← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 690

منحة العلام في شرح بلوغ المرام

عبد الله بن صالح الفوزان

Полный текст (5 012 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وأما حديثها الثاني، فقد أخرجه البخاري (١١٤٧) في كتاب «التهجد»، باب «كيف صلاة النبي ﷺ ، وكم كان يصلي من الليل؟»، ومسلم (٧٣٨) (١٢٨) من طريق حنظلة، عن القاسم بن محمد، قال: سمعت عائشة ﵂ تقول: فذكرت الحديث. وأما حديثها الثالث، فقد أخرجه مسلم (٧٣٧)، في كتاب «صلاة المسافرين» باب «صلاة الليل»، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂ قالت: فذكرت الحديث. وأما عزوه للبخاري، فالظاهر أنه وهم، إذ أن الحديث ليس في البخاري في مظانه من كتاب «التهجد»، ولا عزاه إليه أحد، وقد عزاه ابن عبد الهادي لمسلم فقط، وكذا فعل ابن دقيق العيد (١). وأما حديثها الرابع، فقد أخرجه البخاري (٩٩٦) في كتاب «الوتر»، باب «ساعات الوتر» ومسلم (٧٤٥) من طريق أبي الضحى - مسلم بن صبيح - عن مسروق، عن عائشة قالت: … فذكرت الحديث. الوجه الثاني: في هذه الأحاديث بيان لصلاة النبي ﷺ بالليل كيفية وعدداً، في رمضان وغيره، وكانت صلاته ﷺ متساوية في جميع السنة لا فرق بين رمضان وغيره، وأما ما ورد من أنه ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان يجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره، فهو محمول على التطويل في الركعات دون الزيادة في العدد، وقد كان ﷺ يصلي ثلاث عشرة، ويصلي إحدى عشرة، وجاء أنه يصلي أقل من ذلك، وسيأتي الكلام على قيام رمضان في آخر كتاب «الصيام» إن شاء الله تعالى. الوجه الثالث: دلَّ حديث عائشة الأول على أنه إذا صلى إحدى عشرة، صلاها أربعاً أربعاً ثم صلى ثلاثاً، وقولها: (فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) أي: أنهن في النهاية من كمال الحسن والطول، مستغنيات بظهور ذلك عن السؤال عنه.

стр. 1227

وقولها: (أربعاً ثم أربعاً) ظاهر أن الأربع بسلام واحد، وبه قال جماعة، وقال آخرون: بل كان يجلس في كل ركعتين ويسلم، لقوله: (صلاة الليل مثنى مثنى) وهو اختيار ابن عبد البر (١)، ويؤيد ذلك حديثها عند مسلم بلفظ: (كان رسول الله ﷺ يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء [وهي التي يدعو الناس العتمة] إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة … ) الحديث (٢). ولعلها جمعت بين الأربع والأربع لأنه كان لا يمكث بعد التسليم من الركعتين الأوليين، بل كان يقوم للركعتين الأخريين، فإذا أتم أربع ركعات مكث طويلاً، وفصل بينها وبين الأربع الآتية، أو أنه كان ينام بعد الأربع الأولى والأربع الثانية، وبين الوتر، وبه جزم ابن عبد البر (٣). وهكذا يقال في معنى: (ثم يصلي ثلاثاً) أي: ركعتين، ثم يوتر بواحدة، كما تبين من روايتها عند مسلم، وقد أفتى بمقتضى ذلك الإمام أحمد، وقال: بأن الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النبي ﷺ (٤). ودل حديثها الثاني أنه ﷺ كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي عشر ركعات ويوتر بواحدة، ثم ذكرت ركعتي الفجر، فصار الجميع ثلاث عشرة، وعلى هذا فلا يعارض ذلك قولها المتقدم: (ما كان يزيد على إحدى عشرة … )، لأنها أضافت إلى صلاة الليل ركعتي الفجر، لكن يشكل عليه حديثها عند البخاري من طريق عروة، عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين) (٥)، ولعلها ذكرت الركعتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل، لقولها كما في حديثها عند مسلم: (كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل ليصلي، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين) (٦)، وهذا محمل قوي، لأن رواية الحصر

стр. 1228

بإحدى عشرة جاء في صفتها أنه كان يصلي أربعاً ثم أربعاً ثم ثلاثاً، فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين، وتعرضت لهما في رواية عروة المذكورة (١). وقد تذكر أحياناً الركعتين اللتين بعد الوتر، كما في حديثها عند مسلم قالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح) (٢). ودل حديثها الثالث على أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويصلي ثمان، والظاهر أنه يصليها ركعتين ركعتين، على ما تقدم، ثم يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرها. وهذه الصفات الثلاث وهي الإيتار بواحدة، أو بثلاث، أو بخمس ذكر الحافظ أحاديثها، وقد ورد أنه أوتر بسبع يسردها، فلا يتشهد إلا في آخرها، لحديث أم سلمة قالت: كان النبي ﷺ يوتر بخمس وبسبع لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام (٣)، كما ورد أنه أوتر بتسع ركعات لا يقعد إلا في الثامنة للتشهد، ثم يصلي التاسعة ثم يسلم (٤). والذي يستفاد من مجموع الأدلة أنه يجوز العمل بكل ما ورد عنه ﷺ في صلاة الليل، لأن اختلاف الصفات محمول على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط، وبيان الجواز والتوسعة على الأمة، وقد روى صفة

стр. 1229

صلاة النبي ﷺ بالليل عدد من الصحابة كابن عباس وزيد بن خالد وعائشة ﵃ وبعضهم يذكر ما لا يذكره الآخر، كافتتاحه صلاة الليل بركعتين خفيفتين، فإما أن يكون ﷺ يفعل هذا تارة وهذا تارة، وإما أن تكون عائشة حفظت ما لم يحفظه غيرها، لملازمتها له ولمراعاتها ذلك ولكونها أعلم الخلق بقيامه بالليل. والأفضل للمصلي أن يسلم من كل ركعتين، لأن هذا هو الذي اختاره ﷺ لأمته، كما في حديث: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وهو الأكثر من فعله ﷺ فإنه كان يصلي إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ويسلم من كل اثنتين، ومن اقتدى به ففعل مثل فعله فسرد ثلاثاً أو خمساً أو غير ذلك، مما تقدم جاز، لأنه لم يرد عنه نهي عن ذلك، والأفضل فيمن يَؤُمُّ الناس في رمضان أن يسلم من كل ركعتين، ولا يسرد خمساً أو سبعاً، لأن التسليم أرفق بالناس، وقد يكون لبعض المأمومين حاجة تدعو إلى الإنصراف بعد ركعتين أو تسليمتين، أو بعد ثلاث تسليمات، ونحو ذلك، وإن سرد في بعض الأحيان لبيان السنة فلا بأس بذلك. الوجه الرابع: ظاهر قولها: (أتنام قبل أن توتر) أنه ﷺ كان ينام بعد الأربع الثانية قبل أن يوتر فسألته عن ذلك، فأجابها بقوله: «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي»، وقد ورد في حديث أنس ﵁ الطويل في قصة الإسراء بالنبي ﷺ أنه ﵁ قال: (وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم) (١)، قال الحافظ: (ومثله لا يقال من قبل الرأي، وهو ظاهر أن ذلك من خصائصه ﷺ ، لكنه بالنسبة للأمة) (٢). وقد بنى على ذلك جمع من أهل العلم حكماً شرعياً، وهو عدم انتقاض وضوئه ﷺ بالنوم، بناء على أن النوم مظنة الحدث، والرسول ﷺ لا ينام قلبه، فيحس بما خرج منه.

