وقد أجيب عن ذلك بأجوبة منها:
١ - أن هذا منسوخ؛ لأن ابن مسعود ﵁ ذكر التطبيق، وقد نسخ بالمدينة، وحديث جابر وجبار ﵄ بالمدينة؛ لأن جابراً إنما شهد المشاهد بعد بدر، وحديث أنس الذي معنا بالمدينة - أيضاً ـ، ذكر ذلك الحازمي (١)، فيكون الناسخ قد خفي على ابن مسعود ﵁، وليس ببعيد، فإنه لم يكن من عادة النبي ﷺ إلا إمامة الجمع الكثير، أما إمامة اثنين فهذه نادرة، ولعل ابن مسعود لم يطلع عليه، فبقي على مقتضى علمه الأول.
٢ - أن فعل ابن مسعود ﵁ كان لضيق المكان، ذكر ذلك الطحاوي عن محمد بن سيرين (٢).
٣ - أن فعل ابن مسعود محمول على الجواز، وما تقدم يدل على الأفضل (٣).
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن المرأة لا تقف مع الرجال، بل تكون خلفهم، قال ابن رشد: (لا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الإمام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى الرجل إلى جانب الإمام والمرأة خلفه) (٤).
ولا فرق في ذلك بين أن تكون المرأة من محارم الرجل كزوجته، أو ليست من محارمه إذا لم يكن خلوة، فإذا صلى الرجل بزوجته - مثلاً - فإنها تقف خلفه، لعموم الأدلة، فإن خالفت ووقفت في صف الرجل فصلاتها صحيحة، ولا تُبطل على أحد صلاته، على الأظهر من قولي أهل العلم؛ لأن الأصل صحة الصلاة، ولا يحكم بالبطلان إلا بدليل قوي سالم من الاحتمال، وحديث الباب لا يدل على البطلان، بل يدل على أنها تتأخر وأن هذا موقفها.
стр. 1332
الوجه الرابع: الحديث دليل على صحة مصافة البالغ للصبي، وأن من صلى بجانبه صبي فليس فذّاً، وهذا قول الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية (١)، واختاره ابن عقيل الحنبلي، ذكر ذلك ابن اللحام، واختار هو ذلك حيث قال: (وما قاله أصوب) (٢).
ووجه الدلالة: أن اليتيم - وهو من مات أبوه ولم يبلغ - وقف مع أنس ﵁ خلف النبي ﷺ ، فدل على جواز ذلك، ولا فرق بين مصافته في صلاة الفرض أو النفل إلا بدليل.
وتقدم حديث عمرو بن سلمة في صلاته بقومه وهو ابن ست أو سبع، فإنه إذا دل على جواز إمامة الصبي دل على جواز مصافته من باب أولى.
وذهب أحمد في المنصوص عنه إلى أنه لا تصح مصافة الصبي في الفرض، لعدم صحة إمامته، ولأنه يخشى أن لا يكون متطهراً فيكون البالغ فذّاً، وتصح مصافته في النفل، لهذا الحديث فإن هذه الصلاة كانت نفلاً (٣).
والقول الأول أرجح لقوة دليله، وما صح في الفرض صح في النفل، وأما التعليل بعدم صحة إمامته فهو مردود من ثلاثة أوجه:
الأول: أن الراجح صحة إمامته، كما تقدم، فيكون الأصل المقيس عليه غير صحيح.
الثاني: أن المصافة ليست كالإمامة؛ لأن الإمامة أعظم من المصافة، فلا يصح القياس لاختلاف العلة.
الثالث: أن هذا تعليل في مقابلة نص، وهو حديث الباب.
الوجه الخامس: الحديث دليل على جواز الجماعة في صلاة التطوع للمصلحة، وقد مضى بيان ذلك.
الوجه السادس: الحديث دليل على عناية الإسلام بمنع اختلاط المرأة بالرجل حتى في العبادات، فجعلها تقف وحدها ولا تقف مع الرجل، والله تعالى أعلم.
стр. 1333
حكم صلاة المنفرد خلف الصف
٤١٨/ ٢٢ - عَنْ أَبِي بكْرَةَ ﵁ أنَّهُ انْتَهى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «زَادَكَ اللهُ حِرْصاً وَلَا تَعُدْ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِيهِ: «فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشى إِلَى الصَّفِّ».
٤١٩/ ٢٣ - عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأى رَجُلاً يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
٤٢٠/ ٢٤ - وَلَهُ عَنْ طَلْقٍ: «لَا صَلَاةَ لمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ».
٤٢١/ ٢٥ - وَزَادَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَابِصَةَ: «أَلَا دَخَلْتَ مَعَهُمْ أَوِ اجْتَرَرْتَ رَجُلاً؟».
الكلام عليها من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهو وابصة - بفتح الواو وكسر الباء - ابن معبد - بفتح الميم والباء على ما ذكره الأكثرون - ابن مالك من بني أسد بن خزيمة، وفد على النبي ﷺ سنة تسع في عشرة رهط من قومه فأسلموا، ورجع إلى بلاده، ثم نزل الجزيرة، وسكن الرَّقة (١)، ومات بها، كان قارئاً كثير البكاء لا يملك دمعته، وروى عنه
стр. 1334
ابناه عمرو وسالم، وعمرو بن راشد، وزياد بن أبي الجعد وغيرهم (١).
الوجه الثاني: في تخريجها:
أما حديث أبي بكرة، فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «إذا ركع دون الصف» (٧٨٣) من طريق زياد الأعلم، عن الحسن، عن أبي بكرة ﵁، به مرفوعاً.
وقد أعلَّ هذا الحديث بأن الحسن - وهو البصري - عنعنه، وهو لم يسمع من أبي بكرة، على ما قاله يحيى بن معين، والدارقطني، وعزاه ابن رجب إلى الإمام أحمد والأكثرين من المتقدمين (٢)؛ لأنه أدخل بينه وبين أبي بكرة الأحنف بن قيس في حديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما».
وأجيب عن ذلك بجوابين:
الأول: أن البخاري لما روى حديث قصة الحسن بن علي مع معاوية في سَنَةِ الجماعة نقل عن شيخه علي بن المديني أنه قال: (إنما ثبت لنا سماع الحسن من أبي بكرة بهذا الحديث) (٣)، وإدخال البخاري حديثه عنه في «صحيحه» في هذا الباب وفي غيره يدل على ذلك، وإدخال الأحنف بن قيس غير مطرد (٤).
الثاني: أن الحسن صرَّح بالتحديث في ظاهر الإسناد كما في رواية أبي داود (٦٨٣)، والنسائي (٢/ ١١٨).
وأما زيادة أبي داود التي ذكر الحافظ فهي بالطريق المذكور (٦٨٤) وفيه - أيضاً ـ: (فلما قضى النبي ﷺ صلاته قال: «أيكم الذي ركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف؟» فقال أبو بكرة: أنا … ) الحديث.
وأما الحديث الثاني، وهو حديث وابصة، فقد أخرجه أحمد (٢٩/ ٥٢٤)،
стр. 1335
وأبو داود (٦٨٢)، والترمذي (٢٣٠)، وابن حبان (٥/ ٥٧٥ - ٥٧٧) من طريق شعبة، عن عمرو بن مرة، عن هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة، به.
وهذا الحديث حسّنه الترمذي، والبغوي في «شرح السنة» (٣/ ٣٧٨)، والحديث رجاله ثقات، غير عمرو بن راشد، فهو مجهول العدالة، ذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً (١)، وقال الذهبي في «الكاشف»: (ثقة)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٢)، وقد توبع في روايته، فقد تابعه زياد بن أبي الجعد، فرواه عن وابصة عند أحمد (٢٩/ ٥٢٩)، وابن حبان (٥/ ٥٧٧).
