← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

ولم تكن الأربع من السنن المؤكدة، لأنه لم يرو أن النبي ﷺ واظب عليها، ولهذا لم يذكرها ابن عمر ولا عائشة ﵄. وقد جاء في حديث علي ﵁ في وصف تطوع النبي ﷺ بالنهار قال فيه: (وأربعاً قبل العصر، يفصل بين كل ركعتين بالتسليم على الملائكة المقربين والنبيين ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين) (١). وعلى هذا الحديث تكون الأربع قبل العصر وردت فيها السنة القولية والفعلية، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أنها من الرواتب، كما نقل ذلك ابن قدامة عن أبي الخطاب الحنبلي (٢)، وهي من المسائل التي انفرد بها (٣)، ونقل المجد ابن تيمية وجهين للحنابلة (٤)، وصرح صاحب «المهذب» من الشافعية بأنها من الرواتب، ووافقه على ذلك النووي (٥). وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن حديث علي ﵁ لا يصح، وأن النبي ﷺ لم يكن يصلي قبل العصر (٦)، وهذا هو الذي تقتضيه الصناعة الحديثية، فإن تفرد عاصم بهذا الحديث - وهو متكلم فيه - مع مخالفته

стр. 1192

للأحاديث الصحيحة، وللملازمين من صحابته، كل هذه قرائن على ضعف الحديث، والعلم عند الله تعالى. قال ابن القيم: (وأما الأربع قبل العصر فلم يصح عنه ﵇ في فعلها شيء، إلا حديث عاصم بن ضمرة عن علي … ثم ذكره، وقال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ينكر هذا الحديث ويدفعه جداً، ويقول: إنه موضوع، ويذكر عن أبي إسحاق الجوزجاني إنكاره … ) (١)، وقد ذكر ابن حجر في «تهذيب التهذيب» كلام الجوزجاني، ورد عليه، ودافع عن عاصم (٢). والظاهر أنه أنكره لذكر الركعات الأربع قبل العصر، وأما ألفاظ الحديث الأخرى التي فيها نوافل الظهر … إلخ، فلها شواهد في الصحيحين وغيرها، كما تقدم. وقد ورد عند أبي داود بلفظ: (ركعتين قبل العصر) (٣)، وقد حكم الألباني عليها بالشذوذ؛ لأن جميع الروايات اتفقت على الأربع، والله تعالى أعلم.

стр. 1193

حكم الركعتين قبل صلاة المغرب ٣٦٠/ ١١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مُغَفَّلِ المُزَنِيِّ ﵁ عَنْ النّبيِّ ﷺ : قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ المَغْرِبِ»، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «لِمَن شَاءَ» كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفي روايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ صَلَّى قَبْلَ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ. ٣٦١/ ١٢ - وَلِمُسْلِمٍ عَنِ أنس ﵁ قَالَ: كنَّا نُصَلِّي رَكْعَتَيْن بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَكَان ﷺ يَرَانَا، فَلَمْ يَأمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. الكلام عليهما من وجوه: الوجه لأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن مغفل - بالمعجمة والفاء المشددة - بن غَنْم المزني، بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة، وكان يمسك بأغصانها عن وجه رسول الله ﷺ ، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر ﵁ إلى البصرة ليفقهوا الناس، سكن المدينة، ثم تحول إلى البصرة، وبها مات سنة تسع وخمسين ﵁ (١). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث عبد الله بن مغفل، فقد أخرجه البخاري (١١٨٣) في كتاب «التهجد»، باب «الصلاة قبل المغرب» من طريق عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بريدة قال: حدثني عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: «صلوا قبل صلاة المغرب - قال في الثالثة - لمن شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة»، وفي رواية له (٧٣٦٨): «خشية أن يتخذها الناس سنة».

стр. 1194

وأخرجه ابن حبان (٤/ ٤٥٧) بلفظ: (أن رسول الله ﷺ صلى قبل المغرب ركعتين، ثم قال: «صلوا قبل المغرب ركعتين … ») وإسناده صحيح على شرط مسلم، وهذا السياق فيه الفعل مع القول، وقد أعرض مسلم عن حكاية الفعل، ويشكل عليه حديث أنس الآتي، فإن ظاهره أن الرسول ﷺ لم يكن يصليهما، والله أعلم. وأما حديث أنس: فقد أخرجه مسلم (٨٣٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب» من طريق محمد بن فضيل، عن مختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن التطوع بعد العصر، فقال: كان عمر يضرب الأيدي على صلاة بعد العصر، وكنا نصلي على عهد النبي ﷺ ركعتين بعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، فقلت له: أكان رسول الله ﷺ صلاهما؟ قال: (كان يرانا نصليهما فلم يأمرنا ولم ينهنا). ولعل الحافظ أورد رواية ابن حبان مع حديث أنس في موضوع الصلاة قبل المغرب لبيان أن هاتين الركعتين اجتمعت فيهما السنة القولية والفعلية والتقريرية، والله تعالى أعلم. الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب صلاة ركعتين قبل صلاة المغرب، والذي صرف الأمر في قوله: (صلوا) عن الوجوب قوله: (لمن شاء)، ولذا قال الراوي: (كراهية أن يتخذها الناس سنة) أي: طريقة لازمة أو سنة راتبة يكره تركها، وقد كان كثير من الصحابة ﵃ يصلون هاتين الركعتين، كما حكى ذلك أنس ﵁. وهما داخلتان في عموم قوله ﷺ : «بين كل أذانين صلاة، بين كل أذانين صلاة، (ثم قال في الثالثة) لمن شاء» (١). والمراد بـ (الأذانين): الأذان والإقامة، لأن الكل إعلام، فالأذان إعلام بدخول الوقت، والإقامة إعلام بالصلاة والدخول فيها. والركعتان قبل المغرب ليستا من السنن الرواتب، فلا تستحب المداومة عليهما؛ لئلا تأخذا حكم الرواتب، والله تعالى أعلم.

стр. 1195

تخفيف راتبة الفجر وما يقرأ فيها ٣٦٢/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُخَفِّفُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْن قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، حَتَّى إنِّي أَقُول: أَقَرَأَ بِأُمِّ الكِتَابِ؟». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٦٣/ ١٤ - وعنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه لأول: في تخريجهما: أما الأول فقد أخرجه البخاري (١١٧١) في كتاب «التهجد»، باب «ما يُقرأ في ركعتي الفجر»، ومسلم (٧٢٤) من طريق محمد بن عبد الرحمن، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول: هل قرأ بأمِّ الكتاب؟)، وهذا لفظ البخاري. وأما الثاني فقد أخرجه مسلم (٧٢٦) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب ركعتي الفجر … وبيان ما يستحب أن يقرأ فيهما» من طريق مروان بن معاوية، عن يزيد - هو ابن كيسان - عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁ به. الوجه الثاني: الحديث الأول دليل على استحباب تخفيف راتبة الفجر، فلا يطيل القراءة فيها، ولا يطيل - أيضاً - الركوع والسجود، قال القرطبي: (ليس معنى هذا أنها شكت في قراءته ﷺ فيها بأمِّ القرآن … وإنما