стр. 1230

وأما ما ورد في قصة الوادي لما نام ﵊ هو والصحابة ﵃ عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأنه لو كانت حواسه باقية مدركة مع النوم لأدرك الشمس وطلوع النهار، فقد أجيب عنه بأجوبة، لعل من أظهرها، أن القلب إنما يدرك الحسيات المتعلقة به كالحدث والألم ونحوهما، وأما طلوع الفجر والشمس، فإنما يدرك بالعين لا بالقلب. الوجه الخامس: دل حديثها الأخير على أن الليل كله وقت للوتر، من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر - كما تقدم - سواء أوتر في أوله أو وسطه أو آخره. وقد ورد عند أبي داود وغيره عنها لما سئلت متى كان يوتر ﷺ ؟ قالت: (كل ذلك قد فعل، أوتر أول الليل، ووسطه، وآخره، ولكن انتهى وتره حين مات إلى السحر) (١). وهذا صريح في أن آخر عمله ﷺ تأخير الوتر إلى آخر الليل، لأنه الأفضل - كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ.

стр. 1231

كراهة ترك قيام الليل لمن كان يقوم ٣٨٠/ ٣١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِي (١) ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا عَبْدَ اللهِ! لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري (١١٥٢) في كتاب «التهجد»، باب «ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه» ومسلم في كتاب «الصيام»، باب «النهي عن صوم الدهر» (١١٥٩) (١٨٥) من طريق الأوزاعي قال: حدثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، به مرفوعاً. الوجه الثاني: هذا الحديث فيه الحث على قيام الليل والترغيب فيه، ووصية الإنسان بألا يتشبه بأهل الكسل الذي يزهدون في القُرَبِ والأعمال الصالحة، بل يتشبه بأهل الجد والنشاط والعمل الصالح، وإن كان قيام الليل نافلة، لكنه من أعظم الطاعات وأفضل القرب. وقد اشتد حرص عبد الله بن عمرو ﵄ بعد هذه الوصية على الخير وعَظُمَ إقباله على العبادة، فصار يصلي كثيراً، ويتهجد كثيراً، حتى إنه كان لا

стр. 1232

ينام الليل، فأوصاه النبي ﷺ بالاقتصاد، وقال له: (ألم أُخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي ولا تنام؟ فصم وأفطر، وقم ونَمْ، فإن لعينيك عليك حقاً، وإن لنفسك وأهلك حقاً … ) الحديث (١). الوجه الثالث: في الحديث دليل على استحباب الدوام على ما اعتاده المرء من أعمال الخير والطاعة من غير تفريط، وأنه لا ينبغي للإنسان قطع العبادة، لأن هذا قد يشعر بالزهد فيها والرغبة منها. وينبغي للمسلم أن يحذر من التشدد في العبادة وتكليفه النفس ما لا تطيق من الطاعات، ومن فَعَلَ ذلك غلبه الدِّين لكثرة الأعمال والطاعات، فيكون آخر أمره العجز والانقطاع، لأن الله تعالى أوجب على عباده وظائف من الطاعات في وقت دون وقت، تيسيراً ورحمة، ولأن الإنسان إذا أخذ بالقصد دام عمله، وتمكن من أداء الحقوق كلها، حقِّ الله تعالى، وحقِّ النفس، وحقِّ الأهل والأصحاب برفق وسهولة، وقد قال النبي ﷺ : «إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل» (٢). فينبغي للإنسان أن يكون له ورد بالليل قدر استطاعته، قال ابن عبد البر: (لا خلاف بين المسلمين أن صلاة الليل ليس لها حد محدد، وأنها نافلة، وفعل خير، وعمل بر، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر) (٣)، والله تعالى هو الموفق ولا إله غيره ولا ربَّ سواه.

стр. 1233

استحباب الوتر ٣٨١/ ٣٢ - عَنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَوْتِرُوا يا أَهْلَ القُرآنِ، فَإنَّ الله وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (١٤١٦) في كتاب «الصلاة»، باب «تفريع أبواب الوتر» باب «استحباب الوتر» وأحمد (٢/ ٢٢٣) من طريق زكريا بن أبي زائدة، وأخرجه الترمذي (٤٥٣) والنسائي (٣/ ٢٢٨) وابن ماجه (١١٦٩) وأحمد (٢/ ٤١٣) من طريق أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي ﵁ به مرفوعاً، وقد تقدم أن الحديث جاء من طريق سفيان الثوري وغيره موقوفاً بلفظ: (الوتر ليس بحتم .. ) وهذا هو المحفوظ، ولهذا قال الترمذي: (وهذا أصح من حديث أبي بكر بن عياش) (١). الوجه الثاني: تقدم أن هذا الحديث من أدلة القائلين بوجوب الوتر، لأن قوله: (أوتروا) أمر، والأصل في الأمر الوجوب، لكن تقدم أن هذا اللفظ بصيغة الأمر ليس بمحفوظ، ولو صَحَّ فهو محمول على تأكيد الاستحباب، جمعاً بين الأدلة. الوجه الثالث: المراد بأهل القرآن: المؤمنون عامة، من قرأ ومن لم يقرأ، وإن كان من قرأ أولى بالخطاب لحفظه إياه، وقال الخطابي: المراد بهم: القراء والحفاظ (٢)، وخصوا بالذكر، لمزيد شرفهم والاهتمام

стр. 1234

بهم، فينبغي أن يكون لأهل القرآن عناية بالوتر، وإن كان مطلوباً من الجميع، لكن لأهل القرآن مزية على غيرهم، لأنهم قدوة، ولأن عندهم من العلم ما يدعوهم إلى المسارعة إلى فعل الطاعات والقربات ما ليس عند غيرهم، فيكون الأمر في حقهم آكد. الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الوتر من أسماء الله تعالى، وأنه تعالى يحب ما وافق أسماءه وصفاته، فهو عليم يحب العلم والعلماء العاملين، كريم يحب الكرم والجود، صبور يحب الصابرين، وهكذا في كل ما يوافق أسماءه مما يناسب مقام العبد. ومعنى الوتر: الفرد، فالله تعالى واحد لا شريك له ولا نظير له، لا في أسمائه ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وهو سبحانه وتر، وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجاً، والله تعالى أعلم.

