وقد دل على ذلك قوله ﷺ لعمرو بن عبسة: «صَلِّ صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع … ثم صَلِّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقلَّ الظل بالرمح … » الحديث (١)، فأمره ﷺ أن يصلي بعد ارتفاع الشمس إلى أن تقف الشمس، ولم يحدد له ركعات معينة، فدل ذلك على أن صلاة الضحى لا حد لأكثرها، والله تعالى أعلم.
стр. 1262
باب صلاة الجماعة والإمامة
الجماعة في اللغة: من الجمع، وهو تأليف المتفرِّق، وضم الشيء بتقريب بعضه من بعض.
وفي اصطلاح الفقهاء: الجماعة اسم لأقل ما يتحقق به الاجتماع، وهو اثنان: إمام ومأموم.
والإمامة: في اللغة من الأَمِّ، وهو القصد.
وفي اصطلاح الفقهاء: تطلق على معانٍ متعددة، والمراد بها هنا: إمامة الصلاة، وهي: ربط صلاة المؤتمِّ بالإمام.
فالإمام لا يصير إماماً إلا إذا ربط المأموم صلاته بصلاته، فهذا الربط هو حقيقة الإمامة.
والمراد بالجماعة في نصوص الشريعة هي: جماعة المسجد، لا جماعة البيوت، حتى لو قلنا بصحة الجماعة في البيوت، لقوله ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ في الجماعة تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْساً وَعِشْرِينَ ضِعْفاً» (١).
ولهذا قال عبد الله بن مسعود ﵁: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللهَ غَداً مُسْلِماً فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ» (٢).
و «حَيْثُ» ظرف مكان، أي: فليحافظ عليهن في المكان الذي ينادى لهن فيه، وهو المساجد، ولأن النبي ﷺ هَمَّ بتحريق بيوت المتخلِّفين - كما سيأتي إن شاء الله - ومعلوم أن البيوت فيها جماعة، فدل على أن المراد جماعة
стр. 1263
المسجد، ولهذا كان الواحد من سلف هذه الأمة إذا فاتته الجماعة في مسجده ذهب إلى مسجد آخر، ولم يذهب إلى بيته ويصلي بأهله ليكونوا جماعة (١).
وأما الحكمة من مشروعية صلاة الجماعة، فهي ما يترتب عليها من فوائد كثيرة ومصالح عظيمة، فردية واجتماعية، دينية ودنيوية، فيجتمع أهل المحلة الواحدة كل يوم وليلة خمس مرات، فيتم بذلك إظهار شعيرة من أعظم شعائر الإسلام، فيظهر عز الإسلام وقوة المسلمين.
وفي صلاة الجماعة يتم التعارف بين أهل الحي، ويحصل تعليم الجاهل، وتنشيط العاجز، والسؤال عن الغائب، وزيارة المريض، والتنافس في أعمال الخير، من العطف على الفقير، ومساعدة العاجز.
كما أن في صلاة الجماعة تعويد الأمة على الاجتماع وعدم التفرق، وإشعارهم بالمساواة حينما يقفون صفّاً واحداً خلف إمامهم، لا فرق بين غني وفقير، ولا شريف ولا وضيع، ولا صغير ولا كبير، إلى غير ذلك من الفوائد العظيمة.
стр. 1264
فضل صلاة الجماعة
٣٩٧/ ١ - عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
٣٩٨/ ٢ - وَلَهُمَا عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁: «بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءاً».
٣٩٩/ ٣ - وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ: عَنْ أَبي سَعِيدٍ، وَقَالَ: «دَرَجَةً».
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجها:
أما الأول: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل الجماعة» (٦٤٥)، ومسلم (٦٥٠) من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعاً.
وأما حديث أبي هريرة: فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل صلاة الفجر جماعة» (٦٤٨)، ومسلم (٦٤٩) من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً»، وفي لفظ: «بخمس وعشرين جزءاً» وهذا لفظ مسلم.
وأما الثالث: فقد أخرجه البخاري في الباب المذكور أولاً (٦٤٦) من طريق الليث، حدَّثني ابن الهاد، عن عبد الله بن خبَّاب، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وهو عند مسلم (٦٤٩)(٢٤٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
стр. 1265
الوجه الثاني: في شرح ألفاظها:
قوله: (صلاة الجماعة أفضل) بلفظ أفعل التفضيل، أي: أكثر وأزيد، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: «تفضُل».
والمراد بالجماعة هنا: قيل: مطلق الجماعة في أي مكان؛ لأن الجماعة وصف عُلِّق عليه الحكم، فيؤخذ به.
والقول الثاني: أن المراد: جماعة المسجد لا جماعة البيوت ونحوها؛ لِمَا وَرَدَ من أوصاف أخرى تختص بالمساجد، كإكثار الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة، ودعاء الملائكة. وعندي أن هذا القول أقرب، ويؤيده ما سيأتي من أن الصلاة في البيوت مِن فِعل المنافقين، فكيف يثبت فيها التفضيل؟
قوله: (صلاة الفذ) أي: المنفرد الذي لم يصلِّ مع الجماعة، وجمعه: فذوذ، وأفذاذ، قال ابن منظور: (فَذَّ الرجل عن أصحابه: إذا شَذَّ عنهم وبقي منفرداً) (١)، وعند مسلم بسياق أوضح: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعاً وعشرين».
قوله: (بسبع وعشرين) وفي رواية له: «بخمس وعشرين»، قال الترمذي: (عامة مَن روى عن النبي ﷺ إنما قالوا: خمس وعشرون، إلا ابن عمر فإنه قال: بسبع وعشرين) (٢).
وقد اختلف العلماء في الجمع بينهما على أوجه كثيرة، ذكرها الحافظ، وأقربها أن النبي ﷺ أخبر أولاً بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبر بها، ولا يُقال: إن ذلك يحتاج إلى معرفة أن السبع والعشرين هي المتأخرة؛ لأن الظاهر تقديم الخمس على السبع، من جهة أن الفضل من الله تعالى يقبل الزيادة لا النقص، فلا يحتمل أن السبع متقدمة على الخمس.
ومنهم مَن سلك مسلك الترجيح، فرجَّح رواية السبع؛ لأن فيها زيادة من عدل حافظ فتكون مقبولة، والجمع أحسن.
стр. 1266
قوله: (درجة) أي: مرة، والمعنى أن الرجل إذا صلّى في جماعة كانت صلاته أزيد ثواباً مما إذا صلاَّها وحده بسبع وعشرين مرة.
وقوله في الرواية الأخرى: «جزءاً»، إما أن يكون من تصرف الرواة، أو من باب التفنن في العبارة، وقد جاء في بعضها: «ضِعفاً».
الوجه الثالث: الحديث دليل على فضل الصلاة في الجماعة، وأنها أكثر ثواباً من الصلاة بغير جماعة سبعاً وعشرين مرة، والقصد من هذا الإخبار: حث الناس وترغيبهم في صلاة الجماعة، طلباً لهذه الزيادة في الثواب.
الوجه الرابع: حديث الباب محمول على المنفرد الذي صلَّى في بيته بدون عذر، وأما مَن صلَّى في بيته لعذر، كمرض ونحوه، ففيه قولان:
الأول: أن أجره تام؛ لأن المعذور يكتب له ثواب عمله كله، فدلَّ على أن المراد بالحديث غير المعذور، وقد ورد في حديث أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا مرض العبد أو سافر كُتِبَ له مثل ما كان يعمل مقيماً صحيحاً» (١).