ورجاله ثقات غير زياد بن أبي الجعد الغطفاني، فقد روى عنه اثنان، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٣).
وقد جعل بعضهم هذا الاختلاف اضطراباً في الحديث يوجب التوقف، ومنهم الشافعي (٤)، والبزار كما نقله عنه الزيلعي (٥)، وابن عبد البر (٦).
والذي يظهر - والله أعلم - أن الروايتين محفوظتان، وأن هلال بن يساف سمع الحديث على الوجهين، مرة من عمرو بن راشد، ومرة من قراءة زياد بن أبي الجعد على وابصة، وهذا رأي ابن حبان حيث يقول: (سمع هذا الخبر هلال بن يساف، عن عمرو بن راشد، عن وابصة بن معبد، وسمعه من زياد بن أبي الجعد عن وابصة، والطريقان محفوظان) (٧)، وهكذا قال ابن حزم (٨).
بينما رجح أبو حاتم والإمام أحمد الطريق الأول، فقال ابن أبي حاتم: (قلت لأبي: أيهما أشبه؟ قال: عمرو بن مرة أحفظ) (٩)، ونقل الدارمي
عن
стр. 1336
الإمام أحمد أنه كان يثبت حديث عمرو بن مرة، ثم قال: (وأنا أذهب إلى حديث يزيد بن زياد بن أبي الجعد) (١).
وأما الحديث الثالث وهو حديث طلق بن علي، فهذا وَهْمٌ من الحافظ وإنما هو حديث علي بن شيبان، فقد أخرجه ابن ماجه (١٠٠٣)، وابن حبان (٥/ ٥٧٩) من طريق ملازم بن عمرو، عن عبد الله بن بدر، قال: حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، علي بن شيبان، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فصلينا خلف رسول الله ﷺ ، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته إذا رجل فرد، فوقف عليه نبي الله ﷺ حتى قضى صلاته، ثم قال له نبي الله ﷺ : «استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة لفرد خلف الصف».
قال البوصيري: (إسناده صحيح ورجاله ثقات) (٢)، ولعل الحافظ ذكره لأنه شاهد قوي لحديث وابصة.
وأما حديث وابصة عند الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ١٤٥ - ١٤٦) فهو من طريق السَّرِيِّ بن إسماعيل، عن الشعبي، عن وابصة قال: رأى رسول الله ﷺ رجلاً يصلي خلف الصفوف وحده، فقال: «أيها المصلي وحده، ألا تكون وصلت صفاً فدخلت معهم، أو اجتررت رجلاً إليك إن ضاق بك المكان، أعد صلاتك، فإنه لا صلاة لك».
وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ لأنه فيه السري بن إسماعيل، قال عنه الحافظ في «التقريب»: (متروك)، وقد تفرّد بهذ الزيادة: «أو اجتررت رجلاً إليك» فتكون زيادة منكرة.
قال ابن عدي: (أحاديثه التي يرويها لا يتابعه أحد عليها، وخاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، لا يرويها عن الشعبي غيره، وهو إلى الضعف أقرب) (٣)، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: (ترك الناس حديثه)، وقال يحيى بن سعيد: (استبان لي كذبه في مجلس)، وعلى هذا فمثله لا يحتج بحديثه.
стр. 1337
الوجه الثالث: استدل بحديث أبي بكرة من قال بصحة صلاة المنفرد خلف الصف، وهم الجمهور - كما حكاه عنهم ابن رشد (١) ـ، ووجه الدلالة من قوله في رواية أبي داود: (فركع دون الصف، ثم مشى إلى الصف) فإنه يدل على أن أبا بكرة ركع خلف الصف فأتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ولم يأمره النبي ﷺ بإعادة الصلاة وإنما أرشده في المستقبل إلى ما هو أفضل، بقوله: «ولا تَعُدْ» وهو بفتح التاء وضم العين على المشهور، نهي عن العود إلى ما فعل - كما سيأتي ـ، وأجابوا عن حديث وابصة بأنه مضطرب، كما تقدم، فحديث أبي بكرة مقدم عليه.
والقول الثاني في المسألة: أن صلاة المنفرد خلف الصف باطلة، وهذا مذهب الإمام أحمد، ورواية عن الإمام مالك (٢)، وبه قال جمع من الفقهاء والمحدثين، ذكرهم ابن رجب (٣).
واستدلوا بحديث وابصة، فإن الرسول ﷺ أمر من صلى خلف الصف وحده بالإعادة، ويشهد له حديث علي بن شيبان: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف».
وأجابوا عن حديث أبي بكرة بأنه لا دليل فيه على صحة صلاة المنفرد خلف الصف؛ لأنه ليس فيه أنه صلى منفرداً خلف الصف قبل رفع الإمام رأسه من الركوع، فقد أدرك من الاصطفاف المأمور به ما يكون به مدركاً للركعة، فهذا بمنزلة أن يقف وحده، ثم يجيء آخر فيصافه، فإن هذا جائز باتفاق الأئمة، ذكر هذا شيخ الإسلام ابن تيمية (٤).
والقول الثالث: التفصيل، وهو أنه إن وجد محلاًّ في الصف فصلى وحده خلف الصف لم تصح صلاته، ومن اجتهد ولم يجد مكاناً جاز له أن يقف وحده، وبه قال الحسن البصري، كما رواه عنه ابن أبي شيبة (٥)، وابن قدامة (٦)، ونصره شيخ الإسلام ابن تيمية (٧)، وابن القيم (٨).
стр. 1338
وهذا القول هو المختار في هذه المسألة لما يلي:
الأول: أن فيه جمعاً بين الأدلة، فيحمل حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف» على ما إذا قَصَّرَ في سد الفرجة والانضمام إلى الصف، وأما إذا لم يجد فرجة فتصح صلاته؛ لأنه ليس بمقصر.
الثاني: أن العلماء مجمعون على أن واجبات الصلاة وأركانها تسقط عند عدم القدرة، فلا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة، ولا ريب أن العجز عن المصافة عذر.
الثالث: أن عمومات الشريعة تؤيد ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقوله ﷺ : «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» (١).
واعلم أن ضابط الانفراد هو ما إذا رفع الإمام رأسه من الركوع ولم يدخل معه أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه أو حصل له مكان في الصف فدخل فيه قبل ذلك زالت فذيِّته، وصحت صلاته.
والأظهر أن النهي في حديث أبي بكرة في قوله: «ولا تعد» راجع إلى الإسراع والسعي الشديد، وكذا الركوع دون الصف، ويؤيد الأول الحديث الآتي في النهي عن الإسراع في المجيء إلى الصلاة، ويؤيد الثاني قوله: «أيكم الذي ركع دون الصف»، فإن ظاهر ذلك أن النهي متوجه إلى هذه الجملة، وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم الطحاوي (٢)، ويؤيده حديث أبي هريرة: «إذا دخلت والإمام راكع فلا تركع حتى تأخذ مصافك من الصف» (٣)، وأجاز آخرون الركوع دون الصف إذا أدرك الإمام راكعاً، وهو
стр. 1339
رواية عن أحمد، لفعل بعض الصحابة ﵃ قالوا: والحديث نهي عن الإسراع، لا عن الركوع دون الصف، والأول أحوط.
الوجه الرابع: دلت رواية الطبراني في حديث وابصة: «أو اجتررت رجلاً» على جواز جذب الرجل من الصف ليقف معه، والصواب عدم جواز ذلك، والحديث منكر بهذه الزيادة - كما تقدم - وذلك لما يلي:
١ - أن الجذب يفضي إلى إيجاد فرجة في الصف، والمطلوب سَدُّ الفرج.