стр. 1235

استحباب ختم صلاة الليل بالوتر ٣٨٢/ ٣٣ - عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عن النّبيِّ ﷺ قَالَ: «اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه البخاري (١٩٩٨) في كتاب «الوتر» باب «ليجعل آخر صلاته وتراً»، ومسلم (٧٥١) (١٥١) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، به مرفوعاً. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن السنة في صلاة الليل أن تختم بالوتر - كما تقدم - سواء أوتر الإنسان في أول الليل، أو في وسطه، أو في آخره. وقد حمل الجمهور من أهل العلم الأمر في هذا الحديث على الاستحباب وأنه لا يجب ختم صلاة الليل بالوتر، بل يجوز أن يصلي بعد وتره شيئاً، لما تقدم في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ صلى بعد وتره ركعتين، وسيأتي حديث ثوبان ﵁ وفيه أمر الأمة بذلك، والله تعالى أعلم.

стр. 1236

الوتر لا يتكرر في ليلة ٣٨٣/ ٣٤ - عَنْ طَلْقِ بْنِ عَليٍّ ﵁ قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «لَا وِتْرَانِ في لَيْلةٍ»، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالثَّلَاثةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أحمد (٢٦/ ٢٢٢) وأبو داود (١٤٣٩) في كتاب «الصلاة» باب في «نقض الوتر» والترمذي (٤٧٠) والنسائي (٣/ ٢٢٩) وابن حبان (٢٤٤٩) من طريق ملازم بن عمرو، ثنا عبد الله بن بدر، عن قيس بن طلق، قال: (زارنا طلق بن علي في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثم قام بنا تلك الليلة وأوتر بنا، ثم انحدر إلى المسجد، فصلى بأصحابه، حتى إذا بقى الوتر قدم رجلاً)، فقال: (أوتر بأصحابك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا وتران في ليلة»). قال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وحسَّن إسناده الحافظ ابن حجر (١)، وتحسينه لأنه فيه قيس بن طلق، وهو متكلم فيه، قال الشافعي: (قد سألنا عن قيس بن طلق، فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره)، ونقل الخلال عن الإمام أحمد أنه قال: (غيره أثبت منه)، وقال ابن معين: (قد أكثر الناس في قيس وأنه لا يحتج بحديثه)، وفي رواية عنه: أنه وثقه، كما وثقه العجلي وابن حبان (٢).

стр. 1237

الوجه الثاني: في ألفاظه: قوله: (لا وتران في ليلة) نفي بمعنى النهي، فكأنه قال: (لا توتروا مرتين في ليلة)، ولا: عاملة عمل ليس، و (وتران) اسمها، و (في ليلة) خبرها، ويحتمل أن (لا) عاملة عمل (إنَّ)، و (وتران) اسمها جاء بالألف على لغة من يُلزم المثنى الألف في جميع أحواله، أو أنه مرفوع بفعل محذوف، أي: لا يجتمع وتران في ليلة. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الوتر لا يتكرر في الليلة الواحدة مرتين، فمن أوتر أول الليل ثم يسَّر الله له القيام آخر الليل فإنه يصلي ما كتب له، ويكفي وتره الأول، ولا ينقضه، والمراد بنقضه: أن الإنسان إذا أوتر أول الليل ثم قام من آخر الليل يتهجد بدأ صلاته بركعة واحدة لتشفع الركعة الأولى، وهي ركعة الوتر، ثم يصلي ركعتين، ركعتين، ثم يوتر في آخر صلاته. ونقض الوتر موضع خلاف بين أهل العلم، فذهب الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة وجمع من الصحابة والتابعين، منهم أبو بكر وأبو هريرة وطلق بن علي راوي الحديث ﵃ وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي وآخرون إلى أنه لا يجوز نقض الوتر، ومن أراد أن يتنفل صلى شفعاً ولا يوتر مرة أخرى (١). وذهب بعض الصحابة والتابعين، ومنهم عثمان وعلي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس ﵃ وابن سيرين إلى جواز نقض الوتر، لحديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً) (٢). والذي يظهر - والله أعلم - أنه لا يلزم نقض الوتر، بل يصلي الإنسان ما كتب له ويبقي وتره الأول، ولا يوتر مرة أخرى لأمرين: الأول: أن النبي ﷺ صلى ركعتين بعد الوتر، كما تقدم في حديث عائشة ﵂.

стр. 1238

وهذا دليل واضح على أن قوله: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً» أنه أمر ندب وإرشاد إلى الأفضل وأن الإنسان لا يهمل الإيتار في آخر صلاته، ويؤيد ذلك حديث ثوبان ﵁ قال: كنا مع الرسول ﷺ في سفر، فقال: «إن هذا السفر جهد وثقل، فإذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإن استيقظ وإلا كانتا له» (١)، وهذا يدل على أن الركعتين بعد الوتر ليستا من خصوصيات النبي ﷺ ، لأنه أمر بهما أمته أمراً عاماً. الأمر الثاني: أن الإنسان إذا أوتر أول الليل فقد قضى وتره، فإذا هو نام بعد ذلك ثم قام وتوضأ، وصلى ركعة أخرى، فهذه صلاة غير تلك الصلاة، ولا يصيران صلاة واحدة؛ لما بينهما من النوم والحدث والوضوء والكلام. وعلى هذا فإن صلى إنسان التراويح فإنه لا ينصرف قبل إمامه، بل يوتر معه، ليحصل على الأجر المستفاد من قوله ﷺ : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة» (٢). فإذا رغب أن يصلي ما كتب له وقت السحر، فإنه لا يوتر في آخر صلاته مرة أخرى، بل يكتفي بوتره مع إمامه في صلاة التراويح أول الليل. وأجاز أهل العلم لمن صلى مع الإمام التراويح أن ينقض وتره، وذلك بأن يقوم بعد سلام إمامه ويأتي بركعة يشفع بها صلاته مع الإمام، ذكر ذلك ابن قدامة وقال: (إن الإمام أحمد نص على ذلك) (٣). ولا يؤثر في ذلك اختلاف النية، لأن الإمام نيته الوتر، والمأموم نيته الشفع، فيجب عليه أن يتم صلاته حسب ما نوى أن يصلي، فإذا سلم إمامه انقضت متابعته له، والله تعالى أعلم.

стр. 1239

ما يقرأ في الوتر ٣٨٤/ ٣٥ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُوتِرُ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائيُّ. وَزَادَ: وَلَا يُسَلِّمُ إلاَّ في آخِرهِنَّ. ٣٨٥/ ٣٦ - وَلأبِي دَاوُدَ، والتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَفيهِ: كُلُّ سُورَةٍ فِي ركْعَةٍ، وَفِي الأخيرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وَالمُعَوِّذَتَيْنِ. الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في ترجمة الراوي: وهو أُبي بن كعب بن قيس بن عبد الله بن النجار الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، المدني، سيد القراء ﵁، كَتَبَ الوحي، وكان من السابقين إلى الإسلام، شهد العقبة، وبدراً وما بعدها، روى عنه ابن عباس وأنس وسهل ابن سعد، وخلق كثير. وهو أحد المشهورين بحفظ القرآن من الصحابة وبإقرائه، وقد روى البخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأُبي: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾» [البينة: ١] قال: وسماني؟ قال: (نعم)، فبكى (١). وقال عمر ﵁: (أُبيٌّ أقرؤنا) (٢)، وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا المنذر، أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال قلت: الله ورسوله