القول الثاني: أن المعذور له أجر، ولكن ليس كأجر مَن صلَّى في جماعة، إذ ليس هناك دليل يدل على أن صلاة المنفرد المعذور مثل صلاة الرجل في جماعة، وعلى هذا القول فلا تضعيف في صلاة الفذ مطلقاً، سواء أكان معذوراً أم غير معذور إلا أن المعذور يسقط عنه الإثم، ويكتب له الأجر إذا كان من عادته الصلاة في جماعة ثم مرض ولم يستطع أن يصلي معهم، ولكن أجره ليس كأجر مَن صلَّى مع الجماعة.
وأما مَن لم تكن عادته الصلاة في الجماعة فمرض فصلَّى وحده فهذا لا يكتب له مثل صلاة الصحيح، وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، والحافظ ابن رجب (٣).
стр. 1267
الوجه الخامس: استدل بالحديث مَن قال: إن صلاة الجماعة سُنَّة، وهم أكثر المالكية، ووجه الاستدلال: أن النبي ﷺ فاضَل بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد، والمفاضلة تقتضي مشاركة المنفرد للجماعة في الفضل وأصل الثواب، ولو كانت الجماعة واجبة لم يجعل الرسول ﷺ للمنفرد أجراً؛ لأنه إما آثم إن كانت الجماعة في حقه واجبة، أو صلاته باطلة إن كانت شرطاً.
وأُجيب عن ذلك: بأن المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد ليس فيها دلالة على عدم الوجوب، وإنما فيها دلالة على أن صلاة المنفرد صحيحة وناقصة الثواب، ثم إن الحديث ما سيق لبيان الوجوب أو عدمه، وإنما سِيق لبيان المفاضلة.
لكن يصح أن يكون الحديث دليلاً على أن الجماعة ليست شرطاً في صحة الصلاة؛ لأن تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ يدل على أن في صلاة الفذ فضلاً، وهذا لا يتحقق إلا إذا كانت صحيحة.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن أقل الجماعة اثنان؛ إمام ومأموم؛ لأنه جعل هذا الفضل لغير الفذ، فدلَّ على أن ما زاد على الفذ فهو جماعة، وقد دلَّ على ذلك حديث مالك بن الحويرث، وفيه: «إذا حضرت الصلاة فأذِّنا وأقيما، ثم ليؤمكما أكبركما»، وتقدم في باب «الأذان»، وقد بوَّب عليه البخاري بقوله: بابٌ «اثنان فما فوقهما جماعة» (١). والله تعالى أعلم.
стр. 1268
حكم صلاة الجماعة
٤٠٠/ ٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤذَّن لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيؤمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفُ إِلَى رِجَالٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقُ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ. وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقاً سَمِيناً أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، واللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «وجوب صلاة الجماعة» (٦٤٤)، ومسلم (٦٥١) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به.
وهذا لفظ البخاري كما قال الحافظ؛ إلا أن قوله: «لا يشهدون الصلاة» ليس عند البخاري، وإنما هو عند مسلم فقط، من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وليس في لفظ البخاري، كما هو ظاهر سياق الحافظ.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (والذي نفسي بيده) هذا قسم كان النبي ﷺ يقسم به كثيراً، ومعناه: أن أمر نفوس العباد بيد الله تعالى؛ لأنه سبحانه مالكها والمتصرف فيها.
وأما قول الشرَّاح: أي: بتقديره وتدبيره، وأن المراد باليد القدرة؛ فهو
стр. 1269
تأويل فاسد؛ لأن اليد ثابتة لله تعالى على حقيقتها، واليد غير القدرة.
قوله: (لقد هممت) أي: أردت وعزمت، والهمُّ: انبعاث النفس إلى تحصيل أمرٍ ما، وقد جاء في رواية مسلم أن رسول الله ﷺ فقد ناساً في بعض الصلوات، فقال: «لقد هممت … » فبين بذلك سبب الحديث.
قوله: (ثم أخالف إلى رجال) أي: آتيهم من خلف، قال الجوهري: (خالف إلى فلان؛ أي: أتاه إذا غاب عنه) (١).
قوله: (لا يشهدون الصلاة) هذه اللفظة عند مسلم فقط، كما تقدم، وهي صفة لرجال، والمعنى: لا يحضرون، من شهد بمعنى حضر، وفيها بيان سبب ذلك، وهو أن العقوبة على ذنب ظاهر، وهو تخلفهم عن الصلاة في المسجد، لا على أنها لنفاقهم، كما قيل؛ لأن النبي ﷺ لا يعاقب المنافقين على نفاقهم؛ لأنه أمر باطن، بل كان يكل سرائرهم إلى الله تعالى، ويعاملهم معاملة المسلمين في الظاهر، وقوله: «لا يشهدون الصلاة» لم يبين المراد بهذه الصلاة، لكن آخر الحديث يشعر بأنها العشاء، وهذا لا يقتضي التخصيص.
قوله: (فأحرق عليهم بيوتهم)، في رواية لمسلم: «فأحرق بيوتاً على من فيها»، وهذا يُشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد: تحريقهم، وبيوتهم تبع لهم.
قوله: (والذي نفسي بيده) أعاد النبي ﷺ اليمين للمبالغة في التأكيد والاهتمام.
قوله: (عَرْقاً سميناً) بفتح المهملة، وسكون الراء، ثم قاف، هو العظم الذي أُخِذَ أكثر ما عليه من الهبر، ويؤيد ذلك رواية مسلم: «عظماً سميناً» فَيُكسر العظم ويُطبخ، ويُؤكل ما عليه من اللحم، ثم يُتَمَشْمَشُ العظم.
قوله: (أو مِرماتين حسنتين) تثنية مِرماة، بكسر الميم، ويجوز فتحها،
стр. 1270
وفي تفسيرها اختلاف، فقيل: المرماة ظلف الشاة، كما ذكر الزمخشري (١)، وبه صَدَّرَ ابن الأثير تفسير هذه الكلمة (٢)، وقيل: ما بين ظلفيها، ذكر هذا أبو عبيد، ثم قال: (وهذا حرف لا أدري ما وجهه، إلا أنه هكذا يفسَّر، والله أعلم) (٣).
وقيل: سهمان يرمى بهما، وهذا تفسير أبي زرعة الرازي جاء في سياق الحديث (٤)، وضعف ذلك الزمخشري، لذكر العَرْقِ معه، قلت: ويؤيد ما قاله الزمخشري حديث أبي هريرة ﵁: «لو أن رجلاً ندب الناس إلى عَرْقٍ أو مرماتين لأجابوا … » الحديث (٥). فهذا يؤيد أن المرماة ظلف الشاة.
وقد جُمع بين السِّمَنِ في العَرْق والحسن في المرماتين ليوجد الباعث النفسي في تحصيلهما، وذكر العرق والمرماتين على وجه ضرب المثال بالأشياء التافهة الحقيرة من الدنيا، وفيه توبيخ لمن رغب عن فضل صلاة الجماعة، مع أنه لو طمع في إدراك يسيرٍ من عرض الدنيا لبادر إليه، وهو يسمع منادي الله فلا يجيبه، ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ (٦).
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز الحلف من غير استحلاف، وقد ذكر ابن القيم أن النبي ﷺ حلف في أكثر من ثمانين موضعاً، وذكر أنه يجوز الحلف، بل يستحب على الخبر الديني الذي يريد تأكيده (٧).
الوجه الرابع: الحديث دليل على إثبات صفة اليد لله تعالى على ما
стр. 1271
يليق بجلاله وعظمته، إثباتاً بلا تكييف ولا تمثيل، وتنزيهاً بلا تحريف ولا تعطيل، كسائر أسمائه وصفاته .