٢ - أن الجذب تصرف في المجذوب، وتشويش عليه، وتفويت لفضيلة الصف الأول وكونه خلف الإمام؛ لأن الغالب في الجذب أن يكون لمن هو خلف الإمام.
٣ - أن الجذب فيه تأثير على أكثر المصلين؛ لأن الصف سيتحرك لسد هذه الفرجة التي فتحت فيه، والله تعالى أعلم.
стр. 1340
آداب المشي إلى الصلاة
٤٢٢/ ٢٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُم الإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، وَلَا تُسْرِعُوا، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه البخاري في كتاب «الأذان»، باب «لا يسعى إلى الصلاة وليأت بالسكينة والوقار» (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢) من طريق الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: … فذكره.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (إذا سمعتم الإقامة) أي: إقامة الصلاة، وإنما ذكرت الإقامة تنبيهاً على ما سواها؛ لأنه إذا نُهي عن إتيان الصلاة مسرعاً في حال الإقامة مع خوف فوات بعضها فما قبل الإقامة أولى، وحكمة التقييد بالإقامة أنه إذا أسرع وقت الإقامة فإنه يدخل الصلاة ثائر النَّفَسِ، فلا يحصل له تمام الخشوع في قراءته، وقال آخرون: إن هذا القيد لإخراج ما قبل الإقامة، فلا مانع من الإسراع فيه، والأول وجيه جدّاً، كما سيأتي.
قوله: (وعليكم السكينة والوقار) في رواية البخاري: «بالسكينة» وبدون الباء يجوز رفعها على أنها مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم.
стр. 1341
ويجوز نصبها على الإغراء، كما ذكر القرطبي (١)، ولم يتضح لي وجه الإغراء، والظاهر أنه من باب اسم الفعل؛ كقوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فيكون منصوباً باسم الفعل قبله؛ أي: الزموا السكينة.
والسكينة والوقار اسمان لمسمى واحد، فيكون ذكر الوقار من باب التأكيد، وقيل: بينهما فرق، فالسكينة: التأني في الحركات واجتناب العبث بيد أو رجل، والوقار: في الهيئة؛ كغض البصر، وخفض الصوت، وعدم الالتفات.
قوله: (ولا تسرعوا) زيادة تأكيد، ولا منافاة بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] الذي قد يشعر بالإسراع؛ لأن المراد بالسعي في الآية المضيُّ والذهاب، يقال: سعيت إلى كذا؛ أي: ذهبت إليه.
قوله: (فما أدركتم فصلوا) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر؛ أي: إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا.
قوله: (وما فاتكم فأتموا) أي: أكملوا، وفي رواية: «فاقضوا» وذكر الحافظ أن أكثر الروايات بلفظ: «فأتموا» (٢)، واللفظان بمعنى واحد؛ لأن القضاء هو الإتمام في عُرف الشرع، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
وأما تخصيص القضاء بمعنى: فعل شيء فات ومضى، فهو اصطلاح للفقهاء، وسيأتي ما يترتب على ذلك من الأحكام.
الوجه الثالث: الحديث بيان لأدب الحضور لأداء الصلاة، وهو أن المصلي يمشي إليها بسكينة ووقار، فما أدركه صلاَّه مع الإمام، وما فاته أتمه وقضاه، وبهذه الهيئة يحقق لنفسه ثلاث فوائد:
الأولى: الراحة والطمأنينة، فيدخل الصلاة هادئاً مرتاحاً، فيحصل له الخشوع والتدبر.
стр. 1342
الثانية: امتثال قول النبي ﷺ : «فإن أحدكم إذا كان يَعْمِدُ إلى الصلاة فهو في صلاة» (١)، والمعنى: أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
الثالثة: كثرة الخُطا إلى المساجد، وهذا لا يتأتّى مع السرعة، وتكثير الخطا مقصود لذاته، ورد فيه أحاديث؛ كقوله ﷺ : «إن لكم بكل خطوة درجة» (٢).
واعلم أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمشي والنهي عن الإسراع عامة في جميع الأحوال، لا فرق بين أن يخاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات ركعة أو فوات الجماعة بالكلية، أو لا يخاف شيئاً من ذلك، كما أنه لا فرق بين الجمعة وغيرها؛ لأن النصوص عامة لم تستثن حالة واحدة، ولا يجوز التخصيص إلا بدليل، وهذا قول جماعة من الصحابة ﵃، وهو قول لأحمد، وهو قول الثوري وعطاء، وابن المنذر، وحكاه ابن عبد البر عن جمهور العلماء (٣).
وأجاز بعض العلماء الإسراع الذي لا ينافي الوقار لمن خاف فوات تكبيرة الإحرام أو فوات الركعة، لأن بعض الصحابة ﵃ أسرعوا لإدراك التكبيرة الأولى، وهم أعلم من غيرهم بمعنى ما سمعوا من نبيهم ﷺ ، وهذا رواية عن أحمد (٤)، وقد نقل إسحاق بن منصور عن إسحاق بن راهويه أنه قال: (إن خاف فوت التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع في المشي) (٥).
الوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بمشروعية الدخول مع الإمام ولو لم يدرك إلا قليلاً من الصلاة؛ كإدراكه في التشهد، لقوله: «فما أدركتم فصلوا» إلا أن القول بالتفصيل أولى على ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (٦)،
стр. 1343
وهو أن يقال: إن كان يرجو وجود جماعة - كما في المساجد التي على الطرق - لم يدخل مع الإمام؛ لأن صلاته تامة مع جماعة أفضل، وكذا لو طمع في إدراك ركعة من الصلاة في مسجد آخر، وإن كان لا يرجو دخل معه، أخذاً بظاهر هذا الحديث.
الوجه الخامس: استدل بالحديث من قال: إن الجماعة تدرك بإدراك جزء من الصلاة، فمن كبر قبل سلام الإمام فقد أدرك الجماعة؛ لقوله: «فما أدركتم فصلوا»، ومن أدرك الإمام ساجداً أو جالساً في التشهد الأخير يسمى مدركاً، فَيُتِمُّ ما فاته، ويكون مدركاً للجماعة، وهذا قول الحنفية، والشافعية، وهي الرواية المشهورة عن أحمد، اختارها أكثر الأصحاب (١).
والقول الثاني: أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة فأكثر، وهو قول المالكية، ورواية عن أحمد، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).
واستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» (٣).
فهذا نص صريح يدل بمنطوقه على أن من أدرك ركعة من صلاة الإمام فقد أدرك صلاة الجماعة؛ لأنه عام في جميع صور إدراك الركعة من الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت.
ويدل بمفهومه على أن من أدرك أقل من ركعة لم يدرك الصلاة، سواء كان إدراك جماعة أم إدراك وقت.
وهذا القول هو الراجح لقوة دليله، ويؤيده أمران:
الأول: أنه لا يعرف في نصوص الشرع تعليق الإدراك بالتكبير قبل سلام الإمام لا في الوقت ولا في الجمعة ولا في الجماعة، فهو وصف مُلغى في نظر الشرع، فلا يجوز بناء الحكم عليه.
стр. 1344
الثاني: أن ما دون الركعة لا يعتد به في الصلاة؛ لأن المأموم يستقبل جميع صلاته منفرداً، فلم يدرك مع إمامه شيئاً يحتسب له به.
وأما استدلال أصحاب القول الأول بحديث أبي هريرة: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» فهو من باب المفهوم، وحديث الإدراك من باب المنطوق، ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم.