стр. 1196

معنى ذلك أنه كان في غيرها من النوافل يقرأ بالسورة يرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، بخلاف فعله في هذا، فإنه كان يخفف أفعالها وقراءتها، حتى إذا نُسبت إلى قراءته في غيرها كانت كأنها لم يقرأ فيها … ) (١)، وهذا الأمر الأول الذي اختصت به راتبة الفجر، وهو تخفيفها، والحكمة في ذلك - والله أعلم - المبادرة لصلاة الصبح أول وقتها، وبه جزم القرطبي (٢). وقيل: ليستفتح صلاة النهار بركعتين خفيفتين، كما كان يستفتح قيام الليل بركعتين، للتفرغ للفرض أو لقيام الليل الذي هو أفضل النوافل المطلقة. الوجه الثالث: الحديث الثاني دليل على استحباب قراءة سورة «الكافرون» في الركعة الأولى، وسورة «الإخلاص» في الثانية من ركعتي الفجر، وهذا الأمر الثاني الذي اختصت به راتبة الفجر، والحكمة من قراءة هاتين السورتين - والله أعلم - أنهما تضمنتا نوعي التوحيد، فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تضمنت إثبات كل كمال لله تعالى، ونفي كل نقص عنه ، فإن فيها وصف الله تعالى بالوحدانية والصمدية، ونفي الكفؤ عنه والمثل، وهذا هو توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات. وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تضمنت إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبرئ من عبادة كل ما سواه، وهذا هو التوحيد الطلبي الإرادي، وهو توحيد الألوهية، وتوحيد العبادة. وكل من السورتين مشتمل على النوع المذكور نصاً، وعلى النوع الآخر لزوماً. وإذا أضيف إلى ذلك استحباب قراءتهما في الوتر - كما سيأتي - اتضح أن من مقاصد ذلك - والله أعلم - أن يكون التوحيد فاتحة عمل العبد وخاتمته. كما يستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بالآية من سورة البقرة: ﴿قُولُوا

стр. 1197

آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٦]، ويقرأ في الثانية التي في آل عمران: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] (١). فينبغي للمسلم أن يقرأ بهذا أحياناً، وبهذا أحياناً، ليكون عاملاً بالسنة، فإن القراءة الثانية أشبه ما تكون بالمهجورة، والله تعالى أعلم.

стр. 1198

حكم الاضطجاع بعد ركعتي الفجر ٣٦٤/ ١٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. ٣٦٥/ ١٦ - وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ الركْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْصُّبْحِ، فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى جَنْبِهِ الأَيْمَنِ». رَوَاهُ أَحْمَد، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث عائشة فقد أخرجه البخاري (١١٦٠) في كتاب «التهجد»، باب «الضِّجعة على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر» من طريق عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ به. وأما حديث أبي هريرة ﵁ فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٢١٧)، وأبو داود (١٢٦١) في كتاب «الصلاة»، باب «الاضطجاع بعد ركعتي الفجر»، والترمذي (٤٢٠) من طريق عبد الواحد بن زياد، ثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ به مرفوعاً. وقال الترمذي: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه)، وهذا الإسناد ظاهره الصحة، وهو على شرط الشيخين، لكن له علتان: إحداهما: أن عبد الواحد تكلم فيه بعض الحفاظ، فقد تفرد بهذا الحديث عن الأعمش، وهو وإن كان ثقة واحتجَّا به في الصحيحين، إلا أن

стр. 1199

في حديثه عن الأعمش مقالاً، كما ذكر ذلك الحافظان الذهبي وابن حجر، وغيرهما، ولما ترجم له الذهبي عدَّ هذا الحديث من مناكيره التي نُقمت عليه، وتجنبها الشيخان (١). العلة الثانية: أن الأعمش مدلس، وصفه بالتدليس النسائي والدارقطني والذهبي والعلائي وغيرهم، وقد احتمل العلماء تدليسه إذا كان في الصحيحين، كما نص على ذلك الحافظ ابن حجر في رسالته في «التدليس» لأن الشيخين اعتنيا بروايته وانتقيا منها ما ثبت سماعه، وأما غيرهما فلم يعتن بذلك، فلذا تُعلُّ روايته إذا لم يصرح بالسماع، ولكن ذكر الذهبي أنه إذا قال في روايته (عن) تطرق احتمال التدليس، إلا في شيوخ له أكثر عنهم، كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (٢)، وقد صحح الحديث جماعة من المتقدمين، منهم الترمذي كما ذكر الحافظ، وابن خزيمة (١١٢٠) وابن حبان (٦/ ٢٢٠) والنووي (٣) وابن حجر في «الفتح» (٤)، كما صححه الألباني (٥). وقد حكم الحافظ البيهقي على هذا الحديث بالشذوذ، فإنه لما ذكر حديث أبي هريرة حكايةً عن فعل النبي ﷺ قال: (وهذا أولى أن يكون محفوظاً، لموافقته سائر الروايات عن عائشة وابن عباس) (٦)، ومعلوم أن مقابل المحفوظ هو الشاذ كما في علوم الحديث، وقد ذكر السيوطي هذا الحديث وجعله مثالاً للشاذ حيث انفرد به عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش (٧). وقال أبو الطيب محمد شمس الحق: (إن وروده من فعله ﷺ لا ينافي

стр. 1200

كونه ورد من قوله، فيكون عن أبي هريرة حديثان، حديث الأمر به، وحديث ثبوته من فعله … ) (١). وقد ضعف الحديث - أيضاً - شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقله عنه ابن القيم، حيث قال ابن تيمية: (هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه الفعل لا الأمر بها، والأمر تفرد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه … ) (٢)، وممن ضعفه ابن العربي (٣). وعلى هذا فالحديث معلول، وهو الذي رجحه الشيخ عبد العزيز بن باز، لكن على فرض صحته فالأمر فيه للاستحباب، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الثاني: حديث عائشة ﵂ دليل على مشروعية الاضطجاع على الشق الأيمن بعد ركعتي الفجر، وكذا حديث أبي هريرة ﵁ فإن فيه الأمر بذلك، على القول بصحته. وحكمة هذا الاضطجاع الراحة والنشاط لصلاة الصبح، وعلى هذا فتختص بالمتهجد، وقيل: الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا تختص. وقد جاء في بعض الروايات لحديث عائشة قالت: (إن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يُؤذَّنَ بالصلاة) (٤)، فدل ذلك على عدم وجوبها وأنها سنة مستحبة، وأنه إذا تركها بعض الأحيان فلا بأس، كما كان الرسول ﷺ يتركها إذا تحدث مع عائشة، ويكون الأمر في حديث أبي هريرة ﵁ للاستحباب لهذه القرينة، وظاهر الحديث أن الاضطجاع سنة مطلقاً، سواء أقام الليل أم لا، وهذا هو المذهب عند الشافعية والحنابلة (٥)، وقد روى ابن أبي شيبة فعله عن أبي موسى