стр. 1240

أعلم، قال: «يا أبا المنذر، أتدري أيُ آية من كتاب الله معك أعظم؟»، قال قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال: فضرب في صدري، وقال: «والله ليهنك العلم أبا المنذر» (١). مات في زمن عثمان ﵁ سنة ثلاثين، وصَلَّى عليه، وقيل: في خلافة عمر ﵁، والله أعلم (٢). الوجه الثاني: في تخريجهما: أما حديث أُبي، فقد أخرجه أحمد (٣٥/ ٧٨) وأبو داود (١٤٢٣) في كتاب «الصلاة»، باب «ما يقرأ في الوتر»، والنسائي (٣/ ٢٣٥) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبيه، عن أبي بن كعب، به. وقد وقع عند أحمد والنسائي في آخره زيادة: (فإذا سلم قال: سبحان الملك القدوس ثلاث مرات)، وهي عند أبي داود (٤٣٠) دون قوله: (ثلاث مرات)، وعند النسائي (يطيل في آخرهن)، وعند أحمد (٢٤/ ٧٢): (ويرفع بها صوته). وهذا الحديث إسناده صحيح، صححه الحاكم، والنووي (٣)، وله طرق أخرى عن سعيد بن عبد الرحمن، ومنها رواية النسائي بالزيادة المذكورة: (ولا يسلم إلا في آخرهن)، وقد تفرد بها عبد العزيز بن خالد، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن عبد الرحمن، به، ولم يوثقه أحد، وقال في «التقريب»: (مقبول)، يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث. وقد خالفه عيسى بن يونس، وهو ثقة، فرواه عن سعيد بدونها، كما عند النسائي أيضاً، وعنده أيضاً من طريق زُبيدٍ، عن سعيد بن عبد الرحمن بدونها، فتكون زيادة منكرة، على ما قرره الألباني (٤)، لكنه صحح الحديث في «صحيح سنن النسائي» (٥) بدون استثنائها، وهذا أقرب فإنه تقدم ما يؤيد ذلك.

стр. 1241

وأما حديث عائشة ﵂ فقد أخرجه أبو داود (١٤٢٤) في الباب المذكور، والترمذي (٤٦٣) والحاكم (٢/ ٥٢٠ - ٥٢١) وابن ماجه (١/ ٣٥٧) من طريق محمد بن سلمة الحراني، ثنا خصيف، عن عبد العزيز بن جريج، قال: سألنا عائشة أم المؤمنين: بأيِّ شيء كان يوتر رسول الله ﷺ ؟ قالت: (كان يقرأ في الأولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين). هذا لفظ الترمذي، وهو نحو حديث أُبي كما ذكر الحافظ، إلا أن فيه تفصيل ما يقرأ في كل ركعة، وساقه أبو داود مختصراً، وقال الترمذي: (هذا حديث حسن غريب)، وقال الحاكم: (إسناده صحيح)، وقد تعقب الشارحُ المباركفوريُّ الترمذيَّ على تحسينه الحديث (١) فضلاً عن تصحيح الحاكم، وذلك لأن فيه خُصيفاً، وهو عبد الرحمن الجزري، وهو ضعيف، ضعفه أحمد وغيره من جهة حفظه، ووثقه ابن معين وأبو زرعة وابن سعد وغيرهم، قال في «التقريب»: (صدوق، سيء الحفظ، خَلَط بأخَرَةَ، ورُمي بالإرجاء). ولأن فيه - أيضاً - عبد العزيز بن جريج المكي مولى قريش، ذكره البخاري، وذكر حديثه هذا، وقال: (لا يتابع في حديثه) (٢)، وذكره ابن حبان في «الثقات» وقال: (لم يسمع من عائشة) (٣)، وكذا قال العجلي (٤)، وقال في «التقريب»: (أخطأ خصيف، فصرح بسماعه من عائشة). فيكون في الحديث ثلاث علل ضُعِّفَ بسببها، وقد نقل ابن الجوزي عن الإمام أحمد، ويحيى بن معين أنهما أنكرا زيادة المعوذتين (٥). وقد حسَّن الحديث الحافظ ابن حجر (٦)، ولعل تحسينه لكونه جاء بإسناد آخر، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة، بذكر

стр. 1242

المعوذتين، أخرجه الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢٨٥) والدارقطني (٢/ ٣٥) والحاكم (١/ ٣٠٥) (٢/ ٥٢٠) وابن حبان (٦/ ١٨٨، ٢٠١). ويحيى بن أيوب مختلف فيه، قال في «التقريب»: (صدوق ربما أخطأ)، وقد حسَّن الحديث الحافظ ابن حجر (١)، وتبعه شعيب الأرناؤوط (٢)، وقال العقيلي بعد سياقه الحديث: (أما المعوذتين فلا يصح) (٣). والحديث له شواهد، منها: حديث أبي بن كعب الذي قبله، لكن ليس في شيء منها ذكر المعوذتين مع سورة الإخلاص. الوجه الثالث: الحديث دليل على مشروعية قراءة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ في الركعة الأولى من صلاة الوتر، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ في الثانية، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في الثالثة، وإن قرأ أحياناً في الثالثة مع ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فقد قال به من ذهب إلى تحسين الرواية بزيادتهما، وقد اعتمد الألباني ذلك (٤)، مع أن الأئمة الكبار على إعلال الحديث، كما تقدم، وقد ذهب إلى مشروعية القراءة بهما الشافعية، وروي عن مالك واستحبه أكثر أصحابه (٥). الوجه الرابع: ظاهر الحديث أن النبي ﷺ كان يسرد ركعات الوتر الثلاث ولا يسلم إلا في آخرهن، وهذا جاء في رواية النسائي كما تقدم، وقد مضى ما يؤيدها، وهو أنه يجوز سرد الثلاث بسلام واحد، والأولى أن يسلم بعد ركعتين، ثم يوتر بواحدة، كما يدل له قوله ﷺ : «صلاة الليل مثنى مثنى … »، والله أعلم.

стр. 1243

لا يشرع الوتر بعد الصبح ٣٨٦/ ٣٧ - عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٣٨٧/ ٣٨ - وَلاِبْنِ حِبَّانِ: «مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُوِتِرْ فَلَا وِتْرَ لَهُ». الكلام عليهما من وجهين: الوجه الأول: في تخريجهما: أما الأول: فقد أخرجه مسلم (٧٥٤) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «صلاة الليل مثنى مثنى، والوتر ركعة من آخر الليل» من طريق يحيى بن أبي كثير، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعاً. وأما الثاني: فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ١٦٨) والحاكم (١/ ٣٠١ - ٣٠٢) من طريق هشام الدستوائي، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ﵁، مرفوعاً. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه)، وسكت عنه الذهبي. الوجه الثاني: الحديثان دليلان على أن وقت الوتر قبل طلوع الصبح، فإذا طلع الصبح لم يشرع الوتر لخروج وقته، لأن الوتر عمل الليل فلا يجعل في النهار، فعلى المسلم أن يتحرى بوتره الوقت المناسب الذي يستطيعه أول الليل أو وسطه أو آخره، فإن تيسر له آخر الليل فهو أفضل، كما سيأتي إن شاء الله. والذي يظهر من صنع الحافظ ﵀ بإيراده حديث أبي سعيد الآتي بعد

стр. 1244

هذا في قضاء الوتر أن هذين الحديثين محمولان على من ترك الوتر متعمداً حتى طلع الصبح، فهذا قد فاتته السنة العظمى والخير الكثير، حيث فرط بالوتر، فلا يمكنه تداركه، ولا يقضيه على أحد الأقوال في المسألة. وأما من نام عنه أو نسيه، فهذا جاء فيه الحديث الآتي، ويؤيده حديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (١)، واختار ذلك ابن حزم وقال: (هذا عموم يدخل فيه كلُّ صلاةِ فرضٍ ونافلةٍ، فهو بالفرض أمر فرض، وهو بالنافلة أمر ندب وحض، لأن النافلة لا تكون فرضاً) (٢). ولعل هذا غرض الحافظ من إيراد هذه الأحاديث الثلاثة مجتمعة في هذا الموضع، وإلا فالأولى جمعها مع الأحاديث المتقدمة في وقت الوتر في موضع واحد، والله أعلم.