الوجه السادس: اختلف العلماء فيما يدركه المأموم مع الإمام هل هو أول صلاته أو آخرها؟ قولان:
الأول: أن ما يدركه المأموم هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ذكرهم ابن المنذر (١)، وهذا قول الشافعي، ورواية عن مالك، ورواية عن الإمام أحمد (٢)، واستدلوا بقوله: «وما فاتكم فأتموا» وهي رواية الأكثرين، قالوا: والتمام هو الآخر، قالوا: ولا ينافي ذلك رواية: «وما فاتكم فاقضوا»؛ لأن القضاء هنا يراد به الإتمام، فالروايتان متفقتان، ورجح هذا ابن المنذر وابن حجر (٣).
القول الثاني: أن ما يدركه المأموم هو آخر صلاته، وما يقضيه هو أولها، وهذا هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وهو المذهب عند الحنابلة (٤).
واستدلوا برواية: «وما فاتكم فاقضوا» قالوا: والقضاء لا يكون إلا لشيء قد فات، وقد فاته أول الصلاة، فيأتي به قضاء.
وبهذا يتبين أن سبب الخلاف اختلاف روايات الحديث، وتفسير القضاء بالمعنى الفقهي.
стр. 1345
والراجح هو القول الأول، لما تقدم من أن الإتمام والقضاء بمعنى واحد، لا سيما وأن مخرج الحديث واحد، وقد أمكن رد الاختلاف في الروايات إلى معنى واحد (١)، وعلى هذا يترتب فوائد منها:
١ - إذا أدرك من المغرب أو العشاء ركعتين صلى الباقي سرّاً؛ لأن ما يقضيه هو آخر صلاته.
٢ - إذا أدرك ركعة من جهرية وقام يقضي ما فاته أتى بالثانية جهراً خفيفاً لا يؤذي من حوله، ثم يصلي الباقي سرّاً.
٣ - إذا أدرك ركعة ثم قام يأتي بالثانية قرأ الفاتحة وسورة، ثم يصلي الباقيتين بالفاتحة فقط.
٤ - إذا أدرك مع الإمام ركعة من الثلاثية أو الرباعية جلس للتشهد الأول بعد أول ركعة يقضيها (٢).
الوجه السابع: عموم الحديث يدل على أن ما يدركه المأموم من صلاة الجنازة هو أول صلاته، وما يقضيه هو آخرها، وسأذكر ذلك في كتاب «الجنائز» إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم.
стр. 1346
فضل كثرة الجماعة
٤٢٣/ ٢٧ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «فضل الجماعة» (٥٥٤)، والنسائي (٢/ ١٠٤ - ١٠٥)، وأحمد (٣٥/ ١٨٨، ١٩٢)، وابن حبان (٥/ ٤٠٥) من طريق شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، أنه أخبرهم عن عبد الله بن أبي بصير، عن أبيه، قال شعبة: وقال أبو إسحاق: وقد سمعته منه ومن أبيه، قال: سمعت أُبي بن كعب يقول: صلى رسول الله ﷺ يوماً صلاة الصبح فقال: «أَشَهِدَ فلان الصلاة؟»، قالوا: لا، قال: «ففلان؟»، قالوا: لا، قال: «إن هاتين الصلاتين من أثقل الصلاة على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً، والصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو تعلمون فضيلته لابتدرتموه، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده … » الحديث، وهذا السياق للنسائي سنداً ومتناً، وفيه أن أبا إسحاق صرح بأنه سمع الحديث من عبد الله بن أبي بصير ومن أبيه، ورواية أبي داود وإحدى روايات أحمد ليس فيها (ومن أبيه).
وهذا سند حسن، رجاله ثقات، إلا عبد الله بن أبي بصير العبدي الكوفي، فقد تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي، ولم يوثقه غير ابن
стр. 1347
حبان (١)، والعجلي (٢)، لذا وصفه بعضهم بالجهالة، وقد رواه أبو إسحاق عن أبي بصير، كما في رواية النسائي ورواية عند أحمد (٣) وغيرهما، وأبو بصير روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٤).
والحديث صححه ابن حبان كما قال الحافظ هنا، وصححه ابن خزيمة (٥)، ونقل الحافظ تصحيحه عن ابن السكن والعقيلي والحاكم (٦)، وقال النووي: (أشار علي بن المديني والبيهقي وغيرهما إلى صحته) (٧)، ومثل هذا كافٍ في رفع الجهالة عن عبد الله بن أبي بصير.
الوجه الثاني: الحديث دليل على فضل كثرة الجماعة، وأن هذا أمر محبوب لله تعالى، لما فيه من المصالح العظيمة من تكثير سواد المسلمين في بيوت الله وتعاونهم وتعارفهم، وبعدهم عن التفرق والاختلاف، لا سيما أهل الحي الواحد.
ولهذا ينبغي عدم تعدد المساجد مهما أمكن؛ لأن تعددها يفضي إلى قلة الجماعة وتفرقهم، وانتحال الأعذار للكسالى والمتخلفين، وإذا صلى أهل الحي في مسجد واحد فهو أفضل وأكمل، لما في ذلك من المصالح، فإن دعت الحاجة إلى تعدد المساجد فلا بأس.
الوجه الثالث: الحديث دليل على استحباب تحري المسجد الذي هو أكثر جماعة، وأنه أفضل من المسجد الذي هو أقل جماعة، ما لم يكن في حضور المسجد الأقل جماعة مصالح كأن يُقتدى به، أو أنه يذكِّرهم أو أنه يفيدهم، ونحو ذلك، وقد نص الفقهاء ﵏ على ذلك، لكنهم ذكروا - أيضاً - أن المسجد العتيق أفضل من الجديد إذا تساويا في الكثرة؛
стр. 1348
لأن العبادة في العتيق أكثر وأقدم، وهذا لا دليل عليه، وإنما هو من المسائل الاجتهادية.
الوجه الرابع: استدل بالحديث من قال بجواز إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة الأولى في مسجد له إمام راتب، وأن هذا أولى من تفرقهم وصلاة كل إنسان وحده، فإن الحديث دل بعمومه على أن من صلى مع رجل فهو أفضل وأكثر ثواباً من صلاته وحده، فيدخل في ذلك إقامة جماعة ثانية لمن فاتتهم الجماعة مع الإمام الراتب، وهذا هو الراجح في هذه المسألة، ولها أدلة أخرى (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 1349
حكم إمامة المرأة للنساء
٤٢٤/ ٢٨ - عَنْ أُمِّ وَرَقَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تَؤُمَّ أَهْل دَارِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيمَةَ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في ترجمة الراوي:
وهي أم ورقة - بفتح الأحرف الثلاثة - بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، ويقال: أم ورقة بنت نوفل، نسبة إلى جدها الأعلى، مشهورة بكنيتها، كان النبي ﷺ يزورها، ويسميها الشهيدة، وكانت قد قرأت القرآن، وقد روى أبو داود حديثها بطوله، وفيه شيء عن حياتها وعن سبب وفاتها ﵂ (١).
الوجه الثاني: في تخريجه:
فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «إمامة النساء» (٥٩١) من طريق وكيع بن الجراح، ثنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، قال: حدثتني جدتي وعبد الرحمن بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة بنت نوفل .. وساق حديثها بطوله.
وأخرجه - أيضاً - (٥٩٢) من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جميع، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبد الله بن الحارث .. وساق حديثها مختصراً، وفيه الجملة المذكورة في «البلوغ».
وأخرجه ابن خزيمة (٣/ ٨٩) من طريق عبد الله بن داود، عن الوليد بن
стр. 1350
جميع، عن ليلى بنت مالك، عن أبيها وعن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة، به.
