل على هذا عند عامة أهل العلم، أن الوضوء يجزي مرة مرة، ومرتين أفضل، وأفضله ثلاث، وليس بعده شيء). وقال ابن المبارك: (لا امن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم). وقال أحمد وإسحاق: (لا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى) (٣). وقال إبراهيم النخعي: (تشديد الوضوء من الشيطان، ولو كان هذا فضلاً لأُوثر به أصحاب محمد ﷺ (٤). الوجه الثاني عشر: الحديث دليل على فضيلة صلاة ركعتين، والثواب الموعود به مرتب على الأمرين: الأول: وضوؤه على الكيفية المذكورة، ومنها التثليث. الثاني: صلاة ركعتين عقب الوضوء بالوصف المذكور، وهو قوله: «لا يُحَدِّثُ فيهما نفسه» أي: لا يفكر في شيء خارجٍ عن صلاته، وقوله: «لا يحدث» يفيد أن المراد ما يسترسل مع النفس مع إمكان دفعه وقطعه، أما ما يهجم على النفس ويتعذر دفعه فهو معفو عنه؛ لأنه ليس في مقدور الإنسان، وظاهر الحديث أنه شامل لحديث النفس في أمور الدين وأمور الدنيا، وخصه بعض العلماء بالثاني، لما ورد عند البخاري تعليقاً أن عمر ﵁ قال: (إني

стр. 147

لأجهز جيشي وأنا في الصلاة) (١)، والذي يظهر أن ما كان في أمور الدين أخف مما يكون في أمور الدنيا. وأما ثواب ذلك فهو مغفرة ما سبق من الذنوب، والمراد الذنوب الصغائر عند جمهور العلماء (٢)، والله أعلم.

стр. 148

مسح الرأس مرة واحدة ٣٤/ ٣ - عَنْ عَلِيٍّ ﵁ في صِفَةِ وُضُوءِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أمير المؤمنين، ورابع خلفاء المسلمين، وابن عم خاتم النبيين، ولد قبل البعثة بعشر سنين على الصحيح، وتربى في حِجْرِ النبي ﷺ لقصة مذكورة في السيرة النبوية، وامن به من حين بُعث، وزَوَّجَهُ النبي ﷺ ابنته فاطمة، وخلفه في أهله في غزوة تبوك، وقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (١)، شهد له النبي ﷺ بالجنة، واشتهر بالشجاعة والفروسية والإقدام والعلم والفطنة، حتى قال فيه عمر ﵁: (أقضانا علي) تولى الخلافة بعد عثمان ﵁ في اخر ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين - كما تقدم - إلى أن قتل شهيداً لِبِضْعَ عَشْرَةَ ليلةً خلت من رمضان سنة أربعين، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة، وقيل: في مكان مجهول خوفاً من الخوارج (٢)، ﵁. الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث قطعة من حديث طويل، أخرجه أبو داود (١١١) في «صفة وضوء النبي ﷺ »، وأخرجه النسائي مختصراً (١/ ٦٨)، من طريق أبي عوانة،

стр. 149

عن خالد بن علقمة، عن عبد خير (١) قال: (أتانا علي ﵁ وقد صلى، فدعا بطَهور، فقلنا: ما يصنع بالطَّهور وقد صلى؟ ما يريد إلا أن يعلمنا … وساق الحديث إلى أن قال: ثم جعل يده في الإناء، فمسح برأسه مرة واحدة .. الحديث) وقد أخرجه أبو داود - أيضاً - من طريق زائدة بن قدامة، عن خالد به، وأخرجه من طرق أخرى، والحديث صحيح، قال عنه الترمذي: (حديث علي أحسن شيء في هذا الباب وأصح؛ لأنه قد روي من غير وجه عن علي رضوان الله عليه) (٢) وقال البزار: (هذا الحديث قد رواه غير واحد عن خالد بن علقمة، عن عبد خير، عن علي، ولا نعلم أحداً أحسن له سياقاً ولا أتم كلاماً من زائدة). اهـ (٣). وهذا الحديث بطوله استوفى صفة وضوء النبي ﷺ ، وهو يفيد ما أفاده حديث حمران عن عثمان ﵁ السابق - وإنما أتى المصنف بهذا القدر من حديث علي ﵁ لأنها صرحت بما لم يُصرَّح به في حديث عثمان، فإن حديث عثمان ذكر مسح الرأس وظاهره أنها واحدة، لكن في هذا الحديث صرح بأنه مسح رأسه مرة واحدة، مع تصريحه بتثليث ما عداه من الأعضاء، وسيذكره المصنف بعد واحد وعشرين حديثاً مستدلاً بها على مسألة من مسائل الوضوء. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الرأس يمسح مرة واحدة، وأنه لا يكرر مسحه كما يكرر الغسل، ولذا لم يشرع غسله؛ لأنه لو شرع غسله لعظمت المشقة؛ لأن الرأس يكون عليه الشعر غالباً، وإكثار الماء عليه ولا سيما في أيام الشتاء يؤذي الإنسان، ولأنه لو غُسِلَ وهو أعلى البدن لتسرب الماء إلى الثياب، فشرع مسح جميعه، وأقام الشرع ذلك مقام غسله، تخفيفاً ورحمة بالعباد.

стр. 150

والقول بأن الرأس يمسح مرة واحدة هو مذهب الجمهور من أهل العلم، من الحنفية، والمالكية، والصحيح من مذهب الحنابلة (١)، ودليلهم حديث علي هذا، وحديث عبد الله بن زيد، وفيه: (ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة) (٢)، وكذلك حديث عثمان المتقدم، فإنه لم يذكر التثليث في مسح الرأس كما ذكره في غيره من الأعضاء، وكذا حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ بن عفراء ﵂ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ، قالت: فمسح رأسه، ومسح ما أقبل منه وما أدبر، وصُدْغيه وأذنيه مرة واحدة (٣) والصُّدْغ: ما بين لحظ العين إلى أصل الأذن والشعر المتدلي على ذلك الموضع. قال ابن القيم: (والصحيح أنه لم يكرر مسح رأسه، بل كان إذا كرر غسل الأعضاء أفرد مسح الرأس، هكذا جاء عنه صريحاً، ولم يصح عنه ﷺ خلافه البتة .. ) (٤). والقول الثاني: أنه يشرع تثليث مسح الرأس، وهو مذهب الشافعي، فإنه قال: (وأحب لو مسح رأسه ثلاثاً، وواحدةٌ تجزئه) (٥)، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهو قول لبعض السلف، كإبراهيم التيمي وعطاء (٦). واستدلوا بما يلي: ١ - حديث عثمان ﵁، ففي رواية أنه قال: (ألا أريكم وضوء رسول الله ﷺ ثم توضأ ثلاثاً ثلاثاً) (٧) قالوا: فظاهر ذلك يشمل مسح الرأس.

