فنقله ﷺ إلى جهة اليمين، ففيه إشارة إلى أنه ﷺ نوى الإمامة في أثناء الصلاة، وسيأتي - إن شاء الله - بعد تسعة أحاديث.
وكذا حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ أبصر رجلاً يصلي وحده، فقال: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه» (١).
الوجه السادس: الحديث دليل على فضل صلاة النوافل في البيت، والمراد بذلك ما لا تشرع فيه الجماعة، كما تقدم، وقد مضى في أول صلاة التطوع ذكر الأدلة على فضل النوافل في البيت، وما في ذلك من الفوائد العظيمة، والله تعالى أعلم.
стр. 1297
مشروعية قراءة هذه السور ونحوها في صلاة العشاء (١)
٤٠٨/ ١٢ - عَنْ جَابِرٍ قَالَ: صَلّى مُعَاذٌ بِأَصْحَابِهِ الْعِشَاءَ، فَطَوَّلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ : أَتُرِيدُ أَنْ تَكُونَ يَا مُعَاذُ فَتَّاناً؟ إِذَا أَمَمْتَ النَّاسَ فَاقْرَأْ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب «الأذان»، باب «من شكا إمامه إذا طوَّل» (٧٠٥) من طريق شعبة، قال: حدثنا محارب بن دثار قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄، قال: … فذكر الحديث.
وأخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «القراءة في العشاء» (٤٦٥)(١٧٩) من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أنه قال: صلى معاذ بن جبل الأنصاري لأصحابه العشاء فطوَّل عليهم، فانصرف رجل منا فصلى، فأُخبر معاذ عنه، فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله ﷺ فأخبره بما قال معاذ، فقال له النبي ﷺ : «أتريد أن تكون فتَّاناً يا معاذ؟ إذا أممت الناس فاقرأ بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]
стр. 1298
و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» [الليل: ١].
وأخرجاه من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر، وبعض روايات البخاري مختصرة، وجاء في بعض رواياته أنه كان يصلي مع النبي ﷺ العشاء ثم يرجع فيصلي بقومه.
الوجه الثاني: استدل بهذا الحديث - في بعض رواياته - من قال بجواز اقتداء المفترض بالمتنفل، وقد حكى ابن المنذر هذا القول عن عطاء وطاووس والأوزاعي (١)، وهو قول الشافعي وأصحابه، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها ابن قدامة (٢)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣).
وذلك أن معاذاً ﵁ كان يصلي مع النبي ﷺ ثم يرجع فيؤم قومه - كما ثبت في «الصحيحين» - والرسول ﷺ قد اطلع على ذلك ولم ينكر عليه، فإنه ﷺ يعلم الأئمة الذين كانوا يصلون في مساجد المدينة، وعلى فرض أنه ﷺ لم يعلم بذلك فإن الزمن زمن وحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، ولهذا استدل أبو سعيد وجابر ﵄ على جواز العزل بكونهم فعلوه في زمن النبي ﷺ ، ولو كان منهيّاً عنه لنُهي عنه في القرآن (٤).
وذهب آخرون إلى أن ذلك لا يجوز، حكاه ابن المنذر عن بعض السلف، وذكره عبد الرزاق في «مصنفه» عنهم، وهو قول الحنفية، والمالكية، وأحمد في المشهور عنه، واختار ذلك أكثر أصحابه (٥).
واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه … »، قالوا: فنهى النبي ﷺ عن الاختلاف على الإمام، وكون الإمام متنفلاً والمأموم مفترضاً اختلاف، فلا يجوز.
стр. 1299
وأجابوا عن قصة معاذ بأنها ليست صريحة في الاستدلال، فإنه يحتمل أنه كان يصلي مع النبي ﷺ فريضة، ويحتمل أن ينويها نافلة، وليس أحد هذا الاحتمالين بأولى من الآخر، ذكر ذلك الطحاوي (١).
وذكر الحافظ ابن رجب أجوبة أخرى ومنها: أن بعض الرواة لم يذكروا أن معاذاً كان يصلي خلف النبي ﷺ ، وإنما ذكروا أنه كان يصلي بقومه ويطيل بهم، ومنها: أن النبي ﷺ لم يعلم بذلك، وكلها اعتذارات غير ناهضة، ولهذا قال: (ولم يظهر عنه جواب قوي، فالأقوى جواز اقتداء المفترض بالمتنفل … ) (٢).
والقول الأول أرجح، فإن الحديث صريح في المسألة، ويقويه ما ثبت أن النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بطائفتين، بكل طائفة ركعتين (٣).
وأما حديث أبي هريرة، فعنه جوابان:
الأول: أن المراد بالاختلاف المنهي عنه اختلاف الأفعال الظاهرة، بدليل سياق الحديث، كما تقدم.
الثاني: سلَّمنا أنه عام في اختلاف النيات والأفعال، لكنه مخصوص بأدلة جواز اختلاف النية، ومنها قصة معاذ ﵁.
وأما اعتذارهم عن قصة معاذ فهو مردود، فإنه قد ورد في بعض الروايات عن جابر ﵁ أنه قال: «وهي له تطوع، ولهم مكتوبة العشاء» (٤).
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز خروج المأموم من الصلاة لعذر، كأن يطيل الإمام إطالة زائدة عن المشروع تشق على المأموم، ولو كان العذر من أمور الدنيا؛ لأن النبي ﷺ علم بحال هذا الرجل ولم ينكر عليه
стр. 1300
انفراده عن معاذ، ولو كان مثل ذلك لا يجوز لبيَّنه له؛ لأن المقام مقام بيان، وإنما أنكر على معاذ، وحثّه على التخفيف.
وظاهر رواية مسلم: (فانحرف رجل فسلم ثم صلّى وحده وانصرف) أنه سلم وقطع الصلاة ثم استأنفها، وليس المراد أنه بنى على صلاته مع معاذ.
الوجه الرابع: أنه يشرع للإمام مراعاة من خلفه من المأمومين، فلا يطوِّل عليهم بما يشق ويورث السآمة والملل إذا لم يرضوا بذلك، ولا يخفف تخفيفاً يخل بالصلاة، وسيأتي مزيد بيان لذلك إن شاء الله.
وإنكار النبي ﷺ على معاذ؛ لأنه كان يتأخر عليهم بالصلاة بسبب صلاته مع النبي ﷺ أولاً، فإذا جاء وصلّى بهم أطال القراءة حتى إنه قرأ بسورة البقرة في العشاء، وهم أصحاب عمل وحرث، فهم بحاجة إلى النوم والراحة، وقد جاء في حديث جابر عند مسلم في قصة الرجل الذي نال منه معاذ: ( … فقال: يا رسول الله إنا أصحاب نواضح نعمل بالنهار، وإن معاذاً صلّى معك العشاء، ثم أتى فافتتح بسورة البقرة … ) الحديث، ولهذا قال له الرسول ﷺ : «أفتان أنت؟»، ومعنى الفتنة هنا: أن التطويل يكون سبباً للخروج من الصلاة أو التخلف عن صلاة الجماعة.
الوجه الخامس: أن المشروع في صلاة العشاء أن يقرأ فيها بـ ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، و ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾» ونحوها من السور، وأن الصلاة بمثل هذه السور تخفيف، وقد يَعُدُّ من لا رغبة له في الطاعة ذلك تطويلاً.