وهذا السند فيه مقال، الوليد بن جميع متكلَّم فيه، قال المنذري: (فيه مقال، وقد أخرج له مسلم) (١)، والحق أنه حسن الحديث، قال أحمد وأبو زرعة وأبو داود: (لا بأس به)، ووثقه ابن معين والعجلي وابن سعد (٢)، قال الحاكم: (قد احتج مسلم بالوليد بن جميع، وهذه سنة غريبة، لا أعرف في الباب حديثاً مسنداً غير هذا … ) (٣)، وسكت عنه الذهبي، وقال عنه الحافظ في «التقريب»: (صدوق يهم) لكنه قد تفرد به عن شيخيه: ليلى بنت مالك، وعبد الرحمن بن خلاد.
وعبد الرحمن بن خلاد مجهول الحال، كما قال ابن القطان (٤)، وذكره ابن حبان في «الثقات» (٥)، وكذا جدة الوليد: ليلى بنت مالك فهي لا تعرف، كما قال ابن القطان أيضاً، ثم إنه لم يثبت سماع ابن خلاد من أم ورقة (٦).
والحديث حسّنه الألباني (٧)، ونقل الحافظ هنا تصحيحه عن ابن خزيمة، وأقره، مع أنه قال: (وفي إسناده عبد الرحمن بن خلاد، وفيه جهالة) (٨)، وقال أيضاً: (وقد حسَّن الدارقطني حديث أم ورقة في كتاب «السنن»، وأشار أبو حاتم في «العلل» إلى جَودته) (٩)، وقد رجعت إلى «سنن الدارقطني» ولم أجد له كلاماً عليه، كما أني لم أقف على ما ذكره عن أبي حاتم.
ولعل من حسَّنه رأى أن رواية ابن خلاد مقرونة برواية ليلى بنت مالك، كما تقدم في الإسناد، يقوي أحدهما الآخر، لا سيما أن الذهبي قال في فصل
стр. 1351
«النسوة المجهولات»: (ما علمت في النساء من اتُّهِمَتْ، ولا من تركوها) (١).
ثم إن الحديث له شواهد تؤيد معناه كما سيأتي إن شاء الله.
الوجه الثالث: الحديث دليل على جواز إمامة المرأة للنساء، وظاهر الحديث أن ذلك في الفريضة، لرواية الحاكم: (وأمر أن يُؤَذَّنَ لها ويقام، وتؤم أهل دارها في الفرائض)، وهذا قول عطاء وسفيان الثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، كما حكاه ابن المنذر (٢).
قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: (والحديث وإن كان في سنده كلام لأهل العلم، لكن مثله يعمل به، ويعضده ما جاء عن عائشة وأم سلمة: (أنهما أمَّتا نساء في صلاة مكتوبة) (٣)، وفي ذلك من المصالح ما فيه؛ لأن المرأة
стр. 1352
الفقيهة إذا أمَّت النساء تعلَّمْنَ منها كيفية الصلاة؛ لأن التعليم بالفعل له أثر كبير، أكثر من التعليم بالقول بالنسبة لكثير من الناس … ).
ومما يؤيد القول بالجواز العمومات الواردة في فضل صلاة الجماعة، ولم يرد بالمنع قرآن ولا سنة - كما يقول ابن حزم - مع فعل بعض الصحابيات - كما تقدم - مع عدم المخالف (١)، لكن لا ينبغي أن تكون إمامتها لنسائها بصفة دائمة، وإنما في بعض الأحيان، لما تقدم من كلام العلماء على الإسناد.
وأما إمامتها للرجال فهذا لا يجوز؛ لأن الإمامة نوع من الإمرة، والنبي ﷺ يقول: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» (٢).
ولأن المرأة عورة، فإذا أمَّت الرجال حصل بذلك فتنة عظيمة، ثم إنه لم ينقل عن نساء النبي ﷺ مع علمهن وورعهن - أن واحدة منهن أمَّت الرجال حتى وإن كان من محارمها، حتى وإن كان أقل منها حفظاً للقرآن وفقهاً في الدين.
ثم إن المرأة منهية عن تنبيه الإمام بقولها: (سبحان الله)، فكيف وهي ستقرأ القرآن في الصلاة وترفع صوتها بالتكبيرات، إن هذا كله يؤيد القول بالمنع من إمامتها مطلقاً.
وأما من أجاز من أهل العلم؛ كأبي ثور، والمزني، وابن جرير الطبري (٣) إمامتها للرجال مستدلاًّ بهذا الحديث وأن من ضمن أهل دارها المؤذن الذي يؤذن لها، فهذا مردود من وجهين:
١ - أنه لم يثبت أن مؤذنها يصلي معها مقتدياً بها، فقد يكون يؤذن لها ثم يذهب إلى أحد المساجد فيصلي بها، وصلاة المرأة بالرجال أمر كبير يحتاج إلى دليل قاطع ليس كهذا.
стр. 1353
٢ - أنه جاء الحديث عند الدارقطني بلفظ: (أن رسول الله ﷺ أذن أن يؤذن لها، ويقام، وتؤم نساءها) (١).
وإذا أمَّت المرأة النساء ﵂ قامت وسطهن، ولا تبرز أمامهن كإمام الرجال، لما ورد عن أم سلمة وعائشة ﵄ أنهما لما أمّتا نساء قامتا بينهن - كما تقدم تخريجه - ولأن ذلك أستر، والمرأة مطلوب منها الستر، والله تعالى أعلم.
стр. 1354
حكم إمامة الأعمى
٤٢٥/ ٢٩ - عَنْ أَنَس ﵁ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، يَؤُمُّ النَّاسَ، وَهُوَ أَعْمى. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ.
٤٢٦/ ٣٠ - وَنَحْوُهُ لاِبْنِ حِبَّانَ: عَنْ عَائِشَةَ ﵂.
الكلام عليهما من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديث أنس ﵁، فقد أخرجه أبو داود في كتاب «الصلاة»، باب «إمامة الأعمى» (٥٩٥)، وأحمد (١٩/ ٣٤٩) (٢٠/ ٣٠٧) من طريق أبي العوام القطان - وهو عمران بن داوَر، وهو أعمى - حدثنا قتادة عن أنس بن مالك ﵁، به.
وإسناده حسن، رجاله ثقات، غير عمران بن داوَر القطان فهو متكلَّم فيه، قال ابن معين: (ليس بالقوي) وقال مرة: (ليس بشيء، لم يرو عنه يحيى بن سعيد)، وقال النسائي: (ضعيف) (١)، وقال أحمد: (أرجو أن يكون صالح الحديث) (٢) وقال الدارقطني: (كثير الوهم والمخالفة) (٣). وقال الحافظ: (صدوق يهم)، فمثله يصل حديثه إلى درجة الحسن.
وروى الطبراني في «الكبير» (١١/ ١٨٣) من طريق ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄ بنحوه، وحسن الحافظ إسناده (٤).
стр. 1355
وأما حديث عائشة ﵂، فقد أخرجه ابن حبان (٥/ ٥٠٦ - ٥٠٧) وأبو يعلى (٤٤٥٦) والطبراني في «الأوسط» (٢٧٤٤) من طريق حبيب المعلم، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ استخلف ابن أم مكتوم على المدينة يصلي بالناس.
وإسناده صحيح على شرط الشيخين، فهو شاهد قوي لحديث أنس ﵁.
الوجه الثاني: الحديث دليل على صحة إمامة الأعمى حتى بالمبصرين، ويقدم عليهم ما دام أنه أعلم الحاضرين بالقرآن والسنة، وأفضلهم بالتقى والصلاح، قال ابن المنذر: (إمامة الأعمى كإمامة البصير، لا فرق بينهما، وهما داخلان في ظاهر قول النبي ﷺ : «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله» فأيهم كان أقرأ كان أحق بالإمامة) (١)، والله تعالى أعلم.
стр. 1356
صحة إمامة الفاسق
٤٢٧/ ٣١ - عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِله إِلاَّ اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلاَّ اللهُ». رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عمر ﵄، به مرفوعاً.