الوجه الخامس: استدل بالحديث من قال بوجوب صلاة الجماعة، وهم أكثر الحنفية وابن خزيمة وابن المنذر من الشافعية، وهو المذهب عند الحنابلة (١)، ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ همَّ بتحريق بيوت المتخلفين عنها عليهم، ولا يهم بهذه العقوبة إلا من أجل ترك واجب، وهو حضور الجماعة، ولا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله، ولو كانت فرض كفاية لكان أداء الرسول ﷺ ومن معه الصلاة كافياً عن الجميع، ولو كانت سنة لم يهدد النبي ﷺ تاركها بذلك، وسيأتي مزيد من الأدلة إن شاء الله.
وقد ورد عند أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِيَّةِ لأَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ» (٢). وهو حديث ضعيف؛ لأنه من رواية أبي معشر - وهو نجيح بن عبد الرحمن السندي - عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، وأبو معشر ضعيف.
ولكن المعنى صحيح، فإن امتناع الرسول ﷺ من تنفيذ ما هَمَّ به له أسباب، فإنه قد يفضي إلى أشياء مضرتها عظيمة، كإصابة امرأة أو طفل، أو يَذْهَبُ بأموال عظيمة أو ما شابه ذلك مما قد يضر بالجيران، فالحاصل أن التخلف عن التنفيذ له أسباب، فلا يدل على أن فعلهم ذلك جائز أو أنه لا يجوز عقابهم.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز مباغتة الفساق في أماكن فسقهم وعلى معصيتهم، لقبضهم متلبسين بجريمتهم، وأن هذا أمر مناسب للقائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لتقوم الحجة عليهم ويسقط اعتذارهم، ولا يبقى لهم شيء آخر يدرأ عنهم العقوبة.
стр. 1272
الوجه السابع: استدل بهذا الحديث من أجاز التعزير بالمال، كأن يُغَرَّمَ شخص مبلغاً من المال أو يتلف شيء من ماله، وذلك لأن تحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة من العقوبة المالية، وهذا قول ابن تيمية (١)، وتلميذه ابن القيم (٢)، ونُقل عن إسحاق، وأبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وبه قال ابن فرحون من المالكية (٣)، وقد انتصر له ابن القيم، وذكر أنه ورد فيه قضايا عديدة، كأمره ﷺ بتحريق الثوب المعصفر بالنار، وأمره بتحريق متاع الغال، وإضعاف الغُرم على من سرق ما لا قطع فيه من الثمر، وفعله الخلفاء الراشدون، فحرق عمر وعلي ﵄ بيت خمَّار، وغير ذلك مما يدل على بقاء هذا الحكم.
وقد رجح هذا القول ابن رجب (٤)، والشيخ عبد العزيز بن باز (٥).
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه لا يجوز التعزير بالمال (٦)؛ لأن في ذلك مخالفة للنصوص الدالة على حرمة مال المسلم وعدم جواز أخذه بغير حق، وقد كانت العقوبة المالية في أول الإسلام ثم نسخت، لكن رد ابن رجب دعوى النسخ، وقال: إنها لا تصح، والشريعة طافحة بجواز ذلك …
أما نهيه ﷺ عن التحريق بالنار (٧)، فإنما أراد به تحريق النفوس وذوات الأرواح، وأما حديث الباب فمراد به تحريق دار المتخلف عن الصلاة ومتاعه، فإن أتى على نفسه لم يكن بالقصد بل تبعاً.
الوجه الثامن: الحديث دليل على أن الأمر بإقامة الصلاة موكول إلى الإمام، لقوله: «ثم آمر بالصلاة فتقام»، فإذا كان الإمام حاضراً أو قريباً من المسجد فهو أحق بالأمر بإقامة الصلاة، وعليه فلينتبه أولئك الذين يوجدون في
стр. 1273
بعض المساجد ويضايقون المؤذن ويطالبونه بإقامة الصلاة بمجرد أن الإمام تأخر بضع دقائق، بل ينبغي الأدب مع الأئمة والصبر والاحتساب في انتظار الصلاة، ففي ذلك ثواب عظيم.
الوجه التاسع: أن الإمام إذا عرض له شغل فإنه يستخلف من يصلي بالناس، وله أن يستصحب معه بعض الجماعة إذا كان هناك مصلحة، لقوله في رواية: «ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب» (١)؛ لأن مصلحة متابعة المتخلفين مقدمة على الصلاة في أول وقتها، وبهذا يستدل على أنه لا بأس بفعل أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا بقوا يوجهون الناس للصلاة ويتابعون المتخلفين ولو تأخروا عن الجماعة في المسجد؛ لأن هذا مصلحة عامة، والله تعالى أعلم.
стр. 1274
التحذير من التخلف عن العشاء والفجر
٤٠١/ ٥ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ: صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «فضل العشاء في جماعة» (٦٥٧)، ومسلم (٦٥١) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ أَثْقَل صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْواً، وَلَقَدْ هَمَمَتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَام … » الحديث، وهذا لفظ مسلم، وهذه الزيادة: «وَلَقَدْ هَمَمْتُ» عند البخاري أيضاً، لكن المؤلف اقتصر على أوله؛ لأنه ساق آخره من طريق آخر، كما تقدم بلفظ أتم.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أثقل الصلاة) أي: أشدها ثقلاً، والمراد بذلك ثقل شهودهما في المسجد، بدليل السياق، والمراد بالصلاة: الصلوات كلها، فـ (أل) فيها لاستغراق الجنس، وهذا على لفظ البلوغ، أما لفظ الصحيحين فهو بدونها، كما تقدم.
قوله: (على المنافقين) أي: الذين يظهرون أنهم مسلمون وهم كفار، وهم جمع منافق، اسم فاعل من نافق الرجل نفاقاً، والنفق: سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، ومنه النافقاء، وهو جُحْرٌ يصنعه الحيوان
стр. 1275
المعروف باليربوع، ويخفيه ليهرب منه إذا طُلب من قبل القاصعاء الذي يظهره.
وحقيقة النفاق: إظهار الإيمان وإخفاء الكفر.
قوله: (ولو يعلمون ما فيهما) أي: ولو يعلمون علم إيمان ويقين ما في فضلهما مع الجماعة في المسجد من الثواب والفضل.
قوله: (ولو حبواً) أي: ولو كان إتيانهما حبواً، وهو المشي على الأيدي والركب.
الوجه الثالث: الحديث دليل على ثقل الصلوات كلها على المنافقين، كما قال تعالى: ﴿ … ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ … ﴾ [النساء: ١٤٢] وأثقلها عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولعل السبب في ذلك - والله أعلم - أمران:
الأول: أن صلاة العشاء وقت الراحة بعد تعب النهار، وصلاة الفجر في وقت لذة النوم صيفاً وشتاءً.
الثاني: أن المراءاة فيهما مفقودة غالباً حيث لا يراهم الناس في الظلام، فلا يُفقد المتخلف عنهما، فمن أجل المانع وقلة الدافع كانتا أثقل الصلوات عليهم؛ لأن المرائي إنما ينشط للعمل إذا رأى الناس، فإذا لم يشاهدوه ثقل عليه العمل.
فليحذر ذلك من يتساهلون في صلاة الفجر وينامون عنها أن يكون فيهم صفة من صفات المنافقين، نسأل الله السلامة.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن التخلف عن الصلاة مع الجماعة من صفات أهل النفاق؛ لأن الصلاة ثقيلة عليهم؛ لأنهم لا يؤمنون بالله تعالى، ولا بفائدة الصلوات، فإذا صلوا فإنهم لا يصلون رغبة في ثواب الله تعالى وخوفاً من عقابه، وإنما ليراؤوا الناس ويستروا نفاقهم.