الوجه السادس: الحديث دليل على جواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر وإن كان له عذر باطن، فإن معاذاً ﵁ وصف الرجل بسبب ما فعل بأنه نافق، ولم ينكر عليه النبي ﷺ ذلك، وإنما أنكر عليه التطويل، وهذا يدل على أن التخلف عن صلاة الجماعة من صفات المنافقين، كما تقدم عن عبد الله بن مسعود ﵁، والله تعالى أعلم.
стр. 1301
حكم الصلاة وراء العاجز عن القيام وكيفيتها
٤٠٩/ ١٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالنَّاسِ وَهُوَ مَرِيضٌ - قَالَتْ: فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بكْرٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِساً وَأَبُو بكْرٍ قَائِماً، يَقْتَدِي أَبُو بكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بكْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، بابٌ «الرجلُ يأتمُّ بالإمام ويأتم الناس بالمأموم»، ومسلم (٤١٨) من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂، بطوله، وهذا الحديث روي عن عائشة ﵂ من عدة طرق، مطولاً ومختصراً.
الوجه الثاني: الحديث دليل على جواز إمامة العاجز عن القيام بالقادرين عليه، وخص الحنابلة ذلك بالإمام الراتب المرجو زوال علته، قصراً للحديث على أضيق مدلولاته.
والقول الثاني: أن الحكم عام لا فرق فيه بين الإمام الراتب أو غيره، لعموم الحديث: «إذا كبَّر فكبروا … » الحديث، والتخصيص يحتاج إلى دليل، وليس هناك دليل على ذلك، وهذا رواية عن الإمام أحمد (١)، وهو اختيار الشيخ عبد الرحمن السعدي (٢).
стр. 1302
وهذا إنما يتم إذا كان النبي ﷺ هو الإمام، وهذا هو الراجح لقول عائشة ﵂: (فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ)، فإن هذا هو موقف الإمام مع المأموم، ولقولها: (يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ)، ولقولها في رواية مسلم: (كان النبي ﷺ يصلي بالناس، وأبو بكر يُسمعهم التكبير) (١).
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة فمنهم من قال: لا تصح الصلاة خلف إمام قاعد، وهو قول الإمام مالك، واستدلوا بما روى الشعبي أن النبي ﷺ قال: «لا يؤمّنَّ أحد بعدي جالساً» (٢).
وقال آخرون: تصح الصلاة خلفه، ولكن اختلفوا في كيفية ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنهم يصلون خلفه قياماً، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٣)، واستدلوا بحديث الباب حيث إنه ﷺ صلّى قاعداً وصلّى من خلفه قياماً، وذلك في مرض موته، فيكون ناسخاً لحديث عائشة الآتي في صلاتهم خلفه جلوساً؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أفعاله ﷺ .
قالوا: ولأن القيام في الصلاة فرض، فإذا سقط عن الإمام لعذر، فلا يسقط عن المأموم إلا لعذر.
القول الثاني: أنهم يصلون خلفه قعوداً، وهو رواية عن الإمام أحمد (٤)، ويستدل لذلك بعموم: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به»، والائتمام به - كما تقدم - متابعته، فإذا صلَّى قائماً تصلي قائماً، وإذا صلَّى قاعداً تصلي قاعداً، وهو ما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم بلفظ أبي داود.
стр. 1303
كما استدلوا بحديث عائشة الآتي، حيث أشار إليهم في أثناء الصلاة بالجلوس، فدل على أنه لا بد منه.
القول الثالث: أنه إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعداً صلَّى من خلفه قعوداً، وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائماً، ثم عجز في أثناء الصلاة عن القيام صلَّى من خلفه قياماً، وهذا التفصيل قال به الإمام أحمد وبعض الشافعية (١)، واستدلوا على الجزء الأول بحديث عائشة ﵂ أنها قالت: صلَّى النبي ﷺ في بيته وهو شَاكٍ فصلَّى جالساً، وصلَّى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرف قال: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلَّى جالساً فصلوا جلوساً» (٢)، وتقدم أيضاً حديث أبي هريرة ﵁ وفيه: «وإذا صلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً أجمعين».
واستدلوا على الجزء الثاني بهذا الحديث، فإن أبا بكر ﵁ ابتدأ بهم الصلاة قائماً، ثم جاء النبي ﷺ فصلى بهم من حيث انتهى أبو بكر فصلى قاعداً، والصحابة صلوا خلفه قياماً، فدل ذلك على أن الإمام إذا ابتدأ الصلاة قائماً ثم عجز عن القيام بعد ذلك صلَّى من خلفه قياماً.
وهذا القول هو الأظهر؛ لأن فيه جمعاً بين الأدلة وعملاً بها، ولا يعدل إلى النسخ مع إمكان الجمع.
وأما حديث الشعبي فقد قال عنه الدارقطني: (لم يروه غير جابر الجعفي عن الشعبي، وهو متروك، والحديث مرسل لا تقوم به حجة) (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز كون المبلِّغ عن الإمام عن يمينه، لا في الصف، إذا كان فيه مصلحة، ليراه الناس، أو لأنه أبلغ لصوته، أو لفوائد أخرى، والله تعالى أعلم.
стр. 1304
أمر الأئمة بالتخفيف
٤١٠/ ١٤ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهمُ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالضَّعِيفَ وَذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء» (٧٠٣)، ومسلم (٤٦٧) من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
وقد ورد الحديث من عدة طرق، وفي ألفاظها اختلاف بالنسبة لأوصاف المأمومين، كما سيأتي.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (فليخفف) أي: القراءة والركوع والسجود وغير ذلك من الأقوال والأفعال الذي لا يبلغ حد الإخلال بالصلاة.
وهذا الأمر للاستحباب، وعليه الشافعية وجماعة، وقال آخرون: للوجوب، تمسكاً بظاهر الأمر، وهو قول ابن حزم (١).
قوله: (والضعيف) أي: المريض، وفي رواية عند مسلم: «فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف والمريض»، وفي رواية: «فإن في الناس الضعيف
стр. 1305
والسقيم»، فيفسَّر الضعيف هنا بضعيف الخلقة لهزال أو كبر أو صغر أو مرض، لأن الضعف خلاف القوة، والسقيم: المريض، فيكون من باب عطف الخاص على العام، لأن الضعف أعمُّ من السقم، فقد يكون الإنسان قليل القوة من أصل الخلقة، لا من سقم عرض له (١).
قوله: (وذا الحاجة) أي: صاحب الحاجة، وهو المحتاج للتخفيف لحاجة له، والغالب أنها أمور الدنيا، كما في قصة الرجل.
قوله: (فليصل كيف شاء) اللام للأمر، والمراد الإباحة، لقوله: «كيف شاء».
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن الإمام مأمور بأن يخفف الصلاة بالناس مراعاة لذوي الأعذار، وذلك لئلا يشق على من وراءه، فإن وراءه ضعيف البنية والمريض وصاحب الحاجة، فالتطويل في حق هؤلاء وأمثالهم يؤدي إلى المشقة والملل والسأم، وهذا أمر ينبغي للإمام مراعاته، فقد ورد عن عمر ﵁ أنه قال: «لا تُبَغِّضِوا الله إلى عباده، يكون أحدكم إماماً فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه» (٢).
قال ابن عبد البر: (لا أعلم بين أهل العلم خلافاً في استحباب التخفيف لكل من أمَّ قوماً، على ما شرطنا من الإتيان بأقل ما يجزئ، والفريضة والنافلة عند جميعهم سواء في استحباب التخفيف فيما إذا صليت جماعة بإمام، إلا ما جاء في صلاة الكسوف على سنتها … ).