وهذا إسناد ضعيف جدّاً؛ لأن فيه عثمان بن عبد الرحمن الزهري الوقاصي، قال عنه ابن معين: (لا يكتب حديثه، كان يكذب) وقال مرة: (ضعيف)، وقال ابن المديني: (ضعيف جدّاً)، وقال البخاري: (تركوه) (١).
وأخرجه الدارقطني (٢/ ٥٦) - أيضاً - من طريق أبي الوليد المخزومي، ثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، به.
وهذا أضعف من الأول، فإن أبا الوليد - وهو خالد بن إسماعيل - قال عنه ابن عدي: (كان يضع الحديث على ثقات المسلمين) (٢)، وللحديث طرق أخرى كلها واهية جدّاً، وقد جاء بمعناه حديث مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الصلاة المكتوبة واجبة خلف كل مسلم، برّاً كان أو فاجراً، وإن عمل الكبائر» أخرجه أبو داود (٥٩٤) وفيه انقطاع، فقد قال
стр. 1357
الترمذي والدارقطني والذهبي وغيرهم: (لم يسمع مكحول من أبي هريرة ﵁.
ولا يصح في هذا الباب شيء، قال الدارقطني: (ليس فيها ما يثبت) (١)، وقال العقيلي: (ليس في هذا المتن إسناد يثبت)، وسئل الإمام أحمد عن حديث ابن عمر هذا فقال: (ما سمعنا بهذا) (٢)، وإذا كان الحديث بهذه الصفة فلا تقوم به حجة، وإنما ذكره الحافظ لبيان حاله.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المسلم يُصَلَّى خلفه؛ لأن هذا هو المراد بقوله: «صلوا خلف من قال: لا إله إلا الله»، والحديث وإن كان ضعيفاً - كما تقدم - لكنه معمول به لأدلة أخرى، وظاهر ذلك جواز الصلاة خلف الفاسق؛ لأن كلمة الإخلاص تدل على إسلامه، ولا تدل على عدالته، والمراد بالحديث: من قال: «لا إله إلا الله» عارفاً بمعناها عاملاً بمقتضاها، أما من ظهر منه ما يقتضي كفره فإنها لا تنفعه لا إله إلا الله، كما لم تنفع عبد الله بن أُبي وأشباهه من المنافقين، وهذا أمر معلوم بإجماع المسلمين أن من وجد عنده ناقض من نواقض الإسلام لم تنفعه الشهادتان وإن قال: لا إله إلا الله، وإن صلى وصام، ومثل ذلك عبَّاد الأصنام وعبَّاد القبور لا تنفعهم لا إله إلا الله.
وقد مضى ذكر الخلاف في حكم الصلاة خلف الفاسق وأن الراجح صحتها، مع اعتبار أنه لا ينبغي أن يكون إماماً راتباً؛ لأنه يحرم على من كان مسؤولاً عن اختيار الأئمة تنصيب الفاسق إماماً في الصلوات؛ لأنه مأمور بمراعاة المصالح.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أنه يُصَلَّى على من مات وهو يقول: «لا إله إلا الله»؛ لأنها تدل على أنه مات مسلماً، وفي المسألة استثناءات يذكرها الفقهاء، ولعله يأتي شيء من ذلك في كتاب الجنائز - إن شاء الله ـ، والله تعالى أعلم.
стр. 1358
مشروعية الدخول مع الإمام على أي حال
٤٢٨/ ٣٢ - عَنْ عَليٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا أَتَى أَحَدُكُم الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ عَلَى حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الترمذي في أبواب «الصلاة»، باب «ما ذكر في الرجل يدرك الإمام وهو ساجد كيف يصنع؟» (٥٩١) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن هبيرة بن يَرِيمَ، عن علي ﵁، وعن عمرو بن مرة، عن ابن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل قالا - أي علي ومعاذ ـ: قال النبي ﷺ : … فذكر الحديث.
قال الترمذي: (هذا حديث غريب لا نعلم أحداً أسنده إلا ما روي من هذا الوجه) (١).
وذكر الحافظ في «التلخيص» أن في هذا السند ضعفاً وانقطاعاً، فالضعف يتعلق بالحجاج بن أرطاة، قال ابن معين: (صدوق ليس بالقوي، يدلس)، وكذا قال أبو زرعة وأبو حاتم، وقال ابن المديني: (تركت الحجاج عمداً، ولم أكتب عنه حديثاً قط) (٢)، وأما الانقطاع فإن ابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، كما قال ابن المديني والترمذي وابن خزيمة (٣).
стр. 1359
لكن الحديث له شواهد منها حديث أبي هريرة المتقدم: «إذا سمعتم الإقامة فامشوا … » وفيه: «فما أدركتم فصلوا»، وإنما ذكر الحافظ ﵀ حديث علي ﵁ لبيان ضعفه والتنبيه على أن الحكم صحيح وأنه مأخوذ من أدلة أخرى.
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن المصلي إذا دخل المسجد والإمام في الصلاة فإنه يدخل معه على أي حال كان الإمام في القيام أو الركوع أو السجود أو بين السجدتين، والحديث وإن كان ضعيفاً لكن له شواهد، منها حديث أبي هريرة وفيه: «فما أدركتم فصلوا .. ».
قال الحافظ ابن حجر: (استدل به على استحباب الدخول مع الإمام في أي حال وجد عليها) (١).
فإن كان الإمام قائماً يقرأ الفاتحة دخل معه بتكبيرة الإحرام، ثم سكت حتى يفرغ من الفاتحة؛ لأنه مأمور بالإنصات، فإذا فرغ الإمام من الفاتحة استفتح واستعاذ وقرأ الفاتحة، فإن لم يمكنه ذلك وشرع الإمام في القراءة اقتصر على الاستعاذة وقراءة الفاتحة دون الاستفتاح؛ لأنه سنة.
وإن كان الإمام في صلاة سرية دخل معه كما تقدم وقرأ، فإن ركع إمامه ترك بقية الفاتحة وركع معه؛ لعموم: «وإذا ركع فاركعوا»، وإن أدركه في الركوع كبَّر تكبيرة واحدة للإحرام وتجزئ عن تكبيرة الركوع وركع معه، وتحسب له ركعة إذا اجتمع مع إمامه في حدِّ أقل الركوع، وهو قدر ما يَمَسُّ وَسَطُ الخلقة ركبتيه بيديه ولو لم يطمئن، ثم يطمئن ويتابع إمامه، وتجزئه الركعة ولو لم يقرأ الفاتحة، وهذا قول الجمهور، لحديث أبي هريرة: «من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة» وتقدم، ولحديث أبي بكرة المتقدم، فإنه لو لم يكن إدراك الركوع مجزئاً لإدراك الركعة مع الإمام لأمره النبي ﷺ بقضاء تلك الركعة التي لم يدرك القراءة فيها.
стр. 1360
وإن أدرك الإمام ساجداً سجد معه بتكبيرة الإحرام، وينحط بغير تكبير؛ لأنه لم يدرك محل التكبير، وقيل: بل يكبر لانحطاطه موافقة لإمامه، وكذا لو أدركه بين السجدتين، لكن لا تحسب له هذه الركعة؛ لأنه لم يدرك الركوع مع إمامه، فإن أدرك إمامه في التشهد فقد مضى ما يفعله المأموم، والله أعلم.
стр. 1361
بَابُ صَلَاةِ المسَافِرِ وَالمريضِ
هذا الباب عقده الحافظ ﵀ للأحاديث المتعلقة بصلاة المسافر والمريض؛ لأن لصلاة المسافر أحكاماً تخصُّها، ولصلاة المريض أحكاماً تخصُّها، فذكر أحاديث القصر والجمع بالنسبة للمسافر، وأحاديث صفة صلاة المريض، وإن كان قد ذكر الأخيرة في باب «صفة الصلاة» لكنه أعادها هنا كما في بعض نسخ «البلوغ».
