← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث ابن عباس فقد أخرجه البخاري في كتاب «سجود القرآن»، باب «سجود المسلمين مع المشركين» (١٠٧١) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والأنس. وأما حديث زيد بن ثابت فقد أخرجه البخاري في الكتاب المذكور، باب «من قرأ السجدة ولم يسجد» (١٠٧٢) (١٠٧٣) ومسلم (٥٧٧) من طريق يزيد بن خصيفة عن ابن قسيط، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن ثابت ﵁ به. الوجه الثالث: حديث ابن عباس دليل على ثبوت السجود في سورة (النجم) وتقدم ذلك، أما حديث زيد بن ثابت فقد استدل به من لا يرى السجود في سورة (النجم) كما تقدم، ويجاب عنه بأن تركه ﷺ للسجود في هذه الحالة لا يدل على تركه مطلقاً، لاحتمال أن يكون لبيان الجواز، قال الحافظ: (وهذا أرجح الاحتمالات، وبه جزم الشافعي) (١)، ومن قبل ابن حجر قال النووي بمثل هذا الاحتمال (٢). وقيل: يحتمل أن ترك السجود فيها لأن زيداً هو القارئ ولم يسجد ولو سجد لسجد النبي ﷺ ، وقد ذكر هذا الجواب أبو داود (٣) والترمذي (٤)، وذكره - أيضاً - شيخ الإسلام ابن تيمية (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 1157

حكم سجدتي سورة الحج ٣٤٣/ ٥ - عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ ﵀ قَالَ: فُضِّلَتْ سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي «المراسيل». ٣٤٤/ ٦ - وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَزَادَ: «فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهما، فَلَا يَقْرَأْهَا» وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أبو عبد الله خالد بن معدان - بفتح الميم وسكون العين - الشامي الكَلاعي - بفتح الكاف - تابعي من أهل حمص، ثقة، ذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (لقي سبعين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ … وكان من خيار عباد الله)، مات سنة أربع ومائة رحمه الله تعالى (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما الأول فقد رواه أبو داود في «المراسيل» (٧٦) من طريق معاوية بن صالح، عن عامر بن جَشِيب، عن خالد بن معدان، أن رسول الله ﷺ قال: (فضلت سورة الحج على القرآن بسجدتين). قال أبو داود عقبه: (وقد أُسند هذا ولا يصح) ونقله عنه البيهقي (٢) وهو مرسل حسن رجاله ثقات، إلا معاوية بن صالح، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق له أوهام)، ويقصد أبو داود بالمسند حديث عقبة الذي يليه.

стр. 1158

أما الحديث الثاني فقد أخرجه أحمد (٢٨/ ٥٩٣) وأبو داود (١٤٠٢) في كتاب «الصلاة» باب «تفريع أبواب السجود» والترمذي (٥٧٨) من طريق ابن لهيعة، عن مِشرح بن هاعان، عن عقبة بن عامر قال: (قلت: يا رسول الله فضلت سورة الحج بأن فيها سجدتين؟)، قال: «نعم، ومن لم يسجد فلا يقرأهما»، قال الترمذي: (هذا حديث ليس إسناده بالقوي)، وقد ضعفه الحافظ - هنا - في «البلوغ»، ومن قبله النووي (١). وسبب ضعفه أمران: الأول: أنه من رواية ابن لهيعة وهو ضعيف، لاختلاطه بسبب احتراق كتبه سنة (١٧٠ هـ) على ما ذكره البخاري وغيره، ولتدليسه كما قال ابن حبان وغيره، ولكنه صرح بالتحديث كما عند أحمد وغيره، وقد رواه عنه عبد الله بن وهب كما عند أبي داود، وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط، ولهذا فإن ابن كثير لما ذكر هذا الحديث وذكر قول الترمذي المتقدم، قال: (وفي هذا نظر، فإن ابن لهيعة قد صرح بالسماع، وأكثر ما نَقَمُوا عليه تدليسه) (٢)، والأئمة قد اختلفوا في رواية ابن لهيعة، فمنهم من ضعفها مطلقاً، ومنهم من قبلها مطلقاً، ومنهم من استثنى رواية العبادلة فقبلها وردَّ ما عداها، بحجة أنهم رووا عنه قبل احتراق كتبه (٣). الثاني: أن فيه مِشرح بن هاعان، وقد وثقه ابن معين، كما نقله عنه عثمان الدارمي، ثم أردف ذلك بقوله: (ومشرح ليس بذاك، وهو صدوق) (٤)، وقال ابن حبان: (يخطئ ويخالف) (٥)، وقال أيضاً: (يروي عن عقبة بن عامر أحاديث مناكير لا يتابع عليها، والصواب في أمره ترك ما ينفرد به من الروايات، والاعتبار بما وافق الثقات منها) (٦)، ومع أنه يروي أحاديث مناكير إلا أن البيهقي يرى أن حديثه يعتضد بالمرسل الذي قبله، وأن كلاًّ منهما يقوي الآخر، فإنه قال: (هذا المرسل إذا انضم إلى رواية ابن لهيعة صار قوياً) (٧)،

стр. 1159

قال الشيخ عبد العزيز بن باز عن كلام البيهقي: (هذا جيد) (١)، كما يعتضد بحديث عمرو بن العاص عند أبي داود (١٤٠١) وابن ماجه (١٠٥٧) من طريق الحارث بن سعيد العُتَقي عن عبد الله بن مُنين، عن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن، منها ثلاث في المفصل، وفي سورة الحج سجدتان. وقد حسَّنه النووي (٢)، وضعفه عبد الحق (٣) والحافظ (٤) لأن فيه عبد الله بن مُنين، وهو مجهول كما قال ابن القطان، والراوي عنه وهو الحارث بن سعيد العتقي، وهو مجهول أيضاً، كما قال ابن القطان والذهبي. كما يؤيد الحديث آثار عن الصحابة ﵃، ومن ذلك ما ورد عن عبد الله بن ثعلبة أنه صلى مع عمر ﵁ الصبح فسجد في الحج سجدتين (٥). وأخرج عبد الرزاق، عن مالك، عن عبد الله بن دينار قال: (رأيت ابن عمر يسجد في الحج سجدتين) (٦). وفي الباب آثار أخرى، وكلها تؤيد حديث الباب (٧)، أو تكون الحجة في مرسل خالد بن معدان، مع عمل الصحابة ﵃. والحديث صححه الألباني في تخريج «المشكاة»، ثم رجع عن ذلك وضعفه في «ضعيف الترمذي» (٨). وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (إن الحديث يتقوى بما ذكر، لكن في قوله: (ومن لم يسجد فلا يقرؤهما نكارة) (٩)، وهكذا حسَّن الحديث شعيب الأرنؤوط ومن معه في التعليق على «المسند» دون قوله: (فمن لم يسجد فلا