ومن هنا يتبين أن التخفيف فيه مصالح منها:
١ - الرفق بمن وراء الإمام.
٢ - تأليف الناس وتحبيب الصلاة إليهم.
٣ - دعوتهم إلى المواظبة على صلاة الجماعة.
стр. 1306
الوجه الرابع: اختلف العلماء في ضابط التخفيف المأمور به، فقيل: ليس لذلك ضابط معين؛ لأن التخفيف والتطويل أمر نسبي ليس له حد في اللغة ولا في العرف؛ لأنه يختلف باختلاف الأئمة والمأمومين، فقد يقرأ بعض الأئمة آيات قراءة مرتلة خفيفة على السامع، ويقرأها آخر بوقت أطول من الأول، وكذا المأمومين فقد يناسبهم التطويل في مكان ولا يناسبهم في آخر، وعلى هذا فيرجع إلى سنة النبي ﷺ وإلى حاله في صلاته، فيفعل الإمام في الغالب ما كان يفعله النبي ﷺ غالباً، ويزيد وينقص لمصلحة، كما كان النبي ﷺ يزيد وينقص للمصلحة، يقول أنس ﵁: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي ﷺ (١).
فمن صلى مثل صلاة النبي ﷺ فقد خفَّف وإن ثَقُلَ ذلك على بعض الناس، وما زاد على فعله ﷺ زيادة بينة فهو تطويل.
وقيل: ضابط التخفيف الاقتصار على أدنى الكمال، فيقتصر على ثلاث تسبيحات، وكذا سائر أجزاء الصلاة، وهذا هو المشهور عن الشافعي.
وردَّ هذا شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه لا دليل عليه من السنة بل الأحاديث المستفيضة الثابتة تبين أنه ﷺ كان يسبح في أغلب صلاته أكثر من ذلك.
وقيل: حد التخفيف مأخوذ من قوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: «أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم … » الحديث، وتقدم في باب «الأذان» (١٩٥).
فأرشده النبي ﷺ إلى أن يراعي حال الضعيف من المأمومين، وعبر عن المراعاة بالاقتداء، مشاكلةً لاقتدائهم به، فكأنه قال: كما أن الضعيف يقتدي بصلاتك، فاقتد أنت - أيضاً - بضعفه.
وهذا قول ابن حزم (٢)، واختاره الحافظ ابن حجر (٣)، وهذا هو الأقرب
стр. 1307
ـ إن شاء الله - وهو الذي يدل عليه هدي النبي ﷺ في صلاته، لكن على الإمام مراعاة أمور دلت عليها السنة منها:
الأول: أن التخفيف المأمور به هو الذي لا يصل إلى حد الإخلال بمقاصد الصلاة وأركانها وسننها، أو إلى سرعة تشق على من خلفه من كبار السن وغيرهم في أثناء القيام أو الركوع أو السجود.
الثاني: أن الصلوات ليست على قدر واحد في القراءة والقيام وبقية الأفعال؛ لأن منها ما يشرع فيه التطويل كالفجر، ومنها ما هو دون ذلك، والإمام الموفق هو الذي يضع الأمور مواضعها، فيطول أحياناً تطويلاً لا يخرج إلى حد التنفير، ويخفف أحياناً تخفيفاً لا يخرج إلى حد الإخلال، كما تقدم، ويُغَلِّبُ جانب التخفيف على جانب التطويل.
الثالث: لا بد للإمام من أن يقيم وزناً للأمور الطارئة، فيخفف الصلاة فيها؛ كشدة حر أو برد عارض، كما خفف النبي ﷺ لبكاء الصبي.
الرابع: إذا كان الجماعة محصورين وآثروا التطويل فلا بأس، لانتفاء العلة الموجبة للتخفيف، وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوَّز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه» (١)، فإرادته ﷺ التطويل أولاً يدل على جواز مثل ذلك، لكنه تركه لعارض.
الخامس: أنه يجب على الإمام أن يتحرَّى الرفق بالمأمومين، وجمع كلمتهم على محبته، والرضا عنه، وعدم اختلافهم عليه؛ لأن اختلافهم عليه يسبب مفاسد عظيمة وأموراً لا تحمد.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإنسان إذا صلى وحده فله أن يطيل ما شاء؛ لأنه لا يشق على أحد بذلك، ما لم يخرج الوقت، والله تعالى أعلم.
стр. 1308
حكم ائتمام البالغ بالصبي
٤١١/ ١٥ - عَنْ عَمْرو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: قَالَ أَبِي: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَقّاً، قَالَ: «فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآناً»، قَالَ: فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآناً مِنِّي، فَقَدَّمُونِي، وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو أبو يزيد، أو أبو بُريد - بالباء المضمومة - عمرو بن سلِمة، - بكسر اللام - ابن قيس الجَرْمي - بالجيم - أدرك زمن النبي ﷺ وكان يؤم قومه في حياة النبي ﷺ وهو صبي؛ لأنه كان أكثرهم قرآناً، ولأبيه صحبة ووفادة، وقد قيل: إنه وفد مع أبيه، وله رؤية، وعلى هذا فهو صحابي صغير، لكن سياق حديثه الآتي يدل على أنه لم يفد مع أبيه - والله أعلم ـ، روى عنه أبو قلابة، وأيوب السختياني، وآخرون، مات سنة خمس وثمانين (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «المغازي» بدون باب (٤٣٠٢)، وأبو داود (٥٨٥) من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سلمة .. وساق الحديث عن إسلام أبيه ووفادته على النبي ﷺ إلى أن قال: (جئتكم والله من عند رسول الله ﷺ حقّاً، فقال: صلوا صلاة كذا في حين
стр. 1309
كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم، وليؤمكم أكثركم قرآناً، فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابن ست أو سبع سنين، وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلَّصت عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا استَ قارئكم، فاشتروا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص) وهذا لفظ البخاري.
وأخرجه النسائي (٢/ ٨٠) من طريق زائدة، عن سفيان، عن أيوب، قال: حدثني عمرو بن سلمة … بنحوه.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يقدم في الإمامة من كان أكثر حفظاً للقرآن؛ لقوله: «وليؤمكم أكثركم قرآناً»، وعلى هذا فيكون الحديث مفسراً للحديث الآتي: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ويكون المراد بالأقرأ: الأكثر قرآناً، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة إمامة الصبي في صلاة الفرض إذا كان أهلاً لذلك بقراءته وعلمه وتميزه، فيؤم غيره وإن كانوا كباراً وإن كانوا شيوخاً؛ لأن هؤلاء الصحابة ﵃ قدموا عمرو بن سلمة وعمره ست أو سبع سنين ولو كانت إمامته غير جائزة لنزل الوحي بإنكار ذلك، لا سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وهذا قول الشافعي ورواية عن الإمام أحمد (١).
والقول الثاني: أن إمامته لا تصح، وهو قول الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة، وهو قول ابن حزم الظاهري (٢)، واستدلوا بحديث أبي هريرة المتقدم بلفظ البخاري: «إنما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به فلا تختلفوا عليه … » قالوا: وصلاة الصبي نفل، فصلاة البالغ خلفه الفرض اختلاف على الإمام،
стр. 1310
وقد نهينا عنه، ولأن الشرع قد رَفَعَ عنه القلم، ولا تصح الصلاة خلف من رُفِعَ القلم عنه؛ كالمجنون.