стр. 151

٢ - ما أخرجه أبو داود من حديث عثمان، من طريق عامر بن شقيق أن عثمان مسح رأسه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله ﷺ فعل هذا (١). والصحيح القول الأول، وهو أن الرأس يمسح مرة واحدة على الصفة الآتية، والزيادة على ذلك غير مشروعة، لقوة دليله، ولأن المسح مبني على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ، ولأنه لو اعتبر العدد في المسح لصار في صورة الغسل إذ حقيقة الغسل جريان الماء. وأما رواية مسلم فهي مجملة، وقد تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على الغالب، أو أن التثليث يختص بالمغسول. وأما حديث أبي داود فهو ضعيف من هذا الطريق؛ لأنه من رواية عامر ابن شقيق، وهو لين الحديث، كما في «التقريب»، ثم هي معارضة بما هو أصح منها، فتكون شاذة، ولهذا قال أبو داود: (أحاديث عثمان ﵁ الصحاح كلها تدل على مسح الرأس أنه مرة، فإنهم ذكروا الوضوء ثلاثاً، وقالوا فيها: ومسح رأسه، ولم يذكروا عدداً كما ذكروا في غيره) (٢)، والله أعلم.

стр. 152

كيفية مسح الرأس ٣٥/ ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصم ﵁ ﵁ في صِفَةِ الْوُضُوءِ - قَالَ: وَمَسَحَ ﷺ بِرَأْسِهِ، فَأَقْبَلَ بيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المزني ﵁، شهد غزوة أحد وما بعدها، واختلف في شهوده غزوة بدر، روى عن النبي ﷺ حديث الوضوء، وعدة أحاديث ذكر ابن الملقن أنها ثمانية وأربعون حديثاً (١)، اتفق البخاري ومسلم على ثمانية منها، ولما غزا الناس اليمامة شارك عبد الله بن زيد وَحْشِيَّ بن حرب في قتل مسيلمة، وقُتل ﵁ يوم الحرة، سنة ثلاث وستين (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٦) ومسلم (٢٣٥) من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد الله بن زيد عن وضوء النبي ﷺ ، فدعا بِتَوْرٍ من ماء فتوضأ لهم وضوء النبي ﷺ ، وساق الحديث .. إلى أن قال: ثم

стр. 153

أدخل يده فمسح رأسه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة .. الحديث. واللفظ المذكور بعد ذلك أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٨٥) باب «مسح الرأس» ومسلم (٢٣٥)، من حديث عبد الله بن زيد ﵁. ولعل غرض الحافظ من سياق هذا اللفظ تفسير الإقبال والإدبار في اللفظ الذي قبله، فإن هذا اللفظ أوضح في المراد. وحديث عبد الله بن زيد قد استوفى صفة وضوء النبي ﷺ ، وهو يفيد ما أفاده حديث عثمان ﵁، إلا أن فيه زيادة بيان صفة مسح الرأس، وهي لم ترد في حديث عثمان ﵁، فلذا ساق الحافظ هذا القدر من الحديث. الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (فأقبل بيديه) أي: بدأ بِقَبْلِ رأسه، يعني مقدمه، والقَبْلُ من كل شيء: خلاف دبره. قوله: (وأدبر) أي: رجع بهما من دبر الرأس، أي: مؤخره. قوله: (ذهب بهما إلى قفاه) أي: أوصل يديه إلى قفاه، والقفا: مؤخر الرأس والعنق. الوجه الرابع: الحديث دليل على وجوب استيعاب الرأس عند المسح، وهو قول مالك والمشهور عن أحمد (١)، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) وابن كثير (٣)، لقوله: (مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر) ويكون فعله ﷺ بياناً لمجمل القران في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. وقالت الشافعية وأصحاب الرأي: يجزئ مسح بعض الرأس، بل عند الشافعية يكفي ما يقع عليه اسم المسح وإن قل (٤)؛ لحديث المغيرة أنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة (٥)، قالوا: وهذا يمنع وجوب الاستيعاب،

стр. 154

والحق أنه لا دليل فيه إلا لو كان ﷺ اقتصر على مسح الناصية، ولكنه لم يكتف بذلك بل أتم مسحه لباقي رأسه، وهو ما كانت تغطيه العمامة، فدلالته على الاستيعاب أولى، وسيأتي هذا الحديث إن شاء الله تعالى. الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الرأس، وهو أن يبدأ بمقدم رأسه، فيذهب بيديه إلى قفاه أعلى الرقبة، ثم يردهما حتى يصل إلى المكان الذي بدأ منه، وهو مبتدأ الشعر على حد الوجه، وقد دل على هذه الصفة قوله: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه). والقول الثاني في تفسير الإقبال والإدبار أن يبدأ بمؤخر رأسه، فيقبل إلى جهة الوجه، ثم يدبر فيرجع إلى المؤخر، أخذاً بظاهر قوله: (فأقبل بيديه وأدبر) ولما ورد في حديث الرُّبيِّع بنت معوذ: (أن النبي ﷺ مسح برأسه مرتين: بدأ بمؤخر رأسه، ثم بمقدمه) (١). وأجاب الأولون عن هذه اللفظة: (أقبل بيديه وأدبر)، بثلاثة أجوبة: ١ - أن الواو لا تقتضي الترتيب، وأن التقدير: أدبر وأقبل، ويؤيد ذلك ما ورد عند البخاري من طريق سليمان بن بلال بلفظ: (فمسح رأسه، فأدبر به وأقبل) (٢). ٢ - أن الإقبال والإدبار من الأمور الإضافية التي تنسب إلى ما يقبل إليه ويدبر عنه، والمؤخر محل يمكن أن ينسب إليه الإقبال والإدبار. ٣ - أن يحمل قوله: (أقبل) على البداءة بالقبل وهو مقدم الرأس و (أدبر)

стр. 155

على البداءة بالدبر، فيكون من باب تسمية الفعل بابتدائه، وهو أحد قولين للأصوليين في تسمية الفعل، هل يكون بابتدائه أو انتهائه؟ وذلك لأن مخرج الطريقين متحد، فهما بمعنى واحد. وقد ورد في سنن أبي داود من حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ، فلما بلغ مَسْحَ رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه، فأمرَّهما حتى بلغ القفا، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه) (١). فإن قيل بالترجيح فلا ريب أن حديث البداءة بالمقدم أكثر وأصح وأجود إسناداً من حديث البداءة بالمؤخر، كما قال الترمذي، وحديث الرُّبيِّع فيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وقد تكلم فيه العلماء من قبل حفظه، فهو ضعيف إذا انفرد بالرواية ولم يتابع، وإلا حمل حديث البداءة بالمؤخرة على تعدد الحالات وبيان الجواز، وفيه عمل بجميع الأدلة. الوجه السادس: الحكمة من مسح الرأس على هذه الصفة استيعاب جهتي الرأس بالمسح؛ لأن الشعر من جهة الوجه متجه إلى الوجه، ومن جهة المؤخر متجه إلى القفا، فإذا بدأ من مقدم الرأس استقبل الشعر وأصبح الماء يمس أصول الشعر، فإذا وصل إلى قمة الرأس استدبر الشعر، وأصبح الماء يمس ظهور الشعر، فإذا عاد حصل عكس ذلك. وليس هذا من باب تكرار المسح، وإنما المقصود أن يكون المسح مباشراً لظهور الشعر وأصوله، فهي مسحة واحدة لا مسحتان؛ لأن تمام المسحة الواحدة لا يحصل على جميع الشعر إلا بالإقبال والإدبار، فإنه في رجوعه يمسح ما لم يمسحه في ذهابه، وهذه الصفة ليست واجبة، فلو مسح على أي صفة كانت أجزأ المسح، لكن المحافظة على السنة أفضل.