стр. 1201

ورافع بن خديج وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر وأبي هريرة، وابن سيرين وعروة بن الزبير (١). والقول الثاني: التفصيل بين من يقوم الليل، فيستحب له الاضطجاع، لأنه يحتاج إلى راحة حتى ينشط لصلاة الفجر، دون غيره، وبه جزم ابن العربي (٢)، وهذا الاضطجاع لم يرد فيه إلا الفعل المجرد، بناءً على أن حديث أبي هريرة في الأمر به شاذ، وهذا الفعل تعارض فيه الأصل والظاهر، إذ الأصل عدم التشريع في مثل ذلك، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى القول بالإباحة، منهم مالك وجماعة (٣). والظاهر أن فعله ﷺ مقصود به التشريع لصلته بالعبادة، ولأن الغالب على أفعاله التشريع، إذ هو مبعوث لبيان الشرعيات، ويقوي هذا الظاهر مواظبة النبي ﷺ على هذه الضجعة إن لم يتحدث مع عائشة ﵂ كما تقدم، كما يقوي ذلك حديث أبي هريرة ﵁ عند من يقول بثبوته. وفي الاضطجاع أقوال أخرى، والظاهر - والله أعلم - استحباب هذه الضجعة مطلقاً (٤)، وبه قال أكثر أهل العلم، منهم النووي، والصنعاني، وأبو الطيب محمد شمس الحق (٥)، وهي تتأكد في حق من صلى بالليل أكثر من غيره. والحكمة من كونها على الجنب الأيمن ما قاله العلامة ابن القيم من أن القلب معلق في الجنب الأيسر، فإذا نام الرجل على الجنب الأيسر استثقل نوماً، لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل نومه، فإذا نام على شقه الأيمن فإنه

стр. 1202

يقلق ولا يستغرق في النوم، لقلق قلبه، وطلبه مستقره وميله إليه، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أنه ﷺ كان يحب التيامن في شأنه كله. والعلم عند الله تعالى (١). الوجه الثالث: روى مسلم من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي بالليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن، فيصلي ركعتين خفيفتين (٢)). وهذا يدل على أن الاضطجاع بعد صلاة الليل، لا بعد راتبة الفجر، وقد خالف مالك جميع أصحاب الزهري أمثال معمر وعقيل ويونس بن يزيد وشعيب بن أبي حمزة وابن أبي ذئب والأوزاعي وغيرهم في ذكر الاضطجاع، فهم يذكرونه بعد راتبة الفجر، وهو يذكره بعد صلاة الليل. فمن أهل العلم من رجح رواية مالك، لأنه أثبت أصحاب الزهري وأحفظهم، ومنهم من قال: بل الصواب في هذا مع من خالف مالكاً، وأن الاضطجاع بعد راتبة الفجر هو المحفوظ، وأما بعد صلاة الليل فهو من أوهام مالك. قال البيهقي بعد ذكر الروايتين: (والعدد أولى بالحفظ من الواحد، وقد يحتمل أن يكونا محفوظين، فنقل مالك أحدهما، ونقل الباقون الآخر … ) (٣)، ويحتمل أن يكون المراد بالاضطجاع بعد صلاة الليل في رواية مالك هو نومه ﷺ بين صلاة الليل وصلاة الفجر، الواردة في حديث ابن عباس ﵄ (٤).

стр. 1203

الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن النبي ﷺ كان يضطجع في بيته، لأنه ﷺ كان يصلي راتبة الفجر فيه، ويؤيد هذا حديث عائشة ﵂ المتقدم: (أن النبي ﷺ كان إذا صلى سنة الفجر فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا اضطجع حتى يؤذن بالصلاة)، وعلى هذا فلا يشرع فعلها في المسجد إن صلى فيه راتبة الفجر، فإن صلاها في بيته استحب له الاضطجاع، ولم يثبت عن النبي ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم فعلوها في المسجد، بل قال ابن حجر: (إنه صَحَّ عن ابن عمر ﵄ أنه كان يحصب من يفعله في المسجد (١)). وقال بعض أهل العلم: إن هذه الضجعة تابعةٌ لركعتي الصبح، فإن ركعهما في البيت اضطجع فيه، وهذا أفضل وأكمل، وإن ركعهما في المسجد اضطجع فيه، وإن خالف لا يضره، لأنه ليس فيها تحديد بموضع دون موضع (٢). والذي يظهر لي - والله أعلم - أنه لا يشرع الاضطجاع في المسجد، لما تقدم من أنه لم يثبت عن الرسول ﷺ ولا عن أحد من أصحابه أنهم فعلوها في المسجد، ولأن الناس في المسجد يتمون الصف الأول فالأول ويتقاربون حتى قبل إقامة الصلاة، فيكون الاضطجاع في المسجد في مثل هذه الحال غير لائق، والله تعالى أعلم.

стр. 1204

بيان كيفية صلاة الليل ٣٦٦/ ١٧ - عَن ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ اللَّيلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً، تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلّى». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٦٧/ ١٨ - وَلِلْخَمْسَةِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى». وَقَالَ النَّسَائيُّ: هذَا خَطَأٌ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الحديث الأول فقد أخرجه البخاري (٩٩٠) في كتاب «الوتر»، باب «ما جاء في الوتر» ومسلم (٧٤٩) من طريق مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رجلاً سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل، فقال رسول الله ﵇: «صلاة الليل مثنى مثنى … الحديث»، وفي رواية لمسلم من طريق عقبة بن حريث قال: (سمعت ابن عمر … ) فذكر الحديث، وفي آخره: فقيل لابن عمر: (ما مثنى مثنى؟ قال: أن تسلم في كل ركعتين). وأما الثاني فقد أخرجه أبو داود (١٢٩٥) في كتاب «الصلاة»، باب «في صلاة النهار» والترمذي (٥٩٧) والنسائي (٣/ ٢٢٧) وابن ماجه (١٣٢٢) وأحمد (٨/ ٤١٠) من طريق شعبة، عن يعلى بن عطاء، عن علي بن عبد الله البارقي، عن ابن عمر ﵄ مرفوعاً. وجاء الحديث - أيضاً - من طريق إسحاق بن إبراهيم الحنيني، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، أخرجه الطحاوي في «شرح معاني

стр. 1205

الآثار» (١/ ٣٣٤)، والحنيني ضعيف كثير الوهم والخطأ، وكذا العمري، وهو عبد الله بن عمر، فإنه ضعيف ليس بحجة (١). كما تقدم. وقال النسائي بعد ذكره الحديث: (هذا الحديث عندي خطأ) يعني ذكر (النهار) وقد اختلف العلماء في هذا الحديث بهذه الزيادة اختلافاً شديداً، فقد صححه جماعة منهم البخاري، فيما نقله عنه البيهقي، وابن خزيمة، وابن حبان، والنووي (٢)، والشيخ الألباني، والشيخ عبد العزيز بن باز، بناء على أنها زيادة من ثقة فتقبل (٣). وضعفه آخرون، منهم النسائي، كما ذكر الحافظ، والإمام أحمد، وقد ذكر أن شعبة كان يتهيب هذا الحديث (٤)، والدارقطني في «العلل» (١٣/ ٣٥)، والحاكم، وابن معين (٥)، والطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٣٣٤)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦). ولعل هؤلاء يستدلون على ضعف هذه الزيادة بما يلي: ١ - أن الحديث رواه عن ابن عمر أكثر من خمسة عشرة نفساً، وأغلبهم جبال في الحفظ، سرد منهم ابن عبد البر تسعة، منهم: سالم، ونافع، وعبد الله بن دينار، وغيرهم (٧)، ولم يذكر واحد منهم هذه الزيادة سوى البارقي الأزدي، كما تقدم، وهو صدوق كما قال الذهبي (٨)، ولم يشتهر في الحفظ والإتقان، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، مع قلة حديثه كما قال ابن عدي، وقد أخرج له مسلم حديثاً واحداً في الدعاء إذا استوى على الراحلة