ولهم أدلة أخرى غير ناهضة، وأجابوا عن حديث عمرو بن سلمة بأنه لم يرو أن إمامته لهم كانت عن أمر النبي ﷺ ولا عن تقريره، فلا حجة فيها (١).
والراجح هو القول الأول، لقوة دليله، وإذا جازت إمامته في الفرض جازت إمامته في النفل من باب أولى؛ لأن النفل يدخله التسامح، ولأنه لا فرق في ذلك بين النفل والفرض، والأصل تساويهما في الأحكام، خلا ما استثنى الدليل.
وأما جواب أصحاب القول الثاني عن حديث الباب فهو مردود من وجهين:
الأول: أن دليل الجواز وقوع ذلك في زمن الوحي، ولا يقع فيه التقرير على ما لا يجوز، لا سيما في الصلاة التي هي أعظم أركان الإسلام، وقد نُبِّهَ النبي ﷺ بالوحي على القذى الذي كان في نعله أثناء الصلاة - كما تقدم في شروط الصلاة في حديث أبي سعيد ﵁ فلو كانت إمامة الصبي لا تصح لنزل الوحي بذلك، وقد استدل جابررضي الله عنه على جواز العزل بأنه لم ينزل فيه شيء (٢).
الثاني: أن الوفد الذين قَدَّموا عمراً كانوا جماعة من الصحابة، قال ابن حزم: (ولا يعرف لهم من الصحابة ﵃ مخالف) (٣)، بل ورد أنه كان يؤمهم في كل المجامع، فقد روى عنه أبو داود أنه قال: (فما شهدت مجمعاً من جَرْمٍ إلا كنت إمامهم … ) (٤).
وأما أدلتهم فإن حديث أبي هريرة ﵁ تقدم أن المراد به الاختلاف في
стр. 1311
الأفعال، وأما رفع القلم عنه فمعناه رفع التكليف والإيجاب، لا نفي صحة الصلاة، بدليل حديثنا هذا.
وأما إمامة الصبي في النفل - كالتراويح مثلاً - فأجازها الشافعي لما تقدم، وأجازها - أيضاً - مالك وأحمد في رواية عنه اختارها أكثر أصحابه، قالوا: لأن النافلة يدخلها التخفيف، ولذا تنعقد الجماعة به فيها إذا كان مأموماً، وقالت الحنفية: لا تصح إمامة الصبي في النفل كما تقدم في الفرض (١)، والقول بالجواز أصح؛ لأنها إذا صحت في الفرض صحَّت في النفل من باب أولى، لما تقدم، والله تعالى أعلم.
стр. 1312
الأحقُّ بالإمامة
٤١٢/ ١٦ - عَنْ أبِي مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِلْماً - وَفِي رِوَايَةٍ: سِنّاً - وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «المساجد»، باب «مَن أحق بالإمامة» (٦٧٣) من طريق الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء، عن أوس بن ضمعج، عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
وأخرجه من طريق شعبة عن إسماعيل به، إلا أن فيه «سنّاً» بدل «سلماً».
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (يؤم القوم) هذا خبر بمعنى الأمر.
قوله: (أقرؤهم لكتاب الله) أي: أكثرهم حفظاً، فمن حفظ القرآن كاملاً مقدم على من حفظ نصفه - مثلاً - بدليل حديث عمرو بن سلمة المتقدم، وفيه: «وليؤمكم أكثركم قرآناً» فيكون هذا الحديث مبيناً للمراد بحديث أبي مسعود، كما تقدم.
والقول الثاني: أن المراد بالأقرأ: الأحسن قراءة؛ لأن هذا هو المراد في اللغة، والرسول ﷺ يتكلم باللغة العربية، والأول أظهر؛ لأن فيه تفسير السنة بالسنة، وهو أولى من تفسيرها باللغة (١).
стр. 1313
قوله: (فأعلمهم بالسنة) أي: أحكام الشريعة من صلاة وصيام وحج، ونحو ذلك.
قوله: (فأقدمهم هجرة) الهجرة معناها: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى قيام الساعة، والمعنى: أن من هاجر إلى رسول الله ﷺ أولاً يقدم على من هاجر بعده؛ لأنه أكثر منه علماً.
قوله: (فأقدمهم سِلماً) - بكسر السين المهملة وسكون اللام ـ، أي: إسلاماً، وأما رواية «سنّاً» فلا تعارض الأولى، بل إحداهما تفسر الأخرى؛ لأن من كان أكبر سنّاً فهو مقدم سلماً؛ لأن المقصود أكبرهم سنّاً في الإسلام.
قوله: (في سلطانه) المراد به: محل ولايته، سواء كانت ولاية عامة، أي: الولاية العظمى، أو ولاية خاصة؛ كصاحب البيت.
قوله: (تكرمته) بفتح التاء وسكون الكاف وكسر الراء، المراد به: الفراش ونحوه مما يوضع لصاحب المنزل ويختص به، والغالب أن ذلك يكون في صدر المجلس كما هو الملاحظ الآن.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المقدَّم في إمامة الصلاة هو الأقرأ، بمعنى الأكثر حفظاً لكتاب الله تعالى - كما تقدم - لكن لا بد أن يكون عالماً بأحكام صلاته؛ إذ ليس للجاهل بأحكام الصلاة أن يؤم الناس، قال الحافظ ابن حجر: (ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفاً بما يتعين معرفته من أحوال الصلاة، فأما إذا كان جاهلاً بذلك فلا يقدم اتفاقاً، والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن، لكونهم أهل اللسان، فالأقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاؤوا بعدهم) (١).
فهذا بالنسبة لمن بعد الصحابة ﵃، أما الصحابة ﵃ فقد جمعوا بين القراءة والعلم، يقول عبد الله بن مسعود ﵁: (كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى
стр. 1314
نعرف أمرها ونهيها وأحكامها) (١)، وقال ﵁: (من أراد العلم فليقرأ القرآن، فإن فيه علم الأولين والآخرين) (٢).
والغالب أن من كان أكثر قرآناً كان أكثر علماً بالأحكام الشرعية، كما أن الغالب عليهم أنهم كانوا يعتنون بالجَودة ويعتنون بالكثرة، ومن الأدلة على ذلك حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: (لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العَُصْبة - موضع بقباء - قبل مقدم رسول الله ﷺ فكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة، وكان أكثرهم قرآناً) (٣).
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن الأئمة إذا تساووا في القراءة فإنه يقدم أعلمهم بالسنة، وهو أفقههم في دين الله تعالى، فإن تساووا يقدم أقدمهم هجرة إلى الرسول ﷺ في زمنه، أو أقدمهم هجرة من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام بعد زمن الرسول ﷺ ؛ لأن المتقدم أسبق إلى الخير وأقرب إلى معرفة الشرع ممن تأخر، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم إسلاماً وهو أكبرهم سناً، كما جاء في الرواية الأخرى، فإن من كان أكبر سناً فهو أقدم إسلاماً.
وهذا الترتيب من محاسن الشريعة وكمالاتها، حيث راعت هذه الأمور وجعلت الناس مراتب بحسب علمهم.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإمام الأعظم أو الوالي من قِبَلِهِ أحق بالإمامة من غيره من المذكورين، فإذا حضر في محل ولايته قدم على جميع الحاضرين حتى صاحب البيت وإمام المسجد، إلا إذا أذن، فيقدم من يصلح للإمامة.