وصفات المنافقين مذمومة يجب على كل مسلم الحذر منها والبعد عنها، قال عبد الله بن مسعود ﵁: (ولقد رأيتنا وما يتخلف عن الصلاة إلا منافق
стр. 1276
معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) (١).
فأفاد ذلك أن تخلُّفَ الإنسان عن الجماعة يدل على ثقل الصلاة عليه، وثقلها يدل على أن في قلبه نفاقاً، فليبادر بالتخلص منه، وذلك بالمحافظة على صلاة الجماعة والحرص عليها.
وقد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه قال: (كنا إذا فقدنا الإنسان في صلاة العشاء الآخرة والصبح أسأنا به الظن) (٢).
وقال إبراهيم النخعي: (كفى عَلَماً على النفاق أن يكون الرجل جار المسجد لا يُرى فيه) (٣).
وقد كثر في زماننا هذا التخلف عن صلاة الجماعة، ولا سيما صلاة الفجر، وهذا بسبب ضعف الإيمان، ومرض القلب، والزهد في الطاعات، والإعراض عن الله تعالى وما أعدَّ للطائعين، وتقديم مراد النفس على مراد الله، مع ضعف الرادع أو عدمه، والله المستعان.
стр. 1277
وجوب الجماعة على من سمع النداء
٤٠٢/ ٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: أَتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَرَخَّص لَهُ، فَلَمَّا وَلّى دَعَاهُ، فَقَالَ: «هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد ومواضع الصلاة»، باب «يجب إتيان المسجد على من سمع النداء» (٦٥٣) من طريق مروان الفزاري، عن عبيد الله بن الأصم، قال: حدثنا يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة ﵁، به.
وقد أخرجه أبو داود (٥٥٢) من طريق حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي رزين، عن ابن أم مكتوم أنه سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار، ولي قائد لا يلائمني، فهل لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ قال: «هل تسمع النداء؟»، قال: نعم، قال: «لا أجد لك رخصة».
وهذا الحديث رجاله ثقات، وسنده صحيح أو حسن، كما قال النووي (١)، وهو يبين المراد بالرجل الأعمى في حديث الباب.
الوجه الثاني: الحديث دليل صريح على وجوب الصلاة جماعة في
стр. 1278
المسجد؛ لأن النبي ﷺ لم يجد رخصة لرجل أعمى بعيد الدار ليس له قائد يأتي به إلى المسجد، وقال له: «أجب»، فكيف حال من كان بصيراً قريب الدار يستطيع الحضور؟!
قال الخطابي: (وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندباً لكان أولى من يسعه التخلف عنها أهل الضرر والضعف، ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم ﵁ (١).
والجمهور على أن العمى ليس عذراً في التخلف عن الجماعة إذا وجد قائداً ولو بأجرة لا تجحف به، وقال أبو حنيفة: إنه عذر ولو وجد من يقوده أو يحمله، لأنه لا عبرة بقدرة الغير (٢).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن من سمع النداء بالأذان للصلاة فعليه الإجابة، ولو كان منزله بعيداً، لقوله في رواية أبي داود: (شاسع الدار) ومع هذا قال له النبي ﷺ : «أجب».
وأما من كان قريباً من المسجد فإنه تجب عليه الإجابة مطلقاً سمع النداء أم لا؛ لأنه في مكان يسمع فيه النداء، لكن الحديث ورد فيمن كان بعيداً عن المسجد، فلذا قُيِّدَ بسماع النداء.
والمرجع في سماع النداء إلى ما كان معروفاً في عهد النبي ﷺ وعند الناس إلى زمن قريب، قبل مكبرات الصوت، وأما مكبرات الصوت فلا يترتب عليها حكم الإجابة؛ لأنها لا تنضبط، فقد يكون صوتها عالياً يسمع من أماكن بعيدة، وقد يكون دون ذلك، ولو رُبط الحكم بمكبر الصوت لصار في ذلك مشقة؛ لأنه قد يُسمع من مكان بعيد يشق الوصول إليه، والله تعالى أعلم.
стр. 1279
حكم من سمع النداء فلم يجب
٤٠٣/ ٧ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النّبيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ». رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ، وإسْنَادُه عَلَى شَرْطِ مُسْلِم، لكِنْ رَجَّحَ بَعْضُهُمْ وَقْفهُ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب «المساجد والجماعات»، باب «التغليظ في التخلف عن الجماعة» (١/ ٢٥٩)، والدارقطني (١/ ٤٢٠)، وابن حبان (٥/ ٤١٥) والحاكم (١/ ٢٤٥) من طريق هشيم بن بشير، عن شعبة، عن عدي بن ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ ، به.
قال الحاكم: (هذا حديث قد أوقفه غندر، وأكثر أصحاب شعبة، وهو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهشيم وقراد أبو نوح - وهو عبد الرحمن بن غزوان ـ: ثقتان، فإذا وصلاه فالقول قولهما).
والمراد أن هذا الحديث مختلف في رفعه ووقفه، فقد رواه عن شعبة مرفوعاً هشيم كما تقدم، وعبد الرحمن بن غزوان عند الدارقطني (١/ ٤٢٠) والحاكم (١/ ٢٤٥)، وغيرهما.
ورواه عن شعبة موقوفاً غندر ووكيع وهما من أكبر تلاميذه، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (١/ ٣٤٥) عن وكيع، عن شعبة به موقوفاً، ووكيع قال عنه الحافظ في «التقريب»: (ثقة حافظ عابد) فهو من الثقات المتقنين خصوصاً في حديثه عن شعبة، ومثله غندر في روايته عن شعبة.
стр. 1280
وأما رواية الرفع، فهشيم وإن كان ثقة إلا أن رواية غندر ووكيع مقدمة، لما مضى. وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان المعروف بقراد ثقة - أيضاً ـ، إلا أن الأئمة ذكروا أن له أفراداً، وقد يكون رفعه لهذا الحديث من أفراده، قال الدارقطني: (ثقة وله أفراد)، وهكذا قال الحافظ في «التقريب».
وبهذا يتبين وجه رجحان رواية الوقف، قال الحافظ ابن رجب: (وقفه هو الصحيح عند الإمام أحمد وغيره) (١) وقد رجَّح وقفه البيهقي في «سننه» (٣/ ٥٧)، وقال الحافظ: (إسناده صحيح، لكن قال الحاكم: وقفه غندر وأكثر أصحاب شعبة) (٢)، وهذا يشعر بعدم جزم الحافظ برفعه.
الوجه الثاني: استدل بالحديث من قال: إن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة، فمن صلّى في بيته من غير عذر لم تصح صلاته، ووجه الدلالة: أن الحديث دل على أن من لم يُجب النداء فلا صلاة له إلا من عذر، وهذا النفي يرجع إلى مسمى الصلاة، وهي الحقيقة الشرعية، فتكون صلاته غير صحيحة.
وهذا رواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الأصحاب (٣)، وهو قول ابن حزم الظاهري (٤).
وأجيب عن هذا الحديث بجوابين:
الأول: أنه مختلَف في رفعه ووقفه، كما تقدم، وحتى على القول برفعه لا يعارض ما اتفق عليه الشيخان، وهو حديث المفاضلة الذي يدل على أن الجماعة ليست بشرط، كما تقدم.
الثاني: سلَّمنا معارضته لأحاديث الوجوب، لكنه محمول على نفي الكمال لا نفي الصحة؛ لأن حمله على نفي الكمال يحصل به جمع بين الأدلة، ليوافق الأحاديث التي هي أصح منه؛ كحديث المفاضلة، وحمله على نفي الصحة يُبقي معارضته، والجمع أولى، والله تعالى أعلم.