وقصر الصلاة وجمعها للمسافر من محاسن الدين الإسلامي الذي بُنيت أحكامه على اليسر والسهولة، ورفع الحرج والتخفيف عن المكلف متى حصل ما يدعو إلى ذلك، والسفر سبب من أسباب التخفيف؛ لأن السفر قطعة من العذاب (١)، يمنع العبد نومه وراحته وقراره مهما تحسنت وسائل النقل وكان المسافر من أرفه الناس، فإنه في مشقة وجهد في جسمه.
ومن أحاديث هذا الباب وغيره استنبط العلماء قاعدة: «المشقة تجلب التيسير».
ومن حكمة الله تعالى أنه لم يفوّت على عباده مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يلزم بها كإلزامه بها في الحضر، فجاءت محققة للغرض وافية بالمقصود، مع تخفيفها وتيسيرها.
وينبغي أن يعلم أن رخص السفر ليست منوطة بالمشقة ولا معلقة بها؛ لأن المشقة وصف غير منضبط، وإنما هي معلقة بالسفر، سواء أكان في سيارة، أم طائرة، أم باخرة، أو غير ذلك.
стр. 1362
والسفر في اللغة: قطع المسافة، وسمي السفر سفراً؛ لأنه يسفر عن وجوه المسافرين وأخلاقهم، فيظهر ما كان خافياً منها.
وأما في الاصطلاح: فهو لا يختلف عن معناه اللغوي إلا في تحديد أقلِّ مدةٍ يصدق عليها أن صاحبها مسافر شرعاً، ليأخذ بأحكام السفر، وفي المسألة خلاف سيأتي إن شاء الله.
وكذلك المرض فإنه أحد أسباب التخفيف الظاهرة في الشريعة؛ لأن المرض من أسباب العجز والضعف عن القيام بالتكاليف على الوجه المعتاد في أيام الصحة.
стр. 1363
حكم القصر في السفر
٤٢٩/ ١ - عَنْ عَائشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَلِلْبُخَارِيِّ: ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعاً، وَأُقرَّتْ صَلَاةُ السَّفَر عَلَى الأَوَّلِ.
٤٣٠/ ٢ - زَادَ أَحْمَدُ: إِلاَّ المَغْرِبَ فَإنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإلاَّ الصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيهَا الْقِرَاءَةُ.
الكلام عليهما من وجوه:
الوجه الأول: في تخريجهما:
أما حديثها الأول، فقد أخرجه البخاري في مواضع، أولها: كتاب «الصلاة»، باب «كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟» (٣٥٠)، ومسلم (٦٨٥)(١) من طريق مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: (فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر والسفر، فأُقرّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر).
وأخرجه البخاري (١٠٩٠) في كتاب «تقصير الصلاة»، ومسلم (٦٨٥)(٣) من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، به، بلفظ: «وأتمت» مع زيادة: قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: (إنها تأوَّلت كما تأوَّل عثمان) وسيأتي - إن شاء الله - وجه إتمام عائشة ﵂ وأنها كانت تتم؛ لأن ذلك لا يشق عليها.
وأخرجه البخاري (٣٩٣٥) من طريق معمر، عن الزهري، عن عروة،
стр. 1364
به، بلفظ: (فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعاً، وتركت صلاة الفجر على الأول).
ولعل غرض الحافظ من إيراد هذه الرواية أنها صريحة في أن الزيادة في صلاة الحضر كانت بعد الهجرة وأن النبي ﷺ كان يصلي ركعتين ركعتين منذ أن فرضت الصلاة عليه قبل الهجرة بثلاث سنين إلى أن هاجر، ويؤيد ذلك رواية أحمد الآتية.
وأما حديثها الثاني، فقد أخرجه أحمد (٤٣/ ١٦٧): حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن الشعبي، عن عائشة ﵂ قالت: (قد فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتها، قال: وكان إذا سافر صلّى الصلاة الأولى)، فهذا فيه زيادة على أصل الحديث الثابت في «الصحيحين» فيما يخص المغرب والفجر.
وهذا الإسناد رجاله ثقات، كما قال الهيثمي (١)، إلا أنه منقطع بين الشعبي وعائشة، فقد قال ابن معين: (ما روى الشعبي عن عائشة فهو مرسل) (٢)، وكذا قال أبو حاتم والعلائي (٣)، ورواه أحمد - أيضاً - (٤٣/ ٣١٧) عن عبد الوهاب بن عطاء، عن داود، عن الشعبي، عن عائشة ﵂ بنحوه.
وقد جاء من طريق موصول، أخرجه ابن خزيمة (٣٠٥)، وابن حبان (٢٧٣٨) من طريق محبوب بن الحسن، حدثنا داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂، به.
ومحبوب ضعيف، ضعَّفه النسائي وأبو حاتم، فقال: (ليس بالقوي)، وقال ابن معين: (ليس به بأس)، وقد أخرج له البخاري حديثاً واحداً متابعةً في كتاب «الأحكام» (٤).
стр. 1365
لكنه لم ينفرد بوصله، فقد تابعه مرجَّى بن رجاء، أخرجه الطحاوي (١)، ورجاله ثقات غير مرجَّى بن رجاء، وقد علق له البخاري (٢)، ووثقه أبو زرعة، والدارقطني، وضعفه ابن معين.
وقد أجمع أهل العلم على القول بما في هذه الزيادات على أصل الحديث الثابت في الصحيحين مع إعراض الشيخين عنهما.
الوجه الثاني: في شرح ألفاظه:
قوله: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين) الفرض في اللغة: القطع والحز والتقدير، يقال: فرض القاضي النفقة: قدرها وحكم بها، وفرضتُ الخشبة: حززتها، واصطلاحاً: بمعنى الواجب عند الجمهور، إلا أن تأثير الفرضية أكثر من تأثير الوجوب وأقوى.
والمعنى أن الصلاة أول ما فرضها الله تعالى ليلة الإسراء كانت ركعتين ركعتين إلا المغرب فهي ثلاث منذ فرضت.
قوله: (فأقرت صلاة السفر) أي: بقيت صلاة السفر على الحالة الأولى التي فرضها الله تعالى ركعتين ركعتين، وظاهر هذا أن صلاة السفر لم تكن مقصورة من الأربع، لكن ظاهر القرآن خلاف ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] والقصر لا يكون إلا من تمام، وكذا حديث أنس بن مالك الكعبي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة … » الحديث (٣).
والجواب عن ذلك: أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا
стр. 1366
المغرب، ثم زيدت عقب الهجرة إلا الصبح - كما تقدم - ولما استقر فرض الرباعية خفف منها في السفر عند نزول آية القصر، ويكون معنى قول عائشة ﵂: (فأقرَّت صلاة السفر) أي: باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف، لا أنها استمرت منذ فرضت (١).
قوله: (وأتمت صلاة الحضر) وفي رواية لهما: «وزيد في صلاة الحضر» وهي أوضح في الدلالة على المراد، والمراد بذلك الزيادة في عدد ركعات الظهر والعصر والعشاء، كما يدل عليه حديث عائشة - كما تقدم ـ.
الوجه الثالث: الحديث دليل على أن صلاة السفر والحضر قبل الهجرة كانت ركعتين ركعتين، ثم زيد في صلاة الحضر، فصارت الظهر والعصر والعشاء أربعاً؛ لأن الحضر موضع الراحة والاستقرار، ومن فضل الله على عباده أن زادهم ركعتين، لما فيهما من الأجر العظيم والخير الكثير.