стр. 1315
وإمام المسجد أحق في مسجده بالإمامة من غيره، إلا من الإمام الأعظم أو نائبه إلا إذا أذن بتقديم غيره فالحق له، وكذا صاحب البيت لو صلى فيه لعذر فهو أولى بالإمامة من غيره ممن يحضر في منزله، إلا الإمام الأعظم؛ لأن ولايته عامة، وشرط ذلك أن يكون صاحب البيت أهلاً للإمامة، والله تعالى أعلم.
стр. 1316
من لا تصح إمامته
٤١٣/ ١٧ - وَلاِبْنِ مَاجَهْ: مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: «وَلَا تَؤُمَّنَّ امرأةٌ رَجُلاً، وَلَا أَعْرَابِيٌّ مُهَاجِراً، وَلَا فَاجِرٌ مُؤْمِناً». وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه ابن ماجه في كتاب «إقامة الصلاة»، باب «في فرض الجماعة» (١٠٨١) من طريق عبد الله بن محمد العدوي، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «أيها الناس! توبوا إلى الله قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا … »، وساق الحديث بطوله إلى أن قال: «ألا لا تُؤَمَّنَّ امرأة رجلاً … » الحديث.
وهذا إسناد ضعيف؛ لأن فيه عبد الله بن محمد العدوي، متروك الحديث، قال عنه وكيع: (يضع الحديث)، وقال عنه ابن حبان: (منكر الحديث جدّاً، على قلة روايته، لا يشبه حديثه حديث الأثبات، ولا روايته رواية الثقات، لا يجوز الاحتجاج بخبره، وهو صاحب حديث الجمعة … )، ثم ذكر حديثه هذا (١).
وفيه - أيضاً - علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، قال عنه الإمام أحمد: (ليس بالقوي، وقد روى عنه الناس) (٢).
الوجه الثاني: الحديث دليل على أنه لا تصح إمامة المرأة للرجل،
стр. 1317
وهو قول الجمهور من أهل العلم على تفصيل في بعض المذاهب في الفرض أو النفل، وهذا الحكم ليس مأخوذاً من هذا الحديث فقط فإنه ضعيف، ولكن هذه الجملة منه دلت عليها أدلة أخرى، يأتي بيانها إن شاء الله عند الكلام على حديث أم وَرَقَة ﵂ بعد عشرة أحاديث.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه لا تصح إمامة الأعرابي وهو ساكن البادية للمهاجر؛ لأن الغالب على أهل البادية الجفاء وقلة المعرفة بحدود الله تعالى وأحكام الصلاة، لبعدهم عمَّن يتعلمون منه، قال تعالى في حق الأعراب: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، وهذا يؤدي إلى تقليل الجماعة المطلوب تكثيرها، لقلة رغبة الناس في الاقتداء بهم، فيكون المنع من إمامة الأعرابي لهذا السبب، أما حديث الباب على إطلاقه فهو ضعيف، فإذا كان الأعرابي أقرأ من المهاجر قدم عليه، لما تقدم.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أنها لا تصح إمامة الفاسق؛ لأن الرسول ﷺ نهى أن يؤم الفاجر المؤمن، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه، وهذا رواية عن الإمام مالك، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها أكثر أصحابه (١).
وذهب الجمهور من أهل العلم إلى صحة الصلاة خلف الفاسق (٢)؛ لعموم قوله ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ولحديث أبي ذر ﵁ في أئمة الجَور الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وفيه: «صَلِّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فَصَلِّ، فإنها لك نافلة» (٣)، وتقدم بتمامه.
ووجه الاستدلال: أن الرسول ﷺ أَذِنَ بالصلاة خلفهم، وجعلها نافلة؛ لأنهم أخَّروها عن وقتها، وظاهره أنهم لو صلّوها في وقتها لكان مأموراً
стр. 1318
بالصلاة معهم فريضة، ولا شك أن من أخَّر الصلاة وفعلها في غير وقتها فهو غير عدل.
ولأن الصحابة ﵃ صلوا خلف من لا يُحمد فعله، ومنهم ابن عمر ﵄ فقد كانوا يصلون خلف الحجَّاج (١)، وابن عمر من أشد الصحابة تحرياً لاتباع السنة، والحجاج معروف بالفسق، وصلى أبو سعيد الخدري ﵁ خلف مروان بن الحكم (٢)، وصلى خلفه - أيضاً - الحسن والحسين (٣).
وهذا القول هو الراجح، لقوة أدلته وصراحتها، ولأنها مؤيدة بالأصل، وهو أن كل من صحَّت صلاته لنفسه صحت صلاته لغيره، ولا دليل على التفريق بين صحة الصلاة وصحة الإمامة.
وأما دليل الأولين فهو حديث الباب، وتقدم أنه ضعيف لا تقوم به حجة، لكن ينبغي أن يعلم أنه يجب على المسؤولين عن تعيين أئمة المساجد أن يختاروا للإمامة الأفضل ديناً وعلماً وورعاً، وألا يكون هناك محاباة في هذا الأمر العظيم، وسيأتي - إن شاء الله - زيادة كلام عند الحديث (٤٢٧)، والله تعالى أعلم.
стр. 1319
الأمر بتسوية الصفوف وكيفيتها
٤١٤/ ١٨ - عَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ، وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «تسوية الصفوف» (٦٦٧)، من طريق مسلم بن إبراهيم، والنسائي (٢/ ٩٢) من طريق أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار، ثنا قتادة، قال: حدثنا أنس بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: … فذكره، وفي آخره: «فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خَلَلِ الصف كأنها الحَذَفُ».
وأخرجه ابن حبان (٥/ ٥٣٩ - ٥٤٠) من طريق مسلم بن إبراهيم، حدثنا أبان وشعبة، قالا: حدثنا قتادة، به، إلا أن عنده: «وحاذوا بالأكتاف» وفي آخره الزيادة المذكورة.
وإسناده صحيح على شرط مسلم، ذكر ذلك النووي (١).
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (رصُّوا صفوفكم) أي: ضموا بعضها إلى بعضها، مثل لبنات الجدار حتى لا يكون بينكم فُرَج.
стр. 1320
قوله: (وقاربوا بينها) أي: بين الصفوف، بحيث يكون كل صف قريباً مما قبله، ولم يرد في الشرع تحديد لذلك، كما سيأتي.
قوله: (وحاذوا بالأعناق) أي: اجعلوا الأعناق على سَمْتٍ واحد، فلا يكون عنق أحدكم خارجاً عن محاذاة عنق الآخر، والأعناق: جمع عنق، وهي الرقبة.
قوله: (إني لأرى الشيطان) أل فيه للجنس، والمراد: جنس الشيطان، فيصدق بالواحد والمتعدد، ولفظ النسائي: «إني لأرى الشياطين» وأنث الضمير في قوله: «كأنها» باعتبار الخبر، أو لأن المراد بالشيطان الجنس، وهو جمع في المعنى.
قوله: (الحَذَفُ) - بحاء مهملة وذال معجمة مفتوحتين ـ، الغنم الصغار الحجازية، واحدها حَذَفَةٌ بالتحريك؛ كقصب وقصبة، وقيل: هي غنم صغار سود جُرْدٌ ليس لها أذناب، يؤتى بها من اليمن.