стр. 1281
حكم من صلّى ثم دخل مسجداً
٤٠٤/ ٨ - عَنْ يَزِيْدَ بْنِ الأَسْوَدِ ﵁ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ لَمْ يُصَلِّيَا، فَدَعَا بِهِمَا، فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ لَهُمَا: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟»، قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلا، إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُم، ثُمَّ أَدْرَكْتُم الإمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَصَلِّيَا مَعَهُ، فَإِنَّهَا لَكُمْ نَافِلَةٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، والثَّلَاثَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وابْن حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو جابر يزيد بن الأسود الخزاعي السوائي، ويقال: العامري، عداده في أهل الطائف، روى عنه ابنه جابر، روى عن النبي ﷺ أنه صلى خلفه، كما في حديث الباب، وساقه ابن عبد البر في «الاستيعاب» (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ١٨)، وأبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «فيمن صلَّى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم» (٥٧٥ - ٥٧٦)، والترمذي (٢١٩)، والنسائي (٢/ ١١٢)، وابن حبان (١٥٦٤ - ١٥٦٥) من طريق يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، به مرفوعاً.
стр. 1282
وقد رواه عن يعلى ما يزيد عن عشرة من الحفاظ، منهم: شعبة، وسفيان، والثوري، وهشام بن حسان، وأبو عوانة، وآخرون.
وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وصححه - أيضاً - ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
ونقل الحافظ البيهقي في «السنن» (٢/ ٣٠٢) عن الشافعي في القديم أنه قال: (إسناده مجهول)، ولعله يريد - كما قال البيهقي - أن جابر بن يزيد ليس له راوٍ غير يعلى بن عطاء، والظاهر أن هذا لا يؤثر؛ لأن يعلى بن عطاء من رجال مسلم، وهو ثقة، وجابر بن يزيد وثقه النسائي وابن حبان، وصحح الترمذي ومن ذكر معه حديثه، وعليه فلا يضر تفرد يعلى بالرواية عنه.
على أن يعلى بن عطاء تابعه في الرواية عن جابر بن يزيد عبد الملك بن عمير عنه، وهي عند ابن منده في «معرفة الصحابة» كما ذكر الحافظ (١)، وعند الدارقطني (١/ ٤١٤)، والحديث له شواهد تؤيده، منها حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم (٦٤٨) قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا كان عليك أمراء يؤخِّرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلِّ فإنها لك نافلة».
الوجه الثالث: في شرح ألفاظه:
قوله: (صلّى مع رسول الله ﷺ صلاة الصبح) ورد في بعض الروايات عند أحمد وغيره: (بمنى) وفي رواية: (شهد مع رسول الله ﷺ حجته، قال: فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف).
قوله: (تُرْعَدُ فرائصهما) بضم أوله وفتح ثالثه، مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعله، على ما ذكره السندي وغيره (٢)، وضبطه آخرون بفتح التاء من باب «قتل» (٣)، أي: ترجف وتضطرب من الخوف، والفرائص: بالصاد المهملة، جمع
стр. 1283
فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع والخوف، والكلام كناية عن الفزع.
قوله: (صلينا في رحالنا) لأن ذلك كان بمنى، وفيها يتفرق الناس، ولذا لم ينكر عليهما الرسول ﷺ صلاتهما في رحالهما.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن من دخل مسجداً فوجدهم يصلون، وهو قد صلَّى، أنه يشرع له أن يصلي معهم، إدراكاً لفضل الجماعة، وتكون هذه الصلاة له نافلة، وظاهر الأمر في قوله: «فصليا» أنه أمر إيجاب، وهو رواية عن الإمام أحمد (١)، وقد أجمع العلماء على استحباب الإعادة، وإنما الخلاف بينهم في الوجوب، ومنهم من يفرق بين من صلّى منفرداً فالإعادة في حقه واجبة، وبين من صلى في جماعة ثم أدرك أخرى فتستحب (٢)، والأحوط للمكلف أن يمتثل ما أمره به الرسول ﷺ ، فيصلي إذا دخل مسجداً والناس يصلون.
وهذه الإعادة سببها حضور الجماعة، ولا فرق بين أن يصلي الأولى وحده، أو يصلي مع جماعة، لعموم الحديث، ولتحصيل الأجر إذا صلى مرة أخرى، ولئلا يكون حضوره والناس يصلون ذريعة إلى إساءة الظن به، والوقوع في عرضه، ولئلا يتعلق بذلك من يتكاسل، ويقول: صليت، وهو لم يصلِّ، مع ما في ذلك من مراعاة فضل الإلفة، ولزوم الجماعات، وترك الخلاف، وافتراق الكلمة (٣).
الوجه الخامس: ظاهر الحديث دليل على أن الإعادة جائزة في جميع الصلوات كالصبح والعصر، ولو كان الوقت بعدهما وقت نهي؛ لأن الصلاة المعادة من ذوات الأسباب، ولأن النبي ﷺ أطلق الأمر بإعادة الصلاة ولم يفرق بين صلاة وصلاة، وقد أمر الرجلين بإعادة الصبح مع الجماعة مع أنه وقت نهي بالنسبة لهما، ونسب ابن تيمية هذا القول إلى الجمهور (٤).
стр. 1284
الوجه السادس: دل الحديث بعمومه على أنه لا فرق في إعادة الصلاة بين المغرب وغيرها، وهذا قول الجمهور، ومنهم أكثر الصحابة والتابعين، وهو مذهب الشافعي وأحمد وإسحاق وداود ومالك في رواية عنه (١)، خلافاً لمن منع إعادة المغرب، لئلا تصير شفعاً: لأنها وتر النهار، فلو أعادها صارت شفعاً، فبطل كونها وتراً، وهذا قول ابن عمر وابن مسعود وبعض التابعين وأبي حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (٢).
والصواب الأول؛ لأن الرسول ﷺ لم يستثن صلاة من صلاة، ولأنها لا تصير شفعاً وقد فصل بين الصلاتين بالسلام والمشي وغير ذلك، قال ابن رشد: (والتمسك بالعموم أقوى) (٣).
ثم إن المشهور من مذهب الحنابلة أنه إذا أعاد المغرب شفعها برابعة (٤)؛ لأن هذه الصلاة نافلة، ولا يشرع التنفل بوتر غير الوتر، فكان زيادة ركعة أولى من نقصانها، لئلا يفارق إمامه قبل إتمام صلاته.
والقول الثاني: أنها تعاد على صفتها ولا تشفع بركعة، وهو قول الشافعي (٥)؛ لأن الرسول ﷺ أمر بالإعادة أمراً عامّاً ولم يستثن صلاة من صلاة، فدل على أن المغرب تعاد على صفتها، والله أعلم.
الوجه السابع: دل قوله: «ثم أتيتما مسجد جماعة» على أن الإعادة مختصة بالجماعة التي تقام في المسجد، لا التي قد تقام في غيره، فمن حضر جماعة يصلون في منزل أو مُسْتَراحاً ونحوهما لعذر وكان هو قد صلّى لم يصلِّ معهم، ويحمل المطلق الوارد في بعض الروايات على هذا المقيد، والله تعالى أعلم.
стр. 1285
الحكمة من الإمام وكيفية الائتمام به
٤٠٥/ ٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فاسْجُدُوا، وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ، وَإِذَا صَلَّى قَائِماً فَصَلُّوا قِيَاماً، وَإِذَا صَلَّى قَاعِداً فَصَلُّوا قُعُوداً أَجْمَعِينَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَهذَا لَفْظُهُ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «الإمام يصلي من قعود» (٦٠٣) من طريق مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
والحديث - كما قال الحافظ - أصله في «الصحيحين»، لكن لفظ أبي داود أتم، ولفظه عند البخاري (٧٣٤) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِساً فَصَلُّوا جُلُوساً أَجْمَعِينَ».