стр. 1160

يقرؤهما) (١)، ولعل وجه النكارة: مخالفة هذه الجملة لحديث زيد المتقدم، وحديث عمر الآتي بعد هذا. الوجه الثالث: هذا الحديث وما ذكر معه من أحاديث وآثار دليل على أن سورة الحج فضلت على غيرها من سور القرآن بأن فيها سجدتين، ولا خلاف بين العلماء في ثبوت السجدة الأولى فيها، على ما نقله النووي (٢) وابن حجر (٣) وغيرهما. وإنما الخلاف في السجدة الثانية وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. فذهب مالك في رواية عنه والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر وجماعة آخرين إلى أنها من مواضع السجود، للأدلة المتقدمة (٤). وذهب أبو حنيفة، ومالك في رواية عنه، وهي المذهب، وأحمد في رواية عنه، وابن حزم وجماعة (٥) إلى أنها ليست من مواضع السجود، لأن الله تعالى جمع بينها وبين الركوع فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فلم تكن سجدة، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَّبِكِ واسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، والأصل براءة الذمة ولم يثبت السجود فيها من طريق صحيح. والقول الأول أرجح، لقوة أدلته، كما تقدم، وذكر الركوع في الآية لا يقتضي ترك السجود، كما ذُكِرَ البكاء في قوله تعالى: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، وقد سجد النبي ﷺ في سورة النجم، مع أنه قُرن السجود فيها

стр. 1161

بالعبادة، كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده إلا توكيداً (١). ثم إن السجود فيها أوكد من السجدة الأولى، لورودها بلفظ الأمر، وورود الأولى بلفظ الإخبار، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الحج: ١٨] فتكون السجدة الثانية أولى، والله أعلم.

стр. 1162

حكم سجود التلاوة ٣٤٥/ ٧ - عَنْ عُمَر ﵁ قَالَ: يَا أَيُّها النَّاسُ إنَّا نَمُرُّ بالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وفيه: «إنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِض السُّجُودَ إلاَّ أن نَشَاءَ»، وَهُوَ فِي «المُوطَّإ». الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري في كتاب «سجود القرآن»، باب «من رأى أن الله لم يوجب السجود» (١٠٧٧) من طريق ابن جريج، قال: (أخبرني أبو بكر بن أبي مليكة، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي، عن ربيعة بن عبد الله بن الهُدير التيمي قال: قرأ عمر بن الخطاب يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس، إنما نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر ﵁ وزاد نافع عن ابن عمر ﵄ إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء). وروى مالك في «الموطأ» (١/ ٢٠٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود، فقال: (على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد، ومنعهم أن يسجدوا). وهذا الإسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع بين عروة بن الزبير وبين

стр. 1163

عمر بن الخطاب (١). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن سجود التلاوة ليس بواجب، بل هو سنة، وهذا قول الجمهور من أهل العلم، ومنهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه (٢). ووجه الدلالة من وجهين: الأول: أن قوله: (ومن لم يسجد فلا إثم عليه) واضح في عدم الوجوب، لأن نفي الإثم عن ترك الفعل مختاراً يدل على عدم وجوبه، وكذلك قوله (إلا أن نشاء). الثاني: أن هذا كان بحضرة الجمع الكثير من الصحابة من المهاجرين والأنصار ﵃ فلم ينكر ذلك عليه أحد، ولا نُقِلَ خلافه، فهذا يدل دلالة ظاهرة على إجماع الصحابة ﵁ على أنه ليس بواجب. ومن الأدلة - أيضاً - على عدم وجوب سجود التلاوة حديث زيد المتقدم عندما قرأ سورة النجم على النبي ﷺ فلم يسجد فيه، ولم يأمره النبي ﷺ بالسجود، ولو كان واجباً لأمره به، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. القول الثاني: أن سجود التلاوة واجب، وهذا مذهب الحنفية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، وعن أحمد رواية أنه واجب في الصلاة، سنة خارجها (٤). ودليل الوجوب حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله، وفي رواية:

стр. 1164

(يا ويلي) أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار» (١). ووجه الدلالة: أن قوله: (أُمر ابن آدم) دليل على أن سجود التلاوة مأمور به، كما كان السجود لآدم، لأن كليهما فيه أمر، فمن سجد كان متشبهاً بالملائكة، ومن أبى تشبه بإبليس، بل هذا سجود لله، فهو أعظم من السجود لآدم، وقوله: (أُمر ابن آدم) وإن كان حكاية لقول إبليس، لكن النبي ﷺ أخبر بذلك ولم ينكره. والقول الأول هو الراجح، لقوة أدلته وصراحتها في المراد، وضعف ما يرد عليها من اعتراض. وأما حديث أبي هريرة فهو غير ناهض على القول بالوجوب، لأنه إخبار عن السجود الواجب، كما قال ابن العربي (٢)، ثم إن الأمر إما وجوب أو استحباب، وقد صرف عن الوجوب بما ورد في حديث عمر وزيد ﵄، والله أعلم.

стр. 1165

حكم التكبير لسجود التلاوة ٣٤٦/ ٨ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ عَلَيْنَا القُرْآنَ، فإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ، كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وسَجَدْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِينُ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «في الرجل يسمع السجدة وهو راكب وفي غير الصلاة» (١٤١٣) من طريق عبد الرزاق، أخبرنا عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ به. قال أبو داود عقبه: (قال عبد الرزاق: وكان الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود: يعجبه لأنه كبَّر). وهذا إسناد فيه لين (١)، لأنه من رواية عبد الله العمري، وقد تفرد بهذا اللفظ، وهو قوله: (كبر) وعبد الله هذا ضعيف، ضعفه ابن المديني، وكان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه، قال ابن حبان: (كان ممن غلب عليه الصلاح والعبادة، حتى غفل عن حفظ الأخبار، وجودة الحفظ للآثار، فوقع المناكير في روايته، فلما فحش خطؤه استحق الترك) (٢)، وبقية رجال السند ثقات.