الوجه الثالث: الحديث دليل على الأمر بتسوية الصفوف وكيفية ذلك، وقد ورد في الأمر بتسوية الصفوف أحاديث كثيرة، منها: حديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة»، وفي رواية للبخاري: «من إقامة الصلاة» (١).
وعن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لتسونَّ صفوفكم أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم» (٢).
وعن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أقيموا صفوفكم، فإني أراكم من وراء ظهري» وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه (٣).
وقد اختلف العلماء في حكم تسوية الصفوف على قولين:
стр. 1321
الأول: أنها سنة مؤكدة تقارب الواجب، وهذا قول الجمهور من السلف والخلف، واستدلوا بما تقدم من قوله: «فإن تسوية الصف من تمام الصلاة» أي: كمالها، وفوات الكمال لا يستلزم البطلان.
القول الثاني: أن تسوية الصفوف واجبة، وهو قول ابن حزم الظاهري (١)، وظاهر كلام ابن تيمية (٢)، وهو اختيار الصنعاني (٣).
واستدلوا بما تقدم من قوله: «فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة»، قال ابن حزم: (تسوية الصف إذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض؛ لأن إقامة الصلاة فرض، وما كان من الفرض فهو فرض) (٤)، والقول بالوجوب هو الذي فهمه الحافظ ابن حجر من تبويب البخاري: «باب إثم من لا يتم الصفوف» حيث قال: (يحتمل أن يكون أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: «سووا صفوفكم»، ومن عموم قوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ومن ورود الوعيد على تركه … ) (٥).
ثم إن الوعيد في حديث النعمان المتقدم يدل على الوجوب؛ لأن النبي ﷺ توعّد على ترك التسوية بأن يخالف الله بين قلوبهم، فتختلف وجهات نظرهم، ويحصل التفرق والاختلاف؛ لأن الجزاء من جنس العمل، ومعلوم أن مثل هذا الوعيد لا يكون إلا على ترك واجب.
الوجه الرابع: تتحقق تسوية الصفوف بأمور ثلاثة مستفادة من عموم الأدلة في هذا الباب، وهي كما يلي:
١ - إتمام الصف الأول فالأول، وسد الفرج بالتراص.
٢ - استقامة الصف وتعديله بالمحاذاة والمساواة بين الأعناق والمناكب والأكعب، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا كعب على كعب، والكعب هو العظم الناتئ في مؤخر القدم.
стр. 1322
وأما التسوية بالنظر إلى رؤوس أصابع القدمين فهذا لا أصل له؛ لأن الإنسان إنما يستقيم مع من بجانبه إذا ساوى منكبه منكبه، وكعبه كعبه، فتستوي بقية أجزاء البدن، أما المساواة بأطراف الأصابع فلا تمكن، لاختلاف الأقدام طولاً وقصراً.
٣ - التقارب بين الصفوف، وبين الصف الأول والإمام، ولم يرد في السنة تحديد لذلك، ولعل المراد - والله أعلم - أن يجعل بين كل صف وما يليه مقدار ما يمكن فيه السجود براحة وطمأنينة.
وأما إلزاق القدم بالقدم - كما يفعله بعض الناس - فهذا فيه أذية للآخرين، وفيه اشتغال وإشغال، اشتغال بما لم يُشرع، وإكثار من الحركة، واهتمام بعد القيام من السجود لملء الفراغ، وفيه إشغال للجار بملاحقة قدمه، كما أن فيه توسيعاً للفُرج، ويظهر ذلك إذا هوى المأموم للسجود، كما أن فيه اقتطاعاً لمحل قدم غيره بغير حق (١).
ولا دليل على ذلك في قول أنس ﵁ المتقدم: (وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وقدمه بقدمه)، وقول النعمان بن بشير ﵁: (فرأيت الرجل يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه) (٢)؛ لأن المراد بذلك - كما يقول الحافظ (٣) ـ المبالغة في تعديل الصف وسد الخلل والتراص، بدليل أن إلزاق الركبة بالركبة مستحيل، وإلزاق الكتف بالكتف فيه تكلف، وإلزاق الكعب بالكعب كذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 1323
بيان الأفضل من صفوف الرجال والنساء
٤١٥/ ١٩ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه مسلم في كتاب «الصلاة»، باب «تسوية الصفوف وإقامتها، وفضل الصف الأول فالأول … » (٤٤٠) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به مرفوعاً.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل الصف الأول من صفوف الرجال لقوله: (خير صفوف الرجال أولها) أي: أكثرها أجراً، وهو دليل على أنه ينبغي الحرص عليه، وذلك بالتبكير إلى المسجد والمبادرة لحضور الصلاة، ليحصل الصف الأول والدنو من الإمام.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا … » الحديث (١)، وتقدم حديث أبي سعيد: «تقدموا فأتموا بي وليأتم بكم من بعدكم … ».
والمراد بالصف الأول: هو ما يلي الإمام، سواء جاء صاحبه متقدماً أو متأخراً، إلا أن المتقدم قد حاز فضيلة التبكير.
стр. 1324
وفي الصف الأول مزايا عظيمة ينبغي للمسلم أن يهتم بها ويحرص عليها، ومن ذلك المسارعة إلى خلاص الذمة، والسبق إلى دخول المسجد، والقرب من الإمام، واستماع قراءته، والتعلم منه - ولا سيما إذا كان فقيهاً ـ، والفتح عليه، والسلامة من اختراق المارة بين يديه، وسلامة البال من رؤية من يكون قدامه، وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين، إلى غير ذلك من المصالح (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن شر صفوف الرجال آخرها، فهي أقلها ثواباً، لبعدها عن الإمام، ولترك الفضيلة الحاصلة بالتقدم إلى الصف الأول، ولقربها من النساء، ويغلب على أهل الصفوف المتأخرة الكسل والتهاون في أداء الصلاة، كما يغلب عليهم فوات الصلاة أو شيء منها، فيكون طمع الشيطان فيهم أكثر.
الوجه الرابع: الحديث دليل على أن أفضل صفوف النساء وأكثرها ثواباً آخرها؛ لبعدها عن الرجال، لئلا يحصل الاختلاط إذا كثرت الصفوف، ولئلا تسمع النساء كلام الرجال أو ترى حركاتهم، فيتعلق القلب بهم وتحصل الفتنة، ولأن مرتبتهن متأخرة عن مرتبة الرجال، فيكون آخر الصفوف أليق بهن، وأقل صفوف النساء ثواباً أولها؛ لقربهن من الرجال.
وظاهر الحديث أن التفضيل في حق صفوف النساء مطلق، سواء صلين مع الرجال في مكان واحد، أو صلين في مكان منفرد، كما هو الحال الآن، فخير صفوفهن آخرهن على الإطلاق.
وقال آخرون: إن الحديث ليس على إطلاقه، وإنما هو حيث يكن مع الرجال كما عليه الحال قديماً، وأما إذا صلين منفردات في مكان خاص فهن كالرجال، خير صفوفهن أولها، وشرها آخرها، وهؤلاء نظروا إلى علة الحكم، كما تقدم، فقالوا: إن العلة لا تتم إلا إذا كانت صلاتهن مع الرجال،
стр. 1325
وأما إذا صلين منفردات فلا تأتي هذه العلة، فتكون صفوفهن كصفوف الرجال، ذكر هذا الصنعاني (١)، وسبقه إلى هذا القول النووي (٢)، وهكذا من جاء بعده من الشراح، وبه أفتى الشيخ عبد العزيز بن باز (٣).