стр. 156

وقد ذكر النووي أن هذه الصفة وهي الإقبال والإدبار مستحبة لمن له شعر مسترسل، أما من لا شعر له، أو حلق شعره وطلع منه يسير فلا يستحب له الرد؛ لأنه لا فائدة فيه (١). قلت: وهذا فيه نظر، أما من جهة الجواز فالأمر واضح، وأما من جهة متابعة السنة فلا ريب أن الإقبال والإدبار مستحب، وهو الذي يدل عليه إطلاق الحديث، والله أعلم. الوجه السابع: الأصل أن المرأة كالرجل في صفة مسح الرأس؛ لأن الأصل في الأحكام الشرعية أن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء، وكذا العكس إلا بدليل يخصص، وقد ذكر البخاري تعليقاً عن سعيد بن المسيب أنه قال: (المرأة بمنزلة الرجل تمسح على رأسها) (٢). وقد أخرج النسائي في باب «مسح المرأة رأسها» حديث عائشة، وفيه: (ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره .. ) (٣) فهذا يدل على كيفية مسح المرأة رأسها وأنها مثل مسح الرجل وأنه مرة واحدة. ورأيت في مسائل الإمام أحمد لأبي داود قال: (سمعت أحمد سئل: كيف تمسح المرأة رأسها في الوضوء؟ فقال: هكذا؛ ووضع يده على وسط رأسه ثم جرهما إلى مقدمه، ثم دفعهما فوضعهما حيث منه بدأ، ثم جرهما إلى مؤخره)، ونقله ابن قدامة في «المغني» (٤). والذي يظهر لي - والله أعلم - أن ما ورد في حديث عائشة أقرب إلى السنة، وفيه تيسير وتسهيل، أما الضفائر فالأظهر أنها غير داخلة في المسح؛

стр. 157

لأن المسح متعلق بالرأس، والرأس ما ترأَّس وعلا، وما نزل عن محل الفرض لا يسمى رأساً، والأحاديث نصت على بداية مسح شعر الرأس بناصيته وانتهائه بقفاه، والله أعلم (١).

стр. 158

صفة مسح الأذنين ٣٦/ ٥ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرو ﵄ في صِفَةِ الوُضُوءِ - قَالَ: ثمَّ مَسَحَ ﷺ بِرأْسِهِ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّاحَتَيْنِ في أُذُنَيْهِ، وَمَسَحَ بِإبْهَامَيْهِ ظَاهِرَ أُذُنَيْهِ. أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، هاجر هو وأبوه قبل الفتح، وأسلم قبل أبيه، ولم يكن بين مولدهما إلا اثنتي عشرة سنة. كان كثير العبادة، وقد ورد في الصحيحين قصته مع النبي ﷺ في نهيه عن مواظبة قيام الليل وصيام النهار وأمره بصيام يوم بعد يوم، وبقراءة القران كل ثلاث، وفي بعض طرقه: لما كبر كان يقول: يا ليتني كنت قبلت رخصة رسول الله ﷺ . كان عبد الله بن عمرو ﵄ حافظاً لأحاديث النبي ﷺ ، لكن لم تكثر الرواية عنه كما كثرت عن أبي هريرة ﵁، مع أن أبا هريرة ﵁ قال: ما أجد من أصحاب رسول الله ﷺ أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب (١)، ولعل السبب في قلة الرواية عنه أنه كان مشتغلاً بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم، أو أن أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف، ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وقيل غير ذلك (٢). اختلف المؤرخون في موته: أين كان؟ ومتى؟ فذكر الحافظ ابن حجر

стр. 159

في ذلك عدة أقوال، ونَقَلَ عن الإمام أحمد أن وفاته كانت ليالي الحرة اخر ذي الحجة، سنة ثلاث وستين، ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث قطعة من حديث طويل رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ في صفة وضوء النبي ﷺ ، واقتصر المصنف على ذكر هذا القدر من الحديث، لإفادتها مسح الأذنين وكيفيته، الذي لم يفده حديث عثمان ﵁ السابق في هذا الباب. وقد أخرج هذا الحديث أبو داود (١٣٥)، والنسائي (١/ ٨٨)، وابن ماجه (١/ ١٤٦)، وأحمد (١١/ ٢٧٧)، وابن خزيمة (١/ ٨٩) من طريق موسى بن أبي عائشة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم، أو ظلم وأساء» وهذا لفظ أبي داود، ولفظ النسائي وابن خزيمة مختصر، ليس فيه محل الشاهد. وهذا الحديث من ضمن أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ووالد شعيب هو محمد بن عبد الله، وليس له رواية عن أبيه. وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو الذي ذكره الذهبي، وصحح أن شعيباً ثبت سماعه من عبد الله بن عمرو (٢) وهو الذي رباه وكفله، وقد اختلف أهل العلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأرجح الأقوال أنه من قبيل الحسن، سوى ما فيه من المناكير، ولعلها من قبل غيره (٣).

стр. 160

وهذا الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح، منها حديث المقدام بن معديكرب قال: (رأيت رسول الله ﷺ توضأ فمسح رأسه، ومسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما). أخرجه أبو داود (١٢١)، وابن ماجه (١/ ١٥١)، والبيهقي (١/ ٦٥) وإسناده حسن، وحديث الربيع بنت معوذ أخرجه أبو داود (١٢٩)، وحديث ابن عباس أخرجه ابن خزيمة (١٤٨)، ولفظه: (وغرف غرفة فمسح رأسه وباطن أذنيه وظاهرهما، وأدخل إصبعيه فيهما). ولفظة: (أو نقص) الواردة في سياق أبي داود لا تصح؛ لأن ظاهرها ذم النقص عن الثلاث في أعضاء الوضوء مع أن النقص جائز، وقد فعله النبي ﷺ كما تقدم، فكيف يعبر عن ذلك بـ (أساء وظلم)؟! قال ابن المواق: (إن لم يكن اللفظ شكاً من الراوي، فهو من الأوهام المُبَيَّنة التي لا خفاء بها، إذ الوضوء مرة ومرتين لا خلاف في جوازه، والآثار بذلك صحيحة … ) (١). الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (وأدخل إصبعيه) مثنى إصْبَع، والمراد الأنملة - بتثليث حركة الهمزة والميم - وهي رأس الإصبع، وهذا من باب المجاز المرسل، وعلاقته الكلية أي: إطلاق الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩]. قوله: (السباحتين) تثنية سباحة، وهي الإصبع التي بين الإبهام والوسطى، سميت بذلك لأنه يشار بها عند ذكر الله تعالى وتسبيحه. قوله: (بإبهاميه) مثنى إبهام، والإبهام هي الإصبع الغليظة الخامسة من أصابع اليد والرجل. الوجه الرابع: الحديث دليل على مسح الأذنين في الوضوء وأنهما لا يغسلان؛ لأنهما تابعان للرأس، وهذا مذهب الجمهور من السلف والخلف، لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ والأذنان من الرأس، ولحديث ابن عمر ﵄