стр. 1206

للسفر، فتكون هذه الزيادة زيادة شاذة، يقول شيخ المفسرين الحافظ محمد بن جرير الطبري: (الحفاظ الثقات إذا تتابعوا على نقل شيء بصفة، فخالفهم واحد منفرد ليس له حفظهم كانت رواية الجماعة الأثبات أحقَّ بصحة ما نقلوا من الفرد الذي ليس له حفظهم) (١)، وهذا معنى مقرر في علوم الحديث. ٢ - أنه ورد عن ابن عمر أنه كان لا يرى بأساً أن يصلي بالنهار أربعاً، ذكره أبو داود في «مسائله عن الإمام أحمد»، وورد عن ابن عمر أنه كان يصلي بالنهار أربعاً أربعاً (٢)، ولو كان ابن عمر حفظ أن صلاة النهار مثنى مثنى لم يكن يرى أن يصلي بالنهار أربعاً مع شدة اتباعه، فدل على أنه عمل بمفهوم ما روى (٣). قال الطحاوي: (وقد روي عن ابن عمر ﵄ من فعله بعد رسول الله ﷺ ما يدل على فساد هذين الحديثين … ) (٤)، يقصد حديث الأزدي والحنيني. ٣ - أن هذه الزيادة لا تناسب سياق الحديث، لأن السائل إنما سأله عن صلاة الليل، والنبي ﷺ وإن كان قد يجيب عن السؤال وزيادة - كما تقدم في أول حديثٍ في هذا الكتاب - لكن هذه الزيادة لا ينتظم بها الكلام، لأنه ذكر فيه قوله: (فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة)، فهذا يناسب تفريعه على ذكر الليل قبله، لا ذكر النهار أيضاً، ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٥). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (مثنى مثنى) بفتح الميم، وإسكان الثاء المثلثة أي: اثنين اثنين، وهو ممنوع من الصرف، للوصفية والعدل، والتكرار للتأكيد. وقد جاء في رواية مسلم عن عقبة بن حُريث … فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: (أن تسلم في كل ركعتين).

стр. 1207

قوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح) على حذف مضاف، أي: فإذا خاف أحدكم طلوع الصبح، أي: طلوع الفجر. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن صلاة الليل مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين - كما ورد تفسير الحديث عن ابن عمر ﵄، في رواية مسلم - ويختمها بركعة واحدة توتر له ما صلى إذا خشي طلوع الفجر، وسيأتي إن شاء الله أن النبي ﷺ أوتر بخمس وبسبع وبغير ذلك، وقد أخذ العلماء ومنهم مالك بحديث الباب مستدلاً به على تَعَيُّنِ الفصل بين كل ركعتين من صلاة الليل، لأن هذا ظاهر السياق، لحصر المبتدأ في الخبر، فهو في قوة: ما صلاة الليل إلا مثنى مثنى، لكن يرد على ذلك فعل النبي ﷺ كما سيأتي، وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أن ذلك لا يلزم، وإنما الحديث لبيان الأفضل، لما سيأتي من فعله ﷺ بخلافه، أو يقال: إنه مراد به الإرشاد إلى الأخف، لأن السلام من كل ركعتين أخف على المصلي من الأربع فما فوقها، لما فيه من الراحة غالباً، وقضاءِ ما يعرض من أمر مهم، ولو كان الوصل لبيان الجواز فقط لما واظب عليه الرسول ﷺ ، وقد صح عنه الفصل والوصل. ويدل بمفهومه على أن صلاة النهار ليست كذلك، وأنه يجوز أن تُصَلَّى أربعاً، كما فعل ابن عمر ﵄ وهو قول ابي حنيفة وصاحبيه، وإسحاق، وصححه الموفق في «المغني» (١)، واختاره الصنعاني (٢)، وكأنهم قالوا بذلك للاختلاف في ثبوت لفظة: (صلاة الليل «والنهار» مثنى مثنى). وذهب الجمهور إلى أن صلاة النهار كصلاة الليل مثنى مثنى (٣)، أخذاً بهذه الزيادة، ولأنه أبعد من السهو، وأشبه بصلاة الليل وتطوعات النبي ﷺ ، فإن الصحيح في تطوعاته ركعتان، قالوا: وكل حديث ورد فيه ذكر الأربع فالمراد أن يصليها مثنى مثنى.

стр. 1208

والذي يظهر - والله أعلم - أن صلاة النهار موسَّع فيها، فإن صلى الأربع أحياناً بسلام واحد جاز، وإن سلم من كل ركعتين فهو أفضل، لما تقدم، وأما صلاة الليل فهي مثنى مثنى، لكن لو سرد خمساً أو سبعاً جاز، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الرابع: في الحديث دليل على أن وقت الوتر ينتهي بطلوع الصبح، لقوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة) أي: طلوع الفجر، وسيأتي لذلك مزيد بيان. والله تعالى أعلم.

стр. 1209

فضل صلاة الليل ٣٦٨/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (١١٦٣) في كتاب «الصيام» باب «فضل صوم المحرم» من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل صلاة الليل وأنها أفضل الصلاة بعد الصلاة المفروضة، وهي أفضل من صلاة النهار، وذلك - والله أعلم - لما فيها من صفاء المناجاة، وتواطؤ القلب واللسان، وقلة الشواغل، والإخلاص، والبعد عن الرياء، لأنها في وقت الراحة والسكون ومحبة النوم، فهو شاقٌّ، إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون، قيام الليل كما يقول المنادي: يا رجالَ الليل جِدُّوا … رُبَّ داعٍ لا يُردُّ ما يقومُ الليلَ إلا … من له عَزْمٌ وجِدُّ قيام الليل ولو كان قليلاً من أهم المولدات الإيمانية، بما يضفي على صاحبه من نور الوجه، ويقظة القلب، وحلاوة الإيمان، وهو سبب من أسباب دخول الجنة كما ثبت في السنة، وقد ذكر الله في كتابه الكريم عن عباده الصالحين تهجدهم بالليل، قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾

стр. 1210

[الذاريات: ١٧]، وقال تعالى في صفة عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦]. وعن عبد الله بن سلام ﵁ قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا والناس نيام، تدخلون الجنة بسلام» (١). فينبغي للمؤمنين أن يكون لهم نصيب من قيام الليل، لأن دقائق الليل غالية، فلا تُرْخَصُ بالغفلة، قال ابن عبد البر: (قيام الليل سنة مسنونة، لا ينبغي تركها، فطوبى لمن يُسِّرَ لها، وأُعينَ عليها، فإن رسول الله ﷺ قد عمل بها، وندب إليها) (٢).

стр. 1211

حكم الوتر ٣٦٩/ ٢٠ - عَنْ أبي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ». رَوَاهُ الأرْبَعَةُ إلاَّ التِّرْمِذِيَّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَرَجَّحَ النَّسَائيُّ وَقْفَهُ. ٣٧٠/ ٢١ - وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: «لَيْسَ الْوِتْرُ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ المَكْتُوبَةِ، وَلكِنْ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللهِ ﷺ ». رَوَاهُ النَّسَائيُّ والتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، والحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. ٣٧١/ ٢٢ - وعَنْ جَابِرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ انْتَظَرُوه مِنَ الْقَابِلَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ، وَقَالَ: «إنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمُ الْوِتْرُ». رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث أبي أيوب، فقد أخرجه أبو داود (١٤٢٢) في كتاب «الصلاة»، باب «كم الوتر؟» من طريق بكر بن وائل، والنسائي (٣/ ٢٣٨) وابن ماجه (١١٩٠) وابن حبان (٦/ ١٧٠) من طريق الأوزاعي، كلاهما عن الزهري، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁، به مرفوعاً. ورواه النسائي (٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩) من طريق أبي مُعَيْدٍ، ومن طريق الحارث بن مسكين، عن سفيان، كلاهما عن الزهري موقوفاً.