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن النساء يقفن في الصلاة صفوفاً كالرجال، لا منفردات تصلي كل امرأة أو كل مجموعة وحدها، كما عليه كثير من النساء، بل عليهن أن يقفن صفوفاً، ويسوين صفوفهن، ويكملن الصف الأول فالأول، لعموم الأدلة في هذا الباب، والله أعلم.
стр. 1326
موقف المأموم الواحد
٤١٦/ ٢٠ - عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِرَأْسِي مِنْ وَرَائِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع كثيرة في «صحيحه»، وذلك في تسعة عشر موضعاً، ومنها في كتاب «الأذان»، باب «إذا قام الرجل عن يسار الإمام، وحوَّله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته» (٧٢٦)، ومسلم (٧٦٣) من طريق كريب مولى ابن عباس، عن ابن عباس ﵄، به.
والحديث له طرق كثيرة عن ابن عباس في «الصحيحين» وغيرهما، مطولاً ومختصراً، وقد اشتمل على فوائد كثيرة، وهي أكثر من خمسين مسألة فقهية، زيادة على الفوائد الحديثية والأصولية واللغوية، جمعتها في مؤلَّف - يسَّر الله إتمامه وطبعه ـ.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن موقف المأموم الواحد إذا كان ذكراً عن يمين الإمام؛ لأن الرسول ﷺ أدار ابن عباس ﵄ من يساره، وجعله عن يمينه، ومثل ذلك حصل لجابر ﵁ (١)، وفيه: (قام رسول الله ﷺ يصلي فقمت عن يساره فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر، فأخذ بأيدينا جميعاً فدفعنا حتى أقامنا خلفه) وهذا قول جمهور العلماء بل حُكي فيه الإجماع.
стр. 1327
وإذا وقف عن يمينه فإنه يقف مساوياً لإمامه فلا يتأخر عنه، كما يفعله بعض الناس؛ لأن قول ابن عباس: (وقفت إلى جنبه) ظاهره أنه مساوٍ له، وهو الذي فهمه البخاري (١)، ومشى عليه الشراح؛ كابن رجب وابن حجر، وفي رواية عند أحمد (٢): «ما شأني أجعلك حذائي فَتَخْنِسُ؟ … »، وفي حديث عائشة في صلاة النبي ﷺ بالصحابة في مرض موته: (فجلس رسول الله ﷺ حذاء أبي بكر، إلى جنبه) (٣).
فإن وقف المأموم عن يسار الإمام ركعة فأكثر، فقد اختلف العلماء في صحة صلاته على قولين:
الأول: لا تصح صلاته، وهذا هو المشهور عن الإمام أحمد، وعليه جماهير أصحابه (٤)، واستدلوا بما تقدم، قالوا: فلو كانت الصلاة صحيحة لأقر النبي ﷺ ابن عباس وجابراً ﵄ على موقفهما، فيحمل على الوجوب، لا سيما وأنه يلزم منه المشي والعمل لغير حاجة، ومثل هذا لا يرتكب لمخالفة فضيلة.
القول الثاني: أن صلاته صحيحة مع الكراهة، وكون المأموم الواحد عن يمين الإمام إنما هو على سبيل الأفضلية، لا على سبيل الوجوب، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية الإمام أحمد (٥)، قال صاحب «الفروع»: (هي أظهر) (٦)، وقال صاحب «الإنصاف»: (وهو الصواب) (٧)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( … وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كرهت إلا لعذر … ) (٨).
قالوا: لأن النهي إنما ورد عن الفذية، وأما إدارة النبي ﷺ لابن عباس
стр. 1328
وجابر فإنه يدل على الأفضلية لا على الوجوب؛ لأنه فعل مجرد لم يقترن بقول، فإنه لم ينه عنه، بدليل أنه ﷺ لم يأمر ابن عباس باستئناف صلاته، فإنه كبر تكبيرة الإحرام عن يساره ﷺ ثم نقله عن يمينه، فدل على صحة صلاته.
وهذا القول فيه وجاهة كما ترى، فالظاهر صحة صلاة من صلى يسار الإمام مع خلو يمينه مع الكراهة؛ لأنه ترك المقام المختار وهو يمين الإمام، والقول ببطلان صلاته يحتاج إلى دليل تطمئن إليه النفس.
وقد ورد عن الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله أنه قال: (لو أن رجلاً جاهلاً صلى برجل فجعله يساره كان مخالفاً للسنة، وَرُدَّ إليها، وجازت صلاته) (١).
الوجه الثالث: الحديث دليل على صحة نية الإمامة في أثناء الصلاة؛ لأنه ﷺ صلى منفرداً، ثم دخل معه ابن عباس، وهذا على الراجح من قولي أهل العلم في الفرض والنفل، وقد مضى الكلام على ذلك.
الوجه الرابع: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة التطوع للمصلحة إذا لم يتخذ ذلك عادة راتبة، وقد مضى الكلام على ذلك - أيضاً ـ.
الوجه الخامس: الحديث دليل على أن الإمام إذا أدار المأموم الواقف عن يساره إلى يمينه من وراء ظهره لم تفسد صلاتهما، أما الإمام فلا تفسد صلاته بِمَدِّ يده له وتحويله من جانب إلى جانب، وأما المأموم فلا تفسد صلاته بمشيه من أحد جانبي الإمام إلى جانبه الآخر؛ لأن هذا عمل يسير، وقد جاء تفسير هذه الإدارة بأنها كانت من وراء ظهره ﵊ ففي رواية عند مسلم: (فأخذني من وراء ظهره)، وفي رواية: (فتناولني من خلف ظهره) (٢)، وإنما أخذه من وراء ظهره لئلا يمر بين يديه، والمرور بين يدي المصلي منهي عنه، مع أنه لو أخذه من أمامه لكان أيسر وأسهل.
الوجه السادس: الحديث دليل على حرص ابن عباس ﵄ على الفقه
стр. 1329
في الدين، حيث اغتنم فرصة الليلة التي يكون فيها النبي ﷺ عند خالته ميمونة ﵂ زوج النبي ﷺ ، فبات عندها وحرص على القيام مع النبي ﷺ وعزم على السهر ليطلع على كيفية صلاة النبي ﷺ ، ووصف صلاته وصفاً دقيقاً، لم يترك شيئاً مما فعله النبي ﷺ أو قاله تلك الليلة إلا نقله للأمة بأفصح عبارة وأتم بيان، كل ذلك وهو غلام لم يبلغ الحلم، فاستفاد ابن عباس في تلك الليلة فوائد عظيمة، لعل في مقدمتها أنه حظي بدعوة النبي ﷺ له تلك الليلة عندما وضع له وضوءه بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلّمه التأويل» (١). والله تعالى أعلم.
стр. 1330
موقف المأموم إذا كان أكثر من واحد
٤١٧/ ٢١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في مواضع من «صحيحه»، منها: كتاب «الأذان»، باب «المرأة وحدها تكون صفّاً» (٧٢٧)، وفي باب «صلاة النساء خلف الرجال» (٨٧٠)، ومسلم (٦٥٨) من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس ﵁، قال: … فذكر الحديث.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المأموم إذا كان أكثر من واحد فإن موقفه خلف الإمام، وهو قول الجمهور من أهل العلم.
وتقدم في حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه لما صلى مع الرسول ﷺ ومعه جبار بن صخر أقامهما النبي ﷺ خلفه، فدل على أن موقف الاثنين وراء الإمام.