стр. 161

موقوفاً: «الأذنان من الرأس» (١). الوجه الخامس: الحديث دليل على صفة مسح الأذنين، وهو أن يدخل إصبعيه السباحتين في صماخي أذنيه (٢) لمسح باطنهما، ويمسح بإبهاميه ظاهرهما، وهي الغضاريف الخارجية، ولو مسحهما بغير السباحة جاز؛ لأن المقصود استيعاب المحل بالمسح، لكن العمل بالسنة أفضل، ليحصل له أجر الاقتداء بالنبي ﷺ ، قال الموفَّق ابن قدامة: (ولا يجب مسح ما استتر بالغضاريف؛ لأن الرأس الذي هو الأصل لا يجب مسح ما استتر منه بالشعر، والأذن أولى) (٣). والحكمة من تخصيص الأذن بالمسح لتطهيرها ظاهراً وباطناً، لتخرج الذنوب التي كسبتها الأذن بالاستماع إلى ما لا يجوز، كما تخرج من سائر أعضاء الوضوء. وقد ورد عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» (٤). وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا توضأ الرجل المسلم خرجت خطاياه من سمعه وبصره ويديه ورجليه، فإن قعد قعد مغفوراً له» (٥).

стр. 162

مشروعية الاستنثار عند القيام من النوم ٣٧/ ٦ - عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامه فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثاً، فَإنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «بدء الخلق» باب «صفة إبليس وجنوده» (٣٢٩٥)، ومسلم في «الطهارة» (٢٣٨) من طريق عيسى بن طلحة، عن أبي هريرة ﵁، ولفظه عند البخاري «إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثاً .. » وقد مضى ذكر الاستنثار في حديث عثمان ﵁ في صفة وضوء النبي ﷺ . ولعل الحافظ ذكر هذا الحديث هنا، لاشتماله على أمر النبي ﷺ بالاستنثار، لكونه يتعلق بعضو الأنف. الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من نومه) هذا مفرد مضاف، فيعم نوم الليل والنهار، لكن قوله: «يبيت» مخصص لهذا العموم؛ لأن البيتوتة لا تكون إلا في الليل، قال في القاموس: (من أدركه الليل فقد بات) (١) أي: سواء أحصل نوم أم لم يحصل. قوله: (فليستنثر) أي: ليخرج من أنفه الماء الذي استنشقه، واللام للأمر، وهذا اللفظ فيه زيادة فائدة على قوله: «فليستنشق» لأن الاستنثار يقع على الاستنشاق بغير عكس، فقد يستنشق ولا يستنثر، والاستنثار من تمام

стр. 163

فائدة الاستنشاق؛ لأن الاستنشاق جذب الماء بنفسه إلى باطن الأنف، والاستنثار إخراجه، وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم ليستنثر». وقد مضى ذكر ذلك. قوله: (ثلاثاً) مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: استنثاراً ثلاثاً. قوله: (فإن الشيطان يبيت على خيشومه) الجملة تعليل للأمر بالاستنثار ثلاثاً، والمراد بالشيطان: جنس الشيطان، والخيشوم: هو أعلى الأنف من داخله، وقيل: هو الأنف. الوجه الثالث: الحديث دليل على وجوب الاستنثار ثلاث مرات عند الاستيقاظ من نوم الليل؛ لأنه ورد بصيغة الأمر، والأمر يقتضي الوجوب، ورواية البخاري - كما تقدم - قيدت هذا الاستنثار عند الوضوء، ورواية مسلم مطلقة غير مقيدة بالوضوء، فإما أن يحمل المطلق على المقيد ويكون الأمر عند الوضوء، أو يعمل بالحديثين، فيشرع الاستنثار عند الاستيقاظ من النوم وإن لم يصادف وضوءاً، إما لمرض أو لكونه عادماً الماء، ولكن عنده ما يستنثر به، فإن لم يتيسر ذلك كفى استنثاره في الوضوء، فإنه حاصل به فعل المشروع. والاستنثار فرع عن الاستنشاق، والقول بوجوب الاستنشاق رواية عن الإمام أحمد (١)، وبه قال ابن حزم (٢)، وقال الجمهور: إنه سنة (٣). والأول أظهر، فإن الأصل في الأوامر الوجوب، وليس الاستحباب، حتى يرد دليل صارف، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. الوجه الرابع: جاء في الحديث تعليل الأمر بالاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، ولم يبين لماذا يبيت؟ ثم إن الخيشوم شيء ضيق لا يتسع للأجرام الكبيرة، فعلم بذلك أن للشياطين تصرفاتٍ وأحوالاً وألواناً

стр. 164

لا يعلم كيفيتها إلا الله الذي خلقهم وأقدرهم، والواجب على المؤمن التصديق والامتثال والطاعة في كل ما جاء عن ربه، وثبت عن نبيه ﷺ ، ولو لم يعرف حكمته وتفصيله؛ لأنه عبد مأمور، يعلم يقيناً أنه لا يؤمر إلا بما فيه صلاحه وسعادته، فإن ظهرت له حِكَمٌ وأسرار فهذا علم إلى علم، وهدى إلى هدى، ونور إلى نور، وإن لم يظهر له شيء اكتفى بما عنده من العلم، وامتثل ما دل عليه النص، والله أعلم.