стр. 1212

ولما ساقه النسائي في «الكبرى» مرفوعاً وموقوفاً (١/ ٤٤٠ - ٤٤١) قال: (الموقوف أولى بالصواب، والله أعلم)، وهذه العبارة ليست موجودة في «المجتبى»، مع أنه ساق الحديث فيه مرفوعاً وموقوفاً. وهذا الحديث رجاله ثقات، رواه عن الزهري جماعة من الثقات، منهم من رفعه، ومنهم من وقفه، منهم: الأوزاعي، وبكر بن وائل، وسفيان بن عيينة، وأبو مُعَيْدٍ - حفص بن غيلان - وغيرهم، لكنه أُعِلَّ بالوقف. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف في رفعه ووقفه، ورجح وقفه، قال الحافظ: (صحح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في «العلل» والبيهقي، وغير واحد وقفه، وهو الصواب) (١)، قال الصنعاني: (وله حكم الرفع، إذ لا مسرح للاجتهاد فيه، أي: في المقادير) (٢)، ووافقه على ذلك الشيخ عبد العزيز بن باز، وقد رجح الألباني الرفع وقال: (ترجيح البيهقي وغيره وقفه مما لا وجه له، لأنه قد رفعه جماعة من الثقات، والرفع زيادة يجب قبولها، كما تقرر في المصطلح) (٣)، والوقف هو الراجح من جهة الصناعة الحديثية. أما حديث علي ﵁ فقد أخرجه النسائي (٣/ ٢٢٩) في كتاب «قيام الليل وتطوع النهار»، باب «الأمر بالوتر» والترمذي (٤٥٣ - ٤٥٤) والحاكم (١/ ٣٠٠) من طريق أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي بن أبي طالب، به موقوفاً، وقال الترمذي: (حديث حسن). وقد رواه عن أبي إسحاق - وهو السبيعي - سفيان الثوري، عند النسائي والترمذي، وسماعه منه قديم، وهو أحفظ من كل من رواه عن أبي إسحاق، كما رواه عنه أبو بكر بن عياش عند الحاكم، ورواه عنه - أيضاً - إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق، عند الطيالسي (٨٩) وهو من أثبت الناس في جده.

стр. 1213

وقد رواه زكريا بن أبي زائدة، وأبو بكر بن عياش كلاهما عن أبي إسحاق مرفوعاً بلفظ: «أوتروا يا أهل القرآن» وسيأتي. وقد تقدم الكلام على أبي إسحاق، وعاصم بن ضمرة قريباً، فالحديث حسن، وقد صححه الألباني (١). أما حديث جابر فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ١٦٩ - ١٧٠) في باب «الوتر»: (ذكر الخبر الدال على أن الوتر ليس بفرض) من طريق يعقوب بن عبد الله القُمِّي قال: حدثنا عيسى بن جارية، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ في شهر رمضان ثمان ركعات وأوتر، فلما كانت القابلة اجتمعنا في المسجد، ورجونا أن يخرج إلينا، فلم ينزل حتى أصبحنا، ثم دخلنا فقلنا: يا رسول الله اجتمعنا في المسجد ورجونا أن تصلي بنا، فقال: (إني خشيت أو كرهت أن يكتب عليكم الوتر). وإسناده ضعيف لأن فيه عيسى بن جارية، وعليه مدار الحديث، وهو ضعيف، قال ابن معين: (عنده مناكير، حدث عنه يعقوب القُمِّيُّ وعنبسة قاضي الري). وقال النسائي: (منكر الحديث)، وجاء عنه: (متروك)، وقال ابن عدي: (أحاديثه غير محفوظة)، وقال أبو زرعة: (لا بأس به)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢). قال الصنعاني عن حديث جابر ﵁: (أبعد المصنف النُّجْعَةَ، والحديث في البخاري إلا أنه بلفظ: (أن تفرض عليكم صلاة الليل)) (٣) وهذا فيه نظر، فإن الحديث الذي في البخاري ليس فيه ذكر الوتر، وليس هو من حديث جابر ﵁ وإنما هو من حديث عائشة ﵂. الوجه الثاني: حديث أبي أيوب دليل للقائلين بوجوب الوتر، وهو اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، واسم للثلاث والخمس والسبع والتسع إذا جمعن بسلام واحد، فإن كانت الثلاث بسلامين كان الوتر اسماً للركعة المنفصلة (٤).

стр. 1214

والقول بوجوبه هو قول أبي حنيفة في المشهور عنه وبعض أصحابه، وبه قال بعض السلف (١)، ووجه الدلالة أن قوله: (الوتر حق) بمعنى ثابت فيفيد الوجوب. ومن الأدلة - أيضاً - حديث بريدة ﵁ قال: (قال رسول الله ﷺ : «الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا») قال ذلك ثلاثاً، وحديث أبي هريرة بنحوه، ووجه الدلالة منهما: أن هذا السياق وعيد شديد، ولا يكون مثله إلا لترك فرض أو واجب، لا سيما وقد تأكد بالتكرار، ومنها: حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أوتروا يا أهل القرآن .. »، وكلها ستأتي إن شاء الله تعالى. وذهب الجمهور من أهل العلم، ومنهم الشافعية والمالكية والحنابلة، وأكثر الحنفية إلى أن الوتر ليس بواجب، وإنما هو سنة مؤكدة (٢)، واستدلوا بحديث علي المذكور، فإنه نص في محل النزاع، وهو صالح للاستدلال به، كما تقدم. كما استدلوا بحديث جابر - أيضاً - مع ما فيه من ضعف، كما استدلوا بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: جاء رجل من أهل نجد فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : «خمس في اليوم والليلة»، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا إلا أن تطوع»، وسأله عن الزكاة والصيام، وقال في آخره: والله لا أزيد ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : «أفلح إن صدق» (٣). فهذا نص صريح في عدم وجوب الوتر، وأنه لا يجب إلا ما دل عليه منطوق الحديث، وهي الخمس، وما زاد عليها فهو تطوع.

стр. 1215

وهذا القول هو الراجح لقوة دليله، ولأنه فيه جمعاً بين الأدلة كلها، وهو أولى متى أمكن، وأما أدلة القائلين بالوجوب، فيجاب عنها بأن حديث أبي أيوب مختلف في رفعه ووقفه - كما تقدم - وعلى القول بصحة رفعه فليست دلالته على الوجوب بصريحة، لأن لفظة (حق) لا يفهم منها الوجوب؛ لأن كل حكم ثابت بأصل الشرع فهو حق، فيدخل فيه الواجب والمسنون، ولو سلمنا دلالته على الوجوب فهو مصروف بالأدلة الأخرى، وأما أدلتهم الباقية فسيأتي الجواب عنها في مواضعها الآتية قريباً إن شاء الله. الوجه الثالث: حديث أبي أيوب ﵁ دليل على جواز الإيتار بركعة واحدة، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر المتقدم (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى)، وظاهره جواز الإيتار بركعة واحدة ولو لم يتقدمها شفع، كأن يصلي شخص العشاء وبعدها يأتي بركعة واحدة، لأن الحديث قد خير المكلف بين الثلاث والواحدة والخمس، وقد أخرج البخاري في «صحيحه» أنه قيل لابن عباس: (هل لك في أمير المؤمنين معاوية فإنه ما أوتر إلا بواحدة، قال: إنه فقيه (١)). وهذا هو الراجح، أعني أنه لا يشترط تقدم شيء من صلاة النافلة قبل الركعة، لكن الأفضل أن يتقدمها شفع، وأقله ركعتان، تأسياً بالنبي ﷺ كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الإيتار بثلاث ركعات لا يسلم إلا في آخرها، وله أن يسلم من ركعتين ويوتر بواحدة، لما ورد عن ابن عمر ﵄ أنه كان يفصل بين شفعه ووتره بتسليمة، وأخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (٢).