وأخرجه أيضاً (٧٢٢) من طريق معمر، عن همام، عن أبي هريرة، بلفظ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ … » الحديث.
وأخرجه مسلم من طريقين (٤١٦)(٤١٧) وأحدهما قريب من لفظ البخاري.
стр. 1286
ولعل الحافظ اختار لفظ أبي داود مع أن أصل الحديث في «الصحيحين» لأمرين:
الأول: أن سياقه أشمل وأتم.
الثاني: أن لفظ النهي الوارد في سياق أبي داود: «وَلَا تُكَبِّرُوا … وَلَا تَرْكَعُوا … » إلخ، لم يرد في «الصحيحين».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إنما جُعِلَ الإمام) أي: جعله الله تعالى، وإنما: أداة قصر، تثبت الحكم للمذكور وتنفيه عما عداه، أي: قصر وظيفة الإمام على الائتمام به في كل شيء في الأفعال والنية، وسيأتي بيان ذلك.
والإمام: نائب فاعل في محل المفعول الأول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: إنما جُعِلَ إماماً.
قوله: (لِيُؤْتَمَّ به) أي: ليُقتدى به ويتابع، فلا يسبقه المأموم ولا يقارنه، ويؤيد ذلك رواية البخاري: «فلا تختلفوا عليه»، أي: تخالفوه بالخروج عن الائتمام به، واللام للتعليل.
قوله: (فإذا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا) الفاء الأولى استئنافية، والثانية واقعة في جواب الشرط، وتستلزم التعقيب؛ لأن وظيفة الشرط التقدم على الجزاء، ويؤيد هذا المعنى قوله: «وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ».
قوله: (وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ) هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، وذلك بإبراز المفهوم بصورة المنطوق، وكذا يقال في الجمل الآتية بلفظ النهي.
قوله: (وَإِذَا رَكَعَ) أي: وصل الركوع وتمكّن منه، وكذا قوله: (وَإِذَا سَجَدَ).
قوله: (وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) أي: استجاب الله تعالى لمن وصفه بصفات الكمال محبة وتعظيماً.
قوله: (فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ) أي: يا ربنا، وهذه إحدى الصيغ الأربع الواردة فيما يقال بعد الرفع، وهذه الصيغة ثابتة في «الصحيحين»، وفيها
стр. 1287
من البلاغة تكرار النداء، فكأنه قال: يا الله، يا ربنا، وقد مضى الكلام في هذه الصيغة مستوفىً عند الحديث رقم (٢٩٥)، ولله الحمد.
قوله: (فَصَلُّوا قُعُوداً أَجْمَعِينَ) هكذا بالنصب في نسخ «البلوغ»، والذي في «سنن أبي داود»: «أجمعون» بالرفع، ولكلٍّ وجه؛ فالنصب على الحال من ضمير (فصلوا)، والتقدير: فصلوا قاعدين مجتمعين، وأما بالرفع فهو تأكيد لضمير (صلوا)، وفائدة هذا التأكيد بيان أنه لا يكفي جلوس البعض عن الباقين.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الحكمة من جعل الإمام إماماً هي الاقتداء به ومتابعته، وبناءً على ذلك فإن المأموم منهيٌّ عن الاختلاف عليه، ويكون ذلك بواحد من أمور ثلاثة، وهي:
مسابقته، أو موافقته، أو التأخر عنه.
أما الأمر الأول وهو مسابقة الإمام، فمعناها أن يأتي بأفعال الصلاة قبل إمامه؛ كأن يكبر قبله أو يركع قبله، فهذا محرم باتفاق الأئمة، وصلاته باطلة إن كان عامداً عالماً بالحكم على الراجح من قولي أهل العلم.
وقد ورد عن أنس ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: «أيها الناس، إني إمامكم، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإني أراكم أمامي ومن خلفي … » (١).
وعن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أما يخشى أحدكم - أو لا يخشى أحدكم - إذا رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار أو يجعل الله صورته صورة حمار» (٢).
وإن كان ساهياً أو جاهلاً بالحكم فصلاته صحيحة، لكن عليه أن يرجع ليأتي بما سبق به إمامه بعد إمامه؛ لأنه فعله في غير محله.
стр. 1288
ويرى الإمام أحمد ﵀ بطلان صلاة من سبق إمامه مطلقاً، سواء كان عامداً أم ساهياً أم جاهلاً، لعموم الأدلة (١).
وأما الأمر الثاني فهو الموافقة والمقارنة، ومعناها أن يأتي بالأفعال مع إمامه فيكبر معه، ويركع معه، فإن كانت في تكبيرة الإحرام بأن كبر مع إمامه لم تنعقد صلاته؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته، وإن قارنه في غيرها؛ كركوع أو سجود، فهي مكروهة.
وأما الأمر الثالث فهو التخلف والتأخر عنه، فإن كان لعذر؛ كسهو أو غفلة، فإنه يأتي بما تخلَّف به ويتابع الإمام، إلا أن يصل الإمام إلى المكان الذي هو فيه فإنه لا يأتي بما فاته، وإنما يستمر مع الإمام وتلغو هذه الركعة التي تخلف فيها، وتَحِلُّ التي بعدها محلها، ويقضيها بعد سلام إمامه، وإن كان التخلف لغير عذر فصلاته باطلة.
الوجه الرابع: اختلف العلماء في تفسير معنى الاقتداء على قولين:
الأول: أن المراد به الاقتداء به في الأفعال الظاهرة لا في النيات، وهذا قول الشافعي، ورواية عن أحمد، وهو قول الظاهرية (٢)، واستدلوا بسياق الحديث، ووجود مسائل دلت عليها النصوص اختلفت فيها نية الإمام عن المأموم، قالوا: إنما أمرنا أن نأتم بالإمام فيما يظهر لنا من أفعاله، فأما النية فمغيَّبة عنا، ومحال أن نؤمر باتباعه فيما يخفى من أفعاله علينا.
الثاني: أن المراد به الاقتداء به في الأفعال الظاهرة وفي النيات، وهذا قول مالك، وأبي حنيفة، والمشهور من مذهب أحمد (٣)، قالوا: من خالفت نيته نية الإمام فإنه لم يأتم به، إذ لا اختلاف أشد من اختلاف النيات التي
стр. 1289
عليها مدار الأعمال، وقد ترتب على هذا الخلاف مسائل كثيرة مذكور بعضها في هذا الباب.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن كمال الائتمام مبادرة المأموم بمتابعة إمامه بلا فاصل ولا تأخر؛ لأن الفاء توجب التعقيب والاستعجال، وقد بيّن البراء بن عازب ﵁ حسن متابعة الصحابة ﵃ للنبي ﷺ في صلاته وأنهم لا ينتقلون عن الركن حتى يصل النبي ﷺ إلى الذي يليه، فقال: (كنا نصلي خلف النبي ﷺ فإذا قال: «سمع الله لمن حمده»، لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع النبي ﷺ جبهته على الأرض) (١)، وإذا كان هذا شأنهم في السجود الذي يكون الناس فيه أشد مسابقة من غيره فهم في غيره من الأركان أبلغ وأولى.
الوجه السادس: الحديث دليل على أن المأموم يقتصر على قوله: «ربنا ولك الحمد» في الرفع من الركوع، دون قوله: «سمع الله لمن حمده» وأما الإمام - ومثله المنفرد - فإنه يجمع بين التسميع والتحميد، لحديث أبي هريرة ﵁ كان النبي ﷺ إذا قال: «سمع الله لمن حمده» قال: «اللهم ربنا ولك الحمد» (٢).