стр. 165

وجوب غسل كَفَّي القائم من النوم قبل إدخالهما في الإناء ٣٨/ ٧ - عَنْ أَبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُم مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثاً؛ فَإنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهذَا لَفْظُ مُسْلمٍ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الوضوء» (١٦٢) من طريق مالك، عن أبي الزناد (١)، عن الأعرج (٢)، عن أبي هريرة، وقد أخرجه مسلم - أيضاً - من طرق أخرى، فأخرجه في «الطهارة» (٢٧٨) من طريق المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد به، وهذا اللفظ لمسلم، كما قال الحافظ، وأما لفظ البخاري فهو: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم لينثُر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه … الحديث». فاشتمل على ثلاثة أنواع من كمال الطهارة والاحتياط لها، ولكن اقتصر الحافظ على لفظ مسلم؛ لأن النوع الأول تقدم، والنوع الثاني يتعلق بقضاء الحاجة، ولأن رواية مسلم فيها ذكر العدد، بخلاف رواية البخاري، وقد اقتضى سياق البخاري للحديث أنه حديث واحد رواه من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك، وقد جاء في الموطإ من رواية الليثي عن مالك مفرقاً برقم (٢) و (٩)، وكذا رواه مسلم (٢٣٧) (٢٧٨) وعلى هذا فكأن البخاري يرى

стр. 166

جواز جمع الحديثين إذا اتحد سندهما في سياق واحد، كما يرى جواز تفريق الحديث الواحد إذا اشتمل على حكمين مستقلين (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (من نومه) تقدم في الحديث الذي قبله. قوله: (فلا يغمس) لا: ناهية، والمضارع بعدها مجزوم، ولفظ البخاري: «فليغسل يده» كما مضى، والمراد باليد: الكف دون ما زاد عليها، لجريان العادة أن الذي يُدْخَلُ في الإناء من اليد هو الكف، وقوله: «فلا يغمس». أوضح في المراد من رواية الترمذي: «فلا يدخل يده في الإناء» (٢). لأن مطلق الإدخال لا يترتب عليه كراهة، كمن أدخل يده في إناء واسع فاغترف منه بإناء صغير من غير أن تلامس يده الماء، فإنه لا يكون مخالفاً بذلك. قوله: (في الإناء) المراد إناء الوضوء، كما ورد التصريح بذلك في رواية البخاري المتقدمة: «قبل أن يدخلها في وَضوئه». ويلحق به إناء الغُسْل؛ لأنه وضوء وزيادة، وسائر الآنية استحباباً من دون كراهة، لعدم ورود النهي فيها. قوله: (حتى يغسلها ثلاثاً) أي: بإفراغ الماء عليها، كما في رواية البزار: «حتى يُفرغ عليها»، و «ثلاثاً» مفعول مطلق نائب عن المصدر أي: غسلاً ثلاثاً، فالغسلة الأولى تزيل الأذى، والثانية تنقِّي الموضع منه، والثالثة للمبالغة في التطهير، وقوله: (حتى) لبيان غاية النهي عن غمس اليد فهو يدل على جواز الاغتراف من الماء بعد غسلها. قوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) أي: لا يعلم أين كانت يده حين نومه، والجملة تعليل للأمر بالغسل ثلاثاً، ومقتضاه أن اليد بعد القيام من النوم يُشَكُّ في سلامتها من ملامسة شيء يؤثر في الماء. الوجه الثالث: الحديث دليل على نهي الإنسان أن يغمس يده في

стр. 167

الإناء إذا قام من النوم حتى يغسلها ثلاثاً، لقوله: «فلا يغمس يده»، وعند البخاري: «فليغسل يده» والأمر للوجوب، والنهي للتحريم، ما لم يصرف عنه صارف، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد. وقال الجمهور: إن الغسل ليس بواجب، بل هو مستحب، والنهي محمول على الكراهة، وهو رواية عن أحمد (١)؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فأمر بالوضوء من غير غسل الكفين في أوله، والقيام من النوم داخل في عموم الآية. وأما الحديث فهو محمول على الاستحباب، لتعليله بما يقتضي ذلك وهو قوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» وطريان الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها، كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث، فيدل ذلك على أنه أراد الندب. والقول الأول أظهر، لقوة مأخذه، فإن الوجوب هو ظاهر الأمر، ولا صارف له، وأما الآية فقد وردت في الوضوء المطلق، والأمر بغسل اليدين ورد في حالة مخصوصة، بدليل مستقل، فيعمل به. ومحل الخلاف في هذه المسألة إذا لم يتيقن النجاسة على يده، فإن تيقنها بأن رأى أثرها أو رائحتها فالإجماع منعقد على وجوب غسلها قبل إدخالها في الإناء. الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن هذا الحكم وهو غسل اليد قبل إدخالها في الإناء مختص بالقيام من نوم الليل، وهو قول الإمام أحمد، لقوله: «باتت يده»، والبيتوتة لا تكون إلا بالليل - كما تقدم في الحديث قبله - وهذا من باب تخصيص العام بالعلة المنصوصة، وقد ورد ذلك - أيضاً - مقيداً بالليل في حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعاً ولفظه: «إذا قام أحدكم من الليل» (٢).

стр. 168

والقول الثاني: أنه لا فرق بين نوم الليل ونوم النهار، لإطلاقه ﷺ النوم من غير تقييد، ولعموم العلة، مع أن نوم الليل اكد، وقوله: «فإنه لا يدري أين باتت يده» خرج مخرج الأكثر والغالب، وما خرج مخرح الغالب فلا مفهوم له، كما في الأصول، وهو قول إسحاق بن راهويه (١)، وهذا هو الأظهر إن شاء الله، لقوة مأخذه، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، قال الخطابي: (وفي الحديث من العلم أن الأخذ بالوثيقة والعمل بالاحتياط في باب العبادات أولى) (١). الوجه الخامس: اختلف العلماء في الحكمة من الأمر بغسل اليد على قولين: الأول: أن الحكمة معقولة ومدركة وليست معنوية، وهي جولان اليد في بدن النائم بدون إحساس، فقد تلامس أمكنة من بدنه لم يتم تطهيرها بالماء، فتعلق بها النجاسة، وقد نقل الحافظ عن الشافعي أنه قال عن أهل الحجاز: كانوا يستجمرون وبلادهم حارة، فربما عَرِقَ أحدهم إذا نام، فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو على بثرة أو دم حيوان أو قذر أو غير ذلك (٢). القول الثاني: أن هذا تعبد لا يعقل معناه، واستدلوا على ذلك بأن الأحكام لا تبنى على الشك، وذلك أن اليقين في اليد أنها طاهرة، ونجاستها أثناء النوم مشكوك فيها، فلا يؤمر بغسلها لنجاستها؛ لأن اليقين لا يُزَال بالشك، فيكون الأمر في ذلك تعبدياً. ولكن هذا التعليل فيه نظر، فإن الشرع قد ينزل المظنة منزلة السبب، ولهذا يحكم بانتقاض الوضوء بالنوم، فاليد وإن كانت طاهرة، لكن جولانها أثناء النوم موجود، فلا يبعد أن تصيب موضعاً نجساً. والفرق بين القولين أن من تيقن أين باتت يده كمن لفَّ عليها خرقة أو وضعها في جراب فاستيقظ وهي على حالها أنه لا يتعلق بها هذا الحكم، فلا