стр. 1216

وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يوتر بثلاث لا يسلم إلا في آخرهن) (١). وظاهر قوله: (ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل) أنه معارض لقوله: (لا توتروا بثلاث، وأوتروا بخمس أو بسبع، ولا تَشَبَّهُوا بصلاة المغرب) (٢). والجمع بينهما أن يحمل النهي في حديث أبي هريرة ﵁ على صلاة الثلاث بتشهدين، لأنه في هذه الصورة يشبه الوتر صلاة المغرب، وأما إذا سردها ولم يقعد إلا في آخرها فلا مشابهة، والأبعد عن المشابهة أن يصلي الركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي واحدة، وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذا المعنى (٣)، واستحسنه الصنعاني (٤). الوجه الخامس: دل الحديث - أيضاً - على جواز الإيتار بخمس ركعات، وذلك بأن تكون متصلة لا يجلس إلا في آخرهن، وقد ثبت ذلك من فعل النبي ﷺ ، كما في حديث عائشة الآتي إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

стр. 1217

وقت الوتر ٣٧٢/ ٢٣ - عَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللهَ أَمدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قُلْنَا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْوِتْرُ، مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلى طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ الخمسة إلاَّ النَّسَائيَّ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. ٣٧٣/ ٢٤ - وَرَوَى أَحْمَدُ: عَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ نَحْوَهَ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: أما الأول فهو خارجة بن حذافة بن غانم القرشي العدوي ﵁، كان أحد فرسان قريش، يقال: إنه كان يُعدل بألف فارس، ولي القضاء في مصر لعمرو بن العاص، وقيل: بل كان على شرطة عمرو، وهو معدود في المصريين، لأنه شهد فتح مصر، ولم يزل فيها إلى أن قتل فيها سنة أربعين، قتله أحد الخوارج الثلاثة الذين كانوا انتدبوا لقتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص ﵃، فتم أمر الله في أمير المؤمين علي ﵁ دون الآخرين، حيث قتل الخارجيُّ خارجةَ هذا يظنه عمرو بن العاص، وذلك أنه استخلفه عمرو على صلاة الصبح ذلك اليوم، وأما معاوية فضربه الخارجي فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته. له حديث واحد، وهو الحديث الذي معنا (١).

стр. 1218

أما الثاني فهو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي القرشي، وهو من التابعين الصغار، مات سنة (١١٨ هـ)، سمع من الرُّبَيِّعِ بنت مُعَوِّذ، وزينب بنت أبي سلمة، ولهما صحبة، ورأى ابن عمر وابن عباس ﵃. وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده فيه خلاف بين أهل العلم، والأظهر صحة الاحتجاج بحديثه إذا سلم من الانقطاع والإرسال، وروى عنه الثقات، وأما المناكير في حديثه فهي من جهة الضعفاء الذين يروون عنه، كما قرر ذلك أبو زرعة الرازي ويعقوب بن شيبة والذهبي وغيرهم، وأحاديثه صحيفة، مما كتبه عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، وحديثه ليس من الصحيح لذاته ولا من الضعيف، بل هو من الحسن لذاته الذي يحتج به، عدا ما تقدم، والضمير في (أبيه) يعود إلى شعيب بلا خلاف. وأما الضمير في (جده) فالراجح أنه يعود على شعيب - أيضاً - وجد شعيب هو الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو ﵄، وقد ورد التصريح باسم جده في بعض مروياته كما في المسند وغيره (١)، وقد صح سماع عمرو بن شعيب من أبيه شعيب، وصح سماع شعيب من جده عبد الله بن عمرو ﵄ (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث خارجة، فقد أخرجه أبو داود (١٤١٨) في كتاب «الصلاة»، باب «استحباب الوتر» والترمذي (٤٥٢) وابن ماجه (١١٦٨) وأحمد (٣٩/ ٤٤٤) والحاكم (١/ ٣٠٦) من طريق الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن راشد الزَّوفي، عن عبد الله بن أبي مرة الزوفي، عن خارجة بن حذافة به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف، فإن عبد الله بن راشد وعبد الله بن أبي مرة في

стр. 1219

عداد المجهولين، قال البخاري: في ترجمة «عبد الله بن راشد»: (لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، وليس له إلا حديث الوتر) (١)، وقال في ترجمة «عبد الله بن أبي مرة»: (لا يعرف إلا في حديث الوتر، ولا يعرف سماع بعضهم من بعض) (٢)، ويدل هذا - أيضاً - على أن في السند انقطاعاً، والحديث قال عنه الحاكم: (صحيح الإسناد)، وسكت عنه الذهبي، مع أنه قال في ترجمة: (عبد الله بن راشد) لما ذكر حديثه هذا: (رواه عنه يزيد بن أبي حبيب وخالد بن يزيد، قيل: لا يعرف سماعه من ابن أبي مرة، قلت: ولا بالمعروف، وذكره ابن حبان في «الثقات») (٣)، وقال في ترجمة «ابن أبي مرة» (له عن خارجة في الوتر، لم يصح) (٤). لكن للحديث شواهد، ومنها حديث عمرو بن العاص ﵁ قال: (أخبرني رجل من أصحاب النبي ﷺ يقول: إن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زادكم صلاة، فصلوا فيما بين صلاة العشاء إلى صلاة الصبح، الوترَ الوترَ … » الحديث) (٥). أما حديث عمرو بن شعيب، فقد أخرجه أحمد (١١/ ٢٩٢، ٥٣١ - ٥٣٢) قال: (حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله قد زادكم صلاة هي الوتر»). وإسناده ضعيف، لأن فيه الحجاج بن أرطاة، وهو مدلس، كما وصفه بذلك الأئمة المتقدمون، وذكره كل من صنف في التدليس، وقد روى الحديث