стр. 1245

حكم قضاء الوتر ٣٨٨/ ٣٩ - وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَن الْوِتْرِ أَو نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ». رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلاَّ النَّسَائيَّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه أبو داود (١٤٣١) (١) والترمذي (٤٦٥) في «أبواب الصلاة» باب «ما جاء في الرجل ينام عن الوتر أو ينساه»، وابن ماجه (١١٨٨) وأحمد (١٧/ ٣٦٦ - ٤٨٥) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعاً، وقد روي عند الترمذي (٤٦٦) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه مرسلاً. قال الترمذي: (وهذا أصح من الحديث الأول). وقد روى المرفوع عن زيد بن أسلم ابنه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهذه عند الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهذا الإسناد ضعيف، لضعف عبد الرحمن بن أسلم، فقد ضعفه الإمام أحمد وابن المديني والنسائي وأبو زرعة وابن حبان، قال ابن خزيمة: (ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه، لسوء حفظه، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف، ليس من أحلاس

стр. 1246

الحديث (١))، وقد مضى الكلام فيه عند الحديث (١٣) في «أبواب الطهارة». لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه أبو غسان محمد بن مطرف المدني، عن زيد بن أسلم، به، كما هو عند أبي داود، لكن ليس فيه (إذا أصبح)، وإنما لفظه: (من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره). وأبو غسان ثقة من رجال الجماعة، ولهذا قال الحاكم عن حديثه (١/ ٣٠٢): (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه). الوجه الثاني: الحديث دليل على أن الإنسان إذا نام عن وتره أو نسيه فإنه يصليه إذا ذكره، ويدخل في عمومه ما لو استيقظ بعد طلوع الفجر، فإنه يصليه، وعليه يحمل ما تقدم عن السلف. وظاهر الحديث أنه يصلي وتره في النهار كما كان يصليه في الليل، لكن ورد في حديث عائشة ﵂ قالت: ( … كان - أي النبي ﷺ إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة … ) (٢). فهذا يدل على أنه إذا قضاه في النهار لا يقضيه على صفته وتراً، بل يشفعه بركعة، لفعله ﷺ ، فقد كان وتره إحدى عشرة ركعة، فإذا غلبه نوم أو وجع صلى بالنهار ثنتي عشرة ركعة، وهكذا يفعل من عادته أن يصلي تسعاً فيصلي بالنهار عشراً، ومن كان يصلي بالليل سبعاً فيصلي بالنهار ثماني ركعات، وهذا هو الأظهر، فإن حديث أبي سعيد مجمل، وحديث عائشة مفسر له، ثم إنه أصح وأثبت من حديث أبي سعيد، والله تعالى أعلم.

стр. 1247

فضل تأخير الوتر لمن يقوم آخر الليل ٣٨٩/ ٤٠ - عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَنْ خَافَ أَلاَّ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ فَليُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللّيْلِ، فَإنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْل مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٧٥٥) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «من خاف ألا يقوم في آخر الليل فليوتر أوله» من طريق الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر ﵁ مرفوعاً. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن وثق من نفسه بالاستيقاظ آخر الليل، وأما من لا يثق بذلك فالتقديم له أفضل، وهذه الحالة هي حالة الحزم والاحتياط، والأولى هي حالة العزم والقوة. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (أوصاني خليلي رسول الله ﷺ بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام (١)). ومثل ذلك ورد عن أبي الدرداء ﵁ (٢) ـ وكذا أبي ذر ﵁ (٣) ـ فهؤلاء

стр. 1248

الثلاثة أوصاهم النبي ﷺ بالوتر قبل النوم، ولعل ذلك لعلم النبي ﷺ بحالهم، وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن أبا هريرة كان يراجع حفظه من الأحاديث في أول الليل، ولا يطمع في الاستيقاظ آخره، فأمره النبي ﷺ بتقديم الوتر (١). وقد ورد عن أبي قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال لأبي بكر ﵁: «متى توتر؟»، قال: (أوتر من أول الليل)، وقال لعمر ﵁: «متى توتر؟»، قال: (آخر الليل)، فقال لأبي بكر: «أَخَذَ هذا بالحذر [أي بالحزم]»، وقال لعمر: «أَخَذَ هذا بالقوة» (٢). أما من وثق بالقيام فآخر الليل أفضل، لأن صلاة الليل تشهدها الملائكة، فتكون أقرب إلى القبول وحصول الرحمة، ولأن هذا وقتُ تَنَزُّلِ الله تعالى، ووقت إجابة الدعاء، وقد قال النبي ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى ينفجر الفجر» (٣). ولأن الوتر آخر الليل هو التهجد الذي ذكر الله تعالى في كتابه الكريم، قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. قال الراغب: (المتهجد: المصلي ليلاً)، وقال ابن كثير: (التهجد: ما كان بعد نوم، قاله علقمة، والأسود، وابراهيم النخعي، وغير واحد، وهو المعروف في لغة العرب، وكذلك ثبتت

стр. 1249

الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه كان يتهجد بعد نومه … ) (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: ٦] وناشئة الليل: قيام الليل، من نشأ: إذا قام، كما ذكر البخاري عن ابن عباس معلقاً بصيغة الجزم (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ناشئة الليل عند أكثر العلماء هو إذا قام الرجل بعد نوم، وليس هو أول الليل، وهذا هو الصواب، لأن النبي ﷺ هكذا كان يفعل، والأحاديث بذلك متواترة عنه، كان يقوم بعد النوم، لم يكن يقوم بين العشاءين) (٣). والله تعالى أعلم.