وقد ورد في «صحيح مسلم» من طريق إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله بن مسعود، فقال: أَصَلَّى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما، وجعل أحدهما على يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: (هكذا فعل رسول الله ﷺ (١)، فهذا يدل على أن الاثنين يكونان عن يمين الإمام وشماله.
стр. 1331
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة منها:
١ - أن هذا منسوخ؛ لأن ابن مسعود ﵁ ذكر التطبيق، وقد نسخ بالمدينة، وحديث جابر وجبار ﵄ بالمدينة؛ لأن جابراً إنما شهد المشاهد بعد بدر، وحديث أنس الذي معنا بالمدينة - أيضاً ـ، ذكر ذلك الحازمي (١)، فيكون الناسخ قد خفي على ابن مسعود ﵁، وليس ببعيد، فإنه لم يكن من عادة النبي ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير، أما إمامة اثنين فهذه نادرة، ولعل ابن مسعود لم يطلع عليه، فبقي على مقتضى علمه الأول.
٢ - أن فعل ابن مسعود ﵁ كان لضيق المكان، ذكر ذلك الطحاوي عن محمد بن سيرين (٢).
٣ - أن فعل ابن مسعود محمول على الجواز، وما تقدم يدل على الأفضل (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة لا تقف مع الرجال، بل تكون خلفهم، قال ابن رشد: (لا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام والمرأة خلفه) (٤).
ولا فرق في ذلك بين أن تكون المرأة من محارم الرجل كزوجته، أو ليست من محارمه إذا لم يكن خلوة، فإذا صلى الرجل بزوجته - مثلاً - فإنها تقف خلفه، لعموم الأدلة، فإن خالفت ووقفت في صف الرجل فصلاتها صحيحة، ولا تُبطل على أحد صلاته، على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لأن الأصل صحة الصلاة، ولا يحكم بالبطلان إلا بدليل قوي سالم من الاحتمال، وحديث الباب لا يدل على البطلان، بل يدل على أنها تتأخر وأن هذا موقفها.
стр. 1332
الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة مصافة البالغ للصبي، وأن من صلى بجانبه صبي فليس فذّاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية (١)، واختاره ابن عقيل الحنبلي، ذكر ذلك ابن اللحام، واختار هو ذلك حيث قال: (وما قاله أصوب) (٢).
ووجه الدلالة: أن اليتيم - وهو من مات أبوه ولم يبلغ - وقف مع أنس ﵁ خلف النبي ﷺ ، فدل على جواز ذلك، ولا فرق بين مصافته في صلاة الفرض أو النفل إلا بدليل.
وتقدم حديث عمرو بن سلمة في صلاته بقومه وهو ابن ست أو سبع، فإنه إذا دل على جواز إمامة الصبي دل على جواز مصافته من باب أولى.
وذهب أحمد في المنصوص عنه إلى أنه لا تصح مصافة الصبي في الفرض، لعدم صحة إمامته، ولأنه يخشى أن لا يكون متطهراً فيكون البالغ فذّاً، وتصح مصافته في النفل، لهذا الحديث فإن هذه الصلاة كانت نفلاً (٣).
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وما صح في الفرض صح في النفل، وأما التعليل بعدم صحة إمامته فهو مردود من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الراجح صحة إمامته، كما تقدم، فيكون الأصل المقيس عليه غير صحيح.
الثاني: أن المصافة ليست كالإمامة؛ لأن الإمامة أعظم من المصافة، فلا يصح القياس لاختلاف العلة.
الثالث: أن هذا تعليل في مقابلة نص، وهو حديث الباب.
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة التطوع للمصلحة، وقد مضى بيان ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على عناية الإسلام بمنع اختلاط المرأة بالرجل حتى في العبادات، فجعلها تقف وحدها ولا تقف مع الرجل، والله تعالى أعلم.
стр. 1333
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
٤١٨/ ٢٢ - عَنْ أَبِي بكْرَةَ ﵁ أنَّهُ انْتَهى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «زَادَكَ اللهُ حِرْصاً وَلَا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إِلَى الصَّفِّ».
٤١٩/ ٢٣ - عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلاً يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٤٢٠/ ٢٤ - وَلَهُ عَنْ طَلْقٍ: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
٤٢١/ ٢٥ - وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْتَ رَجُلاً؟».
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو وابصة - بفتح الواو وكسر الباء - ابن معبد - بفتح الميم والباء على ما ذكره الأكثرون - ابن مالك من بني أسد بن خزيمة، وفد على النبي ﷺ سنة تسع في عشرة رهط من قومه فأسلموا، ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرَّقة (١)، ومات بها، كان قارئاً كثير البكاء لا يملك دمعته، وروى عنه
стр. 1334
ابناه عمرو وسالم، وعمرو بن راشد، وزياد بن أبي الجعد وغيرهم (١).
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي بكرة، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «إذا ركع دون الصف» (٧٨٣) من طريق زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁، به مرفوعاً.
وقد أعلَّ هذا الحديث بأن الحسن - وهو البصري - عنعنه، وهو لم يسمع من أبي بكرة، على ما قاله يحيى بن معين، والدارقطني، وعزاه ابن رجب إلى الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين (٢)؛ لأنه أدخل بينه وبين أبي بكرة الأحنف بن قيس في حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما».
وأجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن البخاري لما روى حديث قصة الحسن بن علي مع معاوية في سَنَةِ الجماعة نقل عن شيخه علي بن المديني أنه قال: (إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (٣)، وإدخال البخاري حديثه عنه في «صحيحه» في هذا الباب وفي غيره يدل على ذلك، وإدخال الأحنف بن قيس غير مطرد (٤).
الثاني: أن الحسن صرَّح بالتحديث في ظاهر الإسناد كما في رواية أبي داود (٦٨٣)، والنسائي (٢/ ١١٨).
وأما زيادة أبي داود التي ذكر الحافظ فهي بالطريق المذكور (٦٨٤) وفيه - أيضاً ـ: (فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: «أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟» فقال أبو بكرة: أنا … ) الحديث.
وأما الحديث الثاني، وهو حديث وابصة، فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٥٢٤)،
стр. 1335
وأبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، وابن حبان (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٧) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، به.
وهذا الحديث حسّنه الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٧٨)، والحديث رجاله ثقات، غير عمرو بن راشد، فهو مجهول العدالة، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً (١)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقد توبع في روايته، فقد تابعه زياد بن أبي الجعد، فرواه عن وابصة عند أحمد (٢٩/ ٥٢٩)، وابن حبان (٥/ ٥٧٧).
ورجاله ثقات غير زياد بن أبي الجعد الغطفاني، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣).
وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطراباً في الحديث يوجب التوقف، ومنهم الشافعي (٤)، والبزار كما نقله عنه الزيلعي (٥)، وابن عبد البر (٦).
والذي يظهر - والله أعلم - أن الروايتين محفوظتان، وأن هلال بن يساف سمع الحديث على الوجهين، مرة من عمرو بن راشد، ومرة من قراءة زياد بن أبي الجعد على وابصة، وهذا رأي ابن حبان حيث يقول: (سمع هذا الخبر هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان محفوظان) (٧)، وهكذا قال ابن حزم (٨).
بينما رجح أبو حاتم والإمام أحمد الطريق الأول، فقال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ) (٩)، ونقل الدارمي
عن