стр. 1166

وقد ضعف الحديث النووي وقال: (رواه البخاري ومسلم، إلا قوله: (كبر) وليس في روايتهما، وهذه اللفظة في رواية أبي داود، وإسنادها ضعيف) (١). وله طريق أخرى عند الحاكم (١/ ٢٢٢) من رواية عيسى بن يونس، ثنا عبيد الله بن عمر به، بلفظ: (كنا نجلس عند النبي ﷺ فيقرأ القرآن، فربما مرَّ بسجدة فيسجد ونسجد معه)، وهذا إسناد صحيح، عبيد الله هذا هو المصغر، وهو أخو عبد الله المكبر، وهو ثقة، لكن ليس فيه لفظ: (التكبير) وهو موضع الشاهد من الحديث، وهو يدل على أن ذكر التكبير في رواية عبد الله المكبر منكر، كما تدل على ذلك رواية الصحيحين، كما تقدم. الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال بمشروعية التكبير لسجود التلاوة إذا سجد، فيقول: الله أكبر، ثم يسجد، وظاهره أنه لا يكبر للرفع من السجود، لأنه لم يذكر في الحديث، وهذا قول أبي حنيفة في رواية عنه، وبعض الشافعية، وبعض الحنابلة (٢). والقول الثاني: أنه يكبر للسجود ويكبر للرفع منه، وهذا قول الجمهور (٣)، لهذا الحديث، ولأنه سجود منفرد، فشرع التكبير في ابتدائه والرفع منه، كسجود السهو بعد السلام. والقول الثالث: أنه لا يشرع في سجود التلاوة تكبير مطلقاً، وهذا قال به أبو حنيفة، ومالك في رواية عنهما، وهو ظاهر اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).

стр. 1167

وهذا هو الراجح إن شاء الله، لعدم الدليل الصريح الصحيح في ذلك، وحديث ابن عمر المذكور ضعيف، لا تقوم به حجة لما تقدم، ثم إنه لم يذكر فيه التكبير للرفع، وهم يقولون به. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية سجود المستمع إذا سجد القارئ، وهو سنة على الراجح من قولي أهل العلم، وقد ثبت هذا الحكم في حديث ابن عمر في الصحيحين، قال: كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا موضعاً لجبهته (١). الوجه الرابع: لا يشرع رفع اليدين عند سجود التلاوة، لأن المأمور به هو السجود، ولم يرد عن الرسول ﷺ أنه رفع يديه، فلا يزاد على السجود شيء بمجرد الرأي، وقياساً على سجدات الصلاة فإنه لا رفع فيها، ولا يشترط فيه تسليم، فإنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه سلم بعد السجود. ويجوز السجود في كل وقت حتى أوقات النهي، لأن السجود ليس بصلاة، والأحاديث الواردة في النهي مختصة بالصلاة. ويجوز السجود على غير طهارة، إذ لا دليل على اشتراطها إلا على اعتبار سجود التلاوة صلاة، وهذا فيه نظر، فإن السجدة لا تسمى صلاة في لسان الشرع، وقد كان يسجد مع النبي ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحداً منهم بالوضوء. وكل هذه التفريعات وغيرها من مسائل سجود التلاوة مبنية على أنه ليس بصلاة، وهو الصواب، ومن قال: إنه صلاة، أوجب التسليم والاستقبال وعدم السجود أوقات النهي وغير ذلك من التفريعات. ولا ريب أن سجود التلاوة بشروط الصلاة أفضل وأكمل، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).

стр. 1168

الوجه الخامس: إذا سجد للتلاوة قال في سجوده ما يقوله في سجود الصلاة، وإن أضاف بعض الوارد فحسن، ومن ذلك: ما روته عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن بالليل: «سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوَّته» (١). والحديث فيه مقال، لكن يشهد له حديث علي ﵁ الطويل المتقدم في أدعية الاستفتاح في وصف صلاة النبي ﷺ وفيه: «وإذا سجد قال: اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، تبارك الله أحسن الخالقين». وله شاهد آخر عند ابن أبي شيبة من طريق ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، وإسناده ضعيف (٢). ولذا حسَّن الحديث الحافظ وقال: (وإنما قلت: حسن، لأن له شاهداً من حديث علي كما تقدم، وإن كان في مطلق السجود، والله أعلم) (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: رأيتني الليلة وأنا نائم، كأني كنت أصلي خلف شجرة، فسجدت الشجرة لسجودي، فسمعتها تقول: (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبَّلها مني، كما تقبَّلتها من عبدك داود)، قال: قال

стр. 1169

ابن عباس: فرأيت رسول الله ﷺ قرأ السجدة فسمعته وهو ساجد يقول مثل ما قال الرجل عن كلام الشجرة (١)، والله تعالى أعلم.

стр. 1170

مشروعية سجود الشكر عند وجود سببه ٣٤٧/ ٩ - عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ سَاجِداً لله. رَواهُ الْخَمْسةُ إلاَّ النّسائيَّ. ٣٤٨/ ١٠ - عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: سَجَدَ النَّبيُّ ﷺ ، فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَه، وقَالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَبَشَّرَنِي، فَسَجَدْتُ للهِ شُكْراً». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. ٣٤٩/ ١١ - عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّ النّبِيَّ ﷺ بَعَثَ عَلِيّاً إلى الْيَمَنِ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ - قَالَ: فَكَتَبَ عَليٌّ ﵁ بِإسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْكِتَابَ خَرَّ سَاجِداً، رَوَاهُ الْبَيْهقِيُّ. وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ. الكلام عليها من وجهين: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي بكرة فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الجهاد» باب «في سجود الشكر» (٢٧٧٤) والترمذي (١٥٧٨) وابن ماجه (١٣٩٤) وأحمد (٣٤/ ١٠٦) من طريق بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة، عن أبيه، عن أبي بكرة، به. قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث بكار بن عبد العزيز، وبكار بن عبد العزيز مقارب الحديث) وهذا الإسناد ضعيف، ضعفه النووي (١) وابن عبد الهادي (٢)، وعلّة الحديث: بكار بن

стр. 1171

عبد العزيز، فإنه متكلم فيه، كما ذكر ابن عبد الهادي، قال ابن معين: (ليس بشيء) وفي رواية عنه: (صالح)، وقال البزار: (ليس به بأس) وقال مرة: (ضعيف) وكذا قال يعقوب بن سفيان (١). وأما والده عبد العزيز فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان والعجلي في الثقات (٢)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق). وأما حديث عبد الرحمن بن عوف فقد أخرجه الحاكم (١/ ٥٥٠) من طريق سليمان بن بلال، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف، عن عبد الرحمن بن عوف … ورجاله ثقات غير عبد الواحد بن محمد، فلم يوثقه سوى ابن حبان (٣). وأعلَّه الألباني بجهالة حال عبد الواحد هذا (٤)، وقد ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً (٥). وأخرجه أحمد (٣/ ٢٠١) من طريق سليمان بن بلال به، دون ذكر عاصم بن عمر. وأخرجه - أيضاً - (٣/ ٢٠٠) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن عبد الرحمن بن عوف به. ورجاله «ثقات عدا» أبا الحويرث، وهو عبد الرحمن بن معاوية، فقد قال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق سيئ الحفظ)، ومحمد بن جبير لا يصح سماعه من عبد الرحمن بن عوف، ورواه سعيد بن أبي سلمة والدراوردي عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الواحد، عن عبد الرحمن بن عوف (٦).