стр. 1250

آخر وقت الوتر ٣٩٠/ ٤١ - وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَن النّبيِّ ﷺ قالَ: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْل وَالْوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجهين: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه الترمذي (٤٦٩) في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في مبادرة الصبح بالوتر» من طريق ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ به مرفوعاً. قال الترمذي: (سليمان بن موسى قد تفرد به على هذا اللفظ)، والمراد أن سليمان بن موسى - وهو الدمشقي، ابن الأشدق - جعل هذا الحديث مرفوعاً بهذا اللفظ، مع أن فيه مرفوعاً وفيه موقوفاً، وهو قد اضطرب فيه، فإنه مرة يرويه مرفوعاً كما هنا، ومرة يرويه موقوفاً كما وقع عند أحمد (١٠/ ٤٣٨) وغيره، وسليمان بن موسى في حديثه اضطراب. قال أبو حاتم: (محله الصدق، وفي حديثه بعض الاضطراب، ولا أعلم أحداً من أصحاب مكحول أفقه منه، ولا أثبت منه) (١)، وقال البخاري: (عنده مناكير) (٢)، وقال الحافظ ابن رجب: (سليمان بن موسى الدمشقي، الفقيه،

стр. 1251

يروي الأحاديث بألفاظ مستغربة) (١)، وقال الحافظ في «التقريب»: (صدوق فقيه، في حديثه لين، وخلط قبل موته بقليل). والذي يظهر - والله أعلم - أن الأمر كما قال الشيخ أحمد شاكر: (إنه قد وهم، فأدخل الموقوف من كلام ابن عمر، وهو قوله: (فإذا كان الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل والوتر) في المرفوع وهو قوله: (أوتروا قبل طلوع الفجر)، أو يحتمل أن يكون قد حفظ، وأن ابن عمر كان يذكره مرة هكذا ومرة هكذا) (٢). وسياقه موقوفاً قد صححه الحاكم (١/ ٣٠٢) وسكت عنه الذهبي، وصححه الألباني (٣). ولعل الحافظ أورد هذا الحديث مع أن معناه مستفاد من الأحاديث المتقدمة، لأنه أوضح منها في المعنى، حيث إن فيه ذكر صلاة الليل، وهي النوافل المشروعة فيه، ثم عطف عليها الوتر من باب عطف الخاص على العام لمزيد العناية والاهتمام به. الوجه الثاني: الحديث دليل على أن صلاة الليل ومنها الوتر ينتهي وقتها بطلوع الفجر، كما تقدم، والله تعالى أعلم.

стр. 1252

استحباب صلاة الضحى ٣٩١/ ٤٢ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (كَانَ رسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحى أَرْبَعاً، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. ٣٩٢/ ٤٣ - وَلَهُ عَنْهَا: أَنَّها سُئِلَتْ: «هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى؟»، قَالَتْ: «لَا، إلاَّ أَنْ يَجيء مِنْ مَغِيبِهِ». ٣٩٣/ ٤٤ - وَلَهُ عَنْهَا: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ، وَإنِّي لأُسَبِّحُهَا». الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما حديث عائشة الأول، فقد أخرجه مسلم (٧١٩) (٧٩) في كتاب «صلاة المسافرين»، باب «استحباب صلاة الضحى» من طريق قتادة أن معاذة العدوية حدثتهم عن عائشة ﵂ قالت: … فذكرته. وأما حديثها الثاني: فقد أخرجه مسلم - أيضاً - (٧١٧) في الباب المذكور من طريق يزيد بن زريع، عن سعيد الجُريري، عن عبد الله بن شقيق، قال: قلت لعائشة: (هل كان النبي ﷺ يصلي الضحى؟)، قالت: (لا، إلا أن يجيء من مغيبه). وأما حديثها الثالث، فقد أخرجه البخاري (١١٢٨) (١١٧٧) في كتاب «التهجد»، باب «تحريض النبي ﷺ على قيام الليل والنوافل من غير إيجاب»، ومسلم (٧١٨) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط، وإني لأسبحها،

стр. 1253

وإن كان رسول الله ﷺ ليدعُ العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) وهذا لفظ مسلم، وعزوه لمسلم فقط سهو من الحافظ ﵀، والأولى أن يقول: (ولهما عنها)، أو (وفي المتفق عليه) أو نحو ذلك. وذكر المصنف هذه الأحاديث الثلاثة، لأن الأول فيه الإثبات مطلقاً، والثاني فيه تقييد النفي بغير المجيء من مغيبه، والثالث فيه نفي رؤيتها لصلاة الضحى مطلقاً، وكأن مراده بذلك أن يبحث طالب العلم في تعارض حديثي الإثبات والنفي، فإن ذلك مما اختلفت فيه كلمة أهل العلم، كما سيأتي إن شاء الله. الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (يصلي الضحى) بضم الضاد مقصورة، ما بعد ارتفاع الشمس إلى قبيل الزوال، والضّحى بالضم والقصر، والضَّحاء: بالفتح، والمد بمعنى واحد، وقيل: الضحى - بالضم ـ: من طلوعها إلى أن يرتفع النهار وتبيض الشمس جداً، ثم بعد ذلك الضَّحاء - بالفتح - إلى قريب من نصف النهار. قوله: (سبحة الضحى) بضم السين، والمراد، صلاة الضحى، وأصل التسبيح: التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص، والمراد هنا: صلاة التطوع، وتسمية صلاة التطوع بالسبحة هو الغالب، وذلك من تسمية الشيء باسم بعضه، وخصت النافلة بذلك مع أن الفريضة تشاركها في معنى التسبيح، لأن التسبيحات في الفرائض نوافل، كذا في «النهاية» (١). الوجه الثالث: في الأحاديث دليل على مشروعية صلاة الضحى، وأنها سنة مؤكدة، لأن النبي ﷺ فعلها، وأوصى بها أبا هريرة وأبا ذر وأبا الدرداء ﵃ وتقدمت أحاديثهم، والنبي ﷺ إذا أوصى أحداً بشيء، فهي وصية للأمة كلها، وليس خاصاً بذلك الموصى، وهكذا إذا نهى أو أمر فالحكم

стр. 1254

عام، إلا أن يقوم دليل على الخصوصية، وبهذا تكون صلاة الضحى ثبت فيها القول والفعل. وكونه ﷺ لم يداوم عليها وإنما يفعلها بعض الأحيان لا ينافي سنيتها، لأن النبي ﷺ قد يفعل الشيء لبيان مشروعيته، وقد يتركه لبيان عدم وجوبه، وقد يترك الشيء وهو يحب أن يفعله لئلا يشق على أمته، ولهذا قالت عائشة ﵂: (وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم) كما تقدم. وعلى هذا فالظاهر استحبابها مطلقاً، لما ورد من الأدلة الكثيرة في الترغيب فيها، لا ترك المداومة عليها، كما هو المذهب عند الحنابلة (١)، لأنه ﷺ لم يداوم عليها خشية أن تفرض على الأمة، فيغلب جانب الأدلة التي تدل على فضلها. وذهب فريق من أهل العلم، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن من كان عادته قيام الليل فإنه لا يسن له أن يصلي الضحى، ومن لم تكن عادته قيام الليل سن في حقه أن يصلي الضحى (٢). وذهب فريق ثالث إلى أنها لا تشرع إلا لسبب، كالقدوم من سفر ونحوه، إلى غير ذلك من الأقوال، وقد أوصلها ابن القيم إلى ستة أقوال (٣)، ولخصها الشوكاني (٤). والقول الأول هو الأظهر، وهو استحبابها مطلقاً، وقد اختار ذلك الشوكاني (٥)، والشيخ عبد العزيز بن باز، فقال: (صلاة الضحى سنة مؤكدة، فعلها النبي ﷺ ، وأرشد إليها أصحابه) وقال: (لو صليتها يوماً وتركتها يوماً فلا بأس، ولكن الأفضل المداومة، لأن الرسول ﷺ قال: «إن أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل») (٦) (٧).