الوجه السابع: الحديث دليل على أن المأموم يصلي جالساً إذا صلى إمامه جالساً، ويصلي قائماً إذا صلى إمامه قائماً، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - تفصيل القول في هذه المسألة، والله تعالى أعلم.
стр. 1290
استحباب الدنوِّ من الإمام
٤٠٦/ ١٠ - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّراً، فَقَالَ: «تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم (٤٣٨) في كتاب «الصلاة»، باب «الأمر بتسوية الصفوف ومن يلي الإمام» من طريق أبي الأشهب - جعفر بن حيان ـ، عن أبي نضرة العبدي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، به مرفوعاً، وفي آخره: «لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله».
الوجه الثاني: الحديث دليل على استحباب الدنو من الإمام وقرب الصف الأول منه، لما في ذلك من الفوائد والمصالح، ومنها: أنه ينوب عن الإمام إذا عرض له عارض، ومنها: أنه يقتدي بصلاة إمامه ويستفيد منه، لا سيما إذا كان الإمام فقيهاً، ومنها: أنه ينبه الإمام إذا سها، وسيأتي - إن شاء الله - مزيد كلام في هذه المسألة عند الحديث (٤١٥).
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز اعتماد المأموم في متابعة إمامه الذي لا يراه ولا يسمعه على صف قدامه يراه متابعاً للإمام.
وعلى هذا إذا كثرت الجماعة وتعددت الصفوف فلا تشترط رؤية الإمام، بل يكفي سماع صوته للاقتداء به، وهذا كما لو كان الإمام داخل البناء والمأموم في ساحة المسجد أو في الدور الثاني، كما في المساجد التي تتألف من دورين.
стр. 1291
وهذا إذا كانت الصفوف متصلة، فإن كانت غير متصلة صحَّت الصلاة، وعبر بعضهم بالكراهة، لمخالفة السنة في إتمام الصف الأول فالأول (١)، وإنما صحت لأن المسجد مبني للجماعة، فكل من وجد فيه فهو في محل الجماعة.
فإن كان المأموم خارج المسجد، فإن اتصلت الصفوف - كما في الساحات التابعة للمساجد الكبيرة - صحَّت صلاة المأموم بلا خلاف، نقل ذلك ابن تيمية وغيره (٢)؛ لأن ذلك الموضع ملحق بالمسجد بسبب اتصال الصفوف، وأما إذا لم تتصل الصفوف بأن وجد فاصل من طريق ونحوه، فهو موضع خلاف بين أهل العلم:
القول الأول: أن الصفوف إذا لم تتصل بسبب فاصل من طريق أو نحوه فإن الصلاة لا تصح، لاختلاف المكان، فيمنع الاقتداء، وهذا قول بعض الحنابلة، وظاهر اختيار ابن تيمية، واختاره ابن عثيمين (٣). فإن لم يوجد فاصل فلا بد من رؤية الإمام أو سماع صوته، ليتحقق الاقتداء، وهذا قول الحنفية، والحنابلة في المشهور عندهم، إلا أن الحنابلة يرون الاكتفاء برؤية الإمام إما في كل الصلاة أو في بعضها (٤).
القول الثاني: صحة الصلاة مع وجود الفاصل من طريقٍ أو نحوه، وهذا قول الشافعية والمالكية، لكن الشافعية يشترطون رؤية الإمام أو بعض المأمومين (٥)، وهو رواية عن أحمد (٦)، والمالكية يشترطون الرؤية أو سماع الصوت (٧)؛ لأن المقصود الاقتداء، وهو حاصل بذلك ولو مع الفاصل، وهذا رواية عن أحمد، اختارها ابن قدامة (٨) وابن سعدي (٩) وابن باز (١٠).
стр. 1292
والأظهر - والله أعلم - أنه لا بد من اتصال الصفوف إذا كان المأموم خارج المسجد وله في المسجد مكان يمكن أن يصلي فيه، وذلك لأن المقصود من الجماعة الاجتماع والاتفاق في المكان وفي الأفعال، والله تعالى أعلم.
стр. 1293
جواز الجماعة في صلاة النافلة
٤٠٧/ ١١ - عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: احْتَجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حُجْرَةً بِخَصَفَةٍ، فَصَلَّى فِيهَا، فَتَتَبَّعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ، وَجَاءوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ … الحَدِيثَ، وَفِيهِ: «أَفْضَلُ صَلَاةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلا المَكْتُوبَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع أولها كتاب «الأذان»، باب «صلاة الليل» (٧٣١)، ومسلم (٧٨١) من طريق سالم أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله ﷺ حجيرة بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله ﷺ يصلي فيها، قال: فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون بصلاته، قال: ثم جاءوا ليلة، فحضروا، وأبطأ رسول الله ﷺ عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول الله ﷺ مغضباً، فقال لهم: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» هذا لفظ مسلم، وهو أقرب إلى لفظ «البلوغ».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (احتجر حُجْرةً بخصفة … ) أي: اتخذ وحوَّط موضعاً من المسجد يستره ليصلي فيه، ولفظ (حجرة) هو لفظ البخاري في «أبواب الإمامة» كما تقدم، وفي كتاب «الاعتصام» (١).
стр. 1294
وحجيرة: بالضم، تصغير حجرة، لفظ مسلم، كما تقدم، وهو عند البخاري - أيضاً - في «الأدب» (١)، والخَصَفَةُ - بالفتح - والحصير: ما نسج من سعف النخل، والشك من الراوي.
قوله: (فتتبع إليه رجال) أي: تطلبه رجال وجاءوا إلى موضعه، ليقتدوا به في صلاته.
قوله: (وحصبوا الباب) أي: رموه بالحصباء، وهي الحصى الصغار تنبيهاً له؛ لأنهم ظنوا أنه نسي، وعند البخاري في «الاعتصام»: «ثم فقدوا صوته ليلة، فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم … » (٢).
قوله: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) هذا لفظ البخاري في «الاعتصام» أعني قوله: «أفضل»، وأما رواية مسلم والبخاري في بقية المواضع فهو: «خير صلاة المرء».
وظاهره عموم النوافل؛ لأن المراد بالمكتوبة المفروضة، لكنه محمول على ما لا تشرع فيه الجماعة؛ كالرواتب وقيام الليل وصلاة الضحى، والمراد بالمرء: جنس الرجال.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز حجز المكان في ناحية من المسجد والاختصاص به للعبادة والراحة، إذا كان هناك حاجة، بشرط ألا يضيق على المصلين، وقد تقدم شيء من ذلك عند الحديث (٢٥٩).
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة النافلة، وقد كان ذلك في صلاة الليل، وهو مبدأ صلاة التراويح، فقد ورد في حديث عائشة أن النبي ﷺ صلّى في رمضان ذات ليلة في المسجد فصلى بصلاته ناس ثم صلّى من الثانية، فترك ذلك خشية أن تفرض على الأمة (٣).
والأظهر - والله أعلم - أن صلاة التراويح تؤدى جماعة في المساجد لفعله ﷺ ، ولفعل الخليفة الراشد عمر ﵁ ومن بعده، فإنه ﷺ فعلها، ولم
стр. 1295
يتركها إلا خشية أن تفرض، وقد أصبحت - ولله الحمد - من شعائر الإسلام الظاهرة في شهر رمضان.