стр. 1172

وقد أعلّ الألباني الحديث - أيضاً - بالاختلاف في إسناده على الوجه المذكور، والظاهر أنه لا يضر - إن شاء الله - لأن عمرو بن أبي عمرو قد يكون رواه من طريق أبي الحويرث، ومن طريق عاصم بن عمر، عن عبد الواحد بن محمد، فحدث به عنهما، ثم رواه عن عبد الواحد مباشرة، فحدث به عنه (١)، وقد رجح الدارقطني أن الصواب رواية من قال: عن عمرو بن أبي عمرو عن عبد الواحد (٢). وأما حديث البراء بن عازب، فقد أخرجه البيهقي (٢/ ٣٦٩) من طريقين: أحدهما: صحيح، عن أبي عبيدة بن أبي السفر قال: سمعت إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن أبي اسحاق، عن البراء قال: (بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب - فذكره بطوله إلى أن قال في آخره ـ: فأسلمت همدان جميعاً، فكتب علي ﵁ إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خرَّ ساجداً، ثم رفع رأسه فقال: السلام على همدان، السلام على همدان). وإسناده حسن، أبو عبيدة بن أبي السفر - بفتح الفاء - واسمه أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي السفر، قال عنه في «التقريب»: (صدوق يهم)، ومثله شيخه إبراهيم بن يوسف، وأبو إسحاق وهو السبيعي قيل: إنه اختلط بأخرة، وذكر ذلك الذهبي فقال: (شاخ ونسي، ولم يختلط) (٣). وقد أخرج البخاري هذا الحديث في صحيحه (٤٣٤٩) من طريق شريح بن مسلمة، حدثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، سمعت البراء ﵁: (بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد بن الوليد إلى اليمن، قال: ثم بعث علياً بعد ذلك مكانه … الحديث)، وهو سياق مختصر

стр. 1173

ليس فيه تمام الحديث المتقدم، لذا لم يرد فيه ذكر سجود الشكر، لكن قال البيهقي: (وسجود الشكر في تمام الحديث صحيح على شرطه). والمقصود أن هذه الأحاديث في هذا الباب يقوي بعضها بعضاً، وفيه أحاديث أخرى وآثار عن الصحابة ﵃ تقوم بها الحجة. الوجه الثاني: هذه الأحاديث تدل على مشروعية سجود الشكر وأنه سنة يستحب فعلها عند وجود سببه، وهو تجدد نعمة أو اندفاع نقمة، سواء أكان ذلك خاصاً بالساجد كما يأتي، أم عاماً لجميع المسلمين، كانتصار المسلمين وهزيمة أعدائهم. وهو إنما شرع عند النعم المتجددة، أما النعم المستمرة كنعمة الإسلام ونعمة العافية والغنى عن الناس ونحو ذلك فهذه لا يشرع السجود لها، لأن نعم الله دائمة لا تنقطع، فلو شرع السجود لذلك لاستغرق الإنسان عمره في السجود، وإنما يكون شكر هذه النعم وغيرهما بالعبادة والطاعة لله تعالى. ولا يلزم أن تكون النعمة عامة بل يجوز - على الراجح من قولي أهل العلم - السجود عند حدوث نعمة خاصة أو اندفاع نقمة عنه، كأن يرزقه الله ولداً، أو يجد ضالته، أو ينجيه الله تعالى من هلكة، ونحو ذلك. وقد ورد في الصحيحين أن كعب بن مالك ﵁ سجد شكراً لله لما بُشر بتوبة الله عليه (١)، وكان ذلك في عهد النبي ﷺ والقرآن ينزل، فدل على مشروعيته. وسجود الشكر من السنن المهجورة بين الناس في هذا الزمان، فينبغي للمسلم إحياؤها عند حصول سببها. والراجح من قولي أهل العلم أن سجود الشكر لا تشترط له الطهارة إذ لا دليل على ذلك، ولأن سبب السجود قد يأتي فجأة والإنسان غير متطهر، ويسجد الإنسان على حاله من قيام أو جلوس، فإن كان قائماً خَرَّ ساجداً من قيام، وإن كان جالساً سجد على حاله، ولا يلزمه أن يقوم فيسجد، والله تعالى أعلم.

стр. 1174

باب صلاة التطوع صلاة التطوع: مركب إضافي، من إضافة الشيء إلى نوعه، لأن الصلاة قد تكون فرضاً، وقد تكون تطوعاً. والتطوع لغة: تكلف الطاعة والتبرع بما لا يلزم من الخير أو الزيادة التي ليست لازمة، ولا يقال تَطَوَّعَ إلا في باب الخير والبر. وشرعاً: كل طاعة ليست بواجبة، والمراد بقولنا: (ليست واجبة) أي: بحق الإسلام، كالصلوات الخمس الواجبة، وإلا فقد تكون صلاة التطوع واجبة بأسبابها، كدخول المسجد سبب لوجوب تحية المسجد - على أحد القولين - ووجوب الوفاء بالنذر سبب لوجوب الصلاة المنذورة، وهكذا. والحكمة من مشروعية التطوع: ١ - جبر ما قد يكون في أداء الفريضة من خلل وتقصير، فإن الفرائض يعتريها النقص، إما في شروطها أو أركانها أو واجباتها، وقد دل على ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما يحاسب الناس به يوم القيامة من أعمالهم الصلاة، يقول ربنا جل وعزَّ لملائكته - وهو أعلم - انظروا في صلاة عبدي، أتمها أم نقصها؟ فإن كانت تامة كتبت له تامة، وإن كان انتقص منها شيئاً قال: انظروا هل لعبدي من تطوع، فإن كان له تطوع قال: أتموا لعبدي فريضته من تطوعه، ثم تؤخذ الأعمال على ذاكم» (١).

стр. 1175

٢ - تهيئة المسلم للترقي في درجات القرب من الله تعالى حتى يصل إلى درجة محبة الله له، وقد جاء في ذلك حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «يقول الله ﵎: ما تقرب إلي عبدي بأفضل مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه … » الحديث (١). ٣ - ومن فوائد صلاة التطوع ما أشار إليه الإمام الشاطبي ﵀ من أن المندوبات بمنزلة الحمى والحارس للواجبات إذ هي رياضة للنفس، يستدعى القيام بها أداء الفرائض، فمن أدى النوافل فإنه لا محالة يؤدي الواجب، ومن قصر في أداء النوافل، فهو عرضة لأن يقصر في أداء الواجبات (٢)، وهذا بيِّن مشاهد. ٤ - ومن فوائد التطوع: تحصيل الثواب والأجر المرتب على فعل الصلوات، كما دلت السنة على ذلك، مما سيأتي بعضه إن شاء الله. ٥ - ومن فوائد التطوع: توطين النفس وتمرينها على العبادة لتعتاد على ذلك ويسهل عليها فعل الطاعة فتلتذ بها، ويحصل لها الخشوع والخضوع، فتسهل عليها الفرائض وتتهيأ لها. ٦ - أن العناية بالنوافل من أعظم الأسباب في صلاح القلب واستقامته وطهارته، وبذلك تصلح أموره وتستقيم أحواله. ٧ - ومن فوائدها: شغل الوقت بأفضل الطاعات وأجل القربات، وهي الصلاة. ٨ - الاقتداء بالنبي ﷺ بأداء النوافل، وكذا السابقين المقربين من سلف هذه الأمة الذين هم في أعلى المراتب عند الله تعالى. والله تعالى أعلم.