стр. 1255

ومما يؤيد سنيتها مطلقاً، حديث أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى» (١). والسُّلامى: بضم السين، مفرد، جمعه: سُلاميات، وهي مفاصل الأصابع، ثم استعمل في جميع عظام البدن ومفاصله، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل» (٢). فهذا دليل على عِظم فضل صلاة الضحى، وأنها باب عظيم من أبواب شكر الله تعالى على نعمه، ومنها نعمة البدن، وأن هاتين الركعتين تجزيان عن ثلاثمائة وستين صدقة، وما كان كذلك فهو حقيق بالمواظبة وجدير بالمداومة. وعن أبي الدرداء وأبي ذر (٣) ﵄ عن رسول الله ﷺ عن الله أنه قال: (ابن آدم اركع لي من أول النهار أربع ركعات أَكْفِكَ آخره) (٤). الوجه الرابع: اختلف العلماء في الجمع بين حديثي عائشة المذكورين في إثبات صلاة الضحى ونفيها. فمنهم من سلك مسلك الترجيح، فرجح أحاديث الإثبات عنها وعن غيرها من الصحابة، لأنه اتفق عليها الشيخان على حديث نفيها الذي انفرد به مسلم، ولأن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ، وهذا قول جماعة من أهل العلم، منهم ابن خزيمة (٥)، وابن جرير الطبري، وابن عبد البر، بل إنه بالغ فقال عن حديث النفي: إنه منكر (٦)، مع أنه ثابت في صحيح مسلم، كما تقدم.

стр. 1256

وسلك آخرون مسلك الجمع، على خلاف بينهم في كيفية الجمع، على طرق ستة، ذكرها العراقي (١)، ومن ذلك أن المنفي هو المداومة عليها، والمثبت هو فعلها أحياناً، كالقدوم من سفر، أو الفتح، أو زيارته لقوم، أو نحو ذلك، وممن قال بذلك البيهقي (٢)، وأيد ذلك بقول عائشة ﵂: (وإن كان ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به، خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم)، وحكاه النووي عن العلماء، وقال: (بهذا يجمع بين الأحاديث) (٣). وعندي أن هذا هو أظهر الأجوبة، لقوة ما عُلِّلَ به، فإن الأحاديث القولية ثابتة في سنيتهما، فهي مقدمة في دلالتها على الأحاديث الفعلية التي تدل على أنه ﷺ لم يداوم عليها، ولا ينافي ذلك قول عائشة المتقدم: (كان يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله)، فإنه لا يلزم من هذا التعبير المداومة، بل هي للدلالة على مجرد الوقوع، ولا سيما أنه وجد هنا قرائن تصرف الفعل عن دلالته على المداومة، عند من يقول بذلك، وتقدم بيان هذه القرائن، وقد يكون مرادها بيان هذا العدد إن صلى الضحى وأنه قد يزيد، والله أعلم. وأما قولها: (ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط … ) فلعله محمول على المداومة، بدليل قولها: (كان يصلي الضحى أربعاً)، وبدليل حديثها الثاني لتتفق الأدلة، ثم إنه لا يلزم من عدم رؤيتها له عدم الوقوع، لأن النبي ﷺ لا يكون عندها وقت الضحى إلا نادراً، فقد يكون في المسجد، وقد يكون مسافراً، وقد يكون في موضع آخر، والله تعالى أعلم.

стр. 1257

أفضل الأوقات لصلاة الضحى ٣٩٤/ ٤٥ - عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الأَوَّابِين حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. الكلام عليه من وجوه: الوجه الأول: في تخريجه: فقد أخرجه مسلم (٧٤٨) في كتاب «صلاة المسافرين» باب «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» من طريق القاسم الشيباني، أن زيد بن أرقم ﵁ رأى قوماً يصلون من الضحى، فقال: (أما لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إن رسول الله ﷺ قال: … فذكره). وعزوه للترمذي وهمٌ من الحافظ، وقد عزاه المزي في «تحفة الأشراف» إلى مسلم، ولم يعزه للترمذي (١). الوجه الثاني: في شرح ألفاظه: قوله: (الأوابين) جمع أواب، صيغة مبالغة، والأواب: الرجاع إلى الله تعالى بفعل المأمور واجتناب المحظور. قوله: (حين تَرْمَضُ) بفتح التاء، وسكون الراء، وفتح الميم، من باب «تعب»، يقال: رَمِضَتْ الفصال: إذا وجدت حر الرمضاء فاحترقت أخفافها، والرمضاء: شدة حرارة الأرض من وقوع الشمس على الرمل وغيره عند ارتفاعها.

стр. 1258

قوله: (الفِصال) بكسر الفاء، جمع فصيل، وهو ولد الناقة، سمي بذلك لفصله عن أمه، فهو فعيل بمعنى مفعول، وهو يجمع على فصلان - بضم الفاء وكسرها - وأما جمعه على (فصال) فكأنهم توهموا فيه الصفة. الوجه الثالث: الحديث دليل على أن أفضل وقت لصلاة الضحى، هو وقت اشتداد حرارة الشمس، وأن هذه صلاة الأوابين، وسميت بذلك لأنهم آبوا ورجعوا إلى طاعة الله وعبادته حينما اشتغل الناس بأمور دنياهم من زراعة وتجارة ونحوهما، وأخلد آخرون إلى الراحة، فيقوم هؤلاء يصلون ويذكرون الله تعالى. وأما بداية وقت صلاة الضحى فهو من ارتفاع الشمس بعد طلوعها، لحديث عمرو بن عبسة الطويل، وفيه أن النبي ﷺ قال له: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقعد عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع … » (١). والله تعالى أعلم.

стр. 1259

عدد ركعات صلاة الضحى ٣٩٥/ ٤٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ صَلَّى الضُّحى ثنتي عَشْرَةَ رَكْعةً بَنَى اللهُ لَهُ قَصْراً في الْجَنةِ»، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَاسْتَغْرَبَهُ. ٣٩٦/ ٤٧ - وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «دَخَلَ النَّبي ﷺ بَيْتِي، فَصَلَّى الضُّحى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ»، رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ في «صَحِيحِهِ». الكلام عليهما من وجوه: الوجه الأول: في تخريجهما: أما حديث أنس، فقد أخرجه الترمذي (٤٧٣) في «أبواب الصلاة»، باب «ما جاء في صلاة الضحى» من طريق موسى بن فلان بن أنس، عن عمه ثمامة بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة بنى الله له قصراً في الجنة». قال الترمذي: (حديث أنس حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه)، وهذا إسناد ضعيف، لأن موسى بن فلان مجهول، كما في «التقريب»، وفي اسمه اضطراب (١)، وقد ضعفه الحافظ في «التلخيص» (٢). وأما حديث عائشة، فقد أخرجه ابن حبان (٦/ ٢٧٢) في كتاب «الصلاة»، فصل «في صلاة الضحى» (ذكر عدد الركعات التي كان يصليها ﷺ