стр. 169

يؤمر بغسلها على القول بأنه معلل بعلة محسوسة مدركة، وأما على القول بأنه تعبدي فيؤمر بغسلها مطلقاً، تيقن طهارتها أو شك في ذلك. ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن ما ورد في هذا الحديث يشبه - ما تقدم - من تعليل الاستنثار بأن الشيطان يبيت على خيشوم الإنسان، فيمكن أن المراد بهذا الحديث ما خشي من عبث الشيطان بيد الإنسان وملامستها، مما قد يؤثر على الإنسان، وتكون هذه العلة من العلل المؤثرة التي شهد لها النص بالاعتبار (١). الوجه السادس: الصحيح من قولي أهل العلم أنه لو خالف إنسان وغمس يده في الماء قبل أن يغسلها فإن الماء لا ينجس، بل هو باق على طهوريته، وهو قول الجمهور، ورواية عن الإمام أحمد، ومن أهل العلم من قال: إنه يكون طاهراً غير مطهِّر، وهذا المذهب عند الحنابلة (٢)، إذا كان الماء دون القلتين، والظاهر أن ذلك مبني على أن الأمر بالغسل للوجوب، وعن أحمد أن الماء نجس، وهذان القولان ضعيفان، والصواب الأول، وهو أن الماء باق على طهوريته؛ لأن النبي ﷺ نهى عن غمس اليد، ولم يتعرض للماء، وما دام أن هذا الماء طهور، فهذا يقين، واليقين لا يمكن رفعه إلا بيقين مثله لا بِشَكٍّ، وعلى هذا فالأصل الطهارة، لكن إن قلنا: إن النهي في الحديث للتحريم، فالغامس يده اثم لأنه مخالف للنهي، وإن قلنا: إنه للكراهة فهو غير اثم، أما الماء فهو باق على الأصل. الوجه السابع: أخذ بعض العلماء من مفهوم قوله: «فلا يغمسها في الإناء» أن البرك والحياض لا تدخل في النهي؛ لأنها لا تفسد بغمس اليد فيها - على القول بأن الماء يفسد - لعدم ورود النهي فيها عن ذلك، وكذلك الأنابيب الموجودة الآن، فإن الحكم لا يسري إليها؛ لأن المتوضئ لا يحتاج إلى غرف، وهذا فيه نظر، فإن اليد - وإن لم تكن داخلة في الماء - لكنها ناقلة للماء، وكما يطلب إنقاؤها قبل إدخالها الإناء، يطلب إنقاؤها قبل نقلها الماء للمضمضة والاستنشاق، فالقول بغسلها عموماً هو الأظهر إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

стр. 170

بيان شيء من صفات الوضوء ٣٩/ ٨ - عن لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ، ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَسْبِغ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالغْ في الاسْتنشَاقِ، إلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِماً». أَخْرَجَهُ الأرْبَعَةُ، وَصَحَّحَه ابْنُ خُزَيمَةَ. وَلأبي دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ: «إذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ». الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو لقيط - بفتح اللام وكسر القاف - ابن صَبِرَةَ - بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة، وبعضهم يسكنها مع فتح الصاد وكسرها (١) ـ ابن عبد الله بن المنتفق، أبو رزين، صحابي مشهور، عداده في أهل الطائف، روى عنه ابنه عاصم، وابن عمر، وعمرو بن أوس، وغيرهم (٢). الوجه الثاني: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه أبو داود (١٤٢) مطولاً في كتاب «الطهارة» بابٌ «في الاستنثار»، وأخرجه الترمذي (٣٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٤٨)، وابن خزيمة (١٥٠، ١٦٨) مختصراً، كلهم من طريق يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن كثير، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه، قال: (كنت وافد بني المنتفق (٣)، أو في وفد بني المنتفق إلى رسول الله ﷺ .. وساق الحديث بطوله إلى أن قال: فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن الوضوء، قال:

стр. 171

«أسبغ الوضوء» .. الحديث) وقد رواه عن إسماعيل بن كثير اخرون، قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحافظ: (هذا حديث صحيح) (١) وصححه ابن القطان، وأودعه البغوي في كتابه «مصابيح السنة» وأدخله في جملة الأحاديث الحسان على اصطلاحه (٢). ويحيى بن سليم وهو القرشي الطائفي وثقه ابن معين، وقال النسائي: (ليس به بأس) (٣)، وقال في «التقريب»: صدوق سيّء الحفظ، وإسماعيل بن كثير ثقة، كما في «التقريب»، وعاصم بن لقيط ثقة، كما في «التقريب» أيضاً. فإن قيل: الرجل سأل عن الوضوء وأجابه النبي ﷺ عن بعض سنن الوضوء. فالجواب: لأن السائل كان عارفاً بأصل الوضوء، والظاهر أنه لم يسأل عن ظاهر الوضوء، بل عما خفي من باطن الأنف والأصابع، فإن الخطاب بـ (أسبغ) إنما يتوجه لمن علم صفة الوضوء، والله أعلم. وأما الرواية الثانية فهي من طريق ابن جريج، عن إسماعيل بن كثير، أخرجها أبو داود (١٤٣) (١٤٤)، ومن طريقه أخرجها البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٥٢) وسندها صحيح، كما قال الحافظ (٤) إلا أن هذه اللفظة وهي ذكر المضمضة لم يتفق عليها سائر الرواة، وقد ذكرها أبو داود مفردة عن الحديث، كما تبين من السياق، ولذا لم ينتبه لها بعض الفقهاء، فأنكروا وجود الأمر بالمضمضة في الحديث، كما فعل ابن حزم عندما ذهب إلى أن المضمضة غير واجبة قال: لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في المضمضة أمر (٥)، وكذا قال ابن عبد البر (٦)، وابن رشد (٧)، والظاهر أن الحافظ ذكرها - مع أن المضمضة تقدمت في حديث عثمان في صفة وضوء النبي ﷺ لأن هذه الرواية فيها أمر بالمضمضة، وما تقدم فعل.

стр. 172

الوجه الثالث: في شرح ألفاظه: قوله: (أسبغ الوضوء) بفتح الهمزة أي: بالغ في إكماله وأَوْفِ كل عضو حقه، من قولهم: درع سابغة: إذا كانت طويلة تغطي البدن، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان: ٢٠] أي: أضفاها وعممها، وقوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١] أي: دروعاً سابغات. قوله: (وخلل بين الأصابع) التخليل: تفريق أصابع اليدين والرجلين في الوضوء، وأصله: من إدخال شيء في خلل شيء، وهو وسطه، والمراد هنا: أدخل الماء بين الأصابع. والمراد بالأصابع: أصابع اليدين والرجلين، لحديث ابن عباس ﵄: «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» (١). وقد ورد تفسير التخليل في حديث المستورد بن شداد الفهري قال: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره (٢)). والظاهر أن المراد خنصر اليد اليسرى؛ لأن التخليل تطهير وإزالة قذر، فيشرع باليسرى على الأصل المعروف شرعاً، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وأما أصابع اليدين فالأكمل في تخليلها أن يضع بطن الكف اليمنى على اليسرى، ويدخل الأصابع بعضها في بعض. قوله: (وبالغ في الاستنشاق) أي: ابذل الجهد واستقص بإيصال الماء إلى أقصى الأنف، والاستنشاق تقدم تفسيره.