стр. 1176

فضل صلاة التطوع ٣٥٠/ ١ - عَنْ رَبيعَة بْنِ كعب الأَسْلَمِيِّ ﵁ قَالَ: قالَ لِي النبي ﷺ : «سَلْ»، فقُلْتُ: أَسَأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَّةِ، فَقَالَ: «أَوَ غَيْرَ ذلِكَ؟»، قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: «فَأعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». رَوَاهُ مُسلم. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هو ربيعة بن كعب بن مالك، أبو فراس الأسلمي، صحب النبي ﷺ قديماً، ولازمه حضراً وسفراً، وخدمه، وكان من أهل الصُّفَّة، وبقي في خدمة النبي ﷺ إلى أن قُبض، ثم خرج من المدينة، فنزل في بلاد أَسْلَمَ على بريد منها، ومات سنة ثلاث وستين، وليس له في الكتب الخمسة إلا هذا الحديث (١)، وقد نص على ذلك المنذري (٢)، وأما البخاري فلم يخرج له شيئاً (٣)، وقد وقع في بعض نسخ البلوغ: (ربيعة بن مالك)، فإما أن يكون وهماً من الحافظ، أو من بعض النساخ، والله أعلم. الوجه الثاني: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٤٨٩) في كتاب «الصلاة» باب «فضل السجود والحث عليه» من طريق الأوزاعي قال: (حدثني يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني ربيعة بن كعب الأسلمي قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل … » الحديث).

стр. 1177

الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل صلاة التطوع، وأنها من أعظم الطاعات، وأقوى الأسباب لعلو الدرجات في جنات النعيم، والمراد بالسجود هنا: صلاة التطوع، ولهذا ذكر الحافظ هذا الحديث في أول هذا الباب، وكأن الذي صرف اللفظ عن ظاهره هو أن السجود بغير صلاة أو لغير سبب غير مرغَّب فيه على انفراده، والسجود وإن كان يصدق على صلاة الفرض لكن الإتيان بالفرائض لا بد منه لكل مسلم، وإنما أرشده النبي ﷺ إلى شيء يختص به، ينال به ما طلبه. والتعبير بالسجود عن الركعة وقع في بعض الأحاديث، كما تقدم في «المواقيت» وكما سيأتي هنا، وقد يعبر عن الشيء ببعضه، لا سيما إذا كان هذا البعض أهم ما فيه، والسجود أهم ما في الصلاة، لما فيه من كمال الخضوع والذل والاستكانة لله تعالى، والقرب منه، لأنه غاية التواضع والعبادة لله تعالى، وفيه تمكين أعز أعضاء الإنسان وأعلاها وهو وجهه من التراب الذي يداس ويمتهن. الوجه الرابع: الحديث دليل على سُمُوِّ نفس ربيعة ﵁ وعلى شرف مطلبه، وعلو همته عن الدنيا الفانية، وشهواتها الزائلة، فلم يطلب جاهاً ولا مالاً، وإنما تاقت نفسه إلى أعلى المراتب، حيث سأل مرافقة النبي ﷺ في الجنة، فصارت همته متعلقة بالمنازل العالية في الدار الآخرة، لا بالدنيا وشهواتها ولذاتها العاجلة، وقد ذكر القرطبي أن المراد بذلك: الزيادة من القرب ورفعة الدرجات، حتى يقرب من منزلة النبي ﷺ وإن لم يساوه فيها (١). ومثل هذا الحديث حديث ثوبان ﵁ عندما سأل النبي ﷺ عن عمل يدخله الله به الجنة، فقال ﷺ : «عليك بكثرة السجود، فإنك لا تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة، وحَطَّ عنك بها خطيئة» (٢).

стр. 1178

فعليك أخي المسلم بالاستكثار من الطاعات، ولا سيما نوافل الصلاة، فإن أحبَّ الخلق إلى الله تعالى أعظمهم استكثاراً من طاعته. قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ما دمت في صلاة، فأنت تقرع باب الملك، ومن يقرع باب الملك يفتح له) (١).

стр. 1179

بيان السنن الراتبة التابعة للفرائض ٣٥١/ ٢ - عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: حَفِظْتُ مِنَ النَّبيِّ ﷺ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايةٍ لَهُمَا: وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمعَةِ فِي بَيْتِهِ. ٣٥٢/ ٣ - وَلِمُسْلِمٍ: كَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ لَا يُصَلِّي إلاَّ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن. ٣٥٣/ ٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعاً قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث ابن عمر ﵄ فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «الركعتين قبل الظهر» (١١٨٠) ومسلم في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «فضل السنن الراتبة قبل الفرائض وبعدهن وبيان عددهن» (٧٢٩) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر به، وهذا لفظ البخاري. والرواية المذكورة عند البخاري في كتاب «الجمعة»، باب «الصلاة بعد الجمعة وقبلها» (٩٣٧)، ومسلم في الباب المذكور (٧٢٩) من طريق مالك، عن نافع عن ابن عمر، ولفظ البخاري: (وكان لا يصلي الجمعة حتى ينصرف فيصلي ركعتين)، ولفظ مسلم: ( … وبعد الجمعة سجدتين، فأما المغرب

стр. 1180

والعشاء والجمعة فصليت مع النبي ﷺ في بيته)، وبهذا يتبين أن الحافظ ساق هذه الرواية بالمعنى، ولعل الحافظ ذكرها لأنها أفادت فائدتين: الأولى: أنها أفادت سنة الجمعة البعدية، وهي زائدة على العشر. الثانية: أنه ﷺ كان يصليها في بيته. وعلى هذا فيكون قوله: (حفظت عشر ركعات) منظوراً فيه إلى التكرار كل يوم. وأما الحديث الثاني فقد رواه مسلم (٧٢٣) (٨٨) من طريق زيد بن محمد قال: سمعت نافعاً يحدث عن ابن عمر، عن حفصة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا طلع الفجر لا يصلي إلا ركعتين خفيفتين)، وهو عند البخاري - أيضاً - (١١٧٣) (١١٨١) بلفظ: (أنه كان إذا أذن المؤذن وطلع الفجر صلّى ركعتين). ولعل الحافظ أورد هذه الرواية من حديث حفصة لأنها أفادت تخفيف ركعتي الفجر - كما سيأتي - وأنه لا يصلي بعد طلوعه سواهما، وإلا فهما معدودتان في العشر في حديث ابن عمر ﵄ كما تقدم. وأما حديث عائشة فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «الركعتين قبل الظهر» (١١٨٢) من طريق شعبة، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به. وظاهر الحديث لا يطابق تبويب البخاري، لكن يحتمل أنه أراد بذكره في هذا الباب بيان أن الركعتين قبل الظهر ليستا حتماً بحيث تمتنع الزيادة عليهما، وقد ذكر قبله حديث ابن عمر المتقدم في أنه ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين. الوجه الثاني: الحديث دليل على مشروعية التنفل بهذه الرواتب، وهي ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد صلاة الجمعة، وركعتان بعد صلاة المغرب، وركعتان بعد صلاة العشاء، وركعتان خفيفتان قبل صلاة الفجر.