стр. 1260

صلاة الضحى) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، قال: (حدثني المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن عائشة ﵁ قالت: … فذكرته). وهذا إسناد ضعيف - أيضاً - لأن المطلب بن عبد الله بن حنطب وثقه أبو زرعة ويعقوب بن سفيان، إلا أنه لم يسمع من عائشة، فقد قال أبو حاتم: (لم يدرك عائشة ﵂ وعامة حديثه مراسيل) (١)، وقال أبو زرعة: (نرجو أن يكون سمع منها) (٢). الوجه الثاني: الحديث الأول دليل على فضل صلاة الضحى، وهي ثنتا عشرة ركعة، ولكنه حديث ضعيف، وكذا حديث عائشة، وتغني عنهما الأحاديث الصحيحة الدالة على أنها ركعتان، كما في حديث أبي ذر المتقدم: (ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) أو يصليها أربع لحديث عائشة المتقدم، الذي أخرجه مسلم، أو يصليها ستاً لحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ست ركعات (٣). وله أن يصليها ثمان ركعات لحديث أبي مرة مولى عقيل أن أم هانئ حدثته أنه لما كان عام الفتح، أتت رسول الله ﷺ وهو بأعلى مكة، فقام رسول الله ﷺ إلى غُسْله، فسترت عليه فاطمة، ثم أخذ ثوبه، فالتحف به، ثم صلى ثمان ركعات سُبحة الضحى (٤)، ويدل على ذلك كله قول عائشة ﵂ كما تقدم: (كان رسول الله ﷺ يصلي الضحى، أربعاً، ويزيد ما شاء الله). والمقصود أن صلاة الضحى ليس لها عدد معين، وأقلها ركعتان، فيصلي المسلم ما شاء الله، لأن الضحى وقت للصلاة، وشَغْلُ الوقت بالصلاة من أفضل الأعمال وأجل الطاعات.

стр. 1261

وقد دل على ذلك قوله ﷺ لعمرو بن عبسة: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع … ثم صَلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقلَّ الظل بالرمح … » الحديث (١)، فأمره ﷺ أن يصلي بعد ارتفاع الشمس إلى أن تقف الشمس، ولم يحدد له ركعات معينة، فدل ذلك على أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، والله تعالى أعلم.

стр. 1262

باب صلاة الجماعة والإمامة الجماعة في اللغة: من الجمع، وهو تأليف المتفرِّق، وضم الشيء بتقريب بعضه من بعض. وفي اصطلاح الفقهاء: الجماعة اسم لأقل ما يتحقق به الاجتماع، وهو اثنان: إمام ومأموم. والإمامة: في اللغة من الأَمِّ، وهو القصد. وفي اصطلاح الفقهاء: تطلق على معانٍ متعددة، والمراد بها هنا: إمامة الصلاة، وهي: ربط صلاة المؤتمِّ بالإمام. فالإمام لا يصير إماماً إلا إذا ربط المأموم صلاته بصلاته، فهذا الربط هو حقيقة الإمامة. والمراد بالجماعة في نصوص الشريعة هي: جماعة المسجد، لا جماعة البيوت، حتى لو قلنا بصحة الجماعة في البيوت، لقوله ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ في الجماعة تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً» (١). ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَداً مُسْلِماً فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ» (٢). و «حَيْثُ» ظرف مكان، أي: فليحافظ عليهن في المكان الذي ينادى لهن فيه، وهو المساجد، ولأن النبي ﷺ هَمَّ بتحريق بيوت المتخلِّفين - كما سيأتي إن شاء الله - ومعلوم أن البيوت فيها جماعة، فدل على أن المراد جماعة

стр. 1263

المسجد، ولهذا كان الواحد من سلف هذه الأمة إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى مسجد آخر، ولم يذهب إلى بيته ويصلي بأهله ليكونوا جماعة (١). وأما الحكمة من مشروعية صلاة الجماعة، فهي ما يترتب عليها من فوائد كثيرة ومصالح عظيمة، فردية واجتماعية، دينية ودنيوية، فيجتمع أهل المحلة الواحدة كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم بذلك إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، فيظهر عز الإسلام وقوة المسلمين. وفي صلاة الجماعة يتم التعارف بين أهل الحي، ويحصل تعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والسؤال عن الغائب، وزيارة المريض، والتنافس في أعمال الخير، من العطف على الفقير، ومساعدة العاجز. كما أن في صلاة الجماعة تعويد الأمة على الاجتماع وعدم التفرق، وإشعارهم بالمساواة حينما يقفون صفّاً واحداً خلف إمامهم، لا فرق بين غني وفقير، ولا شريف ولا وضيع، ولا صغير ولا كبير، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة.

стр. 1264

فضل صلاة الجماعة ٣٩٧/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. ٣٩٨/ ٢ - وَلَهُمَا عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً». ٣٩٩/ ٣ - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبي سَعِيدٍ، وَقَالَ: «دَرَجَةً». الكلام عليها من وجوه: الوجه الأول: في تخريجها: أما الأول: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل الجماعة» (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعاً. وأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل صلاة الفجر جماعة» (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً»، وفي لفظ: «بخمس وعشرين جزءاً» وهذا لفظ مسلم. وأما الثالث: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور أولاً (٦٤٦) من طريق الليث، حدَّثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وهو عند مسلم (٦٤٩) (٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.

стр. 1265

الوجه الثاني: في شرح ألفاظها: قوله: (صلاة الجماعة أفضل) بلفظ أفعل التفضيل، أي: أكثر وأزيد، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «تفضُل». والمراد بالجماعة هنا: قيل: مطلق الجماعة في أي مكان؛ لأن الجماعة وصف عُلِّق عليه الحكم، فيؤخذ به. والقول الثاني: أن المراد: جماعة المسجد لا جماعة البيوت ونحوها؛ لِمَا وَرَدَ من أوصاف أخرى تختص بالمساجد، كإكثار الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة. وعندي أن هذا القول أقرب، ويؤيده ما سيأتي من أن الصلاة في البيوت مِن فِعل المنافقين، فكيف يثبت فيها التفضيل؟ قوله: (صلاة الفذ) أي: المنفرد الذي لم يصلِّ مع الجماعة، وجمعه: فذوذ، وأفذاذ، قال ابن منظور: (فَذَّ الرجل عن أصحابه: إذا شَذَّ عنهم وبقي منفرداً) (١)، وعند مسلم بسياق أوضح: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين». قوله: (بسبع وعشرين) وفي رواية له: «بخمس وعشرين»، قال الترمذي: (عامة مَن روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرون، إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين) (٢). وقد اختلف العلماء في الجمع بينهما على أوجه كثيرة، ذكرها الحافظ، وأقربها أن النبي ﷺ أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها، ولا يُقال: إن ذلك يحتاج إلى معرفة أن السبع والعشرين هي المتأخرة؛ لأن الظاهر تقديم الخمس على السبع، من جهة أن الفضل من الله تعالى يقبل الزيادة لا النقص، فلا يحتمل أن السبع متقدمة على الخمس. ومنهم مَن سلك مسلك الترجيح، فرجَّح رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ فتكون مقبولة، والجمع أحسن.
следующие страницы →