أما صلاة نافلة النهار جماعة فإنها تجوز في بعض الأحيان ما لم تتخذ عادة راتبة - إذا وجد لذلك سبب ـ، وأما اتخاذها عادة راتبة فهو غير مشروع، بل هو من البدع، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)؛ لأن النبي ﷺ والصحابة والتابعين لم يكونوا يعتادون الاجتماع للنوافل غير ما تشرع له الجماعة؛ كالاستسقاء والكسوف ونحو ذلك، وعامة تطوعاته ﷺ كان يصليها منفرداً، وإنما تطوع في جماعة قليلة لأمور عارضة.
ويدل لذلك حديث عتبان بن مالك لما صلّى النبي ﷺ في بيته، وفيه: (قال: «أين تحب أن أصلي من بيتك؟» فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه، فقام رسول الله ﷺ فكبر وصففنا وراءه، فصلى ركعتين ثم سلَّم، وسلمنا حين سلَّم … ) (٢). وقد بوّب عليه البخاري «باب صلاة النوافل جماعة» (٣).
وجاء في حديث أنس ﵁ أنه ﷺ صلّى به وبجدته مليكةَ بنتِ مالكٍ واليتيمِ لما زارهم في منزلهم، والحديث أخرجه البخاري ومسلم، وسيأتي - إن شاء الله - بعد عشرة أحاديث.
الوجه الخامس: الحديث دليل على صحة نية الإمامة في أثناء الصلاة، وذلك لأن النبي ﷺ صلّى منفرداً ثم صلّى معه أصحابه.
والصحيح جواز ذلك في الفرض والنفل، فإذا أحرم إنسان بالصلاة منفرداً ثم جاء إنسان صح أن يدخل معه، ويكون الأول إماماً للثاني.
ومما يدل على ذلك - أيضاً - حديث ابن عباس في صلاته مع النبي ﷺ في قيام الليل، فإنه ﷺ صلّى منفرداً، ثم قام ابن عباس ووقف عن يساره،
стр. 1296
فنقله ﷺ إلى جهة اليمين، ففيه إشارة إلى أنه ﷺ نوى الإمامة في أثناء الصلاة، وسيأتي - إن شاء الله - بعد تسعة أحاديث.
وكذا حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» (١).
الوجه السادس: الحديث دليل على فضل صلاة النوافل في البيت، والمراد بذلك ما لا تشرع فيه الجماعة، كما تقدم، وقد مضى في أول صلاة التطوع ذكر الأدلة على فضل النوافل في البيت، وما في ذلك من الفوائد العظيمة، والله تعالى أعلم.
стр. 1297
مشروعية قراءة هذه السور ونحوها في صلاة العشاء (١)
٤٠٨/ ١٢ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّاناً؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب «الأذان»، باب «من شكا إمامه إذا طوَّل» (٧٠٥) من طريق شعبة، قال: حدثنا محارب بن دثار قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، قال: … فذكر الحديث.
وأخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «القراءة في العشاء» (٤٦٥)(١٧٩) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]
стр. 1298
و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» [الليل: ١].
وأخرجاه من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر، وبعض روايات البخاري مختصرة، وجاء في بعض رواياته أنه كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه.
الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث - في بعض رواياته - من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وقد حكى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وطاووس والأوزاعي (١)، وهو قول الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
وذلك أن معاذاً ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه - كما ثبت في «الصحيحين» - والرسول ﷺ قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه، فإنه ﷺ يعلم الأئمة الذين كانوا يصلون في مساجد المدينة، وعلى فرض أنه ﷺ لم يعلم بذلك فإن الزمن زمن وحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر ﵄ على جواز العزل بكونهم فعلوه في زمن النبي ﷺ ، ولو كان منهيّاً عنه لنُهي عنه في القرآن (٤).
وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يجوز، حكاه ابن المنذر عن بعض السلف، وذكره عبد الرزاق في «مصنفه» عنهم، وهو قول الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور عنه، واختار ذلك أكثر أصحابه (٥).
واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه … »، قالوا: فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وكون الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً اختلاف، فلا يجوز.
стр. 1299
وأجابوا عن قصة معاذ بأنها ليست صريحة في الاستدلال، فإنه يحتمل أنه كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، ويحتمل أن ينويها نافلة، وليس أحد هذا الاحتمالين بأولى من الآخر، ذكر ذلك الطحاوي (١).
وذكر الحافظ ابن رجب أجوبة أخرى ومنها: أن بعض الرواة لم يذكروا أن معاذاً كان يصلي خلف النبي ﷺ ، وإنما ذكروا أنه كان يصلي بقومه ويطيل بهم، ومنها: أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك، وكلها اعتذارات غير ناهضة، ولهذا قال: (ولم يظهر عنه جواب قوي، فالأقوى جواز اقتداء المفترض بالمتنفل … ) (٢).
والقول الأول أرجح، فإن الحديث صريح في المسألة، ويقويه ما ثبت أن النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بطائفتين، بكل طائفة ركعتين (٣).
وأما حديث أبي هريرة، فعنه جوابان:
الأول: أن المراد بالاختلاف المنهي عنه اختلاف الأفعال الظاهرة، بدليل سياق الحديث، كما تقدم.
الثاني: سلَّمنا أنه عام في اختلاف النيات والأفعال، لكنه مخصوص بأدلة جواز اختلاف النية، ومنها قصة معاذ ﵁.
وأما اعتذارهم عن قصة معاذ فهو مردود، فإنه قد ورد في بعض الروايات عن جابر ﵁ أنه قال: «وهي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء» (٤).
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، كأن يطيل الإمام إطالة زائدة عن المشروع تشق على المأموم، ولو كان العذر من أمور الدنيا؛ لأن النبي ﷺ علم بحال هذا الرجل ولم ينكر عليه
стр. 1300
انفراده عن معاذ، ولو كان مثل ذلك لا يجوز لبيَّنه له؛ لأن المقام مقام بيان، وإنما أنكر على معاذ، وحثّه على التخفيف.
وظاهر رواية مسلم: (فانحرف رجل فسلم ثم صلّى وحده وانصرف) أنه سلم وقطع الصلاة ثم استأنفها، وليس المراد أنه بنى على صلاته مع معاذ.
الوجه الرابع: أنه يشرع للإمام مراعاة من خلفه من المأمومين، فلا يطوِّل عليهم بما يشق ويورث السآمة والملل إذا لم يرضوا بذلك، ولا يخفف تخفيفاً يخل بالصلاة، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله.
وإنكار النبي ﷺ على معاذ؛ لأنه كان يتأخر عليهم بالصلاة بسبب صلاته مع النبي ﷺ أولاً، فإذا جاء وصلّى بهم أطال القراءة حتى إنه قرأ بسورة البقرة في العشاء، وهم أصحاب عمل وحرث، فهم بحاجة إلى النوم والراحة، وقد جاء في حديث جابر عند مسلم في قصة الرجل الذي نال منه معاذ: ( … فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلّى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة … ) الحديث، ولهذا قال له الرسول ﷺ : «أفتان أنت؟»، ومعنى الفتنة هنا: أن التطويل يكون سبباً للخروج من الصلاة أو التخلف عن صلاة الجماعة.
الوجه الخامس: أن المشروع في صلاة العشاء أن يقرأ فيها بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» ونحوها من السور، وأن الصلاة بمثل هذه السور تخفيف، وقد يَعُدُّ من لا رغبة له في الطاعة ذلك تطويلاً.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر وإن كان له عذر باطن، فإن معاذاً ﵁ وصف الرجل بسبب ما فعل بأنه نافق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، وإنما أنكر عليه التطويل، وهذا يدل على أن التخلف عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين، كما تقدم عن عبد الله بن مسعود ﵁، والله تعالى أعلم.