стр. 1181

فالرواتب عشر، كما عدها ابن عمر ﵄ فإن راتبة الجمعة تحل محل راتبة الظهر، ثم هي لا تتكرر كل يوم، وقد حفظها ابن عمر ﵄ من مشاهدة النبي ﷺ في المسجد أو في بيت أخته حفصة ﵂ زوج النبي ﷺ أو في مواطن أخرى، لأن ابن عمر ليس في بيت النبي ﷺ وإنما هو في بيت أبيه عمر ﵁. وقد ورد في حديث عائشة ﵂ لما سئلت عن تطوع النبي ﷺ قالت: (كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعاً، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين … الحديث) (١). وهذا يفيد أن الرواتب ثنتا عشرة ركعة، ويؤيد ذلك حديث أم حبيبة الآتي: (من صلَّى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة بُني له بهن بيت في الجنة) (٢). فابن عمر ذكر ما اطلع عليه وهو عشرة ركعات، وحديث عائشة فيه زيادة، وكذا حديث أم حبيبة، فمن فعل ذلك حصل على خير كثير وثواب عظيم، مع ما في ذلك من التأسي بالنبي ﷺ . ويحتمل أنه ﷺ كان يصلي مرة عشراً على ما في حديث ابن عمر، واثنتي عشرة على ما في حديث عائشة، وهذا قريب، لأن عائشة ﵂ إنما تطلع على ما يفعله النبي ﷺ إذا كان في بيتها، وهو ليس عندها إلا يومان من تسعة أيام منذ وهبت سودة يومها لعائشة ﵄، وابن عمر قد يطلع على بقية الأيام في المسجد أو في بيت حفصة أو في مواضع أخرى كما تقدم. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الأفضل في راتبة الجمعة والمغرب والعشاء أن تصلى في البيت، وقد سكت عن مكان راتبة الفجر، ولعل ذلك لشهرة كونه ﷺ يصليها في بيته، وقد وقع في رواية للبخاري عن ابن عمر قال: (وحدثتني أختي حفصة أن النبي ﷺ كان يصلي سجدتين

стр. 1182

خفيفتين بعد ما يطلع الفجر، وكانت ساعة لا أدخل على النبي ﷺ فيها). وقد سكت عن بيان مكان راتبتي الظهر، وقد دل حديث عائشة المتقدم أنه ﷺ كان يصليها في بيته. وقد ورد في الحث على صلاة النافلة في البيت وبيان فضلها أحاديث كثيرة، منها: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: «اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبوراً» (١). وعن زيد بن ثابت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، وسأذكره بتمامه في «الإمامة» - إن شاء الله - حيث ذكره الحافظ هناك. وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإن الله جاعل في بيته من صلاته خيراً» (٢). وصلاة النافلة في البيت فيها فوائد عظيمة، منها: ١ - تمام الخشوع والإخلاص والبعد عن الرياء. ٢ - تحقيق الخيرية الموعود بها، ومن ذلك نزول الرحمة، وطرد الشيطان، ومضاعفة الأجر، ووجود القدوة الصالحة، وتربية أهل البيت من النساء والصغار. ٣ - أن فعلها في المنزل يخرج البيت عن كونه كالمقبرة. ٤ - امتثال أمر الرسول ﷺ الذي حثنا على صلاة النافلة في البيت. والله تعالى أعلم.

стр. 1183

بيان ما تختص به راتبة الفجر ٣٥٤/ ٥ - وَعَنْهَا قَالَتْ: (لَمْ يَكُنِ النَّبيُّ ﷺ عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُداً مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٥٥/ ٦ - وَلِمُسْلِمٍ: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه البخاري في كتاب «التهجد»، باب «تعاهد ركعتي الفجر» (١١٦٩) ومسلم (٧٢٤) (٩٤) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة ﵂ به، واللفظ للبخاري. وأما حديثها الثاني فقد أخرجه مسلم (٧٢٥) من طريق أبي عوانة، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة ﵂ به. الوجه الثاني: في شرح ألفاظهما: قوله: (على شيء من النوافل) أي: نوافل الصلاة، والنفل: الزيادة، والمراد هنا: الرواتب التابعة للفرائض، سميت بذلك لأنها زائدة على الفرائض. قوله: (أشد تعاهداً) أي: أقوى وأكثر محافظة، وهو يفيد أنه ﷺ كان يتعاهد النوافل ويحافظ عليها، لكن راتبة الفجر أكثر تعاهداً. قوله: (على ركعتي الفجر) أي: راتبة الفجر، لأن الفريضة ليست من النوافل.

стр. 1184

قوله: (خير من الدنيا) أي: أكثر غنيمة من كل شيء قبل يوم القيامة، وفي رواية لمسلم: (لهما أحب إلي من الدنيا جميعاً). قوله: (وما فيها) أي: ما في الدنيا من المال والأهل والبنين وغيرها من زينة الدنيا وزهرتها. الوجه الثالث: الحديث دليل على اختصاص راتبة الفجر بشدة محافظة النبي ﷺ عليها وأنها خير من الدنيا وما فيها، وقد اجتمع في هذه الراتبة القول منه ﷺ في الترغيب فيها، والفعل منه ﷺ في المحافظة عليها، ولهذا كان النبي ﷺ لا يدعها حضراً ولا سفراً (١) بخلاف الرواتب الأخرى فكان لا يصليها في السفر، والله أعلم.