стр. 173

قوله: (إلا أن تكون صائماً) أي: فلا تبالغ، خشية أن ينزل شيء من الماء إلى حلقه فَيُفَطِّرُهُ. الوجه الرابع: الحديث دليل على الأمر بإسباغ الوضوء، وهل هذا واجب أو مستحب؟ الإسباغ نوعان: ١ - إسباغ واجب، وهو ما لا يتم الوضوء إلا به، ويراد به غسل المحل واستيعابه. ٢ - إسباغ مستحب، وهو ما يتم الوضوء بدونه، ويراد به ما زاد على الواجب من الغسلة الثانية والثالثة، فهذا مندوب إليه، والصارف من حمل الأمر في الحديث على الوجوب قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وهذا أمر بالغسل، وهو مطلق، فيصدق على من أسبغ بالغسلة الثانية والثالثة، ومن اقتصر على غسلة واحدة. وعلى هذا فالأمر في الحديث مشترك بين الوجوب والاستحباب، وهو مبني على جواز استعمال المشترك في معنييه. ومن منع استعمال المشترك في معنييه، قال: إن المراد بالحديث المعنى الثاني، وهو ما زاد على الغسلة الواجبة، لما ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» (١). ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أثنى على من أسبغ الوضوء، وبَيَّنَ فضله، وهذا لا يكون إلا بالزيادة على قدر الإجزاء. الوجه الخامس: الحديث يدل بظاهره على وجوب تخليل الأصابع،

стр. 174

وهذا قول المالكية على خلاف عندهم، هل هو في أصابع اليدين والرجلين، أو يجب في أصابع اليدين، ويستحب في أصابع الرجلين؟ وذلك لأن أصابع الرجلين متقاربة فهي أشبه بالعضو الواحد، فلا يلزم تخليلها، وأما أصابع اليدين فهي متفرقة، فاعتبر كل إصبع كعضو مستقل، يجب تدليكه (١). وذهب الجمهور إلى أن التخليل مستحب وليس بواجب، إذا وصل الماء إلى ما بين الأصابع، فإن لم يصل إلا بالتخليل فهو واجب اتفاقاً (٢). واستدل الجمهور بظاهر القران، وهو قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ .. ﴾ قالوا: فأمر الله تعالى بالغسل، وهو يصدق على مجرد وصول الماء إلى البشرة بدون تخليل، والتخليل أمر زائد لا يثبت إلا بدليل بَيِّنٍ على الوجوب، فيصرف الأمر في حديث لقيط إلى الندب، ولأن جميع من وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا التخليل، فالجمع بين حديث لقيط وهذه الأحاديث هو حمله على الاستحباب، قال ابن القيم: (وكذلك تخليل الأصابع لم يكن يحافظ عليه، وفي السنن عن المستورد بن شداد: (رأيت النبي ﷺ إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره). وهذا إن ثبت فإنما كان يفعله أحياناً، ولهذا لم يروه الذين اعتنوا بضبط وضوئه، كعثمان وعلي وعبد الله بن زيد والرُّبَيِّع وغيرهم، على أن في إسناده عبد الله بن لهيعة) (٣). وهذا هو الأظهر إن شاء الله، وهو أنه إن توقف إيصال الماء لما بين الأصابع على التخليل كأن يكون الماء قليلاً فالتخليل واجب؛ لأن الله تعالى أمر بالغسل، وهو لا يتم إلا بالتخليل، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وإن كان الماء كثيراً بحيث يصل الماء إلى ما بين الأصابع بدون تخليل فهو مستحب وليس بواجب، والله أعلم. الوجه السادس: الحديث دليل على استحباب المبالغة في الاستنشاق إلا للصائم فليست مستحبة، لئلا تؤدي المبالغة في الاستنشاق إلى دخول الماء

стр. 175

من الأنف إلى الحلق فيفسد الصوم، ويلحق بالاستنشاق المضمضة، فيحتاط فيهما الصائم، وإنما اقتصر على ذكر الاستنشاق؛ لأن الإنسان يتمكن من المضمضة فلا يذهب إلى جوفه شيء أكثر من تمكنه من الاستنشاق. والصارف للأمر عن الوجوب أنه لو كانت المبالغة واجبة لما منعت من أجل الصيام. الوجه السابع: الحديث دليل على وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء لقوله: «وبالغ في الاستنشاق» ولما تقدم من الأمر بها، ولقوله في المضمضة: «إذا توضأت فمضمض» وهذا أمر والأمر للوجوب، وهذا مذهب الإمام أحمد، وبه قال ابن المبارك، وابن أبي ليلى، وإسحاق بن راهويه (١). والقول الثاني: أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء، فمن تركهما صح وضوؤه، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، واختاره ابن المنذر، وإليه رجع عطاء، كما ذكر ابن المنذر (٢)، واستدلوا باية المائدة ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. وجه الدلالة: أن الله تعالى أمر بغسل الوجه، وهو ما تحصل به المواجهة، دون باطنه وهو الفم والأنف، ولأن النبي ﷺ قال: «عشر من الفطرة .. وذكر منها المضمضة والاستنشاق» (٣)، والفطرة: هي السنة. قالوا: وأحاديث الأمر بهما محمولة على الندب؛ لأنها إن حملت على الوجوب اقتضت معارضة الآية؛ لأن المقصود بها تأصيل هذا الحكم وتبيينه. والقول الثالث: أن الاستنشاق واجب والمضمضة سنة، وهو قول جماعة من أهل الظاهر، منهم ابن حزم، وهو قول أبي ثور، ورواية عن أحمد (٤).

стр. 176

واستدلوا بأن الاستنشاق نُقِلَ من فعله ﷺ ، ومن أمره - كما تقدم - وأما المضمضة فقد نقلت من فعله، ولم تنقل من أمره. والراجح هو القول الأول لقوة دليله، وهو حديث الباب، ولأن كل من وصف وضوء النبي ﷺ مستقصياً ذكر أنه تمضمض واستنشق واستنثر، ومداومته عليهما يدل على وجوبهما؛ لأن فعله ﷺ يصلح أن يكون بياناً وتفصيلاً للوضوء المأمور به في كتاب الله تعالى؛ لأنه هو المبيِّن عن الله مراده، وقد بيَّن أن مراد الله تعالى بقوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ المضمضة والاستنشاق مع غسل سائر الوجه، وعلى هذا فلا معارضة. قال ابن القيم: (ولم يتوضأ ﷺ إلا تمضمض واستنشق، ولم يحفظ عنه أنه أخلّ به مرة واحدة) (١) وأما كونهما من الفطرة فلا ينفي وجوبهما، لاشتمال الفطرة على الواجب والمندوب، وقد ذكر فيها الختان، وهو واجب. وأما قول أصحاب القول الثالث: إنه لم يثبت الأمر بالمضمضة. فهو إما ذهول منهم عن رواية أبي داود - كما تقدم - وإما أنهم لا يرون صحتها. ولا يصح التفريق بين المضمضة والاستنشاق، فإن النبي ﷺ جمع بينهما - كما تقدم ـ. الوجه الثامن: استدل العلماء بهذا الحديث على قاعدة (سَدِّ الذرائع) وهي جمع ذريعة، وهي الفعل الذي ظاهره مباح، لكنه وسيلة إلى فعل محرم. ووجه الدلالة: أن الرسول ﷺ نهى عن المبالغة في الاستنشاق إذا كان الإنسان صائماً، فالاستنشاق أمر مشروع في الوضوء، لكنه قد يفضي عند المبالغة فيه إلى إفساد الصوم. كما يستفاد منه أنه ينبغي للصائم أن يتجنب كل ما من شأنه أن يتطرق منه الإفساد للصوم ولو على سبيل الاحتمال. والقول بسد الذرائع هو مذهب المالكية والحنابلة، وقال أبو حنيفة