стр. 1220

بالعنعنة، قال ابن المبارك: (كان حجاج بن أرطاة يدلس، وكان يحدثنا بالحديث عن عمرو بن شعيب مما يحدثه محمد العرزمي، والعرزمي متروك لا تقربه) (١)، وللحديث طرق أخرى: ذكرها الألباني وكلها ضعيفة (٢)، والحاصل أن حديث خارجة فيه مجاهيل وانقطاع، وحديث عمرو بن شعيب فيه من يدلس عن الهلكى والمتروكين. الوجه الثالث: استدل العلماء بهذا الحديث على مشروعية الوتر، والترغيب فيه، حيث بيَّن النبي ﷺ أن الله تعالى أنعم به على هذه الأمة، ليزداد ثوابها، وضرب المثل لذلك بحمر النعم، وهي الإبل الحمر، لأنها أعز أموال العرب، وصلاة الوتر أعظم خيراً منها، وإنما قال ذلك تقريباً للأفهام، وإلا فالوتر خير من الدنيا وما فيها، لأن متاع الدنيا زائل وقليل بجانب نعيم الآخرة. الوجه الرابع: استدل بهذه الأحاديث من قال: إن ما بين الفراغ من صلاة العشاء إلى طلوع الفجر الثاني وقت للوتر، وهذا أمر مجمع عليه، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر) (٣)، وفي حديث أبي سعيد ﵁ الآتي: «أوتروا قبل أن تصبحوا». وأما نهاية وقته فالجمهور على أنه طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر انتهى وقت الوتر (٤)، ويعتمد في ذلك على المؤذن إذا كان ممن يتحرى الصبح، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة وهي صريحة في ذلك، فإن ما بعد (إلى) يخالف ما قبلها، قال ابن رشد: (لا خلاف بين أهل الأصول أن ما بعد (إلى) بخلاف ما قبلها، إذا كانت غاية .. ) (٥)، وقد تقدم ضعفها، لكن تقدم حديث ابن عمر ﵄: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة .. ).

стр. 1221

والقول الثاني: أنه يمتد إلى صلاة الصبح، فيكون ما بعد طلوع الفجر وصلاة الصبح وقتاً للوتر، وهو قول المالكية والشافعية في أحد الوجهين، ورواية عن أحمد (١)، ويعتبرونه وقت ضرورة، لا وقت اختيار، واستدلوا بآثار عن السلف من الصحابة والتابعين أنهم أوتروا بعد طلوع الفجر كعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وحذيفة، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس ﵃ (٢)، ولعلها محمولة على من نام عن وتره أو نسيه (٣)، لا أن يتعمد الإنسان ذلك، لحديث أبي سعيد الآتي: (من نام عن وتره أو نسيه فليصلِّه إذا ذكره). قال ابن نصر: (والذي اتفق عليه أهل العلم أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر، واختلفوا فيما بعد ذلك إلى أن يصلي الفجر، وقد روي عن النبي ﷺ أنه أمر بالوتر قبل طلوع الفجر) (٤)، وسيأتي زيادةُ بيانٍ لحكم من طلع عليه الفجر ولم يوتر إن شاء الله. ومن صلى العشاء مع المغرب جمع تقديم دخل وقت الوتر بالنسبة له بعد فراغه من صلاة الجمع، وهو قول الشافعي وأحمد، وهو الراجح إن شاء الله، لأن وقت الصلاة المجموعة وقت لما يجمع إليها (٥)، والله تعالى أعلم.

стр. 1222

حكم من لم يوتر ٣٧٤/ ٢٥ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ، وَصَحَّحَهُ الحَاكِمُ. ٣٧٥/ ٢٦ - وَلَهُ شَاهِدٌ ضَعِيفٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو عبد الله بن بريدة - بضم الباء - ابن الحصيب - بضم الحاء - الأسلمي أخو سليمان، وكانا توأمين، روى عن أبيه بريدة وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وصحابة آخرين ﵃، وروى عنه ابناه سهل وصخر، وقتادة ومحارب بن دثار، وأبو المنيب عبيد الله العتكي وآخرون، وهو ثقة أخرج له البخاري (١) ومسلم، وهو أوثق من أخيه سليمان، والراجح أنه سمع من أبيه خلافاً لمن نفى ذلك، قال الذهبي: (الحافظ الإمام، حدث عن أبيه فأكثر) وقال: (روى عن أبيه وعمران بن حصين، وهو ثقة)، ومثله في «التقريب»، مات سنة (١١٥ هـ) ﵀ (٢). وأما أبوه بريدة بن الحصيب فقد تقدمت ترجمته عند الحديث (١٥٢).

стр. 1223

الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث بريدة ﵁ فقد أخرجه أبو داود (١٤١٩) في كتاب «الصلاة» باب «فيمن لم يوتر» والحاكم (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) من طريق أبي المنيب عبيد الله بن عبد الله العتكي، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به مرفوعاً. والمثبت في أبي داود وغيره أنه قال ذلك (ثلاثاً)، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح، وأبو المنيب العتكي مروزي، ثقة يُجمع حديثه، ولم يخرجاه) وهذا فيه نظر، فهو مختلف فيه، ولذا تعقب الذهبي الحاكم، فقال: (قال البخاري: عنده مناكير) ولما ترجم له في «الميزان» عَدَّ هذا الحديث من مناكيره (١). ونقل ابن أبي حاتم (٢) عن أبيه أنه قال: (هو صالح الحديث)، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء (٣). وقد وثقه يحيى بن معين في رواية، وقال ابن عدي: (هو عندي لا بأس به) (٤). وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق يخطئ)، وعلى هذا فهو حسن الحديث بالمتابعات والشواهد. وأما حديث أبي هريرة ﵁، فقد أخرجه أحمد (١٥/ ٤٤٧) قال: حدثنا وكيع قال: حدثني خليل بن مرة، عن معاوية بن قرة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يوتر فليس منا»، وهذا إسناد ضعيف، فيه علتان: الأولى: ضعف الخليل بن مرة، قال البخاري: (منكر الحديث)، وقال في موضع آخر: (لا يصح حديثه)، وقال أبو حاتم: (ليس بقوي)، وقال النسائي: (ضعيف) (٥). الثانية: الانقطاع، لأن معاوية بن قرة لم يسمع من أبي هريرة، كما قال ذلك الإمام أحمد (٦).

стр. 1224

الوجه الثالث: تقدم أن الحديثين من أدلة القائلين بوجوب الوتر، وتقدم بيان وجه الدلالة، وأجيب عن ذلك بجوابين: الأول: أن في إسناد كل واحد من الحديثين مقالاً، كما تقدم. الثاني: على فرض صحته، فهو محمول على تأكيد سنية الوتر، جمعاً بينه وبين الأحاديث الدالة على عدم الوجوب، وهي أصح منه سنداً وأصرح دلالة، والله تعالى أعلم.

стр. 1225

كيفية صلاة النبي ﷺ في الليل ٣٧٦/ ٢٧ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ علَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي أَرْبَعاً، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثمَّ يُصَلِّي ثَلَاثاً، قَالَتْ عَائِشَةُ: فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنَامُ قَبْلَ أَنْ تُوتِرَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٧٧/ ٢٨ - وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْهَا: كَانَ يُصَلِّي مِنَ الليل عَشْرَ رَكَعَاتٍ، وَيُوتِرُ بِسَجْدَةٍ، وَيرْكَعُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. ٣٧٨/ ٢٩ - وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلاَّ فِي آخِرِهَا. ٣٧٩/ ٣٠ - وَعَنْهَا قَالتْ: مِنْ كُلِّ اللّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَانْتَهى وِتْرُهُ إلَى السَّحَر. مُتَّفَقٌ عَلَيْهما. الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث عائشة ﵂ الأول، فقد أخرجه البخاري (١١٤٧) في كتاب «التهجد»، باب «قيام النبي ﷺ في الليل في رمضان وغيره»، ومسلم (٧٣٨) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أنه سأل عائشة زوج النبي ﷺ كيف كانت صلاة رسول الله ﷺ في رمضان؟ فقالت: … فذكرت الحديث.