стр. 1185

ثواب من صلى في اليوم والليلة من النوافل اثنتي عشرة ركعة ٣٥٦/ ٧ - عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رَكْعَةً فِي يَومٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: «تَطَوُّعاً». ٣٥٧/ ٨ - وَلِلتِّرْمِذِي نَحْوُهُ، وَزَادَ: «أَربَعاً قَبلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: هي رملة بنت أبي سفيان - صخر بن حرب - أم المؤمنين، تكنى بأم حبيبة، وهي بها أشهر من اسمها، ولدت قبل البعثة بسبعة عشر عاماً، وهي من السابقات إلى الإسلام، أسلمت بمكة، وهاجرت مع زوجها عبيد الله بن جحش إلى الحبشة، ثم تنصر زوجها وارتد عن الإسلام ففارقته، ثم تزوجها النبي ﷺ وهي بالحبشة، خطبها له النجاشي، وأصدقها عنه وبعثها إليه، وكان ذلك سنة ست أو سبع من الهجرة، ولعل الرسول ﷺ تزوجها لأمرين: ١ - تأليف أبيها أبي سفيان وترغيبه في الدخول في الإسلام، وتخفيف الأذى عن المسلمين، ولذا افتخر أبو سفيان بالرسول ﷺ ولم ينكر كفاءته له إلى أن هداه الله للإسلام.

стр. 1186

٢ - تكريم أم حبيبة على إيمانها وهجرتها، وجبر خاطرها، وإنهاء وحشتها بسبب فراق زوجها وهي في تلك البلاد. روت عن النبي ﷺ أحاديث، وروت عنها بنتها حبيبة، وأخواها عنبسة ومعاوية، ماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين ﵂ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه مسلم (٧٢٨) (١٠١) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «فضل السنن الراتبة» من طريق النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس قال: (حدثني عنبسة بن أبي سفيان في مرضه الذي مات فيه بحديث يَتَسارُّ إليه (٢)، قال سمعت أم حبيبة تقول: فذكرته، وفي آخره: قالت أم حبيبة: فما تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله ﷺ ، وقال عنبسة: فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة، وقال عمرو بن أوس: ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة، وقال النعمان بن سالم: ما تركتهن منذ سمعتهن من عمرو ابن أوس). وفي رواية (١٠٢): (من صلى في يوم ثنتي عشرة سجدة تطوعاً … ). وفي رواية - أيضاً - (١٠٣): (ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعاً غير فريضة إلا بنى الله له بيتاً في الجنة). وقوله: (تطوعاً) تمييز للاثنتي عشرة، زيادة في البيان، وإلا فإنه معلوم أن المراد التطوع لا الفريضة. وأما الحديث الثاني، فقد أخرجه الترمذي (٤١٥) في أبواب «الصلاة»، باب «ما جاء فيمن صلّى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة من السنة وما له من الفضل»، والنسائي (٣/ ٢٦٢) من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن المسيب بن رافع، عن عنبسة بن أبي سفيان، عن أم حبيبة ﵂ قالت: قال

стр. 1187

رسول الله ﷺ : «من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة بُنِيَ له بيت في الجنة: أربعاً قبل الظهر … » الحديث، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وذكر الحافظ حديث الترمذي؛ لأن فيه تفصيلاً لما أجملته رواية مسلم، حيث بين أوقات هذه النوافل. الوجه الثالث: الحديث دليل على عظم ثواب من صلى في يوم وليلة من النوافل ثنتي عشرة ركعة، وأن ذلك من أسباب دخول الجنة والنجاة من النار مع أداء الفرائض وترك المحارم، وهي أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وركعتان قبل صلاة الصبح. كما ورد تفصيل ذلك في رواية النسائي والترمذي، وهي التي كان النبي ﷺ يصليها كما مر في حديث ابن عمر وعائشة ﵃، فاجتمع فيها القول والفعل من النبي ﷺ . فإذا أضيف إليها قيام الليل إحدى عشرة ركعة مع الفرائض سبع عشرة ركعة فهذه أربعون ركعة، من حافظ عليها حاز خيراً كثيراً وفضلاً عظيماً، وما أسرع الإجابة وأعجل فتح الباب لمن يقرعه كل يوم وليلة أربعين مرة، نسأل الله من فضله. والله أعلم.

стр. 1188

فضل الأربع قبل الظهر وبعدها ٣٥٨/ ٩ - وَلِلْخَمْسَة عَنْهَا: «مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ». الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (١٢٦٩) في كتاب «الصلاة»، باب «الأربع قبل الظهر وبعدها» والترمذي (٤٢٧) والنسائي (٣/ ٢٦٦) وابن ماجه (١١٦٠) وأحمد (٤٤/ ٣٤٧ - ٣٥٨) من طريق عنبسة بن أبي سفيان، قال: قالت أم حبيبة زوج النبي ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : … فذكرته، وهذا الحديث له طرق، وهو حديث صحيح. الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل أربع ركعات قبل صلاة الظهر وأربع بعدها، وأن ذلك مع أداء الفرائض واجتناب المحارم من أسباب النجاة من النار، وما أخَفَّها وأسهلها إذا اعتادها المسلم ورَوَّضَ نفسه عليها. والأربع التي قبل الظهر تقدم ما يدل على فضلها - أيضاً - وأن النبي ﷺ كان يصليها كما روته عائشة ﵂، وأما الأربع التي بعدها فاثنتان من السنة المؤكدة كما مر، والأخريان غير مؤكدتين. والله تعالى أعلم.

стр. 1189

حكم الأربع قبل صلاة العصر ٣٥٩/ ١٠ - عَنْ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «رَحِمَ اللهُ امْرَءاً صَلَّى أرْبَعاً قَبْلَ الْعَصْرِ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَصَحَّحَهُ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (١٠/ ١٨٨) وأبو داود (١٢٧١) في كتاب «الصلاة» باب «الصلاة قبل العصر» والترمذي (٤٣٠) وابن خزيمة (١١٩٣) من طريق سليمان بن داود الطيالسي، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن مهران القرشي، قال: حدثني جدي أبو المثنى، عن ابن عمر ﵄ به. قال الترمذي: (هذا حديث غريب حسن) وفي بعض النسخ (حسن غريب) وهو الذي نقله المزي (١)، وهذا الحديث مختلف فيه، فقد صححه ابن خزيمة - كما ذكر الحافظ ـ، وابن حبان (٦/ ٢٠٦) وحسنه الترمذي، لكنه قال: (غريب)، وصححه - أيضاً - النووي (٢)، والألباني (٣). وأعلَّه غيرهم، فقد قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: سألت أبا الوليد الطيالسي عن حديث محمد بن مسلم بن المثنى، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرءاً صلّى قبل العصر أربعاً»، فقال: دع ذا، فقلت: إن أبا داود قد رواه، فقال أبو الوليد: كان ابن عمر يقول:

стр. 1190

(حفظت عن النبي ﷺ عشرة ركعات في اليوم والليلة) فلو كان هذا لعدَّه، قال أبي: يعني كان يقول: حفظت اثنتي عشرة ركعة (١). وقد ذكر ابن القيم أنّ هذا ليس بعلة؛ لأن ابن عمر ﵄ إنما أخبر عن فعل النبي ﷺ ولم يخبر عن غير ذلك، ولذا أخبرت عائشة أنه كان يصلي قبل الظهر أربعاً، ولم يذكر ذلك ابن عمر، فكذا هنا، وعليه فلا تنافي بين الحديثين البتة (٢). وهذا الحديث جاء من رواية محمد بن مسلم بن مهران عن ابن عمر، وهو متكلم فيه، فقد قال عنه أبو زرعة: واهٍ، وليَّنه ابن مهدي (٣)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤) وقال: (يخطئ)، وقال ابن عدي: (ليس له من الحديث إلا اليسير، ومقدار ما له من الحديث لا يتبين فيه صدقه من كذبه) (٥)، وقال ابن معين والدارقطني: (لا بأس به) (٦)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ). وأما جده أبو المثنى، وهو مسلم بن المثنى، فقد روى عنه جمع، وقال أبو زرعة: (ثقة)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧). والظاهر - والله أعلم - أنه لا يقبل تفرد محمد بن مسلم بهذا الحديث، فإن إعلال أبي الوليد وجيه، ثم أين سالم ونافع - رواة ابن عمر - عن هذا الحديث؟! والترمذي لما حسنه استغربه، كما تقدم. الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث من قال: باستحباب أربع ركعات قبل صلاة العصر وأنه ينبغي المحافظة عليها رجاء الدخول في دعوة النبي ﷺ على القول بأن قوله: (رحم الله امرأً) دعاء، أو يدخل في ضمن من ﵏ على القول بأنه خبر، كما ذكر ذلك العراقي ﵀.

стр. 1191

ولم تكن الأربع من السنن المؤكدة، لأنه لم يرو أن النبي ﷺ واظب عليها، ولهذا لم يذكرها ابن عمر ولا عائشة ﵄. وقد جاء في حديث علي ﵁ في وصف تطوع النبي ﷺ بالنهار قال فيه: (وأربعاً قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين) (١). وعلى هذا الحديث تكون الأربع قبل العصر وردت فيها السنة القولية والفعلية، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنها من الرواتب، كما نقل ذلك ابن قدامة عن أبي الخطاب الحنبلي (٢)، وهي من المسائل التي انفرد بها (٣)، ونقل المجد ابن تيمية وجهين للحنابلة (٤)، وصرح صاحب «المهذب» من الشافعية بأنها من الرواتب، ووافقه على ذلك النووي (٥). وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن حديث علي ﵁ لا يصح، وأن النبي ﷺ لم يكن يصلي قبل العصر (٦)، وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية، فإن تفرد عاصم بهذا الحديث - وهو متكلم فيه - مع مخالفته

стр. 1192

للأحاديث الصحيحة، وللملازمين من صحابته، كل هذه قرائن على ضعف الحديث، والعلم عند الله تعالى. قال ابن القيم: (وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي … ثم ذكره، وقال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جداً، ويقول: إنه موضوع، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره … ) (١)، وقد ذكر ابن حجر في «تهذيب التهذيب» كلام الجوزجاني، ورد عليه، ودافع عن عاصم (٢). والظاهر أنه أنكره لذكر الركعات الأربع قبل العصر، وأما ألفاظ الحديث الأخرى التي فيها نوافل الظهر … إلخ، فلها شواهد في الصحيحين وغيرها، كما تقدم. وقد ورد عند أبي داود بلفظ: (ركعتين قبل العصر) (٣)، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ؛ لأن جميع الروايات اتفقت على الأربع، والله تعالى أعلم.

стр. 1193

حكم الركعتين قبل صلاة المغرب ٣٦٠/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ ﵁ عَنْ النّبيِّ ﷺ : قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَن شَاءَ» كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفي روايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. ٣٦١/ ١٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنِ أنس ﵁ قَالَ: كنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْن بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَان ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. الكلام عليهما من وجوه: الوجه لأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن مغفل - بالمعجمة والفاء المشددة - بن غَنْم المزني، بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان يمسك بأغصانها عن وجه رسول الله ﷺ ، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر ﵁ إلى البصرة ليفقهوا الناس، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وبها مات سنة تسع وخمسين ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث عبد الله بن مغفل، فقد أخرجه البخاري (١١٨٣) في كتاب «التهجد»، باب «الصلاة قبل المغرب» من طريق عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بريدة قال: حدثني عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة»، وفي رواية له (٧٣٦٨): «خشية أن يتخذها الناس سنة».

стр. 1194

وأخرجه ابن حبان (٤/ ٤٥٧) بلفظ: (أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين … ») وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهذا السياق فيه الفعل مع القول، وقد أعرض مسلم عن حكاية الفعل، ويشكل عليه حديث أنس الآتي، فإن ظاهره أن الرسول ﷺ لم يكن يصليهما، والله أعلم. وأما حديث أنس: فقد أخرجه مسلم (٨٣٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب» من طريق محمد بن فضيل، عن مختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: (كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا). ولعل الحافظ أورد رواية ابن حبان مع حديث أنس في موضوع الصلاة قبل المغرب لبيان أن هاتين الركعتين اجتمعت فيهما السنة القولية والفعلية والتقريرية، والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب، والذي صرف الأمر في قوله: (صلوا) عن الوجوب قوله: (لمن شاء)، ولذا قال الراوي: (كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي: طريقة لازمة أو سنة راتبة يكره تركها، وقد كان كثير من الصحابة ﵃ يصلون هاتين الركعتين، كما حكى ذلك أنس ﵁. وهما داخلتان في عموم قوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، (ثم قال في الثالثة) لمن شاء» (١). والمراد بـ (الأذانين): الأذان والإقامة، لأن الكل إعلام، فالأذان إعلام بدخول الوقت، والإقامة إعلام بالصلاة والدخول فيها. والركعتان قبل المغرب ليستا من السنن الرواتب، فلا تستحب المداومة عليهما؛ لئلا تأخذا حكم الرواتب، والله تعالى أعلم.

стр. 1195

تخفيف راتبة الفجر وما يقرأ فيها ٣٦٢/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْن قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إنِّي أَقُول: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٦٣/ ١٤ - وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه لأول: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه البخاري (١١٧١) في كتاب «التهجد»، باب «ما يُقرأ في ركعتي الفجر»، ومسلم (٧٢٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأمِّ الكتاب؟)، وهذا لفظ البخاري. وأما الثاني فقد أخرجه مسلم (٧٢٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتي الفجر … وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما» من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد - هو ابن كيسان - عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ به. الوجه الثاني: الحديث الأول دليل على استحباب تخفيف راتبة الفجر، فلا يطيل القراءة فيها، ولا يطيل - أيضاً - الركوع والسجود، قال القرطبي: (ليس معنى هذا أنها شكت في قراءته ﷺ فيها بأمِّ القرآن … وإنما
следующие страницы →