أما المغرب فهي ثلاث منذ فرضت لتكون وتر النهار، والفجر ركعتان، وقد ثبتت على ما فرضت عليه، لطول القراءة فيها.
الوجه الرابع: استدل بحديث عائشة ﵂ من قال بوجوب القصر في السفر، ووجه الاستدلال: أن قولها: (فرضت) بمعنى: وجبت، فإذا كانت صلاة السفر مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها؛ لأن الله تعالى زاد صلاة الحضر دون صلاة السفر. وهذا قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو قول ابن حزم (٢)، وآخرين، واختاره الصنعاني (٣) والشوكاني (٤).
كما استدلوا بحديث ابن عباس ﵄ قال: (فرض الله الصلاة على لسان نبيكم ﷺ في الحضر أربعاً، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة) (٥).
كما استدلوا بحديث يعلى بن أمية، قال: قلت لعمر بن الخطاب:
стр. 1367
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أَمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (١).
فهذا يدل على وجوب القصر؛ لأنه أمر بقَبول هذه الصدقة، وهي القصر، وهذا أمر مطلق فيحمل على الوجوب.
والقول الثاني: أن القصر مستحب وليس بواجب، وهو قول عامة أهل العلم - كما يقول ابن تيمية - ومنهم الشافعي، ومالك، وأحمد في المشهور عنه (٢)، واختاره الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال ابن تيمية: (القصر أفضل، والإتمام مكروه)، وهو رواية عن الإمام أحمد (٣).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١].
ووجه الدلالة: أن الآية نفت الجناح - وهو الإثم - عمن قصر الصلاة، وهذا دليل على الإباحة، كما يستفاد من الآيات الأخرى التي ورد فيها نفي الجناح.
كما استدلوا بحديث يعلى المتقدم، ووجه الدلالة: أن النبي ﷺ سَمَّى التخفيف من عدد الركعات: صدقة، فدل على أنها صدقة وفضل وتخفيف من الله تعالى، والصدقة لا يجب قبولها، بل يجب قَبول العزمات، ولو كان القصر واجباً لما قال عنه: إنه صدقة، بل قال: عزمة من عزمات ربنا أو نحو ذلك مما يدل على وجوب القبول، ثم إن أول الحديث يدل على ذلك، وهو قوله: «صدقة تصدَّق الله بها عليكم»، أي: تفضّل بإباحة ما كان ممنوعاً قبل ذلك، فيكون آخره تأكيداً لأوله (٤).
стр. 1368
القول الثالث: أن المسافر مخير إن شاء أتم وإن شاء قصَّر، وعزاه ابن المنذر للشافعي وأبي ثور، وقال ابن الملقن: (إنه وجه للشافعية) (١).
واستدلوا بما سيأتي من فعل عائشة ﵂ أنها كانت تتم وتقصر، كما استدلوا بفعل عثمان ﵁ حيث كان يقصر صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً (٢)، وكذا من خلفه كابن مسعود ﵁.
وهذا القول لا يخلو من ضعف؛ لأن التسوية بين القصر والإتمام منقوضة باستمرار الرسول ﷺ على القصر، ولم ينقل عنه أنه أتم - كما تقدم - ثم إن ابن مسعود ﵁ لما بلغه أن عثمان صلّى بمنى أربع ركعات قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، صليت مع رسول الله ﷺ بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان) (٣).
ولو كان المسافر مخيراً لما استرجع ابن مسعود ﵁ من الأمر الجائز، لكنه استرجع لما شاهده من مداومة النبي ﷺ وخلفائه على صلاة ركعتين في السفر، أو يقال: إنه استرجع لترك الأَوْلى.
هذا وقد ذكر ابن القيم عدة أعذار لإتمام عثمان ﵁، وتعقبها، ثم ذكر أن من أحسنها أن عثمان كان قد تأهَّل بمنى، والمسافر إذا أقام في موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة فإنه يتم (٤).
والناظر في الأدلة المتقدمة يتبين له أن الأحوط للمسافر ألا يدع القصر، اقتداءً بالنبي ﷺ وخروجاً من خلاف من أوجبه، فإن القول بالوجوب قوي، لكنه قد يشكل عليه إتمام بعض الصحابة، كما تقدم، فإنه لو كان القصر واجباً ما أتم أحد منهم، ولأنكر بعضهم على بعض ترك الواجب، مما يدل على أنهم ما فهموا الوجوب، ولهذا رجَّح الشيخ عبد العزيز بن باز القول بالاستحباب بناءً على ذلك، والله تعالى أعلم.
стр. 1369
جواز القصر والإتمام في السفر لأفراد الأمة
٤٣١/ ٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْصُرُ في السَّفَرِ وَيُتِمُّ، وَيَصُومُ وَيُفْطِرُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ.
وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: إنَّهُ لَا يَشُقُّ عَلَيَّ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ.
الكلام عليه من وجهين:
الوجه الأول: في تخريجه:
فقد أخرجه الدارقطني (٢/ ١٨٩) من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمرو بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂، به.
وقال الدارقطني: (هذا إسناد صحيح)، وذكر الحافظ - هنا - أن رواته ثقات، وابن ثواب لم يوثقه إلا ابن حبان (١)، وقول الحافظ: (إلا أنه معلول) أي: مع أن رجاله ثقات إلا أنه معلول، أي: فيه سبب خفي طرأ على الحديث فقدح فيه، قال الحافظ: (قد استنكره أحمد (٢)، وصحته بعيدة، فإن عائشة كانت تتم، وذكر عروة أنها تأولت كما تأول عثمان، كما في الصحيح، فلو كان عندها عن النبي رواية - أي في الإتمام كما هنا - لم يقل عروة عنها: إنها تأولت، وقد ثبت في «الصحيحين» خلاف ذلك) (٣)، أي إن عندها رواية أن الصلاة فرضت ركعتين ركعتين … كما تقدم.
وقال ابن القيم عن حديث الباب: (لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام
стр. 1370
ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله ﷺ (١)، فيكون ذكر الإتمام في هذا الحديث شاذّاً، وما يقابله هو المحفوظ، والمحفوظ أن الإتمام كان من فعل عائشة ﵂، لما أخرجه البيهقي في «سننه» (٣/ ١٤٣) من طريق شعبة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنها كانت تصلي في السفر أربعاً، فقلت: لو صليتِ ركعتين؟ فقالت: (يا ابن أختي، إنه لا يشق عليَّ).
وهذا إسناد صحيح (٢)، وهو يدل على أن عائشة ﵂ تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل، فيكون إتمامها باجتهاد منها، ولو كان النبي ﷺ قد أتم لكان إتمامها اتباعاً لسنة النبي ﷺ ، ولم تكن بحاجة إلى تأويل إتمامها. وقد خالفها أكثر الصحابة، فرأوا القصر مشروعاً مع المشقة وعدمها، على أن شيخ الإسلام ابن تيمية رد ذلك وقال: (هذا باطل ما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ﷺ وجميع أصحابه فتصلي خلاف صلاتهم … ) (٣)، وقد تقدم ما يدل على أنها أتمَّت بعد موت النبي ﷺ .
الوجه الثاني: الحديث دليل على أن النبي ﷺ كان يقصر الصلاة الرباعية وكان يتمها أربعاً، وأنه كان يصوم رمضان في السفر، وكان يفطر.
وتقدم أن ذكر الإتمام شاذ مخالف لما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من أن النبي ﷺ ما أتم الرباعية في السفر قط، ويؤيد ذلك حديث ابن عمر ﵄ قال: (إني صحبت رسول الله ﷺ في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وقد قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]) (٤)، وفي رواية: (وعثمان ركعتين صدراً من خلافته، ثم أتمها أربعاً)، وقد تقدم الإشارة إلى وجه إتمام عثمان ﵁، والله أعلم.