стр. 1226

وأما حديثها الثاني، فقد أخرجه البخاري (١١٤٧) في كتاب «التهجد»، باب «كيف صلاة النبي ﷺ ، وكم كان يصلي من الليل؟»، ومسلم (٧٣٨) (١٢٨) من طريق حنظلة، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: فذكرت الحديث. وأما حديثها الثالث، فقد أخرجه مسلم (٧٣٧)، في كتاب «صلاة المسافرين» باب «صلاة الليل»، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: فذكرت الحديث. وأما عزوه للبخاري، فالظاهر أنه وهم، إذ أن الحديث ليس في البخاري في مظانه من كتاب «التهجد»، ولا عزاه إليه أحد، وقد عزاه ابن عبد الهادي لمسلم فقط، وكذا فعل ابن دقيق العيد (١). وأما حديثها الرابع، فقد أخرجه البخاري (٩٩٦) في كتاب «الوتر»، باب «ساعات الوتر» ومسلم (٧٤٥) من طريق أبي الضحى - مسلم بن صبيح - عن مسروق، عن عائشة قالت: … فذكرت الحديث. الوجه الثاني: في هذه الأحاديث بيان لصلاة النبي ﷺ بالليل كيفية وعدداً، في رمضان وغيره، وكانت صلاته ﷺ متساوية في جميع السنة لا فرق بين رمضان وغيره، وأما ما ورد من أنه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، فهو محمول على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد، وقد كان ﷺ يصلي ثلاث عشرة، ويصلي إحدى عشرة، وجاء أنه يصلي أقل من ذلك، وسيأتي الكلام على قيام رمضان في آخر كتاب «الصيام» إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: دلَّ حديث عائشة الأول على أنه إذا صلى إحدى عشرة، صلاها أربعاً أربعاً ثم صلى ثلاثاً، وقولها: (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) أي: أنهن في النهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال عنه.

стр. 1227

وقولها: (أربعاً ثم أربعاً) ظاهر أن الأربع بسلام واحد، وبه قال جماعة، وقال آخرون: بل كان يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهو اختيار ابن عبد البر (١)، ويؤيد ذلك حديثها عند مسلم بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء [وهي التي يدعو الناس العتمة] إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة … ) الحديث (٢). ولعلها جمعت بين الأربع والأربع لأنه كان لا يمكث بعد التسليم من الركعتين الأوليين، بل كان يقوم للركعتين الأخريين، فإذا أتم أربع ركعات مكث طويلاً، وفصل بينها وبين الأربع الآتية، أو أنه كان ينام بعد الأربع الأولى والأربع الثانية، وبين الوتر، وبه جزم ابن عبد البر (٣). وهكذا يقال في معنى: (ثم يصلي ثلاثاً) أي: ركعتين، ثم يوتر بواحدة، كما تبين من روايتها عند مسلم، وقد أفتى بمقتضى ذلك الإمام أحمد، وقال: بأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي ﷺ (٤). ودل حديثها الثاني أنه ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي عشر ركعات ويوتر بواحدة، ثم ذكرت ركعتي الفجر، فصار الجميع ثلاث عشرة، وعلى هذا فلا يعارض ذلك قولها المتقدم: (ما كان يزيد على إحدى عشرة … )، لأنها أضافت إلى صلاة الليل ركعتي الفجر، لكن يشكل عليه حديثها عند البخاري من طريق عروة، عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) (٥)، ولعلها ذكرت الركعتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل، لقولها كما في حديثها عند مسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) (٦)، وهذا محمل قوي، لأن رواية الحصر

стр. 1228

بإحدى عشرة جاء في صفتها أنه كان يصلي أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية عروة المذكورة (١). وقد تذكر أحياناً الركعتين اللتين بعد الوتر، كما في حديثها عند مسلم قالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح) (٢). ودل حديثها الثالث على أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويصلي ثمان، والظاهر أنه يصليها ركعتين ركعتين، على ما تقدم، ثم يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرها. وهذه الصفات الثلاث وهي الإيتار بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس ذكر الحافظ أحاديثها، وقد ورد أنه أوتر بسبع يسردها، فلا يتشهد إلا في آخرها، لحديث أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام (٣)، كما ورد أنه أوتر بتسع ركعات لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد، ثم يصلي التاسعة ثم يسلم (٤). والذي يستفاد من مجموع الأدلة أنه يجوز العمل بكل ما ورد عنه ﷺ في صلاة الليل، لأن اختلاف الصفات محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط، وبيان الجواز والتوسعة على الأمة، وقد روى صفة

стр. 1229

صلاة النبي ﷺ بالليل عدد من الصحابة كابن عباس وزيد بن خالد وعائشة ﵃ وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر، كافتتاحه صلاة الليل بركعتين خفيفتين، فإما أن يكون ﷺ يفعل هذا تارة وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه غيرها، لملازمتها له ولمراعاتها ذلك ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل. والأفضل للمصلي أن يسلم من كل ركعتين، لأن هذا هو الذي اختاره ﷺ لأمته، كما في حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وهو الأكثر من فعله ﷺ فإنه كان يصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ويسلم من كل اثنتين، ومن اقتدى به ففعل مثل فعله فسرد ثلاثاً أو خمساً أو غير ذلك، مما تقدم جاز، لأنه لم يرد عنه نهي عن ذلك، والأفضل فيمن يَؤُمُّ الناس في رمضان أن يسلم من كل ركعتين، ولا يسرد خمساً أو سبعاً، لأن التسليم أرفق بالناس، وقد يكون لبعض المأمومين حاجة تدعو إلى الإنصراف بعد ركعتين أو تسليمتين، أو بعد ثلاث تسليمات، ونحو ذلك، وإن سرد في بعض الأحيان لبيان السنة فلا بأس بذلك. الوجه الرابع: ظاهر قولها: (أتنام قبل أن توتر) أنه ﷺ كان ينام بعد الأربع الثانية قبل أن يوتر فسألته عن ذلك، فأجابها بقوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»، وقد ورد في حديث أنس ﵁ الطويل في قصة الإسراء بالنبي ﷺ أنه ﵁ قال: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) (١)، قال الحافظ: (ومثله لا يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر أن ذلك من خصائصه ﷺ ، لكنه بالنسبة للأمة) (٢). وقد بنى على ذلك جمع من أهل العلم حكماً شرعياً، وهو عدم انتقاض وضوئه ﷺ بالنوم، بناء على أن النوم مظنة الحدث، والرسول ﷺ لا ينام قلبه، فيحس بما خرج منه.

стр. 1230

وأما ما ورد في قصة الوادي لما نام ﵊ هو والصحابة ﵃ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأنه لو كانت حواسه باقية مدركة مع النوم لأدرك الشمس وطلوع النهار، فقد أجيب عنه بأجوبة، لعل من أظهرها، أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، وأما طلوع الفجر والشمس، فإنما يدرك بالعين لا بالقلب. الوجه الخامس: دل حديثها الأخير على أن الليل كله وقت للوتر، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر - كما تقدم - سواء أوتر في أوله أو وسطه أو آخره. وقد ورد عند أبي داود وغيره عنها لما سئلت متى كان يوتر ﷺ ؟ قالت: (كل ذلك قد فعل، أوتر أول الليل، ووسطه، وآخره، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر) (١). وهذا صريح في أن آخر عمله ﷺ تأخير الوتر إلى آخر الليل، لأنه الأفضل - كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.
следующие страницы →