стр. 177

والشافعي: إن سد الذريعة لا يعتبر أصلاً تُبنى عليه الأحكام. وفي المسألة تفاصيل محلها كتب الأصول، ليتبين محل النزاع، ولأن هناك مسائل اتُفق فيها على سد الذريعة (١)، لكن القول بسد الذرائع هو الذي تدل عليه نصوص الكتاب والسنة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] ووجه الدلالة: أن الله تعالى حرم سَبَّ الهة المشركين مع كون السب حميةً لله، وإهانة لآلهتهم، حرم ذلك لكونه ذريعة إلى سب الله تعالى، والمصلحة في ترك مسبتهم أرجح من مصلحة سب الهتم، وهذا دليل على المنع من الجائز، لئلا يؤدي إلى المحرم. ومن السنة: نهي النبي ﷺ أن يجمع بين المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها في النكاح؛ لأن ذلك ذريعة إلى القطيعة المحرمة (٢). الوجه التاسع: يستدل بهذا الحديث على القاعدة الفقهية (درء المفاسد أولى من جلب المصالح) بمعنى: أن الأمر إذا دار بين درء مفسدة وجلب مصلحة، كان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ووجه دلالة الحديث على ذلك: أن المبالغة في الاستنشاق فيها مصلحة امتثال أمر الشرع - لأنه مصلحة دينية يثاب عليها المكلف، ومصلحة نقاء الأنف ـ، فسقطت هذه المصلحة في مقابل مفسدة الفطر في الصوم، والله أعلم.

стр. 178

حكم تخليل اللحية في الوضوء ٤٠/ ٩ - عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَان يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ فِي الوُضُوءِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: هذا الحديث أخرجه الترمذي (٣١) في «أبواب الطهارة» باب «ما جاء في تخليل اللحية»، وابن خزيمة (١٥١، ١٥٢) من طريق عامر بن شقيق، عن أبي وائل - شقيق بن سلمة ـ، عن عثمان ﵁، به. وهذا لفظ الترمذي، وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، ولعل تصحيح الترمذي له من أجل شواهده، وإلا فإن عامر بن شقيق متكلم فيه، فقد ضعفه ابن معين، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ليس به بأس)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (١)، وقد روى عنه شعبة، وهو لا يروي إلا عن ثقة، ومثل هذا يكون حديثه حسناً، لكن يشكل على هذا مخالفته لجميع من روى الحديث عن عثمان ﵁، فإنهم لم يذكروا التخليل. وقد نقل الترمذي عن الإمام البخاري أنه قال: (أصح شيء في التخليل عندي حديث عثمان، قلت: إنهم يتكلمون في هذا الحديث، فقال: هو حسن) (٢)، ومعلوم أن البخاري لا يريد الحسن بالمعنى الاصطلاحي. ونقل الحافظ تصحيح الحديث عن ابن حبان (٣/ ٣٦٢)، وابن خزيمة

стр. 179

(١٥١)، والحاكم (١/ ١٤٩) (١)، وحسنه ابن الملقن، وذكر له اثني عشر شاهداً، وتكلم عليها، ثم قال: (فهذا اثنا عشر شاهداً لحديث عثمان ﵁، فكيف لا يكون صحيحاً؟ والأئمة قد صححوه .. ) ثم ذكر جماعة ممن صححوا الحديث (٢). وأما ما نقله ابن أبي حاتم عن أبيه من قوله: (لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية حديث) (٣)، وما نقله أبو داود في «مسائل الإمام أحمد» حيث قال: (قلت لأحمد بن حنبل: تخليل اللحية؟ فقال: تخليلها قد روي فيه أحاديث، ليس يثبت فيه حديث) (٤). فقد حمله ابن الملقن على أن المراد بذلك غير حديث عثمان هذا (٥)، وهذا الجواب ليس بناهض عندي، وكلام الأئمة الكبار مقدم على كلام من جاء بعدهم، كما ذكرته فيما تقدم. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (والحق أن أحاديث التخليل يشد بعضها بعضاً، وتدل على شرعية التخليل وأنه سنة، وإن كان النبي ﷺ لا يفعله دائماً .. ). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (يخلل) تخليل اللحية: إدخال الأصابع فيها عند غسلها؛ ليبلغ الماء إلى أصول الشعر، وذلك بأن يأخذ كفاً من ماء ويخلله بأصابعه كالمشط، أو يأخذ كفاً من ماء ويجعله تحتها حتى تتخلل به. قوله: (لحيته) اللحية - بكسر اللام - شعر الوجه المعروف، وهو ما نبت على اللحيين وهما عظما الوجه، وما نبت على الذقن، وهو مجتمع اللحيين في أسفل الوجه، فيلتقي رأس هذا إلى رأس هذا، ويعرف بالحنك، فهذا هو الذقن.

стр. 180

الوجه الثالث: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية تخليل اللحية في الوضوء، وذلك إذا كانت اللحية كثيفة وهي التي تستر البشرة. قال ابن القيم: (وكان ﷺ يخلل لحيته أحياناً، ولم يكن يواظب على ذلك .. ) (١) فإذا فعله الإنسان تارة وتركه تارة كان ذلك أقرب إلى السنة والتأسي بالنبي ﷺ عند من يرى الاحتجاج بأحاديث الباب، ولأجل أن يعلم غيره أنه ليس بواجب، والنفوس إذا اعتادت شيئاً قد تلزمه وتجعله واجباً، فما حافظ عليه النبي ﷺ نحافظ عليه، وما فعله تارة وتركه تارة فكذلك نفعله تارة وندعه تارة، وإذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعله ﷺ وتركه فكذا الناس بعدهم بحاجة إلى أن يستفيدوا من فعل العلماء وطلبة العلم وأن يفرقوا بين ما كان واجباً وما كان غير واجب. أما اللحية الخفيفة التي لا تستر البشرة فهذه يجب غسلها وما تحتها من البشرة؛ لأنها في حكم الظاهر فيدخل في قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ والوجه ما تحصل به المواجهة، وما تحت اللحية إذا كان بادياً تحصل به المواجهة، فيدخل في حكم الوجه، والله أعلم.
следующие страницы →